الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / تعتعة الوفد : اشراقات “ليلة القدر” من تدريبات نجيب محفوظ

تعتعة الوفد : اشراقات “ليلة القدر” من تدريبات نجيب محفوظ

نشرة “الإنسان والتطور”

الأحد: 19-8-2012

السنة الخامسة

 العدد: 1815

تعتعة الوفد

اشراقات “ليلة القدر” من تدريبات نجيب محفوظ

اكتب قراءتى لما خطه شيخى نجيب محفوظ بخط يده أثناء تدريباته المعجزة للعودة للكتابة، وذلك منذ ما يقرب من عامين. فوجئت وأنا اقرأ الصفحة رقم 33 من الكراسة الأولى أنه أرخ الكتابة بتاريخ 29 رمضان (الموافق 29-2-1995) وهو لم يفعل ذلك ابدا قبل ذلك، كان دائما يكتب التاريخ الميلادى بعد توقيعه، فانتبهت إلى أننا حول تاريخ ليلة القدر، علماً بأن ما خطه فى مجموع كراسات التدريب من آيات قرآنية تكاد تربو على نصف المساحة، كما أن تداعياتى انطلاقا منها جعلتنى أتلقاها “وعيا خالصا”!! لا أعرف من أين جاءنى هذا التعبير، حضرنى القرآن الكريم على أنه حضور إلهى بمثابة وعى كونى، أهدانا إياه رب كريم عبر وحى يخاطب وعيا بشريا فى أشد الحاجة لمن ليس كمثله شىء، وبالتالى هو لا يحتاج إلى معجم بجواره، ناهيك عن اجتهادات التفسير التى تصيب حينا ويجانبها التوفيق فى أحيان أخرى.

أنا مشغول هذه الأيام، وفى غير هذه الأيام بطبيعة الوعى البشرى وعلاقته بالعقل والإدراك والوجدان ومعالجة المعلومات، وحين أتيحت لى فرصة بهذه السرعة البطيئة للعودة إلى هذه الشذرات الجميلة بلغنى منها نمط جديد من التلقى والمعانى تتفجر هكذا وعيا خالصا، تتفجر منه بعض الجمل والألفاظ فى محيط هذا الوعى المحيط، فتصل إلى وعى قارئه، أو المستمع إليه أولا، لتصل إلى كل حسب اجتهاده وحسب درجة سماح ونفاذية مسام تلقيه وخشوعه وتجليه، وهذه كلها من ألف باء مبادئ علم عاد إلى بؤرة الاهتمام مؤخرا هو علم “الإدراك” لا علم التفكير ولا علم النفس ولا علم التفسير،

بفضل اشرقات شيخى هذه لاحت لى اجابات فى شكل فروض تفسر لى ظواهر شغلتنى طويلا فى صورة أسئلة محيرة، بعضها جسور خطير، منها مايلى:

1-    لماذا يصل القرآن الكريم للأطفال – عادة – كما يصل إلى الكبار وأحيانا أرق وأنقى بدءا من كتاب القرية كما تعلمنا صغارا؟.

2-   كيف يصل القرآن الكريم إلى الأميين عامة، والكهول منهم خاصة بكل هذا التأثير؟

3-   كيف يصل القرآن الكريم باللغة العربية للمسلمين الذين يسمعونه (أو يتلونه وهم لا يعرفون العربية).

4-    كيف كان الطفل (من جيل والدى وحسب حكيه) يختم القرآن كله حفظا وتسميعا وهو فى سن الثامنة أو التاسعة أو حتى العاشرة قبل أن يدخل ما يقابل سنة أولى ابتدائى فى معاهد الأزهر الشريف هذه الأيام، كل هذه الأسئلة وجدت إجابات محتملة من خلال هذا الفرض الجديد.

أود أن أعترف أننى خشيت يوما بل أياما أن يحمل هذا الأسلوب فى تعليم الأطفال نوعا من حشر الألفاظ  بالجملة فى مخ الصغير، فى هذه السن بما يترتب عليه نوع من التكدس معا، فلا يعود الطفل – طفلا فناضجا – قادرا على استيعاب الجديد مما ينبغى كما ينبغى؟ مما قد يؤدى مثل هذا إلى فقد المرونة؟ إلا أن القرائن العملية والمتابعات بعد ذلك أثبتت فساد مخاوفى تلك، وأنها ليست سوى فذلكة وصية على عقول الصغار، وظل هذا الهاجس يراودنى عشرات السنين حتى اكتشفت وباضطراد أن كل من أعرف من الذين حفظوا القرآن الكريم صغارا فى هذه السن شبُّوا أكثر إبداعا ليس فقط نتيجة تمكنهم من لغتهم الفصحى، وإنما بمقياسىْ الأصالة والطلاقة، حتى لو اهتزت علاقتهم بالعبادات أو العقيدة بعد ذلك قليلا أو كثيرا.

يبدو أن وعى الطفل الأقرب للفطرة يكون قادراً على التواصل مع القرآن الكريم وعيا نقيا خالصا بشكل سلسل يسهل تسجيل حروفه وألفاظه كلها بهذه السهولة المتناغمة وهذا العمق المتوازن، وأن هذا يظل كذلك بقية حياته ثروة مرنة متحركة جاهزة تحت أمر إبداعه مهما ابتعد عن هذه الخبرة الأولى زمانا أو ممارسة.

الذى ألهمنى ذلك هو المنهج الذى اتبعته فى قراءة تدريبات أستاذى، حين وصلنى إن ما يسطره الأستاذ فى كراس التدريبات هو مجرد “قمة جبل” من وعى خاص، يحضر أثناء التدريب، ولا يسجل منه إلا ما يظهر على سطح عموم الوعى، وكان هذا ومازال هو مدخل قراءتى لتدريباته استطرادا وتداعيا حتى الآن وبالذات بالنسبة لجواهر القرآن الثمينة، ويبدو أن وعى رمضان حضره هذا اليوم فجاءت التدريبات كلها ابتهالات ودعاءً وتسبيحا،(29 رمضان) ولعلها ليلة القدر التقطها بحدّسه الفائق، التدريب فأرسلها سحابا سخيا مليئا بجواهر الإيمان والمعرفة والذكريات يتساقط منه على الورق رذاذ من اللؤلؤ المكنون من آيات الله البينات وهو ما يصلنا هكذا.

فهى ليلة القدر!!

تركت لتداعياتى العنان فاسترجعت علاقتى بهذه السورة الجميلة وكيف أننى تحفظت على كثير من تفسيرات تقليدية لآية منها بالذات وهى ما ذكر فيها من أن القرآن الكريم نزل فى ليلة واحدة مع أن التاريخ العادى يقول إنه نزل على دفعات طوال سنوات الرسالة كلها.

وصلنى احتمال فرضى ينبهنى أن الوحى الإلهى له زمن آخر، وحضور آخر، وهو يمكن أن ينزل جرعة واحدة فى وحدة زمنية  متناهية الصغر بحيث لا يرصدها الزمن العادى “إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون”، ثم أنها هى هى نفس هذه الجرعة الكاشفة التى تنزل فى ليلة واحدة، تظل تنزّل باضطراد متجدد، وليس لها علاقة مباشرة بالوقت الذى تحتاجه للخروج إلى الوعى الخاص فالعام سنوات طوال بحساب الزمن العادى، وهذا يتفق كثيرا مع طبيعة دفقات نشاط المخ البشرى فى تلقيه الأسمى فى أرقى مراتب حضوره حين تشرق منه لحظة متجمعة ثم تنساب عبر مئات الأوراق أو الساعات، فما بالك إن كان ذلك وحيا إلهيا خالصا، وليس إبداعا بشريا متفردا!

أشعر أن الأمور أصبحت أكثر غموضاً فأستأذن شيخى فى طرح مثل آخر من تدريباته لعله أبسط وأقرب، كتب شيخى يوم 3-2-1995 صفحة التدريب رقم 9 ما يلى:

“الله يهدى من يشاء”،

“فتنطلق بى تداعيات إلى الآيات المحكمات”:

“مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً..”،

وأيضا “ومن يضلل الله فلا هادى له..”.

وكذلك:

إنك لا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

فتذكرت كيف أننى تناقشت مع شيخى فى كثير من ذلك، سواء ونحن نفتح ملف موضوع التسيير والتخيير، أو الحرية، أو ونحن نناقش احتكار تفسير كلام الله لمن لا يعرف من اللغة إلا ما فى معاجمها، ولم نختلف كثيرا، وإن كان الأستاذ لا يقبل بسهولة، وأحيانا: ولا بصعوبة،  الأبجدية التى أستعملها فى بعض شطحاتى الاستلهامية، مثل ألفاظ: “بيولوجى”، و”الإيقاع الحيوى”، و”الغريزة التوازنية”، ومثل هذا الكلام

المهم فى هذا الصدد هو أن كتابته لهذا الجزء من الآية الكريمة، جلب إلى ذاكرتى حوارنا حول مسئولية كل منا أن يهتدى مع أن الله يؤكد أنه يهدى من يشاء، وكيف أننى رحت أعرض عليه وجهه نظرى، لهذه الجدلية بين حركية الهدى والهداية بين العبد وربه وكيف أنها عملية متصلة متصاعدة، ما بين الداخل والخارج فى اتساق لا ينفصل ولا يتصل، لا ينفصل بمعنى لا يستقل، ولا يتصل بمعنى لا يتلاشى،  وأن الحرص على التأكيد على أن البداية من الله ليست اغترابا أو انتظارا لفضل يهبط بالصدفة من بعيد، لكنه حفز أو دعوة أن نطمئن إلى أن نقطة البدء هى أن يقبل الواحد منا هذه المسلمة “ربى كما خلقتنى”، لتنطلق منها هذه الحركية فى تواصل الكدح فى طريق الهداية. هذه البداية من الله الأقرب من حبل الوريد ، إلى الذى وسع كرسية السماوات والأرض فى نفس الوقت، هى الضمان لاستمرار دفع الفرص للانتماء لهذه الحركية التى متى بدأت فهى الطريق (إلى الهدى الذى فى جميع الأحوال: هدى الله) فالفرصة متاحة لمن لا يكف عن الحركة كدحا إليه فليس للهدى حجم محدد، ولا نهاية معروفة، وهو ليس مرتبطا أيضا بمضمون بذاته.

آسف،

بدا لى الأمر أكثر تعقيدا وما أردت إلا تبسيطه- لكنها لآلئ من شيخنا تتساقط من حضور هذا الوعى الإلهى الخالص يضيئ لنا الطريق فى ليلة القدر، التى نحن أحوج ما نكون إلى نفحاتها هذه الأيام بوجه خاص”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *