الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / تعتعة الوفد : “الإيمان هو الحل”، ضد قوى الانقراض

تعتعة الوفد : “الإيمان هو الحل”، ضد قوى الانقراض

نشرة “الإنسان والتطور”

7-8-2011

السنة الرابعة

العدد: 1437

تعتعة الوفد

“الإيمان هو الحل”، ضد قوى الانقراض

كنت قد كتبت هنا من شهرين (بتاريخ 25/5/2011) بعنوان “لم يبق إلا أن يدخلوا امتحان السلطة”، وقد بينت فى هذا المقال وفى غيره إن ما فعلته مليونيات التحرير هو نوع من “الديمقراطية المباشرة”، وهى التى تصلح للمجتمعات الصغيرة التى يمكن فيها جمع كل الناس معا لأخذ رأيهم مباشرة دون حاجة إلى من ينوب عنهم، وهذا ما كان يحدث مثلا فى مجتمع أثينا قبل الميلاد، فهى “ديمقراطية كل الناس”، دون إنابة، وهى ليست بلا عيوب، ففيها يسود الوعى الجمعى الخطر الذى يخطئ أسهل، ومن أمثلة ذلك الحكم بإعدام سقراط أو تكفير الحلاج فالحكم بشنقه..إلخ،

 ما حدث عندنا بعد البداية الناجحة لهذه الديمقراطية المباشرة هو أن الشباب استحلاها، ثم شارك فيها معظم الناس على مختلف هوياتهم، ثم تلوثت بغير أهلها، ثم عاد الفرقاء يتبادلون احتلال ميدان التحرير، مرة ليواجهوا الحكومة، وأخرى لينذروا المجلس العسكرى، وثالثة ليحتجوا على أحكام القضاء، ورابعة ليفرضوا تفاصيل التفاصيل لإعادة التشكيل محددين بسرعة مذهلة من يبقى ومن يرحل…إلخ، قلت فى نفسى لعله خيرا، فلكل آلية عيوبها ومزاياها

 ثم تحول الأمر أخيرا إلى نوع من المنافسة الحقيقية، وقلت فى نفسى أيضا أنه لا مانع من حيث المبدأ، فليس من حق فريق دون الآخر أن يتصور أنه الممثل الأوحد لرأى أغلب الناس، وعلى من يقدر أن يعلن للناس حجم حضوره بعدد الذين يلبون دعوته إلى ميدان التحرير أن يفعل مثله مثل غيره، ربنا سبحانه وتعالى سمح بذلك لكنه كان هو الحكم العدل، (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ..) أما وسيلتنا نحن البشر فهى بالكثرة والتكاثر، “الكُتْرة تغلب الشجاعة”، فما بالك إذا اجتمعت الكثرة والشجاعة والتنظيم والتحريض معا، مع التخويف بهجمة على الإسلام وصرخات الإستنقاذ تدوى فى داخل كل مندفع فاهم أو غير فاهم أنه : “وا إسلاماه”، وما دام هذا الواقع، فهو الواقع، وقد وصلنى منه دلالات وتوضيحات أبدأ بذكر بعضها فيما يلى:

أولا: عرف الجميع أن هناك فرقا بين اجتماعات الموائد النقاشية، واتفاقات القادة والساسة، وبين عموم وعى عامة الناس، وزخم حركية الشارع (وهى الجاهزة لملأ صناديق الانتخاب دون تزوير ظاهر)

ثانيا: انتقل الإخوان (أو الإسلاميون عامة) إلى الصراحة وكشف الأوراق، ويبدوا أنهم اطمأنوا، فلم يعودوا مضطرين إلى التكتيك المرحلى، فأعلنوا استراتيجيتهم (واللى عاجبه)، وعندى أن هذا أفضل لهم من اتهامهم بالتحايل والمناورة.

ثالثا: وصلت الرسالة إلى الفريق الآخر (وأنا لا أعرف لهم اسما واحدا، فليكن اسمهم المدنيون، أو التنويريون، أو العلمانيون، أو الثوار…. إلخ)، بأنهم ليس من حقهم أن يحتكروا الرأى لمجرد أن لهم فضل البدء، أو أنهم يرون أنهم اقرب إلى الحداثة والمعاصرة والثورية..ومثل هذا الكلام..الخ

رابعا: تأكد أن آلية التجمهر والتظاهر، وأحيانا الاعتصام، هى العامل الضاغط على من بيده الأمر فظهر لنا اهتزاز ما هو “دولة” إن وجدت أصلا، وتعرّى غياب الحسم فى اتخاذ القرار.

خامسا: كانت عينة مليونية هذه الجمعة (29/7/2011) مؤشرا لتوقعات محتملة جدا عن نتائج الانتخابات القادمة مهما طال التأجيل أو اختلف التركيب، أو كتبت المقالات أو اشتد التحذير.

وبعد:

لنفترض – بناء على ما لاح أو تأكد – أن نفس المزاعم (أو الحقائق!!) التى اختزلت الموقف السياسى إلى إنقاذ دين الإسلام بدءا بمصر، ولعنة الله على الكافرين،  نشطت أكثر فأكثر، خلال ستة أشهر مثلا فإن الأرجح جدا، حتى بعد الابتعاد عن الديمقراطية المباشرة فى ميدان التحرير، أن الناخب المسلم البسيط، فى طول البلاد وعرضها سوف ينتخب هؤلاء الناس ليس بالضرورة لأنهم الأفضل أو الأقدر، (مع أنه قد يثبت أنهم كذلك) ولكن لأنه ببساطة يدافع عن دينه، ليكن، وأنا لا أريد بهذا أن تكف القوى المنافسة عن بذل الجهد والحفاظ على الأمل، ولو استعدادا للجولة القادمة (بعد أربع سنوات أو أربعين)، وتماديا فى الخيال، أو فى قبول الواقع، سوف أفترض أن هذا تم بمباركة الجيش أو حتى  برضا أمريكا، فإنه فى جميع الأحوال  علينا أن ندبر أمورنا، لصالح مصر، ولصالح الإسلام، ولصالح الحق، بدءا من هذا الواقع الجديد.

الإسلام أساسا – مثل أى دين لم يتشوه– طريق تنويرى من عند الله إذا ما تخلص من الوصاة ومحتكرى تأويله، هو مشروع حضارى إبداعى رائع، وهذا ما لا تريده أمريكا ومَنْ ورائها وحولها من القوى المالية المتوحشة، هى لا تريد للإسلام الحقيقى أن يأخذ أية فرصة حقيقية لإصلاح ما تفسد هى والقوى التحتية التى تخدمها، هى تستعمل الإسلام (مثل مبادىء أخرى كثيرة منها الديمقراطية) من الظاهر كما استعملته طول عمرها بدءا من الأربعيانات ضد انتشار الشيوعية، وحتى تجسد فى استعمالها بن لادن وأمثاله وجماعته فى أفغانستان، وربما هى تستعمله – كما تتصوره – فى مصر الآن، وربما فى السودان، ولا أقول فى فلسطين (لست متأكدا)، لكنها  بمجرد أن تتبين أن الإسلام الحقيقى هى غير ما تصورت، وأنه قادر على الاستقلال والمنافسة، تنقلب عليه، وهات يا اتهامات بالإرهاب، وبالتخلف، وبالانغلاق، ….إلخ.

 إذا ما ولى الإسلاميون السلطة عندنا، علينا أن نساعدهم أن يتبينوا حقيقة هذه اللعبة الجارية هكذا عبر العالم، عليهم أن ينقذوا الإسلام الذى أنزله الله من الإسلام الذى أصبح أداة لغير ما أنزل الله، بل أحيانا كثيرة، أداة لعكس ما أنزل الله، الإسلام – مثل أى دين لم يتشوه– هو تَنزِيل من رب العالمين، يهدى البشر للتى هى أقوم ليكونوا بشرا، من قال أن الدين ليس له علاقة بالسياسة إلا خوفا من مواجهة السلطة الدينية الطاغية  أن تستعمله لغير ما أنزل له،  إن الذين يستبعدون الدين من السياسة لهم حق تاريخى فى مواجهة ممارسات كنيسة العصور الوسطى، وكثيرين من الولاة المسلمين الكفرة، لكنهم يستعملون الدين الداخلى بكل خبث لصالح ما ليس دينا.

العالم كله بما آل إليه الآن أصبح فى أمس الحاجة لمنظومة قيم مختلفة، عن التى تروجها أمريكا، وحتى عن التى تروجها الصين، ومن وراءهما منظومة تبنى حضارة مختلفة وليست نقيضة ولا منفصلة، والإسلام الأصل يَعِدُ بإسهام تكاملىّ وتكافلىّ فى تشكيل هذه الحضارة الجديدة التى يمكن أن تنقذ البشرية من تهديدات الإنقراض التى تتزايد باضطراد مرعب لخدمة العولمة المالية الكانيبالية (آكلة لحوم البشر). وأنا  حين نبهت إلى ضرورة نقد الحل الغربى الاستسهالى الذى يفضها سيرة بتقسيم الحياة بين الله والجميع (الدين لله والوطن للجميع!)، واقترحت بديلا يقول بأن “الدين لله والوطن لله والجميع لله”، لم يرض عنى المتنورون، كما لم يفهمنى الإسلاميون.

 العلمانية بدعة اضطرارية لمواجهة السلطات الدينية القهرية لكن آل بها الحال إلى تهميش الدين كله أو اختزاله إلى العلاقات الدمثة ومجرد تجنب الإيذاء، وفى رأيى أن هذا جهل بالطبيعة البشرية، وبدور الأديان طريقا للإيمان فى تنميتها، يتساوى فى ذلك عندى من يختزل الدين إلى نشاط  تسكينى يمارس اختياريا فى عطلة نهاية الأسبوع، ومن يختزله إلى الشريعة كما فهمها وفسرتها له المعاجم جنبا إلى جنب مع مخاوفه الشخصية، المسلم فى طريقه إلى الله، أمامه فرصة رائعة أن يثرى الحياة الإنسانية ويحافظ على النوع البشرى، ويساهم فى إنقاذ البشرية، فرحة المسلم الحقيقى لا تكون بأن يزيد عدد المسلمين بضعة نفر حين يشهر إسلامه مطرب أو مُطلقة أو حتى عالم أو فيلسوف، ولكن فرحته المسئولة هى حين يدفعه دينه أن يساهم  بإضافة إبداعية تستهدف سبر غور الطبيعة البشرية كما خلقها الله، لتنطلق بها ومعها إلى ما وعد به الله .

هذا بالنسبة للمسلم المواطن العادى، فما بالك بالنسبة للمسلم الحاكم؟ إن عليه أن يتعرف على حقيقة الإسلام طريقا إلى الإيمان إلى وجه الحق تعالى، هذا هو الموقف الذى يسمح لنا أن نفخر بديننا لو نجحنا من خلال استلهام مقاصده  أن نساهم فى إضافة تنويرية تطورية حقيقية، اقتصاديا وإبداعا وحضارة وتنويرا، إضافة يحتاجها كل الناس عبر العالم فى مواجهة الشياطين القتلة الذين يهددون البشر بالإنقراض لمجرد اكتناز مال أكثر، ورفاهية أعلى، أما أن يستعمل الحاكم الذى أتى عن طريق الإسلام لتثبيت مركزه، وتأكيد تفوق أهل دينه بمجرد الانتماء له، فعندك لو سمحت!

ليكن “الإسلام هو الحل”، ولكن كبداية نحو الإيمان، وخير كافة البشر، ماذا وإلا سنظل فى الذيل مع تغير اللافتة.

وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *