الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ملف الوجدان واضطرابات العواطف (32) حقيقة “الوقتية” وحتم النهاية(III) الجزء الثالث: قتل العواطف بعد العجز عن قتل الموت

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (32) حقيقة “الوقتية” وحتم النهاية(III) الجزء الثالث: قتل العواطف بعد العجز عن قتل الموت

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء: 15-10-2014

السنة الثامنة

العدد: 2602

 الأساس فى الطب النفسى

الافتراضات الأساسيةالفصل الخامس:    

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (32)

حقيقة “الوقتية” وحتم النهاية(III) (1)

الجزء الثالث: قتل العواطف بعد العجز عن قتل الموت (2)

13-10-2014_1

إرهاصات الجنون:

حين اعتلى جلال عرش الفتوة والجنون ظهرت له ملامح التعويض بالقوة المتزايدة “رفعته القوة وأخرست خصومه فثمل بها وعبدها”. (ص.م: 385)،  لكنها لم تكفه واستدرجته إرهاصات الجنون فى الواقع والأحلام. “وصادق ملائكة ذوات أجنحة ذهبية، وطرق باب التكية ففتح له على مصراعيه، وطارده قلق متلفع بظلمة الليل، وظلت قمر تومئ إليه من نافذة المشربية”. (ص 387) ….. “تتوارى النجوم فوق سحب شتوية كثيفة. وكان البرد قارسا فحبك العباءة حوله وطوق وجهه باللاثة. وغمرته الأناشيد مثل أمواج دافئة”.(ص.م: 390) ….. “عقد صداقة مع الظلمة، مع الصوت، مع البرد، مع الدنيا كلها. صمم على الطيران فوق العقبات مثل طائر خرافى”.(ص.م: 390)

قتل العواطف وتبديلها:

حتى مقتل زهيرة أم جلال، بل حتى موت قمر خطـْـفًا بالمرض، كان جلال جميلا نبيلا قويا محبا بحق، وكانت ذكرياته عن أمه كلها حب ورقة وحنين، لكن حدّة عواطفه تراجعت تدريجيا بموت أمه، حتى أحيتها قمر بكل رقتها وحبها، إلا أن “قمر” ذهبت أيضا، فراح ينكر حتى بأثر رجعى أى حب، أى ضعف، “وقال إنه يعترف بأنه ليس عاشقا. لا حزن على حب ضائع، أنا لا أحب،”.(ص.م:  401)

أما عثمان فقد تعامل مع عواطفه – برغم صدقها وسلاسة بعضها- على أنها نقطة ضعفه، فقد أحب سيدة ربما مثلما أحب جلال قمر، لكن عثمان هو الذى قتل هذا الحب بإرادة حاسمة، فقتل معه سيده وكاد يختلط الخيال بالحقيقة واعتبرها النهاية يوم تخيل أنه دخل عليها يوم عرسها وأعلن رفض استسلامه للموت إلى قداسة اللانهاية. “‏اقتحم‏ ‏الفرح‏ ‏حتى ‏قالوا‏ ‏انه‏ ‏مجنون………….، ‏ومضى ‏بها‏ ‏مخترقا‏ ‏ثلاثة‏ ‏أزقة‏ ‏مارقا‏ ‏من‏ ‏باب‏ ‏النصر‏ ‏إلى ‏مدينة‏ ‏الأموات‏ ‏وهما‏ ‏يترنحان‏ ‏من‏ ‏السعادة”(ص.ح: 45)…. “وثقلت عليه المعاناة فى الطريق الشاق، فتذكر معارك الأمم، ومعارك الجراثيم، ومعارك الصحة والعافية فهتف: – سبحان الله العظيم.(ص.ح:45)

وراح يقسو على نفسه بلا حدود، فكما هجر سيدة فى بدء حياته جعل يتمارض أمام “أنسية” ليهرب من أحب الناس إليه، ‏”ولكن‏ ‏غلبنى ‏الاستسلام‏ ‏الوهمى ‏للسعادة‏ ‏فلم‏ ‏أحسم‏ ‏الأمر‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يستفحل‏، ‏وكم‏ ‏صممت‏ ‏على ‏مصارحتك‏ ‏بالحقيقة‏ ‏ثم‏ ‏أضعف‏ ‏وأستسلم!” (ص.ح: 132) كان عثمان يقتل عواطفه أولا بأول مع سبق الاصرار، كان يفعل ذلك والألم يسحقه سحقا، فيتمادى فى طريق التبلد العاطفى تعبيريا أساسا، عثمان كان يسمح لنفسه أن يحب لكن يبدو أنه كان واثقا من إرادته وقدرته على إغلاق الملف ومحو ما كان حين يتطور الأمر، إنه يملك بحسمٍ مطلق لحظة توقيت النهاية، لكنه ظل يستطيع أن يتلقى الحب، بنفس الشروط، ليدفع الثمن بكل ألم وصبر، ويبدو أن الموت حين حرمه مبكرا من والديه وإخوته جعله متعطشا للمشاعر الإنسانية بشكل لحوح سمح له باستقبالها، لكن بشروطه، تلك الشروط التى كانت تتصاعد وتتكاثف حتى تصبح حاجز الصد الحاسم، وسبب الإجهاض الجاهز، حدث ذلك بالذات مع “سيدة” و”أنسية”، وكلما زادت جرعة الحب منه ومن شريكته المحتملة تضاعف خطر العلاقة وسارع إلى قتلها، وهو لم يستسلم لراضية عبد الخالق فى النهاية إلا بعد أن بدأ الزمن يفرض قانون الضعف، ومن ثم سلسلة التنازل فالهزيمة بزواجه من قدرية صاحبته المومس ثم التعويض المحدود قصير العمر براضية.

عثمان برغم كل هذا التحوصل حول الذات وبرغم استعلائه على سائر البشر وثقته فى قدراته واستجابته لكل متطلبات ووسائل طموحه، ظل قادرا – من حيث المبدأ – على الحب “مع وقف التنفيذ”، حتى علاقته بقدرية لم تخل من تعلق بدائى غريزى اكتسب استمراره بالتعود والتفريغ اللذّى شبه المنتظم، عثمان كان حين يقسو يبدأ بنفسه وعواطفه أولا ثم يثنى بمحبوبه وما يحدث يكون، وهو يتألم بصدق لكن ألمه لا يدفعه إلى العدول عن حرمان نفسه والآخر من حقه فى الحياة العاطفية الطيبة، علاقته الطيبة بأم حسنى كانت شيئا آخر حيث كانت أم حسنى تمثل له الملجأ والمرسى الذى يستشيره ويعود إليه قبل وبعد كل جولة، ولعلها كانت تمثل له الأم البديلة الحقيقية، وكانت دليلا أيضا على احتفاظه بنبض عواطفه برغم وقف التنفيذ.

أما جلال فقد عاش طفلا يرفل فى كل الحب الرائع الدافئ من أمه زهيرة “الملكة الجميلة المتوجة”، وقد تجلى ذلك بوضوح لحظة مصرعها، “إنها روحه ودمه، صورتها مطبوعة على وجهه، صوتها يشدو فى أذنه، وأمل استرجاعها ذات يوم لايخبو فى قلبه”… (ص.م: 381)

وحين تحرك قلبه نحو “قمر” صغرى بنات المعلم عزيز حضرته أمه وهو يقول لأخيه راضى “ألا ترى أن قمر جميلة مثلما كانت أمنا؟”. (ص.م: 386) ثم إنه كاد يشخص نوع علاقته بأمه به حين كان يناجى نفسه “ما عيب أمى كانت تبحث عن رجل مثلى، فلم يسعدها به الحظ فى حياتها التعيسة القصيرة” (3) وحين تزوج قمر: ربط نجاحه ونجاحها فى تخطى الصعوبات بعظمة آل الناجى…. “لقد تجلت عظمة آل الناجى فى أشياء وأشياء، ها هى تتجلى اليوم فى الحب ..فابتسمت فى دلال فقال: “الحب يصنع المعجزات ..” فقالت بنعومة: لا تنسى دورى فى صنع المعجزة. (ص.م: 394)

وبفقد قمر وكأنه يفقد أمه للمرة الثانية فتنغرس بداخله أكثر، يبدأ الجنون ويعلنها رافضا أنْ “كلا”. (ص.م: 397) شعر جلال بأن كائنا يحل فى جسده. إنه يملك حواس جديدة ويرى عالما غريبا. عقله يفكر بقوانين غير مألوفة وها هى الحقيقة تكشف له عن وجهها، رنا إلى الجثة المسجاة طويلا. طوى الغطاء عن الوجه. أنه ذكرى لا حقيقة، موجود وغير موجود. ساكن بعيد منفصل عنه ببعد لا يمكن أن يقطع. غريب كل الغرابة، ينكر ببرود أية معرفة له. متعال متعلق بالغيب. غائص فى المجهول. مستحيل غامض مندفع فى السفر. خائن، ساخر، قاس، معذب، محير، مخيف، لا نهائى، وحيد. وغمغم بذهول وتحد:  “كلا”.

يد غطت الوجه فأغلقت باب الأبدية . تهدمت الأركان تماما. لسان يلعب له هازئا. ثمة عدو يتحرك وسوف ينازله. لن يتأوه. لم يذرف دمعة واحدة. لم يقل شيئا تحرك لسانه مرة أخرى مغمغما:كلا”. (ص.م: 397)

وهكذا تراجعت كل العواطف الإنسانية وهو يتحدى الموت فينكره، “لن يتراجع . لن يخشى الخلود. لن يعرف الموت. سيظل الكون خاضعا لتقلبات الفصول الأربعة أما هو فربيع دائم . سيكون طليعة كون جديد. أول مستكشف للحياة بلا موت، أول رافض للراحة الأبدية. القوة الظاهرة الخفية. إنما يخشى الحياة الضعفاء” (ص.م: 427). وقد كان كل ذلك ليتجنب عذاب مواجهة زحف الزمن: “أما معاشرة الزمن وجها لوجه فعذاب لايعرفه الخيال..” (ص.م: 427)

الانفصال عن الناس إلى فوقهم:

اتفق جلال وعثمان فى رفض “العادية” البسيطة الراضية، وبما أن الموت هو النهاية العادية لكل الناس وبما أنه لا عثمان ولا جلال يعتقد أى منهما أنه مثله مثل كل الناس فهو أعلى وأذكى وأقوى وأمهر، كلٌّ بطريقته، فجاء الحل أن يكافح عثمان ويواصل الصلاة فى معابد طموحاته وهو يردد بلسانه اسم الله يطمئن بذلك نفسه، فى نفس الوقت يسمح له بأن يضحى بكل الناس، بما فى ذلك شخصه وعواطفه وحبه لكنه يظل محافظا على مظهر “فرط عاديته” مع الاحتفاظ بخصوصيتها. يحتمى بها من جنون صريح، فهو “عادى” بمعنى أنه ليس مجنونا وهو “سوبر عادى” بمعنى أنه ليس كمثله أحد وهو يسير على طريقه المقدس اللانهائى “بعون الله (الخاص).

أما الحل الذى لجأ إليه جلال فى نفس الاتجاه مع الاختلاف فى المظهر والمسار فكان أيضا فى اتجاه أن يتحدى الضعف السارى بين عامة الناس والمتمثل بالذات فى التسليم للموت: “الهاتفون بأن الموت نهاية كل حى. وبأنه الحق. إنه من صنع ضعفهم وأوهامهم. نحن خالدون ولا نموت إلا بالخيانة والضعف. عاشور حى. أشفق على الناس من مواجهة خلوده فاختفى. أنا خالد. وجدت ما أبحث عنه. وما يغلق الدراويش (فى التكية) الأبواب إلا لأنهم خالدون. من شهد جنازة لهم؟” (ص.م: 401).

ويهيم بالمستحيل، “وتطلع جلال إلى سحابة مظلمة فهام بالمستحيل” (ص.م: 400)، ويرفض كل مغريات الدنيا العادية. وأيضا: “تبدت له الدنيا عجوزا ماكرة قاسية لا حد لمكرها ولا لقسوتها، فأضمر نحو كافة وعودها الرفض والمقت.” (ص.م: 379)، وفى حواره مع عشيقته زينات، الشقراء (التى احتقرها أيضا فى النهاية، أعلن موقفه من تفاهة عامة الناس:(ص.م:  417/418)

–       أصارحك بأننى احتقر الناس

–       ولكنهم مساكين

–       لذلك أحتقرهم” ….” لا تشغلهم إلا لقمة العيش”

حين وصل جلال الجواب عن تساؤلاته “لماذا” بهذه السخرية والتحدى “إنه.. هكذا وفقط!” رفض الإجابة، بل ورفض كل من يستسلم لها، وانتقل خطوتين أو أكثر أعلى من سائر الناس من الحرافيش، وتمادى حتى احتقرهم، “لم يكترث لحال الحرافيش ولا عهد الناجى، لا عن أنانية أو ضعف أمام مغريات الحياة، ولكن ازدراء لهمومهم، واستهانة بمشكلاتهم” (ص.م: 408)

عثمان بيومى أظهر استسلاما مبدئيا بعد فقد أمه وكأنه رضى بالقدر، ثم استسلم أكثر وهو يعايش فَقْدَ أفراد أسرته الواحد تلو الآخر، فقبل الموت كما تعلمه من دينه الشعبى “الموت على رقاب العباد”، لكن استسلامه لم يكن مطلقا، إذ سرعان ما أعد عدته وكأنه تقمص بالمعتدى وراح يصعد فوق العامة أيضا وكأنه يسلم للواقع ليستعمله (ص.ح: 20) فاستعار من القدر لانهائيته وتعميمه وجعلهما زاده فى التعويض فالقوة والتفوق فالتفوق فالسيادة … بغير نهاية.

عثمان رفع نفسه فوق الناس العاديين، وفوق القيم السائدة، لكنه فعل ذلك بطريقة عادية، وأيضا بمناورة ذكية “… قل‏ ‏أن‏ ‏يرضى ‏عن‏ ‏طبيعته‏ ‏ولكنه‏ ‏يسلم‏ ‏بواقعها‏، ‏ويؤمن‏ ‏بأن‏ ‏طريقه‏ ‏المقدس‏ ‏تتلاطم‏ ‏على ‏جانبيه‏ ‏أمواج‏ ‏الخير‏ ‏والشر‏، ‏وأن‏ ‏شيئا‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ينال‏ ‏من‏ ‏قدسيته‏ ‏سوى ‏الضعف‏ ‏والخور‏ ‏والقناعة‏ ‏والاستسلام‏ ‏للمسرات‏ ‏السهلة‏ ‏وأحلام‏ ‏اليقظة” (ص.ح: 77).‏ ثم: “إن رجلا متفوقا مثله خليق بإثارة عواطف الحسد فى النفوس” وهو يدفع لذلك ثمنا باهظا لكنه يقبله ويقدسه.“وطالما‏ ‏شعر‏ ‏بأنه‏ ‏بلا‏ ‏صديق‏ ‏حقيقى ‏فى ‏هذه‏ ‏الدنيا‏، ‏وبأنه‏ ‏وحيد‏ ‏متعال‏ ‏عن‏ ‏الضعف‏ ‏البشرى! (ص.ح: 154)، ويتمادى استعلاءه فوق عموم العاديين وهو يزدريهم. ‏”‏قال عثمان‏ ‏لنفسه‏ ‏بازدراء‏ ‏غير‏ ‏قليل‏ ‏انهم‏ ‏أناس‏ ‏لا‏ ‏يعرفون‏ ‏لأنفسهم‏ ‏هدفا‏ ‏محددا‏، ‏وإيمانهم‏ ‏الدينى ‏ايمان‏ ‏سطحى‏، ‏ولم‏ ‏يفكروا‏ ‏بما‏ ‏فيه‏ ‏الكفاية‏ ‏فى ‏معنى ‏ الحياة‏، ‏ولا‏ ‏فيما‏ ‏خلقهم‏ ‏الله‏ ‏من‏ ‏أجله‏، ‏وهكذا‏ ‏تتبدد‏ ‏أفكارهم‏ ‏وأعمارهم‏ ‏فى ‏لهو‏ ‏وسفسطة‏، ‏وتهدر‏ ‏قواهم‏ ‏الحقيقية‏ ‏بلا‏ ‏عمل‏. ‏تستغفلهم‏ ‏الأوهام‏، ‏ويمضى ‏الزمن‏ ‏وهم‏ ‏لا‏ ‏يعلمون”‏.(ص.ح:27). هذا الإزدراء لم يجعله يؤمن بما يقول حيث أنه يعلن انفصاله عن الوعى الجمعى حقيقة الخلود الأبقى بشكل أو بآخر، فيغوص فى وعيه الذاتى المغلق على إلهه الدنيوى المقدس

جلال لم يغرق فى قوته وسطوته وأمواله، هو فقط استعمل كل ذلك، “كأنما كان يتحصن ضد الموت، أو يوثق علاقته بالأرض حذرا من غدرها. لقد غرق فى خضم الدنيا ولكنه لم يغفل قط عن خداعها”. (ص.م: 408) لا تعويض ولا امتداد فى أبناء مثلما أمتد عاشور الأول فى آلـِه حتى عاشور الأخير، ولا حب يعوضه بعد اختطاف قمر، وحاول أن يحيى ذكرى جده بالسيطرة والرعاية وكلما فعل ذلك ازداد قوة، وفى نفس الوقت ازداد وحده واقترب من التألة حتى لا يموت، “رفعته القوة وأخرست خصومه فثمل بها وعبدها”. (ص.م: 385)، فهى القوة والجمال الذاتى والعلو الخاص، ولكن ماذا بعد أن يمتلك كل هذه القوة والموت مازال يتربص به؟ وقد ينقض عليه مثلما انقض على أمه، أو يسرقه بلا مقدمات مثلما سرق منه قمر حبيبته. جلال يزداد قوة فيبتعد عن الناس ويقترب أكثر من نفسه أقدر فأقدر وأقوى وأخطر، لكنه يُهدَّدُ من داخله ومن الزمن بهزيمة زاحفة ساحقة من الشذوذ إلى الجنون إلى الموت مسموما مهانا.

أما عثمان فقد انتهى وقد تعرت حقيقة سعيه وانكشف عمق شركه بالله برغم كل ما يردده من ألفاظ عن الاتكال على إلهه الخاص وابتهالاته كى يوفقه، وهو يقترب فى هذه اللقطة أكثر ما يكون إلى جلال صاحب الجلالة فى ثوب من العادية وهو فوق العاديين.

وبعد:

آفاق واعده واعتذار:

كنت قد انهيت دراستى الباكرة فى نقد ملحمة الحرافيش بما اسميته “آفاق واعده”، ولم يكن من بين هذه الآفاق التى بلغت سبعة عشر موضوعا تجليات الخلود وتشكيلاته كما ظهرت لى فى هذه الدراسة الحالية، وقد هدتنى هذه الدراسة إلى وضع تشكيلات الخلود فى الصحة والمرض، فى الإيمان والاغتراب، فى الإبداع والجنون، فى السر والعلن من أول الخلود فى الذرية المباشرة حتى الخلود فى النوع مرورا بالخلود فى المال وبالمال “يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ”، (كما تجلى مثلا فى سيرة بكر سليمان الناجى وغيره) فى السلطة وبالسلطة، ثم ارتباطا بتخليق الوعى الجماعى (وهو غير “غريزة القطيع” وغير “عقل الجماعة” بل يكاد يكون عسكهما)، فكانت هذه الدراسة، لكننى لم أف بوعودى فى العودة إلى ما يجب علىّ استكماله فعذرا، وأيضا لا وعود هذه المرّة.

تذييل: برجاء عدم قراءته

أرجو أن يكون قد وصل للنفسيين أطباء  وغير أطباء وكيف يضئ الابداع الأدبى جوانب النفس البشرية وكيف يقوم نقد هذا الابداع باعادة تشكيل النص لنتعرف عليها أعمق وأصدق.

النقطة الثانية التى وددت أن أوصلها لمن يملك القدرة على تلقيها هى:

هل يمكن أن نقرأ مرضانا لإعادة تشكيل وعينا ووعيهم كما نقرأ النص الأدبى.

الخطوة الأهم والأصعب هى: هل يا ترى. وصل تشارلز داروين  أو إرنست هيكل وغيرهم من علماء التطور إلى ما وصلوا إليه، ولو نسبيا، يمثل المنهج الذى وصل به نجيب محفوظ إلى التعامل مع هذه الإشكالة الأساسية فى التطور والعواطف والوجود الحيوى (وليس فقط البشرى)؟

 ثم عود على بدء

أليس الأولى أن نقرأ النص البشرى ونواكبه بنفس آلية التشكيل النقدى التى أعانتنا على فك شفرة النص الأدبى؟

إذا كانت هذه هى قراءة النص الأصلى، وإذا كان نجيب محفوظ قد استطاع أن يغوص فى نفس الظاهرة التى كان من الصعب أن تقدم لنا من خلال منهج علمى مؤسًّسِى راسخ، إذا كان قد قدمها بكل هذا العمق الرائع، وإذا كان النقد الأدبى قد استطاع أن يعيد تشكيلها هكذا: أليس الأولى بنا أن نقرأ النص البشرى –مرضانا وأنفسنا- بنفس الجهد ونفس الدقة حتى يقبلنا الله ونحن نكرم ما أكرم، ونقيل عثرة من تعثر؟!؟

شكرا

[1] – Temporality

[2]- دورية نجيب محفوظ -العدد السادس-ديسمبر 2013- تشكيلات الخلود بين “ملحمة الحرافيش”، و”حـضرة المحترم” (3 من 3) (من ص 156 – ص 160 من الدورية)

[3] – فى إحدى مراجعاتى لما يسمى عقدة أوديب وضعت فرضا يقول أن النداء يبدأ من الأم والابن يستجيب له، فهو أساسا ليس من الطفل الذكر منافسا أبيه.

www.rakhawy.org/a_site/psychotherapy/books/Oedipus%20Complex.htm

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *