ابريل1981-الافتتاحية

عدد ابريل 1981

الافتتاحية

1- الممارسة والهوية:

فى الاجتماع السنوى للجمعية العمومية لجمعية الطب النفسى التطورى والعمل الجماعى الذى عقد فى 10/2/1981 ظهرت بادرات جديدة لم نكن نحسب لها حسابا بهذه السرعة المبشرة المخيفة معاً؛ منها أن الأعضاء الجدد لمجلس الإدارة لم ينجحوا بالتزكية وأنه حدث إجماع فعلى (100%) على أن يكون فى مجلس الإدارة عضو غير طبيب وغير مختص، ثم تفرقت الأصوات بعد ذلك بين المرشحين الآخرين من الأطباء المختصين ورجحت كفة المرأة (ربما لأنها كذلك)، وبما أن هذه المجلة هى لسان حال تلك الجمعية، كان واجبا علينا أن نقف وقفة أمام معنى هذه البادرة نستفيد منها فى ذاتها، وفى انعكاساتها على هذه المجلة.

وقد رأينا من ذلك – وماتلاه من مناقشات سأعرج إليها حالا – تأكيدا لظاهرتين كانتا فى مجال وعينا منذ البداية ولكنهما ظهرتا أوضح بالممارسة وهما:

أولا: مازالت المعادلة صعبة بين ضرورة ممارسة الديمقراطية واشتراط درجة وعى خاص لمن يمارسها، إلا أنه يبدو أن الوعى الجماعى (الذى هو ليس مجرد المجموع الجبرى لوعى الأفراد كل على حدة) له من القوة والفاعلية ما يسمح بأمان نسبى فى ظروف صحية عن أى منهج آخر، الثمن غال… لكن المخاطرة بغير بدائل.

ثانيا: ظهر أن المختصين – فى مجتمعنا الصغير هذا – أحرص على الحوار مع غير المختصين (ربما باعتبارهم المنتفعين الحقيقين بتخصصهم) من التصورات المهنية والفئوية المسبقة، ويستتبع ذلك أن تراجع فى رضا آمالنا التى عقدناها على إنشاء هذه الجمعية وإصدار هذه المجلة، والتى أخذت علينا بادئ ذى بدء حين تصور بعض النقاد المخلصين أننا نريد – أننا نريد – ربما بضربة واحدة – أن نعدل مسيرة الكون ونحل مشاكله القائمة منذ الأزل بتصور مفرط لإمكانيات تخصص متواضع، ونصحونا إذ ذاك (1) أن نلملم أنفسنا فى تخصصنا، نفيد به ومنه ما يمكن فى حدود إمكاناته المتواضعة، لكن يبدو أن الممارسة تؤكد يوما بعد يوم أن حاجة الناس إلى المتخصصين هى حاجة إلى الحوار معهم باحترام مسئول وليس إلى مجرد تلقى التوصيات والمعلومات الفوقية باستسلام مدرسى، وكما قلنا فى العدد الأول”…….. انتقلت مشكلة الوجود من صوامع الذهانيين إلى الشارع، وبهذا أصبح الفرد العادى اكثر فأكثر طرفا فاعلا فى تحديد مصير الكافة، بما أتاح له التقدم من فرص زياده الوعى والمساهمة فى إصدار القرار” (العدد الأول ص6)، ”إذا فهذه المجلة ترجو أكثر مما تسمح به إمكانياتها،إذ نأمل أن نضرب المثل لسائر التخصصات بهذه المحاولة التى تريد أن تؤكد كيف يمكن أن يسهم كل علم(متخصص) من موقعه فى المسيرة العامة”.

وها هى ذى المسيرة تحدد بإيجابية ما – أننا لم نشط كثيرا فى ما أملنا فيه، وان الممارسة الفعلية آخذة فى تحديد هويتنا أكثر فأكثر إذ نستطيع أن نعلن بعد أكثرمن عامين من إنشاء هذه الجمعية وعام ونصف من إصدار هذه المجلة: أننا نتعرف على أنفسنا أعمق وأرحب وإن كنا بالضرورة قد أملنا أكثر من قدراتنا، وواجبنا أن ننمى قدراتنا لا أن نتراجع عن آمالنا.

2- الحركات الأدبية والثقافية الصغيرة: الدلالة والخطر(الفرحة والحذر):

سألت إحدى العضوات فى الإجتماع المذكور عن قراء هذه المجلة حتى نستطيع أن نحدد اتجاه خطوتنا التالية :لن نتحدث؟ ومن ذاك الذى يجتهد ليسمعنا؟ ونحن لم نقم بإحصاءات مغنية،إلا أن الانطباع المبدئى كان دالا على أن الزملاء الأطباء وعلماء النفس هم قلة بالنسبة لغيرهم من القراء، وأن هؤلاء المختصين قد يقتنون المجلة ولكنهم – فى الأغلب – لايقرؤونها إلا انتقائيا وفى حدود، وترتب على ذلك النقاش – إن صحت محتوياته – أن يزيد الاهتمام بالجزء الثانى على حساب الدراسات شديدة التخصص، وتماشى ذلك مع بعض المراسلات والتعليقات التى وصلتنا تشكو من صعوبة المادة المتخصصة وتقرظ الجزء الثانى بمحتوياته التلقائية والإبداعية معاً وفى نفس الوقت ساهم ضيوف كرام فى ترشيدنا إلى محاولات مماثلة جارية فى كل موقعمن مواقع بلدنا الأصيل فى العاصمة والاسكندرية والأقاليم على حد سواء ومنها على سبيل المثال ذلك الكتاب غير الدورى المتواضع المشرق ”مصرية” الذى يهدف ”نحو ثقافة وطنية ديمقراطية” وبقدر ما أنسنا بالصحبة وشرفنا بالمواكبة، وبقدر ما طمأننا ذلك إلى موضوعية الأمل وزاد من يقين التطور، فقد فرض علينا مراجعة متأنية لمحاولاتنا حين تعهدنا من أول عدد ألاتؤخذ هذه المجلة    “.. باعتبارها مجرد تكرار لمجلات أخرى علمية أو ثقافية تؤدى نفس الوظيفة”

( العدد الأول ص5)، وعلينا إذاً أن نحدد موقعنا بين هذه المحاولات وربما يساعد فى ذلك أن نتعلم من دلالة هذه الظاهرة من حولنا .

وعطاء الحركةالتلقائية المعرفية الحالية هى نشرات وكتب غير دورية، وندوات متصلة، ومعارض تشكيلية، وكتب ينشرها أصحابها على حسابهم، وكل ذلك فى محاولات جاهدة للخروج  من الركود من جانب و للتخلص من الوصاية من جانب آخر، ودلالة كل  ذلك فى تصورنا1 أن مصر لاتموت، ليس فقط لأنها مصر، ولكن لأنها مصر الإنسان الحضارة فهى مجرد مثل تاريخى و جغرافى يعلن عطاء الجذور الأصلية للفروع الجافة مهما طال الزمن متى ما صدقت محاولة الإحياء2 أن المعرفة والثقافة المسئولة والموضوعية والناقدة هى الأساس الحضارى الذى يمكن أن يخرج منه أى تغير ثورى إجتماعى أو إقتصادى أو سياسى، ولعل هذا يرد على مثل التساؤل الذى طرحه د. عز الدين إسماعيل (2) عما إذا كان البعد الإجتماعى الثورى” …. ينبع إبتداء من تلقائية فطرية طبيعية أم يتطلب بصفة عامة أساسا معرفيا جيدا يدعم هذه الثورية ويكون هو المعيار الأدنى من الضمان لها”؟  ثم يأمل أن يقوم كل هذا (البعد الاجتماعى الثورى) على أساس معرفى مطرد ومتنام، ونحن نرى أن هذا البعد  المتنامى قد بدأ يظهر على أرضنا هادئا صعبا متثاقلا متألما مؤلما معاً، وهو مرهق على المستوى الرسمى بالمخاوف والحذر  وعلى المستوى الشعبى بفقر الإمكانيات وصعوبة الاستمرار، ومع ذلك فليس أمامنا إلا الفرحة بما يجرى، فرحة مشوبة بالحذر فعلا، لكنه حقنا فى الفرحة، وواجبنا فى الحذر، وقد تحدثنا عن مبررات الفرحة أما المحاذير التى لابد أن ينتبه إليها أصحاب هذه المحاولات جميعا (والحديث موجه لنا أساساً) فمن بينها: أولا: خطورة عدم احتمال القلة والوحدة مما يستتبعه تجمع مبكر قبل النضوج، الأمر الذى قد تتميع معه الاتجاهات وتستسهل معه تسويات وسيطة معطلة.  ثانيا: استسهال الاستقطاب على المدىالطويل سعيا إلى تقريره وتنميته، كما قد يأتى هذا الاستقطاب من محاولات خارجية رسمية وغير رسمية لاستيعاب هذه الحركات خفية أو تكتيكا.  ثالثا : الاستغراق فى ديمقراطية مثالية أو أحلام وردية يستحيل اختبارها والاطمئنان إلى فاعليتها فى هذه المجالات المحدودة، بما يحمل معه من مخاطر التحطيم على صخرة الواقع الأوسع فى مراحل  أخطر وأكبر حاليا أو مستقبلا. رابعا: التخطيط قصير المدى الهادف للتنفيث والتفريغ أساساً دون السعى والبناء فى وحدة زمنية حضارة ممتدة عبر أجيال متعاقبة.

ولسنا نعرف أى ضمانات ضد هذه المحاذير إلا الممارسة الواعية، ولعل أكبر ضمان وصلنا فى مرحلتنا هذه هو مجرد وجود من ينظر فى نفس الاتجاه دون أن يتكلم نفس اللغة … فدعونا نأمل أن نستمر” بعيداً” “ معاً” .

3- المأزق الخاص:

أصبح مأزقنا الخاص بعد ذلك هو أن ندعم مثل هذه الحركات الايجابية (1) بتجنب التكرار (2) وبالاستمرار مع علمنا بالمحاذير(3) وبالحوار وتحملنا الاختلاف (4) وبالتخصص مع فتح النوافذ على القضية الأشمل ومعرفة أبعاد الدور(الخاص) فى المسيرة العامة.

وهذا كله هو مأزقنا الحالى، وهو هو مأزقنا منذ البداية (3)” نعرف أننا ألقينا بأنفسنا إلى تهلكة لا منجى منها إلا محاولة جادة مثابرة للإسهام بالقدر الممكن وباللغة المسموعة”.

فمرحبا بالسباحة معا فى جبال الركود الثلجية نذيبها بحرارة أنفاس المحاولة. ورفضاً لقوارب الإنقاذ غير معروفة الهوية (أو غير معلنة الهوية ) .

4- هذا العدد:

وقد زحف – ربما تبعا لذلك – الجزء الثانى فى هذا العدد على الجزء الأول، وفتحنا الباب أكثر فأكثر للمحاولات الإبداعية ذات القيمة الفنية الأصيلة (مهما تواضعت) وكذلك على الخبرات التلقائية من وحى المعاناة الشخصية، وسيجد القارئ فى هذا العدد تعريفا بتجربة مصرية للعلاج النفسى الجمعى، نأمل معها أن يستطيع أن يتخلص من هذا الاحتكار لمفهوم التحليل النفسى التبريرى كمرادف للعلاج النفسى، وأن يتعرف على بعض ما يجرى عمليا ومثابرا فى وطنه، ثم نستمر فى تقديم أعلام التطور فى المجال النفسى خاصة حيث نعرض دراسة عن “هنرى اى”

وهو رائد له وضعه الخاص المعاصر فى الطب النفسى (الأوربى الفرنسى خاصة)، وإن كانت آثاره لم تعم بالقدر الكافى والمناسب لإبداعاته وأصالته، كما نواصل تقديم الإخوة الأربعة فيتعرف القارئ على جانب من حالة أولهم وهو أحد التوأمين المتشابهين، وأخيرا يجد فى الجزء الثانى ما يمكن أن يسميه شعرا أو قصة قصيرة أو معاناة خاصة أو رأى اجتهادى، ونعلن – بإلحاح مكرر – ترحيبنا وحاجتنا لتجارب إبداعية وزفرات تلقائية نتعلم منها عن النفس ما يمكن أن يثرى – بطريقة موازية ما نعرفه عنها من المصادر العلمية ويضيف إليه، الأمر الذى نحاول فى الباب الثابت الجديد: “الأدب نافذة على النفس” أن نقدم من خلاله هذه المرة شاعرا متواضعا ينبض بالحياة الأعمق (وهو مازال غير مشهور بالقدر المناسب)، نتعلم منه ونأتنس فى نفس الوقت به، ولعله يفعل.

وأخيرا فإن الحوار قد احتد وتعددت أطرافه بالإضافة إلى المشتركين الدائمين فيه مما نأمل معه أن تعم فائدته الإيقاظية مساحة أكبر من المساهمين فيه تلقيا حيا فى صمت متحفز.

 
[1] –  الانسان والتطور، العدد الثانى، السنة الأولى – ابريل 1980، (ص 12 – 13 )

[2] –  فصول : العدد الثانى، يناير 1981، ندوة العدد : اتجاهات النقد الأدبى (ص 210).

[3] –  الإنسان والتطور، العدد الأول، السنة الأولى، الافتتاحية (ص 8، 9).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *