الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الحالة: (65) المعلــِّـم….. (4)

الحالة: (65) المعلــِّـم….. (4)

نشرة “الإنسان والتطور”

12-5-2010

السنة الثالثة

العدد: 985

photo_Agow

الحالة: (65)

المعلــِّـم….. (4)

مقدمة:

مازلنا ننطلق من السيرة الذاتية إلى العلاج النفسى

هذه الحلقة تظهر محاولة رؤية الذات من خلال تقمص رؤية الآخرين لها، وحدْس آرائهم.

‏(4)

ورْجعت‏ ‏أبصِّـلْـكم‏ ‏هناك‏، ‏فى ‏عيونكم‏ ‏انتم‏ .‏

أنا‏ ‏أبقى ‏مين‏ ‏؟

وألاقى ‏صورتى ‏زى ‏ما‏ ‏انتم‏ ‏محتاجين‏: ‏

أن ترى نفسك من خلال رأي أو رؤية الآخر (أو كليهما)، شىء مهم،

لكنه لا يمثل إلا بعض الحقيقة،

هذه الظاهرة تحدث فى العلاج الجمعى بشكل خاص، قد يحدث أن تكون المجموعة فى حاجة أن تحكم على أحد أفرادها بصفة عامة، أو فى موقف معين، سواء بناء عن مبادرته أو فى موقف تفاعلى يحتاج رأى الجماعة، وهذا ما أسميناه فى حلقة سابقة “المصداقية بالاتفاق”.

لكن حقيقة الممكن تعلن أنه مهما كان الاتفاق فإن الاختلاف وارد ومهم، والآراء تكمل بعضها بعض.

حين حاولت أن أشاهد صورتى كيف تتجلى فى عيونهم وصلتنى هذه الصور المتلاحقة هكذا:

‏(1) ‏اللى ‏شايفنى ‏كما‏ ‏النبى، ‏

أحدهم‏ ‏يرى المعلم‏ “‏صاحب‏ ‏رسالة”‏ ‏فى ‏الحياة‏ … ‏تسير‏ ‏على ‏أرجل‏ ‏رغم‏ ‏ضخامتها‏ ‏وثقلها‏، ‏رسالة تتجاوز آمال وطموحات مهنته، يحاول نشرها حتى ‏ترجح‏ ‏الحياة‏ ‏على ‏الموت‏، ‏والتطور‏ ‏على ‏الجمود‏، ‏هذا معنى أن تكون‏ ‏نبيا‏ ‏بلا‏ ‏دعم‏ ‏من‏ ‏السماء‏،

 ‏هذه رؤية معوقة لأن فيها ما فيها‏ ‏من‏ ‏اعتمادية‏ ‏من‏ ‏جانب‏ ‏الرائى، ‏وإلغاء‏ ‏لحقيقة‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى ‏القاصر الذى يتصف به الطبيب مهما بلغ تقديس مهمته فى ثقافة مثل ثقافتنا.

(2) واللى ‏شايفنى ‏ربـنـا‏، ‏

قد يتمادى التقدير فالتقديس لدرجة قصوى تبلغ التأليه‏، فيراه ‏الآخر قادرا‏ ‏على ‏كل‏ ‏شئ،‏ ‏هذا‏ ‏موقف‏ ‏ألعن‏ ‏من‏ ‏الموقف‏ ‏السابق‏، ‏لأنه‏ ‏بالإضافة‏ ‏إلى ‏أنه‏ ‏يلغى ‏ضعفه‏ ‏البشرى ‏مثل‏ ‏الموقف‏ ‏السابق‏ وأكثر (النبى)، فهو يضع‏ ‏عليه‏ ‏مسئوليات‏ ‏الألوهية‏ .. ‏وبالتالى ‏يتخلى مثل هذا “التابع” عن حمل‏ ‏عبء‏ ‏حياته‏ ‏ومرارتها‏ ‏وصراعاتها‏ ‏بعبادة‏ ‏هذا‏ ‏الإله‏ ‏البشرى ‏القادر‏، ‏هذه الآلية الدفاعية هى من الدفاعات‏ ‏التى ‏تصنع‏ ‏”فراعين الحكام‏” .. ‏ولو‏ ‏علم‏ ‏هؤلاء‏ ‏الحكام‏ ‏كم‏ ‏يظلمهم‏ ‏من‏ ‏يلغى ‏ضعفهم‏ ‏ويؤكد‏ ‏وحدتهم‏ ‏لكانو‏ ‏أول‏ ‏الثوار‏ ‏على ‏زعامتهم‏ ‏التى ‏تنكر‏ ‏عجزهم‏ ‏الإنسانى .. ‏وتحرمهم‏ ‏من‏ ‏حقهم‏ ‏فى ‏الخطأ‏‏ ‏وفى ‏الضعف‏ ‏وفى ‏الأخذ‏.‏

فى موقف العلاج النفسى الجمعى، تبدأ مثل هذه الآليه الدفاعية من الموضع الذى وصفه “بيرلز” واسماه “يالروعة أدائك يا أستاذنا الجليل”Gee professor you are wonderful، حتى التقديس المطلق أو القدرة المعْجِزة!! وإذا كان هذا الميكانزم وارد فى ثقافة الغرب فهو أكثر تواترا وإعاقة فى ثقافتنا عشرات المرات

 (3) واللى ‏شايفنى ‏واد‏ ‏بُرَم‏،‏

‏أما‏ ‏الرؤية‏ ‏الثالثة‏ ‏فإنها‏ ‏نقيض‏ ‏وجهتى ‏النظر‏ ‏السابقتين‏، ‏فهى ‏لا‏ ‏ترى ‏إلا‏ ‏قشرة‏ ‏الشطارة‏ (‏والحداقة‏ ‏والفهلوة‏ … ‏الخ‏) الطبيب‏ ‏النفسى ‏غير‏ ‏الأديب‏ ‏والفنان‏ ‏والفيلسوف‏ ‏وعالم‏ ‏المعمل‏ .. ‏إذ‏ ‏أن‏ ‏يديه‏ ‏غائصتان‏ ‏فى ‏أمعاء‏ ‏المجتمع‏ ‏ورجليه‏ ‏فى ‏طين‏ ‏الواقع‏ .. ‏وحتى ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يستمر‏ فى أداء مهمته، فى ثقافة ناسه الخاصة جداً، ‏فإنه‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يحذق‏ ‏اللغة‏ ‏السائدة‏ ‏بدرجة‏ ‏قد‏ ‏يبدو‏ ‏أته‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ ‏سواها‏ (‏وكثيرا‏ ‏ما‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏غاية المراد عند بعض الزملاء، ويسمى أحيانا “الذكاء الاجتماعى”‏)!!!. ‏الطبيب (النفسى، وغير النفسى)‏ ‏مطالب‏ ‏بالنجاح‏ ‏بلغة الواقع وعلى أرضه‏، ‏وإلا‏ ‏أصبح‏ ‏مثلا‏ ‏فاشلا‏ ‏أمام‏ ‏مرضاه‏ .. ‏وأغلبهم‏ ‏يحتاجون‏ ‏إلى ‏جرعة‏ ‏الواقع‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏يحتاجون‏ ‏إلى ‏مثل هذا‏ ‏الخيال‏ ‏النظري‏.‏

وإذْ‏ ‏أيقنت‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏بداية‏ ‏الطريق‏، ‏كان علىّ ‏أن‏ ‏أدفع ‏ثمن‏ ‏الصبر‏ ‏عليه‏، ‏وأن أتحمّل الاتهامات‏ ‏التى ‏لا‏ ‏يرضيها‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏يقترن‏ ‏الذكاء‏ ‏الاجتماعى ‏والنجاح‏ ‏المادى ‏بالشر‏، ‏وهى هى التى تقرن‏ ‏الخير‏ ‏المثالى ‏بالطيبة‏ ‏أو‏ ‏الخيبة‏،

سبق أن شرحت هذه الحيلة التى أتصور أننى كنت واعيا بها طول الوقت، وكتبتها شعرا بالفصحى، مرة بشكل مباشر.

من ديوان سر اللعبة:

وبعقل‏ ‏الفلاح‏ ‏المصرى ‏أو‏ ‏قل‏ ‏لؤمه‏ ‏

درت‏ ‏الدورة‏ ‏حول‏ ‏الجسر‏:

حتى ‏لا‏ ‏تخدعنى ‏كلمات‏ ‏الشعر، ‏

أو‏ ‏يضحكَ‏ ‏منى ‏من‏ ‏جمعوا‏ ‏أحجار‏ ‏القصر‏ ‏القبر، ‏

أو‏ ‏يسحقَ‏ ‏عظمى ‏وقع‏ ‏الأقدام‏ ‏المتسابقة‏ ‏العجلى ‏

أقسمت‏ ‏بليلٍ‏ ‏ألا‏ ‏أضعف‏… ‏ألا‏ ‏أنسي‏

‏-2-‏

وأخذت‏ ‏العهد، ‏

غاصت‏ ‏قدماى ‏بطين‏ ‏الأرض‏ ‏

وامتدت‏ ‏عنقى ‏فوق‏ ‏سحاب‏ ‏الغد‏

‏-3-‏

هذبت‏ ‏أظافر‏ ‏جشعى ‏

ولبست‏ ‏الثوب‏ ‏الأسمر‏ ‏

ولصقت‏ ‏اللافتة‏ ‏الفخمة‏ ‏

وتحايلت‏ ‏على ‏الصنعة، ‏

وتخايلت‏ ‏طويلا‏ ‏كالسادة‏ ‏وسط‏ ‏الأروقة‏ ‏المزدانة‏ ‏

برموز‏ ‏الطبقة‏.. ،.. ‏

هأنذا‏ ‏أتقنت‏ ‏اللغة‏ ‏الأخرى،  ‏

حتى ‏يُسمع‏ ‏لى،  ‏فى ‏سوق‏ ‏الأعداد‏ ‏وعند‏ ‏ولى ‏الأمر

وأعتقد أن خطابى إلى ابنى شعرا أيضا فى ديوان البيت الزجاجى والثعبان، والذى نشرته كاملا فى نشرة سابقة (نشرة 11-1-2008 “حوار/بريد الجمعة“) كانت فيه إشارة إلى مثل ذلك

هل‏ ‏تعرفنى ‏من‏ ‏خلف‏ ‏الأقنعة‏ ‏السبعة‏:‏

وأنا‏ ‏أتكلم‏ ‏مثل‏ ‏السادة؟

وأنا‏ ‏أمشى ‏بينهمو‏ ‏كالعاده؟

وأنا‏ ‏أدهش‏ ‏وكأنى ‏لا‏ ‏أعلم؟

وأنا‏ ‏أُفتى ‏وكأنى ‏أعلم؟

وأنا‏ ‏أضحك‏ ‏وكأنى ‏أفرح؟

وأنا‏ ‏أحسب‏ ‏وكأنى ‏أجمع؟

وأنا‏ ‏أرنو‏ ‏وكأنى ‏أسمع؟

كل هذا يعطى الذى “شايفنى واد مرقع أو حِدِق”، الحق فى أن يرانى هكذا، لكن – أظن أنه عليه أن يواصل الرؤية كما وردت فى القصيدتين (ديوان سر اللعبة “قصيدة جبل الرحمات) و(ديوان البيت الزجاجى والثعبان “الحاجة والقربان)

هذه‏ ‏الفئة‏ ‏التى ‏تصدر‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الأحكام‏ ‏ ‏ “واد مرقع أو حدق” يحق‏ ‏لها‏ ‏هذا‏ ‏الموقف‏ ‏النظرى ‏الناقد‏ ‏طالما‏ ‏هى ‏قد‏ ‏قررت‏ ‏أن‏ ‏تؤجل معركة مواصلة النمو على أرض الواقع تحت كل الظروف ،‏ ‏أو‏ ‏لعلها قررت تأجيل القيام بدورها ‏فى ‏انتظار‏ ‏نبضة‏ ‏ثائرة‏ ‏لا‏ ‏تعرف‏ ‏ماذا‏ ‏بعدها‏ ‏ومن سيحصد نتائجها.‏ ‏أقول‏ ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏الفئة‏ ‏التى ‏تدمغ‏ ‏أى ‏نجاح‏ (‏دنيوي‏) وتصفه بالفهلوة، كما تصف من يحققه بأنه “مرقع أو حدق” ‏هى ‏فئة‏ ‏قد ‏تؤدى ‏دورا‏ ‏فنيا‏ ‏فى ‏الحياة‏، ‏من حيث أنها “تنظر” دون التزام بالتفعيل‏، ‏وهى ‏تضيق‏ ‏كل‏ ‏الضيق‏ ‏بمن‏ ‏ينجح‏ ‏بأسلوب‏ ‏الواقع‏، ‏وتتوقف عن‏ ‏أن‏ ‏تقيس خطواته‏ ‏التالية‏، ‏وفيم‏ ‏استعمل‏ ‏نجاحه‏ ‏وكيف؟‏

‏وقد‏ ‏قابلت‏ ‏فى ‏حياتى ‏عينات‏ ‏كثيرة‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ – ‏وأيقنت‏ ‏أن‏ لها ‏دورها‏ ‏الإيجابى ‏فى ‏المجتمع‏، ‏فهى يمكن أن تكون بمثابة‏ “‏ضمير”‏ ‏يعمل عن بعد، إذْ‏، يقف بالمرصاد، فيتنبه الثائر الواقعى إلى احتمال انحرافه، أما‏ ‏دورها‏ ‏السلبى ‏فهو حين تفرض نموذجا مثاليا لحركة الثائر المغامر طول الوقت، فلا يخرج عن مثاليته وبالتالى لا يحقق ثورته فى نفس الوقت وقد يكتفى بأن‏ ‏يصدر‏ ‏الأحكام‏ ‏ويرفض‏ ‏اكتساب‏ ‏القوة‏، لأنه يرفض أن يدفع ثمن ذلك، ‏فيترك مقاليد القوة ‏لمن‏ ‏يسئ‏ ‏استعمالها‏، ‏وكأن‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الناس‏ ‏يشجع‏ ‏قسمة‏ ‏ضيزى ‏يرضى ‏بها‏ ‏أهل‏ ‏الشر‏ ‏ودعاة‏ ‏الجمود‏، ‏تلك‏ ‏القسمة‏ ‏التى ‏تقول‏ ‏على ‏لسان‏ ‏أهل‏ ‏الواقع البشع المستمرّ:‏ ‏لكم‏ ‏المثل‏ ‏الطيبة‏ ‏والذكر‏ ‏الحسن‏، ‏ولنا‏ ‏القوة‏ ‏والقدرة‏ ‏والسلاح‏ ‏والفعل‏ ‏القاهر‏. ‏وما‏ ‏أغبى ‏من‏ ‏يقبل‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏القسمة‏ ‏وأعجزه.

(4) واللى ‏شايفنى ‏قفل‏ ‏ومتربس‏ ‏حزين‏، ‏

أقر وأعترف أننى عانيت أيضا من هذه الرؤية كثيرا، فقد كان واضحا طوال التجربة أننى ارفض النكوص للنكوص، أو ربما أخافه حتى لا ينتهى بنا إلى التسيب والإنفلات، وبما أن أية تجربة حقيقية لابد أن تمر بهذا الاحتمال، فربما كنت أمثل عند هذا الرابع (وهم كُثْر) السقف الذى يمنع التجاوز، وكانت توجه إلىّ الاتهامات المختلفة الرافضة لهذا الموقف من أول اتهامى بالكبت إلى إتهامى بالجبن، مرورا بنزع الثورية عنى وكذلك اتهام بفتور طلاقة الفنان، وقد كنت أتألم ليس لأنى فقط لست كذلك، ولكن أيضا لاحتمال أن أكون كذلك، فى الطبعة الأولى كان البعض هكذا. “واللى شايفنى قفل مقفول من سنين”،

 لست أدرى ما الذى جعلنى أغير النص فى المتن بعد ذلك إلى “قفل ومتربس حزين”، ربما لاحتمال التنبيه إلى الربط بين الكبت والحزن، أو لما شاع عنى أننى أقلبها غماّ ، لحظة احتمال “السببان” نكوصاً،

موقف‏ ‏آخر‏ ‏كنت‏ ‏أراه‏ ‏وأنا‏ ‏أبحث‏ ‏عن‏ ‏نفسى ‏فى ‏عيونهم‏ .. ‏فالطبيب‏ ‏النفسى – ‏كما‏ ‏قلت‏ ‏وكررت‏ – ‏ملتزم‏ ‏بالواقع‏ ‏أشد‏ ‏الالتزام‏، ‏ومن‏ ‏هنا‏ ‏يأتى ‏رفضه‏ ‏العنيف‏ ‏لأى ‏نكوص‏ ‏غير‏ ‏مسئول‏، ‏ولأية ‏حرية‏ ‏لمجرد‏ ‏اللذة‏، ‏وأى ‏رفض‏ ‏لمجرد‏ ‏العناد

ولقد تحملت من جراء ذلك ‏كل‏ ‏أنواع‏ ‏الرفض‏ ‏والهجوم‏ .. ‏وكان‏ ‏هذا‏ ‏أيضا‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏ساعدنى ‏على ‏رؤيتى ‏لنفسى .. ‏حيث وضعت‏ ‏هذا‏ ‏الاحتمال أنى أمثل لهم سقف القهر‏، ‏وعايشته‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏أستطيع‏، ‏وتقمصت‏ ‏من يرمينى به محترما رؤيته حتى انتهيت‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏وجود هؤلاء النقاد هو أقرب إلى “الوجود الفنى الحر”، وهو فى ذلك قريب من الوجود المثالى السابق.

 ‏ولكنى فى النهاية، ومع مرور الوقت ‏أيقنت‏ ‏أن مثل هذا الوجود ‏لا‏ ‏يصلح‏ أن يكون صفتى الغالبة.

‏كما رجحت‏ ‏أن‏ ‏هجومهم‏ ‏هو ليس‏ ‏من‏ ‏أجلى .. ‏بل‏ ‏هو‏ ‏رفضى أن‏ ‏أتمسك‏ ‏بالالتزام‏ ‏بالواقع‏ ‏إلى ‏قاع مرارته‏، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏الذى ‏أصر‏ ‏فيه‏ ‏على ‏التطور‏ ‏إلى ‏غاية‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏.‏

فى العلاج النفسى قد يصل للمريض صورة المعالج باعتباره والداً قاهرا أو سلطة كابتة تمثل نفس هذا السقف الذى رأيته فى عيونهم، وتصبح هذه الصورة معطلة للعلاج حين تتداخل الأدوار فيغلب على العلاج شكل الضبط والربط، وأيضا تأثير السلطة الوصية، وكثيرا ما يقوم الطبيب أو المعالج بهذا الدور بشكل لا شعورى (أو شعورى) حين تتحكم فيه منظومته القيمية الخاصة، أو نواهى دينه، أو قهر مجتمعه فيتنقل ذلك إلى المريض بشكل معطل غالبا.

(5) واللى ‏شايفنى ‏حرامى ‏أصلى ‏معـتـبـر‏، ‏

‏لا يتوقف تشويه صورة القائد أو المعالج ‏فى ‏عيون‏ ‏هذه‏ ‏الفئة‏ ‏عند رفض الفلهوة، وإنما تمتد للاتهام بأنها شخصية ‏ملوثة‏ ‏فى ‏شرفها‏، حتى السرقة أو النصب.

 ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏أمامى ‏أن‏ ‏أرد‏ .. ‏بل‏ ‏كان على ‏أن‏ ‏أواصل‏ ‏مسيرتى ‏فى ‏صبر‏ ‏عنيد‏، ‏منتظرا‏ ‏حكم‏ ‏داخلى، ‏وحكم‏ ‏الزمن‏، ‏وفاعلية‏ ‏ما‏ ‏أقدر‏ ‏عليه‏ ‏لخير‏ ‏الناس‏..، ‏وكان‏ ‏من‏ ‏أقسى ‏التجارب‏ ‏التى ‏مررت‏ ‏بها‏ ‏أن‏ ‏يأتى ‏هذا‏ ‏الاتهام‏ ‏مؤكدا‏ ‏من‏ ‏أقرب‏ ‏الناس إلىّ‏ .. ‏ويتأكد ذلك حين‏ ‏كنت‏ ‏أرفض‏ ‏أن‏ ‏أحملهم‏ – ‏بسلبياتهم‏ ‏ومثاليتهم‏ – ‏على ‏محفة‏ ‏نجاحى ‏الذى ‏دفعت‏ ‏فيه‏ ‏ما‏ ‏دفعت‏.

يمكن‏ ‏أكون‏ ‏أنا‏ ‏كل‏ ‏ده‏.‏

‏لكنى ‏أبدا‏ ‏مش‏ ‏كده‏ .‏

*****

قبول ورفض واحترام ومراجعة:

أقر وأعترف مرة أخرى أن هذه الموجات من‏ ‏ ‏النقد‏ حتى الشجب كانت ‏موقظة‏ ‏لى ‏فى ‏كل‏ ‏حين‏ … ‏فكنت‏ ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏أعتبرها آراء‏ ‏صحيحة ‏ما‏ ‏أمكن ذلك‏ .. ‏حتى ‏أظل‏ ‏منتبها‏ ‏إلى ‏احتمال انحرافى‏ .. ‏فأشكرهم‏ ‏فى ‏قرارة‏ ‏نفسى ‏على ‏هذه‏ ‏الرؤية‏ – ‏رغم‏ ‏عنف‏ ‏الألم‏ وقد استمرت‏ ‏معى ‏هذه‏ ‏المعاناه‏ ‏مدة‏ ‏طويلة‏ .. ‏فلا‏ ‏أنا‏ ‏أرفض‏ ‏رؤيتهم‏، ‏ولا‏ ‏أنا‏ ‏أستسلم‏ ‏لها‏، ‏ولا‏ ‏هى ‏تعوقنى ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏المعاناة‏ ‏الخفية‏ .. ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏على ‏أن‏ ‏أستمر‏ ‏فى ‏الحصول‏ ‏على ‏مقاليد‏ ‏القدرة‏ ‏تساعدنى ‏على ‏تحقيق‏ ‏رؤيتى ‏التى ‏ألقيت‏ ‏على ‏وجدانى ‏وفكرى ‏قولا‏ ‏ثقيلا‏ .. ‏وما‏ ‏أصعب‏ ‏كل‏ ‏هذا‏.‏

‏كنت – وما زلت – على يقين من أن ‏من‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يعرف‏ ‏نفسه‏ عليه ‏ألا‏ ‏يرفض‏ ‏رؤية‏ ‏غيره‏ ‏له‏ ‏مهما‏ ‏كانت‏ ‏دوافعها‏، ‏ومهما‏ ‏بدت بعيدة عن الحقيقة‏، ‏ومهما‏ ‏كان‏ ‏الألم‏ ‏المترتب‏ ‏على ‏تبنى ‏هذه‏ ‏الرؤى ‏المشوهة‏ ‏والمزعجة‏، ‏فإن‏ ‏وظيفة‏ ‏وجهات‏ ‏نظر‏ ‏الآخرين‏ ‏لا‏ ‏بديل‏ ‏لها‏ ‏إلا‏ ‏أوهام‏ ‏الوجود‏ ‏المعصوم‏،‏ وهكذا فإن الذى حدث هو أنه فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏الذى ‏كنت‏ ‏أتقبل‏ ‏فيه‏ ‏هذه‏ ‏الرؤية‏ ‏تماما‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏رفضتها‏ ‏ظاهريا‏ .. ‏فإنى كنت  ‏أعلم‏ ‏فى ‏آخر‏ ‏طبقات‏ ‏وجودى ‏أننى ‏لست‏ ‏مجرد ما يظهر منى لهم، لكننى أيضا هو ما يصلهم .. ‏فالرؤية‏ ‏الجزئية‏ ‏المنحازة‏ ‏هى – ‏فى ‏النهاية‏ – ‏ورغم‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏أفيد‏ ‏منها‏ – ‏رؤية‏ ‏جزئية‏ ‏منحازة‏ ..‏ لكنها فى نفس الوقت رؤية محتملة، إذن ‏لا يجوز التوقف عند إتهامهم أنهم لا‏ ‏يرون‏ ‏إلا‏ ‏ما‏ ‏يحتاجون‏، ‏أو أنهم‏ ‏لا‏ ‏يريدون‏ ‏أن‏ ‏يروا‏ ‏بقية‏ ‏ما هو أنا‏ ..  فأعود أتقمصهم من زاوية أخرى حتى أنى صنفتهم أيضا كما يلى:

شوفوا‏ ‏كويس‏ ‏يا‏ ‏جماعه‏: ‏

(1) واحد‏ ‏يقول‏: ‏خايف‏ ‏أشوفك‏ ‏لسه‏ ‏حبه‏،‏

‏أحدهم‏ ‏يؤجل‏ ‏الرؤية‏ ‏باستمرار‏ .. ‏ويساورنى ‏الشك‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التأجيل‏ ‏هو‏ مجرد عجز عن الاتهام وخوف من التبعية فى نفس الوقت، وقد يمتد ‏إلى ‏مالا‏ ‏نهاية‏.‏

(2) والتانية‏ ‏بتقول‏: ‏يا‏ ‏حرام‏!! ‏طب‏ ‏حبه‏ ‏حبه‏،‏

هذه الثانية‏ ‏تشفق‏ ‏من‏ ‏الرؤية‏ (‏على ‏نفسها‏ ‏فى ‏الأغلب‏) ‏وتعلل‏ ‏ذلك‏ ‏بأنها‏ ‏ترى ‏بقدر ما نستطيع، وقد كنت أرعب من هذه الشفقة بقدر ما أرفضها دون أن أنكر على نفسى حاجتى إليها.

(3) والتالت‏ ‏المسطول‏ ‏لو‏ ‏الكرباج‏ ‏يطرقع‏ ‏جوا‏ ‏مخه

يشوف‏ ‏دقيقة‏، ‏بس‏ ‏فينه‏ ‏من‏ ‏الحقيقة‏ .‏

هذا الثالث الغائص فى‏ ‏ذاته‏ ‏كان‏ ‏يرى ‏عقليا‏ ‏فقط‏ .. ‏لكنه‏ ‏لا‏ ‏يجرؤ أن يقترب‏ ‏من‏ ‏حقيقة‏ ‏الوجود‏ ‏الموضوعى‏ ‏أبدا‏.‏

هذا الثالث بالذات كانت رؤيته مخترقة فعلاً: مرة اتهمنى بأنى أكبر شيزيدى (انطوائى منغلق على ذاته) فى الجماعة، ففزعت لأننى كنت تصورت ذلك عن نفسى فى لحظات، أما أننى كذلك طول الوقت فهذا ما اكتشفت خطأه: “بس فينه من الحقيقة”.

(4) والرابع‏ ‏اللى ‏خوفه‏ ‏عازلــه‏ ‏جوا‏ ‏سجن‏ ‏المزه‏، ‏أو‏ ‏جبل‏ ‏الجيوشى،‏

الود‏ ‏وده‏ ‏يشوف‏ ‏ضلام‏ ‏القبر‏،‏

ولا‏ ‏إنه‏ ‏يدوق‏ ‏الصبر‏،‏

الصبر‏ ‏مـر‏ ‏والشوف‏ ‏يضر‏.‏

هذا الرابع‏: كان يرفض‏ ‏أن‏ ‏يخرج‏ ‏من‏ ‏قوقعته‏ ‏التى ‏تحميه‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏رؤية‏ ‏عادلة‏ … ‏فيها‏ ‏أدنى ‏تفاعل‏ ‏موضوعى ‏يحمل‏ ‏تهديد‏ ‏الخروج‏ ‏إلى ‏مواجهة‏ ‏الحياة‏ ..‏وتحمل‏ ‏مسئوليتها‏،

 أن ترى الآخر كما هو، إنما يعرضك أنت أيضا أن ترى نفسك، ثم الأخطر هو أنه يعرضك أن تغامر بعلاقة حقيقية… الخ.

ملحق:

المتن على بعضه (اعتذار)

ورْجعت‏ ‏أبصِّـلْـكم‏ ‏هناك‏، ‏فى ‏عيونكم‏ ‏انتم‏ .‏

أنا‏ ‏أبقى ‏مين‏ ‏؟

وألاقى ‏صورتى ‏زى ‏ما‏ ‏انتم‏ ‏محتاجين‏: ‏

‏اللى ‏شايفنى ‏كما‏ ‏النبى، ‏

واللى ‏شايفنى ‏ربـنـا‏، ‏

واللى ‏شايفنى ‏واد‏ ‏بُرَم‏،‏

واللى ‏شايفنى ‏قفل‏ ‏ومتربس‏ ‏حزين‏، ‏

واللى ‏شايفنى ‏حرامى ‏أصلى ‏معـتـبـر‏، ‏

يمكن‏ ‏أكون‏ ‏أنا‏ ‏كل‏ ‏ده‏.‏

‏لكنى ‏أبدا‏ ‏مش‏ ‏كده‏ .‏

شوفوا‏ ‏كويس‏ ‏يا‏ ‏جماعه‏: ‏

واحد‏ ‏يقول‏: ‏خايف‏ ‏أشوفك‏ ‏لسه‏ ‏حبه‏،‏

والتانية‏ ‏بتقول‏: ‏يا‏ ‏حرام‏!! ‏طب‏ ‏حبه‏ ‏حبه‏،‏

والتالت‏ ‏المسطول‏ ‏لو‏ ‏الكرباج‏ ‏يطرقع‏ ‏جوا‏ ‏مخه

يشوف‏ ‏دقيقة‏، ‏بس‏ ‏فينه‏ ‏من‏ ‏الحقيقة‏ .‏

والرابع‏ ‏اللى ‏خوفه‏ ‏عازلــه‏ ‏جوا‏ ‏سجن‏ ‏المزه‏، ‏أو‏ ‏جبل‏ ‏الجيوشى،‏

الود‏ ‏وده‏ ‏يشوف‏ ‏ضلام‏ ‏القبر‏،‏

ولا‏ ‏إنه‏ ‏يدوق‏ ‏الصبر‏،‏

الصبر‏ ‏مـر‏ ‏والشوف‏ ‏يضر‏.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *