الرئيسية / مجلة الإنسان والتطور / عدد أكتوبر 1984 / اكتوبر1984- حوار حول الأسطورة

اكتوبر1984- حوار حول الأسطورة

حـوار حول الأسطورة

وفاء خليل

(آه يا سيدى لا تدع نفسك تموت.. لأن أكبر جنون يمكن أن يرتكبه الانسان هو أن يدع نفسه تموت دون أن يقتله أحد ودون أن يجهز عليه شئ غير الحزن)

دون كيشوت

الشجاع د. رفعت محفوظ بعد مقالك (لمحة عن الأسطورة) لك الحق على قرائك أن.. يحاوروك ويصدقوك القول قدر صدقهم ولقرائك الحق فى أن تفتح لهم صدرك وبداية فأنى أقر بفضلكم فى اعادة فتح ملف الاسطورة فى ذلك المقال الذى احتوى على الكثير من الفلسفة والعلم والمثيولوجيا والطب العقلى والتصوف وعلم النفس.

بخصوص العنوان:

العنوان هو (لمحة عن الأسطورة) ولفظ (لمحة) كما أتصور يعفيك كثيرا من مسئولية ما لم يقل على أساس أن المقال لمحة.. ومضة أبصار سريعة.. افتتاح للحوار حول موضوع.

لكنى – مبدئيا – أرى أن ما لا يقبل العذر هو الغموض لقصور اللغة (سواء الاجتماعية أو لغة المتحدث نفسه)  عن الاحاطة بالخبر أو الموضوع، وعند مراجعتنا للمقال أرجح أنك ستوافقنى على أنه حيث لا يحتاج الأمر اصطنعت لغة كثيفة الغمام مفتقدة للتحديد لمادة لها وضوحها النسبى الذى يشمل الكثير من جوانبها. هنا لفظ (لمحة) لا يعفيك بالكامل وطبعا أنت لست متهم، لا بالكامل ولا بالكاد حتى.

– الالف لام اللتان استخدمتهما فى العنوان (لمحة عن الأسطورة) يميلان بى الى أن أتصورك تتجاوز الاختلافات بين أساطير المنشأ والأساطير التاريخية وأساطير الأبطال، وكافة تقسيمات الأساطير وأنك تقصد من الـ (ألف لام) جوهرا أو عنصرا مشتركا لكن التفسيرات العديدة للأسطورة تصبح تفسيرات عديدة لأنواع عديدة من الأساطير وتشابكات الأسطورة مع غيرها من المجالات – من واقع عناوين المقال – تصبح تشابكات أنواع عديدة من الأساطير مع عديد من المجالات (الفلسفة، الجنون، الابداع، التصوف)، وينتهى المقال خاليا من التحديد. فهل ترى هذا طيب خصوصا ونحن فى استهلال الكلام؟ لا أطلب تعريف جامع مانع، فقط أى قدر من التحديد لما هى الأسطورة، هل هى نبات، أم صنف أدبى، أم سحر قديم، أم دين بدائى، أم خرافات الأولين، أم معتقد همجى، أم خيال قديم، أم أقوال مصاحبة لطقوس أم حكمة خالدة؟.

– أنا لا أفتح عليك مشاكل جانبية مثل حدود التماس بين الأسطورة والملحمة، وتلك والخرافات أو الأدب عموما، وهل الأسطورة هى مجموع رواياتها أم بناؤها الأصلى، ومشكلة أن الأسطورة لم تدون ساعة مولدها بما يقطع بتغيرها وعدم وصولنا لأصولها الأولى، فأنا لا أعرف ماذا تقصد ومن ثم فكل الشوارع الجانبية سأتجنبها مركزا على المقال.. اللمحة.

بخصوص الفقرة الأولى:

تقول فيها تعبر الأسطورة عن الوحدة الشاملة بين الانسان والعالم، فالانسان القديم أحس فى أعماقه أن حياته ترتبط بنظام الكون ولا تنفصل عنه وأن جذوره مغروسه فى الطبيعة، وجاءت الأسطورة كتعبير مباشر عن وحدة الوجود وعن حضور الانسان المباشر فى العالم وعن وعيه بهذا الوجود. والفكر الأسطورى – فى نظر بعض المفكرين – هو أساس كل نشاط شامل وموحد للفكر الانسانى، موضوعه دائما الواقع الكلى والمطلق.

سبق أن أشرت الى غموض الأسطورة (طبعا عبارة “الأسطورة تعبر عن وحدة الوجود” لا تفسر الاسطورة فهناك ملايين الاشياء تعكس وحدة الوجود) وهنا ننتقل الى الفكر الاسطورى ويلتف الغمام حول لفظ الفكر الأسطورى. فهل الفكر الأسطورى فى بابل مثل الفكر الأسطورى الرومانى الذى عاصر نشوء المسيحية مثل الفكر الأسطورى للمنشأ لدى الفراعنة مثل الفكر الأسطورى الهندى (هل تأذن لى فأذكرك بأننا مازلنا ننتظر بابا نويل فى كل عام جديد وهو لا يجئ ونحن نعلم انه لن يجئ ننتظره، ونقول صباح الخير ومساء الخير مرتبطين كما تعلم بالشمس شروقا وغروبا، ونثق بقوة الاسم فيسمى واحد نفسه (محفوظ)،  وينقض وضوءنا لمس امرأة متوضئة، وتدعو نساؤنا برفع المنديل عن رأسها والنظر للسماء، ونرسم سهم كيوبيد على الشجر ونرجم الشيطان، ونصفق للزعيم). أليس لى بعض العذر فى أن يغمض  على لفظ الفكر الأسطورى.

تقول (… وجاءت الأسطورة كتعبير مباشر عن وحدة الوجود وعن حضور الانسان المباشر فى العالم وعن وعيه بهذا الوجود)

ويقول مرجعك رقم 1 (ما قبل الفلسفة) (أن ترابط الذات والموضوع هو بالطبع أساس التفكير العلمى كله وهو الأمر الوحيد الذى يجعل المعرفة العلمية ممكنة أما أسلوب الادراك الثانى – يقصد ادراك الانسان القديم – فهو المعرفة المباشرة الغريبة التى نكتسبها عندما نفهم، كأننا يواجهنا – كأن نفهم خوفه أو غضبه. وهذا الضرب من المعرفة، بهذه المناسبة، لنا الشرف أن نشارك فيه الحيوانات والفرق بين علاقة الـ (انا وأنت) وبين العلاقتين الأخريين هو كما يلى: عندما يعين الانسان هوية شئ ما هو فعال. ولكن عندما يفهم الانسان أو الحيوان رفيقا له، فهو جوهريا منفعل مهما نجم عنه من فعل فيما بعد.. لأنه فى أول الامر أنما يتسلم انطباعا: ولذلك فان هذا اللون من المعرفة مباشر عاطفى، لا ينطق عن نفسه بينما المعرفة الذهنية على العكس: تكاد تخلو من العاطفة وتنطق عن نفسها).

وتحفظى تجاه عبارتك أنت فى الفقرة الأولى وهى عبارة (وعن وعيه بهذا الوجود) فان الفقرة التى أوردتها أنا لك من مرجعك تشير الى نوع من المعرفة القديمة مباشر/ يشاركنا فيه الحيوان/ انفعالى/ انطباعى/ بداية/ عاطفى… فهل يصلح لتلك المعرفة أن نقول  عنها (وعيه بهذا الوجود) بما يحمله لفظ الوعى من انفصال للذات عن الموضوع.

وأنت نفسك بدأت الفقرة بـ (فالانسان القديم أحس) ومن هنا فأنت ترى جذور المعرفة حسية. فهل حتى البعد العارف فى ذلك الحس، اسمه وعى أم شئ أخر تتجنبه أنت فلا تسميه.

فى هذه الفقرة (وتتكرر بعد ذلك ص 14) ورد لفظ وحدة الوجود ؟؟ وورد بعد ذلك ما يشير  الى اعتقادك فى الفرض التطورى ص15 (المخ البشرى هو مجموعة أمخاخ أو تركيبات مخية متعاقبة فى تصاعد هيراركى تمثل مراحل تطور الانسان + الانتوجينى يكرر..+ تركيبات عقلية متتابعة فى سلم تطور). وهناك تيارا مؤكدا باعتقادك – بدرجة أقل – بوحدة الوجود.

اذن لدينا وحدة الوجود. والفرض التطورى. والفرض التطورى يتضمن تصورين للتطور ذاته، أحدهما يرى التطور ذاتى، وهو أمر القطع به يقذف بنا فى أرض بعيدة عن العلم (مهما وسعنا مفهوم العلم ليتضمن الفرض غير المثبت والحدس وعدم التحدد، والغموض..) الأمر الذى يؤدى بنا الى نوع ذاتى من التفضيل الفلسفى لاجابة سؤال معرفى، لتلك الاجابة بالقطع جانبها الدفاعى. والتصور الثانى يرى أن التطور غير ذاتى وهو أمر تنفيه كثير من الحقائق العلمية والجيولوجية؟.

أى أن الفرض التطورى محمل بالثقوب والثغرات وأنت تتقدم الى أرض وحدة الوجود. حسنا. أن وحدة الوجود وبعض اساطير وحدة الوجود (بعض الفرعونية والهندية بشكل أكثر) تنطلق من أزلية المادة. والفرض التطورى يعنى وجود كون له تاريخ وأن كل شئ ينشأ ويولد فى الزمان[1].

هل يحق لى أن أتساءل أين أنت بالضبط؟.

ما بعد القراءة الأولى:

لفرويد محاولة سابقة لاستدماج الدين فى علم النفس الفردى، فهل ستسير على نفس الطريق وتدخل أرض التصوف معتبرا اياه مجال معرفى مباح يرتاده رجال علم النفس والطب العقلى على أساس أن النفس هى وعاء ومسرح كل نشاط انسانى، وأنهم (رجال النفس وعلمها) لهم كل أرض المعرفة الانسانية. أم أنك ستدخل هذا المجال على أساس أنك انسان، أم ستعتبر أن بالتصوف عنصرا لا عقلانيا يربطه بالمرض العقلى ومن هذه الفتحة تدخل – كطبيب – للتصوف. ولأنى أتصورك عند حديثك عن علاقة الأسطورة بالتصوف يسرى حديثك على التصوف وعلى الدين بشكل أشمل وأعم فانى أتمنى أن توافقنى على أن الخوف من قطة سوداء يختلف عن الخوف من الله. وأن الاضطراب الدينى يختلف عن الاضطراب النفسى مع تداخلهما وترابطهما. وفى الحالة الأخيرة حيث هناك عنصر لا عقلى فى التصوف يجعله مقاربا لبعض المظاهر اللاعقلية فانى آمل فى أن تكون صبورا على التجربة العقلية بداية/ والكيانية الشاملة نهاية لفرد يكسر آنيته تدريجيا بوعى وعمد وبساطة مسئولة فى محاولة لاشباع الحنين الى استعادة التجربة الأولى، بما فيها بالتحديد من انسجام وسيولة وابتهاج ومسرة بالوجود، وهو أمر أصيل فى الانسان وأرجو أن توافقنى أن النشوة الصوفية ليست مجرد انفعال نفسى يخضع للبحث النفسى الذى يمكنه أن يحيط بتلك النشوة ويفيد بخصوصها.

ان مسئولية فادحة – وأنت الأمين بداية ونهاية – تقع على اكتافكم عند اضاءتكم للعنصر اللاعقلى فى التصوف، فالقارئ يعلم أنكم طبيب اختصاصى فى أمراض النفس ومن هنا يجئ التأمين على ما تقولون مباشرة. وما دمتم فتحتم باب الأسطورة بمفتاح النفس،  تفتحون باب التصوف كذلك بمفتاح الأسطورة، ان لم ينفتح الباب أصلا بمفتاح النفس أيضا أى بنفس المفتاح، وليس لدى على ذلك أى اعتراض ولا شبهة اعتراض. ان محاولات الاستدماج مستمرة فنحن نرى واحدا كنور ثرب فرى ويودكين وآخرين… يبحثون – مثلك حقا وان كان فى مجال الأدب – عن النماذج البدائية النمطية للشعر ضمن محاولة لاقامة تصور عن العقل البشرى من خلال انتاج النماذج الأدبية الشعرية بشكل خاص.

ولكن.. هل حقا أن بنية الأساطير = بنية العقل البشرى = بنية النفس الموضوعية = بنية المخ = علم التاريخ ويا دار مادخلك شر…؟!! يا ليت.

يستدعى لفظ وحدة الوجود فى ذهنى وحدات متصاعدة ومتداخلة ومتناقضة. وحدة الحقيقة والخيال، وحدة الوجود والعدم، وحدة العقل والخرافة، وحدة العلم والسحر، وهكذا… فهل يوجد لدينا ما يجعلنا نقطع بأننا قد خطونا خطوات للأمام وأن نوعنا ان بشرى قد أنجز انجازا تطوريا؟.

وما هو المحك القيمى لذلك…؟ طمعت فى قليل من حيرتك والأقل من يقينك، فأنا لا أتصور فكرة وحدة الوجود (طفاشة) تفتح الوجود.. ناهيك عن عدم معرفة أى وحدة وجود التى تقصدها؟ وحدة الوجود المثالية (الكرما، البوذية…)؟ أم وحدة الوجود الطبيعية؟ وللفرق بينهما امتدادات فى أعمق أعماق الأسطورة ومن ثم مهنتك طبقا لربطك بين الأسطورة والجنون.

حول تفسير الأسطورة:

فى حياد تعرض تفسيرات كثيرة للأسطورة بعد البدء الذى لم يحدد ما هى الأسطورة ولم يحدد أى أساطير تقصد.

تتعاطف صراحة مع يونج (تقول عن رؤيته انها من أعمق التفسيرات النفسية) وبصراحة أقل تتعاطف مع الانثروبولوجيين الذين يرون الأسطورة نتاج (تركيبات) العقل البشرى المتناغمة وبعد أن تأخذ الأسطورة مكانها بين مجموعة معينة نجد أنها تأخذ مكانها (فى تركيبة عقلية محددة) من حددها؟ لا أدرى. وتكمل (وسوف تتجلى الأسطورة أكثر اتساقا من التاريخ) فبماذا؟ لا أدرى.

يقول يونج (طبقا لقانون علم الوراثة فان البنية النفسية شأنها شأن البنية التشريحية يجب أن تشهد مراحل مرت عليها من خلال تسلسل الأسلاف وبالنسبة الى اللاشعورى فان هذا يتحقق فعلا ففى حالات الخوف الشعورى، وأثناء الأحلام وفى الأمراض العقلية تطفو على السطح مضامين لها فى حد ذاتها كل خواص الحياة النفسية البدائية ليس فقط من حيث الشكل وانما أيضا من حيث الروح).

كذا أنت تعرف أنك ويونج على أرض الحلم الواحد بكشف البناء الواحد للوعى الانسانى والأمل فى فهم البنية النفسية بهدى من تكوين البنية التشريحية، فكلاهما ذو بناء أنثروبولوجى مر عليه كل تاريخ النوع. وبعمق أملك فى أن تصلح خلل (النفس الموضوعية) وتكشف (الواقعة الأولى) فأنتما طبيبان عالمان يشحذان أدواتهما أساسا.. وهذا فى حد ذاته طيب ومفيد.

على أن مؤلف مرجعك رقم 5 لا يرى رأى يونج الذى اخترته أنت صاحبا لأعمق التفسيرات النفسية ولا يرى تفسير المدرسة النفسية كله. يقول جارودى (كذلك لا نعتقد مع (يونج) أن المثال أو الصورة الأولية أم الفكرة. فالأسطورة لا هى ارساء فى المقدسات ولا ارساء فى طبيعة أولى. ويضيف (وعلم التحليل النفسى يبلغ أقصى طاقته حين يقودنا الى وعى الذات، بينما الأسطورة هى خلق الذات).

ولو كانت الحالات المرضية التى تمر عليك يوميا تدعم – تجريبيا/ وسأسالك عنها – تعاطفك مع يونج فساستقبل ذلك التعاطف بتقدير أكبر من أن تطلب أنت من يونج أو من عالم مثيولوجيا آخر دعمك (فيما ترى).

كان مولر صاحب تفسير اللغوى للأسطورة يرى فيها (عنصرا وحشيا ولا عقليا ناشئا عن فترة جنون كانت ولابد أن يمر بها العقل البشرى) ويتفق معه فرويد فى أن الأسطورة مرض عقلى… الم يكن تصورهما – وهما يتفقان على العنصر اللاعقلى بالاسطورة – يحتاج لمجرد ابداء الموقف منه.

بين الأسطورة والفلسفة:

تكررت مرتين عبارة “ويكون العلو الدينى حالا فى الواقع المحسوس وليس مفارقا له” ص11، 14 فما هو العلو الدينى هذا؟ هل هو الله نواة الدين أم هو أفق مفتوح؟ علة أولى؟ اسقاط انسانى؟ أهو تشخيص الاله أم تأليه الأشخاص أم عبادة النهر والشمس. ما هو هذا العلو الدينى غير المفارق. ألا يفترض مفهوم كلمة دين المفارقة؟ هذا ومازال لفظ لمحة يقف سدا ضد مساءلتك عن الكثير بخصوص (النقلة) من (الوحدة الشاملة على حد تعبيرك) الى (ثنائية الذات، والموضوع..) ومن بعدها كافة الثنائيات… ففى هذه النقلة… الكثير… الكثير مما هو جدير بالحوار([2]) بين بعض المظاهر النفسية والطب نفسية والأسطورة: بالنسبة لربطك بين الأنسنة عند الطفل وبين التفكير الأسطورى. فماذا قولك عن الميكانيكى الناضج الذى يحادث السيارة التى يصلحها مداعبا لها (امشى بقى يا حلوة.. بلاش دلع يا سنيورة…) أليست الأنسنة اتجاه انسانى عام؟ فقط يزدهر نوعا لدى الطفل. وماذا قولك عن الرواقيين الذين كانوا يتصورون ذهنيا الطبيعة الخارجية على غرار الطبيعة الداخلية الذاتيه (وهم ليسوا اطفالا بالطبع). ولهذا كانوا يسقطون على الطبيعة أحاسيسهم وخيالاتهم فيخاطبونها وكأنها كائن حى. يبدو أن الأنسنة اتجاه أرحب من أن يكون طبقة دنيا (اختصصت أنت بها الطفل غير الناضج بالطبع) من الوعى الانسانى بل أن العلم نفسه يتجه الى أنسنة الأشياء وقد يكون تفكير الطفل احد مجالات علم نفس الطفولة، لكن التفكير الأسطورى كما أتصور أرض لا تتبع (زمام) علم النفس هذا مع اقرارى المطلق بحقك فى الدخول اليها، مع واجبى أن أشير لك بأنك تربط بين ما تحت يدك (تفكير الطفل) وبين ما هو ليس تحت يدك تماما (التفكير الأسطورى).

ويبدو أيها الأخ الشجاع أن هناك أنسنتين. الأولى كانت متضمنة فى الفكر الأسطورى الذى يصف الطبيعة بأحاسيس الانسان وتخيلاته وتصوراته ولذا كان منهجه خياليا كل مهمته أنه يخترع من المادة الانسانية ما يبهر الناس من خوارق ومعجزات تتحاشى منهج الواقع وتفترض فينا التصديق وأنسنة يتضمنها الفكر العلمى حتى بمعناه الضيق الذى يقوم بوصف الظواهر وصفا موضوعيا بحتا، وأن الأنسنة نشأت مع الانسان ولم تمت، فقط تطور مستوى تحققها (أو تدهور – وتلك قضية أخرى).

ويبدو أننى معترض على ربطك بين البدايات الأولى للوجود (بدايات الوجود الانسانى، الانسان البدائى) والبدايات الأولى لتفرد (الطفل) على أساس أنهما وكلاهما (يتطور فيما بعد) الى النضج والرشاد فلست متأكدا من أننا (نتطور) بالفعل الى النضج والرشاد وصوب الآفاق الأعرض.. لست متأكدا، حقيقة هناك وحدة تشمل العلم والأسطورة فكلاهما مؤثر فعال فى الواقع وكلاهما ينطلق من مسلمات – يراها بعض المفكرين!! تفتقر الى سند عقلى قاطع – كما أن كليهما يعبر عن جدل معقد يمتزج فيه الفكر بالواقع عبر فرضيات يثبت كذبها وعمليات يتم تصحيحها([3])، ولكن الواقع يثبت أن الفرد يكرر تاريخ النوع، حتى لو كان يكرر تاريخ الطبيعة نفسها (حتى غير الحية) فالقانون هنا لا يعنى أننا نتقدم، وكم من حضارات ضاعت وذراها الريح.

مازالت (النقلة) سابق الاشارة اليها غامضة، ومن ثم تكون المقارنة بين الوعى، وما قبل الوعى غامضة وقاعدتها غامضة. كيف انتقيت كلمة لمحة!!!.

* سياق استخدامك لكلمة Animism وترجمتها بالأنسنة يجعلنى أتحفظ وأتمسك بلفظ احيائية أو احياوية (أنت نفسك استعملت لفظ حيوية، وتفسيرا حيويا فى ص 14.

 فاذا نسبت للطبيعة تكون حيوية الطبيعة أو حيوية المادة. هذا هو سياق استخدامك الشخصى للكلمة وكذلك تصورى للحقيقة بجانب قصدك الشخصى، فالاحيائية هى التى يمكن أن نصف بها تفكير الطفل وبدايات النوع (أرواح النباتات، عيادة الشجر) وتعنى هنا اسباغ الحياة والشخصية والذاتية على الظواهر وهذه قد تتحقق بغياب نسبى للعنصر الانسانى وتتكون من مبحثين احدهما يتعلق بنفوس الكائنات الحية التى لها القدرة على الاستمرار فى الوجود بعد الموت وفناء الجسد والثانى يتعلق ببقية الأرواح الأخرى على اختلاف مراتبها بما فيها الآلهة القوية. اكرر عليك سياق استخدامك.. (يميل الطفل الى اضفاء المشاعر والدوافع والقدرة الى كل الاشياء – الجماد واللاجماد وهو بذلك يعامل الجماد على أنه كائنات حية). ولا تنس أن كلمة Animistic theology تترجم – بصرف النظر عن اللكنة الخاصة لترجمة (الشوام) – باللاهوت الحيوى وليس باللاهوت الانسانى. والاحيائية مثلها مثل فكرة التطور وفكرة وحدة الوجود، فكرة تستدعى كثيرا مما يقال.. فهى اساسا فلسفة الدين – فى رأى تايلور وآخرين – يبدو أنك تود طمأنينة ذلك الرأى والفهم وأنت على أرض الدين الاجتماعى بأن تكرر حرفيا عبارة غامضة هامسة ويكون العلو الدينى حالا فى الواقع المحسوس وليس مفارقاً له).

إن الإحيائية من معالم الطفولة وهى (فصل العجز والخضوع) وهى هى نفسها التى تتطور فيما بعد وتتحول إلى الاسقاط – تلك الحيلة النفسية البسيطة التى لونت التفكير البدائى – ولا يجوز أن نستنتج من إحيائية الطفولة التى هى مرحلة ، مجرد مرحلة، استنتاجا عاما عن الإنسان إلا مع المرحلة الحالية للنوع الإنسانى ككل. وإلا فكيف يفسر ذلك الزواج الأدبى بين مصطلحات الدين ومعالم فترة الطفولة التى يكون العجز نواتها الأساسية (أبانا الذى فى السموات.. والأم العذراء)[4] ؟.

أن الانفعال أساساً إحيائى تلقائيا فعندما تغمرنا السعادة فإننا نرى كل شىء يحتوى روحا والطبيعة تغنى والخوف يملأ الليل بالتهديد والغموض، ونحن نشتم الحجر الذى نتعثر به (نحن الكبار)، وإحيائية الانفعال هى الخطوة الأولى للسيطرة على المجهول بتشخيصه وتسميته وترويضه تمهيداً لتخطيه ومن ثم فهى. غائرة فى عمق الوجود الإنسانى.

لطفولة الفرد وطفولة النوع سحر وجمال، ومن ثم للإحيائية سحرها وجمالها.. كمرحلة. وهى تستدعى الخيال والخطط وتجربة الصواب والخطأ، وكلها عناصر لا يمكن أن نسميها إلا بعناصر لا عقلية، وبين المفتونين بها (الإحيائية) من يرون حل مشكلة الإنسان بالعودة إلى نظام طبيعته / نظام أصوله / وجذوره / وبداياته / وفطرته. وإذا كان مسارنا بدأ بعنصر لا عقلى فهل سيختفى هذا العنصر اللاعقلى فى التصوف الإيجابى الذى تعتبره نهاية المطاف؟ أم أن الأمر هو بداية ونهاية لا عقليتين يضمان مسارا عقليا؟ لنؤجل الأسئلة للقراءة الثانية للمقال.

الجزء الثانى من نفس الفقرة تربط الطفل الذى لا يقيم حدوداً واضحة بين الخيال والواقع، والحلم والحقيقة وبين التفكير الأسطورى. وماذا قولك عن الفنان الواعى والقاص الذى يهدم الحدود عامداً بين الخيال والواقع وبين الحلم والحقيقة ليخرج عمله الفنى. هل يمكن أن نلصق بعمله صفة الأسطورية، وعمله مزيج من الوعى واللاوعى.

الذى جعلنى أكرر ملاحظتى وهى شبيهة بالملاحظة السابقة هو إصرارك على الربط بين عالم الطفل والأسطورة بما يوحى بأنك تراها الراق الأدنى من الطبقات الأنثروبولوجية المكونة (للمخ الإنسانى) – مجال اهتمامك الحرفى – ويقابلها بالطبع الطفل غير الناضج، لكنك لو وافقتنى أن الأدنى هو الأقدم زمنيا فقط بدون ترجيح لهبوطه ودونيته لاتفقنا على الفور.

فى الجزء الثالث من نفس الفقرة تربط بين نوع الإدارك الموجود لدى الأطفال (الإدارك قبل – لفظى أو الحاسة السادسة) والذى يعتمد على قيام علاقة مباشرة (خذ بالك من كلمة مباشرة هذه) بين الطفل والعالم وبين العلاقة الموجودة فى الحياة الأسطورية.

ما زلنا فيما بعد القراءة الأولى:

هذه المعرفة المباشرة / الواحدية يحوطها قدر من الإعجاب والتقدير تتراوح درجة حرارته من سطر لسطر. فمرة تؤمن إلى التفسير الوجودى الذى يرى الوعى الأسطورى يشمل (الوحدة الأصلية للشعور والعالم) وتؤكد أن هذه الوحدة (سابقة على التأمل وانعكاس الذات على نفسها) ومرة تؤكد أن المظاهر المرضية يمكن رؤيتها على أنها النقيض لما تعتبر عنه الأسطورة من علاقة الإنسان الحميمة بالوجود ومعايشة الحياة والإحساس بنبضها فى داخله).

هناك عنصر ما فى الوجود الأسطورى بما فيه المعرفة الأسطورية يشدك ويبهرك ويصيب قلبك. وتتساءل عن كل هذا الاغتراب الذى تعانى منه الحضارة نتاج العقلية الوضعية.

هنا أضع يدى على قلبى وأرتقب !!.

وأكمل القراءة… وأمنع شكوكى وأقول أن حكاية فقد حدود الذات وتفجر ينبوع الحياة متصلا بنبض الكون من حوله ليس شيئا يختص به[5] وإلا فما قولك عن نرفانا فرويد وخبرات اليوجى.. وفناء المتصوف.. وخبرات القمة..

وتجئ عبارة (التركية المخية الأسطورية) مثيرة لحيرتى. هل هذه التركية نتيجة لدراسة الأساطير.. أم أنها نتيجة لدراسة المجانين ولم لم تقدم خبرة ذهانية من تخصصك لتفسر بها ما تود تفسيره من عالم المثيولوجيا لنزداد معرفة (مثيولوجية) بمسألة وجود الذهان داخل التركيب البشرى؟ ومع ذلك فنكمل القراءة.

تربط فى القراءة الثانية من هذا العنوان بين الطفل الذى لا يميز بين الرمز والرموز إليه والأسطورة.

وعدم تحديد العلاقة بين الرمز والمرموز فى عالم الأطفال يمكن أن يكون مبحثا لعلم النفس التحليلى أو علم نفس الطفل لكنه لا ينسحب إلى عالم الفن ولا إلىعالم الدين مع تداخلهما، فالفن مجاله الإنسان بما هو إنسان خالق لنفسه، والدين مجاله الإنسان فى علاقاته المطلقة بالكون من حوله، والأسطورة فى جانب منها فن وجانب منها دين، وجانب منها جنون، وجانب منها مفهوم عقلى للعالم وهكذا. فأنت تربط بين ماذا وماذا؟ أن قوانين قطاع لا تصلح بالضرورة لتطبيقها على قطاع آخر، التقمص فى الحياة قد يكون عصابا ولكنه فى الفن منطقى وطبيعى. والفن نفسه لا يخلو من لمسة جنون لكنه ليس هو الجنون ذاته.. وهكذا.

ولأن الحديث ليس عن الجنون مباشرة ولكن عن الأساطير فكل ما أود قوله أنه لا يجوز لصق “لفظ أسطورية” لأى عرض نفسى أو عقلى للربط بينه وبين الأساطير، مثل “عبارتك الضلالات الأسطورية”، ألا تحس شبها بين تلك العبارة وعبارة (لديه هوس بالشطرنج) (ويحبها بجنون) وإذا كان المحك فى تقدير أسطورية هذا الضلال هو بعده عن الواقع فكل اختراع علمى يبعد خطوة عن الواقع وعن منطق الواقع، ولم يقل أحد مثلا عن نظرية النسبية أنها نظرية أسطورية (إلا بمعنى بلاغى).

النواة الأساسية فى تشكيل ذلك الجزء من المقال تحت هذا العنوان هو ربطك بين أنواع مختلفة للجنون وبين الأسطورة وأرجح أن خبرة الجنون تحدد موقف الطبيب والمجتمع والعصر بشكل ما.. من الوجود ولقد تأملت موقفك من الجنون أكثر من مرة وسأطرح أمامك فرضا صاحبته عالمة أدب بحثت مصطلح (الجنون) فى اللغة نفسها وفى الفن بشكل عام، أى أنها بدأت بمحاولة تأسيس مفهوم للجنون بشكل عام أولاً. هذا البحث الذى بدأ بالمصطلح وانتهى إلى تأسيس نسبى لفهم ما كفرض ما خاص بالجنون. حقيقة أنها لم تبحث كأستاذة أدب فى العلاج والكهرباء.. ولكنها بحثت فى مفهوم  اللفظ تمهيداً للفهم، ونتائجها (دلالات الجنون الروائى) تصلح كفروض عاملة تحت تصرفك. يتأسس فهم الجنون لدى سوشسانا فيلمان على المستقبل وليس على الماضى ومن ثم فهى تنير الجانب الواعى من الجنون أكثر مما تنير الجانب اللاواعى بكل ما قد يتضمنه من حتمية بيولوجية سواء مقنعة أوسافرة[6] فهى ترى المجنون شخص يعى جنونه كموقف تجاه الحضارة وتجاه طبقات العالم التى تحجب ذاته وتسجنها. وهو يرى أن الإنسان بعد كلى أبعد من القياس والفهم (عنصر لا عقلانى) وهنا يتشابه المجنون مع الفيلسوف. ويرى المجنون ضرورة الزمان – لا تتابع لحظات الساعة – أى أنى يدركها بعد معاينتها إدراكاً عميقاً وراقيا، ومن ثم فهو يرى المفارقة – التى يراها البعض جنوناً فى جنون ويرى انبثاق الإنسان من وراء اللحظة، وكل ذلك قد يراه الفيلسوف، أما ما يختص به المجنون فهو أنه أحيانا يفارق اللحظة نفسها. أى يسبق مجرى تتابع اللحظات فيخلق لحظته النفسية خارجاً عن سجن الزمان / هنا هى تنير هزيمته الاجتماعية. والفيلسوف والمجنون كل منهما يمارس التضحية فى سبيل المعرفة (المعرفة المعرفة) وليس العلام ولا يضحيان بمعرفتهما لكن المجنون قد يضحى بالعينى والاجتماعى النسبى ويرى أن وجوده يقع على حواف اللاوجود / العدم ومن ثم فهو – كما سبق الإشارة يعاين أن بالوجود نسبية وضرورة ساحقتين فى كل عناصره ومن ثم مفاهيمه، ومنها عقله وجنونه ويؤدى ذلك إلى تمزقه الشخصى بين مفاهيم ورموز لا تفنى ولا تدوم، فقط تبدل الإردية والمستويات فيلتبس عليه الأمر بداية أو بعد فترة انهاكا ولهاثا.

كثيرون يرون ذلك منطبقا على مجانين الأدب لا مجانين العيادة أو المستشفى وأنا استبعد أن تسد السدود وتعزل المناطق المعرفية لتستقل بالعيادة، والمفهوم العيادى، فأنت الرجل الأمين المجتهد عاشق وحدة الوجود الشاملة التى تحتضن الكل. ومع ذلك فدعنى أسألك هل مجموع جنون العالم يصلح كإطار معرفى لفهم العالم، ومن ثم تفسير مفرداته ومن بينها الأسطورة؟

بين الأسطورة والتصوف:

الذى يخصنى فى (آلهك الشخصى) هو أن الفرض التطورى يعتبر تصاعد مستويات الكدح إليه لملاقاته موازيا لتصاعد مستويات الصحة  النفسية والتوازن والهارمونى.. مع الوجود، ومن ثم فهو محك قيمى مضمر للصحة والسواء، ولن استنتج آلهك من نص مقالك لكننى كقارئ وكإنسان من حقه أن يعرفك بآلهة الشخصى.

آلهك / كدحك / مقالك ، وآلهى / كدحى / مقالى.. وأكمل “جزئيا”.

برغم من عدم تحديدك لأى تصوف تقصد الربط بينه وبين الأسطورة (تصوف أبى العزم، أم أبى يزيد، أم ابن عربى.. ) إلا أنك وحين قدمت الأسطورة على أساس أنها تعبر عن وحدة الوجود، قدمت تصوفا موازيا، وهو تصوف وحدة الوجود على أنك لا تكمل الشوط لنهايته فتقول (فى حين أن الإلحاد كما يراه بعض المفكرين هو النظرة إلى الأشياء على أنها مستقلة عن أصولها وغايتها ومعانيها) ومعنى ذلك أن النظر إلى الأشياء على أساس أنها ليست مستقلة عن أصولها وغاياتها ومعانيها يعنى الإيمان.. (عكس الإلحاد). ومن الناحية الشكلية فلا أوافقك على ذلك، فمزيد من الترابطات بين الأشياء وغاياتها ومعانيها لا يعنىمزيدا من الإيمان فنحن نتحدث عن التصوف (الذى هو درب خاص جداً جداً من الدين) ولا نتكلم عن الدين أو الإيمان.

تقريرك أن التصوف الإيجابى هو نهاية المطاف يعنى أنه أرقى إيمان، يعنى أنه أرقى وعى ومعرفة بالترابطات بين الأشياء ومعانيها وغاياتها.. فهل الإيمان وعى، وهل التصوف وعى ونظر، فليس الإيمان هو اختيار موضوع بالمعرفة، فمادام الله فوق كل ماهية، وفوق كل وجود، وأنه خلق دائم الاتصال والاستمرار فملاقاته تعنى التسليم أولا ثم أعمال العقل، ففى الإيمان أنت لا تلتقى بالعدم.. أو الصيرورة التى فوق كل عقل يشكل جزء منها وأن طمع فى التحكم بها. ولا التصوف وعى بالمعنى المتداول بل تعرف – خاص جدا.. والله أعلم.

حين نبدأ المسار بالتسليم فهذا يعنى التسليم بعجز العقل المؤقت عن الإحاطة العقلانية بالعالم فهل لديك حل لمنع تسلل أصدقائك وأحبابك !!! من تلك الفتحة (العجز العقلانى اللحظى والوقفة الداهشة الذاهلة أمام قوانين الطبيعة المعروفة وغير المعروفة) وحتى لا يختلط الحابل بالنابل ويختلط (ما بعد الطبيعة) بـ ما فوق الطبيعة)، (الجنون) بـ (بجنون الطريق).

الاسطورة نظام معرفى يتضمن قدرا من تفسير المرئى باللا مرئى، ولم يكن هذا ضلالا يصرف البدائى عن الواقع بل كان ذلك شرطا لازما لكل جهد عقلى، والتصوف “تعرف”… فهل بين الدربين المعرفيين صلة محددة، وبالأسطورة والتصوف عنصر لا عقلى… فما هى الصلة بين هذين العنصرين اللاعقليين.

هل التصوف يمكن أن يفلت من قبضة الحقيقة البسيطة ألا وهى أن الانسان قد أصبح لا يواجه فقط مشكلة علاقته بالطبيعة بل وعلاقته بالمجتمع الذى هو طبيعة جديدة… واذا واجه تلك المشكلة وغض النظر عن مسألة الاخوة فى الله… التى تصرف النظر عن الواقع، وابتعد عن السلبية، الشكل العصرى للنكوص والفردية الضيقة، ألا يتحول التصوف الى شئ جديد لا نعرف له اسما فهو أشمل من دين ثورى، واشمل من طريق معرفى خاص…

من الله عند متصوفة وحدة الوجود؟ والله عند الذهانيين؟ اهو واحد حلولى؟ هل تربطهما علاقة؟؟!!! وما هى علاقة هذه العلاقة بالأسطورة.

تقرر ان التصوف الايجابى هو نهاية المطاف، واتصور أن التشريع للمطاف، ناهيك عن تحديده سواء بالنسبة لأى من الطبيب أو دارس الفلسفة أمر طموح، وناهيك أيضا عن أخطار الانتقال من المستوى النفسى للفرد أو البيولوجى الى المستوى الانطولوجى للوجود (نهاية المطاف) أمر محفوف بالمخاطر.

أهمية دراسة الأسطورة:

قد تكون هناك دراسات تؤكد وجود (بناء) للأساطير لكن ما اتمناه أنا هو أن تعطينى عنوان دراسة ميثولوجية تدعم الفرض القائل بأن هناك تركيبات عقلية مخية متتابعة فى سلم تطور العقل (المخ) البشرى – دعك حاليا من يونج فهو عالم نفس وأنا أريد اسم دراسة أجراها عالم مثيولوجى عمل على الأساطير بالفعل وستفيدنى هذه الدراسة بالقطع كذا أحيطك بأن لفظ تاريخ النوع – فى تصورى – تحوطه معمعة معرفية فمن الذى (يعرف) عن النوع.. وبداياته.. ومن ثم ينسحب تقديرى لطموح تحديد نهاية المطاف على المعرفة المتعلقة ببدايات النوع أهو انسان الكرومانيون؟.. النياندرثال؟.. هل تدلنا عليه الحفائر الاركيولوجية.. آثار الشمبانزى… الآثار الجيولوجية.. بدأ من أى عصر جليدى.. المتحد بالطبيعة أم ما بعد الانفصال، وهل النوع يكرر تاريخه البيولوجى أم يكرر مراحل التطور الاجتماعى لمعرفته أم ماذا.. وهل هذا أمر ينطبق على الانسان فقط أم كل الكائنات وهل القانون ما زال صحيحا بعد دخول الوعى الانسانى والحرية والاختيار الى ساحة الوجود ومع ذلك فدعنى – قبل نهاية مصاحبتى فى مقالك الشجاع الشخصى – أطرح تصورى الشخصى البسيط عن أهمية الأسطورة أتصور أن الأسطورة تهدم الزمان العادى لتخلق زمان الخلق خلقا مستمرا (أليس الهدم نفى نسبى للعالم كما هو / فهل يفعل الجنون الأمر نفسه مع العالم، مرة أخرى سنؤجل الحديث عن خبرة الجنون) خلق يقع فى الزمان العادى كما أنه يقع فى زمان الخلق أيضا أنها تقدم زمنا جيولوجيا فهى تجمع الزمانين فى مركب وتفتح آفاق الأبدية (أليست الأبدية فى تناقضها مع الزمان قادرة على الاطاحة بمعارف العاقل) ولأنها تصل بين الزمانين فهى تصل بين الذات والطبيعة صلات متنامية الأعماق شبيهة بخمر ادونيس (تصل الظاهر بالباطن فنستشرف حقيقة أن العيانى وجه لما لا يتعين، وأن النسبى وجه للمطلق، وأن ما نراه ونحسه ليس الا مدخلا لما لا نراه ولا نحسه أنها الفيض المنتشى يملأ الحياة كثافة وتوترا وحسية ووعيا)، وبالنسبة للانسان فقد عكست الأسطورة على مداها التاريخى دوارا ميتافيزيقيا وصرامة اجتماعية، ورحابة وجودية، وشفافية شاعرية.. وهكذا.

قراءة ثانية:

كنت قد عثرت صدفة على كتاب (الانثروبولوجيا البنيوية) لشتراوس وفى فصل (النجوع الرمزى) يقارن بين العلاج النفسى الحديث[7] والعلاج الشامانى اليك رؤيته بداية: (الشامان) هو كاهن / ساحر / طبيب / عراف موجود فى المجتمعات البدائية كأمريكا الشمالية مثلا، وأفريقيا خصوصا، السمة الأساسية للشامانية هى طبيعة النكوص، أى تفضيل واضح لطرق التفكير البدائى وعملية الادراك الأولية هى أسلوب الحلم والهلوسة[8] وتهدف الشامانية الى تناسق وتناغم وانسجام الذات مع الكون الذى يتسم بالحيوية والوحدة الشاملة والى اعادة هذا الانسجام فى حالة فقده بكل الوسائل الممكنة (الديانات فى أفريقيا السوداء – الألف كتاب – هوبيردشان عدد 564). هذه كلمة عن الشامانية، وأتصور أنك توافقنى أن جذور رؤية العلاج النفسى الحديث (وأقصد بالتحديد الجمعى)، المنطلق من علم النفس الانسانى، والمستعين بالمنهج الفنومينولوجى ترقد فى أغوار أقدم (ففكرة الكلية المنشودة فى هذا العلاج كانت موجودة فى بيئة الجماعة القديمة ونظرتها للعالم وعلاقتها به وفى حسها بوحدة الكون، وربة العدالة والتوازن ليست بعيدة عن تلك الفكرة، وفكرة تعدد الذوات ليست بعيدة عن تلك الفكرة، وفكرة تعدد الذوات ليست بعيدة عن فلسفة العناصر الأربعة المكونة للانسان، وفكرة أن الانسان هو الكون الأوسط لا تختلف كثيرا عن فكرة العالم الصغير والعالم الكبير الهرمسية.. وهكذا).

نحن لدينا حاليا فكرة مبدئية عن الشامان، وعن خلفية متواضعة للعلاج النفسى الحديث.

يقول اشتراوس (ان الشامان يدخل الآلام التى تعرض للمريض بالتماس الأسطورة – لاحظ كلمة بالتماس الاسطورة كمدخل للعلاج – فى نسق ومجموعة يستقيم معها كل شئ).

ألا ترى تشابها بين ذلك وبين جعل آلام المريض النفسى فى وعاء أكبر من الآلام الوجودية النموية؟

ويكمل اشتراوس (ويقوم العلاج الشامانى بعمل هجومين لاغاثة المريض: الأول مؤيد بميثولوجيا نفسية فيزيولوجية والآخر بمثيولوجيا نفسية – اجتماعية ص 234).

الا ترى تشابها بني الهجومين وبين الاخذ فى الاعتبار لكل من الجانبين الفيزيولوجى والاجتماعى فى وجود المريض الحديث، مع انطلاق العلاج من خلفية اسطورية (فكرة النقطة اللامتميزة).

ويشير اشتراوس الى عمليات الفعالية الرمزية تلك التى تضمن انسجام التوازن بين الاسطورة والعمليات (العمليات النفسية العلاجية) ويرى أن الأسطورة والعمليات يشكلان مزدوجة يعثر فيها دائما على ثنائية المريض والطبيب ففى علاج الفصام (الحديث) يقوم الطبيب بالعمليات ويؤلف المريض اسطورته، وفى العلاج الشامانى يقدم الشامان الأسطورة وينجز المريض العمليات ص 238.

الا تلاحظ هنا التشابه بين كل من العلاجين فى ثنائية (المريض الطبيب) من جهة (الأسطورة، العمليات) من جهة أخرى.

ويشير اشتراوس الى تفنينات العلاج الشامانى فيقول (يدفع الشامان المريض لأن يعيش اسطورة ما على نحو مكثف، أن هذا الأسلوب التحريضى يشبه حدس رامبو الذى كان يقول بأمكان صلاحه أيضا لتغير العالم ص 239).

ألا يشبه هذا الأمر الحدس الاكلينيكى للطبيب النفسى الحديث الذى ينطلق منه مشجعا المريض لأن يعيش (ذهانه) فى وجود الآخرين.

كما يرى اشتراوس – وهذا هو المهم – أخيرا بعد كل هذه المشابهات أن (العلاج الحديث والعلاج الشامانى بحث عن الزمن المفقود / الزمن الأسطورى وهى تقنية كليهما – فكلاهما ينطلق من واقعة عدم وجود مكان فى الحضارة الآلية بالنسبة للزمن الاسطورى أكبر مما فى الانسان نفسه ص 242).

بحث عن الزمن المفقود !!!!

قراءة ثالثة:

أفكر فى غرض المقال أهو تقديم دعم ميثولوجى للفرض التطورى، أو دعم سيكلوجى للميثيولوجيا[9]، أو اختبار قوة الفرض التطورى بمراجعة بعض المعلومات الميثولوجية عليه وقد يكون كل ذلك، لكن كل ذلك لا يخفى شيئين:

أن المقال جهد ذاتى طموح لبلورة ذاتية من الكاتب لنفسه لعلاقة الميثولوجيا بمجموعة عريضة من المعارف الانسانية.

أن هناك ميلا / وهوى / وتقديرا عميقا / واعجابا بالمستوى الاسطورى للوجود حيث “وحدة الوجود الشاملة” وحيث “الحضور المباشر” وهذا المستوى لو نشط فجأة (تفجر بداخل صاحبه الينبوع الأصلى للحياة متصلا بنبض الكون من حوله…) وهذا المستوى  المعبر عن (انغماس الانسان فى قلب الوجود)، وهذا المستوى يعبر عن (علاقة الانسان الحميمة بالوجود ومعايشة الحياة والاحساس بنبضها فى داخله) على أن هناك ملاحظتين عن اسلوب المعالجة واللغة وهما مترابطتان بداهة، هاتين الملاحظتين يطمعان باصرار فى التقيد بالنص بداية ونهاية.

أسلوب المعالجة:

جهد أمين فى تركيب وتنظيم مجموعة المعارف والمعلومات والتنسيق بين تلك التى تقع داخل الخطوط الوهمية للفرض التطورى وتلك التى تقع خارجه، وتلك البين بين، وطوال المعالجة يبدو ظاهر الغرض بأنه (حرفى) مرة و (معرفى عام) مرة أخرى، مع احساس بأن فكرة (المعمار الهندسى) قد طبعت المقال (المقدمة – الترتيب – العناوين – الفقرات – المساحة…)

تكررت بالمقال عبارة “فى نظر بعض المفكرين” مرتين، ومرة وردت عبارة “فى نظر البعض” فواجهنى حياد هادئ لعرضك لجوانب الموضوع، كما أن ترجيحك لعمق يونج كواحد من مفسرى الاسطورة النفسيين أقتصر على وجهة نظرك بخصوص تفسير عالم واحد ضمن مدرسة واحدة ولم التق بوجهة نظرك فى التفسيرات المقدمة نقديا.. وقد لا يكون هذا مطلوبا فى المقال “اللمحة”، لكننى لم “أرك” فى هذه الفقرة، لم أرك مصطدما بشئ، لم أر شرر الصدام، ومن ثم لم يظهر الهوى.

تقول: “الاسطورة الفجة هى جنة ما قبل الوعى”.. ولم أفهم كلمة الفجة هذه.. أذا كان المستوى الاسطورى للوجود يحققه للانسان العلاقة الحميمة بالوجود…. والاتصال بنبض الكون.. العلاقات الكونية..) فهل كلمة فجة ستار على الهوى.

اتجاهك لاختيار لفظ الانسنة بدلا من الاحيائية أو الاحياوية يجعلنى اميل تجاه مقاربتك بين “الانسانى” “والاسطورى”… والمقاربة فى حد ذاتها أشارة الى الهوى والميل.

اللغة:

لغة مهندس، لغة علم، لغة قريبة مما تعرفه ولا تبهظها أثقال الخبرة ولا تلهث منبكة وراء الكلمات، لغة لا تصطدم بالتهجين والتدجين اليومى ولا مضطرة لمغامرة لغوية هائلة لاطلاق الكلمة الداخلية لغة يبهت فيها الحوار نوعا ما وتحمل (لمحة) من المعلومات.

جملة اعتراضية:

أرى بجانبك زهورا جميلة تورق، وورودا ذات شوك وشذى تونع

أين أنا ؟:

ما الذى يقبل وما الذى لا يقبل (بحق وصدق) من المستوى الأسطور للوجود، وما الفرق بين العودة إلى المستوى الأسطورى للوجود و (مثلجة) الواقع نفسه، وهو فرق يرتبط بالسؤال الأول، وما هى التفرقة الدقيقة بين واقع اصبح الاكتئاب والفصام سمة للحياة به، وبين الميثومانيا…. !!، أهو الجمل أم الطائرة وكلاهما فى اعماق أعماقى..

أتساءل.. كيف أملى فيك.

ومضة: أرجح أن حزنك الحقيقى على هذا الكون المتجه الى الانقسام ومزيد من الانقسام والتمايز ومزيد من التمايز يرتدى ثوب تساؤل “علمى” عن سر تجاهل الأسطورة فى هذه الحضارة الوضعية.. (لاحظ أن الانقسام ومزيد منه هو اتجاه فى عكس اتجاه الوحدة – وحدة الوجود) ويختلط بالحزن النبيل رائحة حرص محايد وغريب.

عودة: كيف أملى فيك

جراح بارد المبضع صلب فى مواجهة غزل الذهانى لك – من داخل وخارج – ونداءاته والعابه زمفرقعاته[10] شاعر، فهو الذى يقدر على القدرة (القدرة تخلق من يستعيد نفسه الضائعة ليخلق نفسه الملتقاة.. وهكذا.

مؤسسا (للوجود) بالحوار واللغة – هيلدرلن – وهو الشئ الوحيد الذى يتحمل (الموجود) (الذهانى).

مجروحا:

فقد كان شيرون النموذج الكلاسيكى للطبيب الذى يحمل هو نفسه جراحه فى الأسطورة اليونانية – وقد تطور عند المسيح الذى هو أكبر الأطباء الى جرح موجود بخاصرته.

أو ليس الوجود كله أساسا حرحا كبيرا.

خوف:

هل يتحول الفرض التطورى لسجن أيديولوجى أو رطانة، ما زال الأب ؟ (أب).. فهل تتجمل اخلاطه الدموية؟!!

اليقين الملتبس:

ان الانقسام كان هو السبب الحقيقى والاساسى الذى يجعلك ترى الأفق الذى سبقه عالما “أوليا” لا انقسام فيه، واذا كان الوجود كله يؤرقه الحنين الى اللغة البدائية لغة العلم والشعر، لغة الفردوس فهواك (خاص وعام جدا).. مبروك.. كل واحد مشغول بهواه.

اليقين / اليقين:

(أفحصه جيدا.. فقد تسميه ضلالا): ان الزمان الأسطورى القديم لن يعود والمكان القديم لن يعود.. ولا يبقى الا ما تخلقه أنت مما تحبه أنت مما كان فى الزمان الغابر مما كان فى المكان القديم تحيى هواك بداخلك واعيا لماهيته ومسئوليته عنه وبه تمثلج الواقع نفسه.. بالوعى / بالوعى /بالوعى الذى أصبح انعكاسا لواقع مكون من واقع طبيعى وآخر اجتماعى. ولا تجن.

ملاحظات نهائية:

تحت كل كلام مكتوب يوجد كلمة مقدسة لها جذورها الاتيمولوجية، كلمة داخلية (بنوماتولوجية) لم تقل وعند قراءتنا لمقالك فنحن فى مواجهة نص مكتوب تنمو كلمته المقدسة (الباطنة) وتتغذى على انتهاك وعلى انقاض الكلمة المكتوبة وتفعل نفس الشئ مع كل ايديولوجية أو معجم أو مجتمع.. فما هى الكلمة التى لم تقلها..؟ ولم ؟ ان قدرا من عدم الرضى عن العالم كما هو يقبع وراء كل فعل انسانى ومن ثم فهو وراء كل كتابة وأتصور أنك على علاقة بالكون وبالكتابة وبالكلمة، هذه العلاقة تتضح فى مثالك وتحضر لكنها تغيب أيضا، الكتابة يا د. رفعت خلاف مع العالم يحله الكاتب بالكتابة ومن ثم فالنص[11] متسند يثبت من الناحية الاكلينيكية هذا الخلاف كما يشير الى طبيعة المعركة كما يشير بنفس الدرجة الى واقعة الغياب والى مسرح الدراما الوجودية والكيانية للكاتب، وفى معرض حديثها عن الجنون الروائى تشير سوشانا فيلمان الى جنون الكاتب جنونا مزدوجا[12]، فمن يختلف مع العالم مجنون ومن يصارعه مجنون ومن يصارع الكتابة مجنون والكتابة والقراءة عمل عاقل ولحظة جنون فى آن واحد. ومفارقة الطبيعة بالوعى جنون أ, تجاوز طبيعتنا نفسها جنون ومن ثم فمفهومها كما ترى عن الجنون يشير الى جنون (غائر) فى العقل الغائر فى الوجود والذى يبدو أنه يمت بصلة قربى حميمة لمفهوم المفارقة الانسانية (يهيئ لى أن لحظة المفارقة تكون قد تجاوزت فيها عقل اللحظة السابقة… وهكذا).

أنها ترى القارئ الذى يتخيل ويندمج فيما هو مكتوب مجنون.. وأن للجنون جمال (جمال الوهم / والغموض / خروج المعنى من اللامعنى..) كما للعقل جمال وجلال ومن ثم فللوحدة العقل والجنون) جمال وكمال وجلال.

فما الذى يشير اليه النص؟

يبدو أن الهوى والميل الجارف للمستوى الأسطورى هو مانح الطاقة الحيوية الكامنة للبحث وبناء المعمار الذى يبدو ظاهر غرضه أنه حرفى مهنى أو معرفى عام أو علمى.. (ترى هل صدقتك فى أنك تبحث – فقد – عن الاحساس فى جذوره الأولى، أى الاحساس بالاحساس كمعبر لمعرفة بناء العقل.. طبعا لا) وهذا أمر ارجحه لكن عاشق المستوى الأسطورى للوجود لابد وأن يكون المستوى الأسطورى بداخله حى نشط، قوى، متنكر أصيل، محظوظ تماما، ذكى حريص، محمى حماية لا يعقلها عاقل قلقه الحقيقى يتنكر فى عباءة مطمئنة، على الأقل لأن عناصر كينونته العلمية ليست قريبة تماما من تحت يده، “والمعرفة” تمنع أخطار المستوى الأسطورى فهى تحدده وتسميه ومن ثم تبدأ السيطرة عليه، وتحتضن اللغة السلسة المرسلة السهلة الدهشة والانبهار والخوف وتغطيهم فى دربة وخبرة ومقدرة.

عن الغموض:

ستار على الهوى، غمامة على الغمام، وعلى التنكر.

تساؤل:

ما هى العلاقة بين النفى الذى يقوم به الجنون للعالم كما هو وبين النفى الذى تقوم به الأسطورة للعالم كما هو واذا كان الجنون ينفى نفسه باتهامها فكيف تنفى الأسطورة نفسها.

محاولة اتفاق:

يقول مرجعك رقم 5 (جارودى): الأسطورة هى نموذج عمل يتقابل مع نظرة شاملة للعالم ودلالته أنها لحظة ولادة وأن فى الأسطورة لا يكتفى الانسان باكتشاف نفسه كجزئ فى الكون، حبيس فى نسيج قوانينه بل يدرك قدرته على مفارقته وعلى القيام بدوره المبدع.. وان سر سحر الاسطورة يكمن فى ما بها من قوة الاستنهاض للانسان للتجاوز والمفارقة).

واتصور أنه يكفى أن نتفق مؤقتا أن الأسطورة معاينة حية لما بالعالم من سيولة وبكارة وما هو عليه من جمال وتفتح مستمرين يفتحان الأفق أمام الانسان ليعيش فيه طفلا ناضجا وفاعلا خلاقا.

وبرغم الظلام الشامانية التى يلقيها اشتراوس على العلاج الحديث، ففيه جانب اتصوره معك وأنك ستحبه لأنه يعدك بمعرفة النفس من خلال انتاجها هل تشم رائحة مثالية هنا؟ أنا لا أشم.

حين سئل اشتراوس عن دور الفنان اجاب بقوله: “هو الانتقال من الطبيعة للثقافة فالموضوع الذى يعالجه الفنان هو جزء من الطبيعة.. هى نفسها خصائص النفس البشرية “مبسوط”؟ ويردف: أى أن العمل الفنى يكون ناجحا عندما يعبر عن البناءات لما يتم فى لحظة الالتقاء، أى التقاء النفس بخصائصها الموجودة فى الأسطورة أو العمل الفنى “مبسوط”؟ ويردف: المستمع للأسطورة أو الموسيقى هو الذى يحدد محتوى الرسالة لأن الجانب اللاشعورى لمح الانسان هو الذى يعول عليه فى الاستجابة لهذه التركيبات الثقافية..” نعرف الاستجابات = تعرف الجانب اللاشعورى فى المخ الانسانى، ومنه للجانب الشعورى ومنه الى النفس الموضوعية ومنها الى..؟ مبسوط؟.

يقول اشتراوس: “ان اللغة والثقافة هما مظهران متوازيان لنشاط أكثر تأصلان أعنى ذلك الضيف الحاضر بيننا دون ما دعوة وجهت اليه للاشتراك فى مناقشاتنا النفس الانسانية “من حقك تكون مبسوط”.

لكن اشتراوس يا صاحبى يقول: “ان الاساطير لا تحدثنا عن نظام العالم أو طبيعة الواقع أو أصل الانسان أو مصيره كما أنه لا ينبغى أن نتوقع منها أى مبادرة ميتافيزيقية لارضائنا أو أى مبادرة لنجدة الايديولوجيات التى تحتضر”.

تبقى لك الفينومنولوجيا اليس كذلك؟ يقول اشتراوس: “ان الفينومنولوجيا طالما كانت تثيرنى لأنها تفترض اتصالا بين الواقع والمعاش.

ونحن لانمانع فى أن يكون الواقع مشتملا ومفسرا للمعاش وقد تعلمت من اثيراتى الثلاث (يقصد الماركسية والتحليل النفسى والجيولوجيا) ان الانتقال بين النمطين يتصف بعدم الاتصال وانه لكى نصل الى الواقع ينبغى أولا أن نستبعد المعاش على أن نعيده بعد ذلك فى تركيب يخلو من الاحساسات”.

عدم الاتصال عدم الاتصال!! اذن ماذا بعد بعد أن نعيد النظر للمرة المليون فى فكرة أن لاصفات العامة للمخ الانسانى هى الصفات العالمية للثقافة الانسانية وأن نبحث للمرة المليون عن أين سنضع العلوم الانسانية وسط منظومة معارفنا وهى تتكون من علوم استنباطية وأخرى أمبيريقية وأخرى فلسفية والثلاث ليس للانسان فيهامكان وأننا فقراء المنهج فقرا مدقعا.

هل تسمعنى؟ وهل تجاوزت قواعد اللعبة الاجتماعية؟ هل نسيت أيا من قوانين المؤسسة؟ هل ترى الوثاق الحريرى؟.

[1] – نظرات حول الانسان. جارودى. هيئه الكتاب

[2] –  أسفى الشديد على (مرور) مقال الأخ محمد يحيى – حول طبيعة المعرفة. عدد 1 سنة 82 بلا حوار فهذا المقال، فى الموضوع، وهو أكثر من أمين وكذا مقاله عن التطور والغائية عدد 14 سنة 1983 ومقال الأشياء والهناك. انه مميز وعميق ولعله يسمعنى ويقبل الأسف، حقيقة هو واعد.

[3] –  هنرى دالون

[4] –  أعلم أنك لست (لـ فرويديا) وأنك لست (فرويديا) وأنك د. رفعت فقط ومع ذلك فالسؤال ما زال مطروحا

[5] – استعملت لفظ فقد حدود الذات، وليس تكشف أو شفافية أو تعرى حدود الذات (الاكتئاب)، ولم تقل اختفاءأو زوال حدود الذات+ حكاية الاتصال بنبض الكون ترجح أن الهوسى وليس الفصامى / حيث الاتصال بنض الكون يرجح أنه معادل للتوحد الهوسى مع الكون الأوسع بابتلاعه داخل الذات ومحو الآخر بانكاره – والله أعلم.

[6] –  مادام المسار يتحدد بتفاعل البيئة مع كل من قوتين التدهور التطور البيولوجيتين أى التناسق واللاتناسق داخل المادة

[7] – مفهومه عن العلاج الحديث بالرحابة بحيث يشمل علم النفس الانسانى، الفونومولوجيا، الفرض التطورى، العلاج الجمعى وكافة مفردات هذه الرؤية السيكوباثولوجية للوجود، أى أنه ليس فرويديا منغلقا، ولا سلوكيا كسولا.. وهكذا.

[8] – رولاند فيشر (طبيب نفسى) ديوجين – 50 – ص 8

[9] – ردا لعى دين قديم على رجال النفس حين استعارة فرويد من علماء الاساطير كثيرا من مفردانهم ليقول ما يود قوله (دى ساد.. أوديب.ز الكترا..).

[10] – – قد يغريك الذهانى برؤيته، وبالبعد المقصود فى نفيه المادى الجدلى للعالم وبالتأكيد على لازمانية اللاشعور.. فرويد (أستنادا على بعض معطيات التحليل النفسى التى نملكها اليوم، يجوز لنا أن نرفع صوت الشك فى افتراض كانط الذى يرى أن الزمان والمكان هما الصورتان الضروريتان لفكرنا فنحن نعلم مثلا أن العمليات النفسية غير الواعية (غير زمانية) وهذا يعنى أنها غير مرتبة فى نظام الزمان، وأن الزمان لا يخضعها لأى نغير وأن صورة الزمان لا يمكن أ، تنطبق عليها – ما فوق مبدأ اللذة)، وعلى الجانب اللاعقلى فى الخبرة / الخبرة الداخلية التى هى رأسمالك – الى المعطيات المباشرة للخبرة ووصف هذه المعطيات كما تظهر نفسها فى تكشفها الأولى البدائى البكر للوصول عبرها الى الوجود الانسانى كــ (خبرة الوجود فى العالم) منهيا قصيدته الغزلية بقول ايكهارت (انك لا تستطيع أن ترى الا بفقدان النظر، ولا أن تعرف الا بعدم المعرفة، ولا أن تفهم الا بالضلال).

[11] – مقدمة الملاحظات مقتبسة من ديوجين والعدد 24 مع قدر من التصرف والتطوير والحذف والاضافة مسئول عنهاأنا شخصيا.

[12] – اذا كان الطبيب يترجم للمجنون لغة الواقع، ويترجم للواقع لغة المجنون، فلم لانضع أيدينا – مادمنا نقر بوجود الذهان فى التركيب البشرى – على ذهان النص… مهما كان متماسكا.. وكل محاولة مخلصة فى هذا الغرض أما أنها تكشفنا أو تكشف النص.. وكلاهما مفيد وساهتم به مستقبلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *