الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الثلاثاء الحرّ: إلى أين نهرب بأولادنا .. من الكذب اليومى

الثلاثاء الحرّ: إلى أين نهرب بأولادنا .. من الكذب اليومى

نشرة “الإنسان والتطور”

الثلاثاء: 19-2-2013

السنة السادسة

 العدد: 1999    

   الثلاثاء الحرّ:

هذا المقال نشر من اثنى عشر سنة فى صحيفة  الوفد بتاريخ: 26-3-2001، وفى القناة الفضائية المصرية هذا الأسبوع سألتنى المذيعة الفاضلة عن ما يصل أولادنا من الجارى هذه الأيام، ثم عثرت على هذا المقال، وسألت نفسى، هل ثـَمَّ فرق، وهل ما نحن فيه هو بعض آثار ما كنا نزرعه فى أولادنا بوعى أو بدونه.

اليوم هو الثلاثاء الحر، فنستسمحه أن يرحب ببعض التاريخ المرصود.

إلى أين نهرب بأولادنا .. من الكذب اليومى

… يقول محمد المخزنجى فى “لحظات غرق جزيرة الموت”: “…. كنت أعرف بيقين الحس أن الاتحاد السوفيتي مرشح للانهيار، ولأسباب أبسط وأوضح من تلك التى ساقها، ولا يزال، المحللون السياسيون فى مراكز الدراسات الاستراتيجية. لقد انهار الاتحاد السوفيتي لسبب واحد يجمع كل الأسباب، وهو الكذب، وسأظل أذكر أن أحد المنشقين عندما سألوه عن سبب هروبه من الاتحاد السوقيتى قال ” لقد أردت أن أهرب بأولادى من مصير الكذب”  لم أجد تعبيرا أدق من ذلك، ولا أبلغ ولا أكثر منه إيلاما. لهذا لم أنسه أبدا….”(انتهى المقتطف).

يبدو أن الأديب يمكن أن يرصد الحقائق الجذرية التى تكمن وراء كل شىء،  الأديب ليس مفسرا سياسيا، ولا هو مصلح اجتماعى، ولا هو مؤرخ راصد، للأديب حدْس دالّ. كررتُ من قبل فى أكثر من موقع ما قاله لى يوسف إدريس من أن الأديب (مثله مثل المجنون) هو بمثابة  الناضورجي الذى يقف أعلى سارى السفينة ليرصد قدوم قرصان أو سفينة للأعداء، فيصرخ قبل اقترابها ليستعد القبطان، والبحارة، والركاب للدفاع، أو الهجوم المضاد، أو حتى الهرب.

من أراد أن يعرف إلى أين نسير  عليه أن يتملّى طويلا فى حدْس الأدباء، وفى رطان المجانين، وفى ما هو بين السطور، مما لم يُكتب، ومما كُتب وحذف بواسطة الكاتب نفسه، قبل أن تحذفه الرقابة فلا يرى النور أصلا. عليه أن ينظر فى نوع الإعلانات، وفى محتوى مكالمات التليفون المحمول، خصوصا مكالمات الفتيات الصغيرات الواقفات على ناصيات الشوارع، من المحجبات وغير المحجبات، كل هذا أكثر دلالة على ما وصلنا إليه. هو أكثر دلالة من الأخبار الأولى فى نشرات الأخبار فى الإذاعة الرسمية، وهو  أهم بكثير من اجترار الماضى فى الشهادات التى يتباهى بها  في ندوات الفضائيات رهط من الزعماء، والقادة، المتقاعدين، والمطرودين، والمهزومين،وهو أهم كذلك من أحاديث ومذكرات وذكريات الكتّاب القدامى الموثِّقين، مهما كانوا جادين أو  موسوعيين. إن حدس الناس العاديين والأدباء والمجانين قد يدلنا أكثر إلى أين نسير. ولكن لماذا نريد أن نعرف أين نسير؟ وماذا بعد أن نعرف إن لم نشارك؟

ليست الأزمة الاقتصادية هى ما يهدد مجتمعنا بالانهيار، ولا  حتى غباء إسرائيل الغاشم أو غطرستها العمياء. إنه الغش، وهو أخطر أنواع الكذب، وقد شاع منه عندنا نوع سريع الانتشار، مبرَّر بأسباب تدعمه، وقدوة تشرِّّعه، حتى  أصبح أقرب إلى الفضيلة. إنه “الغش القومى”.

تتاح لى الفرصة -من خلال  مهنتي أساسا – وليس فقط – أن أقابل بعض الذين يحاولون الهجرة إلى الخارج، أو إلى التطرف الدينى، أو إلى عزلة المثقفين على الورق، فأسألهم نفس السؤال “لماذا تتركونا ؟ “يأتينى الرد من أغلبهم قريبا من رد المنشق  السوفيتي : “.. أنا أبحث لأولادى عن مجتمع له  نظام ، فيه قانون عام، يطبق على الجميع”. حين هاجر ابنى إلى نيوزيلندا سألته نفس السؤال، فأجاب إجابة مماثلة تتعلق بمستقبل أولاده لا أذكر نصّها، لكنّه عاد إلى مصر مع أولاده، يغامر بمستقبلهم، وهو يبحث معنا عن ملاذ من الغش، بما  نعمل، وليس فى مخبأ بعيد.

 نحن نمارس الغش على كل المستويات، من أول تشويه وعى الأطفال بتقديس من لا يُـقدس من زعماء وساسة فى مناهج التاريخ  المزيفة، حتى الإفراط فى منح درجات الشهادات  بالكوم، فخورين بسهولة الامتحانات”(رشوة للأهل، وتوقيا لهجمات الصحافة من كل لون) مما أدى إلى تنظيم الغش الجماعى (بالسكوت عنه، أو بتعليمات إدارية، صريحة أو ضمنية).

 القيادة السياسية التنفيذية تمدّنا بالبيانات الغامضة، والأرقام الملتبسة. تخابثا، أو عجزا.

مجلس الشعب جدا لا يكف عن المراوغة من أحكام المحاكم، ثم تحذو حذوه هيئة قضايا الحكومة بحركات تؤكد أنها ليست حكومة جادة وظيفتها أن تحمى روح القانون لا أن تلوى ألفاظه. إنها تمارس ألعاب التحايل وهى تخرّج ظاهر ألفاظ الإجراءت القانونية  بما بما يبطل مفعول القانون، وكأنها تترافع في قضية نفقة زوج إحدى المطلقات ليتهرب من واجباته.

وفي الانتخابات نمارس الغش الرسمى بالبلطجة، ثم بتغيير الصناديق، ثم بتصدير اللوريات في الشوارع منعا لوصول الناخبين. ثم يحذو المرشح الناجح “مستقلا” حذو الحكومة،  فيغير صفته (من مستقل إلى وطنى) وهو يخرج لسانه للناخب الذى ما انتخبه إلا لأنه “ضد الوطنى”.

لقد دخل الغش فى عمق تركيبنا الواعي وغير الواعى. نحن نمارسه دون أن تهتز فينا شعره. إننا نغش وكأننا نتجشأ. بل إن منا من يفخر به، ومنّا من يخجل من عجزه عنه.

  هل يمكن لمن نشأ فى هذا الجو، مهما بلغ موقعه العلمى الأكاديمى، أن يمارس  أى نشاط لاحق بأمانة مناسبة حتى لو كان هذا النشاط هو مايسمى نشاط “البحث العلمي”؟

حين تسمع – عزيزى القارئ- ألفاظا مثل : “يا شيخ  فوّّت!!، “خلّيها على الله”(!!)، “ما هو كله زى كله”، “قصّر ولِمّ  المتكسّر”، “إضربْهم في اتنين وان ماعجبهُمش إضرب فى خمسة”، “هية جت على دى”، “إشمعنى إحنا” هل يمكن أن تتصور – عزيزى القارئ – أن هذه ألفاظ يتبادلها أساتذة “في محراب”البحث العلمى؟ (لاحظ أننى لم أقل أن هذا يحدث !!!، هل أنا ناقص؟).

هل يمكن أن يمارِس الأمانة من لم يتعلم معناها صغيرا؟ من نشأ فى مجتمع يتَّـهـم من  يمتنع عن الغش والتغشيش بالأنانية والغباء. وقد يضطهده ويبعده، وقد يفصله من عمله. هل تذكرون الخطاب الذى وصل إلى أحمد رجب من الأستاذ الدكتور سعيد اسماعيل على أستاذ التربية ونشره فى الأخبار فى 27 يناير 2001 تشكو فيه إحدى طالباته التى أصبحت مدرسة من أنها فوجئت  حين همّت أن تعترض على “التفويت” تسهيلا  للغش الجماعى، فوجئت بتهديدها فى مستقبلها ..إلخ؟). وفى برنامج  تليفزيونى عن انهيارالقيم عند الشباب (دعوة للفكر)  قالت لى إحدى الشابات المشارِكات:” إن القيم لم تنحط عند الشباب، إنكم أنتم الذين تلقنوننا قيما  فاسدة، إن المدرس الذى عيّن مراقبا ليمنع الغش، هو الذى يملى أخى الأصغر وزملاءه الإجابة علانية، ماذا أقول لأخى بعد ذلك (انتهى كلام الشابة المشاركة في البرنامج).

إن تسمية الأمور بغير أسمائها، وادعاء ما لم يكن بأثر رجعي هو من أخبث أنواع الغش. يبدو أن بداية  تأميم الغش كانت حين سميت “الحركة” التى قام بها الجيش  سنة 1952″ ثورة”، صحيح أن عبد الناصر ثوّرها بعد قيامها بسنوات، لكنها لم تكن ثورة حين بدأت.

 كنت أزور المرحوم الفنان التشكيلى المرحوم كمال خليفة فى حجرتيه على سطوح بيت فى شارع منصور بباب اللوق، فى إحدى ليالى صيف سنة 1968، وكان عنده الشيخ إمام (قبل أن يصبح “إماما”)  وكان يغنى “الحمد لله خبّطنا تحت باطـَـطْنا، يا محلى جرية ظباطـنا من خط النار”، امتلأتُ غيظا من الأغنية  ولم أشارك لا في الضحك ولا فى التقريظ. أنا أرفض إهانة الضحية بهذه الطريقة، ماذنب ضباطنا فيما عرّضناهم له.  ولكن حين وصل الشيخ إمام إلى مقطع “ماتقولشى سينا ولا سيناشى، كله اهو ماشى، ما دام جنابه البكباشى بيقول”ثوار”، هدأ غيظى إلا قليلا. يومها حكى لى المرحوم  كمال خليفة  تفسيره لما سمى ثورة يوليو، قال :

 هم لم يكونوا يقصدونها ثورة ولا يحزنون، هم كانوا بمثابة جماعة تجلس تحت شجرة تفاح، فتساقطت عليهم نقط لها رائحة حمضية، فنظروا إلى أعلى فوجدوا أن النقط تنزل من تفاحة واحدة عطنة، (انتخابات نادى الضباط آنذاك) ، فقرروا أن يهزو الشجرة لإسقاط هذه التفاحة حتى لا تتسخ ملابسهم، فهزّوها، فإذا بكل التفاح  يسقط، لأنه كان عطنا كله. هم لم يقصدوا أن يُسقطوه، هو الذى سقط وحده، من فرط عطنه.  وحين فوجئوا بكل هذا الذى تساقط بهزة واحدة،  زعموا أنهم إنما هزوا الشجرة لإسقاط كل ما عليها من ثمر فاسد، وليس فقط التفاحة التى لوثت ملابسهم، ثم إنهم  صدقوا أنفسهم”.  انتهى كلام المرحوم كمال خليفة. أضيف أنا الآن : لعلها كانت بداية مسلسل الكذب حتى صار الغش سمة قومية.

إخفاء الحقيقة، أو جزء من الحقيقة، هو غش أخبث. شرحتُ ذلك  في مقال سابق  هنا فى الوفد حين تحدثت عن معنى إخفاء تمـرير إسرائيل فى مضايق تيران،  ثم كيف تغطى الكذب  بكذب أخطر، حين سُميت هزيمة 56 نصرا، ثم لحقه كذب أكثر رشاقة فسميت هزيمة 1967 “نكسة”، وسميت  إبادة الفلسطينين “أزمة الشرق الأوسط”. ثم تعودنا على الكذب القومى.

 ألا نعذر من يريد أن يهرب بأولاده من  هذا الغش. فكّرتُ أن أصحبهم. لكن إلى أين ؟

لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى، إذا استُضعفنا، وخِفنا على أولادنا، وديننا، أن نهاجر فى أرضه الواسعة، لكن أمريكا المفترية استولت على  أرض الله الواسعة بوضع اليد المعوْلِمة، فراحت تنظم الغش العوْلمى الجديد لصالحها، إنه غش آخر أكثر حبكة ولمعانا، وفي نفس الوقت هو أخفى ظهورا. هو غش مُبَرْمَج، غشُّ عصرالمعلومات، غشُّ الإعلام المتحيز، غشُّ الديمقراطية الممولة بمئات الملايين سرا وعلانية، غشُّ تزوير احتياجات الناس بتنيمة غرائز استهلاكية لم يخلقها الله فينا أصلا. إنه تحديث الغش وعولمته بالتكنولوجيا الأقدر.

هل نهرب بأولادنا من غش (قومى) فج بدائى،  إلى  غش أمريكى (عولمى)  منظم ؟

هل نهرب من هامشنا الخائب “كنظام” الديمقراطية إلى بجاحة غطرسة وقحة، وتمثيليات انتخابية مدفوعة الأجرسرا وعلانية، تسمى أيضا ديمقراطية (أمريكية صهيونية بريطانى)

نقطة مرجعية: زارنى صديق ثلاثى الجنسية (أسوانى – مصرى – سودانى)  وبعد أن أبلغنى أنه تحسن جدا، ذكر لى، دليلا على  تحسنه، أنه فتح مكتبة إسلامية  هناك(….)، وأن له زبائن تجعل مكتبته مشروعا ناجحا، وأن عدد من يُسلمون من الإنجليز يتزايد، وأنه قد نجح فى أن يُُـدخل فى الإسلام هذا العام وحده أكثر من عشرة بريطانيين، وأنهم  يفعلون ذلك (كان يرد على سؤال سألتُه) لأنهم يجدون فى الإسلام  “نقطة مرجعية “Point of Reference بمعنى أن الإسلام  يهىّء لهم فرصة أن يكتسبوا مرجعا داخليا، وخارجيا، دون فتاوى وصيّة كهنوتية، أو قهر سياسى كاذب.  تعجّبتُ من حديثه. لم أصدّقه كلّه،  ولم أكذبه أيضا. لكننى رحت أفكرفيه: إذا كان هذا هو إسلامنا الذى يَدخل الأجانب إليه ليجدوا فيه ما يفتقرون إليه من ” مرجعية”  فأين نحن منه؟ ماذا فعلنا بهذه “النقطة المرجعية” (بل الإنسان على نفسه بصيرة) التى تحمينا من  تحايلنا حتى على أنفسنا، وتحمى أولادنا من مصير الغش الذى يفرضه علينا كذب حكامنا، ونظم تربيتنا، ونتائج شهاداتنا، وأغلب أبحاثـنا. لماذا يضطرونا للهجرة لنعيش مرتزقة، على أرض غير أرضنا، نخدم سادة أتقنوا غشا آخر، وهم يفتقدون مرجعية حقيقية، يحسبونها عندنا، مع أننا تنازلنا عنها دون مقابل؟

إن وضوح  أزمتهم هناك تحمّلنا مسؤولية أكبر، لأنها تقفل علينا باب الهرب السهل.

يا سادتى الكرام، يا حكامنا الأفاضل، يا مسؤولي التربية والتعليم، يا كل من يهمه الأمر، لقد انهار الاتحاد السوفيتي بسبب الكذب، وقد بلغ الغش عندنا مبلغا يهيـّر أمما كثيرة على مدى أجيال متعاقبة، فهل تخفّفون، ولو قليلا، من بياناتكم، ووعودكم؟ وهل تسمعون ولو قليلا بعض ما يقال لكم؟ (دعوا جانبا ما يقال عنكم).  أطال الله عمر حكمكم، وبارك فى أرقامكم.

* * * *

وبعد  (19/2/2013)

هل هناك فرق، أم أن المصيبة أعظم؟

والذى زاد وفاض أنها تحدث باسم الدين بشكل أكثر التواءً، وغباءً، ولزوجة!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *