الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الاقتصاد أولا، والإبداع دائما

الاقتصاد أولا، والإبداع دائما

نشرة “الإنسان والتطور”

20-6-2011

السنة الرابعة

العدد: 1389

الاقتصاد أولا، والإبداع دائما

مفتتح

هذا هو العنوان الذى رددت به على طلب إحدى بناتى من المتحمسات لحملة “الدستور أولا”، وكأن مشاكلنا سوف تحل جميعا إذا ما نجحنا فى فرض هذا التسلسل وجعلنا انتخابات البرلمان ثانيا!!، وقد اعتذرت لها شارحا وجهة نظرى، وأن هذه قضية زائفة، أو على أحسن الفروض هى قضية ثانوية، فسألتنى “لماذا وما هى القضية الرئيسية الآن من وجهة نظرك”

 فكتبت لها هذا الرد.

  • سواء جاءت الانتخابات (البرلمان أولاً) أم الدستور أولاً فلن ينتهى إشكال التخلف الحالى إلا بمرور زمن طويل ملئ بالحركة زاخر بحركية الوعى (وليس بالحوار الكلامى ولا بالمناقشات والحماس وتبادل وجهات النظر من الوضع جلوسا على الكراسى).
  • ثم لنفترض أننا نجحنا أن نقدم الدستور على الانتخابات، فسوف يظل الدستور هو نتاج لجنة تسمى “لجنة الدستور”، ممثلة لعينة ممن هم “نحن الآن”، فنحن لن نستورد أعضاء اللجنة من الأمريكيين القتلة الأدعياء، ولا من الصين (ربما أرخص وأن كانت أسرع تلفا)، اللجنة هى منا وإلينا، فهى لجنة من ناسنا نحن مهما توسعنا  فى انتقاء أعضائها ومهما تنوعت هويات ممثلينا فيها، ثم إنه مهما حرص أعضاؤها وتحفظوا وتجادلوا وأعادوا، فإن رؤيتهم لن تتجاوز مرحلتنا الراهنة، وهذا وضع طبيعى،  فالأمر فى النهاية يرجع إلى وعْى عامة الناس، وعامة ناسنا لم يتعودوا إلا على حكم بوليسى قامع، أو حكم جيشى والدى مجتهد، على أحسن الفروض،
  • أغلب ناسنا توقف حسهم الموضوعى على: إما التبعية وإما استرخاء التفكير، بل كليهما، فأحدهما يستتبع الآخر، ثم إن علينا ألا ننسى أن من حق مجلس الشعب الجديد أن يجرى استفتاء جديدا حتى لو كان الدستور أولا، وسوف يكون ساعتها  الدستور ثالثا، والأرجح أن هذا الاستفتاء الجديد، لن يختلف عن سابقه، أو سابقيه، فأغلب ناسنا لا  يعرفون والحمد لله معنى كلمة دستور أصلا، خاصة وأن الدستور الحقيقى هو ممارسة قبل أن يكون ميثاقا وأوراقا مكتوبة، ناسنا الطيبون حين يُستفتون يقال لهم إن الاستفتاء هو على المادة الثانية  أولا ثم على الدستور أخيرا، علما بأن أغلبهم لم يقرأ المادة الثانية ببطء كاف، وإنما سمع عنها من الذين يحرفون الكلام عن مواضعه، فهى – فى ذاتها – مادة جيدة لا تعوق حركة أى إصلاح أو إبداع أو إرساء العدل، لكنها بالألعاب الانتخابية، تصبح هى القضية، ليست كما هى، ولكن بتفسيرات وتأويلات مثل التى عملها النميرى فالبشير اللذان فصلا جنوب السودان من أجل حفنة اصوات انتخابية .
  • ما أريد توضيحه – مرة أخرى، حتى لا ننسى- هو أنه حتى لو جاء الدستور أولا نتيجة جهد لجنة ولجان  وطنية ممثلة لنا وموضوعية وحادة الوعى وبالغة المسئولية،  فإن من حق الذين جاؤوا بالإنتخابات ثانيا أن يعدلوا هذا الدستور ولو بالنزول إلى الناس باستفتاء ثالث، وربنا يبارك فى المادة الثانية.
  • ليس معنى هذا أننا لسنا أهلا للديمقراطية (كما يعايرونا)، فديمقراطيتهم أخبث وأخطر لأنها تقيم دولا دينية حديثة تحت أسماء معاصرة رشيقة حين يفرضون عليهم – علينا- هذا الدين “العولمى الجديد” ويعينون أنبياءه من سدنة العنصرية وحوارىّ القوى المالية الكانيبالية (آكلة لحوم البشر cannibalism) تحت اسم الديمقراطية، صحيح أن ديمقراطيتنا ليست ديمقراطية أصلا فأغلبنا ينتخب ببدائية مرعوبة من النار كما يصورها من احتكروا الجنة، مع أن المفروض أن ننتخب ببدائية مرعوبة من الخراب الاقتصادى والدمار الإبداعى والمجاعة، وهذا ليس ذنب أغلبيتنا المطحونة وإنما هو نتيجة أن الممارسة لحركية التفكير، فحرية اتخاذ القرار مفتقدة عبر أكثر من ستين عاما، أما هم –بكل عدئهم وادعاءاتهم – فهم ينتخبون من هو أحذق قتلا، وأرشق رقصا وأذكى نصْباً.
  • حين يكون: الاقتصاد أولا ثم الإبداع دائما، يكون المقياس الذى نقيس به  هو أداء من يتولى حكمنا أولا وثانيا وثالثا، أليس استقلال الاقتصادى هو أساس الكرامة؟ أليست الحرية هى وقود الإبداع؟ حين يكون الأمر كذلك، نأمل أن ننتقل من بدائية الغوغائية إلى مسئولية الحضارة،  وهو ما يمكن قياسه بعلاقتنا بالحياة وبالتاريخ، ثم بالكرامة والإنتاج والعدالة حالا، أى بما خلقنا الله له وكرمنا به،

حين يزدهر الاقتصاد نقوم بتعمير الأرض، وحين يتفجر الإبداع نواصل تجديد حياتنا كدحا إلى الحق تعالى، فهو التطور الجدير بهذا الجنس العظيم: “الإنسانْ”.

الاقتصاد هو زاد تحقيق مستوى الضرورة الحتمى (الاحتياجات الأساسية)، وحركية الإبداع هى قبس من نور الله،

 ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

  • هذان المقياسان (الاقتصاد أولا والإبداع دائما ) هما القادران على أن يفرزوا  لنا الحاكم تلو الآخر، إذا ما ركزنا على قياس صلاحيته لحكمنا بمدى تحقيقه لما ينفع الناس ويمكث فى الأرض، وهو المقياس الذى منحنا الله إياه بعيدا عن المادة الثانية، وعن المادة 76 وعن المادة مليون.  عذرا

وبعـد

بعد أن كتبت اعتذارى هذا ضبطت نفسى متلبسا بالتقصير، ليس فقط نحو أصدقاء الموقع الذين تحملوا كل هذه الاعتذارات والنقلات والاستطرادات، وإنما نحو بلدى وناسى ونوعى، فقررت أن أعود إلى قضيتى الأساسية فى“قراءة النص البشرى”، وإذا بى اكتشف أننى ورطت نفسى فى أكثر من موضوع، ربما حدث ذلك من فرط توترى، وضيق وقتى، وحدة تفاؤلى المؤلم الملزم معا.

رحت أراجع أين توقفت فى كتاب “الأساس فى الطب النفسى”، فإذا بى قد كتبت  292 صفحة، ثم توقفت وأنا لم أكمل بعد جزءًا من فصل الصحة النفسية، توقفت وأنا أطرق باب معالم الحرية فى أحوال الوجود الخمس، وحين دهشت لهذا الرقم من الصفحات عرفت أننى لكى أنهى هذا العمل يلزمنى بضعة كتب لا كتاب واحد من عدة فصول،

 وهكذا قررت أن أعود إلى ثورتى الخاصة المستمرة المتصلة لأثبت أن “الإبداع دائما” هو الأصل أولا وأخيرا، فيزدهر اقتصاد آخر، واستقلال آخر، ليولد إنسان حقيقى يعمر الأرض إلى وجه الحق تعالى رغم أنف الجميع الذين سوف يذهبون جفاء، إذا ما حملنا نحن أمانة ما خلقنا له.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *