الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / تعتعة الدستور : هدية العيد: الإنسان حيوانٌ “موبايْـلىّ”

تعتعة الدستور : هدية العيد: الإنسان حيوانٌ “موبايْـلىّ”

“نشرة” الإنسان والتطور

26-9-2009

السنة الثالثة

 العدد: 757

 

تعتعة الدستور

هدية العيد: الإنسان حيوانٌ  “موبايْـلىّ”

فى العيد كنت – وما زلت – أفرح إذا لبست جديدا، أى جديد، حتى لو كان الرداء قديما لكننى لم ألبسه منذ مدة، فإننى أعتبره جديدا، وحين كنا نفصّل جلبابا جديدا للعيد كنا لا نلبسه، وأحيانا لا نلمسه إلا صباح يوم العيد، كنت أشعر بجدة جلباب العيد من حفيفه على جسدى لأنه لم يسبق له أن رأى الماء، ظل هذا الحفيف كامنا فى وعيى، وحين افتقدته ذات عيد حزين، قفز منى فى قصيدة يقول: “..ما‏ ‏حاكت‏ ‏لى ‏جلباباً‏ ‏ذا‏ ‏صوتٍ‏ٍٍ ‏هامسْ‏ْْ، لم‏ ‏يمسسه‏ ‏الماءُ‏ ‏الهاتكُ‏ ‏للأعراضْ‏، لم‏ ‏يتهدّل‏ ‏خيطـُـــه‏، لم‏ ‏تتكسَّر‏ ‏أنفاسُــه‏”. كنا نفرح بالجديد جدا برغم وعيد خطيب صلاة العيد أنه “ليس العيد لمن لبس الجديد، ولكن العيد لمن غفرت ذنوبه يوم الوعيد”، كنا على ثقة أن الله سوف يرضى عنا ونحن فرحون بالعيد، وبالجديد معا، وأنه سيغفر لنا أيضا ودائما حتى عدم سماع خطبة العيد التى من رحمة ربنا أنها  سنت بعد الصلاة، ربما ليجرى الأطفال أمثالنا قبل أن يصفهم خطيب آخر سمعته بنفسى ونحن نخرج مهرولين بعد الصلاة مباشرة يصفنا بأننا “حُمُـرٌ مستنفرة، فرّت من قسورة” (ولم ينتبه أنه بذلك جعل نفسه  قسورة!!).

حين قرأت فكرة أن الموبايل كاد يصبح عضوا جديدا فى تركيب الإنسان، بناء على الاستطلاع الذى أجرته شركة بحوث الأسواق “سينوفيت” (الشروق الأحد 6/9)، قلت فلتكن هدية التعتعة لقرائها هى هذه الفكرة الطريفة.

الحكاية أن الإنسان عبر تاريخه  تتخلق له أعضاء جديدة، كما تضمر أخرى، وقد قرأت هذا الخبر  باعتبار أن الموبايل (وما إليه) سوف يكون امتدادا للوعى البشرى الفردى إلى الوعى الجمعى عبر العالم، وأترك لك أنت أن تتخيل كيف أن  هذا العفربت الصغير قد أصبح جزءا – يكاد يكون عضوا بيولوجيا– من وعينا التواصلى معا.

قيل وكيف يكون ذلك؟

الأعضاء تتخلق، وأيضا تتلاشى حسب الاستعمال:  تنازل الإنسان – بفضل الله – عن ذيله فـلم يبق منه فى أسفل عموده الفقرى إلا فقرات عظمية ثابتة أثرية  بلا وظيفة، اسمها العُصعص، حدث ذلك فى مرحلة “الإنسان واقفاً” على ساقين (هومو إريكتس، Homo Erectus)، حين استغنى عن أن يتشعلق على الشجر بذيله، مثل أولاد عمومته القردة. على النقيض من ذلك تطورت حركة إصبع الإبهام حتى اكتسب حركته الطليقة من مرونة وتنوع زوايا الاستعمال، فأصبحت لليد البشرية مهارات غير مسبوقة عند أجداده، أمكنته من أن يمسك القلم، ويلضم الإبرة، ويعزف البيانو.

موازاة لذلك، ظلت التكنولوجيا (منذ اختراع الفأس فى العصر الحجرى الحديث فظهور الزراعة) عاملا فاعلا  يقوم بالواجب فى تشكيل طبيعة الحياة البشرية وسلوك الإنسان، فتركيـبه حتى تشكيل حضارته!!. أتصور أن التكنولوجيا الحديثة، بما أتاحت من معلومات وتواصل، قادرة فعلا على تخليق وعى بشرى جديد،  ومن فرط تفاؤلى تصورت أننا لو اجتهدنا فى الطريق الصحيح أكثر فأكثر، لأمكن لهذا الوعى العالمى/الكونى الجديد أن يواجه وينتصر على ذلك الديناصور المتعملق المسمى:  ” النظام العالمى (الانقراضى) الجديد”.

مع انتشار هذه الأداة الصغيرة الساحرة ، المزعجة، الرائعة، الخبيثة، المسماة “الموبايل” ممثـــِّلة لكل ما هو أعقد وأروع منها، يتقارب الوعى البشرى كله إلى بعضه البعض،  فتتجلى فرصة رائعة، بقدر ما يمكن أن تكون  كارثة مروعة، لنـقلة بشرية عملاقة، أو نكسة تدهورية انقراضية، حسب شطارتنا، ومسئوليتنا.

أنظرحولك، حتى فى بلد فقير مثلنا، من أول ابن البواب حتى بنت الوزير، أطفالا وكبارا، وسوف تعرف مدى انتشار هذه التكنولوجيا الصغيرة القادرة المغيرة بشكل لم يعد قاصرا على القادرين دون غيرهم، ولا هو من اهتمامات الساسة أو التربويين أو الإعلاميين أو الاقتصاديين دون عامة الناس، وهكذا تتضاعف المسئولية وتثقل الأمانة:  إما إلى وعى عالمى مسئول وإيجابى خلاق، وإما إلى انقراض استهلاكى اغترابى دمارى بشع،

وهكذا تشتعل المواجهة.

  التحدى الملقى على كل الناس هو أكبر من رخاوة التأجيل وميوعة الحلول الوسط،  هو فرض عين إذا قام به البعض لم يسقط عن الكل، نعم : كل إنجازات البشر، وكل نعم الله الطبيعية والمصنوعة، هى أمانة علينا أن نحملها بحقها، فردا فردا، ثم جماعات معا نصنع الحياة حتى نلقى الله،  وإلا كنا هذا الإنسان الظالم نفسه، الجاهل قدراته، (“ظلوما جهولا”).

أخشى ما أخشاه أن يتصدى أحد المؤلفة عقولهم، وينتهز الفرصة ليفسر  لنا إعجازا  جديدا يشوه الدين والعلم معا، فقد يفسر الأمانة  فى قوله تعالى  و”حملها الإنسان” بأنها الموبايل:  اليس اسمه “المحمول” ّّّ!! ،

 إياكم إياكم !!! أستغفر الله العلى العظيم.

وكل عام وأنتم بأعضاء أقدر، وأمانة أثقل، ومسئولية أكبر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *