الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / حالات وأحوال (الحالة: 11) (الحلقة الثانية)

حالات وأحوال (الحالة: 11) (الحلقة الثانية)

“نشرة” الإنسان والتطور

1-4-2009

السنة الثانية

العدد: 579

 

حالات وأحوال (الحالة: 11)

 (الحلقة الثانية)

(سوف نكرر فى كل مرة:  أن  اسم المريض والمعالج وأية بيانات قد تدل على المريض هى أسماء ومعلومات بديلة، لكنها لا تغير المحتوى العلمى التدريبى، وكذلك فإننا لا نرد أو نحاور أو نشرف إلا على الجزئية المعروضة فى تساؤل المتدرب، وأية معلومات أخرى تبدو ناقصة لا تقع مناقشتها فى اختصاص هذا الباب).

الفهد المتحفز، والخوف من الحب (2من ؟؟؟)

بداية الحوار:  وفرض عامل عن صورة ومخطط الذات والجسد

مقدمة:

….. كنا قد توقفنا عند بداية شرح موجز للفرق بين صورة الذات Self Image      و”مخطط” الذاتSelf Schema    ، وبين صورة الجسم Body Image  ومخطط الجسم  Body Schema

 لن ننشر موجزا للحلقة السابقة (أمس) لأننا سنعيد نشرها جميعها كملحق لهذه النشرة حتى لا نكبد من لم يقرأها أمس، مشقة الرجوع إليها برابط Link أو غيره)

تكملة للحوار مع د.عدلى

د. يحيى:

(يمكن للقارئ العادى غير المتخصص أن يتجاوز البنط المائل إن أراد)

 ….عشان نفهم حكاية صورة الجسم ومخططه، ومخطط النفس وصورتها، والكلام ده خلينا .نبدأ ….. باللى خدناه فى الفسيولوجى :

 إنتو مش فاكرين التمثيل بتاع الجسم فى الفص خلف وأمام التلفيف الأوسط Post   central gyrus Pre & فى النصف الكروى، مش علمونا ازاى الجسم بيبقى مرسوم بكل ما هو، فى خلايا المنطقة دى، بالشقلوب، يعنى الخلايا العصبية هنا فى المكان ده بتمثل  الجسم بالظبط، بس الراس تحت والرجلين فوق والكلام ده، وده بالنسبة للحركة قدام التلفيف المركزى، وللإحساس وراء نفس التلفيق المركزى ، وقالوا لنا إن فى التجارب النادرة، إنك تقدر تعرف بالظبط أى حتة فى المنطقة دى بتقابل أنهى حتة فى الجسم سواء بالإثارة الكهربية الدقيقة microelectrode أو بشكة دبوس فى الجسم، الألانية للحركة، والتانية للإحسا، مش مهم كل ده دلوقتى بس يا ترى تفتكروا بقى الحكاية دى بتحصل من الولادة كده جاهزة وكاملة، ولا بتبقى مشروع، زى ماكيت بيولوجى منظم ببرنامج يتشكل تفصيلا بالممارسة بعد الولادة؟ أنا رأيى إنه مشروع جاهز بالشكل ده، وبيتشكل بعد الولادة ، يعنى أنا باتولد بمشروع مخطط للجسد، وللنفس، بك التفاصيل اللى مستعدة تتملا بالممارسة، أهو هوه  ده الفرض اللى خلانى أنظم تنظيرى وتفسيرى لكتير من  الأعراض، والأمراض، خصوصا فى بداية التنشيط الذهانى.

 إذن المسألة بالنسبة للمخطط schema مش مجرد صورة ذهنية عندنا، لأه،  ده تنظيم نيورونى، ويمكن داخل خلوىintracellular  ، المهم إنها مش مجرد صورة تجريدية، دى حقيقة بيولوجية، نيجى بقى لصورة الجسم نلاقيه مرتبط ، فى الأحوال العادية، بتخطيط الجسم، المفروض يعنى، ويمكن يختلف عنه شوية على قد الاختلاف المسموح بيه بين الحقيقة العيانية، وبين التصور الذهنى، يعنى التطابق هنا حايفيد تماما فى إن الواحد يبقى مصاحب جسمه ومتعرف عليه ومصالحه وكلام من ده، التطابق الكامل هو الغاية القصوى اللى لا يمكن تتحقق فى حياة الإنسان الفرد يعنى الصورة image(التجريد) تبدأ مش منطبقة على المخطط schema  (الواقع البيولوجى) طبعا إنما اللى بيحصل أو مفروض إنه يحصل، إن مع كل أزمة نمو الصورة تقرب من المخطط، لحد مفروض يعنى فى المدى البعيد، اللى يمكن ما يتحققشى للجنس البشرى الحالى أبدا يحصل التطابق الكامل 100 % ده فرض مستحيل، مش بس فى صورة الجسم ومخطط الجسم، ده فى كل نمو بنلاقى فرق بين التجريدى والعيانى، ومع مسار النمو للسعى باستمرار نحو التكامل مع كل نبضة نمو، بينى وبينك مع كل نبضة حيوية Biorhythm، تحصل محاولات التقارب والتطابق دى

مرة تانية ده فرض برضه،

نيجى لمخطط النفس وصورة النفس، أنا غامرت وعملت نوع من القياس عشان أفترض  إن فيه مخطط بيورلوجى نيورونى داخل خلوى “للنفس” برضه، تمام زى مخطط الجسم ، إحنا بنتولد بيه، وبعدين نشتغل فيه عشان نحققه بشكل بيولوجى ماثل، وده بيحصل بالحوار على كل المستويات مع اللى حوالينا، من بصيتنا فى المراية مرة، ومن عيون الناس مرة، ومن المعاملة مع بعضينا مرة، لحد ما يبتدى التجريد ياخد اليد العليا، تبتدى صورة النفس تتكون، وده كيان تجريدى منفصل نسبيا فى البداية عن مخطط النفس، تمام زى حكاية الجسم ، وتقعد الحكاية مع كل نبضة نمو (أو زى ما قلنا مع كل نبضة حيوية) يحصل حوار وجدل بين مخطط النفس البيولوجى، وصورة النفس المجردة، وكلام من ده، وباستمرار فى رحلة التطابق.

أظن كفاية الخطوط العريضة  للفروض دى،

على فكرة أحنا ما بنستناش لما نثبت الفروض عشان نطبقها ونستفيد منها للعيانين بتوعنا، إحنا أى حاجة مفيدة بنستعملها،

نيجى لعمك ياسين العيان بتاعنا ده بقى:

هو اتولد وعنده مشروع مخطط لجسمه، زى ما عنده مشروع مخطط لنفسه، جه يحقق مشروع جسمه لقى إن جسمه الحقيقى مش مطابق للمشروع الطبيعى اللى هوه اتولد بيه، يعنى شلل رجله للدرجة دى، بعت رسايل للبرنامج اللى عايز يتكون، قاله ما ينفعشى أبقى زيك، فيه حاجة غلط، إنت عندك مرسوم جاهز رجل كاملة ومليانة، أنا اللى وصلنى حاجة مدلدلة ومالهاش لازمة، يبقى حصل حاجتين على الأقل: إن المساحة بين المجرد والعيانى تثبت ويبقى ما فيش أمل فى تجاوزها إلا بظروف خاصة، وتربية خاصة ووقاية خاصة، وإن مخطط الجسم، والنفس بالمرة يتجمدو بشكل او بآخر على الواقع الجديد، تبقى حركية النمو أصعب، وجمودية الوقفة أكتر،

وبعدين فى مرحلة التجريد بقى اترسمت صورة الجسم مشوهة، ويا ريت مشوهة على قد التشويه أو الضعف الخارجى الحقيقى نتيجة لشلل الأطفال والكلام ده، لأ دى بقت مشوهة أكتر نتيجة للعوامل السلبية اللى بتوصل من برّه: إشى إهمال، وإشى صعبانية، وإشى معايرة، وإشى شفقة، وكلام من ده، خلوا بالكو الصعوبة مش بس إن فيه حاجة مشوهة نتيجة لعجز أو ضمور فى الجسم، الصعوبة فى امتداد التشويه والجمود إلى الأربع وحدات دول: مخطط الجسم، وصورة الجسم،ومخطط النفس، وصورة النفس،

يقعد صاحبك مسنود من برّه بأمه، ومن جوه بإرادة بالتحدى، والتعويض، والجدعنة، حنية امه واحتواءها له حوّا الرحم النفسى بتاعها، عمل سند جامد زيادة عن اللزوم ما هو الواحد جوا بطن امه مش محتاج رجلين يمشى عليها، يقوم عمره ما حا يعرج، حا يقعد يبلبط فى السوائل جوه الرحم وهو واخد براحه تمام التمام، عمك ياسين اتعامل مع  العالم الخارجى بالجدعنة، والهجوم زى الفهد زى ما قلنا، وبرضه بالشهامة والعطاء اللى ظهرت مثلا  المسئولية فى رعايته لأخوه لما اتجنن لحد ما خف، إنما كانت  جدعنة مرهقة ثمنها غالى لأنها من برة برة، ما غيرتشى حاجة لا فى  الصور ولا فى التخطيط، لأنهم  اتجمدوا واتشوهو والحكاية وقفت لحد هنا،

ييجى صاحبك يخش أى امتحان إن حد يشوفه بصحيح، بالخطوبة، بالحب، تتهز الصورة والتخطيط بشكل مزعج، ما هو ما عندوش أى أمل إنه يعيد تشكيلها ، مش من خلال الاقتناع والكلام الخايب السطحى، لأ من خلال الممارسة اللى انا باعتبرها بيولوجية، يروح هـُب عمك ياسين داخل فى مزيد من الاستهداف للمرض، تيجى امه تموت، هـُبْ تروح الدنيا متفركشة ، وهو يحاول يلمها بعنف مرة، وبضلالات مرة، وباكتئاب مرة، ونلاقى عمك “ياسين” زى ما انت شايفه كده.

د.عدلى : مش فاهم قوى ،يبقى كل اللى عندهم شلل أطفال معرضين لكده

د. يحيى: يا شيخ حرام عليك، إحنا من إمتى بنعمم بالبساطة دى، إحنا بنقول أحتمالات للحالة دى بالذات، كل واحد مننا بيدبر أموره زى ظروفه ما تسمح، يعنى همه اللى ما عندهمشى شلل أطفال يعنى عمالين واخدين ديلهم فى اسنانهم وهات يا نمو، إحنا هنا بنقول احتمالات الأرضية اللى ظهر فيها المرض، والحكاية دى عايزه معلومات تفصيلية عنه أكثر من كده شوية، يعنى إحنا لازم ندور على شعوره وهو محط الأنظار من سن سنة مثلا، ندور على شعوره إنه أقل من غيره فى الحركة من بدرى خالص نسأله مثلا هوه اول ما ابتدي يشوف العيال بيلعبوا كوره في الشارع وهمه بيجروا وهوه ما بيجريش عمل إيه أو حس بإيه ، نشوفه طلب منهم يلعب ولا اتكسف، حتى لو وقفوه جون، إنت عارف الجون بينط يصد الكورة ازاى، وكلام من ده، كل الحاجات دى ممكن تزيد بهدلة الصورة والمخطط وتأحد تجميدهم الناشف فى نفس الوقت، ثم سيبك من حكاية التعويض العقلى والكلام ده،

ثم إنك ممكن تصلح صورة الجسم أو النفس بجهد فظيع لانها تجريد، بس صعب تصلح المخطط لأنه بيولوجى،  أصل المصيبه بقي إن الابحاث والكلام والحياة كلها اللى احنا عايشينها دلوقتى بقت تقريبا علي مستوي التجريد بس أو غالبا، انا ما بشوفش البني ادم غير من خلال مخه بيولوجيا، بابص عليه زى الصفحة المفتوحة،  المخ ده معمول ازاى،  مترتب ازاى، وبعد ما يوصلنى تصور، أدور بقى هوه احنا  عندنا فرصه نصلحه بحق وحقيقي، نعيد تشكيله، ولا حانكتفى بإننا نلصمه، ونقبله والسلام، وده صح، وده صح ، بس خلى بالك، ما هو أحنا ما بنعملش معجزات.

نرجع تانى ندوّر: هو التشويه ده اللى حصل لياسين  جوه ولا بره، ما هو العرج الظاهر ده بيخلى الطفل يا عينى ما يتشافشى فيه إلا الإعاقة نفسها، يعنى مرّات رجله الهزيلة المدلدلة تحل محل كيانه كله، تبقى المصيبة مصيبتين، إن رجله اتشافت بصعبانية مش باحترام، وإنها حلت محله يعنى كيانه الحقيقى ما اتشافشى أصلا، ده غير الإهمال اللى حواليه والإنكار والغفلة،

نرجع الناحية التانية نشوف إيه إللى حصل من ناحية امه، زى ما يكون موقفها كان بيقول:

 “ما دام يا ضناى مش قادر تمشى خليك بلبط جوايا وان شالله ما حد كبر”،

 يعنى عيلة زى دى ملانة باللى فيها  اللى ظهر زى ما قلت على أشكال مرضية وانحرافيه مختلفة، تنتظر منها إيه بالنسبة لواحد زى ياسين ده، الأب تعبان وبيتعالج، والأخ الأصغر لما مرِض ياسين هوه اللى بيرعاه، والأخت الكبيرة ضاربة خالص، والصغير زى ما يكون متخلف، مين حا يدّى مين إيه يا شيخ؟ أنا متصور إن ياسين ده ما تشافشى فى وسط الهيصة دى من أصله، هوه مين حايشوف مين، أيوه ما اتشافش ما اعُتِرفش بيه، وطبعا ما تعازشى، حايعوزوا إيه بعيد عن الشفقة والصدقات.

 الام بصراحة باين عليها كانت طيبه خالص، بس مش كفاية ، طبعا، والرسايل اللى وصلت منها كتر خيرها على قدها، كانت زى ما تكون بتقول له: إنت مش قادر أنا حاشيلك فى بطنى، أصل الرسالة الموضوعية اللى ممكن توصل لعيل زى كده حا تكون إيه لو استبعدنا الشفقة والتفويت والكلام ده، أظن إنها رسالة صعبة خالص، أنا متصور إن لو فيه أم واعية – نظريا طبعا- تقدر توّصل لابنها  فى الظروف دى جملة مفيدة (من غير ما تقولها طبعا) ، جملة بتقول:

“..إنت  موجود بعجزك وانا امك، واحفضل جنبك لحد ما تعدى بالسلامة واحدة واحدة، إنت غلبان قوى وكل حاجة، بس محترم فى محاولاتك، وحقك فى الحياة مش أقل من غيرك،

 وكلام من ده،

أنا مش عايز أبالغ، إنما أنا متصور أمهات أميات ما بيفكوش الخط ممكن يعملوها بطيبة ماحصلتشى، الأم مش لازم تعرف سيكوباثولوجى عشان تقوم بالدور ده، إذا ده ما حصلشى، وطبعا هوه ما حصلشى عند ياسين، فتلاقى علاقاته كلها اتشكلت من خلال الأبعاد دى:

هوا فيه حد شايفنى؟  أنا مش رجلى

، هو حد عايزنى؟ أنا مش مستحملنى،

هو اللى عايزنى ده حا يفضل معايا ولا حايسيبنى. أول ما افشل فى أى منافسه مع اللى رجليهم سلام،

 المصيبة زادت وفاضت.

المشكلة هنا هى مشكلة شوفان واعتراف وقبول حقيقى، ياسين عمره ما نجح إنه يحلها،  هو قعد  ممشى حاله بالنجاح والقوة والفتونة و الفلوس تمام التمام، لحد ما جه يخش امتحان علاقة حقيقية وكانت بتلوح إنها حاتكون علاقة طيبة ، هُبْ الدنيا اتقلبت عاليها فى واطيها، وده اللى حصل فى الخطوبة المرة ورا التانية ، وكان الحل هو السيبان سريع سريع، تيجي البنت الأولانية تقول له أنا بحبك ، وهى حلوة وعايزاه، وهو كمان، يقول لأ يا عم ، إيش ضمنى، ويروح باصص لقدام خمستاشر سنة، ويقول لك دى حاتبقى عمرها كذا، وانا كذا، وحاتسبنى وتبص لواحد فى سنها، واهى ضحكت بحس عالى قدام جارها الشاب وسلامو عليكم، مش ده اللى حصل يا بنى،

  الخطيبة التانية السيبان كان   أسهل، لأنها لا حبته ، ولا هو حبها، قال لك خدها من قصيرها باين الحكاية ما تستاهلشى،

 شوف قد إيه تُوّقْع الهجر نط له من بدرى ازاى

كل ده يا ابنى مش قصص مسلسلات، ده حاصل على خلفية بيولوجية مهمة جدا ظهرت فى أشكال مختلفة فى عيلته زى ما انت قلت لنا ، وهما بصراحة كانوا جدعان حكو لك على كل حاجة، والحكاية مش قاصرة على الأمراض اللى ظهرت فى العيلة، دى عيلة زى دى، السليم فيها بتبقى شخصيته وتأثيرة من أصعب ما يمكن سواء تأثيرها المباشر أو غير المباشر،

 ثم إنها عيلة مستورة ماديا زى ما بتقول، وبتقول إن كل أفرادها بيتعشوا مع بعض كل ليلة، يعنى حاجة حضارية كده، احتفالية اجتمعية، ومع ذلك ما حدش شاف حد كفاية، وبالذات ياسين، مش ملاحظ إن ولا واحد فيهم كمل تعليمه، برضه حاجة عايزة بحث

د.عدلى الشيخ: آه ، هو الوحيد اللى فى إخواته بيفك الخط،

 د. يحيى: طيب نشوف العيان بقى وربنا يستر.

*****

بداية المقابلة مع المريض

 د. يحيى:  أهلاً إزيك يا ياسين

ياسين: الله يسلمك

د.يحيى الرخاوى: صباح الخير،  أنا مابسمعش عشان سنى ولابس سماعه زى ما أنت شايف وحاجات كده، حاتحترم ده ولا لأه

ياسين: أيوه

د.يحيى الرخاوى: تتكلم بحس عالى شويه صباح الخير

ياسين: صباح النور

د.يحيى الرخاوى: إنت عرفت اسمى منين

ياسين: أيوه الدكتور عدلى قال لى إنك حاتقابلنى

د.يحيى الرخاوى: قالك حاتقابلنى ليه

ياسين: مش عارف

د.يحيى الرخاوى: طيب أنا شايفك عمال تبص للكاميرا وده حقك فلازم أشرح لك، أنا دكتور كبير شويه يعنى أستاذ، خوجه يعنى مدرس، ودول زملاتى واولادى وبناتى، وبعد ما سمعنا حكايتك من الدكتور عدلى، بنقابلك  بناخذ وندى مع بعض عشان نعرف حالتك أحسن، وفى نفس الوقت بنسجل كل ده مش علشان التلفزيون بتاع البيوت، لأه علشان إذا حبينا نرجع لحاجه اختلفنا عليها، أو حاجة عايزين نتأكد منها، نقوم نرجع لها، وده غالبا بيصب فى مصلحة علاجك إنت واللى زيك، يعنى كشف، وعلم ، وتعليم، فابنصور ولازم ناخد إذنك، واضح

ياسين: واضح

د.يحيى الرخاوى: أنا باخد إذنك فى حاجتين  إن إحنا نتكلم أمام الناس دول، وإن إحنا نصور للعلم والتعليم، واللى عايز تقفّل عليه، وما نتكلمش فيه، الأمر متروك لك، أحنا حانعمل اللى انت عايزه زى ما انت عايز، موافق؟

ياسين: ماشى

د.يحيى الرخاوى: طيب الدكتور عدلى حكى لنا اللى إنت حكيته له فيه حاجات كويسه جداً مشرِّفه لك،  يعنى كفاحك وتاريخك وأظن أخوك قال جمله جميله جداً إنك إنت أجدع واحد فى إخواتك حاجه زى كده، هوه قال إيه يا عدلى بالظبط

د.عدلى الشيخ: قال أكتر واحد عاقل فينا

د.يحيى الرخاوى: آه “أكتر واحد عاقل” جمله محترمه وصح فلما بيبقى أكتر واحد عاقل فى إخواته بينكسر أو يتوجع زى ما حصل لك كده، الناس كلها بتتعاطف معاه مش كده.

ياسين: أيوه

د.يحيى الرخاوى: وبرضه الدكتور عدلى لما حكى لنا شفنا وحدتك وآلامك، يعنى بتقول مثلاَ لما الست الوالده ربنا إفتكرها واسترد وديعته، بتقول “أول مرة أحس إنى أنا وحيد”، حاجه زى كده ممكن توصف لنا الموقف ده، (المريض تغرورق عيناه، الدكتور يحيى يكمل: ) أنا آسف، أنا فعلا آسف، بس انت جدع، ماتحملش هم عاوز تّدمع دمع، ماتحملش هم أنا أبوك يابنى

ياسين: ( تنزل الدموع)

د.يحيى الرخاوى: أنا مش عاوز أقلب عليك المواجع يا ياسين يا ابنى على الصبح يافتاح ياعليم، أنا باتكلم بس على الموقف عشان أقرب منك، يمكن تشعر إنك مش لوحدك بعد وفاة المرحومة

ياسين: أيوه

د.يحيى الرخاوى: الدكتور عدلى قال لنا على حنيتها وعلى قربك منها وعلى إنها عوضتك، ويمكن عوضتكوا كلكوا،  قسوة أبوك ،…، معلشى

ياسين: هو الأب أساساً عصبى

د.يحيى الرخاوى: هو الدكتور عدلى قال لنا على كل ده

ياسين: أيوه

د.يحيى الرخاوى: أنا باتكلم على كلامك اللى لمسنى قوى لما قلت ” أول مرة أحس إنى أنا وحيد”

ياسين: صح أنا والدتى لما كنت باخلّص شغل ولا كان فيه أى مشكله كنت باحكى لها يعنى بعد ما أقفل الورشة كنت باحكيلها عليها ( يبكى بصوت، ينشج )

د.يحيى الرخاوى: وكانت بتسمع، بتعرف تسمعك كويس

ياسين: وكانت تسمع آه

د.يحيى الرخاوى: وكانت بتشور عليك ، ولا بتسمع بس

ياسين: لأه تسمع وتقولى فوّت ومش عارف إيه

د.يحيى الرخاوى: فوّت

ياسين: لما كنت باخلص شغل كانت هى إيه القلب الحنين

د.يحيى الرخاوى: طيب، ربنا يصبرك، ياللا بقى عشان نكمل، أنا آسف، لأن فيه حاجات زى كده معلشى يا ياسين يابنى حانقولها،  ويمكن  توجع برضه ، فامعلشى سامحنى علشان بالشكل ده يمكن نتعرف أكتر، أنا أعرفك، وانت تعرفنى، نعمل حاجة تخفف عنّك.

ياسين: ماشى

د.يحيى الرخاوى: هما منطقتين اللى شاغلنى جامد

ياسين: ماشى عادى

د.يحيى الرخاوى: الأولانية :  لما حاولت تلعب مع العيال الكورة فى الشارع وإنت عندك 5 أو 6 أو 7 سنين والمنطقة التانيه البَنيّة اللى إنت شكّيت إنها كلمت جارهم ديه قصدى الخطيبه الأولانيه فالمنطقتين دول بيوجعوا برضه أوى

ياسين: أنا أساساً…. (لا يكمل)

د.يحيى الرخاوى: لأه، واحده واحده، حانمسك مين فيهم الأول ؟

ياسين: البنت

د.يحيى الرخاوى: ليه مانمسكش الكورة والعيال مش ديه كانت قبل دى، كنت أصغر.

ياسين: آه

د.يحيى الرخاوى: آه

ياسين: ماشى بس أنا حاكيلك حاجه حاجه

د.يحيى الرخاوى: طيب ما الحاجه الأولانيه أولانيه والتانيه تانيه

ياسين: حكاية الكورة ديه لما كنت باحط فى دماغى إنى أنا أجرى زى العيال كنت أحب أجرى زيهم وألعب كورة كده،… ساعتها على طول تانى يوم أحلم بحلم إنى أنا بطير

د.يحيى الرخاوى: إنك بتطير

ياسين: آه يعنى أمسك حاجه كده، اعملها كده وكده، أحس إنى أنا بطير، وباجرى

د.يحيى الرخاوى: ياخبر ، ربنا يخليك  ياابنى

ياسين: آه

د.يحيى الرخاوى: فاكر الحلم بالوضوح ده ياحبيبى !

ياسين: وافرح

د.يحيى الرخاوى: وتفرح ؟

ياسين: وأفرح واحس إن أنا باقوم من النوم باحس إنى أنا مفيش حاجه

د.يحيى الرخاوى: كان عندك كام سنة

ياسين: يعنى وأنا فى سنة 5 أو 6

د.يحيى الرخاوى: ياااااه 10 سنين أو 11

ياسين: آه ولحد وقتنا هذا يعنى من قيمة سنتين كنت باحلم الحلم ده يعنى كنت بحلم إنى عاوز أجرى ألعب كورة

…………..

…………..

وبعد

نتوقف هنا لنجرب أن نعيد قراءة نشرة أمس، وهى التى سنلحقها حالا بهذه النشرة كما وعدنا كتجربة

ونكمل مع ياسين ود. عدلى الثلاثاء القادم ، لمن يتحمل المواصلة معنا

ملحق النشرة:

فيما يلى نص الحالة من البداية لمن شاء ألا يرجع إلى نشرة أمس

ونأمل أن تنجح التجربة مهما طالت، فنواصل نشر كل (وليس موجز) ما سبق تباعاً.

****

حالات وأحوال (الحالة: 10 الحلقة الأولى )

ياسين سيد ابراهيم، 33 سنة، أعزب، يعمل كهربائيا، يمتلك الآن محلا صغيرا لممارسة مهنته مستقلا ولا يستعين بعمال أو مساعدين، هو الوحيد الذى يقرأ ويكتب فى أسرته، دخل الأسرة مجتمعة(1) معقول، من إيجار بيتين موروثين للأب ثم من عمل أفرادها، يسكن ياسين فى حى شعبى جنوب القاهرة، وأسرته بها أمراض نفسية (عقلية، متواترة) من أول أخته الأكبر منه (46) سنة والتى تعانى من ضلالات وهلاوس من مدة طويلة ولم تعالج أصلا، حتى أخوه الأصغر منه “شاهين” الذى أصيب بذهان جسيم وعولج بالأدوية والجلسات وتحسن جدا، وكان ياسين هو الذى يصحبه إلى العلاج بقصر العينى مسئولا عنه وراعيا له، على مستوى العيادة الخارجية ثم دخل القسم الداخلى وتحسن جدا، وعاد إلى عمله.

والد ياسين،(65 سنة) مصاب أيضا باضطراب وجدانى جسيم معاود (متكرر)، يتراوح بين الاضطراب المختلط، والاكتئاب الذهانى، وهو بالمعاش وكان سائقا، وهو شخص منعزل جاف عصبى شكاك، يقول عنه ياسين

“أبويا عِنَدى.. لو فيه مشكلة يزوّدها.. مش يحلها، يتهيأ لى التعب اللى فينا ده كله منه هو،.. لأنه ما فيش عنده تفاهم، مش كريم،.. يقلق جامد من أى حاجه، .. عصبى أوى، وما يثقشى فى حد بسهولة”.

وكانت علاقته بأم ياسين سيئة، يصفها ياسين

“معامله وحشه جداً وهى كانت طيبه ومستحملاه”

توفت أم ياسين منذ ثلاثة أشهر عن سن 50 سنه، ست بيت، لا تقرأ أو تكتب، . يقول عنها ياسين:

 أطيب من والدى بكتير.. أنا ماعرفتش الوِحْده إلا لما ماتت، الناس كلها بتحبها أوى. هى اللى كانت مصبرانا على والدنا.

ياسين فتح محله الخاص به ويكسب من حرفته بشكل متوسط مستور.

أصيب ياسين فى السنة الأولى من طفولته بشلل أطفال، ترك ضمورا واضحا فى ساقه اليمنى، واستعمل جهازا يساعده على السير أحيانا، فنشأ وهو يعرج بشكل جسيم، “بالجهاز” وبدونه، لكن لم يَعُقْهُ ذلك عن دراسته التى توقفت بعد السنة الثالثة الابتدائية، ولم يعجزه الشلل عن عمله أيضا، وظل يعرج بوضوح شديد حتى الآن

خطب ياسين فتاة جميلة طيبة عمرها 17 سنة وكان يزورها أسبوعيا، يقول عنها

 ” كانت حلوه .. كانت بتحبنى أوى، حسيت انها صغيره ودماغها على قدها .. خُفت لما أنا يبقى عندى 50 سنه وتبقى هى 35 سنه تبقى لسه فى عزها وتبص لبرّه .. زعلت أوى لما سبتها”

 ويقول عن سبب فسخه الخطوبة بعد ثلاثة أشهر:

كنت بوصّلها البيت مره/ وبعدها سمعتها بتضحك بصوت عالى مع شاب، رحت قلت خلاص مش نافعة، وسيبتها، .. اتجوزتْ بعد ما سبتها بشهر

خطب ياسين مرة ثانية فتاة أكبر سنا 28 سنة، تحمل بكالوريوسا (وهو خرج من الابتدائى، ويقرأ ويكتب بالكاد)، يقول عنها

“… كانت منقبة ومش حلوه .. ماكنتش حاببها كنت عاوز اتجوز بس .. مش عارف اذا كانت بتحبنى ولا لأ، ما فيش كام جمعة وسبتها، مازعلتش لما سبتها

ياسين عدوانى، قوى، جاهز، متحفز، وقد تصادم مع القانون فى إحدى مشاجراته، يقول:

” …. السنه اللى فاتت ضربت راجل كان بيعاكس مرات “شاهين”(2) .. ضربته بالمفك فى رقبته .. إصابه بسيطة .. بس كان لازم أوقفه عند حده لأن شاهين كان كلمه بالذوق ومانفعش، اتعمل محضر، وبعدين بعدها عملنا صلح فى المحكمة”

 يقول شاهين عن ياسين واصفا شخصيته قبل المرض

” ياسين اجتماعى، بَس مش بيتطمن للناس بسرعة مش نزهى مش مدردح واخد كل حاجة على أعصابه، تقريبا كان هو أكتر واحد عاقل فى البيت كله”

أما شكوى ياسين عند حضوره العيادة الخارجية للاستشارة فكانت كالتالى:

“…. حاسس بصداع ودوخه.. لما بيجولى باقعد أخرف فى الكلام ساعات أشوف راجل لابس أبيض فى أبيض، يجى لى وأنا داخل فى النوم.. الوحده مضايقانى.. كل زمايلى إتجوزوا وأنا لوحدى..ساعات أشوف واحد راجل تانى يقعد يضحك.. أشوفه لثوانى وأبقى عايز أزقه بعيد.. وساعات أسمع صوت يقول “أنا مظلوم” برضه وأنا نايم.. باحلم أحلام وحشه.. أنا بتمنى من ربنا إنه ياخدنى.”

أما وصف الأخ شاهين(3) لحالة ياسين وقت الكشف الأول فكانت كالآتى:

ياسين بقى له شهرين بيشتكى من دوخه وصداع..، مش مركز فى حاجه.،. على طول مخنوق ومش عايز يتكلم مع حد.. قاعد فى نفسه يجى له شغل وهو يأجله.. نومه قليل، وأكلته قليله، مرة جيبناه من الشارع الساعة 4 صباحاً وهو بالبيجاما كان طلع بيوت الناس وقعد يرن أجراس الأبواب، ومرة ثانية راح بيت الناس اللى كانوا طلعوا عليه كلام وقعد يزعق، وده كان برضه فى نص الليل ولما نقول له بعد كده على اللى عمله، يقول لأ ما حصلشى، ناسى.

 بعض معالم الفروض والتشكيل

بعد مناقشة الزميل المتدرب مقدم الحالة، وبعد مقابلة ياسين مرة ثم مرات كل أسبوع خلال ثلاثة أسابيع متتالية، رسمنا بعض معالم ما يمكن عرضه هنا من فروض وتشكيل، على الوجه التالى:

  • ياسين ولد فى أسرة مستهدفة (وراثيا، بيلوجيا،) لحركية مفرطة، تمثل الأرضية القادرة على التفكيك فالتفسخ (أو إعادة التشكيل إن سمحت الظروف)
  • بدأت صعوبة ياسين مع تكوينه لمخطط (4)Body schema جسده، ومن ثم صورة جسده،Body image المندمجة فى صورة ذاته Self image مع مخطط ذاته Self schema، ويبدو أن ذلك جرى (ويجرى) بصعوبة مفرطة، نتيجة وجود الشلل الجسيم فى ساقه اليمنى، إثر إصابته بشلل الأطفال
  • لم يحظ ياسين بالقبول أو الاعتراف من أبيه، وربما حصل على شىء “مثل الموافقة ” العابرة على “وجودٍ هامشى” من خلال “شفقة فوقية” (مهينة) من أغلب مّنْ حوله،
  • أما أمه فقد احتوته ورعته وخافت عليه، بما يشمل ذلك من اعتراف ضمنى محدود، فأصبحت المصدر الوحيد لوجوده، دون السماح له بالانفصال، حتى ماتت،.
  • نجح ياسين فى قبول التحدى، فلم يسمح لبرنامج فرط الحركية التركيبية الموروث أن ينقض عليه فى صورة مرض نفسى (عقلى) معوق منذ حداثته، كما لم يسمح للإعاقة الجسدية (شلل ساقه) أن يحول دون نجاحه فى عمله، فاستطاع أن يستقل ويحقق نجاحا متوسطا، وكان يعوض عجزه وضمور ساقه بقوة نصفه الأعلى (عضلات ذراعيه) فأصبح جاهزا للقتال بالانقضاض قفزا كالفهد يدافع عن نفسه، بل يهجم لينتقم ممن يهينه، أو ممن يتصور أنه يهينه، بل كان ينبرى يهجم دفاعا عن احتمال إهانة زوجة أخيه الاصغر.
  • لم يحتمل ياسين أن تحبه خطيبته الأولى الصغيرة الجميلة، فتركها بعد بضعة شهور.
  • صفقة خطوبته الثانية مع حاملة البكالوريوس المنتقبة، كانت أعجز من أن تستمر أسابيع، ففسخها دون تردد.
  • ماتت أمه (قبل أن تلده من رحمها النفسى)، فتوقف، ومرض، وتفسخ إلا قليلا،

رؤوس مواضيع

نأمل أن يتيح لنا عرض حالة ياسين وكيف نوقشت، أن نفتح ملفات علمية وعلاجية عديدة من أهمها:

  1. موقع “التشخيص” (اسم المرض) فى صياغة أولويات الحالة.
  2. علاقة مخطط وصورة الجسد بمخطط وصورة الذات.
  3. الخوف من الحب والثبيت على “الموقف البارنوى”.
  4. الهرب من الحب (حتى فى المقابلة العلاجية المقتحمة).
  5. اختلاط وتداخل مستويات الوعى، ما بين النوم والوسن والتخيل والإبدال.
  6. التعويض بالتثبيت على آلية الكرّ دون الفر (إلا بالانسحاب).
  7. الانتقال من هذه الآلية إلى “الهجوم على مصدر الحب، وليس فقط التهديد”.
  8. (وغير ذلك مما قد يتداعى أثناء الشرح والتأويل)….

النقاش المبدئى مع مقدم الحالة

د.يحيى: (بعد انتهاء د. عدلى من تقديم ورقة المشاهدة التى أعدها كاملة قبل لقاء المناقشة):

طيب متشكر جدا، قدمت لنا الحالة دى ليه بقى؟ إيه الهدف يعنى ايه المشكله اللى خلتك توريها لنا النهارده.

د.عدلى: عندى مشاكل اولا فى التشخيص.

د.يحيى: لزومه ايه التشخيص تديله أولوية فى الحالة دى بالشكل ده يا شيخ؟! إنشالله ما اتشخص.

د.عدلى: حاجه بتساعدنى فى اختيار علاجي، مش حاجه أساسية يعنى.

د.يحيى: إمال بتقوله فى الأول ليه ما دام مش حاجة أساسية، يعنى بالذمة إنت ما تعرفشى تعالجه بعد كل اللى قلته ده من غير تشخيص؟

د.عدلى: آهى معلومة برضه أنا محتاجها.

د.يحيى: يعنى فى حالة زى دى حا تفرق بالذمة؟! ماهو كله حاياخد نيورلبتات Neueroleptics، ويمكن تضيف مضاد اكتئاب Antidepressant، وشوية ضبط مزاج Mood Stabilizer، مش كله بياخد كله برضه؟ واذا ما اتحسنشى نديله كهربا، مش هى دى القاعدة ؟ الله يسامحك، ويسامحهم، وحتى موت امه ما هو ممكن يعمل جميع الأمراض، اللى فى ذهنك، أنا باسألك يا ابنى إيه فى الحالة دى مش مألوف لك، سواء بالنسبة للحالات اللى شفتها، أو بالنسبة للى قريته أو سمعته.

د.عدلى: لما باقول لحضرتك “التشخيص” مش بس قصدى التشخيص اللى هو الـيافطة والتقسيم، قصدى على التشخيص اللى من خلاله بافهم العيان اكتر.

د.يحيى: بذمتك هوا التشخيص اللى بيخليك تفهم البيان، ولا “الصياغة” اللى بانبحْ حسى عليها ليل مع نهار؟

د.عدلى: لأ ما هو انا يعنى ……(يصمت).

د.يحيى: التشخيص ده حاجة كده زى(5)، الصياغة يعنى “البيت نفسه“:، كام أوضه، ومين اللى ساكن فيه، وبيعملوا إيه، ورايحين جايين ازاى، وعلاقتهم إيه ببعض، ….

د.عدلى: انا كان قصدى كده.

د.يحيى: هوا احنا حا نقعد ساعتين تلاته عشان نقول ده مرض اسمه كذا، ويمكن يكون كيت، ونتخانق على الاسم ونروّح، قال إيه علما، بقى ده اسمه كلام؟ إحنا دكاترة وظيفتنا نعالج مش نعلق يفط،

د.عدلى: الظاهر ان استخدامى للفظ “تشخيص” ماكانش مظبوط، انا قصدى كده اللى حضرتك بتقوله ده.

د.يحيى: لأ !!، ما هو ما ينفعشى تقول حاجة وبعدين تقول قصدى حاجة تانية.

د.عدلى: انا قصدى الحاجة اللى تهدينى للعلاج.

د.يحيى: إيه الحاجة اللى شاغلاك فى المنطقة دى، فى منطقة البحث عن سكة العلاج؟

د.عدلى: اللى شاغلنى، فيه حاجات مش فاهمها.

د.يحيى: زى إيه؟

د.عدلى: حاقول لحضرتك بس شوية معلومات يعنى كتبتها بس بطريقه مختصره، ياسين ده قبل وفاة والدته، وقبل المرض على طول حصل حاجه فى الشارع بتاعهم:

“باختصار واحد راح طلّع فِتْنَه عليه ان هو عايز يتجوز واحده، وراح قال لأهل البنت دى فأهل البنت زى ضمنيا رفضوه، وراحت طالعه السمعه عليه فى الشارع ان هو اترفض من غير ما يكون هو اتقدم أساسا”

د.يحيى: الكلام ده مكتوب هنا فى ورقة المشاهدة اللى انت قدمتها لنا؟

د.عدلى: أنا كتبتها فى ورقة لوحدها، قلت أحكيها لحضرتك عشان ما عرفتش أحكيها ازاى، ولا أحطها فين فى ورقة المشاهدة.

د.يحيى: بالذمة ده اسمه كلام، حادثة فى غاية الدلالة فى حالة زى دى، تدكّنها فى ورقة برّانية بالشكل ده، وتقول لى مش عارف إيه؟

د.عدلى: أحطها فين طيب؟

د.يحيى: باقول لك يا إبنى دى حادثة فى غاية الأهمية فى الحالة دى بالذات، حتى لو ما كانتشى حصلت خالص، وهوه بيألفها ضمن المرض بتاعه، تبقى برضه فى غاية الدلالة، وإذا كانت حصلت بعد حكاية فسخ الخطوبتين الواحدة ورا التانية، تبقى دلالتها أكتر، لأنها حاتبقى جارحه وجارحه قوى، يا أخى حرام عليك تظلم نفسك كده، إنتَ عارف معلومة، والمعلومة دى ماشيه فى السياق، تقوم تدكّنها وتحطها فى جيبك؟ يعنى أنهو الأهم إنه بيسمع الصوت بيقول له ما اعرفشى إيه، ولا إنه بيعيش تجربة إنه اترفض، وإنه مش متعاز، وهو لا اتقدم للناس دول ولا حاجة، مع إنه هو اللى فركش خطوبتينه الواحدة ورا التانية ياشيخ، فلما ييجى يترفض هنا، أو يطلعوا عليه إشاعة إنه اترفض، يبقى الحكاية عايزة وقفة، الجدع ده مع إنه هو اللى رفض خطيبته دى ودى، أنا رأيى إنه مرعوب من الرفض، هو رفضهم قبل ما يترفض غالبا، حسب رعبه من الرفض على خلفية عدم الاعتراف أو الشفقة، اللى هَرَته هو رفض، البنت الأولانية لما حبته بحق وحقيق، أول ما وصل له حبها حط ديله فى اسنانه وبرطع، ما هو الحب بيخلى الرعب من الرفض أصعب، خاف إنه يتجرح أكتر بعد ما يصدق إنها بتحبه، أما البنت التانية بتاعة البكالوريوس المنقبة، فباين انها ما بتعرفش تحب من أصله، لا هو حبها وعازها، ولا هى حبته، راح خالع هو بدرى….

د.عدلى: كنت عايز اكمّل لحضرتك.

د.يحيى: تكمل ايه؟ معلومة تانية برضه مخبيها فى جيبك.

د.عدلى: لأ.

د.يحيى: طيب، فيه إيه؟

د.عدلى: الأصوات اللى بتيجي، والضلالات ساعات بتبقى موجهه ناحية المشاكل اللى عنده بطريقه معينة، مثلا يطلع من بيته، يروح لأهل البنت اللى كانوا طلّعوا عليه كلام إنه اتقدم لها واترفض، ويقعد يزعق عندهم وحاجات كده، ولما أهله يروحوا يجيبوه من البيت يلاقوه زى ما يكون مش مصحصح قوى، يسألوه، يقول إنه ناسى، وإنه ما عملشى كده.

د.يحيى: على فكره العيانين الطيبين الغلابه دول لازم نقراهم باحترام، يعنى هو مش ضرورى يكون مش عارف هوا عمل إيه زى ما بيقول لهم، لأه، يكفى انه يقولك أنا ناسي، وده صحيح، أو نص نص، بس كله هادف، يعنى النسيان هنا يبقوم بالواجب سواء شعوريا أو لا شعوريا، ما هو التصرف اللى عمله باندفاع كده بيثبـّت الإشاعة إنه اتقدّم واترفض، وهوا كل همه إنه يثبت لنفسه قبل الناس إنه لا اتقدم، ولا اترفض، يبقى هو بيثبت بالتصرف ده عكس اللى هو نفسه يعلنه، فلازم ينسى، نوبة التصرف اللى زى ده اسمها “هُجاج” Fugue، النوبة لما بتيجى إذا كان مش عارف يبقى انشقاق Dissociation، إذا كان عارف قوى يبقى بيستعبط، قصدى بيندفع وهو عارف بيعمل إيه، بس اندفاع جاهز للمحو Undoing، يعنى دور اللعب اللاشعورى ييجى “بعد الفعل”، عكس الانشقاق اللى اللاشعور هوا اللاعب الأساسى من الأول للآخر. واخد بالك؟

د.عدلى: .. .. أنا ساعات برضه المريض ده بيدينى منظر اللى بيلعب بىّ، وساعات بياخد شكل كده مش قادر اقول عليه بيدعى، لأه، حاجة زى استسهال كده أوتطنيشه.

د.يحيى: قوم إيه بقى !!!! لما يكون ساعات كده وساعات كده قوم إيه بقي؟ نشك فيه ونتهمه زى ما نكون بنتصيد له وقعات، ولا نبحث ده ونبحث ده ونربط بينهم ونقول ليه بيعمل كده ساعات وكده ساعات؟ اللى وصل لى منك لحد دلوقتى إنه بيزودها حبيتن أحيانا، هوا انت حسيت إنه بيستعبط؟

د.عدلى: لأ.

د.يحيى: طيب، أنا قلت لك لازم يكون هدف أى فحص واضح، وهنا الهدف هو العلاج مش التشخيص، ولا التحقيق إذا كان التشخيص حا يخدم العلاج، يبقى على العين والراس، بس يتحط فى مكانه.

ما علينا طيب اما اقولك بقى الاحتمالات اللى وصلتنى من هذا “الشيت”(6) الجيد، قصدى المشاكل والأبعاد عشان نشوف حانفكر ازاى:

  • نمره واحد مشكلة “الرفض”، وبالتحديد “الخوف من الرفض”.
  • فيه قبلها طبعا مشكلة تكوين الذات وتكوين صورة الذات Self Image مش بس الصوره، لأ و”مخطط” الذاتSelf Schema ، الحكاية دى مش واضحة عندكم قوى، الكلام كتير عن صورة الذات، إنما ما فيش ربط للأسف بينها وبين مخطط الذات، وبرضه ما فيش ربط بين الاتنين وبين صورة الجسم Body Image ومخطط الجسم Body Schema، الكلام ده أنا شرحته بالتفصيل فى كتابى عن “الأعراض”، أنا آسف هو ما اتنشرشى لسه، ومش حاقدر أتكلم فيه بالتفصيل دلوقتى، خلينا فى الموضوع ده على قد حالة ياسين، كلمتين باختصار، إذا أمكن…..

[1] الأسرة الكبيرة التى ما زال يعيش معها

[2]أخوه الأصغر الذى مرض ورعاه ياسين وعولج وتحسن أو شفى

[3] – مرة أخرى: شاهين هو الأخ الذى كان مريضا مرضا نفسيا شديدا، وعولج، برعاية ياسين، وتعافى مرحليا، أو تماما.

[4] – أفضل عادة أن أكتب المقابل بالإنجليزية فى الهامش، حتى لا أشوه وجه العربية القادرة الجميلة، إلى أننى وجدت أن النقاش كان يدور كثير منه بالأنجلو عامية،وأن ترحمة ذلك إلى العربية الفصحى ينقل الصورة ناقصة، فقدرت أنه ما دمنا قد رضينا بتقديم النص بالعامية، فلنستسمح القارئ أن نضع الكلمة المتخصصة التى ذكرت أثناء النقاش بالإنجليزية، أن ننضعها فى المتن مباشرة، آملين مستقبل أن يتم النقاش كله بالعربية فقط، عامية كانت أو فصحى.

[5]“عنوان البيت”

[6] – آسف، وكن تستعمل كلمة الـ “شيت”  sheet بتواتر شديد فى هذا المجال وغيره، وفى رأيى أنه آن الاوان لإدخالها اللغة العربية لأنها تسحق مبنى ومعنى ذلك، وترجمتها إلى “ورقة المشاهدة” ليست دقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *