الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / مازلنا نقول ونعيد!! أنا آسف: هل من جديد؟ (الجزء الثانى)

مازلنا نقول ونعيد!! أنا آسف: هل من جديد؟ (الجزء الثانى)

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء: 21-1-2015    

السنة الثامنة

العدد: 2700

مازلنا نقول ونعيد!! أنا آسف: هل من جديد؟ (الجزء الثانى) (1)

9- هل التفاؤل بالمستقبل في مصر نوع من العبث أم أن له ما يبرره على أرض الواقع؟

د. يحيى:

التفاؤل فريضة لمن بقى على سطح الأرض من أحياء، ولكننى لا أقصد بالتفاؤل مجرد افتراض أن الدنيا بخير وأن الآتى أفضل، هذا يسمى التفكير الآمِل (أى الذى يقلب الأمل واقعا بمجرد التفكير فيه بغض النظر عن  تنفيذه) لكننى أقصد التفاؤل المسئول الذى يحمّل من يعلنه أو ينادى به  أن يبدأ فى تحقيقه  الآن وفورا بدءًا بنفسه وبمن يرعاه، وهذا ممكن، بل إنه هو الآلية الدائمة والمستمرة لبناء الحضارة على المدى الطويل، الحضارة تبدأ بحالة من اليقين بحتم الإسهام فى تطوير الحياة إلى أحسن، الأمر الذى تصاحبه حالة من التقشف النفسى الجاد، وتقديس العمل ، وأن يحمل كل فرد هم كل المجموع، ويواصل العمل لله وللناس بالاتقان والمثابرة طول الوفت، وبغير كل ذلك يصبح الحديث عن التفاؤل إما غفلة أو استسهالا أو اعتماتدية؟

10-  البعض يخشى من تزايد الهاجس الأمني لدى عموم الشعب خاصة بعد وقائع الإبلاغ عن صحافي فرنسي وسائحين لتبادلهم حوارات بلغة أجنبية؟

د. يحيى:

من حق الناس أن يشغلهم الحافز الأمنى فهم مهددون من أكثر من جانب: أولا من جانب الارهاب والمهووسين دينيا، وثانياً: من جانب السلطة الحريصة على معرفة كل دبيب نملة حتى توفر الأمان لسائر الناس والمؤسسات، وثالثاً : من التآمر الخارجى المحتمل طول الوقت، والذى يفسر الحديث عنه بالتفكير التآمرى بغير وجه حق،

أما علاقة ذلك بوقائع الإبلاغ عن صحافي فرنسي وسائحين ….إلخ، فليس عندى فكرة عن تفاصيل ذلك، فإن الإعلام مشغول أكثر بأكثر بتداعيات أحداث باريس الأخيرة، وأوربا عامة ، وهذه الإفاقة الغربية الجماعية التى برغم إيجابيتها إلا أنها أعلنت أن البورصة التى يسوق فيها البشر، لها ألف مقياس ومقياس، فكاد القتلة المجرمون يتقاسمون العار مع المحتجين المتحيزين المصنفين للضحايا الغربيين وهم بشر مثل البشر عندنا ومثل ضحايانا، بأثمان تبلغ أضعاف أضعاف جنودنا وأبطالنا وشهداء كل العرب على الناحيتن، أو على كل النواحى.

11- هل لعب الإعلام دوره التنويري أم تحول إلى جهاز لبث الشائعات والبحث عن الفضائح (نموذج حمام باب البحر)؟

د. يحيى:

بصراحة هذا سؤال مهم وموجع، فأنا تصورت، وما زلت أتصور أنه على الإعلام مسئولية تكاد تساوى مسئولية الدولة، وأحيانا أتصور أنها تفوقها، وهذا يجعل نقدنا له واجب وينبغى أن نلاحقه باحترام وشدة فى نفس الوقت، نعم:  الإعلام هو الذى يواصل تشكيل الوعى العام أولا بأول وباستمرار، وحين أقول “الوعى العام” أعنى شيئا آخر غير “الرأى العام”، الرأى العام هو الذى يملأ الصناديق وأحيانا يقوم بالمظاهرات، أما الرأى العام فهو الذى يبنى الحضارة ويدعم الاقتصاد ويتحمل المسئولية بل ويحافظ على بقاء النوع البشرى كما حافظت جميع الأحياء التى قاومت الانقراض على بقائها من خلال برامج وعيها العام، فلم يكن عند النوارس والضفادع والثعابين والحمام صناديق انتخابات أو صحف أو فضائيات، لكن كان عندها برامج بقائية حذقت ممارستها حتى بقيت، وهذه البرامج هى ما يقابل الوعى الجماعى عند البشر، وهو غير عقل الجماعة الذى قد ينقلب إلى سلوك القطيع أيضا بفضل تلاعب الإعلام الخبيث به، الإعلام عندنا ركز طوال الأربع سنوات الماضية على إبلاغنا ما يصله ما  استطاع- وهذه ليست نهاية مهمته، فقد غلب على أدائه كم هائل من الإثارة والرشوة والتحريض المباشر وغير المباشر بقصد وبغير قصد، وكانت النتيجة هى البلبلة أكثر منها الشفافية، والتهييج وزيادة المطالب العاجلة والفئوية، أكثر منه الانتماء والعمل، الرأى العام المسئول هو نتاج الإعلام المسئول، الرأى العام هو جماع وعى الأفراد من نفس النوع من الأحياء وهل هناك ما يؤثر فى هذا الجُمّاع أكثر من الإعلام؟

12- هل رأى المواطن المصري في الرئيس السيسي مقومات البطل الشعبي؟

د. يحيى:

لم يعد هناك مجال فى القرن الواحد والعشرين سنة 2015 أن نتكلم عن بطل شعبى وكاريزما الرؤساء وكلام مثل هذا، هذه مصطلحات تصلح للهتاف فى مظاهرة أو لملء الصناديق أكثر من صلاحيتها لتوثيق الصلة بين الرئيس الجاد الذى يخدم الناس وهو يبنى شعبه، كل مواطن مصرى الآن هو بطل شعبى إذا وضع همه أن اللحظة التى يملأها بعمل منتج فعلا، يحيى بها نفسه وغيره، بل يحيُى بها الناس جميعا،هذا هو البطل الشعبى سواء جلس فى قصر الاتحادية أو وقف على رأس حقله ممسكا فأسه، أو مدرسا فى فصل مدرسته منشئا أجيال المستقبل.

13- كيف يتحمل الشعب الآن التعثر في بعض الملفات الاقتصادية في عصر السيسي على الرغم من عدم تحملها في عهد المعزول مرسي؟

د. يحيى:

من قال أن الشعب تحملها فى عهد الرئيس المعزول الدكتور مرسى؟ لو كان تحملها لتركه فى منصبه، إنه لم يتحملها فعزله.

ثم ما هو الغريب فى أن يتعثر شعب من الشعوب فى الملفات الاقتصادية الخاصة ببلده فى كل العصور؟ الملف الاقتصادى لأى شعب هو عموده الفقرى، هو الفكرة المحورية التى يبنى عليها كل مقومات وجوده، وخاصة وقد استلم هذا الشعب ملفاته الاقتصادية وهى بلا معالم بعد أن كان قد استولى عليها الهواة والمستغلين.

14-  كيف نتعاطى مع شخصية المتطرف؟ هل يكفي الحل الأمني أم أن الحوار هو الحل الوحيد؟

د. يحيى:

الحل الأمنى هو حل ضرورى فى الأزمات الحادة فقط، وأعتقد أننا فى أشدها هذه الأيام، ولكن ينبغى ألا يكون هو الحل الأفضل طول الوقت، بمعنى أنه ينبغى أن نتازل عن أوليته ببعد نظر حقيقى يمتد أثره إلى القدرة على إرساء قواعد الأمان فى الحياة العادية بالقانون والعدل والمؤسسات الطبيعية، وهذا قد يحتاج  إلى سنين عددا على مستوى التعليم، والإعلام، والدين، والإبداع، لكن علينا أن نبدأ الآن، وفورا.  

15- ما الفرق بين التطرف والتعصب خاصة أن هناك خلط بين المفهومين؟

د. يحيى:

بصراحة شغلنى هذا الخلط من قديم ، حتى نشرت فى الأهرام فى: 14/2/1980 مقالا فى ذلك ، دافعت فيه عن التطرف بمعنى وضوح الموقف وتحديده، وتحمل مسئوليته، وهاجمت فيه التعصب لأنه نوع من الجمود القابل للتفجر فى أى وقت، وقد قلت فى ذلك: “….التطرف‏ ‏هو‏ ‏نقطة‏ ‏قصوى ‏فى ‏حركة‏ ‏مستمرة‏، ‏وهو‏ ‏بذلك‏ ‏ضرورة‏ ‏حتمية‏ ‏كنقطة‏ ‏فى ‏حركة‏، ‏ولكنه‏ ‏يمكن‏ ‏ان‏ ‏يكون‏ ‏كارثة‏ ‏مخيفة‏ ‏كنهاية‏ ا‏لمطاف‏، ‏والحالة‏ ‏الأخيرة‏ ‏هى ‏التعصب‏ ‏والجمود‏ فالتطرف من حيث المبدأ هو  “‏حركة‏” ‏لها “‏آخر‏”، ‏أما‏ ‏التعصب‏ ‏فهو “‏جمود” ‏و‏”‏انفراد”.، والتطرف‏ ‏عادة‏ ‏ما‏ ‏يكون‏ ‏بالنسبة للمواقف‏ ‏و‏ ‏الأهداف … ‏أما‏ ‏التعصب‏ ‏فهو‏ ‏عادة‏ ‏ما‏ ‏يكون‏ ‏بالنسبة‏ ‏للوسائل‏ ‏و‏ ‏الأشخاص … ‏نبينا‏ ‏الكريم‏ ‏كان‏ ‏متطرفا‏ ‏حين‏ ‏قال‏ ‏معنى: ‏والله‏ ‏لو‏ ‏وضعوا‏ ‏الشمس‏ ‏فى ‏يمينى ‏والقمر‏ ‏فى ‏يسارى على ‏ان‏ ‏أترك‏ ‏هذا‏ ‏الأمر‏ ‏أو أهلك‏ ‏دونه‏ ‏ما‏ ‏فعلت‏، ‏ولكنه‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏متعصبا‏ ‏حين‏ ‏قال‏: ..‏ومن‏ ‏دخل‏ ‏بيت‏ ‏أبى ‏سفيان‏ ‏فهو آمن‏ ..‏ اذن‏ ‏فمن‏ ‏الشرف‏ ‏والفخر‏ ‏ان‏ ‏أتطرف فى الحق‏، ‏ومن‏ ‏الجبن‏ ‏والعار‏ ‏أن‏ ‏أتعصب‏ فأتجمد حتى أتفجر، وقد‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏عبر‏ ‏أستاذنا‏ ‏العقاد‏ ‏عن‏ ‏روعة‏ ‏التطرف‏ ‏وجمال‏ ‏وهجه‏ ‏الباعث‏ ‏للحياة‏ ‏حتى ‏ولو‏ ‏كان‏ ‏تطرفا‏ ‏فى ‏التشاؤم‏، ‏وذلك‏ ‏وهو‏ ‏يدافع‏ ‏عن‏ ‏سوداوية‏ ‏المعرى ‏وشوبنهور‏ ‏بالمقارنة‏ ‏بالبلادة‏ ‏وعدم‏ ‏الأكتراث‏ ‏اللذين‏ ‏يسودان‏ ‏العصر، ” “إلى أن قلت فى ذلك المقال: “.. ولكن‏ ‏دفاعى ‏هذا‏ ‏عن‏ ‏التطرف‏ ‏لايعنى ‏فتح‏ ‏الباب‏ ‏للصياح‏ ‏أو‏ ‏التشنج‏ ‏فما‏ ‏أرجوه‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏هو إعلان‏ ‏ضرورة‏ ‏تحديد‏ ‏الملامح‏ ‏كبداية‏ ‏لجدوى ‏الحوار‏، ‏كما‏ ‏أعلن‏ ‏به‏ ‏حتمية‏ ‏الحركة‏ ‏دفعا‏ ‏للنمو‏ ‏فى ‏مقابل‏ ‏خطورة‏ ‏السكون‏ ‏و‏ ‏الجمود‏ ،‏سواء‏ ‏سكون‏ ‏بركة‏ ‏الميوعة‏ ‏أم‏ ‏تصلب‏ ‏عمى ‏التعصب‏، وبألفاظ‏ ‏أخرى ‏لابد‏ ‏من‏ ‏الأعتراف‏ ‏بأن‏ ‏الانسان‏ ‏فى ‏لحظة‏ ‏ما ‏لابد‏ ‏وأن‏ ‏يكون‏ ‏متحيزا‏ ‏الى ‏جانب‏، ‏ما‏، ‏وعى ‏بذلك‏ ‏أم‏ ‏لم‏ ‏يع‏، ‏ومادام‏ ‏الأمر‏ ‏كذلك‏ ‏فالأفضل‏ ‏له‏ ‏أن‏ ‏يعرفه‏ ‏فيعلنه‏ ‏ليستطيع‏ ‏أن‏ ‏يتقدم‏ ‏الى ‏مزيد‏ ‏من‏ ‏التعرف‏ ‏على ‏أبعاده‏ .. ‏وعلى ‏نقيضه‏ ‏بالضرورة‏، ‏وهنا‏ ‏يصبح‏ ‏تحركه‏ ‏منه‏ ‏محتملا‏ ‏ورائعا‏ ‏وبهيجا‏.. ‏ومؤلما‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏، ‏أما‏ ‏إذا‏ ‏أنكر‏ ‏تحيزه‏ – ‏على ‏نفسه‏ ‏أساسا‏ – ‏فالخوف‏ ‏كل‏ ‏الخوف‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏ذلك‏ ‏تكئه‏ ‏لأن‏ ‏يتمسك‏ ‏بهذا‏ ‏التحيز‏ ‏فى ‏الخفاء‏ ‏فينسحب‏ ‏من‏ ‏الالتزام‏، ‏ويصير”‏كل‏ ‏الناس‏ ‏حلوين‏” ‏وتموت‏ ‏الحركة‏ ‏تحت‏ ‏وهم‏ ‏الحياد.

16- هناك غضب بين صفوف الشباب على الرغم من الثورة.. لماذا؟

د. يحيى:

أنا أتفهم غضب الشباب ، لكننى لا أعفليهم من مسئولية التعجل، وتكرار النص (السكريبت) وكثرة الكلام ، وفى نفس الوقت أنا أعذرهم فهم لم يتدربوا على ممارسة السياسة بالمعنى الحر الحقيقى منذ ولادتهم فى عصر لا يستعمل كلمة السياسة فى موضعها اصلا، ثم إنى لا أعتقد أنه يوجد اهمال بحق للشباب، بل إننى أرى أن النفخ فى دورهم أكثر من اللازم قد أساء إليهم أكثر منه أعطاهم حقهم، ولا أحد يمكن أن يُعطى موقعا سياسيا لمواطن لمجرد أنه صغير السن، الشباب هم الذين سوف يفرضون أنفسهم من خلال الممارسة فى الحياة السياسية وغير السياسية، وعلى من يشعر أن له دور أن يقتحم الساحة ولسوف يأخذ حقه ويثرينا.

 

[1] – حديث لمجله  اخر ساعة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *