الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ملف الوجدان واضطرابات العواطف (31) إشكالة “الوقتية” وحتم النهاية (II) الجزء الثانى : من “ضلال” جلال الحرافيش إلى “فرط عادية” عثمان بيومى

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (31) إشكالة “الوقتية” وحتم النهاية (II) الجزء الثانى : من “ضلال” جلال الحرافيش إلى “فرط عادية” عثمان بيومى

نشرة “الإنسان والتطور”

الثلاثاء: 14-10-2014

السنة الثامنة

العدد: 2601

الأساس فى الطب النفسى

الافتراضات الأساسيةالفصل الخامس:    

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (31)

إشكالة “الوقتية”  (1)وحتم النهاية (II)

الجزء الثانى : من “ضلال” جلال الحرافيش إلى “فرط عادية” عثمان بيومى (2)

13-10-2014_1

 من البداية نلاحظ أن الثقافة التى أفرزت ضلال الخلود عند جلال صاحب الجلالة (ملحمة الحرافيش) تختلف عن الثقافة التى ترعرعت فيها “لا نهائية” عثمان بيومى (حضرة المحترم)، فمن الناحية التاريخية لا يمكن تحديد أحداث ملحمة الحرافيش إلا بالتقريب أيام أن كانت الفتونة عرفا سائدا ونظاما له قواعده وآدابه ومعاركه وأصوله، أما تاريخ أحداث “حضرة المحترم” فيمكن أن يكون فى الربع الأول من القرن الماضى أو ربما قرب منتصفه مثلا، ومن الناحية الجغرافية فإن أحداث الروايتين تقع فى أحياء شعبية جدا وفقيرة أيضا وإن اختلفت نوعية الثقافات الفرعية حسب التاريخ وتفاصيل العادات والتقاليد،

ثقافة أجيال “ملحمة الحرافيش” تبدو ثقافة القوة والفتوة (والفتونة) والتجارة والأعيان، وربما تحددت قوانين البقاء فيها بأن: “البقاء للأذكى” و”الأقوى” و”الأسرع” بغض النظر عن محتوى أدائه، يجرى ذلك على خلفيهَ تبعية واعتمادية أغلب الحرافيش عادة، والكل يجرى فى ظل إيمان بالقدر وعشم فى الله، وتسليم للأقوى فى نفس الوقت.

أما ثقافة مجتمع عثمان بيومى فهى ثقافة، البؤس والخوف والظلم بما تتضمنه من حفز البعض إلى الكدح والصبر فالطموح، واستسلام عموم الباقين، كل ذلك منضبط بنظام حكومى صارم، ليس عادلا بالضرورة، نظام مدعوم بأعراف دين شعبى طيب، مسكِّن غالبا.

فى ثقافة جلال تطورت فكرة الخلود من أول مقاومة عاشور الناجى الأول للموت دون إنكاره أو تحديه، أملا فى امتداد فى الناس تحت رحمة خالقهم كما بيّنّا، إلى أن تشوهت الفكرة وانحرفت وتعملقت حتى تجسدت وتفردت وتفعلنت عيانيا فى يقين راسخ فى فرد بذاته استطاع، أو اضطر، أن يعلنها صراحة، ثم راح يمارسها من خلال جنون فكره وسلوكه وما ترتب عليهما، ضد قوانين الواقع، وأيضا ضد الثقافة العامة المحيطة، وضد ناسه وقبل هذا وذاك ضد نفسه فهى الضلال (3).

صاعقة الموت فى مقابل سرقة الحياة:

عثمان بيومى خرج من قاع المجتمع المصرى الفقير المكافح فعلا وجدا، والده عربجى سائق كارو، وأمه تعمل أى عمل تعين به الأسرة، “…عاملة‏ ‏كادحة‏، ‏تكدّ‏ ‏بصبر‏ ‏النمل‏ ‏ودأبه‏ ‏سعيا‏ ‏وراء‏ ‏القرش‏، ‏تسند‏ ‏به‏ ‏زوجها‏ ‏وترمم‏ ‏عشها‏، ‏دلاله‏ .. ‏ماشطة‏ .. ‏خاطبة‏، ‏وغير‏ ‏ذلك”‏(ص.ح:12).

وسط هذا المستوى من الفقر والعوز تبدأ رسائل النهاية تلاحقه، بتتابع جاثم وإصرار مظلم، وإن لم تتجسد فى حادث واحد فاجع مدعم بقدر غادر كما حدث فى حالة جلال الطفل فى الملحمة، عثمان: “يتذكر أسرته فيشقى بالتذكر، ويرثى لوالديه ويقرن تلك الأحداث بدراما عليا يتطلع إليها باحترام ووجلَ” (ص.ح: 14)، أما جلال فهو يواجه الموت بوعى حى ثائر غاضب رافض فى دراما ماثلة فى أعماقه، دراما حية متجددة ومنظر رأس أمه المهشمة يختلط بانسحاب الحياة من وجه “قمر” خطيبته الجميلة الراحلة.

الثقافة العامة التى نشأ فيها عثمان بيومى، لا تؤدى-عادة- إلى الضلال الصريح، “فالمصائر تتقرر فى الحارة بفضل الإرادات المتصارعة والقوى المجهولة ثم تتقدّس فى الأبدية”، (ص.ح:14)، وهكذا تتم “التسوية” الواقية من الجنون، ولو مؤقتا، حين يُلحق تعبير “تتقدس فى الأبدية” شرح مباشر يقول: “لذلك فهو يؤمن بنفسه بلا حدود” (ص.ح:14).

وقبل أن تتعملق نفسه وتتألّه يلحقه دينه الشعبى الداعم فيردف وهو يستطرد: “ولكنه يعتمد فى النهاية على الله ذى الجلال” (ص.ح: 14). ويردف كذلك: “لذلك لا تفوته فريضة…الخ”(ص.ح:14) (4)

هذه التسوية الصلبة المدعمة بالدين الشعبى أحيطت طول الوقت بذكر الله، أعنى بألفاظ ذكر الله، والدعاء له، والتبرك به، والاعتماد عليه، وقد تواتر ذلك بإلحاح حتى لحق بكل تصرف قام به عثمان سواء كان نحو “لا نهائية” المجد، أم اعترافا بضعف البشر واحتياجهم، وحتى إثر تجاوزاته السلوكية، وقد هممت أن أحصى كم مرة ذكر اسم الجلالة، ثم عدلت، فالتكرار أظهر من أن يُحصى عددا، أقول إن تواتر ذكر كلمة الله بهذا الإلحاح لم يوصل لنا إيمان عثمان المتكامل، ولا حضور الله سبحانه فى حركية علاقته بالآخرين عباد الله العاديين، مقارنة بتوجه عاشور الناجى الاول انطلاقا من الناس إلى الخلاء  إلى الله عودة إلى الناس تأثيرا وانتظارا، هكذا أعلنها عاشور الكبير وهو يغادر خلق الله مؤقتا، و“علينا أن نبذل ما فى وسعنا وأن نقدم الدليل للمولى على تعلقنا ببركته” (ص.م: 60). ثم “الله أكبر” ويمضى ولا يعود شخصا بل وعيا ضمن الوعى الجمعى.

 ذِكْر كلمة الله عند عثمان كانت متضمنة فى عبارات وجمل حماسية دون شك فى نفاق أو رياء، لكنها كانت تظهر عادة لاحقة، أو مُخَفِّفَة، لجرعة التمركز اللانهائى حول الذات وأغراضها الدنيوية فى العادة، وقد بدأت هذه العادة منذ الطفولة إلى نهاية العمر، وفيما يلى أمثلة لذلك:

“ولكنه‏ ‏يعتمد‏ ‏فى ‏النهاية‏ ‏على ‏الله‏ ‏ذى ‏الجلال‏”. (ص.ح: 14)

“قال‏ ‏لنفسه‏ ‏ان‏ ‏الله‏ ‏لم‏ ‏يخلقنا‏ ‏للراحة‏ ‏ولا‏ ‏للطريق‏ ‏القصيرة”. (ص.ح: 32)

“ولكن‏ ‏المتطلعين‏ ‏إلى ‏المجد‏ ‏فى ‏طريق‏ ‏الله‏ ‏لا‏ ‏يحفلون‏ ‏بالسعادة”‏.‏(ص.ح: 61)

“‏إن‏ ‏جهادى ‏شريف‏ ‏أما‏ ‏العواطف‏ ‏والأفكار‏ ‏فهى ‏ملك‏ ‏لله‏ ‏وحده”(ص.ح: 78)‏.‏

إنه‏ ‏يؤمن‏ ‏بأن‏ ‏الله‏ ‏خلق‏ ‏الإنسان‏ ‏للقوة‏ ‏والمجد‏، ‏الحياة‏ ‏قوة‏، ‏المحافظة‏ ‏عليها‏ ‏قوة‏، ‏الاستمرار‏ ‏فيها‏ ‏قوة‏، ‏فردوس‏ ‏الله‏ ‏لا‏ ‏يبلغ‏ ‏الا‏ ‏بالقوة‏ ‏والنضال”‏.‏(ص.ح:  78)

“إنهم‏ ‏لا‏ ‏يحيون‏ ‏حياة‏ ‏حقيقية‏ ‏ويفرون‏ ‏من‏ ‏واجبهم‏ ‏المقدس‏. ‏يجفلون‏ ‏من‏ ‏الاشتراك‏ ‏فى ‏السباق‏ ‏الرهيب‏ ‏مع‏ ‏الزمن‏ ‏والمجد‏ ‏والموت‏ ‏وتحقيق‏ ‏كلمة‏ ‏الله‏ ‏المضنون‏ ‏بها‏ ‏على ‏غير‏ ‏أهلها‏”.‏(ص.ح:104)

“إن‏ ‏الدولة‏ ‏هى ‏معبد‏ ‏الله‏ ‏على ‏الأرض‏، ‏وبقدر‏ ‏اجتهادنا‏ ‏فيها‏ ‏تتقرر‏ ‏مكانتنا‏ ‏فى ‏الدنيا‏ ‏والآخرة‏.”(ص.ح: 167) “ولكنه‏ ‏اكتشف‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏المناسب‏ ‏السر‏ ‏المقدس‏ ‏فى ‏ذاته‏ ‏الضعيفة‏، ‏كما‏ ‏اكتشف‏ ‏حكمة‏ ‏الله‏.”(ص.ح: 170)

“ولكنهم‏ ‏يؤمنون‏ ‏بأن‏ ‏آمال‏ ‏الفرد‏ ‏رهن‏ ‏بأحلامهم‏ ‏الثورية‏!، ‏حسن‏… ‏أى ‏ثورة‏ ‏تضمن‏ ‏له‏ ‏الشفاء‏ ‏وإنجاب‏ ‏الذرية‏ ‏وتحقيق‏ ‏كلمة‏ ‏الله‏ ‏فى ‏الدولة‏ ‏المقدسة؟‏!.” (ص.ح:  202)

كل ذلك، ولا تصلنا علاقته الأعمق بالإيمان فى قلبه أو علاقته بخلق الله فعلا ظاهرا.

الدين الشعبى الطيب:

الدين الشعبى وكذلك الحس الشعبى يسمح أى منها أو كلاهما أن يمتزج الفرد بثقافته بطريقتها، لكل ثقافة “رب خاص”، ليس بديلا عن رب العالمين، وإنما –غالبا- طريقا إليه فى الأحوال العادية، لكن التمادى فى هذه الخصوصية قد يبطئ أو يعيق مواصلة السعى إلى وجه الله، حتى لو لبست غطاء من ألفاظ الدين الرسمى المؤسسى، بل إن هذا التمادى قد يؤدى أحيانا إلى نتيجة عكسية، وأكتفى بهذه الملحوظة حتى لا أستدرج إلى مناقشات نظرية فقهية، لأكتفى بالإشارة إلى أن ذكر الله بهذا التواتر من عثمان بيومى لم يكن مصاحبا بما يتوقع منه من “رفض الشرك” والدخول فى عباد الله – كما ذكرت حالا- التحاما بالوعى العام والعلاقات الضامة إليه: تجتمع عليه وتفترق عليه، وإنما هو قد وصلنى على أنه دعم لتقديس مكاسب ورموز الحياة الدنيا بالصورة التى اعتنقها عثمان حتى كادت تصبح شركا خفيا، هذا الموقف قد أدى إلى معادلة ناجحة وصعبة وبائسة، فقد حقق لعثمان ضمان تقديس اللانهائية أقوالا ومواقف وهو يلبس ثوب الطموح بلا نهاية، كما سمح له بقدر من التواصل الاجتماعى المحدد فى حدود مجالات طموحه، وفى نفس الوقت تصورا لعلاقة خاصة بالله ألفاظا فحسب، لكن مع الاحتفاظ بحق التحوصل على الذات والانتماء إلى اللانهائية طول الوقت، وقد حقق نوعا من التسوية الناجحة التى أغنته عن إعلان ضلال الخلود برغم أنها – التسوية- انتهت به إلى أن جعلت نجاحه المتفرد هو الفشل بعينه، وكأنه الصورة “العادية” لضلال الخلود حين يعجز عن أن يظهر جنونا صريحاً مثلما حدث فى حالة جلال (الحرافيش).

لست متأكدا، لكن يبدو أن حدس محفوظ فى الملحمة استطاع أن يميز بين الخلود وبين اللانهائية، فهو لم يستعمل هذا اللفظ  “اللانهائية” إلا مرة واحدة وهو يصف سحر العادة وهو يدفع بالخطب الجليل (اختفاء الناجى الكبير) فى تيار الأحداث العادية “ومضى سحر العادة القاسى يفعل فعله بالخطب، يعاشره ويألفه ويهونه، ويدفعه فى تيار الأحداث اللانهائية فيذوب فى عبابها”(ص.م: 96)، فيصلنى أن ذوبان الحدث فى تيار الأحداث اللانهائية إنما يبعده عن الخلود، لا يكافئه بالخلود ولا يقربه إليه.

 يبدو أن حدْس عثمان بيومى قد بدا نشطا منذ طفولته حين:  “… رأى ‏بعينيه‏ ‏الحادتين‏ ‏أول‏ ‏شرارة‏ ‏مقدسة‏ ‏تنطلق‏ ‏من‏ ‏فؤاده‏ ‏النابض‏ ‏وأيقن‏ ‏أن‏ ‏الله‏ ‏يبارك‏ ‏خطاه‏ ‏ويفتح‏ ‏له‏ ‏أبواب‏ ‏اللا‏نهاية“(ص.ح: 13)‏. فحقق من النجاح (ابتداءً من المدرسة الثانوية) مالم يصدقه أحد فى حارة الحسينى”. ولكن كيف يمكن لطفل أن يرى بعينيه “شرارة مقدسة” “وأبواب اللانهائية” إلا أن يكون بأثر رجعى؟! الأرجح أنها خبرة حقيقية تعويضية باكرة، لكنها لم تلبس هذه الألفاظ بالذات إلا وهو “يتذكر”.

 ثم راح الموت يلاحق عثمان طفلا بتسارع دال، لكن بلصوصية خبيثة، وظلم فادح، نبدأ بموت أبيه كما أشرنا. “ومرض‏ ‏عم‏ ‏بيومى ‏مرض‏ ‏الوفاة‏ ‏وابنه‏ ‏فى ‏السنة‏ ‏الثانية‏، ‏فندم‏ ‏الرجل‏ ‏على ‏ما‏ ‘‏فعله‏’ ‏بابنه‏ ‏وقال‏ ‏له‏:‏‏ ‏ها‏ ‏أنا‏ ‏أتركك‏ ‏تلميذا‏ ‏لا‏ ‏حول‏ ‏له‏، ‏فمن‏ ‏يسوق‏ ‏الكارو‏، ‏ومن‏ ‏يحفظ‏ ‏البيت؟ وفاضت‏ ‏روح‏ ‏الرجل‏ ‏وهو‏ ‏حزين”‏. (ص.ح: 13)

ويتراءى فى الأفق موقف الأم المشارك فى طموح ابنها إلى المجد الدراسى فالوظيفى المقدس، “وضاعفت‏ ‏الأم‏ ‏من‏ ‏نشاطها‏ ‏مؤملة‏ ‏أن‏ ‏يجعل‏ ‏الله‏ ‏من‏ ‏ابنها‏ ‏كبيرا‏ ‏من‏ ‏الأكابر‏”(ص.ح:13) لكن الموت يسارع بخطفها أيضا فيحرمه من هذا الدعم الواعد، “ولولا‏ ‏وفاة‏ ‏الأم‏ ‏بغير‏ ‏توقع‏ ‏لأكمل‏ ‏عثمان‏ ‏تعليمه‏” (ص.ح: 13). “ماتت وهى تعمل، كانت تغسل فانطوت على نفسها حتى تقوست وراحت تصرخ من شدة الألم وجاءت الإسعاف وحملتها إلى قصر العينى وتقرر إجراء جراحة فى الأعور قتلت أثناءها” (ص.ح: 22) (لاحظ كلمة قتلت وليس: ماتت). هل خطر أيضا بوعى عثمان الطفل أنه ربما قتلها الأطباء-إهمالا- بالتحالف مع الموت، و“قتل أخوه الأكبر – كان شرطيا- فى مظاهرة، وماتت أخته بالتيفود فى مستشفى الحميات” (ص.ح: 14)، و”أخ أخر مات فى السجن“، وكان قد دخل السجن فى نفس المعركة التى قبض فيها على والد حبيبته “سيدة”.

 وهكذا تسحب الموت إلى وعيه سارقا، قادرا، غامضا، مُصِرّا، مغتصبا، بلا إنذار ولا تمهيد، ولم يميز هذا الموت اللص بين أخويه: أحدهما مع الحكومة والآخر مع من يتظاهر ضد الحكومة، لكن المهم هو خطف الحياة دون تفسير، فهل كان أمام عثمان سبيل لمقاومة هذه الإغارات المتلاحقة إلا أن يتمادى مع حدسه التعويضى الذى ملأ وعيه طفلا ليدفعه لكل هذا التفوق منذ ذلك الحين وحتى النهاية التى تحولت عنده إلى ” اللانهائية”، وربما كان فى هذا كله ما يفسر الدافع للإلحاح فى ترديده للفظ الجلاله بدون العمق الكافى، أصبحت آلام عثمان وقودا لاندفاعه فى مسيرة الطموح اللانهائية، وكلما اشتدت الحسرة بعثمان زاد طموحه وترعرت أحلامه: “وقد‏ ‏اشتدت‏ ‏لذلك‏ ‏حسرته‏، ‏وضاعف‏ ‏من‏ ‏حدتها‏ ‏اكتمال وعيه‏ ‏بطموحه‏ ‏وبأحلامه‏ ‏المقدسة”‏‏‏ (‏ص.ح: ‏13)

الصورة التى قدمها محفوظ فى “حضرة المحترم” لزحف الموت بنذالة ووغدنة وإصرار كانت بالغة الدلالة وقد رسمها فى توالى الرحيل بدءًا بموت الأب المتواضع المكافح، “ووجد‏ ‏ذات‏ ‏مساء‏ ‏ميتا‏ ‏حيث‏ ‏يجلس‏ ‏على ‏الفروة‏ ‏فلم‏ ‏يدر‏ ‏أحد‏ ‏كيف‏ ‏حضره‏ ‏الموت‏ ‏ولا‏ ‏كيف‏ ‏تلقاه‏ ‏هو”(ص.ح:22)، أما موت أمه فى قصر العينى بعد عملية الزائدة وموت أخته بالتيفود فكانت أيضا أشبه بالخطف أو دس السم، لتكتمل الصورة – كما ذكرنا- بموت (أو مقتل) شقيقيه كل على جانب من جوانب الصراع.

كل هذا الموت والقتل/بالموت. لم يخلّ بتوازن عثمان، وإن دفعه إلى كل هذا التضخم فى الذات، لا بأوهام الألوهية بشكل مباشر، وإنما بالتعويض الملتزِم المقدس، وتمجيد الحياة للحياة بلا حدود ولا نهاية، فتنمو أحلام وطموحات اللانهائية، بديلا عن ضلالات الخلود أو الألوهية، وهو يحمى نفسه من جنون التألة بوسواس ترديد اسم الله المتكرر طول الوقت.

عودة إلى جلال:

نعود الآن إلى جلال فى الملحمة، فقد تعّرف أيضا على الموت طفلا، ولكن بصورة درامية قاسية مرعبة شديدة القسوة والإهانة معا، وإذا كانت أم عثمان قد سرقها الموت متسحبا فأخذ معها زاد عثمان من الدعم الوالدى البديل مما اضطره أن ينكص إلى عدم الأمان الأولى الذى رسم خطوط برنامجه الذى أدى إلى تضخم ذاته طول الوقت برغم اهتزاز صورتها بما فى ذلك اختباره لشكله فى المرآه، “وعلى غير عادة كان ينظر طويلا فى المرآة” ويقول: “مازلت مقبولا!”(ص.ح: 179) فإن المسألة لم تكن بهذا التسحب ولا هذا التدرج عند جلال الطفل الجميل المنعّم المحبوب، لقد كانت بداية تعرفه بالموت أضخم درامياً، وأبشع تشويها، وأقسى إغارة. “لم يكتب على طفل ما كتب على جبين جلال بن زهيرة بن عبد ربه الفران من المعاناة والألم. منظر تهشيم رأس أمه الجميلة انغرز فى أعماقه. كابوس دائم يعذب يقظته ويكدر أحلامه. كيف تأتى لهذه القسوة أن توجد؟! كيف أمكن أن يلقى جمال نبيل تلك النهاية البشعة؟. لماذا وقع ذلك، لماذا صمتت أمه، لماذا اختفت .. وماذا جنى حتى يحرم من جمالها وحنانها وأبهة الحياة النابعة منها………، “إن العظام المحطمة الغارقة فى بركة الدم لا تنسى إلى الأبد.”(ص.م:381)

لا توجد فى حضرة المحترم تفاصيل كافية عن علاقة عثمان بأمه، وتعلقه بها بمثل هذه الدرجة أو النوعية التى وصلتنا من وصف علاقة جلال بأمه، صحيح أن أم عثمان كانت أقرب إليه من أبيه، وكانت تشاركه ولو من بعيد الأمل فى طموحاته، لكنها لم تكن تمثل له الحياة كل الحياة هكذا، ثم إن موتها جاء ضمن طابور الموت الوغد السارق الزاحف الصامت بلا تفسير، وكأنه القدر العادى الذى يبرره الدين الشعبى عادة (الموت على رقاب العباد) حتى بدا لى أن مسلسل الموت كان أقرب – مع الفارق- إلى ما وصل إلى عاشور الناجى من مواكب النعوش بعد الشوطة.

أما ما وصل إلى جلال طفلا فكان إغارة ساحقة على كل وعيه فرسخت وما تزحزحت، فالمسألة هنا ليست ذاكرة يمكن أن يمحوها النسيان، وإنما هى اقتحام وعى بوغدنه فعل شائه مشِّوه، لم يكن الذى اقتحم وعى الطفل جلال “وانغرز فى أعماقه” مجرد منظر تهشيم رأس أمه الجميلة، وإنما كانت أمه نفسها تنطبع (5) مسحوقة مشوهة متألمة وكأنها تحتمى بداخله من هذه النهاية، جنبا إلى جنب حالة كونها ملتحمة بكل  بشاعة القتل والفقد والغدر وهول المفاجأة.

أم عثمان سُرقت منه سرقة هى بمثابة القتل بالإهمال فانكب على ذاته، متحسرا متألما صابرا مثابرا متحديا بما زرعته ثقافة ناسه فيه: “النجاح” و”الدين الشعبى” و”الله” (الخاص) ولم تحضره أمه بعد ذلك أبدا، ولم تبارك نجاحه الذى لو عاشت كانت ستدعمه، ولم يذكرها فى أوقات توفيقه كلما صعد درجة على سلم المجد، ولا فى أوقات وحدته وجوعه إلى أنيس أو شريكة، ظلت أمه ذكرى طيبه، دافعة مباركة، لكن عن بعد، على مستوى الفكر والذاكرة.

أما جلال فقد حلت أمه بداخله، لم تكن ذكرى كما أشرت، فهم لم تمت وإن كانت قد اختفت من خارجه فحسب، فهو يفتقدها فى الواقع الخارجى فقط، وكلما زاد افتقاده لها خارجه غاصت أكثر بداخل داخله، فهى لا تعود طافية بغموض إلا فى الحلم أو فيما يشبه الحلم، “واستيقظ جلال ذات ليلة قبيل الفجر وهو يبكى فأيقظ أباه المخمور. انزعج عبد ربه ومسح على شعره الأسود الناعم متسائلا: حلمت يا جلال؟ فسأله وهو يجهش: متى ترجع أمى؟ وضاق به من ثقل رأسه فقال له: ستذهب إليها بعد عمر طويل فلا تتعجل..” ( ص.م: 382)

 وإذا كان عثمان قد استسلم منذ طفولته لنذالة الموت ولصوصيته وهو يسرق منه أفراد عائلته الواحد تلو الآخر فإن جلال لم يستسلم أبدا.ويوم طولب جلال أن يحفظ “كل نفس ذائقة الموت” سأل سيدنا: لماذا الموت؟ فأجابه الشيخ: حكمة الله خالق كل شئ .. فتساءل جلال بعناد: ولكن لماذا” (ص.م: 384)

جلال، وهو يحمل أمه هكذا منزرعة منطبعة داخله، لم يسارع بإنكار الموت إلا بعد فترة مكتفيا بالحسرة والاحتجاج: مرة أخرى: “لماذا وقع ذلك؟ لماذا صمتت أمه؟ لماذا اختفت؟ ماذا جنى حتى يحرم من جمالها وحنانها” ( ص.م: 381)،ثم إذا بالإجابة تأتيه أكثر قسوة وإيلاما فى كلمتين “إنه هكذا”، حدث ذلك بعد أن اختطف الموت حبيبته (وخطيبته) “قمر” التى عوضته – أو كادت تعوضه- بدرجة رائعة فقد أمه، وإن اختلفت الرسائل والأدوار والآمال.

جاء ذهاب “قمر” يؤكد أن العدو القاتل ليس زوج أمه السابق محمد عثمان، وإنما هو الموت، وها هو يخطف منه قمر أيضا دون أى تمهيد أو تفسير أو مبرر، جاءه الجواب: “إنه هكذا“، فاندفع جلال إلى الإنكار ولاحت بوادر الكفر فالجنون.“واعترض مسيرته ذات يوم الشيخ خليل الدهشان شيخ الزاوية فابتسم إليه برقة وقال: لا بأس من كلمة تقال.. فنظر إليه ببرود فقال الشيخ: إن الله يمتحن من عباده الصديقين فقال بازدراء. لا جديد فهذا ما يقوله الديك عندما يصيح فى الفجر.  فقال الرجل: كلنا أموات أولاد أموات. فقال بيقين: لا أحد يموت”.(ص.م:399)

ومع ذلك كان يفيق من ضلاله أحيانا مثلما دار الحديث يوما مع أبيه عبد ربه الفران، فبدا وكأن أباه يعتذر له نيابة عن الموت، يعتذر عن رحيل قمر قائلا: “كان الأجدر أن أذهب أنا لا هى.. (لماذا؟) هو العدل يا بنىّ. فقال (جلال) باستخفاف: يوجد شئ حقيقى واحد يا أبى: هو الموت”.(ص.م: 400)، وهكذا نلاحظ أنه بقدر ما وصل الموت إلى وعى جلال أنه الحقيقة الوحيدة، ثارت قوة الإنكار فى مواجهته بالجنون الذى يمحو الحقيقة والواقع فى آن، فكان “الجنون” و”ضلال الخلود”.

*****

وغدًا نرى كيف أن العجز عن “قتل” الموت قد استبدل بقتل العواطف أصلاً عند كل من جلال الحرافيش، وعثمان المحترم.

[1]    Temporality  

[2] –  دورية نجيب محفوظ – العدد السادس – ديسمبر 2013 تشكيلات الخلود بين “ملحمة الحرافيش”، و”حـضرة المحترم” (2 من 3)

 (من ص 150 – ص 155 من الدورية)

[3] – كلمة ضلال هى الترجمة لكلمة Delusion وقد أصبحت الأكثر استعمالا، وهى عرض مهم فى معظم الذهانات، وإن كانت الكلمة تستعمل أحيانا فى مجالات أخرى فى وصف بعض أنواع التعصب الأعمى والاغتراب فى أيديولوجيا عنصرية وغير ذلك.

[4] – لهذا ملت الآن إلى وصفه دون تشخيص “بفرط العادية” Hypernormality وهو مصطلح حديث نسبيا لا يرتقى إلى تشخيص بذاته وإن كان اقرب إلى فئة “اضطرابات الشخصية”، وقد توقفت عن إعطاء تشخصيات فى نقدى الأدبى بعد أن تراجعت عن نقدى للشحاذ لنجيب محفوظ أيض حين شخصت عمر الحمزاوى بأنه نموذج ممتاز لمرض الأكتئاب لذلك لم أرض أن أصف جلال بأنه يعانى من حالة بارانويا مزمنة صريحة، وبالتالى لم أتمادى فى دفع عثمان المحترم بما يوحى بأنه تشخيص “فرط العادية” مع أنه كذلك.

[5] – ظاهرة الطبع Imprinting تطلق على نوع من التعلم بالتقمص البيولوجى الغائر، وهى إما أن تكون ضمن برامج البقاء تحافظ على بقاء الأحياء باكتساب أساليب الحفاظ على الحياة منذ البداية، وإما أنها تكتسب فى أزمات الإغارة الساحقة على الكيان المستهدف أو مع صدمات الفقد، كما تظهر آثارها فى صورة حيلة (ميكانزم) نفسية معينة هى “التقمص بالمعتدى” أو فى “طبع أثر المفقود قسرا بيولوجيا” وهذا ما قدرته فى حالة جلال الطفل فى موقف “فقد / طبع” أمه بداخله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *