الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / تعتعة التحرير : مصريون آخرون: “أم” و”أب”!

تعتعة التحرير : مصريون آخرون: “أم” و”أب”!

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء: 20-3-2013

السنة السادسة

 العدد: 2028

تعتعة التحرير

مصريون آخرون: “أم” و”أب”!

مقدمة: أقدم اليوم أم مصرية، وأب مصرى، من واقع الممارسة، مع تحوير لازم فى الحوار والتفاصيل لضيق المساحة، ولزوم الفصحى.

الحالة الأولى:

دخلت علىّ فى صحبة ابنتها، أم مصرية، حول الخمسين، قمحية جميلة أنيقة محتشمة مهذبة باسمة ابتسامة هادئة منكسرة، كانت معها ابنتها:رقيقة مثلها فى نفس جمالها ورشاقتها فضلا عن شبابها، رحبت بهما فابتسمتْ الأم أوسع وأغمض وأعمق، مازحتُ ابنتها إن كانت فى الثانوية العامة، فقالت: إنها تخرّجت، وتواصل دراستها العليا، التفتّ للأم مداعبا ألاّ  توافقها، فمعظم الجميلات الذكيات هذه الأيام، يحتججن بالدراسات العليا، ليتجنبن الإقدام على مخاطرة العلاقة الأبقى، والأصعب، ابتسمت الأم أكثر رقة، لكننى بدأت أنتبه إلى عمق الألم يلوح من وراء الابتسامة وهى تقول: “هل عندك عريس؟” وتصورت أن البنت قد رفضت متقدمين كـُثْر وأن هذا هو ما يؤلم أمها، استأذنتُ للانفراد بالأم، وما أن خلت الحجرة إلا منا حتى كشفت الابتسامة عما وراءها، رحت أقرأ الوجه الذى أطلق “آه” دون صوت، لكنها كانت “آه” مليئة بالشجن والألم والحسرة معا، انعصر قلبى ولم أنبس، هذا ألم إنسانى مصرى طيب بالغ العمق والقسوة والأسى، كفى يا سيدتي بالله عليكِ، التقطتْ الأم ما لم أقله، فالتفتت عنى، ثم عاد وجهها يحمل البسمة الصافية الصبور. أثناء الكشف أعدت سؤالها عما تشكو منه، ولم تكن ذكرت إلا الأرق وكثرة الأفكار حتى وهى نائمة، وحين سألتها عما إذا كان هناك سبب تزامن مع ظهور هذه الأعراض، انسابت دموعها فى صمت دون نشيج، فتوقفتُ، وطال الصمت، ولم أقطعه إلا بعد فترة ليست قصيرة بأن “هِـــهْ”؟ قالت: بدأت الحالة بعد مقتل المرحوم من أسبوعين، طلبت منها دون أن أنطق أن تستمر، قالت: كان ذاهبا ليؤمّن سجن بور سعيد، فقتلوه، وتدفقت مشاعر أم ثكلى بما لا يوصف، أمسكت بيدها وأنا أقول لها: أنا آسف، أكملتْ قائلة: ليس عندى غيره وغيرها، ترقى نقيبا من شهرين، واحتفل بسبوع ابنته قبل ذهابه بأسبوعين، استطعت أخيرا أن أقول لها: ربنا موجود، قالت: الحمد لله، ثم يبدو أنها لاحظت ما اعترانى، نظرت فى عينىّ بعد أن اعتدلتْ، وسألتنى: مالك يا دكتور؟ قلت لها: أبدا، أنا آسف، قالت: أنا أسأل بجد: مالك؟ قلت: لا شىء، ماترين، قالت: مصر بخير يا دكتور، ودعت لي وللمرحوم.

****

الحالة الثانية:

 فاجأنى بالسلام وأنا داخل مسرعا من باب العمارة، حسبته زبونا قديما يحيينى محتجا بعشم على تأخرى عن موعدى وهو ينتظرني أسفل ، لكنه قال ما نفى ذلك مثل أنه “جاء خصيصا ليرانى شخصيا رأى العين”، ثم قال كلاما طيبا فى بعض ما أقوله فى مقابلاتى هنا وهناك، شكرته وأسرعت مُحرجا، وبدأت العمل، وبعد ساعة أو بعض ساعة جاء دوره وعرفت أنه “زبون” جديد جاء يكشف، ورجحت أنه كان يجاملنى مقدما على باب العمارة، وقد بدأ حديثه بنفس المجاملة فنبهته أن يأخذ حقه فى وقته، وينتقل مباشرة إلى شكواه، خاصة وقد لمحت فى ورقة تعريفه أمامى أنه قادم من كفر الشيخ ويعمل مدرسا، نظر إلى الأرض، ثم مالت رأسه أكثر، وهم أن يتناول منديلا ورقيا من على المكتب، ثم تراجع، ولم يرفع رأسه ثم تمتم، فذكر ما تيسر مما اعتدت سماعه مثل التوتر والأرق، والخنقة وما شابه، وكأنه يحكي عن آخر وليس عن نفسه، وأنا أسمعه بالكاد، ثم توقف وتغير وجهه وامتقع لونه حتى حسبت أنه أصيب بطارئ عضوى آخر، وسألته عما حل به فقال: “أنا خائف”، لم أسأله أكثر وانتظرت حتى هدأ، ثم عاود الكلام تلقائيا قائلا: أنا خائف، خائف جدا، أشعر أننى ضعيف أمامهم، ضعيف جدا، قلت: من هم، قال: استولوا على دارى وحقلى بوضع اليد”، أعدت: من هم؟ رد: “أنا مرعوب، لست خائفا منهم، هؤلاء البلطجية الكذابون ليس معهم دليل ولا أوراق، هؤلاء أمرهم يهون، قلت: إذن ماذا؟ ها أنت تعرف الطريق والطريقة، قال: أنا خائف على أولادى وبناتى، فى البيت وفى الفصل، ثم أضاف: هل تعرف يا دكتور معنى “وضع اليد”، قلت: تقريبا، قال: ألا تعذرنى إذن لحالتى هذه؟ قلت: أعذرك ونصف، ولكن ليس هذا هو الحل، هل عندك أوراق الملكية الرسمية، قال: طبعا، ومسجلة فى الشهر العقاري وعبر التاريخ، سألته: عقود مسجلة أم مجرد إثبات تاريخ؟ قال: إثبات تاريخ ماذا يا دكتور، وهل التاريخ يحتاج إثبات، هى أرضنا ملكنا أبا عن جد، قلت: خلّنا في شكواك، ودع الأمور القانونية للإجراءات القانونية، قال لى: لكنك شريك يا دكتور، فقلت له أنا؟!!! شريك فى ماذا؟ قال: فى هذه الجريمة، فزعت وأخفيت جزعى وانتقل تفكيرى من “تشخيص” إلى “تشخيص آخر”، وعدت أكرر السؤال: أنا؟!! قال: انت بالذات، قلت: وكيف ذلك لو سمحت؟ قال: لأنها مسجلة باسمك واسم أجدادك أيضا يا دكتور. انتقل تفكيرى إلى “تشخيص ثالث”، فلم يمهلني وأكمل وقد فهم ما دار بخلدى، قال: لا تظن بى الظنون يا دكتور، أنا ما جئت إليك إلا حين تأكدت أنك شريك معى، وأنت تعرف الأكابر وتظهر فى التليفزيون فلابد أن لك طريقا معهم، قلت له: وهل الأكابر هم الذين استولوا على دارك وحقلك، قال: يا ليت. وانسابت الدموع من عينيه أكثر، لكن الخوف اختفى وسكت وهو مطأطئ، فسكتّ بدورى، ثم رفع رأسه قائلا: ربنا يخليك يا دكتور، أنا آسف، حملك ثقيل يا دكتور، قلت له: هذا صحيح، إيش عرفك؟ قال: أنت مصرى يا دكتور، وتحمل هم كل الناس حتى في غير مصر، قلت: وأنت؟ قال: أحاول مثلك ولا أعرف كيف، الحمل ثقيل، تكفينا مصر، قلت: لكن المسائل متشابكة وما يراد بمصر، يراد بكل ضعيف أبله عبرالعالم، قال: هذا صحيح: إذن سأرفع الأمر إلى مجلس الأمن، قلت له: ماذا؟!! ما هذا ؟؟! قال: عندك حق، فالفيتوا ينتظرنا، فلنرفعه أولا للأمم المتحدة، قلت له: وهذه أيضا قرارتها غير ملزمه، قال: فلنرفعه إلى الله، قلت: ولكن الله يشترط أن نحمل الأمانة ونعمل ما يمكث فى الأرض، قال: آه صحيح.

 نظر إلى وجهى مليا ثم قال بفزع: خيراً يا دكتور؟ فيه ماذا؟ قلت: ولا حاجة، قال: أنا لجأت إليك، وأنت إلى من تلجأ؟

قلت: إلى ربنا وإليك، قال: على البركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *