الرئيسية / مقالات صحفية / جريدة روز اليوسف / حكايات وأغانى رمضان : عن الفطرة والأطفال (3) : “آنا باكْبَرْ : يعنى باتْغَـيَّرْ واغَـيَّرْ!!!”

حكايات وأغانى رمضان : عن الفطرة والأطفال (3) : “آنا باكْبَرْ : يعنى باتْغَـيَّرْ واغَـيَّرْ!!!”

نشرت فى روز اليوسف

21- 10 – 2005

سلسلة الإنسان

أ.د. يحيى الرخاوى

أما قبل

استلهاما: لعل الأمانة التى حملها الإنسان هى مسئولية التعرف على  البرمجة البيولوجية التى ولدنا بها، واشتهرت باسم الفطرة. إن مسئوليتنا تجاه طبيعتنا هى أن نتعرف عليها كما خلقها الله لنتعهدها، ونتجنب تشويهها، لتنبسط إلى ما خلقها الله له. علينا أن نحسن قراءتنا ونحن ننصت إلى الطبيعة البشرية بدءا بملاحظة واحترام كيف تتجلى فى الأطفال أثناء رحلة نموهم، ثم علينا أن نتعهدها لتكون هى هى: بالمعرفة والإبداع والعبادة والخبرة جميعا. أصعب المهام هى كيف يمكن أن نسهم فى توجيه فطرة أطفالنا: بالتعلم والخبرة فى اتجاه ما خلقت به ومن أجله، ونحن لسنا على يقين من طبيعتها إلا من خلالهم أساسا ؟ لا بد أن نقوم بالمهمة بعملية متبادلة:  نتعلم منهم، لنضيف إليهم، وبالعكس.

 لعل هذا بعض ما بلغنى من حكاية حكاها لى أخى منذ عشرة أيام ونحن على مائدة الإفطار عند ابنتى.

حكايات وأغانى رمضان : عن الفطرة والأطفال (3)

“آنا باكْبَرْ : يعنى باتْغَـيَّرْ واغَـيَّرْ!!!”

أولا: الحكاية

كان ذلك سنة 1936، مدرسة خليل أغا الابتدائية، الناظر اسمه عوض لطفى أحمد، (الاسم منحوت فى الذاكرة لمدة سبعين عاما)، الناظر يستدعى تلميذا ذا ثمان سنين من الفصل، فيرعب المدرس ويخلع طربوشه (طربوش التلميذ) وينقر رأسه بعقلة إصبعه الوسطى وهو  يتساءل: “أى مصيبة عملتها حتى يستدعيك الناظر على الصبح؟ استلق وعدَك”.، يذهب التلميذ مرتجفا إلى حجرة الناظر، ويسأله الناظر هل أنت احمد توفيق الرخاوى، فيقول التلميذ وهو يرتجف، “نعم”، فيسأله وهو يشير إلى صفحة “أبلة زوزو” من عدد الجمعة لصحيفة يوميه اسمها روزاليوسف: “هل أنت الذى كتبت هذا”.  فيقول له الطفل : نعم، فيقوم الناظر ويلف حول مكتبه ويربت على كتف الطفل، ويسأله: “كيف كان ذلك”؟

كان المكتوب هو ملخص لقصة من قصص كليلة ودمنة التى تبدأ بعرض بيدبا الفيلسوف على دبلشيم الملك مغزى حكاية حدثت بين الحيوانات (لعلها تهديه لسياسة حكيمة يدير بها أمور الدولة)، فيسأله الملك: وكيف كان ذلك فيحكى بيدبا.

 image002ردَّا “على نفس السؤال كما سأله الناظر حكى التلميذ أن أباه (الذى هو أبى) كان يكلفه أن يقرأ حكاية من كليلة ودمنة كل أسبوع، وأن يوجزها فى سطور قليلة ويرسلها إلى صفحة “أبله زوزو”، ظل الطفل يفعل ذلك أسابيع متتالية حتى دون أن يظهر لذلك أثرا، والوالد مصمم، وأخيرا تحقق الأمل، وقرأ الطفل والوالد فى صفحة “أبلة زوزو” أنه: “جاءنا من الطفل النابه أحمد توفيق الرخاوى ما يلى: ثم “موجز الحكاية” وظلت صفحة أبلة زوزو بعد ذلك تنشر لهذا الطفل ما يرسله أسابيع متتالية، حتى عثر الناظر على ما كان سببا فى استدعاء التلميذ لأنه كان  يذيل توقيعه باسم مدرسته. (هل يمكن أن نجد فى الأرشيف  بعض هذه الأعداد؟)

 أخى الأكبر هذا يكبرنى بست سنوات، وأنا لم أعرف روزاليوسف إلا مجلة سياسية من الطراز الأول فى الأربعيانات، وقد دهشت حين دعونى للكتابة فيها يومية مؤخرا، ولم يخبرنى أنها كانت يومية منذ ثلاثة أرباع القرن إلا شيخى نجيب محفوظ، ثم ها هو أخى يسبقنى فى الكتابة فيها كل يوم جمعة منذ سبعين عاما.

أضاف أخى أن الناظر كتب له  تعقيبا على ما حدث يقول “…… هذا كنز ثمين يا أحمد، فاحفظه، وقلّبه حين تكبر، وكن لأولادك كما كان أبوك لك” ، قال لى أخى ذلك وكادت تدمع عيناه.. فتوقفت، ولم أستزده. تُرى هل  نفذ أخى توصية الناظر وكان لأولاده كما كان أبونا له؟ هل فعلنا نحن –إخوته- مثل ذلك؟ لست ممن يبكون على الماضى ويتصورون أنه أفضل من الحاضر على طول الخط، وبالتالى لا أدعى أن أبانا ربانا تربية غير مسبوقة، ولا أتهمنا بالتقصير فى حق أولادنا، ولا أنهم أسوأ نتيجة لخيبتنا فى تربيتهم، وها هى ابنتى “منى” تجمع العائلة بمبادأة طيبة كل رمضان، وغير ذلك، فى حين أننى وإخوتى  لم نحرص على مثل ذلك، ولم نعلمها إياه.

دلالة الحكاية كما وصلتنى أردت أن أنقلها للكبار قبل الأطفال، لعلها تبين كيف أن الأحداث ذات الدلالة تظل هى هى بتفاصيلها تفعل فعلها فى وجداننا طول العمر، لقد عايشت أخى ( وهو الذى سيبلغ الثمانين بعد عامين) وهو يحكى كيف ضربه المدرس – من باب الاحتياط مقدما – بعقلة إصبعه الأوسط، عايشته وهو يتحسس صلعته، ليصلنى نفس وخز عقلة إصبع المدرس فى صلعتى أيضا، وحين دمعت عينا أخى – أو خيل إلى ذلك – لم أعرف هل كان ذلك ترحّما على أبى (وعلاقتهما كانت من أصعب العلاقات)، أم كانت حنينا لأيام خلت، أم كانت أسى على ضياع أمثال هؤلاء النظار، أم كانت شجنا رقيقا بعد أن قرأ  لأخيه الأصغر فى نفس الصحيفة التى كتب فيها وهو فى التاسعة ؟ وفى نفس يوم الجمعة.

حضرتنى أسئلة أخرى كثيرة وأنا اقلب فى الأغانى التى كتبتها للأطفال/عن الأطفال، ثم عدت إليها أستلهمها فى رمضان لتنشر فى نفس الصحيفة التى ما عرفتها إلا مجلة أسبوعية فى الأربعينات. اخترت من بين الأغانى أغنية تقمصت فيها طفلاً يعلمنا معنى النمو، ونحن نتساءل:  إلى أين؟

لكن  نبدأ أولا بقصيدة صلاح جاهين التى حضرتنى فى الأسبوع الماضى نعيدها، ونكملها:

تقول قصيدة صلاح جاهين “الولد والبنت”:

النص قصيدة “الولد والبنت”

image004“البنت فارت والولد خنشر

يا ميت ندامة ألف بعد الشر

يا ريتها كانت نزلة معوية

ولا وجع فى البطن يتدبر

إلا اللى صابهم كان قضى ونابهم

مالوش دوا ولا طب يا سى أنور

البنت فى الإعدادى لسّاها

كان إيه لزومه الغصن يتدوَّر

والأّ الولد دا يا دوب دخل ثانوى

image006ليه خده ينطر شوك بدى المنظر

مش لمّا بس يكملوا علومهم

ما كانشى يومهم، يا النهار الأغبر

لو كان علىّ لا واد ولا بنية،

أخلى فيهم مللى يتغير

غير لما يبقوا أساتذة بماهية

وبيت جميل مفروش على صغيرّ

القراءة

صلاح هنا، كما أشرنا فى العدد الماضى، يركز على رفض الأهل لتلك التغيرات الجسدية (الهرمونية الجنسية)  التى تطرأ على البنت والولد فى فترة المراهقة، لكنه يردف تعميما واضحا يقول “إن كان عليّا لا واد ولا بنيّة، أخلى فيهم مللى يتغير”، رفض التغيير من الأهل– بينى وبينكم – لا يقتصر على فترة المراهقة، كما أن تغيرات النمو لا ترتبط بحسابات الوالدين، ولا بالدخل الأسرى كما يحبون أن يخدعوا أنفسهم. أى تأجيل لخطوة نمو جاءت فى وقتها هو لعبة غير مؤتمنة: النمو وإعادة النمو، يجرى طول العمر، حتى الموت، وربما بعده، فى دورات متلاحقة، من أول دورات النوم والحلم واليقظة، حتى دورات التغير النوعى عبر عمر الفرد. دورات النمو الكبيرة على مدى العمر كله تتم كل عدد من السنين، وهى تعلن أن النمو لا يتوقف، حتى بالموت.

 نتقمص داخل طفلنا الجميل لنقرأ معه ونحن ندندن هذه الأغنية:

الأغنية

آنا باكبرْ

image008أيوه باكبرْ

بس انا لسَّه صُـغيّرْ

يعنى باتغيَّرْ واغيَّرْ

ماهو ده معناه ياخويا إنى باكْبَرْ

عايز أكبر بس شرطى:

أحتفظ بطفولتى وارسم بيها  خطى:

             “إنى أتصرّف كبير،

     وقت ماهو لازم وواجب،

      بس أفضل واد خطير

  فى الملاهى والملاعب”

أنا باكبر مش باشِيخْ

يعنى باتعلّم يا شيخْ

يعنى باحمل مسئولية

واحترم طفلى اللى فيـّهْ

وان غِلِطْ ، مش لازم انى أكبِتُهْ،

مَا الكبير برضهْ بيعمل عملتُهْ.

مش ضرورى الصّحْ يفضل هوّا صح

                            عَالَى طولْ

كل صح نجربه يمكن “يقول”،

              إنه صح نصْ نصْ

               يبقى نتعلم نبصْ :

ييجى صَحْ أصحّ مِنّهْ

غَصْب عَنُّهْ

يبقى معنى انى باكبرْ

إنى باتعلّم وباقْدَرْ !

القراءة

الصور التى تجلت فى هذه الأغنية، متعددة ، فهى تقول لنا أن النمو ليس بمرور السنين، الأمر الذى تسجله أعياد الميلاد، بأقل قدر من الوعى بحقيقة النمو، ثم إن الأغنية تشير إلى أربعة صفات أساسية نقيم بها النمو هى: “(1) أتغيّر (2) أغيّر” ثم (3)” أتعلم (4) أقدر”، يمكن أن تقيس عملية النمو  – وأنت كبير – بهذه المقاييس الأربعة، إذا نجحتَ أن تتبين ما أضافه التعليم أو الخبرة إلى وجودك، إلى رؤيتك، إلى موقفك، إلى عقيدتك، من جديد، فأنت تكبر، وحين تزداد قدرتك على ما لم تكن قادرا عليه من قبل، فأنت تكبر. زيادة القدرة ليست مجرد صقل المهارة، لكنها اكتساب أساليب أكثر مرونة، وحركية، لمواجهة مواقف خارجك، وللتعامل مع تركيبات داخلك. لو أن السنين مرت عليك وأنت تزداد عمرا، وتزداد مالا، وتزداد معلومات، وتزداد حتى أبناء وبنات، دون أن تتعلم، وتقدر، فتتغَّير، وتُغيِّر، فأنت قد توقفت عن النمو مهما كان سنك.

البعد الآخر الذى جاء فى الأغنية هو أن النمو لا يكون بحذف ما مضى من عمرك كما تخلع ورقة أمس من نتيجة الأيام المعلقة على الحائط. إن كل ما فات هو حاضر الآن فيك، لكن حضوره يختلف من النقيض إلى النقيض، فقد يقبع الماض ساكنا بالداخل ليمثل عبءا عليك، فى صورة ذكريات نعّابة جاهزة للشكوى من الظلم والفرص الضائعة، أو ليحكى الذكريات الرقيقة وهو يترحم على الأيام الخوالى التى لن تعود، هذا ماض قد تكون له فاعلية هامة، لأنك ركنته فى زاوية مغلقة اسمها الذكريات للاستعادة، لا أكثر، من حقك أن تطالعها متفرجا أومتحسرا أو شاكيا، أو شاكرا، لا أكثر. لكن الماضى قد  يقبع فى موقع من وعيك أكثر خبثا وظلاما، وهذا نفعله مضطرين بدرجات مختلفة، حين نخفى كياننا الأقدم بين ثنايا ظلام النسيان/ الكبت، هكذا يصبح هذا الماضى عبئا أثقل، لا هو مستعاد للفرجة، ولا هو متآكل للاضمحلال.

 النمو يتطلب غير ذلك، النمو هو أن تظل محتفظا بما فات، ولكن فى صورة أحدث وأقدر، الطفل فينا لا يموت، وهو ليس مجرد ذكرى فرحة غير مسئولة، الطفل فينا الآن: هو طزاجة التلقى، وانطلاقة البحث، وتلقائية التصرف. نحن نعيش بمسئولية الناضج وحكمة الكهل حين يكون ذلك لازما، ثم نطيح ونهيص حين يكون ذلك متاحا.

المسئولية الحقيقية، هى من أهم علامات النمو، المسئولية لا تعنى الجهامة أو العنت أو التضحية المثالية وما إلى ذلك، المسئولية هى ممارسة حسبة الواقع القادر على استيعاب الجارى بما يتيح فاعلية العوامل الأربعة التى جاءت فى الأغنية : “أتعلم وأقدر، واتغير، وأغيّر”.

حين نخطئ نتيجة لشطحات طفلنا فى الداخل، أو لقصور حساباته، نتعلم أسرع لأننا نلجأ إلى ذواتنا الأنضج لتصلح الخطأ، ليس بالاعتذار أو التراجع عنه، وإنما باستيعابه والتعلم منه. خطأ الطفل (فينا وخارجنا) وارد ومقدور عليه، خطأ الكبير أصعب وأقل فرصة للاعتراف به أو التعلم منه. حق الخطأ، وإتاحة الفرصة للتعلم، وعدم المغالاة فى التمسك بما نتصوره صح مطلق ، يطلق حركية مرونة النمو ويضاعف القدرة على التعلم فى تجدد مستمر حتى يصبح العمرالمكتوب فى شهادة الميلاد فضلة لا لزوم لها، اللهم إلا للتحسب للعمر الافتراضى لبعض الأعضاء! هذا مصداق قول المتن ” أنا باكبر مش باشِيخْ، يعنى باتعلّم يا شيخْ، يعنى باحمل مسئولية، واحترم طفلى اللى فيـّهْ، وان غِلِطْ ، مش لازم انى أكبِتُهْ، مَا الكبير برضهْ بيعمل عملتُهْ. مش ضرورى الصّحْ يفضل هوّه صح، عَالَى طولْ، كل صح نجربه يمكن “يقول”،إنه صح نصْ نصْ،  يبقى نتعلم نبصْ : ييجى صَحْ أصحّ مِنّهْ.غَصْب عَّنهْ”

النص الأدبى

من رواية “دميان”. هرمان هسّه (ترجمة عبده الريس)

المقتطف(1)

قبل الرواية (كلمة التصدير)

أردت فقط أن أحاول العيش فى توافق مع التلقينات

التى صدرت عن طبيعتى، لماذا كانت صعبة للغاية؟

القراءة

رواية دميان كتبها الروائى هرمان هسّه (نوبل للآداب 1946) ، وهى متأثرة أشد التأثر بخبرة كاتبها معانيا متعالجا بمنهج مدرسة كارل يونج. ما يهمنا فى هذه الرواية، بدءا بهذا المقتطف هو ما يتعلق بالفطرة ، ثم ما قد يطرأ عليها من تشويه، نحن نزعم أننا من خلال التعرف على الفطرة أطفالا يمكن أن نتعرف على أنفسنا، فالكون، طريقا إلى الله. بالإضافة إلى أنها رواية تروى على لسان صبى “إميل سنكلير” منذ سن العاشرة حتى قرب نهاية المراهقة (إن كان لها نهاية). الفطرة لا تتحقق فقط بجهد من خارجها، نحن نكتشفها، فنتعرف عليها، فنطلق سراحها، كل ما علينا هو أن نمتنع عن تشويهها، ونبدأ بها كما هى، لا كما نختزلها إلى خير أبيض مطلق، وبذلك نتيح  الفرصة لانطلاقها لتتجاوز البدائية دون أن تفقد نبضها الطبيعى: فتكون، فنكون.

النص

ص11: الفصل الأول: ساحتان أول صفحة فى الرواية

image010 “…كان منزل أبوى يمثل  إحدى الساحتين، غير أن حدودا كانت بالفعل أكثر ضيقا، تضم أبوى فى واقع الحال، كانت عبارة عن ساحة من الإشراق والوضوح والنظافة والمحادثات اللطيفة والأيدى المغسولة الملابس النظيفة والعادات الطيبة” …..

“….على أن الساحة الأخرى التى تخطت نصف منزلنا كانت مختلفة تماما: كانت تفوح برائحة مختلفة، تتكلم لغة مختلفة، تعد بأشياء مختلفة، وتتطلب أشياء مختلفة، شمل هذا العالم الخادمات والعمال وحكايات الأشباح”

 “….. محكومة بخليط صاخب من الأشياء المريعة والخلابة والمرعبة والغامضة..”

إلى هنا والمسألة يمكن أن ينظر إليها على أنها نوع من الاستقطاب بين ساحتى الخير والشر، لكن التداخل الجدلى بين الساحتين بدا أساسيا حيث  أعلن البطل هذا التداخل من البداية :

“كانت غريبة تلك الطريقة الى جاورت بها الساحتان بعضهما البعض، فكم كانتا متلاصقتين”

هل كانت هاتين الساحتين خارج إميل أم داخله؟ نسمعه يقول:

“….هكذا كان الحال مع كل شى وكان ذلك يتجلى معى شخصيا: كنت أنتمى بلا شك إلى عالم النور والصلاح فقد كنت ابن أبى وأمى، ولكن حيثما انعطفت وعيت العالم الأخر، وانخرطت فيه أيضا على الرغم من غرابته بالنسبة للعالم الأول وضجته بالهلع والضمير الفاسد،”

 لقد فضلت بالفعل العيش فى الساحة المحرمة مرارا وتكرار، بدت العودة إلى ساحة النور شيئا ضروريا طيبا كما كان يجب. بدت لى إلى حد ما أشبه بالعودة إلى شىء أقل جمالا..”

إن جمع الضرورة للعودة لما هو أقل جمالا، برغم أنه أكثر بياضا، إنما يشير إلى أن الحرية كانت تجذب إلى الأكثر جمالا، حين تمتزج القيم الأخلاقية، بقيم الجمال، والجذب والحركة، فى تضفر مستمر هكذا، فى معمعة هذا الجدل، نصبح فعلا أقرب إلى الفطرة، كما نحاول أن نقدمها فى هذه السلسلة.

لامجال هنا لتفصيل معالم ترحال إمين فى هاتين المساحتين اللتين خلقتا من جدلهما الشخصية شبه الغامضة “دميان”، الذى بدا وكأنه مشروع تكامل إميل سينكلير فيما هو إلهى أو شبه إلهى.

نختتم الاقتطاف بإشارة إلى نهاية الرواية، أو قرب النهاية، وقد كانت فى معمعة الحرب العالمية الأولى، تلك الحروب التى تؤكد من جديد خطر فشل النمو، والعجز عن تحقيق النقلة النمائية الضرورية. مثل هذه الحروب هى إعلان غلبة قوى الانقراض ضد التطور، البدائية ضد الفطرة، الروبوت الأعمى ضد الإنسان ومسيرته…

النص : مقتطف قرب النهاية ، ص  :

“…. كنت أرى العديد من الرجال الذين  بدأوا يشعرون بشدة أن الكراهية والاهتياج، الذبح والإبادة لم تكن متعلقة بتلك الأهداف، كلا فهذه الأهداف والغايات كانت عرضية تماما. إن أكثر المشاعر بدائية ووحشية أيضا لم تكن موجهة للعدو، فمهمتها الدموية لم تكن سوى إخماد الروح، الروح التى انقسمت على نفسها، حيث ملأتهم بالتحرق للهياج والقتل، للإبادة والموت…… “

القراءة:

image012ذكرنا منذ البداية كيف أن مفهوم الفطرة يمكن أن يلتبس مع مفهوم البدائية.

 الحروب عامة، سواء حروب قسوة المواجهة فى الحروب القديمة، أم حروب خبث الدمار وعماه وتعميمه فى الحروب الحديثة، هى تعرية للجانب الآخر من الطبيعة البشرية، الجانب التدميرى، الكاتب هسّه هنا يعرى حقيقة الحرب، وأنها ليست ضد عدو أصلا، هى بهدف إخماد الروح التى انقسمت على نفسها” نتعلم من ذلك كيف أن الفطرة تحوى كل الأضداد، لكنها لا تفسد تماما وتنهار حتى العدم أو الانقراض بالاغتراب فالاضمحلال. إلا إذا انقسمت على نفسها. الحرب التى تقوم فى الخارج وكأنها بين فريقين متضادين لا تهدف أساسا إلى نصر فريق على فريق، وإنما إلى إخماد الروح التى اختارت نهايتها بانقسامها ذاك.

أفضل دائما أن أتجنب استعمال لفظ الروح لأنها من أمر ربى، تلقيت حكاية إخماد الروح هذه باعتبارها إخماد حركية الفطرة التى جاءت فى بداية الرواية قبل الفصل الأول “التلقينات التى تصدر عن طبيعتى”، إذا نحن أهملنا هذه التلقينات، أو استقطبناها حتى تباعدت مكوناتها، فهو الانقسام، ومن ثم حرب الدمار للقضاء على هذه الروح التى لم تستطع أن تحافظ على حركية أضدادها معا، فانقسمت.

تقوم الحروب لتخفى فشلنا أن تتوجه إلى ما ينبغى أن نتوجه إليه.

image014للأمانة انتهت الفقرة السابقة نهاية لم أتوقعها ، فقد أضاف الكاتب أنه “….، لذلك ربما يولدون من جديد”. حتى هذا الدمار قد يكون نذير ولادة ما.

 هذا هو روعة ما هو نمو ، لا يوقف تجدده المستمر  حتى مثل هذه الحروب البشعة، وإن أعاقت المسيرة، فإلى  ولادة جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *