الرئيسية / مجلة الإنسان والتطور / عدد يناير 1982 / يناير 1982 – تـأملات حـول الغائية

يناير 1982 – تـأملات حـول الغائية

مجلة الإنسان والتطور

عدد يناير 1982

تـأملات حـول الغائية

وفاء خليل

يستجيب كاتب هذا المقال للدعوة التى طرحناها فى العدد الماضى، وهو يتناول الغائية من زواية جديدة، أكثر تقبلا وأكثر وحدة وشمولا، ويدعونا الى مخاطرة عقلية وجودية فى شكل تساؤلات شجاعة لعل وعسى ……..  

نحن نبحث هل الوجود من حولنا يتجه لغاية؟ وما هى هذه الغاية لو وجدت؟ وأين هى؟ أهى باطنة فى الوجود أم مفارقة له؟ وكيف تتجلى هذه الغاية وتتضح فى حركة الوجود ؟

وفى الندوة التى نظمتها جمعية الطب النفسى التطورى (سبتمبر1981) قمت بعرض بعض المفاهيم المستعملة فى الكلمة التى ساهمت بها فى تلك الندوة توفيرا لحد أدنى من الاتفاق حول المعانى ونفيا للغرابة التى قد تحيط ببعضها (هذه المفاهيم هى الغائية الصيرورة. المعرفة. الكون. الوجود. فرض الوحدة. فرض التطور). ولا اتصور الا أننى قد قدمت اجتهادا انتهيت من خلاله باختصار شديد الى الوجود هو وضع للشئ وليس صفة (الوجود موجود)، وهو يتجلى فى مستويات متعددة (الطبيعة. الانسان.الوعى….). وأن الكون – ومعارفنا عنه مؤقتة ونسبية ومرحلية – احد موجودات الوجود أو فلنقل مستوياته. وأن الوجود ومعرفته كليهما تشملهما صيرورة لاتتوقف.

كما أوضحت أن معارفنا تشير الى أن هناك فرضا بأن الكون وحدة، وفرضا بانه متطور، وحاولت فى تقديمى للمفاهيم ان يكون تقديمها من خلال منظور القائلين بالغائية والمعارضين لها.

فعلى سبيل المثال فبناء على فرض التطور اما أن نقول أن الطبيعة أفزرت الانسان لتعى ذاتها وبالتالى تغيب شمس الله عن الوجود. أو أن نقول أن الله خلق الكون [الجن والانس ليعبدون]. وتكون غاية الانسان بالتالى هى العبادة (حتى لو تضمنت العبادة مفهوم التقدم الانسانى المتناهى تجاه الألوهية). هذا التقدم الذى يبدو ان مصلوب على جبره واختياره. ومن هنا فهناك من يقولون بغاية المستوى الانسانى فى الوجود موزعين على الاتجاهين المؤيد والمعارض للاهوت.

المعارضون يرون غاية المستوى الطبيعى (من البداية حتى الانسان الواعى) التوازن، فيكون البقاء للاصلح، وغاية المستوى الانسانى خلق واقع (طبيعى واجتماعى) انسانى من خلال المبادرة، وبالتالى فهم يقولون بغاية ولا يقولون بغائية تأسيسا على أن الجزء دائما جزء من كل تشمله الصيرورة التى لا تهدأ ولاتتوقف، فغاية اليوم غير غاية الغد، وهكذا …..

والمؤيدون يرون غاية الوجود الانسانى هو عبادة الخالق حتى لو تضمنت العبادة الاقتراب من الفعل الالهى.

وبعد تقديم مجموعة المفاهيم حاولت الاطلال على وجهة نظر المعرفة الانسانية بشكل عام على الموضوع متوقفا عند الدين، متتعبا للدين نفسه وبالتالى تطور فكرة الغائية فيه، مشيرا الى أن الدين تطور منذ أفلاطون والى الأديان التوحيدية تطورا يتجه الى تضييق الهوة بين الواقع الكونى والواقع الالهى.

لقد بدا هذا التطور بأن العالم ـ كما يرى أفلاطون – يكشف بشكل مطلق عن كائن واحد غير مطلق متعال لا متناه. وانتهى الأمر بتواجد نسبى لفكرة أن الوجود عملية لا تبدأ من الذات المفارقة للوجود (الله) (فكرة عالم المثل الأفلاطونى) بل تبدأ من أسفل، وأن العالم عالم امكان بحت يرقب التحقق، وان علاقة هذا الكون بما لم يصبحه بعد موجودة فى الانسان الذى يتمايز على الطبيعة بوعيه.

وبالتالى تراوح اتجاه الفكر الدينى نفسه فى قبول الغائية بين قطبين، أولهما مؤسس على المعنى الطقوسى لـ(ليعبدون) والتصور الثنائى للوجود( الواقع/ما وراء الواقع) وما يعكسه هذا الاتجاه من رعب (الوعى) فى مواجهته (للوجود). المواجهة الخام .

وثانيهما هو المؤسس على مسئولية الانسان عن تحويل واقعه الى واقع الهى بما يتضمنه هذا التحويل من تصور لكيف والى أين؟

وحاولت تطبيق الأمر كله عمليا فى ميدان عملى هو الأخلاق مثلا، مشيرا الى أن المؤيدين للغائية بمختلف اتجاهاتهم سيعتمدون فى أخلاقهم على ثنائية الوجود/المثال، والمعارضين سيعتمدون فى أخلاقهم على قدرة الانسان على العمل والمفارقة، وهما أساس خلق واقع انسانى بما يتضمنه ذلك من قيم.

وأشرت بخصوص ما سبق أنه جزء تمهيدى مأخوذ عن الاخرين سواء بتقيد أو بقدر من الحرية، وان الجزء التالى هو رؤيتى للأمر، أبدأ بعرضه على الوجه التالى …..

أتصور أن للفن دور فى معرفة وخلق الجانب الآخر من وجودنا، وأعنى به الذات الانسانية فى مقابل الوجود الطبيعى، وللفلسفة مواجهة مشكلات: الأسس العقلية للمعرفة (الأسس العقلية للوجود، الميتافيزيقا). وللعلم أن يغزو مستويات الواقع بغية أن يجعله انسانيا. فاذا تداخلت المجالات، ومثال ذلك أن الذات ستكون ضمن نطاق الفن – بما يتضمنه من جانب معرفى والعلم بما يحتويه من عناصر فنية – فلأن الحقيقة واحدة وكلية وشاملة.

ويبدو أننى ارى درس التاريخ تماما كما يراه أرنست فيشر فى كتابه ضرورة الفن .

(الانسان البدائى كان يواجه دنيا غامضة مجهولة. كان يواجهها بالفن والسحر قبل أن يواجهها بالعلم أو القياس الدقيق أو التجربة المضبوطة ) .

(وتتزايد الآن الأدلة التى أن أصول الفن انما ترجع الى السحر كأن الفن والعلم والفلسفات الغيبية جميعا كامنة فى السحر)

وتماما كما يراه  بعض الآخرين الذين أشار اليهم المرحوم الأستاذ العقاد فى كتابه الله (ويرجع آخرون ان السحر هو أصل العبادة وأصل الشعائر الدينية).

وكم أنا ممتن لكتاب السحر والتنجيم ليوسف ميخائيل أسعد خاصة فصل السحر والحضارة.

أن موقع السحر من خريطة الرحلة البشرية وأوبته الشرعية لكثير من قوى اسان الطبيعة أمر جدير بالنظر. [ابنه الشاب(العلم) يصول هذه الأيام ويجول……عله يهنأ….. فلما اشتد ساعده رمانى].

كيف ؟

يبدو أننى عاجز عن رفض نتائج العلم التى تشير أن الانسان انفصل عن الطبيعة – التى  يكون معها التناقض الأول ويدخل معها فى علاقة غايتها كشف القانون الطبيعى ومعرفته ومن ثم الاجتماعى – بالعمل. وأن رحلة تكون الوعى بدأت بانتزاعه من أحضان الطبيعة الدافئة، ففقد الوئام مرتين، الأولى بالانتزاع الوحشى والأخرى بالعجز الفادح أن يحيط الوعى بالوجود (أو الطبيعة مبدئيا). وأن الماضى مستقر فينا (ما نعلمه وما لم نعلمه عنه بعد). وأن درس التاريخ يشير الى أن وحدة الكون كانت مستقرة وحالة (من الحلول) فى الكيان الانسانى الذى كان مركزه جهاز عصبى راق حسيا رقيا يسمح لهذه الوحدة أن تحل فيه، وأن يعاينها معاينة حسية تصل الى أن يلمس هذه الوحدة ويتشممها ويراها بكل صلاتها ووشائجها وعلاقاتها المتنوعة.

ان العلم الذى نشأ جذره مختلطا بأشياء كثيرة متناقضة معه جزئيا مثل الخرافة والسحر والأسطورة والحدس والتأمل …. يعود كثيرا ليلتقط جذره الدفين من أرضه سحيقة القدم، فعلى  سبيل المثال يعود العلم ليعوض نزعة التمايز التى تسوده بالاتجاه الى التكامل ويعترف بوجود ما هو خارج نطاق الادراك معيدا النظر فى الأساطير، وتعيد الفلسفة البحث فى الحدس وعلاقته بالمعرفة، ويخوض علم النفس من زوايته فى مجال البصيرة والعلم اللدنى وهكذا.

كما يبدو أننى أرى أن القانون والفن والدين والعلم هى معارف انسان الوعى، الا أن جذور كل ذلك – تماما كما يرى فيشر – قابعة فى السحر(أبوهم جميعا). قد لا يوافق فيشر على أن السحر كان يحفظ منظومة المفاهيم التى تحافظ على الكيان الحسى للفرد. هذا الكيان الذى نما العلم – غزو الطبيعة – على حسابه بدءا بالانفصال وحتى أصبح الانسان ذاته يواجه الطبيعة كموضوع (التكريس الأول للثنائيات فى المعرفة البشرية). مضحيا بالذات ضريبة للموضوعية!!!!. الا أنه يوافق على أسبقية السحر بشكل عام. يدعمنى بشكل ما فريزر وتيلور .

واتساءل عن كيفية المعرفة قبل الانفصال وحدودها وآمل لذهن ما بعد الانفصال أن يعرف أهله بدءا بأبيه السحر(المادى/الواحدى) متعرفا على اشقائه….. والا فالكهانة …. وأتصور أن التصوف بشقيه الايجابى والسلبى يتربص بالمأزق الانسانى (الاغتراب الجماعى والفردى) واعدا الانسان بالفراديس (القديمة والجديدة) وأن يعيد له تناغمه وتناسقه ووحدته وخلوده معاونا اياه على مباشرة وحدة الكون الحى. والحل الاجتماعى بمختلف تياراته وكافة روافده يبتغى توفير عدل الفرص المتكافئة كبداية. وكلا الحلين يكملان بعضهما بعضا ولا انفصال، وأتصور أن الاعتراف المتبادل من الحلين لبعضهما البعض امر طيب .

ان الاتجاه الى غزو الطبيعة كان دعامة العلم ودعامة العقل الانسانى الذى هو جزء من كل انسان فجزء من كل طبيعى .

أعود للاستشهاد مرة اخرى لأشير أشارة أخرى.

(ان تفكك الفكر هو قمة التحدى لمكاسب الانسان المنطقى واللغوى وبالتالى فهو يعبر عن قمة احتجاج واعلان فشل أرقى ما فى الانسان أن يحقق ما هو انسانى) الرخاوى فى حديثه عن الفصام .

وأتصور هنا أن مادام العقل (العقل) عاجزا عن ملء الكيان الحيوى للانسان وأحاسيسه المتدفقة، ولما كان العقل لا ينمو الا بلاخر الحوار وليس الامتلاك، وهو ما تشهد المسيرة البشرية بأنه تم على أرض الألم وفى خلفيته…… ألا يفقد القطيع بعضا من عنزاته فى الطريق…..؟ نكوصـأ وتناثرا من هول النمو وصراخا(السحر/ العلم،السحر/الدين، السحر/ الفن ،(من يدرى)……..).

وما دمنا قد انزلقنا فى أرض علم النفس والمرض النفسى فأتصور مايلى:

  • يعتمد الفصامى على المنظومة السحرية فى (معرفته) ويدافع البارانوى بمنظومته العقلية ضد آلام النمو ……………. والله أعلم .

  • أن أقوى ما يدعمنى هو فكرة (معرفة) الهوسى وفقده لحدود ذاته وتوحده مع الكون .

  • أن مقال (الباحث أداة البحث وحقله – الرخاوى) حنين لواحدية المعرفة (الذات/الموضوع) (التوجه الكلى على أرض الاتساق).

  • أن الفينومنولوجيا كلها محاولة لـ(عود على بدء)……..لعل .

  • أن الوجدان الانسانى الذى نتج من صراع اتجاه التطور الانسانى (معاداة ومسالمة الطبيعة) يظلل الرحلة حاليا بمساحة من الخوف (العام) .

  • كذا يكون المرض صرخة احتجاج. خطوة ارتدادية للخلف.اضطراب فى العلاقة الاساسية الوعى/ الوجود بدون أى اعلاء ولا تبرير. فالمرتد محتج ناشد للأفضل مطالب بالثمن .

أتســاءل:

هل حقيقة ان الحضارة بدأت بالغم (الانفصال وموت الأب) وانتهت بفقد المسرة (الاغتراب والانشقاق الانسانى؟).

واذا كان الأمر كذلك:

ألا تكون (الجنة) هى عودة التجانس للذات الفردية (بما تضمنه من بعد عام متصاعد)، (الحس/ العارف) ولكن بشكل أرقى من الماضى ودائم الرقى انطلاقا من ماضى تلك القطعة الطبيعية/ الانسانية؟ ……

ألا تكون (النار) هى الاغتراب والانشقاق الانسانى سواء كانت الذات تعيش هذا الاغتراب وذلك الانشقاق أو كانت تقاومها (أكرر الذات ببعدها الفردى والجماعى؟) .

وألا يكون الوجه الثانى للحياة وهو وجه ادبارها (الموت) هو تغير فى المظهر المادى للوجود الى مظهر لم ينكشف منه فى المعرفة البشرية بعد الا جانب توقف الفعل وتحلل الجسد ؟…..

وألا يكون (البعث) رمز تغير كيفى. نقله فى الوعى الانسانى فى رحلته الأبدية؟.

أو ليس أنسنة الوجود هى غاية الوجود (حتى ساغة تاريخه!) وهى هى غاية الانسان؛ الأنسنة التنى تعى ضرورة الـ(عود على بدء؟) .

أوليس ذلك غاية بعيدة على مرمى البصر. هناك حيث تتماثل – استباقا افتراضيا – قوانين الوجود والفكر(بدون أن نقع فى قبضة هيجل؟).

أو لا يفتح هذا التصور الباب بغاية الغايات المرحلية فى لحظة من لحظات التاريخ العظيم للانسان، غاية باطنة محايثة للانسان المغروس فى الطبيعة عاشقة التجريد؟ ( والتى أتصورها حاليا والافاق أمامها مفتوحة اللانهاية….. اللانهاية وأتصورها حاليا تجرب درب الوعى وسيثتد ساعدها وتتعلم تجاوز الـ(خبط عشواء).

أو ليست هذه حريتنا وجبرنا نحن المستوى الانسانى سادة هذه الطبيعة عبيد اغتراباتنا؟ وأليست الغايات متصاعدة بلا انقطاع؟.

وألا يعتبر هذا التصور خلفية وأساس للعلاقة بالآخر لو صح هذا التصور؟

أتســاءل:

أهى منظومتى …………؟

أرجح كل تساؤلاتى بالايجاب .

ولا أجد أقرب الى نفسى لأوضح نفسى وأنهى قولى الا قول طاغور ……. فى أحد كتبه:

(أين ألتقى بك الا حيث تكون دارى دارك وأين أتصل بك الا حيث يتحول عملى الى عملك، أننى اذا تركت دارى فأننى لا أصل الى دارك، وأننى أذا انقطعت عن عملى لن أستطيع أن أتصل بك فى عملك، لأنك تسكن فى أعماق نفسى وأنا أسكن فيك، أننى لاشئ بغيرك وأنك لا شئ بغيرى، لذلك نحن فى دارنا وفى عملنا نبتهل (خذ بيدى الى الأمام) فهنا يموج البحر وهنا يقف الشاطئ الآخر منتظرا وصولنا اليه. أجل هنا الحاضر الذى لا ينتهى وليس ثمة له مكان ولا زمان آخر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *