الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / قصة قصيرة جديدة الراكبة والصبى

قصة قصيرة جديدة الراكبة والصبى

نشرة “الإنسان والتطور”

7-9-2010

السنة الرابعة

العدد: 1103

ليس اعتذارا، فلم يعد للاعتذار محل:

فلما كانت النشرة الألف ومائة واثنتين فى أوائل السنة الرابعة من بداية هذه الورطة اللحوح، تخلص صاحبنا من الالتزام بأى التزام، بناء على نصائح من استجاب لتساؤلاته فى اليوم الأول من العام الرابع (وأيضا كان هذا رأى من لم يستجب)، حيث كان جماع ما وصله هو “إفعل ما بدا لك”.

 قلت لنفسى، فليكن، فلن تفرق شيئا، ما دام الأمر كذلك !!!”

وهأنذا أعلن التخلى عن تخصيص يوم بذاته لموضوع بذاته إلا إن فرض عملٌ ما نفسه على يوم معين غصبا عنى (مثلما فعل يوم الخميس المخصص لمحفوظ، ويوم الجمعة للبريد المفتعل).

 هأنذا أبدأ بكسر القاعدة اليوم بأن أنشر ما لا يحق له النشر فى هذا اليوم، وربما فى أى يوم !! هى قصة قصيرة كتبتها فى بضع دقائق أثناء انتظار ممل، لمجرد وجود ورقة وقلم أمامى، وحين انتهى الموقف طويتها فى جبيبى بإهمال لأكتشفها بعد عودتى وأنا أخلع ملابسى، لا أعرف لماذا امتلأتُ غيظا وأنا أعيد قراءتها بعد ساعات، اضطررت لتنقيحها بأقل القليل، فجأة خطر لى خاطر يقول:  ما داموا قالوا لى “إفعل ما بدا لك” قلت أغيظ معى من أزعم أنهم أصدقاء الموقع وأنشرها نكاية فى الجميع، ما دامت المادة الإكلينيكية التى كنت فخورا بنشرها لم تحقق ما أملت.

قصة قصيرة جديدة

الراكبة والصبى

توقف القطار، ونزلت الراكبة ضمن النازلين. تلفتتْ يمينا مرة، ثم يسارا مرتين، كانت تحمل حقيبة سفر متوسطة، شدت مقبضها فخرجت عجلاتها الصغيرة تحتها، دفعتها أمامها وهى تسير نشطة بخطى سريعة جهة اليمين، رافعة رأسها لا تتلفت، ولم تكد تمضى بضع خطوات حتى استدارت نصف دائرة لتصبح متجهة إلى عكس اتجاهها الأول، وهى لاتتلفت أيضا، بدا أنها لا تبحث عن أحد، سارت فى الاتجاه المعاكس حوالى ضعف الخطوات الأولى، فتقدم منها الصبى وهو يعرج وراح يعرض عليها شيئا، أو أشياء لم تهتم أن تتبينها أصلا، صرفته برقة، لا شاكرة ولا ساخطة، فانصرف الصبى لا راضيا ولا غاضبا، لكنه قبل أن ينصرف عاد وبحلق فى وجهها ونظر أكثر فى اتجاه عينها اليمنى، ثم جرى بعيدا.

أطلق القطار صفارته، أو نفيره، مؤذنا  بقرب التحرك إلى حيث أتى، وأعلن ناظر المحطة ما يؤيد ذلك، قفزت الراكبة إليه وركبته وهى ترفع حقيبتها إلى أعلى، حاول عامل القطار أن يساعدها، فأبت شاكرة نصف نصف، وما أن بدأ القطار فى التحرك، وقبل أن يتسارع أكثر، قفزت الراكبة منه فجأة وحقيبتها أمامها، فاصطدمت هى والحقيبة بالصبى صاحب الأشياء، تعثر الصبى حتى انكفأ نحو القطار، وقبل أن ينزلق تحته أمسكت الراكبة بذراعه بسرعة وشدة، وجذبته إليها فاستقر فى حضنها أواستقرت فى حضنه، شهق الصبى متلاحقا خائفا وتجمّع حتى كاد يتكوم فى حجرها، وحمدت هى الله وهى تقربه منها ولا تكاد تصدق.

جلسا على مقعد الانتظار الحجرى متجاورين جدا، من أين لهما كل هذه الطمأنينة بعد ما حدث، ركن هو الصندوق بجواره، كما ركنت هى حقيبتها الناحية الاخرى، مر أمامهما خلق كثير، كانت تلتفت إليه كلما لاحظت مارا أو مارة بعينها، وهو كذلك:  امرأة منقبة بدينة (غالبا) تسير بسرعة نشطة، ولا تتعثر،  برغم أنها غطت حتى عينيها، شاب أطلق شعر رأسه الأسود الناعم حتى انساب على كتفيه، لكنه شاب، مجند فلاح جدا وضع “مخلته خلف ظهره وهو يجر وراءه بقجة ضخمة تحوى ما لم تسعه المخلة،  طفل يعدو وهو يبكى ليلحق بأمه وهى لا تكاد تسمعه، كانت الابتسامة السؤال تعلو وجه الراكبة أو وجه الصبى فيلتفت أحدهما للآخر دون تعليق.

 وضعت الراكبة ذراعها حول كتف الصبى البعيد، فمالت رأسه عليها وكأنه على وشك أن يغفو، لكنه لم يفعل، وظلا كذلك حتى جاء القطار التالى المتوجه إلى حيث أتت.

 قبّلت الراكبة رأس الصبى وهى تهم بمغادرة المقعد، وقد أشاحت بوجهها بعيدا فلم ير الدموع فى عينيها، قبـّل هو يدها ووضعها على صدغه ثوان، وأشاح بوجهه هو الآخر لنفس السبب، فانسلـّت منه وركبت بخفة أسرع.

 ظل يلوح لها حتى اختفى القطار،

وهى ترسل له قبلاتها  فى الهواء.

وضع الصبى يده على الصندوق بجواره، وقال لنفسه، وكأنها تسمعه: لماذا؟؟؟

عدلت الراكبة من وضع الحقيبة بجوارها فى المقعد الخالى، وردّت وكأنها سمعته: هكذا !!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *