الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / “السدود” على طريق “جدل الحب” والنمو

“السدود” على طريق “جدل الحب” والنمو

نشرة “الإنسان والتطور”

21-10-2009

السنة الثالثة

العدد: 782 

 

الحالة الخامسة:


 “السدود” على طريق “جدل الحب” والنمو

هذه الحالة (القصيدة)  أيضا –كما ذكرنا الأسبوع الماضى – سبق أن كانت موضوع نشرة بأكملها منذ سنتين (8 أكتوبر 2007) ، بعنوان “من يحب من؟ صفقات الظاهر، وأحلام التكامل”، وبالتالى فلا مفر من تكرار، مع أمل أن نضيف تحديثا ما، وخاصة فيما يتعلق بالعلاج النفسى.

بصراحة وجدت أن الزمن الذى مرّ ما بين النشر الأول واليوم هو “عامان وأسبوعان إلا يومين”، وقد أوصيتُ فى الأسبوع الماضى بالعودة إلى هذا النشر الأول، مع احتفاظى بتشككى حول عدد من سوف يبذلون جهدا ووقتا لفعل ذلك، ثم إننى سألت نفسى هل مثل هذا العمل يمكن أن يُقرأ مرة واحدة؟ ألا يكون فى التكرار (الممل) معنى دعوة إلى إعادة القراءة؟

ثم أملتُ كما قلت فى المقدمة حالا أن يشمل هذا التكرار بعض الإشارة إلى العلاج النفسى الذى هو – فى نهاية النهاية – مسيرة نمو معا المريض والمعالج)، فهو رحلة تشكيل علاقة بشرية (محصلة الحب إن صح التعبير) بشكل أو بآخر.

عذرا

قصيدة  اليوم هنا تحاول ان ترسم تقاطعات متحاورة بين الذات الغاوية الظاهرة، وبين الفطرة الطفلية الطازجة الجاهزة المتخلـّقة معا، وهى تنبه إلى أن الاكتفاء بمستوى واحد على حساب حركية التكامل مع المستويات الأخرى، هو حب زائف، أو على أحسن الفروض حب مسطح قصير العمر،

 فى خبرتى المحدودة، كدت ألاحظ فى كثيرات  تناسبا عكسيا بين فرط التجمل والاهتمام بالشكل الظاهرى، (والديكورات، والإكسسوارات، والميك اب)، وبين مدى الانسحاب الداخلى، والعجز عن التواصل المتعدد الأعمق للتكامل، (ليسست قاعدة) هذه السدود التى نبنيها حولنا ثم داخلنا طبقة وراء طبقة، ليست سدا واحدا كما تصورناها من خلال التركيز على مستويين للوجود هما  الشعور واللاشعور، اللغة البيو-وجودية التى نتكلم بها هى لغة تتحدث عن “مستويات وعى” متمثلة فى وجود عيانى فى شبكات دماغ  نيورونية (مخية)، مرتبة هيراركيا بحسب تاريخ التطور من جهة، وتاريخ النمو من جهة أخرى، 

الذين يتناولون قضية التواصل بين البشر وكأنه تواصل بين اثنين أساسا فقط، ثم يصنفون الحب على هذا الأساس، لهم وجهة نظر سليمة، لكنها فى نهاية النهاية “محدودة” (حتى بعض تصنيفات  إريك فروم فى “فن الحب”) مع أنك تستطيع أن تقرأ حدسهم بهذا التعدد دون إعلانه مباشرة، وهذا ما يجعل بعض تصنيفاتهم مقبولة، ومفيدة.

حقيقة حركية الحب هى نوع من التفاعل المتكامل المتصاعد النابض بين عدد (حتى يشمل الكل) من مستويات الوعى، وعدد آخر، لا يفضل فيها مستوى عن الآخر اللهم إلا فى مرحلة من مراحل التفاعل، ثم تنشيط مرحلة أخرى أو مراحل هكذا.

قصيدة  اليوم تـُظهر بعض هذا التعدد المتداخل فى محاولة عمل علاقة حب: حيث يظهر مستوى صفقة الغواية  الخارجى، فى مقابل مستوى البحث عن الكيان الخائف الأكثر أصالة، ثم نرى حوارالمقاومة، وأيضا مناورات  الخوف، والاستبعاد، و الاختزال، و الامل.

ذكرنا أمس  أن هذه القصيدة إنما تقوم بتعرية المستويات الثلاثة الأولى، وإلى درجة أقل المستوى الرابع، (وسوف نعود لبقية المستويات لاحقا قرب نهاية العمل)

المستوى الأول: الجذب النداء، والانجذاب  الذاهل.

المستوى الثانى: اللذة المشتركة بعض الوقت.

المستوى الثالث: اللعب الحر معا – أحيانا.

قصيدة  اليوم تـُظهر بعض هذا التعدد المتداخل فى محاولة عمل علاقة حب: حيث يظهر أن مستوى صفقة الغواية  الخارجية، هو السائد على حساب أى تطور للحوار الأعمق والأكثر تكاملا، وقد حذرنا من الميل إلى شجب هذه المستويات البدئية ، اللهم إلا إذا طغت حتى غطت على فرص التبادل والجدل مع سائر المستويات النابضة الأخرى. كما سوف نتبين مثل ذلك فى هذه القصيدة، وبالذات قرب نهايتها، فنهايتها:

القراءة

فى بداية هذه القصيدة، يبدو أن التركيز كان على مستوى الجذ والانجذاب، وهو ما يمسى أحيانا الكيمياء الوجدانية المتبادلة، وهو مستوى – كما أشرنا حالا، وأمس-  ليس مرفوضا من حيث المبدأ بل لعله بداية لازمة مهمة، ويبدو أن وسائل الجذب كانت  تبدو فاعلة فى بداية القصيدة لدرجة ثقة النداهة بسحرها القادر على جذب السائر على شط الترعة حتى تسحبه إلى غير رجعة (هذا ما يُحكى عن الجنية النداهة فى بلدنا، وهو بعض ما استلهمه يوسف إدريس  فى قصته النداهة). وهو ما خالج صاحبنا من أن هذا الجذب الساحر، يحمل وراءه الاختفاء الغامض، الذى يعقبه أو لا يعقبه أن يظهر فى القرية هائما على وجهه انجذابا أو جنونا أو حبا مجنونا.

 القصيدة هنا تبدأ بتعرية هذا المستوى من النداء والغواية، وهو مستوى قد يقابله بعض بدايات التعاقد فى العلاج النفسى الذى قد يتم بشكل مباشر أو غير مباشر بين معالج له حضور قوى يبعث على الثقة، وبين مريض يحتاج هذه الثقة فيستجيب لها بسرعة، وبأقل قدر من الشروط والحذر:

وعيون‏  ‏مكـْحُـولة‏ ‏مْـنَـدِّيــة‏.‏

‏تِسْحِـَر‏ ‏وتشِدْ‏ْ.‏

منديلْها‏  على ‏وش‏ ‏الميّة

‏مِـستنّى ‏تمـدْ‏:

‏إيدك‏، ‏تسحبْـها‏ ‏تروح‏ْ ‏فيـها‏،‏

‏ ‏ولا‏ ‏مينْ‏ ‏شـَاف‏ْْ ‏حـدْ‏.‏

لابد أن لحكاية، أو اسطورة النداهة اصل شديد الغور فى النفس الإنسانية ، أسطورة النداهة من الأساطير الريفية المصرية، حيث يزعم الفلاحون أنها امرأة جميلة جدا وغريبة تظهر في الليالي الظلماء في الحقول، لتنادي باسم شخص معين فيقوم هذا الشخص مسحورا ويتبع النداء إلى أن يصل إليها ثم يجدونه ميتا في اليوم التالي، أو يلقونه وهو يهيم على وجهه جنونا، وقد يسخط حيوانا عقابا له أنه ترك النداهة الغاوية فى عالمها السفلى بعد أن شدته إليه بغوايتها.

ماتكونشى ‏يا‏ ‏واد‏ ‏الندّاهة‏‏؟‏     ‏

‏  ‏حركات‏ ‏الجنّية‏ ‏اياها‏؟

أنا‏ ‏خايف‏ ‏مـِاللـِّى ‏مانـِيش‏ْ ‏عارْفُهْ‏.‏

أنا‏ ‏شايفْ‏ ‏إِللِّى ‏مانيش‏ ‏شايفُــه‏ْ.‏

…………

وتلاحِـظ‏ْْ ‏خوفى ‏تْـطَـمّنى‏.‏

وتقولّى ‏كلام‏، ‏قال‏ ‏إيه‏ ‏يعنى :‏

ماتبصّش‏ ‏جوّه‏ْ ‏بـزْيادة‏،   ‏

‏ ‏خلّــيك‏ ‏عالقَــدْ‏.‏

شوف‏ ‏حركة‏ ‏عودى ‏الميـّادَة‏،‏

‏شوف‏ ‏لــون‏ ‏الخدْ

هذه القصيدة لا تستوحى أسطورة النداهة إلا من حيث هذا الانجذاب المسحور إلى النداء،  ذلك لأنه فى حين تؤكد الأسطورة على أنه حين يقترب صاحبنا من السطح، يكون منجذبا انجذابا خالصا لسحر الغواية، إذْ  يبدو أنه يريد ما وراء ذلك بشكل ذاهل، نلاحظ فى هذه القصيدة من البداية أنه منجذب بقدر ما هو خائف، يقترب ويرجو ما تحت السطح، فتنبهه الغاوية أن الصفقة ينبغى أن تقتصر على هذا المستوى، وأن عليه ألا يتجاوز الحدود،  وأنه غير مسموح له أن يخطو إلى ما بعد السطح (ما تبصش جوه بزياده، خليك عالقد) ولتحقيق ذلك تذكره بجمال خارجها، وميادة عودها، ووردية خدودها.؟؟ إلخ،

 هو يستمع إلى كل ذلك، لكن يأتيه همس من أعماقها، يناديه بلغة أخرى، وكأنه يستغل هذا الجذب المبدئى ليتعرف من وراء الظاهر إلى طبقة أكثر عمقا وتلقائية، وأقل صفقاتية وذهولا، وكأنه على من يحاول أن يواصل حركية جدل العلاقة، أن يستوعب مستوى الجذب ليتجاوزه وهو يحتويه، لينطلق منه إلى نكوص مشروع، ولعب حر، وهو ما تعنيه هذه الفقرة من تنشيط ما بالداخل من  براءة الطفولة، وتلقائية الفطرة، وحلاوة اللعب، وبهذا نقترب من  المستوى الثانى والثالث (اللذة المشتركة، واللعب الحر معا) مع الحذر الواجب من احتمال التوقف عند الجذب والانجذاب واللذة المنفصلة 

وأحس‏ ‏بهمْس‏ ‏اللى ‏معاها‏،

‏أنــوِى ‏أقرَّبْ‏ْ.‏

وأشوف‏ ‏التانية‏ ‏جُــوَّاهَـا‏،

‏أحلى ‏وأطيبْ‏.‏

والخوف‏ ‏يغالبنى ‏من‏ ‏ايـّاهـَا‏،

‏لأْ‏. ‏مش‏ ‏حَـاهـْربْ‏.‏

هذه  الأخرى التى تناديه من عمق أبعد من جذب منديل السطح،  ربما هى الفطرة عروس البحر، ولكن من يضمن له إذ يتقدم إلى هذا العمق الأجمل أن تستولى عليه النداهة المرتبطة بالمنديل السطحى، فيختفى فيها ومعها دون أن يكمل مشوار الحب التكاملى الجدلى 

(مستنى تمدّ: إيدك تسحبها تروح فيها، ولا مين شاف حد).

وحين يستشعر هذا الخطر، وتراوده فكرة التراجع يجد أنه لا سبيل إلى ذلك إن أراد لجدل العلاقة أن يتواصل، فيقرر أن يواصل: فيتراجع عن التراجع

(لأ مش حاهربْ)

استجابة لهذا التصميم يأتيه نداء الداخل ، مع الحذر المناسب من الاقتراب

الحب بقدر ما فيه قرب، فيه قدر مساو، وأحيانا أزيد من الخوف من القرب.

 يسرى ذلك على من يقترب، وعلى من يستجيب لمحاولة الاقتراب

والطفلة‏  ‏تشاوِرْ‏ ‏وتعـافرْ‏ْ،  ‏

‏ ‏بتقـّربْ‏، ‏ولاّ‏ ‏بـْتـِتاَّخـِرْ؟

وانّ‏ ‏مدّيت‏ ‏إيدى ‏ناحيتها‏، ‏بتخاف‏ ‏وتكشْ‏.‏

والتانية‏ ‏تنط‏ ‏تخلــّـيها‏: ‏تـهـْرَبْ‏ ‏فى ‏العـِش‏ْ.     ‏

دى ‏غيامةْ‏ ‏كــِدب‏ ‏وتغطــيّة‏، ‏ومؤامرة‏ ‏غِشْ‏.‏

الوعى الداخلى، الطفولة المستجيبة، ضعيفة بطبيعتها ، بقدر ما هى جميلة بتلقائيتها

الظاهر الجاذب المكتفى بهذا المستوى حتى لو كان الاختفاء فى الذهول هو نهايته لا يتزحزح عن محاولته إفساد أى خطوة تحاول تجاوزه إلى داخل الداخل الصادق الواعد بل إنه يكبت هذه المحاولة الأعمق حتى تنسحب الذات الأجمل والأعمق على  أثر التخويف من الاقتراب الحقيقى، وبمزيد من الإغراء بالاستكفاء بظاهر الجذب فالانجذاب، وهما ليسا إلا بديلا عن حقيقة العلاقة وعمقها، ومن ثم نفهم كيف أن هذا الإبدال أو التوقف ليس إلا:  “غيامة كدب وتغطيّة، ومؤامرة غش”

تواصل السعى إلى الحوار والجدل مع المستوى الأعمق والأجمل، يرفض هذا الانسحاب من أثر الإحلال والتغطية، فهو لا يصدق أن المستوى الأعمق غير موجود، أو كان وهما ، بل هو يعلن أنها – حلوة الداخل-  لم تمـُتْ، لأنها لا تموت ، مهما بعدت أو اختفت :

وماصـدّقشى،‏

ولا‏ ‏اسلّمشِى،‏

أنا‏ ‏واثق‏ ‏إنها‏ ‏ما‏ ‏مَـتِـتْـشٍى

أنا‏ ‏سامع‏ ‏همس‏ ‏الماسْكِـتْشِـى ‏

مش‏ ‏حاجى، ‏لو‏ ‏هيه‏ ‏ما‏ ‏جَاتْـشِى‏.‏

فهو يواصل الإنصات، ويشترط لمواصلة الحوار (الحب) وجودها ليكمل معها (وربما مع غيرها، لكن معها أساسا)

 “أنا سامع همس الماسكتشى

تلك الأخرى – على السطح – تتصور أنه وهو يقترب، يقترب منها هى ، استجابة لغوايتها، لكنه ينبهها، وربما ينبه نفسه أنه: “مش حاجى لو هيا ما جاتشى“، مهما بدا إغراء جذب السطح.

تنبيه واجب هنا :

  • إن المسألة هى ليست “إما أو “، اللهم إلا إذا أصر “السطح” على استبعاد كل ما عداه،
  • إن علاقة الحب الحقيقية هى حب لكل المستويات، بكل المستويات، بما فى ذلك حب الغاوية السطحية، ولو بابا إلى العمق، ولكن ليس على حسابها،
  • التى على السطح هنا لا تعترف إلا بنفسها،ولو وصل الأمر إلى تفضيل أن “تلعب حبا” بدلا من أن “تحب” ، ها هى تنبرى لتحول بينهما، بين داخلها، والساعى إلى حب حقيقى، تحول بالمنع والتحذير والتشريط:

‏- ‏جرى ‏إيه‏ ‏يا‏ ‏أخينا؟‏  ‏عَـلى ‏فـِينْ‏؟‏ ‏

‏      ‏حَاتْـصـَحّى ‏النايـِمْ‏؟‏ ‏بـِـضمانْ‏ ‏إيه‏”‏؟‏

‏جَـرَى ‏إيه‏ْْْ؟

مش‏ ‏عاجـْبـَك‏ ‏رسمى  ‏لـِحـَواجـْبى، ‏ولا‏ََ ‏لُـونْ‏ ‏الُّروجْ‏؟

‏ ‏مش‏ ‏عاجبك‏ ‏تذكرة‏ِِ ‏الترسو‏، ‏ولا‏ ‏حتى  ‏اللوجْ‏‏؟

ما‏ ‏كَفاكشى ‏زِواق‏ ‏الباب‏‏ْ؟

هيّه‏ ‏وكالة‏ ‏من غير‏  ‏بّوابْ؟

هذه الغاوية على السطح إنما تعلن وصايتها على سائر المستويات، معترضه على مواصلة السعى، فهى تدافع عن مشروعية، بل لذة الوجبات السريعة، وعلينا أن نتذكر أنه “إيش رماك على أن تلعب حبا، قال قلة الحب“. هذه التى على السطح تريد ضمانا (بضمان إيه؟)، وهى مهما قدم لها من ضمانات (بما فى ذلك ورقة الزواج أيضا) لن تسلـّمطالما هى منفصلة هكذا– و هى لا تسمح لجميعها أن يشاركوا فى العلاقة المتعددة المستويات، أى فى علاقة حب. وليس لعبة حب، فهى تتعجب من عدم رضاه بكل ما فعلته لإغوائه ليكتفى بهذا الظاهر (ما كفاكشى زواق الباب، هيا وكالة من غير بواب؟)

وقفة:

ماذا يحدث فى العلاج النفسى

على أى مستوى تتم العلاقة

بصراحة، إن العلاقات (العلاجات) المطروحة على مستوى الاقتصار على الإيحاء والطمأنة والتسكين (بالعقاقير أو بدونها) هو أقرب إلى مستوى الغواية والجذب والانجذاب، لا نزعم أن نهايته هى بالذهول أو العدم مثلما هو الحال فى أصل أسطورة النداهة، وإنما قد يكون نهايته السكون وتوقف مسيرة النضج.

تواصل العلاج النفسى الأعمق الذى قد يرتقى بالعلاقة إلى هذا التحاور على هذا المستوى، هو الذى يحفز النمو ويطلق جدل التطور بحيث يتم إعادة التكشيل من خلال أزمة المرض ما أمكن ذلك

لماذا يخاف أغلب المعالجين من المرضى المضىّ قدما إلى أبعد مما يسمى العلاج التسكينى، لا يوجد علاج حقيقى فيه إطلاق نمو أو إعادة تشكيل إلا ويمر المريض فيه بما نسميه “مأزق التغيير” بكل مخاطره وصعوباته والتهديد بمضاعفاته، من هنا، وبالذات فى العلاج الجمعى، يكون الحذر والتحذير ، مصاحب بالخوف والتخويف، وكثيرا ما يتمادى هذا الخوف والحذر إلى ظهور آليات دفاع أكثر حدة تجمّد مسيرة النمو فينقطع العلاج فجأة، أو تنتقل الزملة المرضية إلى زملة أكثر صلابة وأقدر مقاومة

إن الزملاء الذين يبدأون بالتسكين، وأحيانا يسمونه الطمأنينة، وينتهون بالتسكين، مفضلين “السلامة” أولا وأخيرا، وأن الطيب احسن لا ينتمون إلى مسيرة النمو من خلال العلاج، وربما إلى مسيرة النمو برمتها، لأنه لا يوجد نمو دون آلام ومخاطر من حيث المبدأ

أنا‏ ‏مش‏ ‏ناقصة‏ ‏التقليبهْ‏ ‏ديّــة‏ْ،‏

ولا‏ ‏فيش‏ ‏جوّاىَ “‏الْـمِشْ‏ ‏هيّة‏ْْ”،‏

ولاَ‏ ‏فيه‏ ‏بنّـوتــة‏ ‏بـْمَـرايلْهـَا‏،‏

ولا‏ ‏فيه‏ ‏عيّـل‏ ‏ماسك‏ ‏ديلهاَ‏،‏

وبرغم كل ذلك التحذير والإنكار والمحو، فالطبيعة البشرية هى الطبيعة البشرية،

 وهكذا  يستمر النداء الخفى ، ويتواصل إصرار حفز النمو، فيتواصل بالمقابل التحذير، ويحل الصد وإعلان الدفاعات المانعة من التواصل، محل الجذب الذى يثبت من خلال ذلك أنه كان “كنظام الحب” وليس “الحب”

إوعى ‏تخطّى، ‏أبْعـَد‏ْ ‏منّى، ‏حاتْلاقى ‏الهِـِوْ‏ْْ.‏

البيت‏ ‏دا‏ ‏ما‏لوهْشـى ‏اصْـحـَاِبْ‏.‏

دُولْ‏ ‏سـَافروُا‏ ‏قَـبـْلِ‏ ‏ما‏ ‏يـِيـِجـُوا‏.‏

‏من‏ ‏يوم‏ ‏ما‏ ‏بنينا‏ ‏السدْ‏ْ.‏

‏‏السد‏ ‏الجوّانى ‏التانِى‏.‏

وانْ‏ ‏كان‏ ‏مش‏ ‏عاجبكْ‏، ‏سدّى ‏البرّانـِى‏.‏

تبقى ‏فقست‏ ‏اللعبة‏،‏

ومانيـِشْ‏ ‏لاعبةْ‏.‏

هنا وقفة مهمة:

إن العلاقات البشرية تنبنى على أساس سلامة لبِنَات التواصل الأولى التى توضع فى محلها، منذ الطفولة توضع فى وقتها، لغرضها، وهى التى يبنى بها بيت الثقة الأساسية فالكيان النابض النامى.

إن التى (أو الذى)  تستطيع أن تطلق داخلها ليشارك فى (لا ليستقلّ بـ) عملية الحب، لا بد أن تكون قد اطمأنت طفلةً (ثم بعد ذلك فى أى ولادة جديدة فى أزمات النمو) إلى أنها ليست وحيدة، إلى أنها جزء من آخرين يريدونها ويعترفون بها فتريدهم وتعترف بهم،

 هكذا تتاح لها الفرصة أن تبنى نفسها “بيتا”  (وليس لنفسها بيتا) ، بيتا له أصحاب، هى أولهم، وليست آخرهم،

فالقصيدة هنا وهى تعرى هذا الخواء الداخلى:  “البيت دا ما لوهشى اصحاب” إنما تعلن سبب هذا الهروب الكبير، وتعرّ إحلال المنديل على سطح الترعة، محل جنية البحر الطفلة الفطرة الجميلة،

“البيت” ليس له أصحاب لأنهم كانوا أشباحا لم يحضروا واقعا مغذّيا أمنا أبدا، وهم مهما تحركوا إنما يلعبون لعبة تشبه الحياة، تشبه الحب، تشبه التواصل، يلعبونها سرا مع أنفسهم، ويختفون قبل أن يظهروا

 “دول سافروا قبل ما ييجوا

 لكن هل يعقل أن يبنى طفلا ذاته (بيته) دون أن “ينتمى” أصلا؟

وكيف ينتمى وهو منذ وُجد لم تواجهه إلا  الحواجز التى أقيمت لتحول دون التواصل الحقيقى (القبول والاعتراف والأخذ والعطاء) فحالت فعلا منذ البداية، بل قبل البداية، دون إلقاء بذرة الحب التى يمكن أن تؤتى أكلها كل حين “حبا حقيقيا متجددا” ؟  ذلك الحب المتعدد المستويات التى حيل بينه وبين أن يتنامى بواسطة تلك التى أدت إلى الميكانزمات  الاستغناء عنه بإقامة السدود، ليس فقط سد الغواية البرانية البديلة عن العلاقة، وإنما  السد الجوانى التانى، وهو الذى يشير إلى عدم الأمان الأولى

 إذن: فالحاجز الذى تقيمه من الغواية الآن ليحول دون العلاقة المتكاملة  ليس هو السبب الاساسى فى الإعاقة الحالية، وإنما يرجع السبب إلى الحاجز القديم “السد الجوانى التانى“، أما هذا السد البرانى، فكل المطلوب منه هو أن يقوم باللازم ليحقق المراد الجزئى فى وجبة سريعة، أو فى وجبات رسمية راتبة، كنظام الوجبات المستخرجة من “الديب فريزرعلى طول المدى (الزواج الساكن الخامد).  دون أن يكون بداية لبنض جدلى تصعيدى منتظم إلى المستويات الأخرى، مع أنه يمكن أن يكون بابا إلى ذلك.

تنتهى القصيدة الحالة بتوصية ساخرة، بنكوص هروبى أيضا بديلا عن مسيرة النمو، وربما يكون هذا أكثر تمثيلا لمستوى العلاقة التى أسميناها “اللذة المشتركة بعض الوقت” (المستوى الثانى) ، وهو ليس أفضل كثيرا من مستوى الجذب والإنجذاب، فهو جاهز لتوقيف مسيرة النمو أيضا:

دوّر‏ ‏على ‏واحدة‏ ‏تكون‏ ‏هبْلهْ‏،‏

بتْسوُرَقْ ‏مِنْ‏ ‏حَصْوِة‏  ‏نِبْلهْ‏.‏

تديلك‏ ‏قلْب‏ ‏الخسّاية‏!!‏

ومالكشِى ‏دعوة‏ ‏بْجُوّايَا

              ….‏.‏

يا‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏نفـِسى،‏

بس‏ ‏ياروحْ‏ ‏قلبى “‏ما‏ ‏يُحْكمشِى‏”.‏

وبعد

يبدو أن  من يريد أن يحب، ولا يكتفى بأن “يلعب حبا”، عليه أن يغامر بأن يعطى ويأخذ “قلب الخساية، ولايكتفى بأوراقها  أو رأسها.

ولكن هل يكون للخساية قلب إلا إذا أحاطته كل هذه الأوراق التى ذبلت وجفت من فرط قيامها بدورها الرائع فى الحماية والدفاعات؟

 إن من  يريد أن يلقى بهذه الأوراق الصلبة ليكتفى بقلب الخساية هو أيضا ليس محبا، وإنما هو قناص مستسهل.

وبعد (مرة أخرى):

خيل إلى أن المسألة أصبحت أصعب.

 ليكن.

 قلنا من البداية، حتى لو لم يكن لدينا بديلا: “نستعمل الواقع (الخطأ)، لا نستسلم له، ونرفضه حتى نغيره”.

 فهل نستطيع ذلك فى مسألة الحب هذه؟ (ربما مثلها مثل مسألة الديمقراطية والحرية والمال، وأشياء أخرى كثيرةوإذا لم نستطع فهل يمكن أن نرضى بالموجود باعتباره النقص الواجب الدافع للتحريك، أم نستسلم له باعتباره البديل الدائم طالما لا يوجد غيره.

تـُرى هل أصبحتْ المسألة أسهل أم أصعب؟

هل نشتغل فى المستحيل ليكون ممكنا،

 أم نستسلم للمكن ليصبح مستحيلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *