الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الحلقة العشرون الثلاثاء‏: 24 / 1 / 1995

الحلقة العشرون الثلاثاء‏: 24 / 1 / 1995

نشرة “الإنسان والتطور”

22-4-2010

السنة الثالثة

العدد: 965

 Photo_Mafouz

الحلقة العشرون

الثلاثاء‏: 24 / 1 / 1995

نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏فى ‏منزلي‏، منزلى ‏أنا‏، ‏الحمد‏ ‏لله‏،

‏أى ‏ريح‏ ‏طيبة‏!!، ‏أى ‏رضا‏ ‏من‏ ‏ربى ‏أن‏ ‏يبارك‏ هذا الرجل ‏هذا‏ ‏البيت‏ ‏المتواضع، ‏كنت‏ ‏أود‏ ‏أن‏ ‏أذهب‏ ‏لاستطحابه‏ ‏كما‏ ‏اعتدت‏ ‏طوال‏ ‏هذين‏ ‏الشهرين‏، ‏ولكننى ‏لم‏ ‏أفعل‏، ‏فضلت‏ ‏أن‏ ‏يذهب‏ ‏محمد‏ ‏إبني‏، ‏وأن‏ ‏أكون‏ ‏أنا‏ ‏فى ‏استقباله‏. شعرت أن ثم ‏فرق‏ ‏بين‏ ‏أن‏ ‏أصحبه مثل كل مرة، ‏وبين‏ ‏أن‏ ‏أستقبله فى بيتى، وصلنى حضوره وتشريفه بمجرد أن أعددت نفسى لاستقباله، ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏داخلى ‏كان‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يتأكد‏ (‏أو‏ ‏أن‏ ‏يصوّر‏ ‏لي‏) ‏أنه‏ ‏هو‏ ‏الذى “‏أتي‏”، ‏وليس‏ ‏أنا‏ ‏الذى “‏أتيت‏ ‏به‏”، أو شىء من هذا القبيل، (ملحوظة: تكلمت فى نشرة سابقة، وأنا أستلهم بعض كتابات تدريبه، كيف ولماذا تجنبت طول الوقت، وحتى الآن، أن أذكر فى الإعلام فى حياته وبعد رحيله، حكاية حضوره لمنزلى أسبوعيا طوال عشر سنوات‏ )

كنت طول بعد الظهر الذى سوف يحضر فى مسائه بيتى لأول مرة ‏ ‏قد‏ ‏أخرجت‏ ‏بعض‏ ‏أوراقى أبحث عن رد كتبه لى بخط يده الجميل منذ سنوات قبل أن ألقاه للمرة الوحيدة فى الأهرام، ردا على تساؤل كتبته له على عنوانه أنذاك، هى مرة وحيدة، لا أعرف كيف تذكرتها الآن، رحت أبحث فى أوراقى ‏وخزائنى ‏ومكتبتى ‏ولم أعثر عليه، لكننى عثرت على ‏أشياء‏ ‏غريبة‏ ‏ومتعددة‏ ‏لا أذكر لماذا احتفظت بها، مؤكد أن ذلك لم يكن لقيمتها التاريخية أو الأثرية، رحت أنتقى منها ما يصلح لاستقباله داخل نفسى، ‏أردت‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏فى ‏استقباله‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏أحب‏، ‏العصىّ ‏التى ‏أقتنيتها‏ ‏من‏ ‏مختلف‏ ‏أنحاء‏ ‏العالم‏ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏ميدان‏ الحسين، ‏وكأنه مزار خاص‏، ‏الخناجر‏ ‏والمدى ‏من‏ ‏اليمن‏ ‏وسان‏ ‏فرانسيسكو‏، السكاكين السويسرى من باريس ‏واليونان‏، ‏والتماثيل‏ ‏النحاسية‏ ‏الصغيرة‏ ‏من‏ ‏بونيار‏ ‏فى ‏شمال‏ ‏أسبانيا‏ ‏ومن‏ ‏زقاق‏ ‏جنيف‏، ‏أكواب‏ ‏الفخار‏ ‏والصينى ‏من‏ ‏لوس‏ ‏أنجلوس‏ (‏ديزنى ‏لاند‏) ‏هذا ‏الكوب‏ ‏المزركش‏ ‏من‏ ‏بلدة‏ ‏سان‏ ‏برنار فى‏ جبال‏ ‏شمال‏ ‏إيطاليا، هذه السلحفاة ‏ ‏ ‏من‏ ‏الغردقة‏، ‏وذلك الديك ‏ ‏من‏ ‏جنوب‏ ‏فرنسا‏، من بياريتز ‏على ‏ما‏ ‏أذكر‏، ‏وعروسة‏ ‏ممزقة‏ ‏باعها‏ ‏يهودى ‏تائه‏ ‏لبائع‏ ‏روبابيكيا‏ ‏فى ‏نويبع‏،‏ اشترتها فاشتريتها ‏منه‏ ‏بربع‏ ‏جنيه‏ ‏من‏ ‏عام‏ ‏ونصف‏، ‏ثم لعبة‏ ‏خشبية‏ ‏من‏ ‏ألعاب‏ ‏الملاهى ‏أهدتها‏ ‏لى ‏إبنتى ‏وقد‏ ‏اشترتها‏ ‏لى ‏خصيصا‏ ‏فى ‏آخر‏ ‏رحلة‏ ‏لها‏ ‏فى ‏أسبانيا‏، “‏وفم‏ ‏سيجارة‏ ‏وجوزة‏ ‏من‏ ‏الدار‏ ‏البيضاء‏ (‏كازبلانكا، وأنا لا أدخن)، ‏أشياء وأشياء وصور وذكريات ‏ ‏كثيرة‏ ‏صغيرة‏ ‏أحبها‏، ‏رغم‏ ‏حرمانى ‏من‏ ‏الحوار‏ ‏معها‏ ‏وتأملها‏ ‏والإنصات لها وفاء بوعدى لها عند شرائها أو اقتنائها، حال زحام الحياة بينى وبين‏ ‏الوفاء‏ ‏بوعودى ‏لكل‏ ‏هذه‏ ‏الأشياء‏، وجدتها جميعا وأنا أبحث عن خطابه وكانها كانت فى انتظاره معى، تصورت أنها تتنافس للحضور معى فى شرف استقباله، اقتربت ‏ ‏قطعة‏ ‏حجر‏ ‏من‏ ‏سانت‏ ‏كاترين‏، ‏تتبعها‏ ‏زلطة‏ ‏من‏ ‏العين‏ ‏السخنة‏ ‏يشكرانى أننى أحضرتهما ‏‏من‏ ‏موطنهما‏ ‏الأصلى ‏منذ‏ ‏سنوات‏ ‏ليكونا‏ ‏فى ‏شرف‏ استقباله الآن معى.

هل هى مصادفة مواكبة للحدث؟ ‏اكتشفت‏ ‏أمس‏ ‏فى ‏العيادة‏ ‏هديتين‏ ‏مهملتين‏ ‏رغم‏ ‏دلالتهما‏، ‏وكأنهما‏ ‏كانا‏ ‏ينتظران‏ ‏من‏ ‏يستحق‏ ‏أن‏ ‏يشاركنى ‏حضورهما‏ ‏فى ‏وعيى ‏بما‏ ‏يستحقان‏، “بارافان‏” ‏خشبى ‏صغير‏ ‏لا‏ ‏يزيد‏ ‏عرضه‏ ‏عن‏ ‏ثلاثين‏ ‏سنتيمتر‏ ‏وطوله‏ ‏عن‏ ‏عشرين‏ ‏سنتيمتر‏، ‏كان‏ ‏الفنان‏ ‏عصمت‏ ‏داوستاشى ‏قد‏ ‏أهداه‏ ‏لى ‏فى ‏نوبة‏ ‏تشكيله‏ ‏روائع‏ ‏بسيطة‏ ‏من‏ ‏بقايا‏ ‏قديمة‏، ‏كما قفزت إلىّ لوحة ‏ ‏بها‏ ‏شعر‏ ‏لطاغور‏ ‏أهداها‏ ‏لى ‏يوسف‏ ‏عزب‏، ‏وطاغور‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الشاعر‏ ‏الذى ‏قال‏ لى ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏يحبه،‏ ‏قرأت‏ ‏ما‏ ‏سطر‏ ‏بهذه‏ ‏اللوحة‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏، ‏وأنا‏ ‏كثيرا‏ ‏ما‏ ‏أفعل‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏الهدايا‏ ‏الخاصة‏ ‏ذات‏ ‏الدلالة‏ ‏الخاصة‏، ‏اؤجل‏ ‏قراءة‏ ‏المحتوى ‏وأكتفى ‏برائحة وصدق‏ ‏الإهداء‏، ‏فكان‏ ‏بها‏ ‏ما‏ ‏يلي‏:‏

بهذا‏ ‏الذى ‏يدعو‏ ‏الناس‏ ‏عبثا‏ ‏يزهو‏ ‏صديقك‏ ‏أبدا

وبقلبه‏ ‏المفتل‏ ‏بنوره‏ ‏يربح‏ ‏الحقيقة

لا‏ ‏شيء‏ ‏يقوى ‏على ‏أن‏ ‏يضله‏ ‏أو‏ ‏يخدعه

تلك‏ ‏مكافأته‏ ‏يحملها‏ ‏إلى ‏بيته‏ ‏المدخر

هل‏ ‏زيارة‏ ‏الاستاذ‏ ‏هذه‏ ‏هى ‏مكافأتى يحملها لى القدر إلى بيتى المدخر ؟

‏ ‏ ‏ ‏أعلم‏ ‏تمام‏ ‏العلم‏ ‏أنه‏ ‏لن‏ ‏يرى ‏أيا‏ ‏من هذه الأحياء التى قفزت تنافسنى حضور شرف استقباله‏ (‏لا‏ ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏أكرر‏ ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏ما‏ ‏تبقى ‏له‏ ‏من‏ ‏بصر‏ ‏عوضه‏ ‏الله‏ ‏بببصيرة‏ ‏لا‏ ‏مثيل‏ ‏لها‏)، ‏كما‏ ‏أعلم‏ ‏أننى ‏لن‏ ‏أحدثه‏ ‏عن‏ ‏شيء‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏الذى ‏أعددته‏ ‏لاستقباله‏، ‏ولا‏ ‏أحد‏ ‏يعلم‏ ‏ماذا‏ ‏فعلت‏، ‏ولو‏ ‏قالوا‏ ‏لى ‏أن‏ ‏لوحة‏ ‏فان‏ ‏جوخ‏ ‏التى ‏بيعت‏ ‏بأكثر‏ ‏من‏ كذا ‏مليون‏ ‏دولار‏ هذا الأسبوع ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏فى حوزتك‏ ‏تزين‏ ‏بها‏ ‏بيتك‏ ‏وأنت‏ ‏فى ‏استقباله‏، ‏لرفضت‏ ‏لتوي‏، ‏فأنا‏ ‏أعرف‏ – ‏أو‏ ‏أكاد‏ ‏أعرف‏ – ‏ماذا‏ ‏تعنى ‏هذه‏ ‏الأشياء‏ (‏الأحياء‏) ‏لى‏، ‏وكيف‏ ‏أحبها‏، ‏وكيف‏ ‏أريدها‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏فى ‏استقبال‏ ‏من‏ ‏أحب‏.

بعد‏ ‏أن‏ ‏رتبت‏ ‏كل‏ ‏تلك الاشياء، فى ركن معتم ‏ ‏بعيدا عن الأنظار، فى ‏الصالة‏ ‏التى ‏سوف‏ ‏استقبله‏ ‏فيها‏، ‏وهى ‏الدور‏ ‏الأول‏ ‏من‏ ‏مسكنى ‏الخاص‏ (‏جدا‏)، وجدت أن هذا الدور الهادئ المهمل ‏قد‏ ‏امتلأ‏ ‏فجأة‏ ‏بالحياة‏ ‏والأحياء،‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يحضر‏ ‏الاستاذ‏، ‏بل‏ ‏إننى ‏اكتشفت‏ ‏أيضا‏ ‏أننى ‏أحب‏ ‏أشياء‏ ‏كثيرة‏ ‏وصغيرة‏ ‏وهامة‏، ‏فلماذا‏ ‏يتهمونى – ‏وخاصة‏ ‏أولادى ‏وربما‏ ‏طلبتى – ‏بأننى ‏لا‏ ‏أحب‏ ‏شيئا‏ ‏سوى ‏القراءة‏ ‏والتطبيب؟‏ ‏فليشهد‏ ‏أستاذى ‏حين‏ ‏تصله‏ ‏الرسالة‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الأشياء‏ ‏الصغيرة‏ ‏المحيطة‏ ‏بأننى ‏أحبه‏، ‏وأننى ‏أحضرت‏ ‏له‏ ‏فى ‏إستقباله‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏أحب‏، ومن يحب، ‏أو‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يمثل‏ ‏ما‏ ‏أحب‏.‏

حضر‏ ‏الاستاذ‏ ‏فى ‏الميعاد‏ ‏بالدقيقة‏، ‏وكان‏ ‏فى ‏صحبته‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏وزكى ‏سالم‏‏، ‏جلس‏ ‏وسطنا‏ ‏بكل طيبته‏ ‏الرحبه‏ ‏فامتلأ بيتى به،‏ ‏وامتلأت الدنيا بتحوطنا حوله‏، ‏جلس‏ ‏وكأنه‏ ‏كان‏ ‏هنا‏ ‏منذ‏ ‏خمسين‏ ‏عاما‏، ‏أولادى ‏وزوجتى ‏وزوجة‏ ‏إبنى ‏وحفيدى ‏وحفيدتى ‏جاؤوا وسلموا‏، ‏وجلسوا‏ – ‏كنت‏ ‏قلقا‏ ‏من‏ ‏وجودهم‏ ‏بصراحة‏ – ‏كنت‏ ‏أريد‏ ‏ألا‏ ‏يشعر‏ ‏الأستاذ‏ ‏بجو‏ ‏أسرى تقليدى ‏يعوق‏ ‏انطلاقه‏، ‏ولكننى ‏كنت‏ ‏أعد‏ ‏له‏ ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏فرصة‏ ‏أن‏ ‏نلتقى ‏بنوع‏ ‏آخر‏ ‏من‏ ‏العقول‏ ‏والحضور‏ ‏والوعي‏، ‏نكمل‏ ‏به‏ ‏اليوم‏ ‏السابق‏، ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏يختلف‏ ‏عن‏ ‏الآخر‏ ‏ويكمله‏ ‏فتثرى ‏الأيام‏ ‏بعضها‏ ‏بعضا،‏ ‏خجلت أن‏ ‏أنبه‏ ‏أهل‏ ‏بيتى ‏أن‏ ‏ينصرفوا‏ ‏بعد‏ ‏السلام‏، لكنهم التقطوا ما بى فانصرفوا، ‏كانوا‏ ‏فرحين‏ ‏به‏، ‏فخورين‏ ‏أنه‏ ‏بينهم‏ ‏فى ‏بيتهم‏، ‏وتذكرت‏ ‏جملة‏ ‏ترحيب‏ ‏ريفية‏ ‏كنت‏ ‏سمعتها‏ ‏ولم‏ ‏أفهمها‏، ‏لم‏ ‏أتمعن‏ ‏فيها‏ ‏حينذاك‏ ‏جملة‏ ‏تقال‏ “‏حين‏ ‏يحل‏ ‏ضيف‏ ‏عزيز‏ ‏على ‏آخر‏، ‏يقول‏ ‏صاحب‏ ‏البيت‏ ‏أو‏ ‏صاحبته‏ “‏زارنا‏ ‏النبي‏”‏ ‏المعنى ‏الطيب‏ ‏الذى ‏تحمله‏ ‏جملة‏ ‏الترحيب‏ ‏هذه‏ ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏يعنى ‏أنها‏ ‏زيارة‏ ‏عزيزة‏ ‏وغالية‏ ‏ومباركة‏ ‏وطيبة‏ ‏وكأنها‏ ‏زيارة‏ ‏نبي‏، ‏ليكن‏ ‏يا‏ ‏سيدى ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏حالى ‏الآن‏ ‏لقد‏ “‏زارنا‏ ‏النبى” ‏فمرحبا‏ ‏وأهلا‏ ‏وحمدا‏ ‏لله‏.‏

كنت‏ ‏قد‏ ‏واعدت‏ ‏بعض‏ ‏زملائى (‏طلبتي‏) ‏أن‏ ‏يشاركونا‏ ‏هذه‏ ‏الجلسة‏ ‏حتى ‏أخفف‏ ‏الجرعة‏ ‏العائلية‏، وخوفا من قلة عدد الحضور أو فقر الحوار، لم يكن موعد اللقاء ولا مكانه قد وصلا إلى سائر الأصدقاء (الذين سموا بعد ذلك، وحتى الآن 2010 بـ “جماعة الجمعة”) ‏ تذكر‏ ‏د‏. ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏الله‏ (‏أحد زملائى ممن يعملون معى فى المقطم‏) ‏مقتطفا‏ ‏من‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية‏ (‏آخر‏ ‏أعمال‏ ‏الاستاذ‏ ‏، كانت ‏لم‏ ‏تنشر‏ ‏مكتملة‏ بعد) ‏وأعاد ‏ ‏المقتطف‏ على الأستاذ :”‏إن‏ ‏المعنى ‏فى ‏الحركة‏”، ‏ثم قال‏ للأستاذ إنه اكتشف ‏أنه‏ ‏يعالج‏ ‏المرضى ‏بوحى ‏هذه‏ ‏المقولة‏، ‏وشرح قصده ‏شرحا‏ ‏أقل‏ ‏مما‏ ‏وصلنى ‏وأمِلتُـه‏، ‏فشعرت بذلك، ويبدو أنه شعر هو أيضا بذلك، فدعانى الأستاذ مرحبا ‏أن‏ ‏أكمل‏ ‏الشرح‏ ‏لربط المعنى بالحركة بالعلاج، فقلت‏ ‏للأستاذ‏ ‏مازحا‏ ‏محذرا أننى‏ ‏حين‏ ‏أشرح‏ ‏مثل‏ هذه ‏ ‏الخبرة‏ ‏العلاجية الغامضة بالألفاظ‏ ‏لا‏ ‏أفعل‏ ‏الإ‏ ‏أن‏ “‏أصعـِّبـها‏”، ‏وأخذت‏ ‏أشرح‏ ‏له‏ ‏وجهة‏ ‏نظرى ‏من خلال خبرتى: كيف أن ‏ ‏الأفكار‏ ‏والتفكير‏ ‏توجد‏ ‏فى ‏الجسد‏ ‏كله‏ ‏وفى ‏العضلات‏ ‏خاصة‏، ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏توجد‏ ‏فى المخ‏ ‏وخلاياه‏، ‏وأن‏ ‏حركة‏ ‏الجسد‏ ‏وخلخلته‏ ‏وتوازنه‏ ‏وتكامله‏ ‏كلها‏ ‏لها‏ ‏تأثيرها‏ ‏فى ‏حركة‏ ‏المفاهيم‏ ‏وتنظيمها‏ ‏بما‏ ‏هى ‏جزء‏ ‏لا‏ ‏يتجزأ ‏من‏ ‏الكيان‏ ‏الحيوى ‏للجسد‏ ‏ككل‏ ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏للمخ‏، ‏وفجأة‏ ‏وأنا‏ ‏أتحدث‏، ‏وجدتنى ‏أكلم‏ ‏نفسي‏، ‏فتوقفت فجأة، كنت قد‏ ‏لاحظت‏ ‏أن‏ ‏حاجبى ‏الأستاذ‏ ‏يزدادان‏ ‏ارتفاعا‏ ‏ولا‏ ‏ينزلان‏، ‏ولو‏ ‏أمكن‏ ‏أن‏ ‏يرتفعا‏ ‏أكثر‏ ‏لحدث‏ ‏ذلك‏، ‏ثم إنه‏ ‏لا‏ ‏يهز‏ ‏رأسه‏ ‏بين‏ ‏الجملة‏ ‏والجملة‏، ‏كما‏ ‏اعتدت‏ ‏منه‏ ‏فعرفت‏ ‏أننى ‏شطحت‏، ‏وأننى ‏أتكلم‏ ‏لغة‏ ‏خاصة‏، ‏وأننى ‏خرجت‏ ‏عما‏ ‏ينبغى، ‏فخجلت‏ ‏حتى ‏كدت‏ ‏أعرق‏ ‏وتوقفت‏ ‏وكأنى ‏أعتذر‏، ‏وخففت‏ ‏من‏ ‏الجرعة‏ ‏وأنا أعتذر علنا مذكرا الأستاذ والحضور ‏ ‏أننى ‏أعلنت‏ ‏من‏ ‏البداية‏ ‏أننى “‏أصعِّـبها‏”، وبرقته الدافئة لم يستزدنى شرحا، ووافق بطريق غير مباشر على تغيير مجرى الحديث (وقد رجعنا إليه لاحقا فى ظروف أطيب بين عدد من الحضور أقل).

للأسف، أو كالعادة، وجدنا أنفسها نقلب من جديد فى ‏مسألة‏ ‏الديمقراطية‏ ‏والتهديد‏ ‏بأن‏ ‏يتولى ‏الإسلاميون‏ ‏السلطة‏، ‏هذا‏ ‏الحديث‏ ‏لايريد‏ ‏أن‏ ‏يتوقف‏، ‏ويبدو أن ما‏ ‏تفعله‏ ‏الحكومة‏ ‏الحالية‏ بهم ‏من‏ ‏تعذيب‏ ‏وملاحقة‏ ‏يومية هو الذى يجعل البدائل تقفز فى مواجهة بعضها البعض بهذه الصورة اللحوح‏، ‏أغلب‏ ‏الحضور‏ ‏من‏ ‏الشباب‏ ‏يرفضون‏ ‏هذا‏ ‏التعذيب‏ ‏وهذا‏ ‏القهر‏ ‏السلطوي‏، ‏وحين‏ ‏سألتهم‏ ‏إذا‏ ‏كانوا‏ ‏صادقين‏ ‏حقا‏ ‏فى ‏رفضهم‏ ‏هذا‏، ‏فهل‏ ‏يقبلون‏ ‏إتاحة‏ ‏الفرصة‏ ‏لهؤلاء‏ ‏الناس‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏الديمقراطية‏ – ‏أن‏ ‏يتولوا‏ ‏الحكم‏، ‏فأجابوا‏ ‏كلهم‏: (‏حوالى ‏ستة‏)، ‏بالنفي‏، وقال الأستاذ رأيه من جديد وهو يوجهه هذه المرة للشباب على ما يبدو، ‏وحين‏ ‏احتد‏ ‏الخلاف‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏إبنى ‏محمد ذكرنا‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏بأن‏ ‏هذا‏ ‏الخلاف‏ ‏الظاهر‏ ‏يتكرر‏، ‏وأنه‏ ‏يعنى ‏شيئا‏ ‏طيبا‏ ‏فى ‏الأغلب‏، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يمثل‏ ‏الخلاف‏ ‏بين‏ ‏الأجيال‏ ‏أو‏ ‏الصراع‏ ‏بينهما‏، ‏فقلت‏ ‏للأستاذ‏ ‏إنها‏ ‏فرصة‏ ‏لأعرض‏ ‏عليه‏ ‏رأيى ‏فى ‏هذه‏ ‏القضية‏ التى أرى أن الغربيين اختزلوها فيما يسمى “صراع”، ‏ففى ‏حين‏ ‏يؤكد ‏الغربيون‏ (‏وربما‏ ‏امتدادا من الإغريق‏) ‏أن‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الإبن‏ ‏والأب‏ ‏يحكمها‏ ‏التنافس‏ ‏وإثبات‏ ‏الذات‏ ‏والإنفصال‏ ‏للتميز‏ ‏كما‏ ‏صور‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏سوفوكليس‏ ‏فى ‏أوديب‏، ‏ثم‏ ‏أقره‏ ‏وروّجه‏ ‏سيجموند‏ ‏فرويد‏ ‏فيما‏ ‏يعرف‏ ‏بعقدة‏ ‏أوديب‏، ‏فإننى ‏أرى ‏أن‏ ‏حضارات‏ ‏وأديان‏ ‏جنوب ‏شرق‏ ‏آسيا‏، ‏وكذلك‏ ‏الحضارات‏ ‏والثقافات‏ ‏الإيمانية‏ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الإسلام، ‏تقدم‏ ‏نموذجا‏ ‏آخر‏ ‏لعلاقة‏ ‏الإبن‏ ‏بأبيه‏، ‏وهو‏ ‏نموذج‏ ‏”اسماعيل- إبراهيم” ‏ ‏عليهما‏ ‏السلام‏، ‏هنا ‏الأب‏ ‏يرى مناما (هو وعى آخر) يأمره أن يذبح‏ ‏ابنه، فيستقبله باعتباره إلهاما‏، حين يطيع الأب الأمر، بل ويطيع الإبن أباه، ليس لأنه أباه، ولكن لأنه أوحى إليه تتأكد إرادة التطور دون إعاقة من طفولة أو بدائية بداخلنا، ويتحقق الولاف بينهما برمز التضحية بما هو حيوان بدائى فيما يمثله الطفل فينا، فيتم إنقاذهما معا، لهما معا، فالإبن‏ ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏ذاتا‏ ‏حقيقية‏ ‏مختلفة‏ ‏تمثل‏ ‏طورا‏ ‏تاليا‏ ‏غير‏ ‏منفصل‏ ‏عن‏ ‏تاريخها‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏تمثل‏ ‏والده‏ ‏طاعةً فاحتواءً حتى ‏هضمه‏ ‏دون أن يلغيه، والأب ‏يكون‏ ‏قد‏ ‏تخلص‏ ‏من‏ ‏بدائيته‏ ‏الناطحة‏ ‏الحيوانية‏ دون أن يفقد ابنه بداخله، من هنا جاءتنى أصول “فرض جدل إسماعيل = إبراهيم”، بديلا عن صراع أوديب وأبيه وتنافسهما على الأم، الجدل هنا يتم حله بتخليق الخطوة التالية منه، لا بالصراع ولا بانتصار أحد الأطراف على الطرف الآخر حتى القتل.‏ ‏الولادة‏ ‏الجديدة تتم بتكرار هذا الجدل فى مراحل مختلفة من النمو والتطور، بطاعة الأب للرب، وطاعة الإبن للأب، فى رحاب إيقاع الجدل الأرحب. ما كل هذا ؟ ما كل هذا؟ كيف سمحت لنفسى أن أتمادى فى هذا التصعيب لمجرد الرد على توفيق صالح وهو يعقب على علاقتى بمحمد إبنى، العجيب فى الأمر، أن الأستاذ – برغم صعوبة الفرض فالأطروحة – كان يميل نحوى وأنا أقترب من أذنه اليسرى، وهو يهز رأسه فى إنصات تام، شعرت معه أنه يتابعنى فعلا، وربما هذا هو ما شجعنى على أن أواصل كل هذه الفروض المهزوزة، كيف ذلك! كيف يحافظ على طلب المعرفة بكل هذا الاشتياق مع كل هذه الصعوبات، تلفتّ حولى فإذا بى أكتشف كما لو أن إنصات الأستاذ هكذا برغم غموض كل ما أقول قد وصلت عدواه إلى بقية الحضور، فلم أخجل هذه المرة.

تعقيبا على مجمل ما قلت، بدأ النقاش ‏من‏ ‏إشارات شخصية من خبرة بعض الحاضرين شبابا وشيوخاً، ‏وشارك‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏الإستجابة‏ ‏ذاكرا‏ ‏والده‏ ‏شخصيا‏،‏ ‏قال‏ ‏إنه‏ ‏لم‏ ‏ينمْ‏ ‏لوالده‏ ‏حتى ‏يفتديه‏ بذبح عظيم، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏هو لا يذكر أنه كانت ‏‏هناك‏ ‏فرصة‏ ‏للصراع بينهما، ولا يستطيع أن يجزم بأن جدلا ما قد تم بأى درجة لها علاقة بما ذكرت، قال: يبدوا أنه‏ ‏اختبأ‏ ‏بعيدا‏ ‏عن والده، فأجل‏‏ ‏المواجهة‏ ‏لأكبر‏ ‏قدر‏ ‏استطاعه‏ ‏من‏ ‏الزمن‏، ‏وأن الحوار لم يبدأ مع والده إلا متأخرا حين كان‏ ‏‏ ‏يلح‏ ‏عليه‏ ‏الوالد فى ‏الزواج‏، ‏الأمر الذى زاد بعد أن ‏ ‏تزوج‏ ‏أخوه‏ ‏الأكبر‏ ‏فالذى ‏يليه‏، ‏وقال الأستاذ‏ أنه كان ‏يزوغ‏ ‏منه‏، ‏وأن ‏ ‏الرسائل‏ ‏الخاصة‏ ‏بالعروض‏ ‏الزواجية‏ كانت تتبادل‏ ‏بينهما‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏المفاوضات‏ “‏الماكوكية‏” ‏التى ‏تقوم‏ ‏بها‏ ‏الوالدة‏، ‏فما‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏المواجهة‏ ‏بالرفض‏ ‏المباشر‏، ‏وكلما‏ ‏عرضت‏ ‏الأم‏ ‏اسم‏ ‏فتاة‏ ‏قريبة‏ ‏أو‏ ‏معروفة‏ (‏وكانت‏ ‏القيمة‏ ‏الأولى ‏فى ‏مميزات‏ ‏العرض‏ ‏هى ‏موقف‏ ‏أسرتها‏ ‏المالي‏، ‏أن‏ ‏عندها‏ ‏كذا‏ ‏وكيت‏، ‏وأن‏ ‏والدها‏ ‏يملك‏ ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏ماذا‏…بالإضافة إلى الموقف الأخلاقى طبعا.. ‏الخ‏)، ‏فكان‏ ‏الأستاذ‏ ‏يعتذر‏ ‏عن‏ ‏فكرة‏ ‏الزواج‏ ‏بأنه‏ ‏مشغول‏، ‏ثم‏ ‏يضحك‏ (وهو يحكى): “‏مشغول‏ ‏بماذا؟‏”، ‏ويعقب‏… “‏كنت‏ ‏كلما‏ ‏ذكر‏ ‏الزواج‏ ‏أذهب‏ ‏إلى ‏الحجرة‏ ‏وهات‏ ‏يا‏ ‏قراءة‏ ‏ويا‏كتابة‏، ‏حتى ‏أبرر‏ ‏أننى ‏مشغول‏ ‏فعلا‏”، وحين سئل الأستاذ من أحد الشباب الحاضرين عن زواجه، لم يصرح إلا بأنه‏ ‏تزوج‏ ‏أخيرا‏ ‏سنة‏ 54، ‏وكان‏ ‏عمره‏ 43 ‏سنة‏ (‏كنت‏ ‏أحسب‏ ‏أنه‏ ‏تزوج‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏ذلك‏)

‏حكيت‏ ‏له‏ ‏عن‏ ‏زيارتى ‏لمستشفى ‏الخانكة‏ ‏أمس‏ ‏كعضو‏ ‏فى ‏مجلس‏ ‏المراقبة‏، ‏وكيف‏ ‏أننا‏ ‏أفرجنا‏ ‏عن‏ ‏أحد‏ ‏من‏ ‏أودع ‏هناك‏ ‏بسبب‏ ‏جريمة‏ ارتكبها ثبت أنه كان ساعتها غير مسئول، وقلت له إن الجريمة كانت بسيطة، وعقوبتها كانت أقل من مدة إيداعه بكثير، وأننى حاربت من أجل إخراجه، كانت الجريمة هى ‏تهمة‏ ‏ضرب‏ ‏موظف‏ ‏عام‏ ‏أثناء‏ ‏تأدية‏ ‏عمله‏، لكنه ظل فى مستشفى الخانكة عشرين عاما حتى بلغ عمره 64 عاما بالتمام، ويا ليتهم اعتبروه مسئولا، إذن لأمضى عقوبته واسترجع حريته قبل ذلك بكثير، قلت للأستاذ وأنا أربط حديثنا بهذه الحكاية أنه كان‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏الدلائل‏ ‏التى ‏عرضتها‏ – ‏مازحا‏ – ‏لأثبت‏ ‏أنه‏ ‏عاقل‏ ‏ويحسن الحكم على الحياة والتنبؤ بالمستقبل فيستحق‏ ‏الافراج، هو ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يتزوج‏ ‏. وضحك الأستاذ.

لست‏ ‏أدرى ‏ما‏ ‏الذى ‏جاء‏ ‏بذكر‏ ‏بيرم‏ ‏التونسي‏، ‏ ‏قال‏ ‏الأستاذ‏ ‏إنه‏ ‏قابله‏، ‏مرة‏ ‏عند‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد‏، ‏وكان‏ ‏ساكتا‏ ‏مكفهرا‏ ‏صامتا‏ ‏تقريبا‏، ‏وقال‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏إنسانا‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏أصدقاء‏، فعقب الأستاذ: “ولكنه ‏كان‏ ‏مليئا‏ ‏بالحرارة‏ والحيوية ‏طول‏ ‏الوقت”.، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏إننى ‏أقف‏ ‏أمام‏ ‏زجله‏ (‏شعره‏) ‏فأشعر‏ ‏أنه‏ ‏لاذع‏ ‏السخرية‏ ‏فوقىّ ‏القسوة‏ (‏وكأنه‏ ‏يكتبه‏ ‏بسكين‏ ‏مسموم‏)، ‏وقارنت‏ ‏بينه‏ ‏وبين‏ ‏نجيب‏ ‏سرور‏ ‏إذ‏ ‏أحيانا‏ ‏ما‏ ‏أشعر‏ ‏بمثل‏ ‏هذا‏ ‏عند‏ ‏سرور‏، ‏لكن‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏بيرم‏ ‏مليئا‏ ‏بالمرارة‏ ‏والقسوة‏ ‏فإن‏ ‏سرور‏ ‏كان‏ ‏مليئا‏ ‏بالسخط‏ ‏والقتل‏، ‏وأتت‏ ‏فكرة‏ ‏تأثر‏ ‏صلاح‏ ‏جاهين‏ ‏ببيرم (وقد علمت أن جاهين هو أحد الحرافيش الأصل، وإن كان ليس دائم الحضور)، وبعد‏ ‏تعبير‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏عن‏ ‏حبه‏ ‏لجاهين‏ ‏حبا‏ ‏شديدا‏ ‏قال‏ ‏إن صلاح ‏تأثر‏ ‏بفؤاد‏ ‏حداد‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏تأثر‏ ‏ببيرم‏ ‏التونسي‏، ‏وأضاف توفيق أن فؤاد‏ ‏حداد‏ – ‏بما‏ ‏كان‏ ‏يحذق‏ ‏من‏ ‏فرنسية‏ – ‏هو‏ ‏الذى ‏فتح‏ ‏آفاق‏ ‏صلاح‏ ‏على ‏الشعر‏ ‏الفرنسى ‏الحديث‏، ‏فاستزدت من ذلك قائلا: إننى‏كنت‏ ‏أظن‏ ‏أن‏ ‏حداد‏ ‏هو‏ ‏مصرى ‏قح‏ ‏ممن‏ ‏لم‏ ‏تتح‏ ‏لهم‏ ‏فرصة‏ ‏حذق‏ ‏لغات‏ ‏أخرى ‏لدرجة‏ ‏معايشة‏ ‏شعر‏ ‏أجنبى، ‏ ‏فحكى ‏لنا‏ ‏توفيق‏ ‏أن‏ ‏حداد‏ا ‏كان‏ ‏سليل‏ ‏أسرة‏ ‏من‏ ‏الأسر‏ ‏ذات‏ ‏الأصل‏ ‏السورى ‏الذين‏ ‏كانوا‏ ‏يمثلون‏ ‏شريحة‏ ‏متميزة‏ ‏فى ‏المجتمع‏ ‏المصرى خاصة ‏من حيث‏ ‏تعليم‏ ‏الأولاد‏، ‏وأحيانا‏ كانت ‏لغة‏ ‏الحوار‏ ‏المنزلية‏ – ‏بالفرنسية‏، ‏وحين‏ ‏انحرفت بوصلة فؤاد‏ ‏‏يسارا‏، ‏ودخل‏ ‏السجن‏ ‏تنكرت‏ ‏عائلته‏ ‏له‏ ‏حتى ‏أنكرته‏ ‏داخل‏ ‏السجن‏ ‏وخارجه‏، ‏ولم‏ ‏تكن‏ ‏تتعاطف‏ ‏معه‏ ‏وتزوره‏ ‏وتقف‏ ‏بجواره‏ ‏سوى ‏تلك‏ ‏الفاضلة‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏تساعد‏ ‏الأسرة‏ ‏فى ‏تدبير‏ ‏المنزل‏ (‏وتسمى ‏شغالة‏) ‏وهى ‏التى ‏كانت‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏زوجته‏، ‏وأم‏ ‏أولاده‏.‏

ينتقل‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏محمود‏ ‏شاكر‏، لا أعرف كيف، ولا توجد علاقة أبدا بينه وبين أى ممن تحدثنا عنهم ربما ذكرت انا عفوا صعوبة نقد الشعر، وأن الشعر لا ينقد إلى شعرا، مثلما فعل الأستاذ محمود شاكر فى قصيدته على قصيدة الشماخ “القوس العذراء”، ‏يسألنى ‏الأستاذ عن‏ ‏علاقتى ‏بالأستاذ شاكر‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏ألمحت‏ ‏لذلك‏ ‏مرارا‏، (وربما ذكرت ذلك أيضا فى كتابة ذكرياتى هذه فى سابقة أو لاحقة، فعذرا للتكرار)، ‏فأقول‏ ‏كيف‏ ‏بدأت‏ ‏علاقتى بالأستاذ شاكر وأنا فى الخامسة عشر حوالى ‏سنة48، ‏وكيف‏ ‏تعرفت‏ ‏عنده‏ ‏على ‏يحيى ‏حقى ‏ومحمود‏ ‏حسن‏ ‏اسماعيل‏ ‏وعلال‏ ‏الفاسى ‏ورجل‏ ‏فدائيان‏ ‏إسلام‏ ‏أيام‏ ‏مصدق (ربما نواب صفوى، لست متأكدا)، وكان شابا متحمسا غير متزن، تعجبت كيف دعم ثورة مصدق آنذك، ورحت أذكر ما وصلنى من الأستاذ شاكر لمن لا يعرفه، وأنه فائق الأبوة، ‏ ‏حاد‏ ‏الطبع‏ ‏واضح‏ ‏الفكر‏ ‏موسوعى ‏المعرفة‏، ‏شديد‏ ‏الدقة، والرقة برغم ظاهر شدته‏، ‏فيقول‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏لقيه‏ ‏مرة‏ ‏عند‏ ‏أحمد‏ ‏حسن‏ ‏الزيات‏، ‏فى ‏مكتب‏ ‏مجلة‏ ‏الرسالة‏ ‏فى ‏عابدين،‏ ‏وكان‏ ‏صوته‏ ‏عاليا‏، واحتجاجاته صارخة، ‏لدرجة‏ ‏أن‏ ‏الاستاذ‏ ‏خشى‏ ‏أن صوته ‏قد‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏الملك فى قصر‏ ‏عابدين‏‏!!! (وضحك)، فذكرت‏ ‏حادثة تدل على مدى حدّة الأستاذ شاكر، ‏حين‏ ‏ذكر‏ ‏له أحد جلسائه‏ ‏اعتراض‏ ‏طه‏ ‏حسين‏ ‏على ‏رأى ‏كتبه‏ ‏الاستاذ‏‏ ‏عن‏ ‏موضوع‏ لا‏ ‏أذكره‏، ‏ ‏فإذا‏ ‏بالأستاذ شاكر ‏ ‏يقول‏ ‏بصوته‏ ‏الجهورى تعبيرا أدهشنى وأرعبنى حتى حفظته إلى الآن، قال: “‏دعه‏ (‏طه‏ ‏حسن‏) ‏يكتبه‏ – ‏يكتب‏ ‏الاعتراض‏ – ‏وأنا‏ ‏أذبحه‏ ‏ذبح‏ ‏الشاة‏ ‏فى ‏البيداء‏ ‏بسكين‏ ‏بارد‏”

 ‏ومازال‏ ‏هذا‏ ‏التعبير‏ ‏يرن‏ ‏فى ‏أذنى ‏يمثل‏ ‏قوة‏ ‏الحسم‏ ‏وقسوة‏ ‏الرد‏ ‏الباتر‏ ويكاد يُحضر فى نفسى خوف ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *