الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / تقاسيم على أصداء السيرة الذاتية (نجيب محفوظ) مع “أصداء الأصداء” بقلم: “يحيى الرخاوى” (173) الفصل‏ ‏الرابع: “‏حتى ‏رأى ‏وجهه‏ ‏سبحانه‏، ‏وسمع‏ ‏برهانه”

تقاسيم على أصداء السيرة الذاتية (نجيب محفوظ) مع “أصداء الأصداء” بقلم: “يحيى الرخاوى” (173) الفصل‏ ‏الرابع: “‏حتى ‏رأى ‏وجهه‏ ‏سبحانه‏، ‏وسمع‏ ‏برهانه”

نشرة الإنسان والتطور

الخميس: 11-4-2024

السنة السابعة عشر

العدد: 6067

تقاسيم على أصداء السيرة الذاتية (نجيب محفوظ) [1]

وهكذا نواصل نشر “الأصداء” مع “أصداء الأصداء”

 بقلم: “يحيى الرخاوى” واحدة واحدة (173)

الفصل‏ ‏الرابع

‏حتى ‏رأى ‏وجهه‏ ‏سبحانه‏، ‏وسمع‏ ‏برهانه

الأصداء عودة إلى النص:

‏173- ‏لقاء‏ ‏فى ‏الظلام‏:‏

قال‏ ‏الشيخ‏ ‏عبد‏ ‏ربه‏ ‏التائه

وأنا‏ ‏فى ‏مطلع‏ ‏الشباب‏ ‏حلمت‏ ‏هذا‏ ‏الحلم‏:‏

رأيت‏ ‏الصحراء‏ ‏مترامية‏ ‏أمامى ‏فأوغلت‏ ‏فيها‏ ‏ثملا‏ ‏بحريتى، ‏ولما‏ ‏أدركنى ‏المساء‏ ‏أردت‏ ‏أن‏ ‏أرجع‏ ‏ولكننى ‏ضللت‏ ‏سبيلى ‏وضعت‏ ‏فى ‏الظلمة‏ ‏كنسمة‏ ‏هائمة‏. ‏واستحوذ‏ ‏علىّ ‏الخوف‏ ‏واليأس‏ ‏ونظرت‏ ‏إلى ‏السماء‏ ‏فلم‏ ‏تقل‏ ‏لى ‏النجوم‏ ‏شيئا‏. ‏وانتبهت‏ ‏على ‏تردد‏ ‏أنفاس‏ ‏تلفح‏ ‏وجهى، ‏فجعت‏ ‏وتساءلت‏. ‏من‏ ‏هنا؟

فأجاب‏ ‏صوت‏ ‏هاديء

أتبع‏ ‏شبحي‏…‏

فتبعته‏ ‏مسلما‏ ‏أمرى ‏للمقادير‏. ‏وكلما‏ ‏مر‏ ‏الوقت‏ ‏دون‏ ‏وقوع‏ ‏ما‏ ‏يريب‏ ‏اطمأننت‏، ‏ودس‏ ‏الشبح‏ ‏فى ‏يدى ‏قارورة‏ ‏وطلب‏ ‏منى ‏أن‏ ‏أشرب‏ ‏فشربت‏ ‏شربة‏ ‏روية‏ ‏سرى ‏تأثيرها‏ ‏من‏ ‏الرأس‏ ‏إلى ‏القدمين‏ ‏وسألت‏:‏

‏- ‏أى ‏شراب‏ ‏هذا؟

فأجاب‏ ‏الشبح

‏- ‏خمر‏ ‏صنعتها‏ ‏فى ‏بيتي

وكدت‏ ‏أرتعب‏ ‏لولا‏ ‏أن‏ ‏طارت‏ ‏بى ‏النشوة‏ ‏فوق‏ ‏الهواجس‏.‏

وهلت‏ ‏بشائر‏ ‏الشروق‏ ‏ونحن‏ ‏نسير‏ ‏ولمحت‏ ‏وجهه‏ ‏على ‏ضوء‏ ‏أول‏ ‏شعاع‏ ‏فإذا‏ ‏به‏ ‏وجه‏ ‏امرأة‏ ‏لم‏ ‏أشهد‏ ‏لحسنها‏ ‏مثيلا‏ ‏من‏ ‏قبل‏.‏

ورجوتها‏ ‏أن‏ ‏تقف‏ ‏لحظة‏ ‏وركعت‏ ‏أمامها‏ ‏فى ‏خشوع‏، ‏وأحطتها‏ ‏بذراعى

أصداء الأصداء

حين‏ ‏قرض‏ ‏محفوظ‏ ‏الشعر‏ ‏فى ‏الفقرة‏ ‏السابقة – أعنى عبد ربه!!-‏، ‏فرحت‏ ‏أنه‏ ‏تراجع‏ ‏قليلا‏ ‏عن‏ ‏الحكمة‏ ‏المباشرة‏، ‏ثم‏ ‏زاد‏ ‏فرحى ‏وهو‏ ‏يطلق‏ ‏سراح‏ ‏الحلم‏ ‏هكذا‏:‏

ترتبط‏ ‏الصحراء‏ – ‏عند‏ ‏محفوظ‏ ‏وغيره‏- ‏بالحرية‏ ‏والضياع‏ ‏المستكشف‏ ‏معا‏.‏

كما‏ ‏يرتبط‏ ‏الخلاء‏ – ‏عند‏ ‏محفوظ‏ ‏أساسا‏- ‏بالحرية‏ ‏والامتلاء‏ ‏الواعد‏ (‏فى ‏أغلب‏ ‏الأحيان‏)‏

إلا‏ ‏أننى ‏كثيرا‏ ‏ما‏ ‏دفعنى ‏خلاء‏ ‏محفوظ‏، ‏من‏ ‏أول‏ ‏ما‏ ‏لاح‏ ‏مع‏ ‏انطلاقة‏ ‏عمر‏ ‏الحمزاوى (‏الشحاذ‏) ‏فى ‏صحراء‏ ‏الهرم‏، ‏حتى ‏تكرر‏ ‏نداؤه‏ ‏لعاشور‏ ‏الناجى ‏الكبير‏ ‏فى ‏الحرافيش‏، ‏كثيرا‏ ‏ما‏ ‏دفعنى ‏أن‏ ‏أتحـَوّل‏ ‏لأتجوّل‏ ‏فى ‏صحراء‏ “‏الداخل”‏ قبل‏ ‏أن‏ ‏أتلفت‏ ‏حولى ‏خارجا‏. ‏وقد‏ ‏وجدتنى ‏أفهم‏ ‏هذا‏ ‏التجوال‏ ‏فى ‏الداخل‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏تعرفى ‏عليه‏ ‏فى ‏الخارج‏، ‏ولعل‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏يلهمنا‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏فعلته‏ ‏الصحراء‏ ‏بالأنبياء‏‏، ‏كما‏ ‏قد‏ ‏يفسر‏ ‏لنا‏ ‏شغف‏ ‏رحلات‏ “‏البر”، ‏و”السفارى” ‏التى ‏يقوم‏ ‏بها‏ ‏المغامرون‏ ‏الأحدث‏.‏ فى ‏هذا‏ ‏الخلاء‏ ‏الذى ‏فتح‏ ‏آفاقه‏ ‏هذا‏ ‏الحلم‏ ‏نجد‏ ‏أنفسنا‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏مع‏ ‏النسمة‏ ‏الهائمة‏ (‏قارن‏ ‏الذرة‏ ‏الهائمة‏ ‏فى ‏الفقرة‏ ‏السابقة‏، ‏والإشارة‏ ‏إلى ‏أعماق‏ ‏الذات‏/ ‏الكون‏). ‏ومع‏ ‏النداء‏ ‏المتكرر‏، ‏ولكن‏ ‏النداء‏ ‏لا‏ ‏يأتى ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏من‏ ‏الماء‏، ‏وإنما‏ ‏هى ‏أنفاس‏ ‏تقترب‏ ‏من‏ ‏الوجه‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏نتبين‏ ‏مصدرها‏، ‏وحين‏ ‏يتبع‏ ‏الشيخ‏ ‏عبد‏ ‏ربه‏ ‏الصوت‏، ‏وهو‏ ‏بعد‏ ‏شاب‏ ‏صغير‏، ‏يتسحب‏ ‏إليه‏ ‏الاطمئنان‏ ‏متصاعدا‏ ‏تدريجيا‏، ‏أولا‏ ‏بدون‏ ‏عامل‏ ‏مساعد‏، ‏ثم‏ ‏يصاعد‏ ‏ويتجاوز‏ ‏إذ‏ ‏يرتوى ‏من‏ ‏شربة‏ ‏خمر‏ ‏الطمأنينة

‏ ‏والدليل‏ ‏على ‏ما‏ ‏ذهبت‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏هى ‏فى ‏الداخل‏ ‏أساسا‏، ‏أن‏ ‏الهاتف‏ ‏يؤكد‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الخمر‏ ‏هى ‏من‏ ‏صنعه‏ ‏هو‏، ‏فى ‏بيته‏ ‏هو‏ “‏صنعتها‏ ‏فى ‏بيتي”‏

وتظهر‏ ‏المرأة‏ ‏مع‏ ‏ظهور‏ ‏الضوء‏ ‏ولا‏ ‏تمضى ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏تاركة‏ ‏إياه‏ ‏يتبعها‏ ‏مطمئنا‏ ‏أو‏ ‏ملهوفا‏، ‏وإنما‏ ‏هى ‏تقف‏ ‏وتسمح‏ ‏له‏ ‏أن‏ ‏يحيطها‏ ‏بذراعيه‏ ‏راكعا‏ ‏خاشعا‏.‏

الفرق‏ ‏هنا‏ ‏بين‏ ‏الندّاهات‏ ‏السابقة‏ ‏وندّاهة‏ ‏الشيخ‏ ‏عبد‏ ‏ربه‏ ‏هذه‏، ‏يعلن‏ ‏احتمال‏ ‏صحة‏ ‏الفرض‏ ‏الذى ‏طرحناه‏ ‏سابقا‏ ‏من‏ ‏أن الأرجح أن ‏ظهور‏ ‏الشيخ‏ ‏عبد‏ ‏ربه‏ ‏إنما‏ ‏يعلن‏ ‏التصالح‏ ‏الداخلى ‏الذى ‏يحققه‏ ‏الإنسان‏ ‏النامى ‏على ‏أعلى ‏مدرج‏ ‏سلم‏ ‏النمو‏ [2] 

ــــــــــــــــــــــــ

[1] – يحيى الرخاوى “أصداء الأصداء” تقاسيم على أصداء السيرة الذاتية (نجيب محفوظ) (الطبعة الأولى 2006 – المجلس الأعلى للثقافة)، و(الطبعة الثانية  2018  – منشورات جمعية الطب النفسى التطورى) والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى دار المقطم للصحة النفسية شارع 10، وفى مركز الرخاوى: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم، كما يوجد أيضا بموقع المؤلف www.rakhawy.net

[2] – ‏الراشد‏ ‏الناضج‏integrated adult ‏ بلغة‏ ‏إريك‏ ‏بيرن‏، ‏أو‏ ‏التفرد‏ individuation ‏بلغة‏ ‏يونج‏

 

تعليق واحد

  1. يبدو ان صعب نشرها وحدها دون السابقة عليها لان النقد هنا صعب قبوله وحده دون الربط بالسابق…وحضرني تأويل يقول باستحقاق المجتهد المغامر المكافأة حتي لو تاه بالسكة فله أحر وثواب المغامرة والاجتهاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *