س&ج عن الإدمان

“يوميا” الإنسان والتطور

21 – 10 – 2007

س & ج عن الإدمان

مقدمة

وأنا أقلب أوراقى – وهذا مرة أخرى من أهم أفضال هذه النشرة اليومية – وجدت كتابا بأكلمه بعنوان “إشكالة الإدمان، والقيم المعاصرة”، من 245 صفحة من القطع الكبير، (لم ينشر طبعا) تأليف العبد الفقير إلى رحمة الله ونظرةٍ منكم، وفى صفحة 29 وجدت فيه حديثا ردَدْتُ فيه على عدد من الأسئلة الهامة حول هذه “الكارثة الرائعة”، وتصورت – دون أن اتأكد – أن هذا الحديث موجود فى مكان ما بالموقع،

لكننى عدت أتساءل: كم من زوار الموقع عامة، والمتابعين لهذه النشرة اليومية خاصة، سوف يعثر على هذا الحديث الَهام عن ظاهرة الإدمان؟ ثم إنى تذكرت أن كثيرا مما ظهر حتى الآن فى هذه النشرة، قد يكون إعادة، أو تحديث، أو اقتطاف مما هو موجود فى مكان آخر بالموقع،

 إذن!! هذا مسموح، فاخترت أن أنشر هذا الحديث بأقل قدر من التدخل، وإن كنت لا أذكر: مع مَنْ أجريتُه؟ وهل نشر أم لا؟ ولا أين؟

 كل هذا يجعله أحق بالنشر، أو إعادة النشر هنا.

‏س‏ & ‏ج ‏عن‏ ‏الإدمان

 ‏1- ‏من‏ ‏هو‏ ‏المدمن؟‏!‏

 هناك‏ ‏تعريف‏ ‏طبى ‏أكاديمى ‏للإدمان‏، ‏تكرر‏ ‏حتى ‏فَـتُرَ‏، ‏وهو‏ ‏يعرف‏ ‏المدمن‏ ‏بأنه‏ ‏من‏ ‏اعتاد‏ ‏حتى ‏اعتمد‏ ‏على ‏مؤثر‏ ‏كيميائى، ‏طبيعى ‏أو‏ ‏صناعى ‏من‏ ‏خارج‏ ‏جسده‏، ‏حتى ‏أصبحت‏ ‏خلاياه‏ ‏لا‏ ‏تستغنى ‏عنه‏.‏

 إلا‏ ‏أن‏ ‏التعريف‏ ‏الذى ‏اقترحتـُه‏ ‏ذات‏ ‏مرة‏ ‏بعد‏ ‏الهيـجة‏ ‏الأخيرة‏ الدائرة حو الإدمان ‏هو‏ ‏أعم‏ ‏وأشمل‏، ‏حيث‏ ‏أرى: ‏أن‏ ‏المدمن‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏اعتاد ‏- ‏بأى ‏وسيلة‏-‏ على ‏تعتيم‏ ‏وعيه‏، ‏حتى ‏أغلق‏ ‏اهتمامه‏، ‏وسكن‏ ‏إلى ‏اعتمادية‏ ‏ضارة‏، ‏سواء‏ ‏كانت‏ ‏هذه‏ ‏الاعتمادية‏ ‏المستمرة‏ ‏والمعطلة‏ ‏هى ‏اعتمادية‏ ‏على ‏أحد‏ ‏أو‏ ‏على ‏فكرة‏، ‏أو‏ ‏على ‏عقيدة‏ ‏أو‏ ‏على ‏وصفة‏ ‏طبية‏ ‏كيميائية‏….‏إلخ‏.‏

 ‏2-‏ متى ‏يصحّ‏ ‏أن‏ ‏نصف‏ ‏إنسانا‏ ‏ما‏ ‏بالإدمان‏؟‏

 بالتعريف‏ ‏السابق‏، ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نصف‏ ‏أغلب‏ ‏الناس‏ ‏بذلك‏، ‏وإنما‏ ‏يهمنى ‏ألا‏ ‏أبالغ‏ ‏بالتعميم‏، ‏فأكتفى ‏بأن‏ ‏أضع‏ ‏ثلاثة‏ ‏شروط‏ ‏لوصف‏ “‏المتعاطى” (والمتعاطى غير المدمن!) ‏بهذه‏ ‏الصفة‏ (بالمعنى السلبى)، ‏وهى‏:‏

 ا- ‏التعود‏ ‏حتى ‏العجز‏ ‏عن‏ ‏التخلى عما يتعاطاه ‏

 ‏2- وتعتيم‏ ‏الوعىعلى حساب الوعى العادى المسئول

 ‏3- ‏والضرر‏ ‏الناتج‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏، بما فى ذلك الإعاقة عن التكيف، وإيذاء الذات، أو الآخرين. ‏

 ‏3- ‏هل‏ ‏يشمل‏ ‏الإدمان عامة بالتعريف الواسع الذى ذكرتَه‏: ‏المخدرات‏، ‏الكحوليات‏، ‏المكيفات‏ ‏بأنواعها‏، ‏التدخين‏، ‏الطعام‏ ‏والشراب‏، ‏وغيرها‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏السلوكيات‏ ‏المعتادة‏ ‏والشائعة؟‏!‏

 نعم، يشمل كل ذلك‏، ‏بل‏ ‏وأضيف‏ ‏عليها‏ ‏أنه‏ ‏يشمل‏: ‏الأفكار‏ ‏والمعتقدات‏، ‏وبعض‏ ‏طرق‏ ‏البحث‏ (‏العلمى‏!!!!) ‏وبعض‏ ‏طرق التفكير‏، ‏بل‏ ‏وبعض‏ ‏طرق‏ ‏الترفية‏، ‏مثل‏ ‏إدمان‏ ‏العادات‏ ‏الاستهلاكية‏.‏

 وأنا‏ ‏لا‏ ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أفصل‏ ‏الدعاية‏ ‏التى ‏تهاجمنا‏ ‏ليل‏ ‏نهار‏ ‏لتروج‏ ‏لما‏ ‏يسمى ‏مجتمع‏ ‏الرفاهية‏، ‏أو‏ لتسوِّق حبوب‏ ‏السعادة‏ ‏والطمأنة‏ ‏الكيميائية‏ ‏التى ‏يوزعها‏ ‏الأطباء‏، ‏لا‏ ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أفصل‏ ‏هذا‏ ‏أو‏ ‏ذاك‏ ‏عن‏ ‏المصيبة‏ ‏التى ‏نعيشها‏ ‏واسمها‏ ‏الإدمان‏ (فى صورته السلبية) ‏فكل‏ ‏منها‏ ‏يروج‏ ‏لنوع‏ ‏من‏ ‏سبل‏ ‏الاستسهال‏ ‏والخدر‏، ‏وإن‏ ‏اختلفت‏ ‏اللغة‏ ‏وتنوَّع التبرير‏.‏

 ‏4- ‏إلى ‏أى ‏مدى ‏تصدى ‏الإعلام‏ ‏المصرى – ‏والعربى‏- ‏لظاهرة‏ ‏الإدمان‏، ‏بالتوصيف‏ ‏والشرح‏ ‏والتحليل‏ ‏ووسائل‏ ‏الوقاية‏ ‏والعلاج‏، ‏وغيرها‏.. ‏هل‏ ‏كان‏ ‏منصفا‏ ‏أم‏ ‏مبالغا‏ ‏أم‏ ‏صادقا‏ ‏أم‏ ‏مزيفا‏ ‏للحقائق؟‏!‏

 ‏ ‏إلى ‏المدى ‏المضحك‏ ‏والمزعج‏ ‏معا‏.‏

 أنا‏ ‏لا‏ ‏أنكر‏ ‏الاجتهاد‏ ‏وحسن‏ ‏النية‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏حاول‏ ‏ويحاول‏.‏

 ‏ ‏ولكن‏ ‏صدقينى ‏أنا‏ ‏كنت‏ ‏أشاهد‏ ‏أحيانا‏ ‏فى ‏التليفزيون‏ ‏مقابلات‏ ‏مع‏ ‏مدمنين‏ ‏وأطباء‏ ‏هى ‏أقرب‏ ‏إلى ‏المسرح‏ ‏الفكاهى ‏السخيف‏. ‏بالله‏ ‏عليك‏: ‏على ‏من‏ ‏نضحك‏ ‏بهذه‏ ‏البرامج‏‏؟‏.‏

 وأحيانا‏ ‏كنت‏ ‏أستمع‏ ‏للنصائح‏ ‏باعتبارها‏ ‏توجيهات‏ ‏إلى ‏ضعاف‏ ‏العقول‏ ‏لا‏ ‏أكثر‏، ‏وليتها‏ ‏توجيهات‏ ‏تليق‏.‏

 ثم‏ ‏عندك‏ ‏مسألة‏ ‏الأفلام‏ (‏فيما‏ ‏عدا‏ ‏العار‏)، ‏شاهدت‏ ‏أفلاما‏ ‏ترسم‏ ‏صورة‏ ‏المدمن‏ ‏كأبهج‏، ‏وأحذق‏، ‏وأخف‏ ‏دما‏ ‏من‏ ‏أى ‏ملتزم‏ (‏قفل‏) ‏آخر فى الفيلم، خاصة لو كان يدرسِ الدكتوراة!! ‏( ‏فيلم‏ ‏الكيف‏ ‏مثلا‏)،

 ‏ ‏ثم‏ ‏فيلم‏ ‏آخر‏ ( ‏فيلم‏ ‏الوحل‏) ‏يروج‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الإدمان‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏علاج‏ ‏فى ‏مصر‏، ‏ثم يكاد‏ ‏يقول‏ ‏فى ‏النهاية‏: ‏إن‏ ‏العلاج‏ ‏فى ‏الخارج‏ ‏وعلى ‏نفقة‏ ‏الدولة‏ ‏هو‏ ‏الحل.

 ‏ ‏يا‏ ‏صلاة‏ ‏النبى!!!‏

 أهذا‏ ‏هو‏ ‏دور‏ ‏الإعلان‏!! ‏والفــن؟‏.‏

 ثم‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏نشر‏ ‏فى ‏صحيفة‏ ‏يومية‏ ‏طوال‏ ‏شهور‏ (1). ‏كان‏ ‏أغلبه‏ ‏للأسف‏ ‏مستورد‏، ‏ورغم‏ ‏حسن‏ ‏النية‏ ‏ونجاحه‏ ‏فى ‏إثارة‏ ‏حوار‏ ‏حول‏ ‏المشكلة‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏انتهى ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏ ‏إلى ‏النصح‏ ‏والإرشاد‏، ‏واستيراد‏ ‏الأفكار‏ ‏والمناهج‏ ‏من‏ ‏الخارج‏.، بشكل حرفى تقريبا.

 لقد‏ ‏كدت‏ ‏أشك‏ ‏أننا‏ ‏نضر‏ ‏القضية‏ ‏بفرط‏ ‏النشر‏ ‏حولها‏ ‏هكذا‏، ‏بل‏ ‏بهذا‏ ‏الحديث‏ ‏الذى ‏أدلى ‏به‏ ‏حاليا‏..‏أيضا‏، ‏ولولا‏ ‏أننى ‏أعلم‏ ‏أن‏ ‏غيرى ‏سوف‏ ‏سوف‏ ‏يفتى – ‏بلا‏ ‏تردد‏- ‏بما‏ ‏أعتبر‏ ‏نفسى ‏مسئولا‏ ‏عن‏ ‏سطحيته‏، ‏وضرره‏ ( ‏لو‏ ‏امتنعت‏) ‏لما‏ ‏فتحت‏ ‏فمى ‏بكلمة‏.‏

 ‏5- ‏ما‏ ‏هو‏ ‏تأثير‏ ‏المخدرات‏ – تحديدا‏- على ‏مخ‏ ‏الإنسان‏ – أجزائه‏ ‏ومكوناته‏ ‏وعمله‏ ‏ونشاطه‏ ‏ووظائفه‏- ‏الخلايا‏ ‏العصبية‏ ‏والأوردة‏ ‏الدموية‏ ‏والعقل‏ ‏الباطن‏ ‏والواعى، ‏والذاكرة‏، ‏والتفكير‏، ‏وغيرها‏ ‏من‏ ‏مكونات‏ ‏وأجزاء‏ ‏المخ‏، ‏وعمله‏ ‏ووظيفته؟‏!‏

 هو‏ ‏تأثير سيئ‏ ‏جدا‏‏، ‏على ‏كل‏ ‏هذا‏.‏

 ‏ ‏ولكن‏ ‏ماذا‏ ‏يفيد‏ ‏المدمن من هذا‏ التأكيد الخطابى ‏كله‏، ‏أو من تفصيل فى ذكر معلومات أكاديمية جافة

 إن غيرالمدمن‏ ‏لا‏ ‏يهمه‏ ‏هذا‏.

 وأهل‏ ‏المدمن‏ ‏يعرفون‏ ‏الشر‏ ‏والأذى ‏والضرر‏ ‏أكثرمن‏ ‏أى ‏طبيب‏، ‏

 والمدمن‏ ‏ليس‏ ‏هنا‏ ‏من‏ ‏أصله‏،

 ‏ ‏فلمن‏ ‏نكرر‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الترهيب‏، ‏والتخويف‏ ‏ليل‏ ‏نهار، ونحن نعدد معلومات ليس لها فائدة عملية!؟؟‏.‏

 ‏6- ‏لو‏ ‏أن‏ ‏إنسانا‏ ‏ما‏، ‏شم‏ ‏شمة‏ ‏معينة‏ ‏من‏ ‏المخدرات‏.. ‏ما‏ ‏الذى ‏يحدث‏-‏ بالتحديد‏- ‏منذ‏ ‏استنشاقه‏، ‏أو‏ ‏شمه‏ ‏لهذا‏ ‏المخدر‏ ‏أو‏ ‏ذاك‏، ‏من‏ ‏خلال‏ ‏أنفه‏.. ‏ما‏ ‏هو‏ ‏الطريق‏ ‏الذى ‏يسلكه‏ ‏المخدر‏- ‏من‏ ‏فتحة‏ ‏الأنف‏-‏حتى ‏يحدث‏ ‏تأثيره‏ ‏على ‏المخ‏ ‏والجسم‏ ‏حياة‏ ‏الإنسان‏، ‏بشكل‏ ‏عام؟‏!‏

 بالله‏ ‏عليك‏ ‏هل‏ ‏هذا‏ ‏مفيد‏ ‏نشره‏ ‏فى ‏الصحافة‏ ‏العامة؟

 ثم‏ ‏إشاعة‏ ‏أن‏ ‏شمة‏ ‏واحدة‏ ‏تكفى ‏للوقوع‏ ‏فى ‏هاوية‏ ‏الإدمان‏، ‏هو‏ ‏حديث‏ ‏أشبه‏ ‏بالدعاية‏ ‏إلى ‏قوة‏ ‏المخدرات‏ ‏التى ‏لاُتقَاوم‏، ‏وهو‏ ‏توريط‏ ‏لمن‏ ‏يخطئ‏ ‏مرة‏ ‏واحدة‏ ‏بالصدفة‏، ‏وهو‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏التهويل‏ ‏الذى ‏يجعل‏ ‏الشاب‏ ‏يستسلم‏ ‏قبل‏ ‏المعركة‏ ‏بزمان‏.‏

 إننى ‏أعتبر‏ ‏أن الأهم هو أن نعلن أن‏ ‏الترويج‏ المباشر وغير المباشر ‏للمخدرات‏ ‏الكيمائية‏ ‏بواسطة‏ ‏الأطباء‏ ‏عامة‏ ‏وأطباء‏ ‏النفس‏ ‏خاصة‏ ‏هو الخلفية التى تساهم فى تفاقم هذا‏ ‏الخطر‏، ‏وذلك نتيجة لغسيل‏ ‏المخ‏ ‏الذى ‏تمارسه‏ ‏ليل‏ ‏نهار‏ ‏الدعاية‏ ‏المفرطة‏ ‏لضرورة‏ ‏الأدوية‏ ‏المهدئة‏ ‏كجزء‏ ‏لا‏ ‏يتجزأ‏ ‏من‏ ‏طقوس‏ ‏العَصْرَنَة‏، ‏وكمظهر‏ ‏للمتطلبات‏ ‏الأساسية‏ ‏لمجتمع‏ ‏الرفاهية‏ ‏قِبْلةُ‏ ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏على ‏مستوى ‏العالم‏، ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏يؤدى بنا إلى ثقافة التخدير التى يترعرع فيه الإدمان.

 فكأن‏ ‏الناس، فالمدمنين خاصة، يقولون‏ ‏للأطباء‏ ‏والساسة‏ ‏وقيم‏ ‏العصر‏:‏

 ما دام‏ ‏الأمر‏ ‏تخدير بتخدير‏، ‏فقد‏ ‏جربنا‏ ‏وثبت‏ ‏أن‏ ‏بضاعتكم‏ ‏نصف‏ ‏نصف‏، ‏لا‏ ‏تقوم‏ ‏بالواحب‏، ‏فلنأت‏ ‏البيوت‏ ‏من‏ ‏أبوابها‏، ‏وهات‏ ‏يا‏ ‏تخدير‏ ‏بحق‏ ‏وحقيق‏.‏

 ‏ 7- ‏بالمناسبة‏: ‏هل‏ ‏يختلف‏ ‏تأثير‏ ‏المخدرات‏ ‏الطبيعية‏-‏ الحشيش‏ ‏والأفيون‏ ‏وغيرهما‏- ‏عن‏ ‏الأخرى ‏التخليقية‏ ‏والمركبة‏، ‏فيما‏ ‏تحدثه‏ ‏من‏ ‏آثار؟‏!‏

 طبعا‏ ‏تختلف‏: ‏ولكن‏ ‏ما‏ ‏جدوى ‏هذا‏ ‏السؤال – أيضا -‏ ‏بالله‏ ‏عليك؟

 فى ‏تصورى ‏أن‏ ‏المهم‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏نفرق‏ ‏بين‏ ‏تعتعة‏ ‏الوعى، ‏وهو‏ ‏أمر‏ ‏ضرورى ‏للحركة‏ ‏العقلية‏، ‏وخاصة‏ ‏الحركة‏ ‏التى ‏تمارس‏ ‏التفكيرالحر‏، ‏والإقدام‏ ‏على ‏اختراق‏ ‏المسكنات‏ ‏العقلية‏ ‏التى ‏تكبل‏ ‏وجودنا‏، ‏وبين‏ ‏تعتيم‏ ‏الوعى، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏ينتهى ‏إليه‏ ‏تعاطى ‏أى ‏مخدر‏ ‏أو‏ ‏منبه‏.‏

 ونحن‏ ‏قد‏ ‏مسحنا‏، ‏وشجبنا‏، ‏وحرّمنا‏، ‏كل‏ ‏نشاط‏ ‏جماعى ‏أو‏ ‏فكرى ‏يساعد‏ ‏على ‏حركة‏ ‏التفكير‏ ‏القِلَقَةْ‏ ‏الكريمة‏ ‏نحو‏ ‏الاكتشاف‏ ‏والإبداع‏، ‏فاضطر‏ ‏الناس‏ ‏إلى ‏تحريك‏ ‏وعيهم‏ (‏تعتعته‏) ‏بالمخدرات‏، ‏والمنبهات‏ ‏الطبيعية‏ (‏كالحشيش‏) ‏أو‏ ‏الصناعية‏ (‏كالعقاقير‏) ‏

 ثم‏ ‏رحنا‏ ‏نلومهم‏، ‏ونعالجهم‏ ‏

 قولى ‏لى ‏بالله‏ ‏عليك‏، ‏مادام‏ ‏الرقص‏ ‏الجماعى ‏مرفوض (عيب، وقلة أدب)‏، ‏والذكر‏ (ذكر الله فى الموالد، وفى الحضرة الأسبوعية أو الشهرية فى الأرياف، ربما زمان!) يعتبر من قبل السلطات الدينية، والأخلاقية: “‏دجل‏ ‏وشعوذة”‏، ‏كما يعتبر الزار‏ ‏تخلفا، ‏ولا يبقى لنا إلا أن ننام أمام التليفزيون‏ ‏بعد‏ ‏الساعة‏ ‏الواحدة‏ ‏صباحا‏؟ ‏فماذا‏ ‏يتبقى ‏بما‏ ‏يسمح‏ ‏لحركة‏ ‏العقل أو الجسد‏ ‏أن‏ ‏تكتشف‏ ‏الحياة‏ ‏وتعمّقها‏ ‏وتعيد‏ ‏تخليقها؟‏، ‏أفلا‏ ‏يؤدى ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏“الحـظْر على حركية الوعى”‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏يلجأ‏ ‏الشباب‏ – ‏فيما‏ ‏يشبه‏ ‏الاحتجاج‏- ‏إلى ‏تحريك‏ ‏عقولهم بهذه المحركات الكيميائية المُقْحَمَة السامة؟‏ ‏بما‏ ‏يؤكد‏ ‏لهم‏ أنهم مازلوا أحياء لهم ‏حقهم‏ ‏فى ‏الاختلاف‏ ‏حتى ‏الموت‏ ‏خدرا؟؟؟‏!! ‏

 ‏8-‏ طيب‏: ‏هل‏ ‏يختلف‏ ‏التأثير‏ ‏بين‏ ‏المخدرات‏-‏ طبيعية‏ ‏كانت‏ ‏أم‏ ‏تخليقية‏-‏ عن‏ ‏الكحوليات‏ ‏التى ‏يجرى ‏تناولها‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏الفم‏.. ‏وهل‏ ‏تؤثر‏ ‏الكحوليات‏ ‏فى ‏المعدة‏ ‏والأمعاء‏ ‏والكبد‏ ‏أكثر‏.. ‏أم‏ ‏فى ‏المخ‏ ‏والخلايا‏ ‏العصبية‏ ‏أكثر؟‏!‏

 مرة أخرى: ما فائدة الأجابة المتحذلقة على مثل هذا السؤال مهما بَدَتْ إجابة علمية.

الإجابة بالمختصر المفيد هى:

طبعا‏ ‏يختلف‏، ‏وكله‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏كله‏!!!!!.

 ‏وأنا أعنى ‏بهذه‏ ‏السخرية‏ ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏مسألة‏ ‏تنافس‏ ‏فى ‏الإضرار‏، ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏على ‏الطبيب‏ ‏أن‏ ‏يعرف‏ ‏مضاعفات‏ ‏هذا‏ ‏ومصائب‏ ‏ذاك‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يحذق‏ ‏تحديد‏ ‏موضع‏ ‏الضرر‏ ‏بشكل‏ ‏خاص‏، ‏ولكن‏ ‏الأمر‏ ‏بالنسبة‏ ‏للشخص‏ ‏العادى (‏الذى هو مشروع‏ ‏المدمن بشكل أو بآخر‏) ‏هو‏ ‏مختلف‏، ‏لأن‏ ‏الشخص‏ ‏العادى ‏لا‏ ‏يختار‏ ‏العقار‏ ‏الذى ‏سيصيب‏ ‏كبده‏ ‏دون‏ ‏مخه‏، ‏أو‏ ‏سيضر‏ ‏معدته‏ ‏دون‏ ‏صدره‏، ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏مدخلنا‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏المسائل‏ ‏مختلف‏ ‏من‏ ‏مخاطَبْ‏ ‏إلى ‏مخآطب‏. ‏فالمعلومة‏ ‏الطبية‏ ‏الأكاديمية‏ ‏قد‏ ‏لا‏ ‏تعنى ‏شيئا‏ ‏لا‏ ‏عند‏ ‏المدمن‏، ‏ولا‏ ‏عند‏ ‏الشخص‏ ‏العادى، ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏المعلومة‏ ‏التطبيقية‏ ‏التى ‏تسد‏ ‏حاجة‏ ‏السائل‏ ‏وتهديه‏ ‏إلى ‏أهدافه‏ ‏هى‏ ‏التى ‏يجدر‏ ‏بنا‏ ‏أن‏ ‏نقدمها‏ ‏للناس‏.‏

 إن كل‏ ‏هذه‏ ‏المواد‏ ‏المخدرة‏ ‏لها‏ ‏استعمالاتها‏ ‏الطبية‏ ‏المناسبة‏، ‏وبالتالى ‏لها‏ ‏فوائدها‏، ‏بجوار‏ ‏أضرارها‏ ‏طبعاً‏، ‏وحتى ‏تغيير‏ ‏الوعى ‏الذى ‏هو‏ ‏هدف‏ ‏أساسى ‏فى ‏عملية‏ ‏الإدمان‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏مطلبا‏ ‏طبيا‏ ‏فى ‏وقت‏ ‏من‏ ‏الأوقات‏، ‏سواء‏ ‏أثناء‏ ‏عملية‏ ‏العلاج‏ ‏المكثف‏ لبعض الأمراض النفسية ‏أم‏ ‏فى ‏أزمات‏ ‏النمو‏ ‏الخاصة‏، ‏والوظيفة‏ ‏التى ‏يؤديها‏ ‏أى ‏”مغيِّر للوعى“‏ ‏للوعى ‏هى ‏وظيفة‏ ‏ذات‏ ‏حدين‏، ‏ففى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏التعتعتة‏ ‏التى ‏تسمح‏ ‏بالحركة‏ التى ‏قد‏ ‏تكون‏ ‏مطلبا‏ ‏محدودا‏ ‏فى ‏وقت‏ ‏ما‏، ‏فإن‏ ‏التعتيم‏ ‏ثم‏ ‏المحو‏ ‏هو‏ ‏ضرر‏ ‏مطلق‏ ‏فى ‏نهاية‏ ‏الأمر‏، ‏والمصيبة‏ ‏أن‏ ‏غير‏ ‏الطبيب‏ ‏لا‏ ‏يفرق‏ ‏بين‏ ‏تعتعة‏ ‏وتعتيم‏، ‏وحتى ‏الطبيب‏ ‏وهو‏ ‏يستعمل‏ ‏عقاقيره‏ ‏الطبية‏ ‏أحيانا‏ ‏ما‏ ‏يتجاوز‏ ‏الحد‏ ‏بين‏ ‏التهدئة‏، ‏والتطمين،‏ ‏أو بين‏ ‏التخدير‏ ‏والتذهيل‏ (من‏ ‏الذهول‏)، ‏كذلك‏ ‏هو‏ ‏أحيانا‏ ‏ما‏ ‏يتخطى ‏مرحلة‏ ‏التعتعة‏ ‏ – التى قد تكون إيجابية – دون‏ ‏أن‏ ‏يتبين‏ ‏متى ‏ولا‏ ‏إلى ‏أين‏ ‏هو‏ ‏ذاهب‏ ‏بهذا‏ ‏التحريك‏ المحسوب أو ‏غير‏ ‏المحسوب‏ ‏للوعي‏.‏

 وكل‏ ‏هذا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يُتناول‏ ‏بأكبر‏ ‏قدر‏ ‏من‏ ‏الشجاعة‏ ‏والمسئولية‏ ‏والعلم‏ ‏والأخلاق‏ ‏والالتزام‏، ‏بدلا من‏ ‏الهرب‏ ‏وتوزيع‏ ‏قشور‏ ‏المعلومات‏، ‏ونشر‏ ‏النصائح‏ ‏الزائفة‏، ‏والمعلومات‏ ‏الناقصة

 ‏9-‏ بعد‏ ‏كم‏ ‏جرعة‏ ‏أو‏ ‏شمة‏ ‏أو‏ ‏قطعة‏ ‏أفيون‏ ‏أو‏ ‏حشيش‏ ‏أو‏ ‏كأس‏ ‏خمر‏، ‏يصبح‏ ‏الإنسان‏ ‏مدمنا؟

 ‏ ‏هذا‏ ‏أمر‏ ‏يختلف‏ ‏من‏ ‏فرد‏ ‏لفرد‏.‏

 فونستون‏ ‏تشرشل‏ ‏كان‏ ‏يشرب‏ ‏برميلا‏ ‏من‏ ‏الخمر‏، ‏وهو‏ ‏رئيس‏ ‏وزراء‏، ‏وأديب‏، ‏وفنان‏، ‏وإنسان‏ ‏ولايعتبر‏ ‏مدمنا‏.‏

 وسيد‏ ‏درويش‏ ‏كان‏ ‏مخزن‏ ‏مخدرات‏ ‏متنقل‏، ‏وقد‏ ‏ترك‏ ‏لنا‏ ‏فى ‏سنوات‏ ‏ما‏ ‏لم يقدّر حق قدره حتى الآن. ‏ ‏

 وأسمهان‏ ‏كانت‏ ‏تتعاطى ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يتعاطاه‏، ‏وما‏ ‏لا‏ ‏يتعاطاه‏ ‏ثلة‏ ‏بأكملها‏ ‏من‏ ‏المدمنين‏.‏

 ولكن‏ ‏هذه‏ ‏حالات‏ ‏فردية‏ ‏لا‏ ‏يقاس‏ ‏عليها‏، ‏لكن‏ ‏القصد‏ ‏من‏ ‏ذكرها‏ ‏هو‏ ‏التنبيه‏ ‏على ‏أن‏ ‏التعميم‏ ‏هو ضد العلم وهو يشوه الحقائق‏، ‏وأن‏ ‏المسألة‏ ‏لها‏ – دائما – ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏وجه‏، ‏وأكثر‏ ‏من‏ ‏حساب‏، ‏وأن‏ ‏الفروق‏ ‏الفردية‏ ‏شديدة الأهمية والدلالة‏، ‏وأن ظروف‏ ‏التعاطى ‏تختلف‏، ‏ولابد‏ ‏من‏ ‏حساب‏ ‏كل‏ ‏حالة‏ ‏على ‏حدة‏، ‏ولا‏ ‏داعى ‏للترويج‏ ‏لحكاية‏ ‏شمة‏ ‏واحدة‏ ‏تكفى ‏للغوص‏ ‏فى ‏بئر‏ ‏الإدمان‏، ‏كما ذكرنا فى بداية الحديث‏.‏

 ‏10- ‏لو‏ ‏كان‏ ‏إنسان‏ ‏ما‏ ‏مدمنا‏.. ‏كيف‏ ‏يقلع؟‏!‏ ولو‏ ‏لم‏ ‏يكن‏، ‏كيف‏ ‏يتجنب‏ ‏ويتحاشى ‏ويتقى ‏الإدمان؟‏!‏

 أولا‏: ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏أؤكد‏ ‏عكس‏ ‏النغمة الشائعة التى يغلب عليها قدر كبير من‏ ‏اليأس‏ ‏والتعجيز‏ ‏فيما يتعلق بعلاج‏ ‏الإدمان‏، ‏فأقول‏: ‏إن‏ ‏للإدمان‏ ‏علاج‏.‏

 فقط‏ ‏لا‏‏بد‏ ‏من‏ ‏تحمل الإلتزام بالعلاج الطويل المدى بما فى ذلك حدوث‏ ‏بعض‏ ‏النكسات‏. ‏

 ثانيا‏: ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏أنبه‏ ‏أن‏ ‏مجرد‏ ‏الإنقطاع‏ ‏عن‏ ‏المخدر‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏العلاج‏، ‏ولكنه‏ ‏المرحلة‏ ‏الأولى ‏فحسب‏.‏

 ثالثا‏: ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏أؤكد‏ ‏أن‏ ‏المدمن‏ ‏لا‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏من‏ ‏يقول‏ ‏له‏ ‏هذا‏ ‏مضر‏، ‏وكفى، ‏وإنما‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏بديل‏ ‏يحقق‏ ‏له‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏يتصوره‏ ‏سيتحقق‏ ‏بالمخدر‏.‏

 لابد‏ ‏أن‏ ‏نفهم‏ ‏أن‏ ‏المدمن (مثل أى إنسان)‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏صحبة‏ ‏ظريفة‏ ‏شريفة‏، ‏بدلا من‏ ‏الصحبة‏ ‏الذاهلة‏ ‏الغائبة‏.‏

 ‏(‏وهذا‏ ‏هو دورالعلاج‏ ‏الجمعى ‏والتأهيل‏ ‏فى ‏مجتمع‏ ‏علاجى، ‏ثم‏ ‏المجتمع‏ ‏الأوسع‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏وقبل‏ ‏ذلك‏)‏

 إن المدمن (كما أى إنسان)‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏تحريك‏ ‏وعيه‏( ‏تعتعته‏)‏ بطريقة أكثر أمانا مع آخرين

 وهو‏ (مثل أى واحد) ‏يحتاج‏ ‏إلى تحريك ‏الإبداع‏ ‏الذى ‏يصاحبه نوع من‏ ‏تغيير‏ ‏الوعى ‏الخلاّق، حتى لا يحتاج إلى‏ ‏المخدرات‏ ‏والمواد التى تفتعل تحريك الوعى، لكنها سرعان‏ ‏ما‏ ‏تجهض‏ ‏المحاولة‏ ‏بالتعتيم‏ ‏بعد‏ ‏التعتعة‏)‏

 ‏ ‏وهو‏ أخيرا ‏يحتاج (مثلنا جميعا)‏ ‏لأن‏ ‏نحترم‏ ‏وجوده‏ ‏حتى ‏لا يلغى نفسه وكيانه‏ ‏وراء‏ ‏غيامة‏ ‏الخدر‏.‏

 وكل‏ ‏هذا‏ ‏وارد‏ ‏فى ‏العلاج‏ ‏فى المجتمع العلاجى،

 و‏معسكرات‏ ‏العمل‏ ‏والتأهيل الممتد‏.‏

كما أنه لازم لنا جميعا للوقاية من كل أنواع الإدمان بلا استثناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *