الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / حوارمن الخاص إلى العام

حوارمن الخاص إلى العام

نشرة “الإنسان والتطور”

22-11-2011

السنة الخامسة

العدد: 1544

 

حوارمن الخاص إلى العام

مقدمة:

  أعرف أن موقعى الخاص –مثل أى موقع-  لا يصح فيه التمادى  فى  التكلم عن صاحبه، وتاريخه، وإنجازاته، ..إلخ، وقد تجنبت ذلك ما أمكننى، إلا أن حوارا مطولا نشر يوم الجمعة الماضى 18/11/2011 فى ملحق الأهرام الثقافى، وقد طلب منى عدد من أصدقاء الموقع وغيرهم أن أعيد نشره فى الموقع لمن توقف عن قراءة الأهرام الصحيفة الورقية اليومية (وهم كثيرون) فنزلت عند رأيهم بعد حذف المقدمة التى فيها كلام مبالغ فيه عن شخصى، أجرت الحوار الأستاذة: سهير عبد الحميد.

أ. د‏.‏ يحيى الرخاوى …….. لديه دائما الإجابات الجامعة المانعة‏-‏ بلغة أهل المنطق‏-‏ بشأن شتى المسائل الفكرية والإشكالات النفسية.

 ………………

يتحدث موضحا السلبيات التى يعانى منها المجتمع بسبب سوء الفهم للمرض النفسى، ومحاورته أمر شائك وممتع فى الوقت ذاته.

أ. سهير: مراحل الطفولة والصبا والشباب يظل لها فى نفس كل منا أثر ما لا يتركه ويظل ذلك الأثر يلقى بظلاله علينا فى شتى مراحل الحياة.. فماذا عن تلك المراحل فى حياة د. يحيى الرخاوى؟

د. يحيى:

لا أظن أننى أستطيع أن أتكلم عن مراحل طفولتى أو حتى صباى وشبابى بمعنى أنها ماض يُستعاد، أو حتى بمعنى أنها آثار باقية لها ظلال، أنا أعيش هذه المراحل حتى الآن، فأنا مواظب على قراءة ميكي، وأصاحب عم دهب، وأكره الساحرة سونيا، وأحب بطوط، وأركض مع سوسو ولولو وتوتو: أستظرفهم، وأستثقل دم محظوط، وأرفض بشدة سطحية شخوص مجلة علاء الدين الذين يهينون خيالى بوصايتهم عليه،وهم  يقفون منى شراحا وناصحين معظم الوقت، كما أننى أشاهد معظم الوقت قناة نيكلوديون (صورة بدون صوت)، أثناء كتابتي، وأحيانا فى خلفية عملى، فكيف أتكلم عن مراحل طفولتى بمعنى أنها ماض انقضى؟ لكن طبعا هناك ماض لا أستطيع إلا أن أستعيده ، فأنا أستطيع أن أذكر النورج أثناء درس القمح (إن كان ما زال موجودا)، وأن تحضرنى نفس مشاعر الغيرة من أخى الأكبر وهو يلاعب ابن عمتى بالساعات بنج بنج، وينسياننى تماما، بل ويتهربان منى، فأشعر بأننى بلا قيمة، ولا أنسى ذكرياتى وأنا  أركب قطار الدلتا من بلدتنا إلى زفتي، ثم وأنا  أشوط طربوشى من محطته حتى باب المدرسة، فألمه وأفرده قبل دخولى،

خلاصة القول، إن مراحل الطفولة والصبا تظل معنا، وإن تغيرت تجلياتها لتغير الظروف، المرحلة اللاحقة فى النمو تحوى السابقة ولا تمحوها أو تقلبها إلى مجرد ذكريات، وهى قد تطلق سراحها متى أتيحت الفرصة.

أ. سهير:  كيف بدأت قصتك مع الأدب إلى الحد الذى جعلك تبدع فيه؟

د. يحيى:

بدأت محاولات كتابة القصة فى المرحلة الابتدائية القديمة، شخبطة أطفال، لكننى فى سن الثالثة عشرة ( ثالثة ثانوى قديم) كتبت قصيدة فى مولد النبي، مجرد أرجوزة، بشكل سجعى خائب، منها “ولد السعيد فأسعدا، هاك الظلام تبددا…. أبشر بنى الإنسان قد: أهداك ربك مرشدا”..إلخ، لكن فى سن الخامسة عشرة، وكان مصروفى فى الشهر لا يتعدى خمسين قرشا (نصف جنيه أكرر: فى الشهر) كتبت قصيدة ما زلت أتعجب لماذا كتبتها وأنا بعدُ فى هذه السن،  جاء فيها: “أنظر إلى مالك

، واعجب على حالك

، وابكى على ما فات

، من عمرك الحالك

، فأنت من أموات

 فاسلك مع السالك،

 فى عالم اللذات

، فكلكم هالك”،

 وحتى الآن لا أعرف كيف كتبت ذلك ومصروفى فى الشهر نصف جنيه، وأنا لا أعرف ما هو عالم اللذات أصلا، ثم توقفت، ولا أعتبر هذا أدبا أصلا.

أما كتابتى لثلاثيتى المشى على الصراط التى نال جزآها الأول والثانى جائزة الدولة التشجيعية فى الأدب سنة1979، فلها قصة تتعلق بفضل مرضاى على كل ما أنتجتُ بعد ذلك فيما سمى أدبا، فقد بدأت هذه الرواية بكتابة فصول متتالية فى مجلة شهرية اسمها “الصحة” كانت تصدرها وزارة الصحة، وترأس تحريرها د. نوال السعداوى، وكانت بعنوان “يوميات مريض نفسى”،  وكنت أرغب من خلالها أن أعرض كيف يشخص المريض الطبيبَ مثلما يشخص الطبيب المريض، ثم توقفت المجلة، وتواصلت خبرتى مع مرضاى تعرّينى مع تعريتهم، ولم أجد فى المنهج العلمي، ما يسعفنى لأنقل خبرتى هذه إلى زملائى أو إلى الناس، فأعدت كتابة هذه الفصول فى الجزء الأول من الثلاثية بعنوان “الواقعة”، وكنت أستلهم ما وصلنى من مرضاى من عميق خبرتهم المرعبة كأنها يوم القيامة (الواقعة)، وامتدت هذه الرؤية أثناء كتابة هذا الجزء إلى البحث عن الله والتوجه إليه من منطلق الوعى الكاشف حتى لو بدا  مرضيا، ثم تطور الأمر فى الجزء الثانى من الثلاثية باسم “مدرسة العراة” لأكمل نفس القضية، ولكن على لسان أحد عشر مريضا، كل من وجهة نظره مستقلا،، شىء أشبه بعمل فتحى غانم “الرجل الذى فقد ظله”، أو “رباعية الإسكندرية” لـداريل، أما الجزء الثالث فقد كتبته بعد ربع قرن باسم “ملحمة الرحيل والعود”، وفيه الجيل الثانى لشخوص الجزأين: (الروايتين) الأول والثانى، واستمر فيه البحث عن الله سبحانه، وقد نشرته الهيئة العامة للكتاب من ثلاث سنوات تقريبا، وإن لم يلتفت إليه أحد من النقاد حتى الآن.

أ. سهير:  ما سر تعلق الأطباء بالأدب.. والقائمة تضم أسماء عديدة فى العالم مثل الأديب الروسى تشيخوف وفى مصر مصطفى محمود ويوسف إدريس وإذا عدنا أبعد من ذلك وجدنا ابن سينا والرازى… هل هناك تفسير نفسى لذلك. أم أنها المصادفة البحتة؟

د. يحيى:

لا يمكن البدء بالتسليم بهذا القول ببساطة إلا إذا أحصينا نسبة الأدباء من المهن الأخري، وهذا صعب، وفى مصر مثلا علينا أن نعرف عدد من نبغ من الأطباء فعلا فى كتابة الأدب، فمصطفى محمود أديب بدأحياته فى الأدب والطب والصحافة معا، ثم ترك الأدب والطب إلى ما تصور أنه أنفع فتسطح رغما عنه، أما يوسف إدريس فقد تفرغ للأدب، حتى يكاد يعتبر أنه لم يمارس الطب لا بالقدر الكافى ولا للمدة الكافية التى تسمح بتفسير هذا الربط، أما تشيخوف فهو قد ظل يمارس الطب ويكتب الأدب فى الوقت نفسه، ومن أهم أقواله فى ذلك وأكثرها دلالة قوله إن الطب هو زوجتى والأدب عشيقتي

فإذا انتقلنا إلى الرازي، فأنا لا أعرف أنه كان أديبا، وأغلب إنجازاته كانت فى الطب، وفى أكثر من مجال وتخصص، وكانت كتاباته فى غير الطب أقرب إلى النقد الفلسفى والإبداع المعرفي، خصوصا فى نقد الدين حتى كفـروه صراحة، وابن سينا لم يكن أديبا أصلا، وإنما كان طبيبا فيلسوفا، وعلاقة الطب بالفلسفة أقرب إلى علاقة الطب بالأدب، فأبوقراط أبو الأطباء يقول: ما يصلح للطب يصلح للفلسفة، وما يصلح للفلسفة يصلح للطب، والفيلسوف الطبيب أقرب إلى أن يكون إلها، وحتى قصيدة ابن سينا العينية عن النفس هى قصيدة ضعيفة شعريا، وأفكارها أيضا فلسفية متواضعة، لكنه يظل فيلسوفا طبيبا طول الوقت، وليس أديبا.

أما حكاية التفسير النفسى لأى من ذلك، فأنا أرفض عادة تعبير التفسير النفسى لهذه الظواهر التى لا تحتاج إلى تفسير أصلا، لا نفسى ولا غير نفسي، فأولا: هى ليست ظاهرة بالمعنى الإحصائى كما أشرت فى البداية، وهى تعتمد على الاختلافات الفردية أكثر مما تعتمد على تأثير المهنة، وفى مهنتى لا يمكن أن يكون تفسير ما دفع الدكتور إبراهيم ناجى إلى كتابة الشعر، هو تفسير ما دفع الدكتور محمد كامل حسين أن يكتب روايته “قرية ظالمة” أو فلسفته “وحدة المعرفة”، وهذا وذاك غير ما دفعنى لقراءة النص البشرى مثل قراءة النص الأدبي، ولا هو ما دفعنى لكتابة الشعر أو الرواية، وقد نبهت أن ديوانى“سر اللعبة” ليس مجرد كتابة علم السيكوباثولوجى شعرا، مع أن كتابى الأم “دراسة فى علم السيكوباثولوجى” هو شرح لهذا الديوان الذى اعتبره المرحوم صلاح عبد الصبور شعرا خالصا، وقد كررت مرارا أنه ليس ألفية أو رجزا مثل ألفية ابن مالك فى النحو مثلا.

– لماذا لم تتفرغ شخصيا لممارسة الادب؟

د. يحيى:

إذا كان تشيخوف قال إن الطب زوجتى والأدب عشيقتي، فأنا أقول إن النقد غوايتي، وكل من الأدب والطب كما أمارسهما هو بعض تجليات موقفى النقدى الدائم، قلت فى ردودى السابقة أننى اكتشفت أننى أمارس الطب باعتباره ممارسة نقدية، وهو ما أسميته “نقد النص البشرى”، وإنجازاتى النقدية هى الأقرب إلى نوع الطب الذى أمارسه، أنا أعتبر نفسى متفرغا للنقد سواء كان نقد النص الأدبى أو نقد النص البشري، وقد اختلط موقفى النقدى فى آخر أعمالى فى نقد أحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ، حيث جاء النصف الثانى من هذا العمل فى صورة ما أثبت أنهنص على نص”، وقد نشرت هذا العمل أخيرا “دار الشروق”.

أ. سهير: – بمناسبة الحديث عن الطب والأدب يقال إنك قمت بعملية إعادة تأهيل للأديب الراحل نجيب محفوظ عقب محاولة اغتياله حتى يعاود ممارسة الكتابة من جديد؟

د. يحيى:

هذا لم يحدث إطلاقا، وقد نفيت مرارا أن يكون دورى معه لمدة عشر سنوات هو دور طبيب نفسي، وقد قلت ذلك مرارا، بل إننى أؤكد دائما أنه هو الذى كان يعيد تأهيلى إنسانا، حتى يصح القول إنه كان يعالجنى نفسيا بمعنى إتاحة الفرصة لى لإعادة التشكيل من خلال صحبته، وقد كتبت ذلك فى قصيدتى فى عيد ميلاده الـ92 وهى القصيدة التى نشرت فى الأهرام فى 15/3/2003 ومنها:

زعموا بأنى قادر أشفى النفوس بما تيسر من علوم أو كلام أو صناعة

عفوا، ومن ذا يشفى نفسى حين تختلط الرؤي،

أو يحتوينى ذلك الحزن الصديق فلا أطيق؟

حتى لقيتــك سيدي،

فوضعتُ طفلىَ فى رحابك.

طفل عنيد.

مازال يدهش كل يوم من جديد.

……………

صالحتـنى شيخى على نفسى حتى صرت أقرب ما أكون إليه فينـا،

صالحتـنى شيخى على ناسي، وكنت أشك فى بــله الجماعة يُخدعون لغير ما هُـمْ.

صالحتـنى شيخى على زخم الجموع فخفت أكثر أن أضيع بظل غيرى.

صالحتنى شيخى على أيامنا المرة مهما كان منها.

علمتنى شيخى بأنا قد خُـلقنا للحلاوة والمرارة

نحمل الوعى الثقيل نكونـه كدحا إليه.

…………..

هذه المصالحة هو الذى قام بها لمريدٍ ضعيف لجأ إليه، فهو طبيبى وليس العكس، أما ما يقال عن تدريبه على معاودة الكتابة، فأنا ليس لى أى فضل فى ذلك، بل هو الذى بدأه وأصر عليه حتى عاد إلى الكتابة فى حدود الممكن، وقد كتبت عن ذلك فى العدد الأول من دوريته ويمكن الرجوع إليه

– أنت أول من أدخل العلاج النفسى الجمعى مصر. حدثنا عن هذا العلم ومدى ما تحقق من خلاله ؟

د. يحيى:

لست أنا الذى أدخل هذا النوع من العلاج فى مصر، وإن كنت أول من مارسه علانية فى قصر العيني، مع فرص تدريب منتظمة أسبوعيا طوال السنوات الأربعين الماضية (منذ1971 حتى اليوم)، وقد تميز هذا العلاج بأنه يجرى بالمجان فى مستشفى جامعي، ويجرى التدريب والإشراف عليه بانتظام، حتى تميز بما يلائم ثقافتنا الخاصة، فأخذ شكلا متميزا وامتد إلى مراكز أبعد فأبعد مثل المنصورة، وكلية الطب جامعة المنيا (أ.د. رفعت محفوظ) وبشكل متقطع فى الأسكندرية ومراكز أخرى كثيرة فى القاهرة، لكن استمر العلاج الذى أمارسه فى قصر العينى يتميز بما هو من منظور تطورى بيولوجى تركيبى نمائى معا من واقع ثقافتنا الخاصة.

أما أول من بدأ هذا العلاج فالأمر يحتاج إلى تعريف لهذا العلاج أولا، فليست كل ممارسة علاجية فى جماعة يمكن أن تسمى بهذا الاسم، وقد بدأت قبل قصر العينى محاولات جماعية كانت أقرب إلى اجتماعات العنبر المحملة بالنصح والإرشاد الديني، وكانت مفيدة حسب مستواها، كما بدأت محاولة مستوردة تحليلية فى قصر العينى قبل ذلك، توقفت تحت زعم أن مجتمعنا غير مناسب لها

هذا ولم تكن البدايات مقتصرة على شخصي، فقد شاركنى أ.د. محمد شعلان، خبرة باكرة فى جماعات المواجهة التدريبية، ثم ركز هو على تطبيق مبادئ العلاج للأسوياء والمؤسسات الإدارية.

أ.سهير: ولكن ما زال العلاج النفسى وصمة عار فى مصر.. وإلى متى سيظل؟

د. يحيى:

هذا غير صحيح، فوصمة العار موجودة فى كل البلاد، بما فى ذلك الأكثر تقدما، ولعل العكس يحدث فى مصر، فكثيرا ما يعتبر المريض العقلى بركة فى المجتمع الريفي، بما فى ذلك الذين يعانون من قصور معرفي، بل إن الإعلام يبالغ فى تقديم المرض النفسى بشكل سطحى يدفع الناس لقبوله أكثر من اللازم، حتى كاد يصبح أحيانا مبررا للفشل وليس معاناة جادة تحتاج للمساعدة فى حمل المسئولية،

أما دور الإعلام فى تشويه المريض النفسى والعقلى والسخرية منه، (وكذلك الطبيب، أو المحلل النفسي) فهو دور سلبى يصل إلى درجة الجريمة.

أ.سهير: – ازدواجية أنظمة التعليم فى مصر. هل تراها ضلعا فى تعدد الهـُويّات داخل المجتمع المصرى وبالتالى عدم وجود اتساق فى الشخصية المصرية؟

د. يحيى:

يا ليتها ازدواجية، بل هى تعددية، وتسطيح، وتشويش، فمن أقصى المدارس الخاصة والأجنبية، إلى أقصى غياب المدرسة أصلا فى كثير من أنحاء المحروسة، أجيال من النشء تتخرج وهى لا تعرف أصلا كلمة تربية حتى تتجانس، المدرسة ليست مكانا للتحفيظ حصة وراء حصة، وإذا افتقدت المدرسة إلى أخذ غياب تلاميذها ومدرسيها، وإذا افتقدت إلى فسحة طويلة أكثر من ساعة حتى لو بعدها حصة واحدة، وإذا افتقدت إلى حوش كبير فعلا لممارسة اللعب والحركة، فهى ليست مدرسة، لأن المدرسة مجتمع، وعلاقات وتربية ثم تعليم، وليست مجرد تحفيظ وتسميع، الأمر الذى تركز حاليا فيما يسمى مراكز الدروس فضلا عن حجرات البيوت الخصوصية.

أ.سهير: – هناك دوما مطالبات بتعريب العلوم فى مصر، وهل تراها خطوة ضرورية؟

د. يحيى:

طبعا ضرورية ونصف، لا بد أن ندرس كل علومنا بالعربية فى كل المجالات وكل المراحل، فتل أبيب تدرس علومها بما فيها الطب بالعبرية، واليابان باليابانية، والصرب بالصربية، لا يوجد شيء اسمه لغة علمية عالمية، اللغة العربية هى لغة عبقرية قادرة، وهى التى أقنعتنى بحضارة العرب بعد أن كنت أتحفظ على الاعتراف بها نظرا لما آل حالنا إليه، لا يمكن أن تفرز هذه اللغة إلا حضارة بالغة الرقي، تلك الحضارة التى نعمل الآن بإصرار على تقويضها إما بالتسطيح أو التبعية، ثم إنى أرفض تعبير تعريب العلوم، فالعلوم ليست أجنبية حتى نعربها، العلوم هى وصف للحقيقة بمنهج علمى ليس له لغة خاصة، ثم يأتى التعبير عن هذه الحقائق بكل لغة حسب قدراتها، واللغة العربية قادرة على المبادأة والتلقائية ونحت الألفاظ والإحاطة بالحقائق والتعبير عنها، خاصة فى مجال تخصصى. المسألة ينبغى ألا تقتصر على الاهتمام بترجمة العلوم من لغات أخري، بل يجب ان نثق بقدرتنا على الانبعاث من لغتنا بثقة كاملة.

أ.سهير: – قبل قيام ثورة25 يناير وبعد ظهور نتيجة الانتخابات البرلمانية التى كانت تنطق بكل آيات التزوير ساد هدوء مريب فى الشارع المصرى جعلنا جميعا نفقد الأمل فى أن هذا الشعب سيثور. وفجأة خرج الشعب عن صمته. فهل كان هذا هو الصمت الذى يسبق العاصفة؟

د. يحيى:

لا أظن أن هذا التعبير “الصمت الذى يسبق العاصفة” هو التعبيرالمناسب، فهو لم يكن هدوءا بل كان غضبا مكتوما، ولم تكن عاصفة، بل كان انتفاضة ثائرة، تلك الانتفاضة الكريمة التى أدعو الله أن نحسن استثمارها ورعايتها حتى تكون ثورة ممتدة، كان الظلم والاحتقار والاستهانة قد تراكمت حتى نسى الحكام السابقون أنهم يحكمون شعبا له كرامة، وطمعوا فى صبره أكثر من اللازم، حتى تعروا وهم يصفون جهوده الناقدة أو المعارضة بأنها خليهم يتسلوافانكشف الغطاء، وانفجر الغضب الذى علينا أن نستمر حتى نحوله كلنا إلى طاقة بناءة ونحن نقيم دعائم دولة جديدة من اقتصاد وإبداع تحت مظلة عدل وأمان حقيقيين

أ.سهير: – مصر ميدان التحرير تختلف كليا وجزئيا عن مصر التى نعرفها.. ما الذى حدث؟

د. يحيى:

لا يوجد شيء اسمه مصر ميدان التحرير، ومصر سوق السلاح، ومصر ماسبيرو، ومصر قنا أو أسوان، مصر هى مصر، من أبى سمبل حتى رشيد، من السلوم حتى رفح، الحكام الحاليون لا يعرفون مصر الحقيقية، تماما مثلما أنهم لا يعرفون معنى كلمتى عمال وفلاحين، كما أن شباب التحرير النقى لا يعرفون مصر أيضا، ولا الحكام السابقون عرفوا أو احترموا مصر، دعونا نبدأ من جديد بكل الألم والأمل ونحن نكتشف مصر بصبر  حتى تتجلى فى داخلنا وخارجنا فى كل مكان.

أ.سهير: – ما أقصده هو أن سلوكيات المصريين ايام الثورة بما تحمله من معانى التحضر ليست هى السلوكيات السلبية الهمجية التى رأيناها عقب الثورة وما حملته من انتهازية الكثيرين لتحقيق اقصى استفادة شخصية رغم ما تعانيه مصر؟

د. يحيى:

هؤلاء المصريون الذين بدأوا هذه الحركة الشجاعة التى أدعو الله أن تتم إلى ما هو ثورة بفضلهم وفضل الحفاظ على الإيجابيات دون السلبيات مثل أى ثورة تتكون، هم غير أولئك القناصة والقراصنة الذين انقضوا على جهد هؤلاء الشباب، وهم أيضا غير هؤلاء الذين ركزوا على مطالبهم الفئوية المشروعة غالبا دون النظر إلى عموم المشاكل، ولا إلى حقوق مصر عليهم اقتصادا وتعليما وإنتاجا، ونجاحنا فى ذلك فقط هو الذى يمكن أن بأن تفى لهم الدولة بهذه المطالب، وبالتالى لا يصح أن نتكلم على السلوكيات فى حزمة واحدة ونقول إن المصريين أيام الثورة كانوا كذا، ثم إنهم الآن أصبحوا كيت، برغم أنهم كلهم مصريون، إلا أن تعميم الحكم هكذا هو خطأ منهجي دائما.

أ.سهير: – هل صحيح أن ما نرا ه اليوم من ثقافة النفاق واللامبالاة والهمجية فى التصرفات والانتهازية هى سمات أصيلة ومتوارثة فى الشخصية المصرية ؟ من المسئول عن هذه السلبيات فى الشخصية المصرية.. هل هى وليدة الأعوام الثلاثين الأخيرة أم أنها وليدة عصور وعصور شهدنا خلالها كل أنواع الاستعمار والاستعباد؟ وكيف تكون فينا كل تلك السلبيات ونحن أبناء حضارة عريقة؟

د. يحيى:

كل هذه المزاعم عن السلبية المتأصلة فينا غير صحيحة، ومن لا يصدق فليقرأ عبقرية المكان لجمال حمدان، أو ينظر حوله ليلتقط عراقة هذا الشعب، وطولة باله، وقدرته على التكيف وعلى إبداع الحلول الذاتية، هذه قدرةآنية عبقرية، وليست مجرد تمحـك فى تاريخ أو تبرير لما ظن أنه استسلام، وهو ليس إلا صبر طويل قادر كما أثبت أخيرا.

أ.سهير: – ما هى الآليات المفروض تنفيذها حتى نرى شخصية مصرية متحضرة تعرف حقوقها وواجباتها؟

د. يحيى:

التغيير الحضارى بالذات يحتاج وقتا طويلا جدا، نحن فى سبيلنا أن نبنى دولة حقيقية، وهذا أمر يحتاج سنين، بل وعقودا، أما الإسهام الحضارى المؤثر فيحتاج قرونا، ونحن قادرون على ذلك، والآليات هي: العمل، والوقت، والجدية، والإبداع، من كل واحد دون انتظار أو استئذان

أ.سهير: – أعرف أن هناك صفات نفسية متوارثة بين الشعوب ونحن فى مصر نعانى من أزمة ثقة فى الحاكم ايا كان. هل تعتقد أن هذا ما يفسر التشكيك المستمر فى المجلس العسكرى وفى الحكومة؟

د. يحيى:

بعد ثورة التوصيل والاتصالات الحالية أصبحت الفروق بين الشعوب أقل فأقل، والعالم كله الآن يتضافر لمواجهة كارثة الانقراض التى تقودها القوى المالية العالمية، وتسيّرها قادة الدول العظمى لتستولى على عرق وموارد العالم النامي، لا توجد فى مصر صفات نفسية تسمح بالتشكيك فى من وقفوا بجانب الناس فى عز محنتهم مهما ترددوا أو أخطأوا، فالمسألة ليست سهلة، وعلينا حكومة وشعبا أن نتعلم معنى الزمن، ومعنى الخطأ، ومعنى المسئولية طول الوقت.

أ.سهير: هل تعتقد أن هذا الشعب المتدين بالفطرة والذى استمع لصوت شيوخ المساجد فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية أكثر مما استمع إلى صوت العقل والمصلحة الوطنية سينتصر لفكرة الدولة المدنية فى الانتخابات البرلمانية الوشيكة؟

د. يحيى:

كررت مرارا رفضى لهذا الاستقطاب إلى دولة دينية ودولة مدنية، الدولة دولة تمثل الناس، وترعى مصالحهم ويقاس أداؤها بقدرتها على تحقيق العدل والاقتصاد المستقل والأمان والتربية والتعليم والإبداع، أما أيديولوجية هذه الدولة بما فى ذلك دينها فليس لها علاقة مباشرة بتحقيق هذه الأهداف، وقد كررت ألف مرة رفضى لشعار الدين لله والوطن للجميع كما رفضت اعتبار أن الدين ممارسة تسكينية شخصية سرية بعض الوقت، الدين ليس إثما نخفيه، “فالإثم ما حاك فى الصدر وخشيت أن يطلع عليه الناس”، كذلك رفضت الإلحاح على حذف الدين من البطاقة، لا أحد سيطلب منك أن تريه بطاقتك حتى يطلق عليك نيران تعصبه.

إن خوف العلمانيين من سوء استعمال السلطة الدينية جعلهم يخافون من الدين كله، بل من المتدينين، بل من الإيمان الذى يجمع كل الأديان.

الدولة دولة، وليعلن كل من يتولى المسئولية موقفه، وعلينا نحن أن نقيس أداءه بما سبق أن ذكرته من محكات الأداء العصرى الحضارى التطورى، وهى مرة ثانية: العدل والاقتصاد المستقل والأمان والتربية والتعليم والإبداع

أ.سهير: – رغم اهتمامك بالشأن العام كمواطن مصرى إيجابى إلا أنك كنت ترفض الانضمام الى اى حزب سياسي.. هذا لأنك لم تكن مقتنعا بأى منها.. فماذا عن موقفك الحالى من مختلف الأحزاب المطروحة فى ساحة العمل السياسي؟

د. يحيى:

لا توجد أحزاب حاليا يمكن الزعم بأنها مطروحة فى ساحة العمل السياسي، ولم توجد أحزاب سابقا منذ ستين عاما، المطروح حاليا هو عملية تنشيط مشروع حياة سياسية، من أهم تجلياتها وجود تجمعات تمثل مصالح مشتركة، وأخرى تمثل آراء ومناهج مشتركة، وهذا يحتاج لنتعلم السياسة سنوات طويلة جدا حتى نكتسب ما يسمى الوعى السياسي، المصاحَب حتما بالمسئولية السياسية، بما فى ذلك ممارسة الحرية الحقيقية، والنقد المتبادل والنقد الذاتى باستمرار، وقد نضطر أثناء ذلك إلى استعمال الديمقراطية التى هى ليست إلا أحسن الأسوأ، لكن عيوبها لن تسمح لها بأن تكون الحل الدائم وهى بكل هذه السطحية واحتمال تزييفها والخداع بها، وأنا آمل، أو أحلم أن تحل لنا التكنولوجيا الأحدث إشكالة قياس مستويات الوعى المتعددة وليس فقط ظاهر الرأى الغالب الخاضع غالبا للإعلام الملتبس، وإلى أن يتم ذلك سوف أظل أمارس السياسة فردا يقول ويشارك من كل المنافذ المتاحة، أنا أتعامل مع السياسة باعتبارها بدهية تميز الإنسان الذى أعتبره سياسيا بطبعه، أما حكاية الانتماء للأحزاب الحالية فهى مؤجلة عندى تماما، مع كل شكرى واحترامى لأى مصرى يضحى بوقته وفكره بشكل أكثر فاعلية وتأثيرا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *