الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / تعتعة الوفد : هل تخلى الإخوان عن الإسلام كما تخلى الرئيس عن الإخوان؟

تعتعة الوفد : هل تخلى الإخوان عن الإسلام كما تخلى الرئيس عن الإخوان؟

نشرة “الإنسان والتطور”

12-8-2012

السنة الخامسة

العدد: 1808

تعتعة الوفد

هل تخلى الإخوان عن الإسلام كما تخلى الرئيس عن الإخوان؟

كان المفروض أن يكون هذا المقال هو الجزء الثالث من سلسلة مقالات “الإعداد للثورة القادمة” إلا أن الأحداث تلاحقت بشكل متسحب غريب مزعج فى آن حتى تشكلت ما يسمى الوزارة الجديدة، وإذا بالتشكيل ينادى: “4 إخوان و 8 قدامى وسبعة تكنوقراط!!…الخ”، ولم يبق إلا أن يضيف المنادى “وصلّحهم – مثلما ينقل صبى المقهى للمعلم أو لمعدّ الطلبات رغبات الزبائن.

كيف يمكن أن يكون هناك حزب، ظهر بعد حمل طويل، وصراع مرير ضد الإلغاء والحظر والقهر والإنكار، صراع دام حوالى قرن من الزمان ثم تم الوضع بعد مخاض عسير بكل عيوبه ومضاعفاته ومزاياه، ونجح الوليد فى التحمل والصبر، ثم نجح فى أن يصمد ويضحى وينظم ويجيّش ويتحدى ويبقى، ثم راح يعلن نجاحه فى أول تجربة ديمقراطية مهما كانت متواضعة، كيف يمكن أن يكون نصيب هذا الحزب فى وزارة يختارها رئيس هذا الحزب نفسه وقد أصبح رئيسا للدولة، بنجاح ديمقراطى رسمى، هذه المقاعد الخمسة ولا مؤاخذة؟!، ثم إن هذا الرئيس أخطأ وأصاب، وصحح واعتذر، وخطب ورأس وتوكل حتى عين رئيسا للوزارة، التى كان المتوقع أن تمثله هو ومن أنجحه وأوصله إلى هذا المقام الرفيع؟

ما معنى هذا؟ وإلى أين؟ كيف يمكن أن يكون فخرا لهذه الوزارة، ألا تنتمى  إلى من أولاها هذه الثقة لتحقق ما وعدت به طوال قرن من الزمان، حتى يلتقط المتحدث غير الرسمى باسمها الأستاذ “فهمى هويدى” (الشروق الأحد) أنهم يبدو أنهم قد ارتضوا أن يكون “التكنوقراط هو الحل” بديلا عن أن “الإسلام هو الحل”؟.

أنا أحب دينى حبا جما، وأحب كل من يحب دينه حبا جما، وأفخر أن انتمى إلى دينى بنفس القدر الذى يصلنى به فخر حب من ينتمى لدينه، وأرفض أن يهمَّش الدين أى دين وأصر أن نوع  الوجود الذى يوصل إلى الإيمان هو الخليق بمواجهة شرور العالم الأمريكى الإرهابى العولمى المتمادى فى الرذيلة المالية الاحتكارية حتى القتل والدمار الشامل حتى الانقراض.

ثم إنى أعرف الإخوان منذ أكثر من ستين عاما انتميت إليهم شبلا عاملا فى سن الرابعة عشر، بسبب بسيط جدا أن آيات فى القرآن وصلتنى عبرهم تقول “أن من لا يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون/الفاسقون/الكاذبون” (المائدة 44)، (البقرة 99)، (النحل 105).

 كنت فى السنة الرابعة ثانوى الثقافية العامة/”ثانية ثانوى الآن”، ولاحظ والدى مدرس اللغة العربية والدين! استغراقى فى الذهاب إلى شعبة الإخوان فى مصر الجديدة أكثر من المسجد، ثم أيضا لاحظ غيابى فى بعض ليالى الصيف فى قريتنا فيما كان يسمى “كتيبة” على ما أذكر، وكنا نتدارس أحاديث وسور اختاروها لنا وبالذات سورتى الأنفال والتوبة، وحين عرفنى صديق أكبر منى هو المرحوم د.محمد رشاد سالم بشيخنا الجليل محمود محمد شاكر تعلمت عن دينى أشياء ومعارف أوسع وأرحب وأطيب وأفقه، حيث كان بيته منتدى لكل طالب علم أو معرفة أو لغة أو دين أو إتقان، وكان يلتقى بالصغير والكبير منّا فى أى وقت ليلا أو نهاراً وعادة ما يفتح لنا بنفسه، وسألنى ذات يوم بعد صلاة القيام فى بيته وهو يؤمنا بصوته الجهورى الذى كنت أتصور أنه يمكن أن يصل إلى حلمية الزيتون من شارع السبق، سألنى عن كتيب فى يدى: (نوته) ما هذا؟ قلت له أحاديث منتقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض الدعاء المأثور، فأكمل تساؤله من الذى انتقاه لكم؟ قلت له الأخوان، وكان محققا فحلاً فى التراث، وأيامها نشر له  تحقيق كتاب فى السيرة النبوية العطرة هو “إمتاع الأسماع بما للنبى من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع” للمقريزى، وتعجبت كيف يهدينى هذا الشيخ الجليل، وأنا فى مثل هذه السن هذا الكتاب  الضخم، الذى تعلمت منه صغيرا أصول البحث العلمى وأمانة المقارنة الموضوعية وفهمت لماذا قال لى: إياك أن تقتصر على ما يعطونك إياه من مذكرات وعليك بالأصول وأمهات الكتب.

خاف والدى آنذاك على اندفاعى فى الاتجاه الآخر، ولم يكن يعرف شيئا عن علاقتى بشيخى محمود شاكر، خاف علىّ وحاول اقناعى بالعدول عن الأخونة بلا فائدة، حتى استعان بزميل له اجتمع بى مع والدى لإقناعى أن الطريق الذى أسلكه فى هذه السن ليس هو الطريق الأسلم ولا هو الطريق الأوحد وأذكر أننى رددت عليهما معا أن ما أفعله ليس إلا تطبيقا لأمر الله أن من لا يحكم بما أنزل الله هو فاسق كافر ظالم، ورحت احاجيهما  – فى هذه السن – وأوصيهما أن يتذكرا الأية الكريمة “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ….. الخ”، ولا أدرى هل سكتا شفقة بى أم تجنبا لمزيد من وقاحتى.

روح يا زمان تعالى يا زمان ترقيت فى اجتهاداتى الدينية والفقهية واللغوية والمعرفية، فراحت تزداد معارفى ويتفتح إسلامى ليهدينى إلى إيمانى الذى أواصل السعى إليه حتى الآن، وكلما زدت معرفة زدت ابتعادا عن تعليمات الاخوان وانتماء إلى “أصول الأصول، كدحا إلى وجه ربى لأقيه

ثم تطورت علاقتى بالقرآن الكريم واستسلمت لاشراقاته فوصلنى من بين ذلك أن الله “انزل كل شىء”، و”كل علم”، و”كل معرفة”، و”كل برامج البقاء”، وكل قوانين الحياة، وأن الآيات الكريمة التى تأمرنا “بالحكم بما أنزل الله” تشمل كل هذا؟، وليس فقط ما أشاروا علينا به، نعم تشمل كل شىء بما فى ذلك قوانين الطبيعة الكموية وقوانين الإدراك والعلم المعرفى وعلوم الحاسوب، وأن من العبادة الصحيحة ان نحكم بها لأن الله أنزلها وسمح لنا بالإحاطة بها “وما يحيطون بشى من علمه إلا بما شاء”

هكذا بدأت أفهم بالذات أن الله سوف يحاسبنى ليس فقط على استعمال عقلى بل عقولى، التى علىّ أن أحكم بها وأحسن استعمالها بإتقان هذه البرامج التى أنزلها وسمح لنا بالإحاطة بها، وأننى إذا احسنت استعمالها فهى التى سوف تهدينى إلى إدراك الإيمان غاية الحياة الحقيقية ضد هذا الشر المستطير الزاحف على العالم.

زاد حبى لدينى، وفهمت إسلام جارودى ليس على أنه إثبات من واحد “خواجة مجتهد” أن دينى وحده هو الصحيح  لأن دينى صحيح بدونه، ولكن إسلامه وصلنى بمثابة إعلان أن هذا المفكر الحر قد وصله من دينى ما لم يصل إلى أهل هذا الدين الذين تسموا به دون أن يجتهدوا فيه، بمعنى أنه قد وصله أنه اكتشف توجد هناك طريقة أخرى فى التفكير والوجود هى البديل الواقعى الذى يمكن أن يواجه النشاز المفترس الجاف القاتل الهابط من العولمة المغيرة كالنيازك الساقطة المبيدة لكل خيرات الدنيا وعلاقات البشر  الطيبة ونِعَم الله. وأن المسلم  إذا صح إسلامه – مثل أى مؤمن لم يتشوه دينه – هو القادر على أن يعطى نموذجا بديلا لحياة بشرية أرسخ وأقدر على استمرار عجلة التطور، وأن مهمة المسلم هو أن يساعد كل البشر أن يحققوا هذا الهدف  لكل الناس، سواء أسلموا أم لم يسلموا، لكل هذا لم أرفض أن يكون “الإسلام هو الحل” بهذا المعنى الأشمل والأبقى، وهذا هو نفسه ما جعلنى أرفض فى نفس الوقت تهميش الدين واستعماله كحلية إضافية أو ممارسة سرية خوفا من بطش السلطة الدينية المرفوضة أصلا من الإسلام نفسه، نعم لم أرفض ابتداء إعطاء الفرصة لمن يمكن أن يمثلوا كل هذا التاريخ، ليثبتوا للعالم أن المسلم الحقيقى هو القادر على مواجهة كل هذا الشر أينما كان ببديل أرقى وأبقى.

وفجأة، تتشكل الوزارة من خمسة أخوان وثلاثة لا أعرف ماذا وثمانية كيت.

ما هذا؟

يا ترى – كما ذكرت قبلا – هل لا يعرف الاخوان ما هو الإسلام الذى أتحدث عنه وأنتمى إليه أم أنهم تخلوا عنه – خجلا وتأدبا!ّ!! – ليعطوا الفرصة للموظفين الأكفاء، ليكون “التكنوقراط هو الحل”؟

ما هذا؟

إن لم يكونوا قدر المسئولية، فليعلنواها صراحة حتى يحمل المسلم الأوْلى بإسلامه مسئوليته مباشرة، دون أن يلى الحكم نعم يحمل مسئولية إسلامه فى مواجهة الشياطين الجدد عبر العالم لصالح كل الناس عبر العالم، بأن يحكم بما أنزل الله على عباده من علم ومعارف وقدرات إبداعية لتعمير الأرض بما ينفع الناس ويمكث للغير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *