الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / حوار مع مولانا النفّرى (58): من موقف “الكبرياء”

حوار مع مولانا النفّرى (58): من موقف “الكبرياء”

نشرة “الإنسان والتطور”

السبت: 14-12-2013

السنة السابعة

العدد:  2298

 

 حوار مع مولانا النفّرى (58)

من موقف “الكبرياء”

ملمح إلى حركية الجدل

وقال لمولانا النفرى فى موقف “الكبرياء”

   وقال لى:

               بدأت فخلقت الفرق فلا شىء منى ولا أنا منه،

              وعدت فخلقت الجمع فيه اجتمعت المتفرقات وتألفت المتباينات.

 فقلت لمولانا:

كنت أكتب هذا الصباح قبل حوارى معك مباشرة إلى صديقين يعرفانك الأول شاعر جميل كتب يوما يستنقذ بك “..يا نفرى” وكان هذا فى ساحة فتحها لنا الثانى نتحرك فيها نحونا بنا مجتهدين إلى تميز ومعرفة نلقى بها ربنا، وإذا بى اكتشف الآن حين رجعت إليك أن ما كتبته كان بفضلك أيضا، حين أتاح لى حوارى معك أن أعيد اكتشافه باستمرار من خلال فيضك، وهو أن فى هذه المواقف التى تركتها لنا، أو جمعوها بعدك، منهج معرفى متكامل، أقر وأعترف أنه شديد الصعوبة حتى الاستحالة، لكنه شديد الضرورة حتى استحالة الاستغناء عنه، الذى اكتشفته يا مولانا وأنا اكتب للصديقين هذا الصباح هو أن هذا المنهج هو الأكثر تناسبا مع هذه اللغة الحضارة، تلك التى نزل بها قرآننا الكريم، ومع ذلك هو الأكثر بعدا عن كل الذين يتصورون منا أنهم يريدون أن يتميزوا بالرجوع إلى التراث، وإذا بهم يرجعون إلى اجتهادات تفسيرات وتأويلات مسجونة فى ألفاظ المعاجم ومتاحف الحرف كما علمتنا يا مولانا، فى حين أن أهل حضارة أخرى أقل عمقا وأصحاب لغات أخرى أقصر رسوخا يكتشفون هذه الأيام بعض الطريق إلى هذا المنهج الذى استلهمه منك وهو الذى أشعر أننا أوْلى به.

توجد يا مولانا قضايا عجزتْ حروفهم وحروفنا أن تلم بها، أو تشرحها، أو تكشف عنها أو توظفها، وهم يعترفون بذلك بأمانة وشجاعة، ثم لا يزالون يجتهدون فى محاولة الإحاطة بها برغم العجز المتزايد،من ذلك مفهوم “الوعى” يا مولانا، ومفهوم “الجدل”.

 ما أسهل ترديد كلمة “الوعى” واختزالها إلى أنها تعنى ما هو ضد “اللاوعى” فأبتسم وأنا أتذكر كيف “علمتنا وتعلمنا احترام “العلم الذى هو ليس ضده الجهل”، و”الجهل الذى هو ليس ضده العلم”، سمعنا كلام الأولين منهم واختزلنا الوعى يا مولانا إلى ما هو ضد اللاوعى، ولم نتابع حركتهم، ولا نحن بدأنا حركتنا، لم يعد يوجد شىء اسمه اللاوعى، وإنما هو وعى ووعى، ووعى، ووعى …الخ.

ثم خذ عندك يا مولانا “الجدل” الذى حاولت الحروف أن تسبر غوره وعجزت، بل شوهته وقدمت غيره مستقطبا ملفِّقا ماسخا، لم أتعرف على الجدل بحقه إلا فى واقع عملى وأنا أمارس مع مرضاى وتلاميذى العلاج الجمعى فنخلِّق دون حروف وحسبة أو رموز خانقة وعيا جماعيا من أضداد كثيرة.

 الأمناء من الذين سبقونا يا مولانا تنبهوا – ونبّهوا – إلى أن الحديث عن الجدل أو الكتابة فيه، أو محاولة شرحه هو “ضد الجدل”، حين أتيحت لى الفرصة أن أتتلمذ على كلماتك فهمت هذا التعبير الصادق أكثر،

 كنت دائما أعجب أو أتساءل وأنا أتجول فى حدائقك لماذا لم تستشهد يا مولانا بآية واحدة من القرآن الكريم أو حديث شريف واحد ولو بغير إشارة إليه، ثم وصلنى مغزى ذلك بالتقريب مما لا أريد أن أعرج إليه حالا على الأقل،

 اليوم من هذا المقتطف من موقف “الكبرياء” وصلنى بعض معالم الجدل دون ذكر الجدل.

الجدل حركة إلى ولاف يجمع ليفترق، والحركة لا توصف إلا ونحن نتحرك معها فلا نحتاج إلى وصفها، فهى إنما تدعونا لأن نتحرك معها وفيها وبها، والحركة منه وإليه، فهو باعثها ومنظمها ومفرقها وجامعها بلا شىء منه ولا هو منها، وهو يسمح لمن يحاول أن ينقسم إلى ما يتكون منه، فخَلَقَ الفرق، لكن الفرق إذا ظل فرقا ماتت الحركة، فهو قد خَلَقَ الفرق لـنَفْـيِـهِ حين يحفز الحركة إلى الجمع، فخلق الجمع، فتتواصل الحركة ولا يتصلب الجمع ساكنا، كما قال لك: فالجمع فيه تجتمع المتفرقات، وتتآلف المتباينات ولا تتوقف الحركة إليه.

أليس هذا منهج آخر للتعرف على الجدل مباشرة ونحن نعايشه ليل نهار منذ الأزل وإلى أن نلقى وجهه؟

 أليس هذا المنهج هو الذى استطاع أن يتجاوز عجز الحرف ليضعنا وسط بؤرة المعرفة دون أن نسكن فيها أو نسكن إليها.

عذرا يا مولانا أن أتكلم بلغة لم تعتدها منى لكننى أدعو الله أن يلهمنا أن نحافظ على كل مصدر معرفة يميزنا كما ميزتنا لغتنا العربية معمارا حضاريا امتدادا إلى معرفة إبداعية مبدعة إلى وجهه تعالى، بلا نهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *