الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / تقاسيم على لوحات الأحلام حلم 53& 54

تقاسيم على لوحات الأحلام حلم 53& 54

“يومياً” الإنسان والتطور

 8-5-2008

العدد: 251

الفصل الثانى

“تنويعات” على “الحلم” الأساسى

قراءة “أخرى” على أحلام فترة النقاهة

تقاسيم على لوحات الأحلام

وصلتنى أحلام فترة النقاهة من البداية على أنها لوحات شعرية، ليست قصة قصيرة، أو شديدة القصر، كما رحت أؤكد فى أكثر من مناسبة أنها إبداع إبداع، لا أكثر ولا أقل، بمعنى أنها ليست حلما يحكى، فنروح نفسره، وأن الأحلام الحقيقية التى كان يحلمها شيخنا، لم تكن إلا مصدرا من أهم مصادر أبجدية إبداعه (أثناء تلك الظروف الخاصة).

حين غامرت بالتصدى لنقد هذا العمل الرائع كنت تحت تأثير نقدى السابق لأصداء السيرة الذاتية، رحتُ أتناول الأحلام باعتبار كل حلم منفردٍ نصا كاملا، لكن مع المضى قدما بدأت أدرك تزايد الصعوبة، مقارنة بنقدى للأصداء فقرة فقرة،

 ثم إننى لجأت بين الحين والحين – كما فعلت فى الأصداء- إلى أن أربط بين ما تيسر لى من الأحلام التى سبق قراءتها حتى حلم 52، وبين الحلم الأحدث، مع وعدٍ بأن أعود إلى ربط أوثق فى الدراسة الشاملة بعد انتهائى من هذه الدراسة التفصيلية التجزيئية.

 لكن الصعوبة أخذت تزداد باضطراد خاصة حين كنت اضطر بين الحين والحين إلى فك شفرة الحلم بما يحضرنى من احتمال رموز واضحة، الأمر الذى أحاول أن أتجنبه فى النقد عامة، معظم الوقت، وهنا بوجه خاص، خشية أن يقلل ذلك من قيمة الحلم المُبدَعَ، كما لاحظت كيف يستقبل قارئ النقد فك الشفرة هذا باعتباره “تفسيرا” (مثل تفسير الأحلام العادية، الأمر الذى أحذر منه أيضا طول الوقت، حتى من وجهة نظر التحليل النفسى).

تعقيبات

رحت أتصفح التعقيبات التى جاءتنى – فى بريد الموقع – طوال ثمانية أشهر على هذه المحاولة حتى استطعت أن أوجزها فيما يلى:

1- ترحيب محدود بالنقد عامة (بعضه حماسى مشجِّع)

2- ترحيب أكثر بتفسير الحلم برموز واضحة، خاصة لو كانت رموزا سياسية، أو ضد السلطة، أو ضد الظلم. (وذلك بالرغم من، وضد، تحذيرات الناقد)

3- إصرارٌ متواتر لاستقبال الحلم على أنه “حلم” فعلا وليس إبداعا، مع أننى نبهت مرارا إلى ضرورة نفى هذا نفيا قاطعا.

4- تفضيل قراءة الحلم بذاته لذاته (النص) عن قراءته مع النقد .

5- تقريظ محدود حين يبدو أن النقد فسر غموضا بدت استحالة تفسيره من الحلم مباشرة.

6- احتجاج صريح (حتى الرفض أحيانا) بأن النقد/ التفسير يحجب الحلم، فيقلل من تأثير رسالته الكلية .

7- احتجاج على غموض كل من الحلم والنقد على حد سواء .

8- قراءة نقدية بديلة، أغلبها يتجه – للأسف – إلى فك شفرة الحلم بما خطر للناقد على النقد أنه رمزٌ أقرب وأهم.

9- إطلاق تداعٍ إبداعىّ استثاره الحلم وحده، أو الحلم والنقد معاً ، لا يحمل أى قدر من التفسير، أو فك شفرة الرموز، ولكنه يضئ باعتباره استلهاما إضافة إبداعية دالة.

وقد أشرت بوضوح إلى طلاقة الابن رامى عادل، وسبقه إلى هذا النوع الأخير من القراءة.

قلت لنفسى أحذو حذوه!!

و لمَ لاَ؟

قلت أيضا إننى أخاف هذه المغامرة،

 ولا أريد أن أتحمس لها،

 ومستعد أن أتراجع عنها.

نصُّ على نص

هذه هى المغامرة التى تبدأ اليوم

وقبل أن أعرض عينة من منهج القراءة الجديد، الذى هو ليس نقدا على وجه التحديد، وإنما هو بمثابة “نص على نص”، أو استلهام نص، تذكرت التجربة التى قمت بها مع الابن د. إيهاب الخراط فى قراءة بعض نصوص مواقف النفرى، كما تذكرت موقفى الحذر من تفسير القرآن الكريم والنصوص المقدسة عامة، مع تأكيدى على أنها نصوص للاستلهام والإيحاء وليست للتفسير.

مراجعة

ثم أنى رحت أنظر فى تجربتى طوال ثمانية أشهر (53 حلما) وقررت أن أعيد تحديد معالم ما وصلنى من طبيعة هذه النصوص قبل أن أبدأ التجربة الجديدة على الوجه التالى :

أولاً: هذه النصوص ليست  أحلاما كما ذكرتُ ألف مرة لكنها إبداع مكثف.

ثانياً: هذا الإبداع ليس حكيا مسلسلا متتابعا لكنه صورة ماثلة.

ثالثاً: هذه الصورة ليست صورة ثابتة، لكنها حركة مصورة متغيّرة.

رابعاً: هذه الحركة ليست عشوائية شاردة، ولا هى ضامة غائية، لكنها ألحان ذات أصالة خاصة، كثير منها مفتوح النهاية..

كل هذا جعلنى أعيد النظر فى طبيعة هذه النصوص، واستقبالها نصا شعريا يحمل أغلب مقومات الشعر.

بين الحلم والشعر

فى مبحثى الأساسى فى الإيقاع والإبداع (والذى أشرت إليه فى يومية 25-3-2008 ويمكن الرجوع إليه كاملا) حركية الوجود ، قارنت بين الشعر والحلم مقارنة تفصيلية، وحين تحفظت على تفسير الحلم برموزه كما هو شائع، كان من البديهى أن أرفض نقد الشعر بشرحه

 الشعر لا ينقد إلا شعرا

أشرت إلى ذلك من قديم وأنا استشهد بقصيدة استاذى محمود شاكر، على قصيدة الشماخ “القوس العذراء”(1)، ثم تأكد لى بعض ذلك بعد محاولتين فى نقد الشعر، الأولى كانت لشاعر شاب يطرق باب الإبداع “النزهة بين شرائح اللهب“عدد أبريل مجلة الإنسان والتطور 1981، والثانية كانت قراءة لبعض شعر صديق لى “هوامش وهواجس” هو الشاعر أحمد زرزور(2)، أما دراستى المقارنة بين رباعيات جاهين وسرور والخيام (رباعيات ورباعيات) فقد كانت أقرب إلى تقديم نظريات نفسية متنوعة كشفت عنها هذه الرباعيات كل بطريقته.

 ثم عدلت نهائيا عن نقد الشعر وقد زاد اقتناعى أن الشعر لا ينقد إلا شعرا.

وهذا يحتاج إلى بعض التوضيح: إن الشعر الأصيل يستثير فى متلقيه شعرا بالمعنى الأعمق، حتى لو لم يترجمه إلى ألفاظ شعرية، فى بريد الغد، وبريد الأسبوع قبل الماضى تأكدت من ذلك من خلال تعقيبات أصدقاء، أعتز برأيهم جدا، على المقامتين التى نشرتهما مترددا: المقامة الأولى “كومة رعب” يومية 24-4- 2008، المقامة الثانية نبضة قلب” يومية 5-4-2008 يمكننى ايجاز أغلب التعقيبات عليهما كما يلى: “وصلنا الاحساس والايقاع والمعنى الكلى، حتى لو لم نفهم المحتوى”

 وصلتنى أيضا تعقيبات على نصوص أحلام محفوظ فى نفس الاتجاه، فاكتشفت أن مثل هذه التعقيبات تشير كيف أن النقد/التفسير قد يقلل من شاعرية النص.

إذا كان الأمر كذلك: الشعر لا ينقد إلا شعرا، تصبح القراءة الأوْلى بالنص الشعرى – خصوصا بهذه الكثافة – هى باعتباره مصدر استلهام وليس دعوة لفك شفرة

قلت: أبدأ هذه التجربة الجديدة فصلا جديدا، مع الأحلام باعتبارها لوحات شعرية غير قابلة للنقد أو للتفسير بقدر ما هى موحية بما توحى به.

لكننى اكتشفت أننى بدأتها منذ سنوات (صالحتنى ‏شيخى ‏على ‏نفسى)‏ الأهرام 15-12-2003.

تجربة باكرة:

بمراجعة أوراقى اكتشفت أننى اختتمت قصيدتى “علّمتنى شيخى” فى عيد ميلاد شيخى الجليل الـ 92 باستلهام أحلام فترة النقاهة .

ولعل فى تسجيل هذا “الحلم شعرا” هنا وقد سبق أن نشره الأهرام تأكيد آخر على أن الشعر لا ينقد إلا شعرا، وأن الأجدر أن تكون استجابتنا لمثل هذا الابداع الشديد التركيز ، هو تسجيل ما يثيره عندنا مما يفيد بمثابة تنويعات على الحلم الأساسى ، لعل وعسى .

وها هو الحلم كما ورد فى نهاية القصيدة المشار إليها حالا .

من‏ ‏وحى ‏أحلام‏ ‏النقاهة‏- ‏سيّدى‏- ‏نشطتْ‏ ‏خلاَياىَ معاً‏:‏

‏” فحلمـت‏ُُ  ‏أنِّىَ ‏حاملُ‏،

 ‏وسمعت‏ ‏دقــا‏ ‏حانِياً‏ ‏وكأَّنهُ‏ ‏وعْدُ‏ ‏الجنينْ‏.

  ‏جاء‏ ‏المخاضُ‏ ‏ولم‏ ‏يكنْ‏ ‏أبدا‏ًً ‏عسيرا‏ََ،

 ‏وفرحتُ‏ ‏أنِّي ‏صرتُ‏ ‏أمّا‏ ‏طيبة‏،

 ‏لكننى ‏قد‏ ‏كنت‏ ‏أيضا‏ ‏ذلك‏ ‏الطفل‏ ‏الوليدْ‏،

 ‏فلقفت‏ ‏ثدى ‏أمومتى‏،

 ‏وسمعت‏ُُ ‏ضحكا‏ًً ‏خافتا‏. ‏لا‏،.. ‏ليس‏ ‏سخريةً‏  ‏ولكن‏..‏

‏…. ‏وسمعت‏ ‏صوتا‏ ‏واثقا‏ًً ‏فى ‏عمق‏ ‏أعماقى ‏يقول‏:

 “المستحيلُ‏ ‏هو‏ ‏النبيلُ‏ ‏الممكن‏ ‏الآن‏ ‏بنـا”. ‏

لمستْ‏ ‏عباءتكَ‏ ‏الرقيقة‏ ‏جانبا‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏وعْيي‏،

 ‏فـعلمـتُ‏ ‏أنـَّكَ‏ ‏كُـْنـتـَهُ”.‏

وصحوت‏ ‏أندم‏ ‏أننى ‏قد‏ ‏كنت‏ ‏أحلم‏.‏

* * *

ثم إنى رحت أستشير  إبنا مبدعا فى مجال آخر (هو مجال الموسيقى) د. سيد الرفاعى ليفيدنى  فيما يقابل فى الموسيقى ما أعتزمه بشأن تقاسيم وتنويعات على اللحن (الحلم) الأساسى، فكتب لى ما يلى بالحرف الواحد :

  • يوجد فى الموسيقى ما يسمى تنويعات على لحن واحد .
  • يوجد فى الموسيقى ما يسمى بالتقاسيم من مقام أو سلم موسيقى كأن تقول مثلا: تقاسيم من مقام نهاوند أو بياتى هذا فى الموسيقى العربية .
  • وهناك قالب موسيقى عربى يسمى “التحميلة” وهى عبارة عن قطعة موسيقية تتخللها تقاسيم منفردة من الآلات الموسيقية المختلفة. “هى عبارة عن حوار بين آلة منفردة وآلات الأوركسترا”
  • التقاسيم هى عبارة عن تأليف موسيقى مُرتجل يقوم به العازف منفرداً وقد تكون التقاسيم حرة أو مقيده بوزن ايقاعى، وخبرة العازف تلعب دوراً هاماً فى كفاءتها .
  • يوجد فى الموسيقى الغربية الكلاسيكية قالب موسيقى يسمى كونشرتو Concerto وهو عبارة عن حوار بين آلة منفردة وآلات الاوركسترا وذلك من خلال تأليف موسيقى مبدع كلامه وهو من مقامات مختلفة كأن تقول مثلا: كونشيرتو البيانو والأوركسترا من مقام دو الكبير أو مى …. الخ.
  • (انتهى كلام د. سيد رفاعى)

وبعد

ماذا أسمى هذه المحاولة الجديدة التى أبدأها اليوم؟

 تنويعات على اللحن الأساسى ؟

تقاسيم على نغم أصيل؟!

نصُّ على نصُّ؟

 دعونا نسميها كل مرة اسما مختلفا حتى نتعرف على طبيعتها

 أو لا نسميها إطلاقا.

النص: حلم 53 “اللحن الأساسى”

سألت‏ ‏عن‏ ‏صديقى ‏فقيل‏ ‏لى ‏أن‏ ‏الموسيقار‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد(3)  ‏يسهر‏ ‏فى ‏بيته‏ ‏كل‏ ‏ليلة‏ ‏شاديا‏ ‏بألحانه‏ ‏حتى ‏مطلع‏ ‏الفجر‏ ‏فقلت‏ ‏يا‏ ‏بخته‏ ‏ودعيت‏ ‏لحضور‏ ‏سهرة‏ ‏فذهبت‏ ‏إلى ‏الحجرة‏ ‏الواسعة‏ ‏المزخرفة‏ ‏جدرانها‏ ‏بالأرابيسك‏ .. ‏ورأيت‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏جالسا‏ ‏على ‏أريكة‏ ‏محتضنا‏ ‏عوده‏ ‏وهو‏ ‏يغنى ‘‏هوه‏ ‏ده‏ ‏يخلص‏ ‏من‏ ‏الله‏’ ‏وفى ‏حلقة‏ ‏جلست‏ ‏الأسرة‏ ‏نساء‏ ‏وأطفالا‏ ‏وبينها‏ ‏رجل‏ ‏معلق‏ ‏من‏ ‏قدميه‏ ‏وتحت‏ ‏رأسه‏ ‏على ‏مبعدة‏ ‏ذراع‏ ‏طست‏ ‏ملئ‏ ‏بمية‏ ‏النار‏.‏

‏ ‏وضاعف‏ ‏من‏ ‏ذهولى ‏أن‏ ‏الجميع‏ ‏كانوا‏ ‏يتابعون‏ ‏الغناء‏ ‏دون‏ ‏أدنى ‏التفات‏ ‏إلى ‏الرجل‏ ‏المعذب‏.‏

***

التنويعات

قالت المرأة المتنقبة للرجل الأملس، إن هذا هو آخر ما كنت أتصوره من الشيخ زكريا بالذات، ردّ الرجل بصوت عالٍ مع أنه كان يتلفت: ما عليك، المهم هو ما سيكون بيننا بعد السهرة، فقالت هامسة: إخفض صوتك.

وصاح طفل من المتحلقين حول الرجل المعلّق صياحا غامضا كأنه يطلب ماء أو أماناً، فزع الجميع لأن صياحه تصاعد حتى بدا كعواء ذئب جائع، بل مسعور، وتحرك العطش فى الجميع دون استثناء.

 نبه الشيخ سيد درويش  أنه “ما هكذا يكون الغناء”،

 سأله محمد عبد الوهاب: إذن كيف يكون؟

قال الشيخ أحمد عبد الجواد: يا جماعة دعونا نستمع الله يخليكم، هل هذا وقته؟

ويلاحظ الجميع، أن الرجل المعلق مازالت تدب فيه الحياة جدا، ويسأل جار جاره: ألا يشبه وجهه وجه “أحمد عاكف”، فيرد: لست متأكدا، لكن صوت سعاله يشبهه.

خطف الأطفال طست ماء النار وجروا بها وهو يترجرجر بين أيديهم إلى خارج الدار فرحين مهللين، فولولت النسوة وهرولت إحداهن  وراء الأطفال، فاصطدمت بالرجل المعلق الذى ابتسم وغمز بعينه اليسرى برغم رعبه وألمه، فزغردت بقية النسوة ورحن يتراقصن معه وهن يصنعن كورسا يتناوب ترديده مع المحيطين بالشيخ، مرددا: “هوا دا يخلص من الله”.

***

النص حلم 54: “اللحن الأساسى”

فى ‏الحجرة‏ ‏المغلقة‏ ‏دار‏ ‏الحوار‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏المذيعة‏ ‏وكان‏ ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏الموسيقى ‏المحلية‏ ‏والأجنبية‏، ‏وعند‏ ‏بعض‏ ‏مراحل‏ ‏الحوار‏ ‏أقوم‏ ‏للبيانو‏ ‏وأعزف‏ ‏عليه‏ ‏بعض‏ ‏الألحان‏. ‏وكلما‏ ‏مر‏ وقت ‏فتح‏ ‏الباب‏ ‏ودخلت‏ ‏سيدة‏ ‏من‏ ‏أهل‏ ‏البيت‏ ‏لعلها‏ ‏أمى ‏أو‏ ‏أخرى ‏فى ‏منزلتها‏ ‏تقدم‏ ‏مشروبا‏ ‏وتذهب،‏ ‏ولكن‏ ‏وضح‏ ‏لنا‏ ‏أنها‏ ‏كانت‏ ‏تراقب‏ ‏خلوتنا‏ ‏بريبة‏.‏

وضقت‏ ‏ذرعا‏ ‏برقابتها‏ ‏فعزمت‏ ‏على ‏تحديها‏ ‏بصورة‏ ‏غير‏ ‏مسبوقة‏ ‏فما‏ ‏أن‏ ‏سمعت‏ ‏صوت‏ ‏الباب‏ ‏وهو‏ ‏يفتح‏ ‏حتى ‏اندفعت‏ ‏نحو‏ ‏المذيعة‏ ‏وضممتها‏ ‏إلى ‏صدرى‏.‏

ولم‏ ‏أعد‏ ‏أبالى ‏شيئا‏ ‏كما‏ ‏لم‏ ‏أجد‏ ‏غضاضة‏ ‏ما‏. ‏ولما‏ ‏انتهيت‏ ‏من‏ ‏التحدى ‏كانت‏ ‏المرأة‏ ‏قد‏ ‏اختفت‏ ‏من‏ ‏الحجرة‏ ‏بل‏ ‏ومن‏ ‏البيت‏ ‏كله‏.‏

***

تقاسيم:

…. وصلنى صوتها بعد أن اختفت، وهى تقول بلهجة حاسمة: ولكنها أختك، فتأكدت أن الصوت صوت أمى، لم أرد عليها لأننى كنت على يقين من أنها ليست أختى، حتى لو كانت هى ابنتها من بطنها،

 هذه المرأة تفسد كل شئ لصالحها هى دون سواها. قالت تؤكد من جديد: قلت لك إنها “حميدة أختك”

داخلنى شك جديد لأن اسم حميدة غير شائع (أو ربما ممنوع) بين المذيعات والممثلات.

وانتقل انتباهى إلى صوت طقطقه أرجل ثقيلة تتمشى فوق السقف الخشبى ذهابا وجيئة، نفس الخطوات لكنها تصدر أنغاما متقطعة مختلفة، كأنها موسيقى سوداء فى خلفية قصيدة نثر شاعر مجهول،

 أقوم إلى البيانو لأعاود العزف لعله يطغى على هذه الطقطقة، فلا أجده فى مكانه، وحين عدت إلى الحجرة، لم أجد المذيعة أيضا.

 يتصاعد طرْقٌ على الباب، فأبتعد، يزداد الطرق فأخاف أكثر أن أفتح خشية أن أواجه أيا من الوجهين، المذيعة أو أمى،

 أما أبى فكان مازال يتمشى على السطح يقرأ ورده كالعادة، فتزيد طقطقه الخشب، ويتسرب تراب قديم من السقف فى استحياء،

 فأزداد رعبا ولا أملك إلا أن أواصل الانتظار.

[1] – محمود محمد شاكر قصيدة “القوس العذراء” ردا على قصيدة الشمّاخ بن ضرارٍ الغطفانى.

[2] – – نشرت الدارسة فى “كتاب القاهرة” (العدد 58) 15/4/1986

[3] – كنت أنوى أن تتبادل قراءتى لهذه الأحلام مع ما أسميته “فى شرف صحبة نجيب محفوظ” ثم طغت قراءة الأحلام عليها دون استئذان، وحين قرأت اسم الشيخ زكريا أحمد فى هذا الحلم تذكرت بعض ما حدثنى شيخى عنه، فعدت إلى أوراقى تلك، وقلت أقتطف هذه الأسطر مما سجلته آنذاك، (وهو مقتطف ليس له علاقة بالحلم)

الخميس‏: 19-1-1995‏

‏1- …. ثم‏ ‏عاد‏ ‏الأستاذ‏ ‏يهاجم‏ ‏مرض السكر‏ ‏ويذكر‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد‏, ‏وأنه‏ ‏كان‏ ‏مصابا‏ ‏بالسكر‏ ‏حتي‏ ‏ظهرت‏ ‏له‏ ‏دمامل‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏جسمه‏, ‏وأنه‏ ‏كان‏ ‏يذهب‏ ‏ليعوده‏ ‏في‏ ‏الفجالة‏, ‏فيفتح‏ ‏الصوان‏ ‏في‏ ‏حجرة‏ ‏نومه‏ ‏ويريهم‏ ‏ما‏ ‏تفضل‏ ‏عليه‏ ‏أهل‏ ‏المزاج‏ ‏بالهدايا‏ ‏المناسبة‏ ‏تقديرا‏ ‏لفنه‏, ‏وحين‏ ‏زاره‏ ‏محمد‏ عبد ‏الوهاب‏, ‏وأطلع‏ ‏علي‏ ‏ذلك‏ ‏فزع‏ ‏خائفا‏ ‏وتراجع … الخ.

2- … ولست‏ ‏أدرى‏ ‏ما‏ ‏الذي‏ ‏جاء‏ ‏بذكر‏ ‏بيرم‏ ‏التونسي‏, ‏ ‏قال‏ ‏الأستاذ‏ ‏إنه‏ ‏قابله‏, ‏مرة‏ ‏عند‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد‏, ‏وكان‏ ‏ساكتا‏ ‏مكفهرا‏ ‏صامتا‏ ‏تقريبا.

3- … وتوالت‏ ‏الذكريات‏ ‏بشكل‏ ‏هاديء‏ ‏رائع‏ ‏ولم‏ ‏أستطع‏ ‏أن‏ ‏أتابع‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏قيل‏ ‏من‏ ‏اسماء‏ ‏وأغاني‏ ‏ومخرجين‏.‏

قال‏ ‏الأستاذ‏: ‏هذه‏ ‏هي‏ ‏الفترة‏ ‏التي‏ ‏كنا‏ ‏فيها‏ ‏واقعين‏ ‏في‏ ‏أسر‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد‏ و‏نكثر‏ ‏من‏ ‏التردد‏ ‏عليه‏.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *