الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ملف الوجدان واضطرابات العواطف (16) التطور والعواطف والعقل البيولوجى (2 من ؟..؟)

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (16) التطور والعواطف والعقل البيولوجى (2 من ؟..؟)

نشرة “الإنسان والتطور”

الأثنين: 25-8-2014

السنة السابعة

العدد: 2551

  الأساس فى الطب النفسى

الافتراضات الأساسية

الفصل الخامس:    

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (16)

التطور والعواطف والعقل البيولوجى (2 من ؟..؟)

مصطلح “العقل البيولوجى” ليس جديدا على متابعى هذه النشرة (إن كان هناك من يتابعها غير أصحاب الفضل الذين هم: – فى حدود علمى– (لا أعرف بصراحة كم هم؟، لكنهم قلة)

أنا لم أستعمل هذا النص بهذا التحديد العقل البيولوجى بل، ثم إننى حين قدمت مقدمة نقدى لكتاب دانيال دينيت “أنواع العقول”، نبهت إلى اختلافى معه فى التعامل مع ما أسماه عقولا لكل الأحياء تقريبا، واعتبرت ما أسماه عقولا ليست إلا: “منظومات وعى، هادفة وحياتية”.

 ومع اتساع الفرص أمامى لمراجعة مقولاته من خلال ربط الانفعالات بالتطور، ومع ما وصلنى من أن هذه “الانفعالات” ليس إلا برامج بقائية – بعد استشارة  اللغة العربية-، يمكن أن تسمى “عواطف” إذا نحن حدسناه حتى أسميناها كذلك فى من هو دوننا من أحياء، ثم إنه قد يفضل أن تسمى “وجدانا” مع الوعى بها إنسانيا بشكل مباشر يمكن التعبير عنه، وحتى إعادة تشكيله (شعرا)،

مع هذا التطور فى فكرى عدت أقرأ ما وصلنى تحت عنوان “العقل البيولوجى” من نفس المنطلق، وأنه تشكيل حيوى لمستويات الوعى التلقائى، دون الوعى بالوعى الذى تميز به الإنسان، فارتقى، قبل ان يمارس انتكاساته المتتالية، التى تحاول أن تحول دون التمادى فيها، هذه الجهود الإبداعية (المعرفية/ العلمية) الرائعة عبر العالم، والتى أدعو الله سبحانه أن يكون من أهم علامات أهليتنا لحمل الأمانة التى كلـِّـفنا بها من واقع ديننا وإيماننا وثقافتنا، أن نشارك فى هذه الحركة المضادة فى مواجهة الاغتراب والتكاثر والاستغلال.

المهم، لاحظت فى الكتاب الأول (1)أن مؤلفه “مايكل ريوس”، قد استشهد كثيرا بالفيلسوف “دانيال دينيت” مؤلف “أنواع العقول” (وغيرها فى نفس الاتجاه التطورى)، وكانت أكثر المناطق التى استشهد به فيها هى ما يتعلق بفكرة داروين الخطرة Darwin’s Dangerous Idea، وأيضا وهو يناقش الدين والأخلاق من منظور التطور الداروينى، وقد عدت إلى ما نشر فى هذه النشرات عن كتاب دانيال دينيت الذى بهرنى وأنار لى طريقى، فوجدت أنه لا يعدو أن يكون مقدمة موجزة عنه، وبعض وجهات نظرى فيه، وخاصة من حيث اعتراضى على تسمية هذه المستويات بالعقول، وكان ذلك منذ ما يقرب من سبع سنوات، ولا أعتقد أن أحدا من المتابعين الأفاضل (حتى لو كانوا  قلة قليلة) يذكر ذلك تحديدا، كما أننى أشرت مرارا فى نشرات أخرى إلى هذا الكتاب بالذات، ووضعت رابطا لمن شاء أن يطلع على رأيى فيه، وما قلته عنه فى ندوة جمعية الطب النفسى التطورى منذ عشر سنوات (2004) (شرائح (PP) ندوة نقد كتاب “تطور العقول” تأليف: “دانيال دينيت” “أنواع العقول”، ترجمة د.مصطفى فهمى).

رجعت اليوم إلى هذه الشرائج (PP) فوجدت أن بها ما قد يعيننا فى التقدم نحو فهم ما يراد بمصطلح “العقل البيولوجى“، بعد أن تقدمنا خطوة نحوما أسميناه العقل العاطفى الاعتمالى.

أتصور أن هذه المعلومات، برغم أن أغلبها وارد ممن يسمون فلاسفة، هى أهم للممارس الإكلينيكى من المعلومات الكيميائية الجزئية المتباعدة المختزلة، دون استغناء عن الأخيرة، وبمراجعتى للنشرتين عن هذا الكتاب، وكانتا فى أوائل صدور هذه النشرة اليومية سنة 2007 (نشرة 25- 12- 2007 “أنواع العقول وتعدد مستويات الوعى”)،  (نشرة 2-1-2008 “أنواع العقول  – وإلغاء عقول الآخرين- الطريق إلى فهم الوعى”)، وجدت أن أغلب ما جاء فيهما يحتاج إلى إعادة أو تحديث، خاصة بعد أن انتقلنا من لغة الوعى خالصا، إلى لغة العواطف، والبرامج البقائية

سوف أحاول اليوم مرة أخرى أن أحدد ما وصلنا إليه فى هذا الملف ، خاصة فيما يتعلق بالكشف عن عمق ظاهرة العواطف خاصة فى علاقتها بالتطور، متمضنا بعض ما يمهد لما أريد الوصول إليه خاصة حين أكتسب الشجاعة لتقديم نظريتى، وذلك ما يلى:

1) الكيان البشرى، وبخاصة المخ البشرى، هو جمّاع برامج البقاء جيمعا.

2) برامج البقاء هى أصلا آليات الاستمرار والتكيف، وخاصة برامج الكر والفر، ثم برامج الجماعة والتعاون بين نفس النوع ، ثم برامج التكامل والتكافل مع البيئة والانواع الأخرى، ثم برامج تنغيمات مستويات الوعى معا نحو الوعى المطلق فالإيمان.

3) هذه البرامج تتكرر وتتأصل، وما ينجح فى تعهدها من الانواع،  هو الذى بقى، ويبقى، مكافأة على نجاحه فى الحفاظ  على حياة النوع جميعه واستمراره.

4) هذه البرامج – أذكّـر- هى هى مازالت موجودة فى الإنسان حتى اليوم،  وهى تظل  فاعلة ومهمة جدا حتى لو لم نعيها بشكل مباشر، أو اختزلناها او شوهناها بقصد أو بغير قصد، وخاصة حين نسميها  بأسماء عاطفية، أو نفعية، وأخيرا دينية سطحية، مجمدة أو مزيفة.

5) الوعى الظاهر، بمعنى الدراية، Awareness ببعض فاعلية هذه البرامج، ليس ضروريا لفاعليتها.

6) نضطر غالبا لتسمية هذه البرامج بأسماء عاطفية أولا، وإن كان هذا لا يعنى المزيد من كفاءة استعمالها لبقاء النوع، وإن كان قد يفيد فى تسهيل أو دعم بعض نواحى السلوك التواصلى خاصة، والبقائى أحيانا.

7) إن تسمية هذه البرامج بأسماء عاطفية (أو سياسية) ليست فى صالح التطور دائما، إذ كثيرا ما يحل الاسم محل الأصل، وكثيرا ما يتم تسهيل التلاعب فيه، أو التلاعب به.

8) إن التعامل مع هذه البرامج بأسماء العواطف مهم ومفيد، ولكنه لا ينبغى أن ينسينا أصلها التطورى، أو أن يصبح سبيلا لتهميشها لحساب ما يسمى العقل أو التفكير “الحل مشاكلى” Problem Solving Thinking.

9) إن مصطلح العقل البيولوجى لا يحل محل العقل العاطفى الاعتمالى، وإنما هو يجَذِّره إلى أصول أصوله، فيظل هذا الأخير “العقل العاطفى الاعتمالى” هو الأصل قبل هذا العقل المنطقى الأحدث، رضينا ام لم نرض.

10) إن ظهور آليات وتقنيات أحدث فأحدث، وخاصة بلغة الحاسوب وعلومه الأعقد فالأعقد، وفرص التواصل الأسرع والأشمل، قد رجحت كفة العقل المنطقى الحاسوبى برغم قصر عمره مقارنة بالعقل (الوعى) العاطفى الاعتمالى والعقل البيولوجى الأشمل).

11) إن مواجهة هذا الطغيان المتمادى من العقل المنطقى الحاسوبى الملتبس ، تتم فعلا عبر العالم من خلال نشاط هذه الموجة المتنامية من إعادة النظر، وتغيير المناهج، وتعميق الإيمان، ورفض واحدية السلطة، بما يشمل الحذر من النظام العالمى الموحد، وتنمية كل المناهج والأساليب العلمية الشعرية، والحدسية الواقعية (الإمبريقية) المسئولة.

12) إن ممارسة الطب النفسى (وما إليه من ممارسات مساعدة) من خلال محاولة تحقيق التوازن بين العقل البيولوجى، والعقل العاطفى الاعتمالى، والعقل المنطقى الحاسوبى، بل وبقية العقول مهما غمُضَ حضورها: هى ممارسة عملية مفيدة، وهى تجرى فعلا، حتى بدون هذا التنظير أصلا.

13) (كمثال تطبيقى) إن بعض أنواع العلاجات، وخاصة العلاج الجمعى، تتعامل مع عدد معلوم ومجهول من العقول (مستويات الوعى- منظومات العواطف) من خلال بعض تقنيات العلاج البسيطة مثل مبادئ:

1) هنا والآن

2) التعبير بأكثر من مستوى

3) التقييم الإمبريقى المستمر

4) تنشيط التواصل المتعدد القنوات لتنمية الوعى الجمعى  

 5) احتمال تنشيط الوصل بين العقل الجمعى والعقل الكونى إلى الوعى المطلق

6) التعامل مع الزمن بأقل الأقل من الوحدات المعروفة

7) التعامل مع التغير بأشمل الأشمل من وحدات التراكم الجدلى الممكن

كل هذا وغيره

هو محاولة فى اتجاه تأصيل فهم الوجود البشرى كما خلقه خالقه، ونقده (علاجا وتعالجا) لإعادة تشكيله إلى أصله  من خلال التركيز على التعامل بالموجود من الوجدان، وغيره من مستويات الوعى، بأقل قدر من التسمية والترميز والاختزال، وأكبر قدر من الرحابة، وربما الغموض والسماح معا

وبعد

أسف لكل هذا التركيز فقد شعرت بضرورة الربط بين الغاية والوسيلة فى هذه المهمة الصعبة

ولعلنا نعود أسرع إلى الكتب الأربعة المؤجل مناقشتها ، ورابعها كما استنتجتم   هو هذا الكتاب الأصل ” أنواع العقول” لدانيال دينيت ، “نحو فهم للوعى”

وسوف أكتفى اليوم ببدايات تعريف (أو نفى ما نعرفه عن) “العقل” من خلال ما جاء فى نقد هذا الكتاب فى الندوة المذكورة: (نقد الكتاب 2004 ) (شرائح (PP) ندوة نقد كتاب “تطور العقول” تأليف: “دانيال دينيت” “أنواع العقول”، ترجمة د.مصطفى فهمى).

*  العقل ليس :

1) ليس هو ما يرد فى تعريف كلمة “عقل” فى المعاجم

2) ليس هو القطب الآخر للوجود مقابل العاطفة “العقل<==> العاطفة”

3)  ليس هو ما يستعمل فيما يصح ولا يصح بالمنطق الأرسطى (مثلا)

4)  ليس هو ما يصاحب ويفسر ما تثبته تجارب ما يسمى البحث العلمى

5) ليس هو ما يقابل ما يقوم به أى حاسوب مهما بلغت قدرته.

يمكن أن تضاف كلمة ”فقط“ بعد كل ما “ليس هو”

إذن ما ذا هو؟

يمكن التعرف على ما يمكن أن يكون (يسمّى) عقلا من :

* من البعد التاريخى (التطورى البيولوجى لا المحكى)

* من التضفر المنهجى Interdisciplinary Approach

* من تعدد مصادر المعرفة (معا(also : Interdisciplinary Approach

* من التكامل النمائى (مثلا: عدم فصل العقل عن العاطفة)  وهو موضوعنا الآن)

* من الحدْس المسئول

* من التجربة والمخاطرة (البوبرية على الأقل، نسبة إلى كارل بوبر Karl Poper)

بعض القضايا (الاسئلة) المثارة من الكتاب :

* متى يصبح الذكاء الفطرى (البرمجة القادرة على الحياة فالتطور) عقلا؟

*  ما علاقة العقل بكل من التفكير والذكاء واللغة؟

*  أين يقع دور الوعى والدراية awareness بالنسبة لما نسميه عقلا؟

*  ما علاقة العقل بالدماغ (المخ)؟

*  ما علاقة العقل بالجسد ؟

*  متى اصبح العقل عقلا (عبر تاريخ التطور؟ – خصوصا – بعد تعديل العنوان فى النسخة العربية(؟

هجوم مقبول، والرد عليه:

س: هل يصح أن يكون كل هذا الحديث عن العقل هو مدخل للحديث عن العواطف؟

ج: وهل عاد الحديث عن العواطف إلا حديثا عن عقل آخر، أقدم، وربما ارجح، حتى يصبح تجاوزه أو إهماله، أو التعامل تهميشا أو ترميزا هو من أخطر الأخطاء التى تعرض جنسنا للانقراض

هيا معا!!


 [1] – داروين: تأليف فيلسوف أديب مؤرخ أمين هو “مايكل ريوس”، وهو كتاب حديث نسبيا، (2010) واسمه بالإنجليزية، وتاريخ النشر والناشر، لمن شاء أن يرجع للأصل هو:

 Charles Darwin  By: Michael Ruse Copyright 2008 Blackwell Publishing Kimited

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *