الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ملف الوجدان واضطرابات العواطف (53) عُـسْـر الاضطرابات الوجدانية: كمِّيا (13) الألم النفسى

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (53) عُـسْـر الاضطرابات الوجدانية: كمِّيا (13) الألم النفسى

نشرة “الإنسان والتطور”

الأحد: 28-12-2014   

السنة الثامنة

العدد: 2676  

  الأساس فى الطب النفسى

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (53)

ثانيا‏: ‏الانفعالات‏ ‏العسرة‏:‏ (16) 

اضطرابات الوجدان (العواطف)

عُـسْـر الاضطرابات الوجدانية: كمِّيا (13)

الألم النفسى

مقدمة:

آن الأوان أن ننتقل إلى عسر وجدان آخر، وربما يكون أصعب من أن يُدرج تحت هذه المجوعة المسماة “عسر الوجدان”. حين هممت بالكتابة عن الألم النفسى كنوع من اضطرابات الوجدان خجلت، وكدت أتراجع، فقد ضبطت نفسى لا أعتبره اضطرابا أصلا، بل لا أعتبره “عسرا”، بل نعمة من الله لنكون بشرا، لو أحسنّا احتواءه.

عن الألم‏ ‏النفسى وعلاقته بالاكتئاب:

 ‏وصف‏ ‏سيلفانو‏ ‏أريتى ‏الاكتئاب‏ ‏على ‏أنه‏ ‏الوعى ‏بالألم‏ ‏النفسى، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فالأمر‏ ‏ليس‏ ‏بهذه المباشرة‏‏، ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏الألم‏ ‏النفسى ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏درجة‏ ‏من‏ ‏التحديد‏ ‏والتمييز‏، ‏وكلمة‏ “‏ألم‏” ‏هى ‏حالة‏ ‏نفسية‏ ‏فى ‏ذاتها‏، والألم‏ ‏هو‏ ‏حالة‏ ‏معاناة‏ ‏ذاتية‏ ‏يستشعرها‏ ‏المريض‏، ‏وكلمة‏ ‏ألم‏ ‏فى ‏العربية‏ ‏تعنى ‏كلا‏ ‏من‏ ‏الألم‏ ‏النفسى ‏والألم‏ ‏الجسدى ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏، ‏واستعمال‏ ‏صفة‏ ‏النفسى هنا ‏بعد‏ ‏كلمة‏ ‏ألم‏ ‏إنما‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏رغبة‏ ‏فى ‏تحديد‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الألم‏ ‏بأنه‏ ‏غير‏ ‏موضعي ‏(‏غير‏ ‏محدد‏ ‏الموضع‏) ‏ولا‏ ‏يوجد‏ ‏سبب‏ ‏عضوى محدد ‏له‏. ‏وقد‏ ‏قصدنا‏ ‏أن ‏نفصل‏ ‏هذا‏ ‏الشعور‏ ‏العميق‏ (‏الألم‏)‏عن‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏اكتئآب‏ ‏لأنه‏ ‏ليس‏ ‏كل‏ ‏ألم‏ ‏نفسى ‏اكتئاب‏ ‏والعكس‏ ‏صحيح‏: ‏فليس‏ ‏كل‏ ‏اكتئآب‏ ‏مصاحب‏ ‏بهذا‏ ‏الشعور‏ ‏الخاص‏ ‏العميق‏ ‏من‏ ‏المعاناة‏ ‏الذاتية المسماة ‏الألم‏.

 ‏الألم‏ ‏النفسى ‏عادة‏ ‏لا‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏تعبير‏ لفظى ‏خاص، فنادرا ما يشكو المريض بقوله:

 “أنا متألم”، مثلما يقول مريض الاكتئاب والقلق والرهاب، يقول أى من هؤلاء أنا حزين “أنا متوتر”، “أنا خايف”….الخ، هذا الذى أخصه باسم الألم النفسى، عادة يُدرَك بواسطة الفاحص والمعالج من خلال التقمص‏ ‏الصاد28-12-2014_1ق‏ ‏أثناء‏ ‏المقابلة‏ ‏العميقة‏ ‏أو‏ ‏العلاج‏ ‏النفسى. وحتى احتمال أن يكون مرادفا لما أسميناه الحزن الإيجابى أو الحزن الخلاق هو احتمال غير دقيق، بل لعله غير صحيح  مهما تشابها واقتربا، فمن ناحية لا يوجد شىء اسمه مترادفات وإلا ما ظهرت كلمات كثيرة تصف نفس الظاهرة، هناك فرق، ومن ناحية أخرى فإن الألم النفسى نادرا ما يصاحبه ما يسمى حزنا حتى لو كان خلاّقا، مع أن ذلك الحزن الإبجابى بالذات  قد تصاحبه درجة من هذا الألم النفسى.

والألم عموما هو ظاهرة دفاعية مهمة، سواء كان نفسيا أو جسديا صرفا، فقد تعارفنا على أنه هو الذى يبلغنا بحالة اعتلال الصحة التى تحتاج إلى رعاية خاصة وتداو، وهو قد يكون حاجزا ضد التمادى فى الاعتلال، فمثلا: هو الذى يمنع أن نؤذى ساقـَنا المسكورة بألا نحملها ثقل  جسدنا حتى يلتئم الكسر، فهو بمثابة  الضوء الأحمر الذى يعلن صعوبة تحتاج إلى التدخل، وهو فى نفس الوقت حافز للتعامل مع هذه الصعوبة بما يناسبها، وعلى ذلك فينبغى أن نتمسك بالقاعدة  الأساسية التى ذكرناها سابقا مع كل الوجدانات السابقة، وأن أى وجدان سواء كان عَسِرا، أو قاسيا، أو بهيجا هو تفاعل طبيعى من حيث المبدأ، وله وظيفته المناسبة إذا ما كان مناسبا للموقف والغاية منه، وأنه لا يكون اضطرابا أو عرضا أو مرضا إلا زاد عن كونه مناسبا حتى لم يعد يُحتَملُ  أو أعاق.

وأخيرا: الألم النفسى قد يقوم بوظيفة الاستغاثة، ومن هنا وجب قبوله واحترام لغته والاستجابة له سواء كان نفسيا أو غير نفسى.

 28-12-2014_4

الألم والنشاز

‏و‏يمكن‏ ‏تعريف‏ ‏الألم‏ ‏النفسى ‏بأنه‏ “‏شعور‏ ‏عميق‏ ‏بوعى ‏غائر‏ ‏بالصعوبات‏ ‏والوحدة‏ ‏والتناقضات‏ ‏وعدم‏ ‏الاتساق‏.” ‏وهكذا‏ ‏نجد‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يشمل‏ ‏لا‏ ‏اليأس‏ ‏ولا‏ ‏الخوف‏ (‏سواء‏ ‏المحدد‏ ‏منه‏ ‏أو‏ ‏العام‏ = ‏أى ‏سواء‏ ‏الرُّهابات‏ ‏أو‏ ‏الهلع‏ ‏أو‏ ‏القلق‏)، ‏ولا‏ ‏يوجد‏ ‏مع‏ ‏الألم‏ ‏النفسى ‏تهوين‏ ‏للذات أو حط من قيمتها‏ ‏ولا‏ ‏سوداوية‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏الذى ‏يعايش‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏المعاناة‏ ‏يكون‏ ‏عادة‏ ‏فى ‏حالة‏ ‏أعلى ‏من‏ ‏الوعى ‏اليقظ‏ ‏الذى ‏يدرك‏ ‏بشكل‏ ‏حاد‏ ‏هذه‏ ‏الدرجة‏ ‏من‏ ‏عدم‏ ‏الاتساق‏ ‏بين‏ ‏مستويات‏ ‏التنظيمات‏ ‏داخل‏ ‏النفس وخارجها،‏ ‏وكذلك‏ ‏يدرك‏ ‏هذا‏ ‏التباين‏ ‏بين‏ ‏فرط‏ ‏الرؤية‏ ‏وعجز‏ ‏الفعل‏.

ومن‏ ‏الناحية‏ ‏الموضوعية‏ ‏فإن‏ ‏‏الإكلينيكى ‏المتمرّس‏ ‏يمكنه‏ ‏أن‏ ‏يفترض‏، ‏وأحيانا‏ ‏يستشعر‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الشعور‏ ‏العميق‏ ‏حتى ‏وراء‏ ‏أخطر‏ ‏الأعراض‏ ‏والأمراض‏، ‏وذلك‏ ‏بفرض‏ ‏أن‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏الأعراض‏ ‏والأمراض‏ ‏لا‏ ‏تعدو‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏ميكانزمات‏ ‏للتخفيف‏ ‏من حدّة‏ ‏هذا‏ ‏الألم‏ ‏الغائر أو تغطيته‏. ‏لا‏ ‏يستثنِى ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏تباين‏ ‏المشاعر (1) ‏واللامبالاة ‏ ‏الظاهرة (2) أو التبلد (3). بل‏ ‏إنه‏ ‏قد‏ ‏سبق‏ ‏الإشارة‏ ‏إلى ‏أنه‏ ‏حتى ‏فى ‏المريض‏ ‏الهوسى ‏قد‏ ‏نجد‏ ‏وراء‏ ‏الفرح‏ ‏الزائط‏ ‏درجة‏ ‏ما‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الألم‏ ‏الغائر‏، ‏وأنه ما‏ ظهر ‏الفرح‏ ‏والزياط‏ ‏إلا‏ ‏لإخفاء‏ ‏ما‏ ‏يعتمل‏ ‏داخله‏ ‏من‏ ‏وحدة‏ ‏وتهديد‏ ‏بالوعى المؤلم ‏بعدم‏ ‏الاتساق‏ ‏والتناقض‏.‏

ولكن‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏بأى ‏حال‏ ‏أن‏ ‏نتصوّر‏ – ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الوصف‏ ‏السابق‏ ‏مثلا ‏- ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الألم‏ ‏النفسى ‏هو‏ ‏شعور‏ ‏إيجابى دائما، ‏وإلا‏ ‏ما‏ ‏أدرج‏ ‏هنا‏ ‏كعرض‏‏، ‏إذن‏ ‏فلا‏ ‏بد‏ ‏من‏ ‏تحديد‏ ‏المواصفات‏ ‏التى ‏تجعل‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الألم‏ ‏عرضا‏ ‏نفسيا‏ ‏على ‏الوجه‏ ‏التالى:‏

أ- ‏هو‏ ‏خبرة‏ ‏غائرة‏ ‏داخلية‏ ‏أكثر‏ ‏منه‏ ‏تعبير‏ ‏ظاهر‏ ‏معلن‏ ‏نشط

ب‏- ‏وهو‏ ‏وعى ‏مُثار‏ ‏أكثر‏ ‏منه‏ ‏دافعية‏ ‏مناسبة‏ ‏

جـ‏- ‏ويمكن‏ ‏تقييم‏ ‏هذا‏ ‏العرض‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الحدس‏ ‏الإكلينيكى ‏والتقمص‏ ‏(والمواجدة) من‏ ‏فاحص‏ ‏متمرس‏، ‏يحدث‏ ‏هذا‏ ‏على ‏نفس‏ ‏الأسس‏ ‏التى ‏تسمح‏ ‏بتقييم‏ ‏البرود‏ ‏الفصامى ‏من‏ ‏خلال‏ ‏العجز‏ ‏عن‏ ‏المشاركة‏ ‏الوجدانية‏ ‏والتواصل‏ ‏بما‏ ‏يؤدّى ‏إلى ‏وصف‏ ‏المريض ‏بالتبلد (الظاهر على الأقل).

الألم النفسى على مسار العلاج

إن‏ ‏شعور‏ ‏الفاحص‏ ‏بهذا‏ ‏الألم‏ ‏العميق‏ ‏يزداد‏ ‏مع‏ ‏توثق‏ ‏العلاقة‏ ‏بالمريض‏ ‏وممارسة‏ ‏التقمص‏ ‏الإيجابى. ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏إذا‏ ‏نجح‏ ‏المعالج‏ ‏فى ‏الغوص‏ ‏وراء‏ ‏الأعراض‏ ‏والميكانزمات‏ ‏التى ‏تخفى ‏هذا‏ ‏الألم‏، ‏فإنه عادة يعلن بذلك نجاحه فى المشاركة‏ ‏التى تؤدى، بدرجة مناسبة حسب مرحلة العلاج إلى التخفيف حتى من حدة  ‏الأعراض‏ ‏التى كان المريض قد ‏لجأ‏ ‏إليها‏ ‏لتخفيه‏ (نخفى الألم حتى عن المريض نفسه).

ثم إن مثل هذا الألم نفسه – بجرعة علاجية منضبطة- هو الذى يثار فى العلاج الجمعى فى  موقف المازق النمائى (4)، حيث لاحظتُ – فى خبرة العلاج الجماعى خاصة، أن الاقتراب من موقف يعبر عن الألم الإنسانى الناتج عن الإصرار على مواصلة التواصل مع آخر مختلف، وفى نفس الوقت حدة والوعى بأن هذا الآخر هو كيان مستقل منفصل يحاول نفس المحاولة، مع إدراك الصعوبة والتهديد فى آنْ”، كل هذا معا يؤدى إلى أن يتحرك الألم المصاحب لتحمل الغموض مع مواصلة السعى،  وهذه الخبرة لا يصاحبها عادة بكاء بالدموع وإن كانت أحيانا يصاحبها ما وصفناه  بلمعة الدمع فى العين (5)‏، وكما أشرت سابقا كيف أننى أحيانا فى المقابلة الإكلينكية قد أساعد أحد المرضى أن يسمح بمثل هذا الألم أن يظهر من وراء أعراضه، أيا كانت، أو حتى لو كمُن الألم وراء ابتسامته، أسمحله بالظهور، بل استدعيه بطلب اطلاق سراحه (سراح الألم) بمعنى أننى قد أستثير مثل هذا الألم من خلال المشاركة الصامتة،  دون الإسراع بِلصْقهِ بسبب جاهز، وإذا بنا- المريض والمعالج- نتعرف على إيجابيته بدءا من إقرار الحق فى الوعى بصعوبات الداخل أكثر من الخارج، وقد يستقبل بعض الزملاء – كما ذكرت أيضا- محاولاتى هذه باعتبارها قسوة مؤلمة، ولم يكن الحال كذلك عند أغلب المرضى من داخل التجربة، بل إن الناتج فى النهاية كانت، وتكون عادة، نوعا من الطمأنية الواعية بحقيقة صعوبات وأبعاد العلاقة بالواقع، وبالآخر، بل وقد يكون نفس هذا الألم المناسب هو الدافع إلى استمرار العلاقة العلاجية إلى المرحلة التالية من محاولات تنـشيط مسيرة النمو التى هى غاية هذا النوع من العلاج.

وقد قلت قبلا أنه فى خبرتى أيضا لاحظت أن إطالة هذا الموقف هو مرهق لدرجة الخطر، لا أحد يستطيع أن يواصل معاناة جرعة زائدة من هذا الألم الناشئ عن تلويح بعلاقة أو وعد صامت بمشاركة، أقول إن إطالة هذا الموقف هو فقط للاعتراف بما وراء الظاهر من أصل السيكوباثولوجى، وأيضا للاعتراف بالحق فى الألم، وكل هذا بعيد عن تصنيفه كعرض مرضى بشكل تلقائى، بل إنه أقرب إلى تقييمه كظاهرة بشرية قد تكون خطوة على طريق النمو بشكل أو بآخر.

وفى ‏خبرتى أيضا – ‏مصداقا‏ ‏لهذا‏ ‏التنظير‏ – ‏وجدت‏ ‏أن‏ ‏ظهور‏ ‏علامات هذه المشاعر المشتملة للألم والحزن والدهشة وقدر من الطمأنينة لجدية المشاركة، هو‏ ‏أكبر‏ ‏دليل‏ ‏على نجاح العلاج والتقدم على طريق النمو، وهذا يختلف تماما عن الشائع من أن هدف العلاج هو “إراحة المريض”، أو حتى هو السماح له “بالتفريغ” أو “التنقيث”.

لابد من التنويه هنا مرة أخرى إلى أن الحرص على “بسط” (6) هذه المشاعر المؤلمة لا ينبغى أن يكون هدفا علاجيا فى ذاته، وإنما على المعالج أن يلتزم بضبط الجرعة والمدة المناسبة لمعايشة هذه الخبرة بما يحقق دفع عجلة النمو بالقدر البناء، ولا مانع من العودة إلى نفس الخبرة مع كل نقلة نمو لاحقة، وأكرر أنه إذا أساء المعالج (أو أى آخر) حسبة الجرعة وطالت خبرة الألم بلا ناتج حالىّ أو واعد، تهدَّدَ الكيان النامى بالتفسخ من فرط الألم، مما قد يضطره إلى أن يلجأ إلى التغطية بأية آلية (ميكانزم) قديمة أو جديدة، بالكبت مثلا أو بالانسحاب.

يا لصعوبة ضبط الجرعة!!!

وضرورتها.

[1] – Incongruity

[2] – Indifference

[3] – Apathy

[4] – Growth Impasse

[5] – أغرورقت العيون بالدموع.

[6] – Unfolding 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *