الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / خواطر تآمرية: تعاطف وإنسانية؟ أم تكتيك لاستعمار اقتصادى وتبعية مُذلّة؟ وكيف نختم المباراة لصالحنا؟

خواطر تآمرية: تعاطف وإنسانية؟ أم تكتيك لاستعمار اقتصادى وتبعية مُذلّة؟ وكيف نختم المباراة لصالحنا؟

نشرة “الإنسان والتطور”

30-3-2011

السنة الرابعة

 العدد: 1307

 خواطر تآمرية

تعاطف وإنسانية؟ أم تكتيك لاستعمار اقتصادى وتبعية مُذلّة؟

وكيف نختم المباراة لصالحنا؟

البرامج التآمرية البيولوجية هى التى حفظت بقاء من تبقى من الأحياء حتى الآن (واحد فقط من كل ألف من الأحياء عبر تاريخ الحياة: من بينها الجنس البشرى والحمام والثعابين والنوارس والذباب إلخ!!!)

التفكير التآمرى أصبح وصفا لكل من يحاول أن يفهم غير المعروض عليه للفهم جاهزا، من أول طريقة عمل الأدوية النفسية حتى التطهير العرقى، بعد إطلاق أسماء التدليل عليها (مثل: الطب الحديث، ونشر الديمقراطية، والحروب الاستباقية، والقضاء على أسلحة الدمار الشامل).

المفروض أن التفكير التآمرى الإنسانى الأحدث هو بداية الوقاية من مخاطر كل ذلك، إذ أنه  ليس إلا  إحياء لهذه البرامج البقائية على مستوى العقل البشرى الحديث، ولكن الذى حدث أنه أصبح تهمة تلقى فى وجه كل من يحاول التفكير السليم بقوانين البقاء .

الأحياء التى بقيت حتى الآن لم تبق بسبب ذكاء خططها الخمسية أو بسبب الحصول على أعلى الأصوات فى صناديق انتخاب البقاء، أو لنجاحها فى زيادة الدخل القومى بناء عن توصيات البنك الدولى للنمل أو للذباب، ولكنها بقيت لأنها استطاعت أن تحل شفرة البقاء بآليات الصراع البيولوجية  المتاحة من أول الحصول على المواد الأساسية لاستمرار الغذاء فالحياة، حتى التكيف مع الطبيعة المحيطة وكذلك التكامل مع الأحياء الأخرى الأذكى تآمريا، وأيضا النجاح أحيانا فى الصراع الاضطرارى مع نوع آخر من الأحياء أغبى تآمريا.

الجنس البشرى ليس بدعا من كل ذلك، وعليه أن يتمسك بإنجازاته الأحدث فالأحدث، ليضمِّنها فى برامج البقاء الأقوى والأبقى، لا ليحله محل برامج أجداده المحترمة والناجحة

أعرف مدى المقاومة التى تقابل كل ذلك، وأتحمل نتائجها، وأنا أعيد النظر فى كل ما جرى ويجرى ونحن فى أول الشهر الثالث بعد الإفاقة اللازمة الرائعة يوم 25 يناير 1911

تساؤلات مبدئية:

الثورة هى إبداع لازم، ومثل كل إبداع هى معرضة لإجهاض محتمل، تبدأ باندفاعة  إفاقة جماعية ثم تتطور بقدر ما أعدّ لها قبلها، وأيضا بقدر ما يستطيع مبدعوها أن يحافظووا على توجهها حتى يكتمل الإبداع الذى هو حمل طبيعى حتى لو كان سفاحا، فهو حمل رائع الوعود.

ما الذى يجرى الآن بين شعوب المنطقة العربية ليفيقوا هكذا مرة واحدة فى احتمال صلاة جماعة ثورية؟ أهى انتفاضة تهدف إلى أن تطيح بحكام كانوا ظلمة طوال عقود (أو قرون)، وظلوا ظلمة حتى تاريخه، (برغم أن الأرجح  أنه  سوف يحل محلهم مثلهم بعد تعديل طفيف أو تجميل خفى، ما لم نحل دون ذلك؟) مرة أخرى: هل هى صلاة جماعة واعدة؟ أم أنها أنفلونزا الطيور الثائرة تنتقل عبر موجات الأثير لتصيب الناس بأعراض تشبه الثورة وقد تتحول إلى مناعة فثورة أو غير ذلك؟

كل الاحتمالات واردة.

 من حقنا أن نفرح لهبوط درجة حرارة الظلم، واختفاء طفح بثور التعذيب، ولكن علينا أيضا أن ننتبه إلى العمل على تطور الانبعاثة إلى ثورة، وإلا فهو المرض فالإجهاض، وقد بدأت بعض أعراضه تلوح فى الأفق.

 الأعراض التى حلت أو تحل محل الإبداع الثورى قد تكون أعراض جانبية للتداوى بالديمقراطية المغشوشة المستوردة حديثا، باهظة الثمن، كما قد تكون أعراض التسمم لعدم ضبط جرعة التداوى بالسماح باستيراد الأفكار المسمومة سرا، والمسرطنة تبعية؟ تماما مثلما يحدث فيما يسمى نقلة الأعراض symptom shift  أو نقلة الزملة المرضية  syndrome shift

 أخطر الخطر هو إجهاض الإبداع (الثورة) إلى مرض، والأخطر أكثر هو التحول من الصورة الإيجابية للمرض المزعج، إلى الصورة السلبية للمرض الخامد.

التاريخ يقظ، ونحن غافلون؟

مع كل الفرحة بهذه الانتفاضات المتلاحقة، ومع كل الحمد والشكر والاحترام لمن قاموا بها، أو أشعلوها، وبعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، (أو أننا فى الطريق إلى ذلك) علينا أن نعيد النظر فى دفاترنا، الاقتصادية خاصة، ونحن نتعامل مع من يزعم أنه يأخذ بيدنا وهو يقدم لنا النصح والمعونة فيما ليس من شأنه أصلا، خاصة لو غلف نصائحه بلفافات الحديث عن ديمقراطية مشبوهة، وحقوق إنسان تطبق “حسب الطلب” بتحيز لا جدال حوله، وهو يتمثل مواقف إنسانية تمصمص شفاهها وكأنها تشارك الشعوب المظلومة جدا جدا (هكذا تذكر فجأة أنها شعوب مظلومة مع استثناء الشعوب المحتلة عسكريا ، والمجوَّعة حياتيا) فى كفاحها للتخلص من حكامها (وليس مستعمريها الرحماء!!).

هل كل ما علينا هو أن نقدم واجب الشكر والتبعية لهؤلاء الإنسانيين الطيبين جدا، وأن نتغافل عن مناظرهم وهم يشحذون أدواتهم للاستعمار والاستغلال والتضليل والسيطرة باستغلال الأرض بما فى داخلها من مواد أولية، وما عليها من عبيد الأرض الذين يباعون مع أرضهم وما فيها فى صفقة واحدة؟

هل نحن خرجنا ثائرين فى الشوراع والميادين لنستبدل حكامنا الدكتاتوريين بالمجرمين والقتله من قادة الغرب؟

 ماذا يحدث بالضبط فى المنطقة؟

 لماذا وقفت الجامعة العربية حتى قبل الحرب الأهلية الليبية موقف المتفرج، أو الغافل، أو المبارك لما يحدث فى طول العالم العربى وعرضه، وحين نطقت ركزت على إضاءة النور الأخضر لقوى خارجية لتتدخل وبالقوة  فى مسيرة الصراع بين شعوب مظلومة، وحكام ظلمة؟

لماذا تشارك قطر والإمارات – يا لقوة جيوشهما واحتياج الناتو لهما- فى الحظر الجوى على ليبيا، ولم يخطر على بالها أن تشارك فى الحظر العاطفى على إسرائيل؟

لماذا  لعق الحكام العرب حذاء مجرم الحرب “بوش”، ومجرمى الحرب فى إسرائيل الواحد تلو الآخر وهم ينتهكون كل القيم الإنسانية ويقتلون كل الأبرياء أطفالا وكهولا، ثم جاؤوا الآن – بكل إنسانية-  يشاركون فى ضرب ليبيا بكل هذا الذكاء التكنولوجى الأحدث؟

الود ودى أن أزهق روح هذا العقيد الذى يقتل ناسه الأبرياء بدم بارد، أزهق روحه بيدى أو بحذائى  فى عقر داره أمام ناسه الأبرياء، لكن ليس هكذا، وليس عن طريق هؤلاء وضمن مخططاتهم.

لابد من احترام حركية الشعوب دون الاستسلام للمحرضين، ومرتبى الأوراق لصالحهم

علينا أن نعيد قراءة الجارى ونحن فرحون بكل هذه الانتفاضات الرائعة، فخورون بشبابنا، وحتى لو افترضنا أنهم استعملونا لصالح أغراضهم، فنحن قادرون أن نحوّل الدفة لصالحنا بحسبة أذكى فى لعبة أنفلونزا الثورات، لنقلبها احتفاليات بسبوعات المواليد الحقيقيين للإبداع الثورى الحقيقى، لا بد أن تبدأ الحسبة بترتيب الأوراق  ترتيبا سليما:

أولا: نحن العرب لا نمثل لهم قيمة إنسانية فى ذاتها، لأن هذه القيمة غير مطروحة على وعيهم أصلا بالنسبة لنا، اللهم إلا من بعض المستشرقين الطيبين الأمناء، وبعض المبدعين والجماهير من شعوبهم الشرفاء، لكن ليس من الساسة أو تجار الحروب ومصاصى الدماء، ومن وراءهم.

ثانيا: نحن العرب بالنسبة للمستعمرين التكنولوجين الجدد لسنا إلا مجرد مصدر للمواد الخام الأرخص، ثم عمالة مسخرة، وبعض رؤوس الأموال المخزونة فى بنوكهم، أو المستثمرة لديهم، وربما نصلح مجالا للتجريب، وأحيانا للفرجة

ثالثا: إسرائيل لم تعد تقع فى الواجهة، لم تعد “وزيرا” (فرزا) على رقعة  الشطرنج، ربما هى “الفرس” الذى سيقفز فى أى وقت ليصطاد بيذقا هنا أو فيلا هناك، لكنهاالآن تقف متحفزة “ستاند باى” ربما لتقلب اللوحة كلها، إذا لم يفوّتوا لها قطعة كبيرة من “تورتة الشرق الأوسط الجديد”،

رابعا: أمريكا تمر بحالة اقتصادية تنافسية على مستوى العالم، وهى تدعم نفسها بأموال وخامات وناس الشرق الأوسط (وغيره) بأسرع ما تستطيع،  إذ يبدوا أن أوراقها القديمة (الدولار، البترودولار) لم تعد بنفس قوتها التى كانت تجعلها فى مقدمة المقدمة دائما أبدا

خامسا: أمريكا تحاول الخروج من ورطتها الاقتصادية، والعودة على رأس قائمة لوحة التنافس باستعمل هذه المجموعة العربية الغافلة، الظالم حكامها، والمقهورة شعوبها (بصفاتهما السالفة الذكر فى بند “أولا”)

سادسا: الحكام العرب الحاليين  انتهى عمرهم الافتراضى، فلم يعودوا يصلحون للوفاء بهذه الدرجة القصوى من الاستعمال والاستغلال، ومع الخوف أن تسرى موجة الديمقراطية لشعوبهم، فى غفلة من المتحكمين فى أزرارها، قرر مديروا اللعبة أن يخلعوهم  قبل أن يتمكن غيرهم من تثبيت أقدام بدائلهم بديمقراطية حقيقية أو ثورات كاملة .

****

ليكن كل هذا صحيحا، أو تفكيرا تآمريا،

لكن لا هذا ولا ذاك يمنع من أن نعيد حساباتنا، حتى لو كانوا هم الذين بدأوا اللعبة لصالحهم، لأننا لو انتبهنا بدرجة كافية فقد نستطيع أن نقلب نهاية الدور لصالحنا: “كش مات”.

 مهما كانت نقلات الخصم طوال دور الشطرنج هى الأذكى، فإن المهم “من يقتل الملك” أولا” وذلك بدءا بفهم أشمل لقواعد اللعبة العالمية ثم محاولة التعاون مع المتنافسين (اليابان والصين والبرازيل وروسيا كأمثلة)، لندعم تدرجيا وبإصرار وعمل وإنتاج قدراتنا الاقتصادية، وتفجير إبداعنا، وتعميق ثقافتنا، طول الوقت.

وبعـد

أنا لا اشك فى أن القارئ الذكى لا يمكن أن تصل إليه من خلال هذه المحاولة المتواضعة أن كاتب هذا الخاطر هو مع القذافى أو مع ما يفعله بأية درجة أو شكل، فأنا أرى أنه لا بد أن ينال هذا القذافى، مثل أى  حاكم ظالم قاهر فى أى بلد عربى أو غير عربى،  جزاءه حتى الإعدام وما هو أقسى منه إن وجدت عقوبة أقسى، لكن يتم ذلك بيد أهل بلده، ومن خلال عدل قضائى مطلق، محلى وعبر العالم دون تمييز.

ثم إنه لا ينبغى أن يقلل هذا الخاطر من احترامى وفرحتى بقيم الإنجاز الذى تم عبر العالم العربى، وفى مصرنا خاصة بدءا بالشباب خاصة، حتى لو كان الدافع إليه مغرضا،

خبث الدافع وتحريكه من الخارج لا يحرم شعوبنا من فضل التلقائية والاستجابة الكريمة لما استيقظ بداخلها من كرامة وإبداع وصلابة ومثابرة، ولا هو ينقص من حق شهدائنا فى التقديس، وعهدنا لهم بالاستمرار نحو عدل حقيقى يحقق كرامة البشر ويحفظ لهم تفوقهم – بشرا – على سائر الأحياء، فى كل مكان تشاركنا فى ذلك كل العالم برغم أنف حكوماتهم ومن وراءها.

والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *