الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / فتح ملف الإدمان (3) فروض محتملة فى خلفيّة الإدمان

فتح ملف الإدمان (3) فروض محتملة فى خلفيّة الإدمان

“يوميا” الإنسان والتطور

  4-3-2008

   العدد: 186

فتح ملف الإدمان (3)

فروض محتملة فى خلفيّة الإدمان

الفرض: ليس سؤالا يحتاج إجابة، الفرض “إجابة محتملة“. الفرض الجيد هو الذى يولّد فروضا أكثر إفادة وإبداعاً سواء نفََتْهُ محاولات تحقيقه أو أثبتته.

وفيما يلى ما عنّ لنا من‏ ‏خلال‏ ‏الممارسة‏ ‏الإكلينيكية من فروض من خلال قراءة ظاهرة الإدمان:

‏1- ‏إن‏ ‏ظاهرة‏ ‏الإدمان‏ ‏ظاهرة‏ ‏مرتبطة‏ ‏بحركية‏ ‏الوعى ‏بقدر‏ ‏ارتباطها‏ ‏بالأوضاع‏ ‏الاجتماعية‏. ‏

‏2- ‏وهى ‏ظاهرة‏ ‏نفسية‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تصاغ‏ ‏باستعمال‏ ‏أبجدية‏ ‏الصحة‏ ‏والمرض‏.‏

‏3- ‏وهى ‏ظاهرة‏ ‏فيها‏ ‏إشارات‏ ‏دالة‏ ‏تتعلق‏ ‏بمسار‏ ‏حضارة الجنس‏ ‏البشرى ‏وتهديدات‏ ‏انقراضه‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏الحالى‏.‏

‏4- ‏وهى ‏تعلن‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏طبيعة‏ ‏مجتمع‏ ‏بذاته‏، ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏هى ‏نذير‏ ‏صريح‏ ‏يتعلق‏ ‏بمسار‏ ‏الجنس‏ ‏البشرى ‏عامة‏.‏

‏5- ‏كما‏ ‏أنها‏ ‏تشير‏ ‏إلى ‏ماهية‏ ‏الاحتياجات‏ ‏غير المشبعة‏ ‏وبعض‏ ‏طرق‏ ‏إشباعها‏ ‏السلبية‏، ‏مع‏ ‏الحاجة‏ ‏إلى ‏إشباع‏ ‏إيجابى ‏بديل‏.‏

‏6- ‏أى ‏أنها‏ ‏توحى ‏بضرورة‏ ‏البحث‏ ‏عن‏ ‏بديل‏ ‏لها‏، ‏بقدر‏ ‏حرصنا‏ ‏على ‏التخلص‏ ‏منها‏.‏

ملاحظات‏ ‏إكلينيكية

تبين لنا من خلال الممارسة على أرض واقعنا ونبض ثقافتنا أن‏ ‏الملامح‏ ‏الأكثر‏ ‏شيوعا‏ ‏التى ‏يتصف‏ ‏بها‏ ‏المدمن‏ ‏إنما‏ ‏تشير‏ ‏إلى ‏سمات‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏تشير‏ ‏إلى ‏أعراض‏، ‏وهى ‏ليست‏ ‏خاصة‏ ‏بالمدمن‏ (‏إذ‏ ‏هو‏ ‏مدمن‏) ‏بقدر‏ ‏ماهى ‏دالة‏ ‏على ‏اضطراب‏ ‏نمط‏ ‏الشخصية‏ ‏الذى ‏جاء‏ ‏الإدمان‏ ‏يعلنه‏ ‏ويؤكده‏.‏

‏ ‏وبدون‏ ‏الدخول‏ ‏فى ‏تفاصيل‏ ‏محاولة‏ ‏فض‏ ‏الاشتباك‏ ‏بين‏ ‏السبب‏ ‏والنتيجة‏، ‏أجد‏ ‏من‏ ‏المناسب‏ ‏تقديم‏ ‏الملاحظات‏ ‏التى ‏تواترت‏ ‏فى ‏خلفيات الوعى العام، والوعى الخاص، المشتمل لظاهرة الادمان والمسئول – عموما- عن افرازها‏‏ ‏بما‏ قد يترتب‏ ‏على ‏هذه‏ ‏الملاحظات‏ ‏من‏ ‏تفسيرات‏ ‏محتملة‏، ‏وذلك‏ ‏تمهيد ‏لقراءة‏ ‏إيحاءات‏ ‏الظاهرة‏ ‏من أكثر من بعد.

وفيما يلى بعض ما لاحظناه‏ ‏خلال‏ ‏الممارسة‏ ‏العلاجية‏ ‏المكثفة‏ ‏فى ‏وسط‏ ‏علاجى ‏خاص‏

‏1 – ‏اهتزاز‏ ‏السلطة‏ (‏الوالدية‏، ‏ومايقابلها‏).‏

إن اهتزاز السلطة، بما يعنى تذبذب حضورها، وغموض أدائها، وتناقض رسائلها، هو أكثر خطرا من سوئها أو حتى غيابها كما سيأتى فى عرض الحالات.

‏2- ‏الوحدة‏ ‏أو‏ ‏التهديد‏ ‏بالوحدة‏.‏

لا نعنى بذلك فقط كلاّ من الوحدة الفعْلية، أو الانطوائية أو حتى الشيزيدية، وإنما نعنى أساسا الوحدة الوجودية الغائرة، التى لا يعبر عنها المدمن عادة إلا بعد تعريتها بكشف المستور بالمخدر أو بالمرض.

‏3-‏ ميوعة‏ ‏الهدف‏ (الوجودى، ‏وإلى ‏درجة‏ ‏أقل‏: ‏الأهداف الحياتية العاجلة‏).‏

نعنى بالهدف الوجودى “معنى الحياة“، وغايتها، وليست الأهداف المتوسطة الهامة بين الميلاد والقبر، وعادة لا يظهر هذا الهدف على السطح الواعى، إلا فى أزمات النمو، وفى بعض بدايات المرض، ومن خلال كثير من الإبداع، لكننا نستنتج افتقاد نفس هذا الهدف بعد التورط فى الإدمان.

‏4- ‏غموض‏ ‏المعلومات‏ (‏والتعليمات‏).‏

لا نعنى بذلك: القدرة على تحمل الغموض، ذلك أن هذا المفهوم هو مخالف تماما لما هو الافتقار إلى الحصول على معلومات ذات معالم محددة.

“تحمل الغموض” هو علامة من علامات النضج فى محاولة الإحاطة بمعلومات واضحة محددة، وفى نفس الوقت هى هى معلومات متناقضة معاً، هذا موقف إيجابى رائع، حيث لا نصل إلى استيعابه إلا بعد مشوار طويل من محاولات استيعاب موضوعى لواقعنا داخلنا وخارجنا.

أما ما نقصده هنا من “غموض المعلومات والتعليمات” فهو يشير إلى حالة تكون فيها المعلومات مائعة مهزوزة من البداية، بحيث لا تمثل أبجدية يمكن أن نعمل منها جملة مفيدة فإن هذا يسهم فيما أسميناه حالا (بند 3) ميوعة الهدف، وبالتالى التخبط، فالانسحاب والظلام والهرب، الذى أحد وسائله وأسهلها: تناول مواد الإدمان لتساعد على الهرب بعيدا عن تناقض غير محتمل.

‏5-‏جمود‏ ‏حركية‏ ‏النضج‏. ‏

الطبيعة البشرية عبر التاريخ، والتى تأكدت ماهيتها مؤخرا من منطلق مدارس النمو مجتمعة، تقول: إن الكائن البشرى الفرد لا يكف عن النمو منذ الولادة حتى القبر، وبالتالى يكون التوقف النهائى عند أى مرحلة من مراحل النضج هو ضد الطبيعة البشرية، هذا التوقف بالذات هو الذى نسميه عادة: اضطراب الشخصية، وأحيانا ما يكون ذلك موضع فخر فى المجتمعات التقليدية أو تحت تأثير سلطة قامعة جدا. (يحيا الثبات على المبدأ، يحيا الثبات على ما نحن فيه).

المدمن يكسر هذا الجمود والتوقف بتحريك كيميائى مغامر (الملعقة الكيمائية لتحريك الوعى الساكن) فيقع فى الورطة لأنه تحريك مفتعل زائف، تحريك لم يتحضر له بالطريقة السليمة خلال زمن كاف، ويصاحب ذلك آليات مساعدة لهذا التوقف عن النمو مثل:

أ- ‏ضعف‏ ‏فرص‏ ‏تحريك‏ ‏الإبداع‏ ‏اليومى ‏العادى‏، (الابداع اليومى مثل معايشة الحلم واستيعاب آثاره (وليس تفسيره) أو الحفاظ على الدهشة، والتدريب على المبادأة… الخ.

‏ب-‏التوقف‏ ‏عند‏ ‏حدود‏ ‏الذات‏ ‏تماما‏ (‏الذاتوية‏): ويشمل عادة إلغاء الآخر، والتعامل مع “الموضوع”، الآخرين، بإسقاط مُلاِحق، فلا يرى حقيقتهم بل يقلبهم إلى تصوّره عنهم.

‏جـ-‏باختفاء‏ ‏الزمن‏ ‏كبعد‏ ‏مستقل‏ ‏واعد‏ ‏فاعل‏ ‏مطمئن‏.‏

وهذا أمر صعُب رصده، لكنه مرتبط بما يشبه “السير فى المحل“، أى الحركة الخادعة بلا تقدم ولا تغير، مهما تغير الزمن الموضوعى داخلنا وخارجنا.

‏6-‏عدم‏ ‏كفاية‏ ‏الإدمانات‏ ‏البديلة‏.

الانسان مدمن بطبعه، بمعنى أن من أساسيات طبيعته أن يعيد أداء أو ممارسة سلسلة معينة من الأفعال أو المشاعر أو الرؤى بشكل يتكرر بحيث ترتبط حياته واستمراره بهذا التكرار، ونُسمى مثل “ذلك إدمان” بمعنى “التعود الُملِزمْ”، الذى إذا انقطع عنه صاحبه ظهر ما يشبه “أعراض ‏الانسحاب“، يحدث هذا ويسمى إيجابيا إذا كان تعودا نافعا فى النهاية، مثل إدمان الصلاة، وإدمان تلاوة “وِرد” ما، وإدمان هواية ما، وبعض إدمانات الحاسوب (ليس كلها)… إلخ….، فإذا كان الأمر كذلك، فإن عدم احترام هذه الطبيعة والعجز عن استيعابها يترتب عليه البحث عن تعويضها بأى أسلوب، ومن ذلك التعود السلبى على ما يضر ويسمم، ويقتل أحيانا (= الإدمان).

‏7- ‏فرط‏ ‏الدعاية‏ ‏لما‏ ‏يسمى ‏مجتمع‏ ‏الرفاهية‏، ‏مع‏ ‏العجز‏ ‏عن‏ ‏تحقيقه‏ .‏

أشرنا فى نشرات سابقة إلى النموذج الطبى الميكنى التسكينى وعلاقته بما يسمى “مجتمع الرفاهية”، والنفس المطمئنة سلبا.

هذا الأمر لا يقتصر على الطب، بل إن الترويج لنوع الحياة الاستهلاكية، والهدف الترفيهى لذاته يمكن أن يساهم فى تأكيد غاية الراحة والسكينة الزائفة دون أن يحققها أو يرسم الطريق الممكن لتحقيقها، فإذا ما جرب مَنْ وصلته هذه المفاهيم، ثم هو يفاجأ بصعوبة – أو استحالة – تحقيقها، ثم وجد – بالمصادفة أو “بعزومة” سهلة – أنه يمكن تحقيق هذا الوهم بأسهل الطرق، فى ساعات أو دقائق، فما الذى يمنعه أن يتمسك بها وكأنها هى التى دعوناه إليها دون أن يدرى، ولسان حاله يقول: “مش انتوا اللى قلتوا”؟؟؟!

‏8- ‏ضعف‏ ‏الحوار‏ (‏الحقيقى‏) على مستوياته المختلفة، مع الضيق بالاختلاف

لا نعنى هنا بالحوار النقاش أو تبادل الكلام، وإنما نشير إلى كل أنواع الحوار (المواجهة – المواكبة – المسئولية:  م.م.م.) وخاصة حوار المواكبة.

الإنسان لا يكون إنسانا، ولا تتخلق ذاته إلا بالحركة الإيقاعية فى رحاب “آخر” يفعل نفس الشئ، وأول مظاهر الافتقار إلى هذه الفرصة قد يظهر فى صورة الشعور بالوحدة، أو العجز عن التواصل، وقد يزيف بإسقاط ذوات من ذاته كما قلنا فى بند (2) بديلا عن الآخرين كموضوع حقيقى، التمادى فى تغييب الآخر أو إلغائه ليس مطلبا لأحد، لكنه ورطة تربوية عادة، وحين لا يستطيع من يغرق فيه أن يصححه، فإن الإدمان يوهمه بالقدرة على تعويضه: إما بحوار خاص بلغة خاصة مع من ينتمون إلى ثقافته الجديدة: ثقافة الإدمان، وإما بحوار وهمى مع ذوات داخله.

‏9-‏تضاؤل‏ ‏فرص‏ ‏النكوص‏ ‏التكيفى ‏الجماعى ‏المشروع‏.‏

الحركة للأمام والخلف، والحركة بالطول وبالعرض، والحركة بالجسد وبالوعى، هى جزء لا يتجزأ من الحياة عامة ومن الطبيعة البشرية خاصة، نحن بالذات (أعنى فى مصر ومن إليها) لم نعد:

  • نرقص معا،
  • ولا نغنى معا، ولا حتى أغانى العمل،
  • ولا “نذكُر” فى الموالد معا (إلا قليلا)،
  • ولا نلعب على البحر معا،
  • ولا نسافر إلى الصحراء معا،.. إلخ

المواد الإدمانية تعرض علينا بديلا سريعا جاهزا، فهى قادرة أن تحركنا حركة زائفة من الوضع “جلوسا”.

الشخص الذى يحرم من كل هذه الحركية الطبيعية، ثم يعثر عليها إثر حقنة أو برشامة، أو نَفَس يلوح له باستعادة حركته الطبيعية، لا يملك إلا أن يتمادى فيها (افتعالا) ثم خذ عندك.

‏10- ‏شيوع‏ ‏المفاهيم‏ ‏الناقصة‏ ‏حول‏ ‏الحرية‏، ‏وما‏ ‏شابه‏ ‏من‏ ‏مفاهيم‏ ‏فارغة‏ ‏من‏ ‏مضمونها‏: ‏

مثل ‏الديمقراطية‏، ‏والمساواة‏..‏الخ‏ (‏مع‏ ‏الممارسة‏ ‏العكسية).‏

‏الإدمان يحقق الحرية (الزائفة أيضا) حين يكسر الحدود ويسحب وعى صاحبه بعيدا عن الواقع، كما أنه يحقق نوعا آخر من الحرية حين يلغى المدمن جدلية ذواته لحساب الوعى المنفصل الجديد، فهى حرية بالانفصال وليس بالسعى معاً،

ترتبط بذلك مفاهيم عديدة “تُستعمل من الظاهر” أو تستعمل بالإبعاد” لغيرها إن صح التعبير (مما لا مجال لتفصيله الآن).

وبعد

هذه ليست الأسباب المباشرة للإدمان بالذات، والناظر فيها بتأمل يمكن أن يدرك أنها يمكن أن تكمن وراء أى مرض نفسى، أو حتى وراء اغتراب حياتى عادى، كما أنها ليست كل الخلفية، فثمة عوامل أخرى مثل ‏التهديد‏ ‏ببدايات‏ ‏التفسخ‏، أو ‏التهديد‏ ‏بهجمة‏ ‏الرؤية‏ ‏المؤلمة‏ (‏فرط‏ ‏الوعى / ‏الاكتئاب‏ ‏المواجهى‏) أو غير ذلك، مما سيأتى ذكره مع عرض الحالات.‏

نحن مازلنا فى المقدمة النظرية، وبعد أن استوفينا بعض ما يبدو أنه “لماذا“؟ يمكن أن ننتقل إلى: “ماهذا؟”.

وغداً موعدنا مع:

“ماذا تقول ظاهرة الإدمان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *