الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الأساس: الكتاب الأول: الافتراضات الأساسية (120) الإدراك (81) لجنة التراث النفسى الإسلامى ( 2 من ؟) توضيح موقف: أملا فى قبول اعتذارى

الأساس: الكتاب الأول: الافتراضات الأساسية (120) الإدراك (81) لجنة التراث النفسى الإسلامى ( 2 من ؟) توضيح موقف: أملا فى قبول اعتذارى

نشرة “الإنسان والتطور”

الأثنين: 22-10-2012

السنة السادسة

العدد: 18797-9-2011

  الأساس: الكتاب الأول: الافتراضات الأساسية (120)

 الإدراك (81)

لجنة التراث النفسى الإسلامى ( 2 من ؟)

توضيح موقف: أملا فى قبول اعتذارى

بعد الاطلاع على ما تيسر لى من مداخلات المشاركين فى الحوار حول اطروحات لجنة التراث العربإسلامى للعلوم النفسية التى أنشأتها الشبكة العربية النفسية (شعن)، وبعد قرارى الذى أعلنته أمس بالاعتذار (المؤلم) عن عدم المشاركة فى الوقت الحاضر، وجدت لزاما علىّ أن أوضح مخاوفى أكثر لكل الزملاء، وقد بدأت أمس بالابن محمد السعيد أبو حلاوة، وهأنذا أحدد موقفى من هذه القضية ولو بشكل مبدئى وإجمالى.

زعمت من البداية وأنا أفتح ملف الإدراك أن ما دعانى إلى التركيز على هذه الوظيفة المعرفية الأشمل “الإدراك” هى شدة ارتباطها بمعرفة الله سبحانه أكثر بكثير من التفكير (كما نعرفه)، ثم إنى فوجئت أن أغلب مناقشات المشاركين فى لجنة التراث الإسلامى النفسى بعيدة كل البعد عن هذه الوظيفة مستبدلين إياها بالتركيز على صفة “العقل”، و”التعقل” و”المنطق”، وما إلى ذلك، وقد بحثت عن ما يقابل ما قدمته عن الإدراك وقد بلغ حتى الآن 620 صفحة، فى النقاش الجارى فلم أجد أيا من ذلك، إلا أننى وجدت مكافئات له فى بعض ما جمعه أ.د. نزار عيون السود بإيجاز رائع عن أعلام الفكر فى هذا التخصص، وذلك مثل الخيال عند ابن عربى مثلا (مما سأعود إلى مناقشته لاحقا).

وهكذا وجدت اختلافا جوهريا فى المنطلق، ففى حين أحاول تزكية الدعوة إلى تنمية ما تصورت أن ثقافتنا العربية الشرقية تتميز به وهو الإدراك الذى يهدينا إلى ربنا مباشر، متصورا أننى بكشف الغطاء عن هذه الثروة المهملة والمهمشة فى آليات المعرفة حتى معرفة الله، وجدت النقاش المعاصر (وليس كما جاء فى بعض التراث الذى جمعه د. نزار) يركز على مضمون أفكار بذاتها ويدعمها بنصوص ثابتة، وتفسيرات جاهزة وهو جهد مشكور طبعا، لكنه أقرب إلى التفسير والتأويل، منه إلى التحريك والاستلهام.

قدرت قبل الدخول فى بعض التفاصيل كعينة توضيحية أن أعلن بعض الخطوط العريضة لموقفى حتى يفهم الجميع اعتذارى على الوجه الصحيح، وهى خطوط لم أكف عن إعلانها منذ عدة عقود، كلما أتيحت الفرصة، ومن أهمها:

أولاً: إن المسلم مسئول عن الناس وليس فقط عن نفسه وعن المسلمين، وبالتالى عن الاسهام فى مقاومة الحال الذى آل إليه الإنسان المعاصر عبر العالم كله بدءًا بناسه طبعا، لكنها مسئولية ليس لها آخر.

ثانياً: إن الإسلام ليس دين الوسط، كما نشيع عنه فرحين، فلا يصل من هذا الوصف إلا معنى التوفيق (الذى يصل أحيانا إلى درجة الهلامية) لكنه دين “الشهادة”، ونحن المسلمين “أمة وسطا” ليس لأننا نقع متوسطين بين طرفين متباعدين ولكن “لنكون شهداء على الناس”، ويكون الرسول علينا شهيدا.

ثالثاً: إن الإسلام ليس دين العقل كما يفخر أغلب المسلمين، ولكنه دين العقول مجتمعه، فللإنسان عقول كثيرة على مستويات وعى متصاعدة، وكلها خلقها ربنا لتتوجه إليه معا فتتكامل المعرفة ونحن نسعى إلى وجهه تعالى. أنظر نشرة 25-12-2007 (“أنواع العقول وتعدد مستويات الوعى” دانييل دينيت).

رابعاً: المطلوب الآن هو الكشف عن المنهج الذى يحرك هذه العقول معا إلى معرفة الحق سبحانه وتعالى، وليس جمع محتوى عقائدى ساكن لا يعدو المستوى الفكرى الأسطح، مع الإقرار بأن هذا الجمع كان عملاً رائعا ومفيدا، فالمسلم الذى تنشطت عقوله عليه أن يتحرك فى اتجاه المعرفة المتصاعدة أكثر من أن يفرح بالعثور على قيم إرشادية مفيدة عثر عليها فى تراثه، دون أن يبحث فى أصلها وحركيتها وتوجهها.

خامساً: إن حركية المعرفة لا تنفصل عن حركية التطور البيولوجى والنفسى، والأنتوجينى والفيلوجينى .

سادساً: إن “الروح” من أمر ربى، وأنا أتجنب استعمال هذه الكلمة مهما بدت “لطيفة” جاذبة، وذلك احتراما لتوصية ربنا لنبيه عليه الصلاة والسلام ونحن نسأله عنها.

سابعاً: إن منطلقى هو بيولوجى بالمعنى الأشمل لما هو حيوى حاضر، أى دون أى اختزال إلى خلايا أو مشتبكات أو كيماء فقط، وهذا يشمل التعامل مع كل التشكيلات الحيوية الهيراركية  المتراكمة الفعالة منذ تشكلت ثم تضمنت فى الأحدث فالأحدث بالتناوب والجدل وغير ذلك.

وبعد

أعتقد أن الزملاء يمكن أن يقبلوا اعتذارى إن اقتصرت مشاركتى – بعد ذلك – على بعض ما يحتاج توضيحا محددا فى نقطة بذاتها.

دعواتى للجميع بالتوفيق والنفع والهداية والقبول،

 وعلى الله قصد السبيل

* * * *

تمهيداً لنشرة اليوم:

حين هممت اليوم أن أوصل تعليقى على ما وصلنى من اقتراح لجنة التراث العربإسلامى النفسى وجدت أننى قد أستدرج إلى مناقشات جانبية بلا نهاية، ففضلت أن أكتفى بأن أكمل حديث أمس موجهاً خطابى إلى الابن د. محمد السعيد أبو حلاوة مدرس الصحة النفسية وعلم نفس الأطفال غير العاديين. كلية التربية جامعة دمنهور، داعيا الابن أ.د.إدريس عبد السلام الشاهدى الوزانى، للإطلاع إن شاء لحين العودة إليه لاحقا فيما يحتاج منى رأيا أو وقفة أو توضيحا، وهذا لا يعنى أننى لا أخاطب الجميع، ولكن دون ذكر الأسماء تحديدا، فإعلان موقفى ومخاوفى وتقصيرى هو مدخل أساسى لأى حوار لاحق.

 ثم أننى آمل فى وقت قريب أن أعود لبيان تقديرى الخاص جدا، وفرحتى وترحيبى بالجهد الرائع الذى أتحفنا به أ.د. نزار عيون السود حيث استطاع أن يجمع فى هذا الحيز المحدود كل هذه القمم فى المشرق والمغرب العربيين عبر هذه القرون فى مجال الفكر النفسى الاجتماعى، بهذا الإيجاز المتماسك المفيد جدا، مما يحتاج أن أفرد له أكثر من نشرة للشكر والترحيب والتعليق.

وبعد

أنهيت نشرة أمس بقولى:

“… زادت مخاوفى يا محمد وهو ما قد أفصله غدّا…”

 وهأنذا أفعل:

هناك فرق جوهرى بين البحث فى إحلال “مضمون” (عقائدى أو أيديولوجى أو سلوكى أو شرعى..الخ) نعتقد أنه الأصح أو الأفضل أو الأرقى أو الأكثر تناسبا لنا، محل “مضمون” (عقائدى أو أيديولوجى أو سلوكى آخر..الخ) نعتقد أنه أدنى أو مبتسر أو حتى شر كله، أو على الأقل غير مناسب لنا، هذه العملية (إحلال مضمون محل مضمون) لم يعد لها أولوية فى حوار البشرية حاليا بعد أن قفزت بنا التكنولوجيا إلى هذه الإمكانيات الهائلة التى سمحت لنا نحن البشر – كنوع متميز من الأحياء – أن ننضم إلى بعضنا البعض حول محور معرفى مشترك، بوعىٍ صعب، فى محاولة الحفاظ على نوعنا فى مواجهة احتمال الانقراض، هذا هو منطقى طول الوقت، وأعترف أننى فى كثير من الأحيان أخشى أن يكون هذا الموقف نوع من الهروب من حمل مسئولية ناسى الأوْلى بجهدى وفكرى، أو التهرب من مواجهة فشل دعوتى وضياع صرختى حيث لا سميع ولا مجيب، فأزعم أن قضيتى هى مع الزمن والتطور، وأفوض أمرى إلى الله ربى وخالقى وخالق الزمن والتطور، وأواصل السعى، أنا يا محمد أكاد لا أكتب حرفا إلا وفى وعيى عدة أرقام لا أمل من تكرارها (مع علمى بسخف التكرار) لكنها بالنسبة لى تظل مُوقظة “مُوحِية” الرقم الأول هو هذا الواحد فى الألف الذى تبقى من الأحياء عبر تاريخ الحياة فى مقابل الـ 999  الذين انقرضوا من كل ألف، والنوع البشرى هو ضمن هذا الواحد فى الألف لا أكثر، ثم أنى لا أخفى على أحد أننى أنتمى إلى الفكر التطورى الذى أعتقد أنه أقرب إلى الإيمان وإلى ربى كما خلقنى من أى فكر آخر، والذى لا يقتصر على تشارلز داروين (الذى كفّره أو حذر منه معظم المشاركين فى حوار الملف النفسى الإسلامى حتى الابن أ.د.إدريس الوزانى، أقول لا يقتصر على داروين بل يشمل والاس، ولا مارك، وهربرت سبنسر و”السلالة” بين الإنسان والطين، وغير ذلك.

أرقام أخرى تنبهنى وتجعلنى أكثر تواضعا وأطول صبرا، هى صادمة أيضا، وهى من الفكر التطورى كذلك، وهى علمية مثبتة وصادقة، هل يمكن أن تتأمل معى بعضها:

 عمر الكون 9- 20 بليون سنة،  عمر الأرض 4-6 بليون  سنة (أقدم تسجيل لصخورها 4 بليون سنة)، عمر الحياة على الأرض  1-2 بليون سنة،  عمر الإنسان 600 ألف سنة !!!،  جذور السلوك التدينى أمكن إرجاعها إلى 300 ألف سنة،  علامات وإرهاصات نشأة اللغة 100 ألف  سنة،  الأديان  السماوية + 4000 سنة، ما يسمّى العلوم الحديثة 200 سنة ، ثم العلوم الحديثة جدا  50 سنة.

 هذه الأرقام تقريبية وهى بعض نتاج علوم كثيرة (من الجيولوجيا والباليونتولوجيا -أشكال الحياة فى العصور الجيولوجية السابقة- إلى التاريخ، مروراً بالبيولوجيا ..إلخ). أتصور أن خيالنا قاصر عن التعامل معها بما يسمح بامتزاجها بالوعى، ومن ثم المسئولية، لكنها حقائق لابد أن توضع فى الاعتبار، وسيحاسبنى ربى إن لم أفعل.

إن الإنسان عموما، والمسلم ضمنا، الذى يستطيع أن يتحمل مسئولية ما يحمل من تاريخ الحياة، يمكنه أن يواجه وهو يقرأ مثل هذه الأرقام بأسئلة موقظة مثل:

– هل يصح  أن تصبح الـ 200 سنة الأخيرة وصية على المستقبل دون كل ما سبق إنجازه تحت زعم أن ”العلم الحديث– دون غيره – هوالحل“ ؟

– وهل يصح أن تكون الأربع آلاف سنة الأخيرة وصية على السابق واللاحق تحت زعم “العودة للدين كما سبق لنا تفسيره بما ثبت فى التراث وليس كمحرك لحركية التطور نحو الإيمان إلى وجه الله”؟

  – وهل يصح أن نقصر تعبير ”المنهج العلمى“ على بعض ما جاء فى  هذه الـ 200 سنة؟ (أو الـ 50 سنة؟)

إن المحنة التى يمر بها ما يسمى العلم ليست أقل من المحنة التى يمر بها ما آل إليه الدين كما جاء منذ أسبوعين فى نشرة: 7-10-2012 (الإدراك، والإيمان، والدين، والله!!)، فلنقرأ معا بعض ذلك حتى نعرف مسئولية المؤمن، مسلما وغير مسلم فى مواجهة جمود المؤسسة العلمية تماما مثل مواجهة جمود المؤسسة الدينية.

وسوف يكون أكثر فائدة إذا راجعنا النشرة التى جاء فيها “ماذا آل إليه الدين” قبل النظر فى “ما آل إليه العلم” حتى نكون أمناء ونحن نطرح نفس التساؤل.

بعض ما آل إليه سوء استخدام مفهوم “العلم”

أغلب العلم المؤسسى يتباعد باضطراد عن أصل السعى إلى المعرفة، وهو يسخر حاليا لخدمة أغراض اغترابية أو سلطة استغلالية، وفيما يلى بعض ما انتهى إليه ما يسمى العلم، حتى أصبح جامدا، أو سلطويا، أو وصيا مُبْعِدا لما دونه، ومن ذلك أن العلم أصبج (كأمثلة):

1)      العلم منظومة قَيَمِية اكتسبت زخم الأيديولوجيا إلى درجة التقديس وما يستتبعه من تعصب دينى منغلق (العلم المؤسسى = دين كنسى مغلق).

2)      العلم هو فقط ما يثبت بالتجربة القابلة للإعادة التى تعطى نفس النتائج، وما عدا ذلك هرطقة، مثلما اتهموا العلم المعرفى، وكذلك أزاحوا علم الإدراك إلى ما يجوار علم النفس (الباراسيكولوجى) .

3)      العلم هو ما يقبله منهجى – أنا– “العلمىّ” فقط. (“أنا” تعود إلى أى عالم متمسك بمنهجه الأوحد حد القداسة)

4)      العلم هو ماتسبقنا فيه إسرائيل وأمريكا بالذات!!!

5)      العلم قادر على كل شئ فلا حاجة بنا إلى غيره (دين العلم الجامع المانع).

إذا كان الأمر قد وصل بالدين، ثم بالعلم إلى هذا المأزق، فماذا يمكن أن أفعل وأنا المسلم الذى تأكد من مسئولية حمله الأمانة من خلال ممارسته مهنته، ماذا أفعل وأنا أواجه تاريخ الحياة والأحياء مكدسا فى مستويات متصاعدة خاصة مع الذهانيين ثم أعالجهم من خلال ذلك؟، ماذا أفعل وأنا انتمى إلى الفكر التطورى، وأنا لم أخفِ انتمائى هذا أبدا عن أحد، ويبدو هذا ظاهراً فى تسمية مجلتنا “الإنسان والتطور” الذى صدر أول عدد منها فى يناير 1980، ثم تسمية النشرة اليومية فى موقعى والشبكة، وقد دخلت عامها السادس، بنفس الاسم “نشرة الإنسان والتطور”.

 دعونى أقتطف الآن ما يوضح هذه النقطة الجوهرية التى قد تكون كفيلة  بطردى من سوق النقاش من البداية تحت لافتة الهرطقة مثلما فعلت الكنيسة الحاسوبية العظمى مع العلم المعرفى، حيث اتهمته بالهرقطة، مرة أخرى: مثلما فعلت مع علم الإدراك حين إزاحته إلى ما بجوار علم النفس (الباراسيكولوجى)، أقول دعونى أقتطف ما أعلنت به موقفى على الكافة منذ 32 عاما بالتمام، وإن كان ذلك قد ورد فى تلك المجلة الفصلية التى كانت تطبع بالمئات ولا يقرأها إلا العشرات، “الإنسان والتطور” حيث جاء فى افتتاحية العدد الأول ما يلى:

” … باسم‏ ‏العدل‏ ‏الحق‏ ‏العليم‏، ‏باسم‏ ‏الإنسان‏ ‏المصري‏ ‏العنيد‏، ‏باسم‏ ‏التطور‏ ‏الحتمي‏ ‏يقف‏ ‏علي‏ ‏قمة‏ ‏هرمه‏ ‏الإنسان‏ ‏الساعي‏ ‏لوجه‏ ‏الله‏، ‏باسم‏ ‏الحقيقة‏ ‏التي‏ ‏تفرض‏ ‏نفسها‏ ‏في‏ ‏دورات‏ ‏حتمية‏ ‏مهما‏ ‏طال‏ ‏الزمن‏ ‏وطغت‏ ‏قيم‏ ‏الزيف‏، ‏واختفي‏ ‏بريق‏ ‏التطور‏ ‏النابض‏ ‏الغائر‏ ‏الأكيد‏،..”

وغدًا نكمل هذا المقتطف وما يليه من مقال فى نفس العدد بعنوان:

الله‏ .. ‏الإنسان‏ .. ‏التطور‏ .. ‏الله: ‏”سلسلة‏ ‏حتمية‏”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *