الرئيسية / الأعمال الأدبية / كتب أدبية / الكتاب الأول: فى شرف صحبة نجيب محفوظ

الكتاب الأول: فى شرف صحبة نجيب محفوظ

 الكتاب الأول فى شرف محفوظ

الكتاب الأول

 

فى شرف صحبة 

 نجيب محفوظ

 

من الأربعاء: 19/11/1994

 حتى الجمعة: 3/2/1995

 

د. يحيى الرخاوى

 

 

الطبعة الأولى

2018

 

 

الإهــداء

إلى كل الأصدقاء الذين أحاطوا به، خاصة بعد الحادث،

فامتد عمره بهم ولهم،

               ولكل الناس.

يحيى الرخاوى

مقدمة (1)

وهل يحتاج هذا العمل إلى مقدمة!!؟

نعم، برغم أنه كله مقدمة، فما هو إلا تسجيل خواطر عابرة، من الذاكرة، لم أقصد حين كنت أكتبها بغير نظام، ولا التزام، أن ترى النور فى شكل منشور إلى الكافة، كل ما كنتُ أفعله، آنذاك، هو محاولة أن أتعرف على هذا الإنسان الكبير، الذى أتاح الله لى فرصة – وأنا فى العقد السابع من عمرى- أن أقترب منه كل هذا القرب، أتعرف عليه، وأتعرف على نفسى من خلاله، نعم لم أكن أعرفه شخصا من لحم ودم قبل ذلك، مع أننى عرفته وعيا محيطا جميلا مرشدا منذ مراهقتى، فقد نشأت فى رحاب وعيه الإبداعى منذ الرابعة عشرة، لكننى أبدا لم أكن من مريديه الأقرب بعد ذلك، ولم أسع للقائه حيث كان يلتقى بكل الناس، لم تتح لى فرصة لقائه وجها لوجه قبل ذلك إلا مرة واحدة فى مكتبه فى الأهرام لساعة أو بعض ساعة، مع بعض الأصدقاء الذين ليسوا من حوارييه أيضا، كان ذلك فى أوائل السبعينيات، ثم جاءت هذه الفرصة الصعبة المتحدية بعد الحادث، لأجد لى قرب نهاية عمرى أبا جديدا، جديرا بأبوة مختلفة، وأنا الذى عشت طول عمرى فى رحاب أبٍ حانٍ قوى قادر، فإن لم أجده شكـَّلته تشكيلا، لكن هذا الوالد لم يـَحْتـَجْ منى إلا أن أتلقَّى أبوته التى وجدتُ فيها شفاء للناس، وأنا منهم، فانتفت منذ البداية شبهة أننى قريب منه بصفتى طبيبا نفسيا، ورحت أكرر هذا النفى كلما أتيحت الفرصة، برغم إلحاح هذا التفسير غير الذكى من الإعلام خاصة، بل إن ما حدث فعلا هو عكس ما شاع، بما يتأكد من خلال هذا العمل بالذات، وهو الذى تركز فى قصيدة خرجت منى فى عيد ميلاده التسعين([1])، وهى قصيدة توضِّح أبعاد هذه العلاقة الأبوية الراعية لى من جانبه، وليس العكس، لمريد ينهل من فيض حضوره الغامر والمعيد لتشكيلنا ونحن حوله، هذا المريد هو المجتهد العبد الفقير إلى المعرفة، وإلى الأب، وإلى الله سبحانه وتعالى، كاتب هذا الكلام.

هذا الكتاب هو من الذاكرة تماما، بمعنى أننى لم أسجـِّل حرفا كتابة أثناء وجودى معه، ولا أنا استعملت أية آلة تسجيل طوال صحبتى له، كما لم أكن حريصا أن ألتقط صورا معه مثل كل الأصدقاء الطيبين، حتى فى بيتى الذى ظل يتردد عليه أسبوعيا طوال صحبتى له (12 عاما) ولا مع أفراد أسرتى برغم إلحاحهم، ولم أفهم سبب امتناعى هذا بكامل أبعاده إلا وأنا أكتب مقدمة هذا الكتاب الآن، فالظاهر أننى تصورت – كما ذكرت فى بداية ترحالاتى، سيرتى الذاتية([2]) – أن “هوس التصوير” (عموما، وخاصة فى الرحلات) قد يحول دون أن ألتقط الوجود النابض للناس والطبيعة بكاميرا الوعى الحى، بل إننى رجحت احتمال تفسير بعض زعم تحريم الصور والتصوير من خلال ذلك، وأيضا حضرتنى فكرة افلاطون عن السرير الصورة من خلال تأملى لعزوفى عن التصوير هكذا، وحين طلبتُ من الإبن الصديق الكريم د. زكى سالم أن يمدنى بما تيسر لديه من صور قد تفيد الناشر، لم يجد لديه لى مع الأستاذ إلا صورة مهزوزة على شاطئ النيل فى فلفلة بجوار كوبرى الجامعة، وأخرى لا أعرف من التقطها ولا متى، وكنت قد بحثت عندى فوجدت عددا محدودا لم يتعد أصابع اليد الواحدة، وكان سبب عزوفى عن التسجيل أوضح من عزوفى عن التصوير، فأنا – كما قلت- لم أكتب حرفا واحدا مما كان يدور بيننا أثناء لقاءاتنا، اللهم إلا مرة واحدة، حين كنت أنسى باستمرار اسم الشيخ “كامل عجلان” الذى حكى لنا شيخنا كيف هجم على الدكتور عبد الرحمن بدوى يحتج على تجهمه، حتى سألتُ الأستاذ عن اسمه عشرات المرات، فيذكره لى وهو يتعجب من نسيانى عشرات المرات، يذكره لى دون ملل، ثم يتساءل لماذا أنا مهتم بهذا الحدث بالذات؟ ولماذا أنسى هذا الاسم بالذات؟ ولماذا ألِحُّ فى استعادته هكذا؟، وحتى الآن أنا لا أعرف إجابة لأى من هذه الأسئلة، ولا مغزى للحادثة التى رواها عنه أكثر من مغزى أى حادثة أخرى، اللهم إلا طريقة حكى الأستاذ للحكاية([3])، فلما تكرر هذا النسيان الغريب أخرجتُ قلما وورقة وكتبت اسم الشيخ.

 أؤكد ثانية أن هذا العمل هو من وحى ذاكرة خاصة، فى ظروف خاصة، فهو مجرد خواطر وذكريات قريبة كنت أكتبها بعد يوم، أو أسبوع، أو لا أدرى كم، من لقاءاتنا اليومية الباكرة جدا، ثم إنه عمل لم يغطِّ إلا بعضا من بداية علاقتى به التى طالت اثنى عشر عاما كما ذكرت (من 1994 إلى 2006) فى حين أن ما سجلتُه من خواطر، وهى ما احتواه هذا العمل لم يتجاوز عدة شهور (حوالى ثمانية شهور)، ولم تكن أبدا بشكل منتظم. وبديهى أن ما سجل فيها ليس هو الأهم ولا الأكثر دلالة، لكنه ما تم بالمصادفة بشكل أقرب إلى العشوائية. كان لى رأى فى كتاب المرحوم رجاء النقاش الذى خرج انتقاءً من تسجيل سجل أكثر من 50 ساعة([4])، على شرائط سمعية، ثم انتقى منها ما شاء كيف شاء دون الرجوع إلى صاحبها، وقد كتبتُ ألوم الكاتب على ذلك، لكن الأستاذ دافع عن هذا الكتاب دفاعا رائعا وكريما، فإذا كان هذا هو موقفى بالنسبة لنقد ما سُجِّل فعلا وتمَّ تفريغه، فكيف يكون الحال وأنا قد اعتمدت على الذاكرة البشرية لشخص جاوز الستين لم يقصد أبدا أن يرصد أو يسجل، لكنه راح يخط خواطره كيفما اتفق من وحى تلقائية ذاكرته كيفما جادت؟ ولإثبات عدم نصّية هذه الذكريات، وربما أشرت إلى ذلك فى متن هذا العمل، فإن أغلب الحوارات التى سجلتها على لسانه (ولسانى غالبا) كتبت باللغة الفصحى، ولا هو ولا أنا ولا أحد من كل الأصدقاء قد استعمل الفصحى طوال لقاءاتنا (اللهم إلا للاستشهاد بنص عابر)، إذن فهى انتقاءات الذاكرة القريبة، والعهدة عليها، ولا بد أن تؤخذ هكذا فى حدودها.

قضية شكلية مهمة، تحريرية أيضا: هو أن أغلب هذا العمل سبق أن صدر مسلسلا فى حلقات فى موقعى الخاصى على شبكة الأنترنت كل خميس فى اليوم الذى خصصته له من النشرات اليومية باسم “الإنسان والتطور”([5])، وكنت لا أراجع النشرة الخاصة بهذا العمل([6])، التى عليها دور الظهور فى الموقع إلا قبل نشرها بيوم واحد، ولم أكن أتدخل إلا لتصحيح الشكل والأخطاء الإملائية، وبعض ترتيب الأفكار، وظل الحال كذلك طوال مدة النشر، وأثناء مراجعة كل نشرة كنت أخشى دائما أن أفاجأ بتكرار قد يُـملل المتابع، وأنا أعترف أننى شخصيا رصدت بعض هذا التكرار ربما بفعل الاعتماد على الذاكرة الشخصية، وربما أيضا بفعل أننى اعتدت معه طرق مواضيع معينة ظلت تلح علينا بلا هوادة طوال هذه الفترة وبعدها، وقد ظل الحال هكذا طوال نشر الحلقات، وأنا أخشى التكرار والخطأ طول الوقت، وكنت أطلب بين الحين والحين من الأصدقاء الذين صاحبونا فى تلك الفترة، والذين يتابعون ما أكتب كل خميس أن يصححونى أولا بأول ما أمكن ذلك، ولم يستجب لندائى غير الصديق   د. زكى سالم، فصححنى عدة مرات لا تزيد عن أصابع اليدين، وفعلا قمت بالاستجابة المناسبة لبعض تصحيحاته التى كانت فى محلها، أما المراجعة قبل النشر لأغلب النشرات، وأيضا بعد جمعها فى مسودة هذا الكتاب، وهى التى اسهمت أيضا فى تصحيح الوقائع وبعض الأسماء أيضا، فقد ظلت مستمرة ومفيدة ودقيقة بجهد وفضل الصديق حافظ عزيز([7])، وذلك طوال النشر المتتابع، وقبل الطباعة النهائية فشكرا لهما بلا حدود..

كذلك كانت لتعليقات بعض أصدقاء الموقع ممن تابع هذه النشرات فضل أن أواصل دون تردد، وأن أتعرف على طبيعة هذا العمل قبل نشره وَرَقـِيـًّا، وأورد بعض ما له دلالة خاصة مما وصلنى فى “حوار/بريد الجمعة” الذى يصدر الكترونيا أيضا فى موقعى كأحد أبواب نشرة الإنسان والتطور اليومية، أورد عينات من التعقيبات فيما يلى:

  • كلما اقرأ ما تروى عن نجيب محفوظ أشعر بغيرة مما يصلنى منك ومنه، وشعور اخر، ربما حركة من نوع اخر…لا أدرى، لكنها حركة ممتعة جدا جدا (شيماء مسلم)

  • “…. ومن ثمَّ فيجب أن تستمر، وتواصل هذه الكتابة الإبداعية المهمة، أو هذا الكتاب البديع عن الأستاذ، وما قد يغيب من تفاصيل، فهو غاب لأنه أقل أهمية بكثير مما بقى فى وعيك الحاد، وهذا الذى بقى هو الخلاصة، ونحن فى أشد الحاجة إلى هذه الخلاصة الراسخة فى هذا الوعى اليقظ.(د. زكى سالم)

  • فى الندوة الشهرية سألتك باستغراب كيف أمر من وعى اليقظة إلى وعى الحلم، وعندما قرأت كلامك عن ما وصلك من نوع الحركية الدمثة بين مستويات وعى الاستاذ شعرت أنه سيأتى يوم استطيع فيه فعل ما استغربته يوم الندوة (د. أسامة فيكتور)

  • عندما قرأت العنوان وهو ” فى شرف صحبة نجيب محفوظ” ثم بدأت فى قراءة المقال شعرت أحيانا – إن جاز لى التعبير – وكأن حضرتك تسرقنا من صحبة نجيب محفوظ إلى صحبة يحيى الرخاوى وبالعكس، وكأن المقال انتقل من حكاية جلسة مشتركة فى التفاعل بين اثنين، إلى جلسة بيننا – نحن القارئين – وبين حضرتك. (د. أيمن الحداد)

  • ... هذه اليومية.. استشعرت فيها عمقا رائعا واستمرارية لا نهائية لعلاقة غاية فى الثراء مع شخصٍ غير عادى من فرط عاديته.….وجدت أننى أتعرف على هذا العظيم بطريقة نقدية أعمق(د.ماجدة صالح).

  • يطل علىّ نجيب محفوظ من كل هذا السرد بأنه: لا يمكن لأى مبدع حقيقى وزاهد أصيل ومفكر أبدى مثل نجيب محفوظ إلا أن يكون بكل هذا الحضور المتوارى طول الوقت!!!!! (د.محمد أحمد الرخاوى).

  • “..هذه اللقطات الإنسانية الرائقة هى مددنا للحياة، أفرح بأننى أعيد اكتشاف نجيب محفوظ وقراءته مرة أخرى..” (د. وليد طلعت)

  • “أردت أولا أن أعلق على الصحبة أنها وصلت حقيقة إلى أنها أصبحت إبداعا مُتّعْتِعا بحق، ليس عرْضا أو تذكراً أو خلافه” (أ.يوسف عزب).

  • “.. ذكريات الصحبة. هى مليئة بالدفء والألفة وقد جعلتنى “أعرف” محفوظ كما لم أعرفه، ولا علاقة لهذا بكونه نبى أو إله، إنها مشاعر إنسانية جميلة.. من يمنع نفسه من أن يسبح فى تيارها خوفا من أن تصيبه عدوى الحب… كم يظلم نفسه بهذا !(د. أميمة رفعت).

  • “.. ماذا كنا سنفقد لو لم تسجل ما عشت، وماذا سوف يحدث لو تكررت هذه الحوارات الآن وسجلت بين النخبة فى بلدنا ممن لايزال فى قلوبهم حبا لها وقرأها طفل فى الثانية عشرة يتوق أن يرى شيئا نظيفا فى عالمه الصغير النامى(د. محمد شحاتة)

  • … إلخ….إلخ.

نقطة أخرى ليست أخيرة، هى أننى لاحظت أننى تحدثت عن نفسى، وعن بعض علمى أحيانا أكثر من اللازم، أحيانا أكثر من تسجيل أفكار الأستاذ وآرائه ووجهة نظره، حتى أننى فكرت أن أخفف الجرعة فى النسخة الورقية الجامعة الحالية، لكننى كنت كمن يقوم بعملية تجميل قبيحة، تفسد الأصل، وكأنها بمثابة عملية “شد المتن” لأنها قد تفقد العمل نبض التلقائية الوجدانية، تماما كما تفقد عمليات التجميل بـ: “شد الوجه” القدرة على التعبير الوجدانى الرقيق والعميق، فتراجعتُ وأنا أقول لنفسى:”ما دام هذا هو الذى كان، فهو الذى كان”، والتمست لنفسى العذر فى أن الأستاذ شخصيا (وبعض الحضور) هم الذين كانوا ينكشوننى لمثل هذا، بل إنه شخصيا – كما سوف يلاحظ القارئ غالبا- كان شديد الحرص على أن أكمل ما ألمح إليه من آراء، خاصة إذا ما اقتصر اللقاء علينا نحن الاثنين، خصوصا ما يتعلق بمعلومات من علمى أو مهنتى كان حريصا أن يعرفها شخصيا، مع أننى أبنتُ له مرارا (كما سوف يظهر فى المتن أيضا)([8]) أن علاقتى بما يقدِّسُه هو تحت مسمى “العلم”، هى علاقة ضعيفة جدا ليس فيها أدنى تقديس، بل لعل فيها من النقد لسوء استعمال العلم المؤسسى المعاصر، وخطورة إغارته على مناهل المعرفة الأخرى، ما كان يصل أحيانا إلى تعرية هذا العلم حتى الشجب، وكان هذا مما أثار بيننا خلافا حادا عدة مرات، فقد كنت أوضِّح له، ولمن يحضرنا، طول الوقت: أن موقفى وفروضى نابعة من ثقافة ناسى البسطاء، ومن ممارستى المهنية وفكرى الناقد طول الوقت، وفى كل مرة أتردد فى إكمال ما أندفع لسرده أجده حريصا بالغ الحرص على أن أكمل ما أبدأه من حديث يبدوا علميا أو نفسيا أو سمِّه كما تشاء، ويروح يصرّ أن أواصل، كما سوف يلاحظ القارئ. كنت أحيانا كثيرة أتوقف، لكى أقرا وجهه، لعلى أعرف هل هو مهتم أن أكمل أم لا، وكثيرا ما كان يلتقط ترددى هذا فيطلب وبالألفاظ الصريحة أن أكمل فعلا، وأحيانا يطلب ذلك بإلحاح، كما كان د. زكى سالم أيضا يشارك فى هذا الموقف بحبه الشديد للمعرفة كلما أتيحت الفرصة، وأحيانا يفعل مثل ذلك الأستاذ توفيق صالح.

النقطة قبل الأخيرة هى أننى لاحظت بعد انتهائى من العمل وإعادة قراءته، أن كثيرا منه، قد يبلغ النصف، كان متعلقا بجلسات الحرافيش أساسا، علما بأن الحرافيش الأصليين لم يكونوا منتظمين أبدا باستثناء الأستاذ توفيق صالح فى تلك الفترة، وأيضا علما بأننى لم أعدّ نفسى من الحرافيش الأصليين أبدا، وقد كررت دائما تفضيلى أن أصف نفسى باعتبارى حرفوشا احتياطيا، يلعب فى الوقت بدل الضائع، ومع ذلك فإن كثيرا مما جاء فى هذه العمل كان بيننا نحن الثلاثة: الأستاذ، وتوفيق، وشخصى، ثم أحمد مظهر أحيانا، وجميل شفيق أحيانا أقل، وبهجت عثمان أقل فأقل، وعادل كامل بضعة مرات أثناء زيارته مصر من مهجر بناته فى أمريكا، ثم جورج البهجورى مرة واحدة، ولعل القارئ يلاحظ أنه حدث عدة مرات أن لقاء الحرافيش كان يقتصر علينا نحن الاثنين: الأستاذ وأنا، وقد كان ذلك من أجمل وأثرى اللقاءات، ترتب على ذلك أن كل الاصدقاء الآخرين فى سائر الأيام الأخرى، لم يردْ ذكرهم، ولا حتى بالأسماء إلا لماما، ولم تظهر أيضا كل الأسماء التى لحقت بهذه الجلسات بعد هذه الفترة الباكرة، وبالتالى لم تظهر آراؤهم ولا مواقفهم كما ينبغى لما ينبغى، اللهم إلا بعض من كانوا يحضرون لقاء الجمعة فى تلك الفترة الباكرة فحسب، حيث أننى توقفت عن المشاركة فى لقاءات الجمعة مع أنها فى بيتى، حين قبـِل الأستاذ مشكورا – من واقع الحال- أن يكون بيته هو قبل أن يكون بيتى، فيكون هو المضيف مائة بالمائة، وقد استمرت هذه المجموعة بالذات فى تواصل اللقاء حتى الآن([9]) (2011)، وتسمت باسم “جماعة الجمعة”، نسبة للقائهم كل يوم جمعة، علما بأن أغلبهم (فيما عدا د. زكى سالم، د. فتحى هاشم، أ.د. محمد عبد الوهاب وربما أخرين) قد التحق بهذا اليوم –الجمعة فى بيتى- بعد توقفى عن كتابة هذه الخواطر، فكان لزاما أن اشير إلى هذا التقصير منى، الذى بعض أسبابه واقعية، والأخرى شخصية ([10]).

خلاصة القول: إن هذا العمل ليس تسجيل سيرة إنسان رائع خلال فترة زمنية محددة ولا هو حوار فى شكل سؤال وجواب مثل عمل رجاء النقاش، (اللهم إلا ما جاء فى الحلقة قبل الأخيرة التى وردت فيها أسئلة المحررة الفرنسية وظهرت الإجابات حرفية)([11])، نعم كانت كل الحوارات تنساب كيفما اتفق، ثم أسجلها بعد عودتى بيوم أو أيام كما ذكرت.

‏ وهكذا أعود فأحذِّر ‏ ‏القاريء‏- ابتداءً- ‏أن‏ ‏يتلقى ‏هذه‏ ‏الكتابة‏ ‏باعتبارها‏ ‏تاريخا‏ ‏أو‏ ‏تأريخا‏ ‏أو‏ ‏حقيقة‏ ‏أو‏ ‏وثيقة‏، ‏وأستغفر‏ ‏الله‏ ‏لما‏ ‏أكون‏ ‏قد‏ ‏عجزت‏ ‏عن‏ ‏الوفاء‏ ‏به‏. ‏كما‏ ‏أعتذر‏ ‏لشيخى‏ – ‏شيخنا‏ – ‏لما‏ ‏أكون‏ ‏قد‏ ‏سمحت‏ ‏لنفسى ‏به‏، ‏فما‏ ‏دفعنى ‏إلى ‏هذه‏ ‏المخاطرة‏ ‏سوى‏ ‏حبى ‏له‏، ‏وللأرض‏ ‏التى ‏أنجبته‏، وللناس الذين أحبهم، وللأصدقاء والقراء وكل الناس الذين أحبوه وإلا حرصى ‏على ‏أجيال‏ ‏تأتى ‏من‏ ‏بعدنا‏، ‏أرى ‏لزاما‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نوصل‏ ‏لها‏ ‏أفضل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏نحن‏، ‏وهل‏ ‏هناك‏ ‏أفضل‏ ‏مما‏ ‏هو‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏/‏مصر‏، هذا‏ ‏الانسان‏ ‏الطيب‏… المبدع ‏المؤمن‏ ‏العارف!!؟

إذن فهى عينة غير مكتملة لمن هو نجيب محفوظ، وهى جزء يسير من فترة معاشرتى له، إذ أنها ليست سوى لقطة محدودة ممتدة لبضعة أشهر، رصدتها ذاكرة بشرية لها وعليها، لذلك أشعر بضرورة الاعتذار للأصدقاء الذين لم يرد ذكرهم فى هذه الخواطر، ممن حضر هذه الفترة الباكرة، وأيضا ربما وجب الاعتذار لبقية الأصدقاء الذين واصلوا صحبته هذه الأيام، بشرف، وكرم، وحب، والتزام بقية تلك السنوات التى فاقت العشرة، وللتخفيف من آثار هذه الورطة طلبت من د. زكى سالم، أن يمدنى بأسماء من يتذكر ممن كانوا يحضرون فى أيام الاسبوع المختلفة، وقد أمدنى فعلا بما تذكر، وكنت أنوى أن أثبتها كملحق للكتاب، لكننى عدلت، فهم أطيب وأكرم وأنبل من أن يحتاجوا لمثل ذلك.

أما بالنسبة ليوم الخميس وهو يوم الحرافيش، فلم يكن بى حاجة إلى طلب الأسماء، فأنا أعلم بها، فالحمد لله رب العالمين.

وبعد:

شيخى وسيدى، عذرا وشكرا

أطال الله عمرك!!

يحيى الرخاوى المقطم فى 8 يناير 2011

ملاحق المقدمة

الملحق الأول:

وهو مقال قبيل بداية هذه العلاقة ربما يحدد رؤيتى له وعلاقتى به قبل هذه الصحبة التى أكدت ما خطر لى قبل أن اقترب منه هكذا، وقد نشر فى الأهرام، هذا نصه:

الأهرام فى: 18/10/1994

يا‏ ‏شيخنا‏: ‏أبى ‏الله‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏يحفظك‏، ‏ليشرق‏ ‏نورُه‏ ‏علينا‏ ‏من‏ ‏خلالك

مثلى ‏مثل‏ ‏كل‏ ‏المصريين‏، ‏مثل‏ ‏كل‏ ‏المؤمنين‏، ‏مثل‏ ‏كل‏ ‏الناس‏، ‏لم‏ ‏أصدق‏، ‏حتى ‏على ‏مستوى ‏التخيل‏.‏

كيف‏ ‏تجـَّرأَ‏ ‏هذا‏ ‏الفتى ‏على ‏شيخنا‏ ‏هكذا‏…‏؟‏ ‏كيف‏ ‏طاوعه‏ ‏قلبه‏؟‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏له‏ ‏قلب‏…!! ‏ليكن‏، ‏كيف‏ ‏طاوعه‏ ‏بصره؟‏ ‏حسه؟‏ ‏ألم‏ ‏ينظر‏ ‏فى ‏وجهك‏ ‏شيخى ‏وسيدى‏، ‏ألم‏ ‏ير‏ ‏انحناءة‏ ‏ظهرك‏؟‏ ‏ألم‏ ‏تشرق‏ ‏عليه‏ ‏طيبتك‏؟‏ ‏ألم‏ ‏يغمره‏ ‏إيمانك‏؟‏ ‏ألم‏ ‏يدرك‏ ‏وهن‏ ‏بصرك؟‏ ‏ألم‏ ‏ينتبه‏ ‏لضعف‏ ‏سمعك؟‏ ‏ألم‏ ‏تطلّ‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏سماحتك‏ ‏ويقظتك‏ ‏شخوص‏ ‏إبداعك‏: ‏إشراقة‏ ‏وجه‏ ‏الشيخ‏ ‏رضوان‏، ‏طيبة‏ ‏أحمد‏ ‏عاكف‏، ‏حيوية‏ ‏السيد‏ ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏الجواد‏، ‏وطنية‏ ‏إبنه‏ ‏فهمى ‏وحياء‏ ‏كمال‏، ‏دعوات‏ ‏الست‏ ‏أمينه‏ ‏أمهما‏، ‏ألم‏ ‏يغمره‏ ‏نور‏ ‏الجبلاوى ‏من‏ ‏خلالك‏؟‏ ‏ألم‏ ‏تحضره‏ ‏حكمة‏ ‏وفتوة‏ ‏وشهامة‏ ‏ونبض‏ ‏عاشور‏ ‏الناجى (‏الكبير‏ ‏ثم‏ ‏الصغير‏)؟

كيف‏ ‏أصدِّق‏، ‏وكيف‏ ‏تجرَّأ

حاولتُ- ‏بحكم‏ ‏المهنة‏- ‏أن‏ ‏أتقمص‏ ‏الجانى، ‏لم‏ ‏أستطع‏ ‏أصلا‏، ‏لو‏ ‏أنه‏ ‏كلب‏ ‏مسعور‏ ‏هائم‏ ‏محموم‏ ‏يعوى ‏ويجرى ‏على ‏غير‏ ‏هدى‏، ‏ثم‏ ‏طالعتـْه‏ ‏بشاشتك‏ ‏لارتد‏ّ ‏على ‏عقبيه‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يلمسك، ‏لهذا‏ ‏وغيره‏ ‏فشلت‏ ‏فى ‏تقمص‏ ‏الجانى. ‏

رُحت‏ ‏أتقمص‏ ‏شيخنا‏ ‏فى ‏محنته‏ ‏هذه‏، ‏فحلّ‏ ‏بى ‏غيظ‏ ‏مرير‏، ‏ورفض‏ ‏حانق‏، ‏وغضب‏ ‏حاد‏، ‏واقتربتْ‏ ‏منى ‏حسرة‏ٌ ‏مهيضة‏، ‏وخوف‏ ‏متسحب‏، ‏فانزعجت‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏وخفت‏ ‏عليكَ‏، ‏فدعوت‏ ‏الله‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏الإغماءة‏ ‏اللاحقة‏ ‏قد‏ ‏رحمتك‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏ذلك‏، ‏وأن‏ ‏يكون‏ ‏التخدير‏ ‏اللازم‏ ‏قبل‏ ‏العملية‏ ‏قد‏ ‏هدَّأ‏ ‏روعك‏ ‏حتى ‏لا‏ ‏تشعر‏ ‏بكل‏ ‏ذلك‏ ‏أو‏ ‏بمثل‏ ‏ذلك‏.‏

لكننى ‏حين‏ ‏رحت‏ ‏أتابع‏ ‏أخبارك‏، ‏بما‏ ‏هو‏ ‏أنت‏ ‏لا‏ ‏بما‏ ‏تقمصتُ‏ ‏وتصورتُ‏، ‏اكتشفتُ‏ ‏أننى ‏أخطأت‏ ‏فى ‏محاولتي‏، ‏بل‏ ‏أخطأت‏ ‏فى ‏حقك‏، ‏اكتشفت‏ ‏أن‏ ‏موقفك‏ ‏كان‏ – ‏فعلا‏- ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذا‏، ‏لم‏ ‏تحقد‏، ‏ولم‏ ‏تغضب‏، ‏ولم‏ ‏تخَفْ‏، ‏ولم‏ ‏تنكسِر‏، ‏يا‏ ‏خبر‏ !! ‏ربنا‏ ‏يخليك‏ ‏تعلـِّمنا‏ ‏أكثر‏ ‏فأكثر‏، ‏تصف‏ ‏الانقضاض‏ ‏الأعمى ‏عليك‏ ‏تقول‏””..‏شعرت‏ ‏كأن‏ ‏وحشا‏ ‏نشب‏ ‏أظافره‏ ‏فى ‏عنقى‏”، ‏إلا‏ ‏أنك‏ ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏تصف‏ ‏هذا‏ ‏الشاب‏ ‏المسكين‏ ‏لمَّا‏ ‏تبينت‏ ‏بعض‏ ‏ملامحه‏ ‏وهو‏ ‏يجري‏، ‏تصفه‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ “…‏شابا‏ ‏يافعا‏ ‏فى ‏ريعان‏ ‏العمر‏…‏كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏رياضيا‏ ‏أوعالما‏ ‏أو‏ ‏واعظا‏”، ‏ثم‏ ‏رحتَ‏ ‏تدعو‏ ‏له‏ ‏ولأمثاله‏ ‏بالهداية، ‏وأنت‏ ‏تقدِّر‏ ‏جهد‏ ‏الدولة‏ ‏فى ‏مواجهته‏ “..‏ربنا‏ ‏معهم‏، ‏وربنا‏ ‏يهديهم‏”!!!!.‏

واستمرت‏ ‏محاولاتى ‏التقمص‏ – ‏بحكم‏ ‏المهنة‏- ‏أيضا‏ ، ‏فتصورتُ‏ ‏أننى ‏شاب‏ ‏من‏ ‏هؤلاء‏ ‏المخدوعين‏ ‏أتابع‏ ‏ما‏ ‏جرى ‏لك‏، ‏وأعايش‏ ‏موقفك‏، ‏وأفهم‏ ‏أقوالك‏، ‏فأفاجأ‏ ‏بك‏ ‏تدعو‏ ‏لى ‏أنا‏ ‏القاتل‏ ‏أو‏ ‏المتربص‏ ‏للقتل‏، ‏تدعو‏ ‏لى ‏بالهداية‏، ‏هل‏ ‏أستطيع‏ ‏بالله‏ ‏عليك‏ ‏إلا ‏أن‏ ‏أقول‏ ‏آمين‏، ‏وحين‏ ‏أهتدى ‏بك‏ ‏شيخنا‏ ‏سوف‏ ‏أعرف‏ ‏الله‏ ‏الذى ‏أردتَ‏ ‏أن‏ ‏تعرِّفنى ‏به‏ ‏طول‏ ‏عمرك‏ ‏على ‏مسار‏ ‏إبداعك‏، ‏سوف‏ ‏أكتشف‏ ‏أنك‏ ‏لست‏ ‏نيتشه‏ ‏الذى ‏توقف‏ ‏عند‏ “‏لا‏ ‏إله‏”.. ‏ولم‏ ‏يكمل‏ “..‏إلا‏ ‏الله‏” ‏‏‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏اعتبره‏ ‏محمد‏ ‏إقبال‏ ‏مؤمنا‏ ‏رغم‏ ‏أنفه‏، ‏ورحتَ‏ ‏أنت‏ ‏يا‏ ‏شيخنا‏ ‏تـُكمل‏ ‏ما‏ ‏توقف‏ ‏عنده‏ ‏نيتشه‏، ‏رحت‏ ‏تفتح‏ ‏الآفاق‏ ‏لإيمان‏ ‏أرحب‏، ‏رحتَ‏ ‏تدعو‏ ‏مَنْ‏ ‏تجرأ‏ ‏فادَّعى ‏أن‏ ‏الله‏ ‏غير‏ ‏موجود‏ (‏تحت‏ ‏وهم‏ ‏علم‏ ‏سطحى‏)، ‏أن‏ ‏يمتد‏ ‏بوعيه‏ ‏حتى ‏تتسع‏ ‏معارفه‏ ‏ليكتشف‏ ‏الله‏ ‏من‏ ‏جديد‏، ‏ألم‏ ‏يكن‏ ‏هذا‏ ‏ماقصدته‏ ‏وأنت‏ ‏تسخـِّر‏ ‏بقية‏ ‏عمر‏ “‏عرفه‏” ‏كى ‏يعيد‏ ‏الحياة‏ ‏إلى ‏الجبلاوى؟

يا‏ ‏خبر‏ (ما زلتُ متقمصـِّاً الجانى)!! ‏كيف‏ ‏لم‏ ‏أتبين‏ – ‏أنا‏ ‏الإرهابى ‏المخدوع‏ – ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏أو‏ ‏بعض‏ ‏هذا‏ ‏من‏ ‏قبل‏؟

‏ ‏لماذا‏ ‏لم‏ ‏أنتبه‏ ‏لعمق‏ ‏إيمانك‏ ‏الذى ‏وصلنى ‏الآن‏ ‏فقط‏ ‏وأنت‏ ‏ترحب‏ ‏بلقاء‏ ‏خالقنا‏ ‏وخالقك‏؟

هل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تقول‏ ‏ما‏ ‏قلتـَه‏ ‏لمحمد‏ ‏سلماوى ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏من‏ ‏الذين‏ ‏رضى ‏الله‏ ‏عنهم‏ ‏ورضوا‏ ‏عنه، ‏ألست‏ ‏أنت‏ ‏الذى ‏قلت‏ ‏لسلماوى “..‏أما‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ (‏ربنا‏) ‏يريد‏ ‏الأخرى، ‏فنحن‏ ‏أيضا‏ ‏نحب‏ ‏أن‏ ‏نلقاه‏”، ‏ما‏ ‏أحلى “‏أيضا‏” ‏هذه‏، يا‏ ‏شيخنا‏: ‏إسمح لى‏ – ‏بأن‏ ‏أدعو‏ ‏ربى- ‏ألا‏ ‏تموت‏ ‏الآن‏.‏

‏ ‏مازال‏ ‏هؤلاء‏ ‏الشباب‏ ‏الذين‏ ‏طعنوك‏ ‏فى ‏حاجةٍ ‏إليك‏، ‏لن‏ ‏يشفيهم‏ ‏إلا‏ ‏مثل‏ ‏إيمانك‏، ‏لن‏ ‏يعلـِّمهم‏ ‏إلا‏ ‏درسٌ‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الدرس‏: ‏حين‏ ‏أرادوا‏ ‏إطفاء‏ ‏نورك‏- ‏وهو‏ ‏يعكس‏ ‏نور‏ ‏الله‏ ‏علينا‏ ‏إبداعا‏ ‏وإيمانا‏- ‏أبى ‏الله‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏يحفظك‏ ‏ليتم‏ ‏بك‏ ‏نوره‏ ‏عليهم‏ ‏وعلينا‏.‏

يا‏ ‏شيخنا‏ ‏مازلنا‏ ‏فى ‏حاجة‏ ‏إلى ‏بقائك‏ ‏بيننا‏ ‏لعل‏ ‏شبابنا‏ ‏المرتبك‏ ‏يتعرف على ماهية‏ ‏مصر‏ ‏من‏ ‏خلالك‏، ‏وعلى معنى ‏التكامل‏ ‏الإيمانى ‏الحر‏ ‏بفضل‏ ‏وعيك‏، ‏وعلى شرف‏ ‏العطاء‏ ‏غير‏ ‏المشروط‏ ‏من‏ ‏وحى ‏ما‏ ‏تـُمَثـِّل، ‏إن‏ ‏الله‏ ‏سبحانه‏ ‏لم‏ ‏يغمرنا‏ ‏بفضله‏ ‏من‏ ‏خلالك‏ ‏فقط‏، ‏بل‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏من‏ ‏إعجاز‏ ‏الطب‏ ‏المصرى، ‏والجراحة‏ ‏المصرية‏، ‏حين‏ ‏يتخذ‏ ‏الأستاذ‏ ‏الدكتور‏ ‏سامح‏ ‏همام‏. (‏وزملاؤه‏ ‏من‏ ‏حوله‏) ‏القرار‏ الجراحـِىّ ‏الصائب‏ ‏دون‏ ‏تردد‏‏، ‏فيحقق‏ ‏الله‏ ‏المعجزة‏ ‏على ‏أيديهم‏ ‏ليحفظك‏، ‏فيحفظ‏ ‏لنا‏ ‏الأمل‏، ‏ويثبـِّت‏ ‏أقدامنا‏ ‏بالعمل‏، ‏نحن‏ ‏فى ‏أمسِّ‏ ‏الحاجة‏ ‏أن‏ ‏نظل‏ ‏نسمع‏ ‏ضحكتك‏ ‏المجَلْجِلة‏ ‏وكأنك‏ ‏تحوِّر‏ ‏القول‏ ‏الشعبى ‏المصرى “المُدْية‏ ‏صابتنى..، ‏ورب‏ ‏العرش‏ ‏نجَّانى”‏.

يا‏ ‏شيخنا‏ ‏الحبيب

لا‏ ‏تمُتْ‏ ‏الآن‏- ‏ربنا‏ ‏يخليك‏ ‏لنا‏ ‏ولهم

وإن‏ ‏تمت‏- ‏بإذن‏ ‏ربنا‏،‏لا‏ ‏بمديتهم‏- ‏فنعاهدك‏ ‏ألا‏ ‏تموت‏ ‏بما‏ ‏تركتَ‏ ‏فينا‏ ‏ولنا‏.

****

الملحق الثانى

أشرت فى المقدمة إلى القصيدة التى حضرتنى وأنا أراجع هذه الأصول تمهيدا للنشر الورقى، قصيدة متواضعة كتبتها فى عيد ميلاده الـ 92 ونشرت بالأهرام فى 15/12/2003 بعنوان: “صالحـْتـَنـِى شيخى على نفسى” وقد وجدتها توجز – تقريبا – هذا العمل برمته، وتوضح طبيعة علاقتى به وكيف أنه هو الذى أخذ بيدى وعالجنى، وليس العكس كما كانت تصر معظم وسائل الإعلام.

وقد نشرت القصيدة فى الأهرام بتاريخ 15-3-2003 بعنوان: فى ‏عيد‏ ‏ميلاده‏ ‏الـ‏ “92”  وهاكم نصها:

‏-1-

… ‏ما‏ ‏عادَ‏ ‏رسُم‏ ‏الحرْفِ‏ يقدِرُ‏ ‏أن‏ ‏يحيطَ‏ ‏بِبَعْضِ‏ ‏مَا‏ ‏يوحِيهِ‏ ‏لِىِ‏، ‏فِى ‏عِيدِ‏ ‏مَوْلدك‏ ‏الجميلْ‏: ‏فجرٌ‏ ‏جديد‏.‏

فى ‏كِّل‏ ‏عامٍ‏ ‏أحمـُد‏ ‏اللهَ‏ ‏الكريَم‏ ‏وأرتجيهِ‏ ‏يكونُ‏ “يومى ‏قبل‏ ‏يومِكْ”، ‏

وأعود‏ ‏أكتشفُ‏ ‏الحقيقَة‏َ ‏أننى ‏لم‏ ‏أصْدُق‏ ‏الله‏ ‏الدعاءْ‏. ‏

طمعا‏ ‏بأن‏ ‏نبقى ‏معا‏ ‏عاما‏ ‏فعـاما‏.‏

‏  …. ‏كم‏ ‏أنت‏ ‏سهـلٌ‏ ‏معجزٌ‏ ‏تسرِى ‏كمثل‏ ‏الماءِ‏ ‏إذ‏ ‏ينسابُ‏ ‏عَذْباً‏ ‏رائقاً‏ ‏بين‏ ‏الصخور‏ ‏من‏ ‏الجليد‏ ‏وقد‏ ‏تربع‏ ‏شامخا‏َ ‏فوقَ‏ ‏الجبلْ‏.‏

-2-

‏… ‏زَعَمُوا‏ ‏بأنِّىَ ‏قادرٌ‏  ‏أشفى ‏النفوسَ‏  ‏بما‏ ‏تَيَسّرَ‏ ‏من‏ ‏علومٍ‏ ‏أو‏ ‏كلامٍ‏ ‏أو‏ ‏صناعهْ

عَفْوًا‏، ‏ومَنْ‏ ‏ذا‏ ‏يشفى ‏نفسى ‏حين‏ ‏تختلط‏ ‏الرّؤَى‏، ‏أو‏ ‏يحتوينى ‏ذلك‏ ‏الحزنُ‏ ‏الصديقُ‏ ‏فلا‏ ‏أطيْق؟

حتى ‏لقيتـُـكَ‏ ‏سيدي‏، ‏

فوضعتُ‏ ‏طِفِلَى ‏فى ‏رحابكْ‏. ‏طفلٌ‏ ‏عنيدْ‏.

‏مازال‏ ‏يٌدْهَشُ‏ ‏كلَّ‏ ‏يومٍ‏ ‏من‏ ‏جديدْ‏.‏

-3-

صالحتَـنِى ‏شيخِى ‏على ‏نَفْسِىَ ‏حتى ‏صرتُ‏ ‏أقربُ‏ ‏ما‏ ‏أكونُ‏ ‏إليْهِ‏ ‏فينـَا‏،‏

صالحتَـنِى ‏شيخِى ‏على ‏نَاسى‏، ‏وكنتُ‏ ‏أشكُّ‏ ‏فى ‏بـَـلَهِ‏ ‏الجماعَةِ‏ ‏يُخْدَعَوُنَ‏ ‏لغيرِ ‏مَا‏ ‏هُـمْ‏.‏

‏ ‏صالحتَـنِى ‏شيخى ‏على ‏حُرِّيِتى‏، ‏فجِزِعْتُ‏ ‏أكثر‏ ‏أن‏ ‏أضيعَ‏ ‏بِظلّ‏ ‏غيرى‏.‏

صالحتَنِى ‏شيخى ‏على ‏أيَّامِنَا‏ ‏المـُرَّة‏ ‏مَهْما‏ ‏كاَنَ‏ ‏منها‏. ‏

عَّلمتنى ‏شيخى ‏بأنا‏ ‏قد‏ ‏خُـلِقْنا‏ ‏للحلاوَة‏ ‏والمرَارَةِ‏ ‏نحمل‏ ‏الوعْىَ ‏الثقيلَ‏ ‏نكونُـهُ‏ ‏كَدْحاً‏ ‏إليهْ‏.‏

-4-

وسألته‏ ‏يوما‏: “‏هل‏ ‏ثَمَّ‏ ‏حَلٌّ‏ ‏فى ‏الأفق”؟‏

فأجاب‏ ‏يحفز‏ ‏هـمـتى‏: ‘”كلا”‘. ‏

فسألته‏ ‏جزعا‏: ‏لماذا‏ ‏؟‏ ‏

قال‏ “صاحبـنا‏ ‏تصور‏ ‏أنه‏ ‏صار‏ ‏المسيح‏ ‏المُنْـتَـظَـرْ‏.”

قلت‏: “‏الصليبُ‏ ‏نهايَتـُـه‏..”؟

فأجاب‏ ‏وهو‏ ‏يكاد‏ ‏يقرص‏ ‏بعض‏ ‏أذنى‏: “لسنـا‏ ‏يهـوذا”. …. ‏وهو‏ ‏ليس‏ ‏ المُنْتَظَرْ.

-5-

مِنْ‏ ‏وحى ‏أحلام‏ ‏النَّقَاهَة‏- ‏سيِّدى‏- ‏نَشَطَتْ‏ ‏خَلاَيَا دَاخِلِى‏:‏

‏” فحلمـتُ‏  ‏أنِّىَ ‏حاملٌ‏، ‏وسَمعتُ‏ ‏دقًّـا‏ ‏حانياً‏ ‏وكأنه‏ ‏وعد‏ ‏الجنينّ‏. 

‏جاء‏ ‏المخاضُ‏ ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏أبدا‏ ‏عسيرا‏، ‏وفرحت‏ ‏أنى ‏صرت‏ ‏أماًّ‏ ‏طيبةْ‏،

‏لكننى ‏قد‏ ‏كنت‏ ‏أيضا‏ ‏ذلك‏ ‏الطفل‏ ‏الوليدْ‏، ‏

فلقفت‏ ‏ثدى ‏أمومتى‏، ‏وسمعتُ‏ ‏ضَحكاً‏ ‏خافتاً‏.

‏لا‏،.. ‏ليس‏ ‏سخريةً‏  ‏ولكن‏.‏

‏…. ‏وسمعتُ‏ ‏صوتا‏ ‏واثقا‏ ‏فى ‏عمق‏ ‏أعماقى ‏يقول‏: 

“المستحيلُ‏ ‏هو‏ ‏النبيلُ‏ ‏المُمْكِنُ‏ ‏الآنَ‏ ‏بِنَـا”. ‏

لمستْ‏ ‏عباَءتُكَ‏ ‏الرقيقةُ‏ ‏جانباً‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏وعيِي‏،

‏فـعلمـت‏ ‏أنـك‏ ‏كُـنْـتَـه”.‏

وصحوت‏ ‏أندم‏ ‏أننى ‏قد‏ ‏كنتُ‏ ‏أحلم‏.‏

 

الحلقة الأولى

وانصرفتُ وما انصرفت!

الأربعاء 16 نوفمبر 1994

كلمنى ‏أ‏.‏د‏. ‏سامح‏ ‏همَّام‏ ‏بشأن‏ ‏هذا‏ ‏المقال‏، ‏وشكر‏ ‏لى ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏ذكرتُ‏ ‏عنه‏، ‏وما‏ ‏اعترفت‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏فضله‏، ‏وما‏ ‏أقررتُ‏ ‏من‏ ‏مهارته‏ فى مقال الأهرام ‏وسألنى: ‏هل‏ ‏زرتَ‏ ‏الأستاذ‏؟ ‏فقلت‏ ‏له‏: ‏”لا‏”، سألنى: “‏لماذا”‏، قلت له: “‏أنا‏ ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏أحافظ‏ ‏على ‏حبى ‏له‏ ‏عن‏ ‏بعد‏، ‏وقد‏ ‏لا‏ ‏أحتمل‏ ‏أن‏ ‏أراه‏ ‏إلا‏ ‏كما‏ ‏رسمه‏ ‏خيالى، ‏وأنا‏ ‏أسمع‏ ‏عن حالته الآن‏ ‏كل‏ ‏خير بفضلك، ‏فليتمم‏ ‏الله‏ ‏عليه‏/‏علينا‏ ‏نعمته‏، ‏ويقوم‏ ‏بالسلامة”‏، ‏قال‏: ‏أ‏.‏د‏. ‏سامح:‏ “أفضّـل‏ ‏أن‏ ‏تزوره‏ ‏فقد‏ ‏أصبح‏ ‏أكثر‏ ‏إسهاما‏ ‏وأطول‏ ‏صمتا‏ ‏بالمقارنة‏ ‏بالأيام‏ ‏الأولى ‏بعد‏ ‏الحادث‏”.‏

ومع‏ ‏ذلك‏ ‏تغافلت‏، ‏وحسبت‏ ‏أن‏ ‏أ‏.‏د‏. ‏سامح‏ ‏قد‏ ‏لمح‏ ‏عواطفى ‏فى ‏مقالتى عن الحادث([12]) ‏فأراد‏ ‏أن‏ ‏يكرمنى ‏بإتاحة‏ ‏زيارته‏، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏لم أتصوَّر‏ ‏أن‏ ‏أزوره‏ ‏إلا‏ ‏تلميذا‏ ‏أو‏ ‏مريدا‏ ‏أو‏ ‏محبا‏ ‏أو‏ ‏تابعا‏، ‏أما‏ ‏أن‏ ‏أزوره‏ ‏طبيبا،‏ ‏و”طبيبا‏ ‏نفسيا‏” ‏فهذا‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏طاقتى، “‏طنّشت‏”.‏

فى اليوم التالى: كلمنى ‏العميد‏ ‏د‏. ‏محمد‏ ‏الحسينى ‏من‏ ‏مستشفى ‏الشرطة‏، ‏لم‏ ‏يجدْنى، ترك رسالة، ‏قلت‏ ‏لنفسى: ‏ربك‏ ‏يستر، ‏ترك‏ ‏رقم‏ ‏هاتفه‏ ‏فتباطأت‏ ‏فى ‏الرد‏، ‏ثم‏ ‏كلمته‏ ‏بعد‏ ‏إلحاح‏ ‏رسائله‏، ‏ما‏ ‏باليد‏ ‏حيله‏، ‏يارب‏ ‏حافظ‏ ‏على ‏شيخنا الرائع‏ ‏أكثر‏ ‏وأطيب‏: ‏وإن‏ ‏أجريتَ فَضْلَك‏ عليه، وعلينا، وكنا بعض أسباب ذلك، فالحمد لك من قبل ومن بعد. ‏

‏ذهبتُ – وكأن علىّ أن أطيع أوامر الشرطة!!- لزيارته: ذهبت ‏ ‏طفلا‏ ‏يخاف‏ ‏أن‏ ‏يواجه‏ ‏أباه‏ ‏رغم‏ ‏يقينه‏ ‏بعفوه‏ ‏وحبه‏ ‏وطيبته‏، ‏طفلا‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يعود‏ ‏أباه‏ ‏ويكون‏ ‏تحت‏ ‏أمره‏ ‏ويطلب‏ ‏رضاه‏، ‏لا‏ ‏أكثر‏، ‏أليست‏ ‏هذه‏ ‏هى ‏الصورة‏ ‏التى ‏رسمتـُها‏ ‏له‏ ‏قبل‏ ‏ثمان‏ ‏سنوات‏ ‏فى مقدمة قراءتى النقدية لبعض أعماله([13])!‏‏ ‏لكن‏ ‏ما‏ ‏الذى ‏منعنى ‏قبل‏ ‏الحادث‏ ‏أن‏ ‏أسعى ‏إليه‏ ‏لأغترف‏ ‏من‏ ‏فضله‏ ‏مثلما‏ ‏يفعل‏ ‏كل الأصدقاء والمريدين‏‏؟ أجابنى داخلى كالعادة بمثل الذى قلته للدكتور سامح: ربما خـِـفتُ على صورته التى رسمتُها له فى خيالى، ثم إنى لستُ من رواد المقاهى الثقافية، ولا أحذق فن الحوارات التى تدور فيها، وأخاف من نفسى أن أحكم مضطرا على رُوَّادها الأفاضل. إذن أنا الذى منعت طفلى أن يرى‏ ‏والده‏ ‏طول‏ ‏هذا‏ ‏العمر؟‏ ‏لكن حين آن الأوان كان ما كان، وبأمْر الحكومة! (العميد الحسينى شخصيا).

ما باليد حيلة، ‏أذهبُ‏ ‏بالرغم‏ ‏منى، ‏فأنا‏ ‏أرفض‏ ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏طبيبه‏ ‏وهو‏ ‏الذى ‏عالجنى ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يرانى ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏العمر‏([14])،” فلأذهب‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏خاطر‏ ‏عيون‏ ‏ذلك‏ ‏الطفل‏ ‏الذى ‏بداخلى، ‏وأيضا‏ ‏لعلنى ‏أكون‏ ‏عونا‏ ‏لشيخى ‏وطبيبى ‏مثلما‏ ‏كان‏ ‏دائما‏ ‏عونا‏ ‏لى ‏طول‏ ‏عمرى دون أن يدرى.‏

****

‏ ‏دخلت‏ ‏حجرته فى المستشفى، ‏ ‏وكانت‏ ‏خالية منه، ‏كان‏ ‏فى ‏الحمام‏، ‏انتهزتها فرصة لأسأل‏ ‏الممرضة‏ ‏عن‏ ‏أحواله‏ – عموما – ‏فقالت‏: ‏أحسن‏، ‏خرج‏ ‏من‏ ‏الحمام‏ ‏فوقفت‏ ‏لاستقباله‏، هو لم‏ ‏يرنى ‏من‏ ‏قبل‏ (‏اللهم‏ ‏إلا‏ بعض ساعة‏ ‏سنة‏ 1971 ‏فى ‏الأهرام كما ذكرت‏) ‏عرفته‏ ‏بنفسى ‏فهز‏ ‏رأسه‏ ‏ثم‏ ‏أردف‏ ‏بحشرجة‏ ‏خشنة‏ “‏أهلا‏ ‏وسهلا‏”، ‏وأمسكتْ‏ ‏قبضةٌ ‏مجهولة‏ ‏بكل‏ ‏قلبى، ‏أمسكتْ‏ ‏به‏ ‏حتى ‏عصَرَتْه‏، أزحتُ وجهى‏ ‏بعيدا‏ ‏وأنا أعرف أنه لن يرى ما ‏ ‏ترقرق‏ ‏فى ‏عينىّ ‏ومنعته‏ ‏أن‏ ‏ينساب‏، ‏جلست‏ ‏بجوار‏ ‏أذنه‏ ‏التى ‏علق‏ ‏بها‏ ‏سماعة‏ ما‏ ‏وأخذت‏ ‏أطمئنه‏، ‏بل‏ ‏أطمئن‏ ‏نفسى، ‏من‏ ‏خلال‏ ‏حضوره‏، ‏بدا‏ لى ‏أنه ‏أكثر‏ ‏طمأنينة‏ ‏منى، ‏رحتُ‏ – ‏أستلهم‏ ‏من ‏هدوئه ما يبرد قلبى، وتمنيت أن ‏ ‏ينتهى هذ ‏الموقف‏ ‏العصيب‏ بسرعة.‏

سألته – ‏كطبيب‏ ‏رغم‏ ‏أنفى‏ – ‏عن‏ ‏النوم‏، ‏وعن‏ ‏السكر‏، ‏وعن‏ ‏العلاج‏ ‏الطبيعى، ‏وعن‏ ‏الضغط‏، ‏وقالوا‏ ‏لى ‏وأطلعونى ‏على ‏كل‏ ‏ما‏ ‏لزم‏، ‏الأرقام‏ ‏كلها‏ ‏فى ‏حدود‏ ‏الطبيعى‏، ‏ولا‏ ‏شىء‏ ‏‏ ‏يبدو‏ ‏غير‏ ‏ذلك‏.‏

حضرت‏ ‏الزوجة‏ ‏الفاضلة‏، ‏وعرفنى ‏بها‏ ‏مشيرا‏ ‏إلىّ “… ‏دكتور‏ ‏فلان‏” ‏بلهجة الذى يعرفنى ‏ ‏من‏ ‏قبل‏، ‏حتى شعرت أنه يعرفنى بحدْسه أكثر وأقدم، ‏لم‏ ‏أمكث‏ ‏طويلا‏ ‏حرصا‏ ‏على ‏راحته‏، ‏انحنيتُ‏ ‏على ‏يده‏ ‏أقبلها‏ رغما عنه، ‏ثم‏ ‏أقبـِّل‏ ‏رأسه‏ ‏مستأذنا‏‏، وهو يستغفر ويحاول أن يحول دون ذلك.

‏وانصرفتُ وما‏ ‏انصرفت‏،

‏فقد‏ ‏ظل‏ ‏معى ‏طويلا‏ ‏طويلا‏

وسيظل كذلك.

الحلقة الثانية

جرعة مناسبة من الناس الطيبين

(“روشتة” اسمها الناس)

قررتُ ثانية‏ ‏ألا‏ ‏أذهب‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏استدعونى من جديد، فى الزيارة الأولى: ‏لم‏ ‏أضِف‏ ‏دواء‏ ‏واحدا‏، ‏ولم‏ ‏أغير‏ ‏نظاما‏، ‏ولم‏ ‏أحدد‏ ‏نصيحة‏، حتى بدا لى، وربما لهم، أننى لم‏ ‏أقدم‏ ‏عونا ذا بال‏، كان غاية ما عشته أنْ ‏عصرنى ‏الألم. ‏هل كنت أشفق ‏على‏ ‏نفسى‏، ‏أم عليه؟ ‏لعل كل ما ملأنى أثناء الزيارة وبعدها أننى دعوت الله لى وله، (ولم أتوقف عن الدعاء أبدا).

بعد هذه الزيارة الأولى، ‏انشغلت‏ ‏فى ‏مؤتمر‏ ‏من‏ ‏تلك‏ ‏المؤتمرات‏ ‏التى ‏‏أرى غالبا أن كثيرا منها ليس إلا ‏“تحصيل‏ ‏حاصل‏”، أو على أحسن الفروض: بوفيه مفتوح، وأحضان وأحيانا أشواق فى ‏‏الممرات والأروقة ‏‏بين‏ ‏الجلسات‏، بغض النظر عما يجرى داخل القاعات من محاضرات أو كلمات، ولا داخل المكاتب والمعامل بعدها وقبلها من صفقات. ‏سعدتُ‏ ‏بانشعالى ‏هذا‏ ‏لأننى ‏اعتبرته‏ ‏حجة – حتى أمام نفسى–‏ ‏أبرر‏ ‏بها‏ ‏تلكؤى فى الذهاب إلى‏ ‏شيخى الجميل، ربما ‏ ‏حتى‏ ‏لا‏ ‏أعانى ‏ما‏ ‏عانيت‏ ‏أول‏ ‏زيارة‏، ‏ثم‏ ‏إننى ‏قررت‏ ‏ألا‏ ‏أزوره‏ ‏ثانية‏ ‏بصفتى ‏الطبية‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏استدعيتُ ‏ لجديدٍ لا قدر الله، ‏ثم‏ ‏إننى لم‏ ‏أفتِ‏ ‏بمشورة‏ ‏طبية‏ خاصة جدا، مهما تصوروا غير ذلك، فلماذا العودة؟ ‏رغم كل هذا، ‏لم‏ ‏تفارق‏ ‏ صورته خيالى، ‏لست متأكدا هل هو خيالى أم وعيى الأعمق، كانت‏ ‏صورة‏ ‏صعبة، رقيقة، وحية، ومؤلمة، ومتألمة، وقوية فى آن واحد.

روشتة “الناس”

إنتهى ‏المؤتمر‏، وكنت قد أبلغتُ العميد د. الحسينى اعتذارا مؤقتا تمنيت أن يكون ممتدا، ساورنى هاجس فجأة، وشعرت باحتمال أنانية هرّابة أوتخلٍّ، انتهى المؤتمر ولم يعد عندى حجة، ‏رفعت‏ ‏السماعة‏ ‏وطلبت‏ سيادة ‏العميد‏ الحسينى، ‏قال‏ ‏أين‏ ‏أنت ومتى نراك إذن، الأستاذ يسأل عنك، قلت: حاضر،

وذهبت.

‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏الحال‏ ‏أحسن‏ ‏بل‏ ‏العكس‏، ‏سألنى ‏العميد‏ ‏د‏. ‏الحسينى، ‏ألا تنصح بعقار معين ‏‏أو‏ ‏إجراء‏ ‏معين‏؟، ‏فأخبرته‏ ‏بعد تردد: إن‏ ‏أستاذنا‏ ‏عاش‏ ‏طول‏ ‏عمره‏، ‏يتزود‏ ‏بجرعة‏ ‏محسوبة‏ ‏من‏ “‏الناس‏” ‏الأوفياء، ‏‏ومن‏ ‏عامة‏ ‏الناس‏، ‏وأن ما‏ ‏يعانى ‏منه‏ ‏الآن‏ ‏هو‏ “‏فقر‏ ‏ناس‏ علينا أن نحترمه ‏كما‏ ‏نتكلم‏ ‏عن‏ ‏فقر‏ ‏الغذاء‏، ‏وفقر‏ ‏الفيتامينات‏… ‏الخ‏، ‏ ضحك‏ ‏د‏.الحسينى ‏وقال: ‏هل‏ ‏نضيف‏ ‏له‏ ‏على‏ ‏التذكرة‏ ‏جرعة‏ ‏معينة‏ ‏من‏ ‏الناس‏؟ عدد كذا من الناس ثلاث مرات يوميا مثلا؟ وضحك ثانية، تصورت أنه حسبنى أمزح، فواصلت كلامى مؤكدا: ‏هذا‏ ‏بالضبط‏ ‏ما‏ ‏يحتاجه‏ ‏أستاذنا‏.

‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏إدارة‏ ‏المستشفى ‏كانت‏ ‏قد‏ ‏منعت‏ ‏الزيارة‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏توافد‏ ‏الناس‏ ‏عليه‏ ‏بكل‏ ‏الحب‏ ‏يطمئـِنُّون‏ ‏ويتبركون‏ ‏ويدعون‏ ‏بما‏ ‏تيسر‏، ‏وهو‏ – بتواضع سمعه وبصره معا-، ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يلاحق‏ ‏كل‏ ‏هذه الإحاطة الصادقة الحميمة، ناهيك عن الرد على الأسئلة، أو الدخول فى أى حوار مهما قصُـر، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏هو‏ ‏بما‏ ‏يتمتع‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏أدب‏ ‏ورقة‏ ‏ومجاملة‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏يحاول‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏ ‏أن‏ ‏يتابع‏ ‏ويستجيب‏، ‏فأنهِك‏ ‏حتى‏ ‏العِىّ‏، ‏ربما هذا هو ما دعى ‏ ‏المستشفى ‏إلى اتخاذ القرار المعتاد فى مثل هذه الظروف بمنع الزيارة ‏إلا‏ ‏على‏ ‏الأهل‏ ‏وبعض‏ ‏الأصدقاء‏ ‏الذين‏ ‏بالغوا‏ ‏هم‏ ‏بدورهم‏ ‏فى ‏عدم‏ ‏الزيارة‏ ‏حرصا‏ ‏على‏ ‏راحته‏، ‏ولكنى أدركت، ثم تاكدت، مدى افتقاره للناس، وأنه لا نقاهة ولا تقدم‏ إلا بالناس، مع الناس: ‏فكيف‏ ‏السبيل‏؟

‏قلت‏ ‏للدكتور‏ ‏الحسينى، ‏نضبط‏ ‏جرعة‏ ‏تعاطى ‏الناس‏ ‏الطيبين‏، الذين يدركون مـَنْ هو، وكيف، ونبدأ بالأحوج إليهم فالأحوج، نضبط ذلك بجدول: ‏بالاسم‏ ‏والساعة‏ ‏يوميا‏،

‏وقد‏ ‏كان:

عمِلنا‏ ‏جدولا‏ ‏بأسماء‏ ‏الأصدقاء‏ ‏ومواعيد‏ ‏الزيارة ومدتها‏ وذلك بعد أن اتصلت بمن يعرف التفاصيل أكثر، اتصلت‏ ‏بالأستاذ‏ ‏جمال‏ ‏الغيطانى-‏معرفة‏ ‏قديمة‏ ‏حذرة‏ ‏من‏ ‏جانبى- ‏نال‏ ‏معى ‏فى ‏نفس‏ ‏السنة‏ ‏الجائزة‏ ‏التشجيعية‏ ‏عن‏ ‏روايته‏ ‏الرفاعى‏، ‏وأنا‏ ‏عن‏ ‏روايتى ‏”المشى ‏على ‏الصراط”‏ ‏وأصابنى ‏ما‏ ‏أصابنى ‏من‏ ‏النقاد‏ ‏والمبدعين بسبب الجائزة‏، ‏وانطلق‏ ‏هو‏ ‏إلى ‏آفاق‏ ‏الإبداع‏ ‏والتراث‏ ‏والتجليات‏ ‏حتى‏ ‏أضاف‏ ‏هذه‏ ‏الأسبوعية‏ ‏المتميزة‏ “أخبار‏ ‏الأدب‏” ‏وأخيرا‏ ‏معمار‏ “متون‏ ‏الأهرام‏” (حتى ذلك الحين)، ‏وانزويت‏ ‏أنا‏ ‏بعد الجائزة خجلا‏ ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏أخذت‏ ‏غير‏ ‏حقى‏، ‏لأن‏ أغلب ما وصلنى من الأدباء وأهل النقد أننى لست إلا متطفلا ‏‏على‏ ‏موائدهم‏، ‏أو‏ ‏هكذا‏ ‏تصورت ‏مما وصلنى‏، ‏اتصلتُ‏ ‏بجمال‏، ‏وأخبرته‏ ‏بالوصفة‏ ‏التى ‏وصفتها‏ ‏للاستاذ‏، ‏وهى “‏جرعة‏ ‏مناسبة‏ ‏من‏ ‏البشر‏” ‏الطيبين‏ ‏الملتزمين‏، ‏واتفقنا‏ ‏على ‏جدول‏ ‏بسيط‏ ‏محكم‏، بالاسم واليوم والساعة والمدة، فلان يوم كذا الساعة كذا لمدة كذا، وهكذا، وانتقينا الأقرب فالأقرب من الذين حفظوا الأستاذ صامتا ومتكلما، منصتا ومفكرا، منحنيا ومعتدلا، إن من يعاشر الأستاذ ينطبع ويتكيّف ويتكامل حتى مع وضع جلسته، وزاوية ميل جسمه، أبلغته هذه الوصفة، وكنت قد حكيت للأستاذ عن ما دار بينى وبين د. الحسينى، فضحك وفرح، فطلبت منه تحديد من يفضِّل أن نبدأ به، فقال على الفور “زكى”، سألته “زكى من؟” قال: “زكى سالم”، قلت له: “أنا لا أعرفه”، قال: “أسأل جمال”، وعرفت أنه يعنى جمال الغيطانى، فلم أزدْ.

 واستعنت بكل من جمال الغيطانى، والصديق الجديد علىّ “زكى سالم” وبدأت بهما فى جدول “روشتة الناس”.

اتصلوا بى، (الزملاء فى مستشفى الشرطة)، وأبلغونى أنه‏ ‏قد تم‏ ‏تنفيذ‏ ‏تعاطى جرعة‏ ‏الناس‏ كما أشرت (‏تقريبا‏). ذهبت واطمأننت من حيث المبدأ، و‏حمدت‏ ‏الله‏، ‏وقدَّرت‏ ‏أن‏ ‏الحالة‏ ‏إما‏ ‏ثابتة‏ ‏أو‏ ‏تتحسن‏، لكننى لم أطمئن تماما كعادتى، ورحت أراجع احتياجاته الطبية فيزيقيا، وتمريضيا، ومتابعة، فلم أجد أن هناك من التهديدات، أو احتمالات الطوارئ ما يمنعنى أن أتساءل: إلى متى؟. برغم أننى شعرت أننا نسير فى الاتجاه الصحيح، إلا أن الإجابة عن تساؤل “إلى متى”، وضعنى أمام حتم ‏‏‏ ‏المواجهة، بدءا بـ: إلى متى المستشفى؟

شعرت أن ‏بقاء ‏الأستاذ‏ ‏فى المستشفى أكثر يحتاج إلى حسابات موضوعية أعمق وأدق، خاصة و‏أننى استشعرت‏ ‏أن‏ ‏الزوجة الكريمة‏ ‏الفاضلة‏ ‏تخشى ‏ما‏ ‏ينتظرها‏ ‏بالمنزل‏، ‏الخبرة‏ ‏مؤلمة‏، ‏والله‏ ‏معها‏، والمسألة ليست تمريضا فحسب، بل أمْن وأمَان أيضا!! ‏لكن‏ ‏لابد‏ ‏مما‏ ‏ليس‏ ‏منه‏ ‏بد‏، ‏لابد من ضبط توقيت العودة إلى منزله ليعاود تدريجيا حياته كما اعتادها، وبأسرع ما يمكن، برغم كل الظروف.. أعلنتُ رأيى هذا لبعض محبيه، فوجدت مثل ما عندى فى رأى ‏الصديق‏ ‏جمال‏ ‏الغيطانى (‏أصبح‏ ‏صديقا‏، ‏أو‏ ‏كان‏ ‏صديقا‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏ ‏وأنا‏ ‏لا‏ ‏أدرى‏، ‏ما‏ ‏أسخف‏ ‏سوء‏ ‏الظن‏!!) ‏حدثنى ‏بمثل‏ ‏أفكارى ‏هذه‏، ‏وكأنه‏ ‏طبيب‏ ‏زميل‏ ‏حاذق‏ ‏يشير‏ ‏بما‏ ‏ينبغى ‏ويُحسن‏ ‏التوقيت‏، ‏فحمدتُ‏ ‏الله‏ ‏على ما أكد لى مبدئى الأساسى فى الطب والعلم، وهو: أن ‏المنطق‏ ‏السليم‏ هو ‏أساس‏ ‏كل‏ ‏فعلٍ‏ ‏سليم‏، ‏وعلم‏ ‏سليم‏، وطبٍّ سليم.‏

رحت‏ ‏أمهد‏ ‏للقرار‏ ‏بزيارات‏ ‏متلاحقة‏ على غير ما كنت قررت.

حدثُ عارض ولكن…

لم أجد فى ناس مستشفى الشرطة إلا أقصى درجات الاحترام، والعلم، والتمريض، والإمكانات، والرقة، لدرجة أننى عجزت عن شكرهم، فلم يكونوا يحتاجون شكرا، وقد خيل لى أنهم كذلك لأنهم كذلك، وليس فقط لأنه “الأستاذ”، ففرحت بهم أكثر.

على النقيض من ذلك، وبمحض الصدفة حدث ما يلى:

كنت جالسا ‏‏فى ‏مكتب‏ ‏إدارى بالقرب من الاستقبال، أنتظر خروج الأستاذ من فحص روتينى ما‏، ‏كان‏ ‏يزور‏ ‏الإدارة‏ ‏فى نفس المكان شخصية‏ بوليسية كبيرة جدا جدا، ‏كانت‏ تشغل منصبا عاليا (من المعالى) مهمّا جدا، فى فترة صعبة جدا، تعرفتْ هذه الشخصية علىّ، فتعجبتُ، ولم أرحب بأكثر من التحية، فهو عندى ليس هو …..، صدق حدْسى حين سألنى عن سبب تواجدى فى المستشفى، وأى خدمة، فقلت له السبب، راح يكمِل حديثه مع آخرين، فانصرفتُ إلى شأنى، لكن بعد لحظات انتبهت إلى صوته الجهورى وهو ينطلق بكلام جارح ‏‏يصف‏ ‏به‏ ‏شخصا‏ ‏ما، وكأنى سمعت اسم الأستاذ‏، ‏فاستفسرتُ‏ منه مباشرة ‏غير‏ ‏مصدِّق‏،‏ ‏فقال‏ ‏إنه‏ فعلا ‏يقصد‏ “‏نجيب‏ ‏محفوظ‏” ‏الكذا‏ ‏والكذا‏، ‏يا‏ ‏ساتر‏!! لماذا؟ ‏من هذا!؟ أين نحن!!؟ هل يعرفه!؟ ما هذا الذى يجرى علانية هكذا؟ بكل بساطة، بكل تلك الوقاحة؟ بأى حق؟ هذا‏ ‏صاحب المعالى ‏السابق‏، ‏يلعن‏ ‏شيخى ويسبه دون أى سبب، لم يسأله أحد رأيه أصلا، هل مجرد أننى ذكرت له الاسم جعله ينطلق بكل هذه القذائف!!! لم يراعِ حتى ظروف مرضه، أو الحادث، لم يراعِ حتى أصحاب المكان، وأصحاب الفضل هؤلاء من أطباء المستشفى وممرضيه، لم يراع عامة الحضور، ولا المكان الإدارى الرسمى الذى نحن فيه، أهكذا؟ أهكذا؟

برغم مهنتى وطول خبرتى مع الوجه الآخر للناس، لم أكن أعرف أن بعض الناس – أى ناس– يمكن أن يصلوا إلى مثل هذا؟ لم أتصور أنه حتى ذلك الذى أفتى بكفر أستاذنا، يمكن أن يحمل هذا القدر مما لا أستطيع وصفه أكثر، ‏ياعمنا‏ ‏نجيب‏، ستلقاها من أين أو من أين!!! صحيح أن هذا الحكومى جدا (السابق والحمد لله)، لا يمثل الحكومة (أو لم يعد يمثل الحكومة رسميا)، ولكنه – فى هذه اللحظة – كان يمثل لى أبشع ما يمكن أن تمثله سلطة تلقى حمَمَها على من حولها بدون مبرر أصلا، لم أعرف لم امتدت يدى ساعتها إلى الجانب الأيمن من رقبتى، مكان طعنة الأستاذ، ربما – من فرط أننى لا أصدق – ربما كنت أريد أن أذكّـر صاروخ القذائف القذرة الملتهبة أن الرجل الذى يسبـُّه، هو مطعون فى رقبته، ومازال راقدا فى المستشفى، لكن ما هذا الوخز فى رقبتى أنا؟ شعرت أن طعنة الشاب الغبى الذى دعى له أستاذنا بالرحمة والهداية، شعرت أن طعنته أخف من صواريخ هذا البولدوزر القبيح ذى الرائحة الكريهة الخانقة السامة معا.

أخذتُ أذكـّر نفسى مرة أخرى بأنى طبيب نفسى – المفروض– وأننى شاهدت ما شاهدت فى مرضاى المتأخرة حالتهم: من فقدان المشاعر، والتبلد، وانحراف الأخلاق، والقسوة حتى القتل، لكن الشعور الذى انتابنى فى هذا الموقف كان فظيعا حتى استبعـّدَت أن يكون هناك إنسان من نفس نوعنا بهذه البشاعة.

رأيتُ الاستياء يظهر على كل الوجوه التى لم يكن مسموحا لها– بطبيعة الحال وتسلسل الرتب- إلا بالاستياء الخافت الصامت، ازداد عزمى أن أسرع بالأستاذ إلى بيته وكأننى أهرب به بعيدا عن مرمى هذه القذائف، مع أنه كان حادثا عابرا، لكن ما أغبانى، ما هذا البولدوزر إلا زائر عابر، صحيح أنه مهم جدا، أو كان مهما جدا، ولكن لا يوجد أى داع لأن أربط بين قذائفه وبين قرار الإسراع بمغادرة المستشفى، كثيرا ما يأتينى مثل هذا الربط العشوائى دون مبرر، بل إنى شعرت أن الأستاذ يعرف كل ما جرى دون أن يخبره به أحد، هو لا يعرفه إزاء شخص بذاته، أو إزاء سلطة ما، لكنه يعرف ناسه بكل ما هم، حتى لو كان منهم مثل هذا “الشىء” سريع الطلقات القذرة، وخطر لى: أنه (الأستاذ) بوعى خاص، استطاع أن يحتمى بإبداعه وطيبته وسماحه وفهمه من شرورهم دون أن يَكرههم كل هذه الكراهية التى اعترتنى، وأنه لو سمعه، فسوف يسامحه ويدعو له كما فعل مع الشاب القاتل، وبرغم كل ذلك تأكد لى أن الإسراع بشيخنا إلى عالمه الخاص جدا، إلى قلعته الآمنة: منزله، هو القرار المناسب، الآن، وليس بعد.

اشتد‏ ‏عزمى، وتأكدت أن هذا الحادث هو مجرد مصادفة لا دور لها فى اتخاذ القرار، إلا أنه يبدو أن ‏الأوان‏ كان ‏قد‏ ‏آن‏.‏

يوم الجمعة بعد الصلاة

‏ أخطرت المستشفى ‏بما‏ ‏نويت‏، وشرحت مبرراتى، ولم يكن لديهم اعتراض، ‏وطلبوا‏ ‏منى ‏أن‏ ‏يظل‏ ‏الموعد‏ ‏سرا‏ ‏لأسباب‏ ‏أمنية‏، ‏وفرحت‏ ‏لأننى ‏انتويت‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏مفاجأة‏، ‏أتحمل‏ ‏كل‏ ‏تبعاتها‏، ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏أشغل‏ ‏الاستاذ‏ ‏وآلِه ‏‏بحسابات قد لا يدركون تفاصيل أبعادها أو مبرراتها.

يوم‏ ‏الجمعة‏، ‏بعد‏ ‏الصلاة‏، ‏ذهبتُ‏ ‏كما‏ ‏اتفقت مع الإدارة، ‏صعدت إلى جناحه‏، ‏وكأن‏ ‏قلبه‏ ‏كان‏ ‏شاعرا‏، ‏فوجدته‏ ‏ممدا‏ ‏على‏ ‏السرير‏ ‏رغم‏ ‏أن‏ ‏قيلولته‏ ‏لم‏ ‏تحن‏ ‏بعد‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏بهدوء‏ ‏حازم‏: ‏إن‏ ‏الأمور‏ ‏قد‏ ‏استقرَّت‏ ‏وسنخرج‏ ‏الآن‏، ‏فزع‏ ‏كما‏ ‏توقعت‏، ‏وقال‏ “‏لا‏.. ‏إنهم‏ ‏أخبرونى ‏أن‏ ‏الأمر‏ ‏ما‏ ‏زال‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏نقاش‏”، ‏فأجبته‏ ‏أننى ‏‏كنت‏ ‏أحد‏ ‏أطراف هذا النقاش‏، ‏وأننا‏ ‏أنهيناه‏ ‏بقرار‏ ‏الخروج‏ ‏الآن‏، ‏فقال‏ لى مقاوِما: ‏ولكن‏ ‏الدكتور‏ ‏المدير‏ ‏كان‏ ‏عنده‏ ‏منذ‏ ‏قليل‏‏، وأخبره‏ ‏أنهم‏ ‏لم‏ ‏يستقروا‏ ‏بعد‏، ‏فاستأذنته‏ ‏لأعود للمدير حتى أطمئن إلى انه قد بلغه ما استقر عليه المعالجون، وأحصل على موافقته النهائية (وكنت قد حصلت عليها)، ونزلت حتى يطمئن، وغبت قليلا وأنا ‏أعرف‏ ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏منتهية‏، ‏وحين‏ ‏عدت‏ ‏وجدت الأستاذ‏ ‏ما‏ ‏زال‏ ‏على ‏السرير‏ ‏وقد‏ ‏غطى ‏وجهه‏ ‏بالملاءة تماما كأنه يستجلب‏ ‏النوم‏. كنت قد اصطحبت زوجتى معى – وهى تحبـُّه مثلى برغم أنها لم تره شخصيا من قبل أبدا- لكننى رجحت أن اصطحابها معى قد يضيف إلى الموقف لمسة من حميمية مصرية بسيطة تسهـِّل لنا، وخاصة لزوجته الكريمة، الأمر بشكل أو بآخر، راحت ‏زوجتى ‏تبادل‏ ‏زوجته‏ ‏الحديث‏ ‏وتطمئنها‏، وتقدمتُ أنا أقترب منه وجِلا وأنا أكشف الملاءة عن وجهه، ولم يكن نائما طبعا، كان يبدو كما لو كان مختبئا من مواجهة العالم الخارجى، أو راغبا فى تأجيل القرار، هكذا تصورت، أبلغته أننى اطمأننت إلى رأى مدير المستشفى، وأنه موافق مائة فى المائة على القرار، وأنه مقتنع أن القرار علمىّ وعلاجىّ ونهائىّ، فجأة، – أى والله – انقلب الخوف والتوجس إلى انفراجة بسمة هادئة، وإن كانت بعيدة، راحت تتقدم حثيثا حتى ملأت وجهه، يصاحبها استسلام طيب، وكأنه هو الذى اتخذ القرار قبلنا، ولمحتُ المقاومة تتراجع، وكأنها تستأذن لا تنزاح.

البيت البيت

‏‏البيت‏، ‏(الذى هو يختلف لو سميته المنزل، هكذا خيل إلى وأنا أكتب الآن) يقع على‏ ‏الناصية‏ ‏المقابلة للمستشفى فى ‏الدور‏ ‏الأول‏، ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏الأمر‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى‏ كل تلك الموتوسيكلات، أو إلى تلك العربة الرسمية التى تتقدمنا، نجيب محفوظ رجل بيتى، البيت هو قلعته، وأمانه، وبرجه، ومهبط وحيه، لكن – أيضا- أنا أعلم أن الشارع والناس هم كل شىء فى حياته، معادلة تبدو صعبة، لكنها الحقيقة،

ما إنْ‏ ‏وصلنا‏ البيت حتى تقدمت انفراجة البسمة التى كانت متررددة فملأت صفحة وجهه، ‏وارتاحت‏ كل ‏الأسارير‏، حتى ملأت أرجاء البيت كله، ما ظهر، وما خفى من زواياه وأركانه.

…..

شيخى عاد إلى قلعته ‏وكأنه‏ ‏لم‏ ‏يفارقها أبدا‏، ‏أخذتُ ‏أداعبه‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏ ‏منذ‏ ‏زرته‏، ‏وردَّدت‏ ‏عليه‏ ‏قول‏ المرحومة خالتى أنه :“‏يا‏ ‏دارى‏، ‏يا‏ ‏ستر‏ ‏عارى‏، ‏يا‏ ‏منيِّمَانى ‏للضحى ‏العالى”.

‏ مال‏ ‏إلى ‏الخلف‏ ‏وجلجلت ضحكته التى سمعت عنها، فعـِشـْتـُها بحجمها ‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏.

‏ ‏شيخنا‏ ‏يعود‏ ‏إلى ‏بيته

وتعود‏ ‏إليه‏ ‏- إلينا- ضحكته.

 الحلقة الثالثة

نجيب محفوظ فى روعته العادية

رجعت‏ ‏الحياة‏ ‏راتبة‏ ‏بنظامها‏ ‏الجديد‏، ‏وراح‏ الأستاذ ‏يعيد‏ ‏تنظيم‏ ‏أوقاته‏ ‏على ‏مواعيد‏ ‏الممرضة،‏‏ و‏أخصائى ‏العلاج‏ ‏الطبيعى‏، ‏وحين‏ ‏تضطرب‏ ‏مواعيد‏ ‏الأولى‏ ‏أو‏ ‏يتغيب‏ ‏الثانى ‏كان‏ ‏يقلق‏ ‏حتى ‏الضجر‏، ‏دون‏ ‏احتجاج‏ صريح ‏أو‏ ‏لوم‏ ‏لأحد‏، ‏لكنه‏ ‏كان‏ ‏كمن‏ ‏ينبه بالتزام هادئ إلى‏ ‏حقه‏ ‏كمريض‏ ‏فى الرعاية فالنقاهة‏ بنفس النظام الواجب اتباعه والذى يوافق طبعه، ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏كل‏ ‏المحيطين‏ ‏يدركون‏ ‏مدى ‏رقته‏ ‏ولا‏ ‏بالغ‏ ‏حرصه‏ ‏على ‏وقت‏ ‏الناس‏ ‏وضبط‏ ‏إيقاع‏ ‏يومه‏، ‏التقطتُ‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏بسرعة،‏ ‏وحاولتُ‏ ‏أن‏ ‏أثبِّت‏ ‏كلَّ‏ ‏شىء‏، ‏وأن‏ ‏أضبط‏ ‏جرعة‏ ‏الانتقال‏ ‏من‏ ‏الاعتماد‏ ‏على‏ ‏الممرضة‏، ‏وأن‏ ‏أنظم حتى‏ ‏انقطاعها‏، ‏وأن‏ ‏أطمئنه‏ ‏- بعد إلحاحه فى السؤال‏- على‏ ‏أن‏ ‏أتعاب‏ ‏المستشفى ‏تصلها‏ ‏وستصلها‏ ‏بلا‏ ‏تأخير‏، ‏وأنْ‏……. ‏وأن‏ْْ….. ‏ولكنه‏ ‏كان‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يستوثق‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏ ‏من‏ ‏أمرين‏: ‏الأول‏: ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏ثقيلا‏ ‏على‏ ‏أحد‏ ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏يأخذ‏ ‏من‏ ‏حق‏ ‏ضباط‏ ‏الشرطة‏ ‏وعائلاتهم‏ ‏ما‏ ‏خـُصِّصَ‏ ‏لعلاجهم‏، ‏بمعنى أن‏ ‏التكاليف‏ ‏تأتى‏ ‏من‏ ‏مصدر‏ ‏آخر‏ ‏بعيد‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏يعتدى‏ ‏على‏ ‏حق‏ ‏أحد‏، ‏والثانى‏: ‏أنه‏ ‏يأخذ‏ ‏حقه‏ ‏الطبيعيى ‏البسيط‏ ‏ فى‏ ‏التأهيل‏ ‏والمتابعة‏ ‏الطبية‏ ‏والنقاهة‏.‏

أخذتُ أكتشف أوضح وأعمق من هو‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏فى ‏روعته‏ ‏العادية‏، ‏وصدقه فى‏ ‏الإحساس‏ ‏بالآخرين‏، ‏حتى‏ ‏وهو‏ ‏أولى‏ ‏الناس‏ ‏بكل‏ ‏رعاية‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏كل‏ ‏الوقت،‏ “‏إلا‏ ‏أبدا”‏: ‏شخصٌ‏ ‏عادى‏، ‏يؤكد‏ ‏واجبه‏ ‏أولا‏، ‏وينبه‏ ‏إلى‏ ‏حقه‏ ‏بحياء‏ ‏لا‏ ‏مثيل‏ ‏له‏، ‏لا‏ ‏أكثر‏ ‏ولا‏ ‏أقل‏!!‏

‏ فى يوم تالً: (لم أثبت تاريخه)

كان‏ ‏منزعجا‏ ‏هذا‏ ‏الصباح‏، ‏قال‏ لى: “‏ماذا‏ ‏فعل‏ ‏يوسف‏ (‏الصديق‏ ‏محمد‏ ‏يوسف‏ ‏العقيد‏) ‏مع‏ ‏رجال‏ ‏المستشفى؟”‏، (انتظرت أن يُكمل فأكمَل(‏ “أخشى ‏أن‏ ‏يكون ‏‏قد‏ ‏آذى‏ ‏شعورهم‏”، ‏لقد‏ ‏أُبْلِغْتُ ‏ما‏ ‏شغلنى”‏ ‏وحين‏ ‏استفسرت‏ ‏عن‏ ‏مزيد‏ ‏من‏ ‏التفاصيل‏ ‏قال‏:” ‏إنه‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏مشادة‏ ‏قامت‏ ‏بين‏ ‏القعيد‏ ‏وبين‏ ‏إدارة‏ ‏المستشفى ‏حين‏ ‏طلبت‏ الإدارة ‏ ‏بعض التفاصيل عن‏ ‏المبلغ‏ ‏التقريبى ‏المقرر‏ ‏للعلاج‏، ‏فإذا‏ ‏بالقعيد‏ ‏أو‏ ‏رسوله‏ ‏يرفضون‏ ‏الإجابة‏ ‏محتجين على مجرد السؤال أو شئ من هذا القبيل، لم أفهم بوضوح الموقف حتى بعد أن أضاف‏ ‏الأستاذ: “‏إن‏ ‏هذا‏ ‏الطلب‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يضايق‏ ‏أحدا‏، ‏أنا‏ “كموظف‏” ‏أفهم‏ ‏ذلك‏ ‏من قبيل‏، ‏مبدأ ‏ ‏أن‏ ‏يخاطب‏ ‏المدير‏ ‏مديرا‏ ‏مثله‏، ‏وأن‏ ‏يخاطب‏ ‏وكيل‏ ‏الإدارة‏ ‏من‏ ‏هو‏ ‏فى ‏مستواه‏ ‏من‏ ‏وكلاء‏ ‏الإدارات‏، ‏وهكذا‏”.‏ وابتسمتُ‏ ‏وأنا‏ ‏أسمع‏ ‏هذ‏ ‏التعبير‏ ‏الدال‏ ‏الذى ‏سمعته‏ ‏عنه‏ ‏دائما‏ “أنا كموظف!!!”، ‏والذى ‏أعتقد‏ ‏أنه‏ ‏أسهم‏ ‏فى ‏إبداعاته‏ ‏الرائعة‏، ‏كما أعتقد أن له الفضل ‏ ‏فى إدامة‏ ‏التصاقه‏ ‏بالناس‏، ‏عامة‏ ‏الناس،‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏، ‏وربما كان له الفضل أيضا فى إحساسه بإيقاع الفعل اليومى الذى بدا لى أنه يقدسه لذاته، ما زال‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏شخصيا‏ ‏يقول‏ ‏بعد‏ ‏كل‏ ‏هذا‏: “أنا‏ ‏كموظف‏”، ‏بعد‏ ‏نوبل‏، ‏وبعد‏.. و‏بعد‏، وبعد..، ‏يصف‏ ‏نفسه‏ ‏بهذا‏ ‏الوصف‏ ‏البسيط‏ ‏المتواضع‏ “أنا‏ ‏كموظف‏”…. ‏أعذرهم‏ ‏وأفهم‏ ‏موقفهم‏.. ‏إلخ‏.‏”

وعدته‏ ‏أن‏ ‏أذهب‏ ‏لشكرهم‏ ‏وللاعتذار‏، ‏وإزالة‏ ‏سوء‏ ‏الفهم‏ ‏إن‏ ‏وجدته‏ ‏أصلا‏، ‏وذكّرته‏ ‏أنهم‏ ‏حين‏ ‏طلبوا‏ ‏منه‏ ‏دعوة‏ ‏طيبةً‏ ‏أثناء‏ ‏خروجنا‏، ‏أجابهم‏ ‏أنه‏ ‏يدعو‏ ‏الله‏ ‏أن‏ ‏يظلوا‏ ‏كما‏ ‏هم‏، (أن يـِفـْضـَلوا كده) ‏وأنهم وصلتهم هذه الدعوة غير المألوفة، و‏اعتبروها ‏شهادة‏ ‏تقدير‏ ‏رائعة‏ ‏تعنى ‏أنهم‏ ‏وصلوا‏ ‏إلى ‏قمة‏ ‏ما‏ ‏يُنتظر‏ ‏منهم‏، وما يرجوه لهم، ليكونوا للناس، سائر المرضى، كما كانوا له!.‏

فى ‏اليوم‏ ‏التالى ‏سألنى ‏عما‏ ‏فعلت‏ ‏معهم‏ ‏وطمأنته‏ ‏من‏ ‏جديد‏، وأن ما بلغه لم يصل إلى درجة سوء التفاهم أو سوء الفهم، ‏فعاد‏ ‏يؤكد‏ ‏شرح‏ ‏وجهة‏ ‏نظره‏ ‏قائلا‏: “هذا‏ ‏هو‏ ‏الفرق‏ ‏بين‏ ‏الموظف‏ ‏والحر‏”، ‏ثم‏ ‏يبدو‏ ‏أنه‏ ‏أدرك‏ ‏ما‏ ‏فى ‏المقابلة‏‏ من غموض، أو ربما خشى أن أتصور أن الموظف ليس حرا، ‏فاستدرك:‏ ‏أعنى الفرق بين‏ ‏الموظف‏ ‏وغير‏ ‏الموظف‏”..، ‏وفرحتُ‏ ‏بدقة‏ ‏وعيه‏ ‏واستمرار‏ ‏علاقته‏ ‏بانتقاء‏ ‏اللفظ‏ ‏المناسب‏ ‏واحترام‏ ‏المستمع‏، ‏والحرص‏ ‏على ‏توصيل‏ ‏ما‏ ‏يريد‏ ‏تحديدا‏.‏

تحت سفح الهرم (يوم مولده)

الأحد: ‏11/12/1994

كنت‏ ‏قد‏ ‏أخبرتـُه‏ ‏أمس‏ ‏أننى ‏حضّرت‏ ‏له‏ ‏مفاجأة‏، ‏ودهش وسأل، وأجّلت الإجابة، ولمحت فرحةً مختلطة بدهشة ما تطلّ من بعيد خلف وجهه، ‏مع‏ ‏أننى تخايلت وراء فرحته ‏هذه ‏ما‏ ‏يشبه‏ ‏التوجس‏ ‏الطيب‏، ‏لكن‏ ‏الفرحة‏ ‏غلبت‏، ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏اتفقت‏ ‏مع‏ ‏يوسف‏ ‏القعيد‏ ‏وجمال‏ ‏الغيطانى ‏وزكى ‏سالم‏ ‏أن‏ ‏نخرج‏ ‏صباح‏ ‏هذا‏ ‏اليوم‏ ‏”الأحد‏” ‏إلى‏ ‏الشمس‏ ‏ليكون‏ ‏ذلك‏ ‏أوَّل‏ ‏خروج‏ ‏له‏ ‏بعد‏ ‏الحادث‏، ‏ليستعيد‏ ‏بالتدريج‏ ‏إيقاع‏ ‏حياته‏ ‏العادية‏ ‏ما‏ ‏أمكن‏ ‏ذلك‏.

لم يتردد فى الخروج برغم المفاجأة، وكنت أحسب أنه سيقاوم أكثر، لكننى لمحت وراء استجابته للمفاجأة التى ملأت وجهه فعلا بفرحة طفل يوم الإجازة، لمحت ظلا من توجس أمس، لكن ما إن احتوتنا السيارة حتى تنفس بعمق وكأنه لا يصدق أن هذا هو هواء الشارع من جديد.

 ‏ذهبنا‏ ‏إلى ‏الهرم‏، ‏وتذكـَّر‏ ‏أيام‏ ‏رحلات‏ ‏التلمذة‏ ‏فى ‏المدرسة‏ ‏الابتدائية‏ (‏وربما‏ ‏مع‏ ‏الأسرة‏) ‏منذ‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏ثمانين‏ ‏عاما‏، ها هى ‏ ‏الذكريات‏ تعود به ‏إلى ‏سن‏ ‏السابعة‏ ‏أو‏ ‏التاسعة‏!!!كما ألمح إلى زيارته المتحف المصرى مع المرحومة والدته، لم يخطئ ظنى فى تحديد سن فرحته، ‏رائع‏ ‏الاحتفاظ‏ ‏بالطفولة‏ ‏الدائمة‏ ‏هكذا‏، (‏تأكدت‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏أعظم‏ ‏ما‏ ‏يميزه‏‏)، كان يلبس عباءة المرحوم حماى التى أحضرتها له معى ألـِفـُّه بها خشية البرد (نحن 11 ديسمبر) ولم يطل مكوثنا فى سفح الهرم، التقطنا صورا قليلة للذكرى، ثم توجهنا إلى‏ ‏فندق ميناهاوس، وهو لا يكاد يصدق.

ما زلت برغم تصاعد دفء العلاقة وإزالة الحواجز، لا أعرف كيف يتحاور معه المريدون، فأنا – كما ذكرت- لم أحضر مجالسه معهم قبل ذلك أبدا، وكل لقاءاتنا منذ شرفنى بمتابعة أيامه كانت بالمنزل، كما كانت معظم أحاديثنا حول مواضيع النقاهة والرعاية مثل التى ذكرتُها حالا، كنت أجلس بجواره فى الميناهاوس، أميل على أذنه كما تعودتُ مؤخرا، وقد سمح لى الأصدقاء أن أتولى ضبط جرعة الجلسة، ربما لظنهم أننى أعرف متى يُنهك، ومتى نتوقف ومتى نعود.إلخ. لم أجد ما أقوله فى هذا الموقف الذى لم أعتدْه، فرُحْتُ أحكى له (ولهم) كيف أننى، ذات يوم ‏عُدْتُ‏ ‏مريضا‏ ‏مهمًّا فى هذا الفندق، وأنه كان‏ ‏ينزل‏ ‏فى “‏جناح‏ ‏مونتجمرى” ‏والذى ‏سمى ‏بهذا الاسم لأن مونتجمرى‏ ‏نزل‏ ‏فيه‏ ‏أثناء‏ ‏الحرب‏ ‏العالمية‏ ‏الثانية‏، ‏وكيف‏ ‏أننى ‏حين‏ ‏ذهبت‏ ‏للحمّام‏ ‏الملحق بالحجرة، وجدت‏ ‏أغلب‏ ‏أدواته ومحتوياته وحوائطه من خشب شديد الوقار والجمال، حتى خيل لى أنها ‏ ‏حجرة‏ ‏نوم ملحقة‏، ‏وأننى دخلت خطأ، فاتجهت للخروج ‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏أقضى ‏حاجتى، لكننى شككت فى نفسى وتراجعت إلى ما يشبه (ولا مؤاخذة) المرحاض، وشددت “السيفون” فانْشَدّ!، فتأكدت أنه الحمام، ومع ذلك فقد أبت أجهزتى الفسيولوجية أن تصدِّق، وخرجتُ كما دخلت وأنا لم أخدش حياء كل هذا الخشب الأنيق، ‏وضحك‏ ‏الأستاذ‏ ‏عاليا وجميلا، ولم‏ ‏أكن‏ ‏قد‏ ‏تعودتُ‏ ‏ضحكته‏ ‏المجَلْجِلة‏ ‏هذه‏ ‏بهذا‏ ‏القرب‏ ‏بعد‏.

نظر إلىّ‏ّّ ‏الأستاذ‏ ‏وهو يأخذ شهيقا عميقا كأنه يتأكد أنه ما زال هو هو هواء الخارج (خارج البيت) مع أننا كنا داخل الفندق، نظر مترددا فعرفتُ أنه يريد أن ينتهزها فرصة ويتخطى الحواجز، وفعلا: سألنى مترددا، بمناسبة هواء الحرية، (هكذا قال) هل تضرُّ سيجارة واحدة لا أكثر؟ وحين وافقت لمحتُ وجهه يشرق وكأننى أمام تلميذ يطلب إذنا من المشرف ‏لم يتوقع الاستجابة له، أسرع – ربما خوفا من أن أرجع فى كلامى- وأخرج سيجارة من ‏علبة‏ ‏سجائر يبدو أنه كان‏ ‏يحتفظ‏ ‏بها‏ ‏فى ‏جيبه‏ ‏فى ‏سرية‏ ‏تامة‏ ‏طول‏ ‏هذا‏ ‏الوقت‏، ‏وفوجئـْـنا، وتساءلنا، فضحك وهو يخبرنا أنه لم يجد داع للإعلان عنها خشية ألا يؤذن له، أشعل له السيجارة أحد الأصدقاء (أعتقد أنه زكى سالم)، وهو لا يكاد يصدق، وراح يأخذ منها نفسا عميقا بطيئا، ثم يديرها بهدوء بين أصابعه، وكأنه التقى بحبيبة بعد طول غياب فمضى يتأمل وجهها، ويملس على شعرها ليتأكد أنها هى، وأنها عادت، أحسست ساعتها أنه – بهذه السيجارة التى لم يدخنها منذ الحادث- قد تأكد ‏ ‏من‏ ‏عودته‏ ‏للحياة‏ ‏الطبيعية‏.‏

فوجئت‏ ‏فى ‏اليوم‏ ‏التالى ‏بذكر‏ ‏اسمى ‏فى ‏الصحف‏ ‏مقرونا‏ ‏بوصف‏ “طبيبه‏ ‏الخاص‏” ‏وتتالى‏ ‏ذلك‏ ‏بوصف آخر هو “الطبيب‏ ‏المرافق‏” ‏وغير‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏صفات‏ ‏طبية،‏ ‏كما‏ ‏ذكروا‏ ‏على ‏لسانى ‏أننى ‏صرحت‏ ‏بأنه‏ ‏يستطيع‏ ‏كذا‏، ‏ولا‏ ‏يستطيع‏ ‏كيت‏ ‏وكل‏ ‏ذلك‏ ‏لا‏ ‏أساس‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏الصحة‏، ‏ليس‏ ‏هذا‏ ‏فقط‏، ‏بل‏ ‏إننى ‏شعرت‏ ‏أن‏ ‏به‏ ‏جَرْحٌ ‏ما‏ ‏لأستاذى ‏وشيخى ‏هذا‏، وأيضا أحسست بحرج خاص، ورفضٍ حاسم، أنا لم أقبل دور الطبيب منذ البداية، لا الطبيب الخاص ولا الطبيب المرافق، ولم أصرِّح لأحد أصلا بأى شىء، ما هذا العبث كله؟ ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏ليس‏ ‏عيبا‏، ‏وأننى ‏خِفْتُ‏ ‏مرات‏ ‏متفرقة‏ ‏على ‏أستاذى ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏قد‏ ‏تَقَمَّصَ‏ ‏شخوصه‏ ‏حتى ‏عانى – مثلا – ما ‏أتاح له ‏ ‏وصف‏ حالة “عمر الحمزاوى” فى الشحاذ ‏بكل‏ ‏تلك‏ ‏الروعة‏ ‏والتفاصيل‏.

وقد ذكرت مخاوفى هذه فى نقدى الأول (1970) لروايته “الشحاذ ([15]) حيث قلت ” ما يلى بالحرف الواحد:

“…وإنما اخترت “الشحاذ” لأنها من الناحية النفسية تمثل وضوحا وصراحة فى الأعراض لا مثيل لهما.. فهى تصف نوعا من المرض النفسى وصفا لا أكاد أصدق أن إنسانا يستطيع وصفه إلا إن مر به وعاناه. ولابد أن أعترف أننى أشفقت على كاتبنا الكبير أن يكون قد عاش بعض هذه الآلام، وجزعت حين خطر ببالى هذا الخاطر برغم ما داخلنى من راحة حقيقية، إذ أن هذا الاحتمال نفحنا نحن قراءه هذا الوصف الذى لايقدر عليه إلا هو.. إلا أنى – حبا فيه ثانية- استبعدت ذلك جدا، وراجعت نفسى وقلت لعله صديق صادق، اندمج معه كاتبنا العظيم، حتى قاسمه مشاعره،([16]) ثم استطاع ببصيرته أن يترجم خلجاته إلى ما أقرأنا من فن صادق.

ولكن الذى استبعدته تماما هو أن تكون هذه القصة برمتها محض خيال”

فعلا رفضت وصفى بأنى طبيبه الخاص خشية تصور أننى أقوم بدور التطبيب النفسى، ولعل هذا النفى، بل وتبادل الأدوار، هو الذى حضرنى فى شعرى لاحقا فى أحد أعياد ميلاده حين أثبت فيه أن شيخى هذا هو الذى كان يعالجنى- نفسيا – طول الوقت، ولعل هذا ما دفعنى لكتابة قصيدة “صالحتنى شيخى على نفسى” فى عيد ميلاده الـ 92، وهى التى ألحقتها ملحقا بالمقدمة (الملحق الثانى).

على ‏ذكر‏ ‏عيد‏ ‏الميلاد‏، ‏سألته عن كيف اعتاد أن يحتفل بهذا اليوم؟ فقال‏ ‏لى ‏إنه‏ ‏لا‏ ‏يحتفل‏ ‏عادة‏ ‏بعيد‏ ‏ميلاده‏، ‏وإنه لا‏ ‏يعرف‏ ‏معنى ‏لهذا‏ ‏الاحتفال‏، ‏حتى ‏مع‏ ‏الحرافيش‏، ‏اللهم‏ ‏إذا‏ ‏تصادف‏ ‏أن‏ ‏جاء‏ ‏هذا‏ ‏اليوم‏ ‏يوم‏ ‏خميس‏ بالصدفة، وهو ‏يوم‏ ‏لقائهم‏، ‏ثم‏ ‏لا‏ ‏شىء‏ ‏بعد ذلك، قلت له: حتى ‏ولا‏ “‏تورته”‏، ‏قال: حسب التساهيل، زمان لم يكن هناك طقوس كهذه، وذكرت‏ ‏له‏ ‏وجهة نظرى فى فكرة الاحتفال بعيد الميلاد: ذلك أننى ‏‏لا أرى لى ‏فضلا‏ ‏ ‏فى ‏أننى ‏ولدت‏ فى يوم كذا فيحتفلون بى، وقلت له أننى سجلت رأيى هذا لعميد كلية ‏ ‏طب‏ ‏قصر‏ ‏العينى (المرحوم) أ.‏د‏.‏هاشم‏ ‏فؤاد‏، فى كتاب ساخر اسميته “أسرار وأغوار” ‏حين‏ ‏آصر‏ ‏أن‏ ‏يرسل لى حتى عيادتى ‏باقة‏ ‏ورد‏ ‏بمناسبة عيد ميلادى‏، وكان يعدّ بذلك لانتخابات دورة ثانية للعمادة، ويرسل لكل الزميلات والزملاء مثل ذلك، ولكن سيادة العميد لم يهنئنى ‏ ‏بحصولى ‏على ‏جائزة‏ ‏الدولة‏ التشجيعية فى ‏الأدب فى نفس العام (على ما أذكر)‏، فكتبت إليه، وعاتبته أنه اطّلع على تاريخ ميلادى من أرشيف الكلية دون إذنى، فى حين أننى ليس لى الحق فى الاطلاع على ملفه لأردّ له التحية فى عيد ميلاده، وأنه حين فعل ذلك مع زميلات لى قد تخطى كل الحدود، فلا أظن أن أيا مِنهُنّ تريده أن يعرف سنها، ثم إنه لم يهنئنى بإنجازى أنا فى نفس العام، وهنأنى بفضل‏ ‏والدىّ ‏فى ‏ليلة‏ ‏شتاء‏ ‏ينايرية‏ ‏من‏ ‏عام‏ ‏ما‏ (ولدتُ فى نوفمبر)، ‏وهو أمر ليس ‏ ‏لى ‏فضل‏ ‏فيه‏، ‏بل‏ ‏ربما‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏ينويه‏ ‏والدىّ‏ ‏أصلا‏ ‏لأنى ‏رابع‏ ‏أخ‏ ‏إذْ‏ ‏سبقنى ‏ثلاثة‏ ‏إخوة‏ ‏ذكور‏، ‏قلت ذلك للأستاذ وكان يستمع باسما، لكننى لمحت فى وجهه قرب نهاية حديثى ما يشبه الاحتجاج المهذب، بل الرفض، وفعلا، أحسست أنه يريد أن يقرص أذنى لأننى ذكرت والدىّ بهذه الاستهانة حتى ولو كان على سبيل الفكاهة، وخجلت، ثم إننى أضفت له أننى تراجعت بعد ذلك عن رفضى لفكرة أعياد الميلاد خاصة للصغار، وسألنى كيف عدّلت رأيك، وكان يفرح بمثل ذلك كأنه يطمئن لمرونتنا حوله، فقلت له إنه بدا لى أن هذا الاحتفال يؤدى رسالةً ما للأولاد والبنات أساساً، فهو يبلغهم أن والديهم غير نادمين على قدومهم، برغم ما يفعله الصغار بهم، فضحك واسعاً، فعرفت أنه عفى عن خطئى الأول وتجاوزى حدودى تجاه والدىّ، فأضفُت أنه حضرنى الآن – أيضا– وأنا أشرح له رأيى الجديد، أن هذا الاحتفال ربما كان أيضا اعتذارا للأولاد عن أننا أنجبناهم قسرا فى هذا العالم دون استئذان، وترحمنا          – الأستاذ وأنا – على عمر الخيام وأبى العلاء المعرى معا.


الحلقة الرابعة

‏ نادى‏ ‏الشرطة

 الاثنين:‏ 19/12/1994‏

اقترح الغيطانى أن يكون لقاؤنا الخارجى الأول يعد خروجنا إلى الأهرامات يوم عيد ميلاده، أن يكون فى نادى الشرطة على الكورنيش، حيث بالإمكان أن يعدُّوا لنا ركنا خاصا هادئا، ووافق الأستاذ ضاحكا معقبا بأنه “هكذا نحتمى بالحكومة فى عقر دارها”.

كنا‏ ‏نفس‏ ‏الأشخاص‏ ‏الذين‏ ‏صاحبناه‏ ‏يوم‏ ‏عيد‏ ‏ميلاده منذ أسبوع، ‏وزاد‏ ‏علينا‏ ‏صديق حميم جدا، ‏كان‏ ‏الأستاذ منذ التقيته‏ ‏يردد علىّ اسمه، وكان ‏يسألنى عن موعد ‏ ‏عودته‏ ‏من‏ ‏الخارج، مع أننى أكدت له أننى لا أعرفه إلا بصفته العامة من بعيد وبشكل أقل من قيمته، وبالتالى لا أعرف تحركاته، ولا أعرف شيئا عن سفره أو عودته، وكنت أدهش لتعجب الأستاذ من جهلى بصديقه هذا، وتصورت أنه يفترض أنه بما أنه صديقه جدا، وأنا أصبحت قريبا جدا، فلا بد أننى أعرفه جدا، وأعرف علاقتهما، وأعرف أخبار صديقه هذا فى حـِلـِّهِ وترحاله بداهة، المهم هذا الصديق الصدوق كان متواجدا أثناء الحادث خارج مصر، ‏وبمجرد‏ ‏أن‏ ‏عاد، ‏عاد، ورأيت فرحة الاستاذ بعودته، عرفت‏ ‏كم‏ ‏يعنى ‏وجوده‏ ‏للأستاذ، ‏وكم‏ ‏تتميز‏ ‏علاقتهما‏ ‏عن‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏رأيت، هو ‏الاستاذ‏ ‏توفيق‏ ‏صالح، ‏المخرج‏ ‏المصرى‏ ‏المتميز، ‏والحرفوش‏ ‏المخلص‏ (‏المتبقى ممن أعرف ‏من الحرافيش القدامى الحقيقيين‏).‏

بدأ‏ ‏الاجتماع فى نادى الشرطة على شاطئ النيل‏ ‏لى ‏غريبا‏ علىّ ‏بعض‏ ‏الشيء، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏الاستاذ‏ ‏قد‏ ‏استعاد‏ ‏بهجته‏ ‏وإنصاته‏ ‏إلى‏ ‏معظم‏ ‏ما‏ ‏ينجح‏ ‏أن‏ ‏يصل‏ ‏إلى‏ ‏سمعه، ‏كان‏ ‏الحماس‏ ‏باديا على الحضور وكأنهم لا يصدقون أنه عاد يجلس معهم كما اعتادوا، أنا لم أعتد مجالسته، فكانت فرحتى من نوع آخر، نوع طازج غير مختلط بذكريات بذاتها، ‏لا أعرف من الذى أحضر عبد الناصر بهذه الكثافة، كان حاضرا معظم الجلسة، وكأننا لسنا فى عام 1994، وكأن ما كان لم يكن، وكأنه لم يُستهلك بحثا ونقاشا وأخذا وردا وهجوما ودفاعا عشرات السنين، بمجرد أن ذكـِرَ اسمه احتد ‏ ‏الخلاف‏ ‏بين المجتمعين وكأنها قضية آنِيّة ساخنة، فى هذا السياق جاء ذكر رواية الكرنك، وكيف أنها الدليل على موقف الأستاذ من الإجراءات البوليسية فى عهده، واحتجاجه من خلال أعماله على قمع الحريات، وكلام من هذا، ذكر لنا‏ ‏يوسف‏ ‏القعيد‏ ‏كيف‏ ‏يزعم‏ الكاتب “فلان…” ‏أن‏ ‏الاستاذ‏ ‏قال‏ ‏له‏ ‘‏أنت‏ ‏بطل‏ ‏الكرنك، ‏إسماعيل‏ ‏الشيخ، ‏وذلك‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏حكى ‏له‏ ‏(لشيخنا) كيف‏ ‏اعتـُقـِل، ‏وكيف‏ ‏كانوا يستجوبونه فى الصباح‏ ‏باعتباره‏ ‏من‏ ‏الاخوان،‏ ‏وفى ‏المساء‏ ‏باعتباره‏ ‏من‏ ‏الشيوعيين‏… ‏الخ، ‏وكنت‏ قد ‏قرأت على‏ ‏الأستاذ‏ بعض هذا الحديث الذى أدلى به هذا الفلان للأهرام” حول هذا الموضوع، ‏ ‏وحين سألته عن صحة هذا الكلام‏ ابتسم‏ ‏ولم‏ ‏يعلـِّق، ‏ولكنى ‏رجحت‏ ‏أن‏ ‏ابتسامته‏ ‏تحمل‏ ‏شيئا‏ ‏من‏ ‏محاولة‏ ‏التذكر‏، ‏ثم‏ ‏الدهشة‏، ‏ثم‏ ‏الأدب‏ ‏الجم والسماح المعتاد، ‏لكن‏ ‏حين عاد المجتمعون العارفون إلى فتح باب التعليق على ‏ ‏نفس‏ ‏الحديث‏ ‏المنشور، ‏أنكر‏ ‏الواقعة‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏الغيطانى‏ ‏والقعيد، ‏فراجعتُ فهمى ‏لابتسامة‏ الأستاذ المهذَّبة ذلك الصباح، ‏ذكر‏ ‏الغيطانى‏ ‏أنه‏ ‏شهد‏ – شخصيا – ‏مولد‏ ‏رواية الكرنك، وذلك ‏حين‏ ‏حضر‏ ‏حمزة‏ ‏البسيونى ‏إلى ‏قهوة‏ ‏ريش، ‏وبدا‏ كأنه‏ ‏من‏ ‏زبائنها‏ ‏المعتادين‏ ‏عليها، ‏وجرى‏ ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏البسيونى ‏وطباعه‏ ‏وقسوته‏ ‏ودوره، ‏ثم‏ ‏عن‏ ‏مغزى‏ ‏حضوره‏ ‏إلى‏ ‏القهوة واحتمالات ذلك، ‏وعن ما صاحبَ حضوره من جلبة وصخب غامض، ‏وحين‏ ‏كان‏ ‏الغيطانى ‏يصف‏ ‏جلسة‏ ‏البسيونى ‏وهو‏ ‏يلعب‏ ‏الشطرنج‏، ‏علق‏ ‏الاستاذ‏ ‏‏ ‏مازحا‏ بقوله: “كان‏ ‏بيموّت‏ ‏الملك‏”، وقهقهَ، وفرحتُ.

لم‏ ‏أفهم‏ ‏رأى الغيطانى فى أن حضور البسيونى فى مقهى ريش‏ ‏هكذا، ‏هو بداية ولادة رواية الكرنك، تماما كما لم أفهم كيف زعم السيد “فلان أنه….” هو بطل الكرنك هكذا خبط لصق، حتى لوصدقـّتْ روايته أنه حكى للأستاذ خبرة اعتقاله تفصيلا، أنا أتصور أن شخصا ما، أو حدثا ما، يمكن أن يكون ضمن أبجدية الرواية، أية رواية، لكن الرواية، لا تُخلـَق من حدثٍ واحد، ولا تَحكى رواية شخص واحد، قد تنشأ فكرة الرواية من حادث عابر، أو حكى مثير، أو مفارقة غريبة، ثم تنطلق بتلقائيتها فى ذاتها، ليتجمع حولها وبها ومعها ما تجذبه محوريتها حتى ينتظم مع إيقاعها ما يكتمل به لحنها، ‏ ‏الروائى عامة ليس مصوِّرا‏ ‏لشخوص بذواتهم، فما بالك بمحفوظ؟ قد ينسج الروائى من عدة شخوص معا أحد أشخاص روايته، ليصبح شخصا جديدا مستقلا عنهم جميعا، قلت فى نفسى، حين أنفرد به (بالأستاذ) سوف أراجع معه ما دار فى ذهنى متعلـِّما محتجًّا معا، ربما محتجا على صمت الأستاذ دون تعليق على هذا الحديث، وهذه الحادثة، خشيتُ أن يُفهم صمته على أنه “علامة المواقفة” على ما جاء بالحديث، وكنت أميل إلى تصديق رأى الغيطانى والقعيد، فيما يتعلق بالكاتب “فلان..”، لكننى لم أفهم تعقيب الغيطانى فيما يتعلق بزيارة البسيونى لقهوة ريش، وعلاقة ذلك برواية الكرنك.

فجأة، تقدم‏ ‏أحد‏ ‏الجالسين‏ ‏فى ‏النادى ‏وسلم‏ ‏على‏ ‏الاستاذ‏ ‏مباشرة‏ ‏دون‏ ‏إذن‏ ‏حارسه‏ ‏الخاص، وأثناء ‏ ‏ذهابى مع الأستاذ ‏إلى ‏دورة‏ ‏المياه‏ متأبطا ذراعه، ‏قابلنا‏ ‏عدة‏ ‏أشخاص‏ ‏وتقدموا‏ ‏نحوه‏ ‏يهنئونه‏ ‏بالسلامة‏ ‏دون‏ ‏اعتراض‏ ‏حارسه‏ ‏الخاص، لم يسألهم الحارس من هم، كان من المستحيل أن يسألهم أو يحول دون اندفاعهم نحو الأستاذ ووجوههم ممتلئة بالحب والفرحة، لم يكن قد مضى على الحادث الأليم سوى أسابيع، ويبدو أن الناس كانوا فرحين غير مصدقين وهم يرون رجلهم، حبيبهم، يخطو بينهم من جديد، فما لزوم هذا الحارس هكذا أصلا؟‏

منذ هذه اللحظة ‏كنت على‏ ‏يقين‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الحراسة‏ ‏الخاصة‏ ‏لا‏ ‏تمنع‏ ‏إلا‏ “‏القضا، ‏المستعجل‏” ‏مثل‏ ‏الباب‏ ‏المقفول‏ ‏كما كانوا يقولون فى‏ ‏بلدنا، ‏أما‏ “‏القضا”‏ ‏الناوى ‏أو‏ ‏المصمِّم مع سبق الإصرار، ‏فلا‏ ‏رادّ‏ ‏له‏ ‏إلا‏ ‏لطف‏ ‏الله‏ ‏ورحمته‏، قلت ذلك للأستاذ مرارا، ولم يعقـِّب، لكننى حين ألححت فى إبداء هذه الملاحظة الخائبة، هز رأسه وقال: “دعهم يعملون ما يرونه أصلح، فأنا مطمئن بما يعملونه، وبما لا يعملونه”، فرحتُ به، وحمدت الله أن الحادث لم يهز هذه الطمأنينة، برغم ما شاع من أن سبب الحادث هو رفضه مثل هذه الحراسة حين عـُرِضَتْ عليه قبل الحادث، ولم أتأكد من هذا التسبيب بشكل جازم أبدا، لكننى من واقع الخبرة اللاحقة، لاح لى أن مثل هذه الحراسة، ولا جدوى منها، أو لعلها نوع من “التخويف عن بعد”، لست أدرى.

حين رجعنا من دورة المياه كان الجميع قد انهمكوا فى نقاش جديد تشعب حتى اقترب من منطقة ‏‏الحكومة‏ التحتية ‏والأدوار‏ ‏السرية‏ ‏للمخابرات، وربما تسلسل من سيرة رواية الكرنك، وحمزة البسيونى، وجدت أن المجتمعين لهم مهارة خاصة جدا فى الحسم والتسبيب طول الوقت، وتعجبت من حدة ذاكرة الجميع بلا استثناء تقريبا، كانوا يتذكرون الأحداث، ويحكون الحوارات باسم الله ما شاء الله، وهم يحفظون أسماء‏ ‏المشاركين‏ ‏والممارسين‏ ‏والمهددين‏ ‏والمبتزين‏… والوسطاء، وينقلون الاتفاقات والتدبيرات، وما جرى وما لم يجر بمنتهى الدقة وكأنهم كانوا حاضرينها رأى العين، مع أنها كلها – تقريبا- أحداث علاقات سرية وتجسس ومخابرات ومباحث، وحجرات، وأسرَّة، وكلام من هذا، ولقلة خبرتى بكل هذا، رحت أتساءل: من أين لهم كل هذا اليقين، لمْ أرفض الجارى، إيش عرفنى أنا! ولم أقبله، ولم أعلـِّق، ‏وظل‏ ‏الأستاذ‏ ‏صامتا، يا ترى هل يساوره ما ساورنى؟ من‏ ‏أين‏ له هو الآخر‏ ‏أن‏ ‏يجزم بالإيجاب أو بالنفى، ‏تمادَى ‏ ‏المتحدثون‏ فى ذكر التفاصيل حتى ‏ذكروا‏ ‏أسماء‏ ‏ممثلات‏ ‏شهيرات،‏ ‏وسياسيين‏ ‏قدامى بعضهم امتد دوره حتى أصبح مهما جدا حتى الآن، كما تحدثوا عن ‏ضيوف‏ ‏مهمين من العرب، وكلام من هذا، ‏ ‏وأخبار‏ ‏كثيرة كثيرة رُوِيَتْ بمنتهى الثقة والحماس، رحت أرجِع النظر إلى الأستاذ فأجده متمسكا بصمته، ولا أجرؤ أن أساله عن رأيه فيما يقال، فقد بدا لى أنه قد اتخذ قرارا حاسما بالعزوف عن‏ ‏الاشتراك‏ ‏فيما‏ ‏لا‏ ‏يقين‏ ‏فيه من حكايَا، ‏حاولتُ أن أقلده وأدفع تساؤلاتى بعيدا عنى، لكن أبداً، مازالت تلح: من أين لهم كل هذا اليقين بكل هذه الدقة يا ربى؟ التفتُّ إلى الحارس دون سبب، فوجدته قريبا جدا بحيث يصله الحديث كاملا تماما، حاولت أن أقرأ وجهه فوجدت أن ما به لا يدل إلا على حب استطلاع أو محاولة تصديق أو دهشة شك، تساءلت: هل يا ترى من ضمن مهمته أن يبلغ الجهات الرسمية إذا ما عرج الحديث إلى هذه الشخصية أو تلك؟ لا أعرف، لا أظن، وزاد ترجيحى أن أعتبره مجرد تكملة للصورة الأمنية، بدا لى كأنه مثل خيال المآتة (عصاة طويلة مُصلـَّب أعلاها، مغطاة الرأس، كأنها شخص واقف) وهو الفزّاعة التى نضعها فى بلدنا وسط الزرع لنخيف الغربان من بعيد لبعيد، هذا الحارس ‏-غالبا- ‏ ‏لا‏ ‏يمنع‏ ‏شيئا، ‏ولا‏ ‏يحمى ‏أحدا، لكنه ينفذ أوامر من أصدرها، وهو أدرى بجدواها، ربما.

ذات مرة: فاتحتُ‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏الاستغناء‏ ‏عن الحارس‏ ‏شارحا‏ ‏وجهة‏ ‏نظرى، ‏ ‏متصوِّرا ‏ ‏أننا‏ ‏نكون‏ ‏أكثر حرية ‏ ‏بدونه([17]).

‏ مقتطف:

….‏أثناء‏ ‏عودتنا‏ ‏وحدنا‏ ‏فى ‏العربة‏ ‏الثنائية‏ ‏والتى ‏خلصتنا‏ ‏للمرة الثانية‏ ‏من‏ ‏الحارس‏ ‏الخاص‏ ‏قلت‏ ‏له‏ ‏هل‏ ‏تعلم‏ ‏أن‏ ‏الحارس‏ ‏الخاص‏ ‏هذا‏ ‏تقليد‏ ‏عربى ‏قديم‏ ‏وأن‏ ‏الجوارى ‏الحسان‏ ‏كان‏ ‏يعين‏ ‏لهن ‏حارس‏ ‏خاص‏ ‏من‏ ‏الخصيان‏ ‏يلازمهن ‏طول‏ ‏الوقت‏ ‏ليراقبهن ‏من‏ ‏ناحية، ‏ويحميهن‏ ‏من‏ ‏المعاكسات،‏ ‏والذى منه، ‏من ‏ناحية أخرى، ‏فاستزادنى، ‏فقلت‏ ‏له‏ ‏ما‏ ‏قرأته‏ ‏يوما‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏أتذكر‏ ‏إسم‏ ‏الشاعر‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏جارية ‏مليحة‏ ‏عينوا‏ ‏لها‏ ‏حارسا‏ ‏خـِصـِيـًّا‏ ‏خاصا‏ ‏إسمه‏ ‏سِنانْ، وكان‏ ‏يمنع‏ ‏أى ‏اتصال‏ ‏وأى ‏تواصل‏ ‏وأى ‏اقتراب‏ ‏منها، بما فى ذلك محاولات‏ ‏هذا‏ ‏الشاعر‏ ‏الذى يهيم بها بوجه‏ ‏خاص‏ ‏رغم‏ ‏ما‏ ‏اسشعره‏ ‏الشاعر‏ ‏من‏ ‏مودة‏ ‏حاضرة‏ ‏مرسلة‏ ‏عبر‏ ‏رسائل‏ ‏خفية، ‏فقال الشاعر المحب‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏شعرا‏ ‏قلته للأستاذ بنصّه، لكننى مضطر‏ ‏إلى ‏تحويره‏ ‏وحذف‏ ‏بعضه‏ ‏لزوم‏ ‏النشر‏، قلت للأستاذ الشعر كاملا، لكننى اكتفيت الآن بالبيت الأول، وحجبت البيت الثانى عن النشر

ظبيى سنانٌ شريكى، فيه فبئس الشريك

…………………..

ويضحك‏ ‏الأستاذ‏ ‏فأكمل‏ ‏له‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏المعنى ‏من‏ ‏نفس‏ ‏الشاعر‏ (بعد التحوير):‏

لله‏ ‏ضرّى ‏لظبىٍ      ‏يحبنى ‏وأحبه

إذا‏ ‏رآنا ‏سنانٌ ‏       ‏يُهينُه‏ ‏أو‏ ‏يذبّه

هـَبـْه‏ ‏أجاب‏ ‏سنانا‏ (‏يرومه‏) ‏أين‏ (‏دربه‏)‏

‏(‏وما‏ ‏بين‏ ‏قوسين‏ ‏ليست‏ ‏الكلمات‏ ‏الأصلية لكنها تحوير من عندى ودون كسر الوزن)

ويضحك‏ ‏الأستاذ‏ ‏من‏ ‏جديد، ‏فأقول‏ ‏له‏ ‏أنظر‏ ‏فائدة‏ ‏عدم‏ ‏وجود‏ ‏حارس معنا الآن، ‏لو‏ ‏كان‏ ‏معنا‏ ‏فى ‏السيارة‏ ‏الآن‏ ‏ما‏ ‏جرؤت‏ ‏أن‏ ‏أنشد‏ ‏هذا‏ ‏الشعر‏ ‏هكذا، فيقول‏: ‏”هذا‏ ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يبلغ‏ الحكومة ‏ ‏أننا‏ ‏نهين‏ ‏سِنانا‏ ‏الذى يمكن أن يكون عضوا فى الحزب ‏ ‏الوطنى”.

‏أكملت حديثى‏ ‏إشفاقا‏ ‏على ‏هذا‏ ‏الحارس‏ ‏الشاب‏ ‏الذى ‏يجلس‏ ‏ولا‏ ‏يجلس، ‏ينظر‏ ‏ولا‏ ‏يشارك، ‏يبتسم‏ ‏ولا‏ ‏يحاور، ‏وفوجئت‏ بالأستاذ يقول لى: “أبدا، ‏نحن‏ ‏نأتنس‏ ‏به‏ ‏وهو‏ ‏معنا، ‏ثم‏ ‏هو‏ ‏يشارك‏ ‏بطريقته، ‏دع‏ ‏الأمور‏ ‏تجرى ‏كما‏ ‏رُتبت، ‏هم‏ ‏أعلم‏ بما يفعلون، كيف ولماذا”.

 هل‏ ‏تراجع‏ ‏شيخنا‏ ‏عن‏ ‏استغنائه‏ ‏عن‏ ‏حرس‏ ‏الدنيا‏ ‏اطمئنانا‏ ‏فائقا‏ ‏لعين‏ ‏الله‏ ‏الحارسة، ‏هل هى آثار‏ ‏الحادث‏ ‏تطل‏ ‏فى ‏وعيه‏ بين الحين والحين ‏بشكل‏ ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏أتوقعه‏ ‏هكذا، ‏عنده‏ ‏حق، ‏وقلت‏ ‏إن‏ ‏ستر‏ ‏الله‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يرى ‏بوضوح‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏القوى ‏والحراسة‏ ‏والإجراءات‏ ‏التى ‏خطر لى‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏معنى ‏لها، ‏ورجحت أن زوجته‏ ‏الفاضلة‏ المحبة ‏تخاف‏ ‏عليه، وتحرص على سلامته ‏أكثر فأكثر‏، فتعمل حسابا لكل‏ ‏ما‏ ‏يجرى‏ ‏ويحتمل أن يجرى،‏ كان الله معهما ومعنا.

أى ‏سجن‏ ‏جديد‏ ‏‏نسير داخله‏ ‏وهو يحيط بنا بأمر الحكومة، ‏وإلى ‏متى ‏يحتمل‏ ‏الاستاذ؟

لكن‏ ‏الاستاذ‏ ‏راضٍ‏ ‏كالعادة، ‏مستسلم‏ ‏للتعليمات، ‏يتحرك‏ ‏فيما‏ ‏تبقى ‏من‏ ‏مساحة، ‏بما تبقى من‏ ‏بصر، ‏ومن‏ ‏سَمَع، ‏ومن‏ ‏أصدقاء‏.‏

أعظم‏ ‏أنواع‏ ‏الاستسلام‏ ‏بدأت‏ ‏أتعلـًّمُهَا، ‏وأسميها‏ ‏أسماء‏ ‏أفضل‏ ‏مثل‏: ‏الرضا، ‏التكيف، ‏الواقعية، ‏الحكمة، ‏يبدو‏ ‏أننى ‏سأتعلم‏ ‏الكثير‏ ‏الكثير،

 ‏تلميذ فى‏ ‏العقد‏ ‏السابع‏ ‏واستاذ‏ ‏فى ‏العقد‏ ‏التاسع، ‏خبرة‏ ‏جديدة‏ ‏رائعة‏: ‏إلى‏ ‏أين؟

*****

 

الحلقة الخامسة

دعوة للانضمام للحرافيش

الاثنين:‏ 26/12/1994

قال‏ ‏الاستاذ: ‏الآن‏ ‏نحن‏ ‏نخرج‏ ‏الجمعة‏ ‏والثلاثاء، ثم أضاف: ‏وقد‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نعيد لقاء‏ ‏الحرافيش‏ ‏بعد‏ ‏المحاكمة‏ ‏كل‏ ‏خميس.

 لماذا يشغل باله بالمحاكمة، ماله هو بها الآن، هم مجرمون مساكين، وسوف يأخذون جزاءهم لا أكثر ولا أقل، قال: “ربما صدر حكم شديد، فيثير زملاءهم وأشياء من هذه”، قلت له: “وما لهذا بخروجنا الخميس أو الثلاثاء؟ قال “ربما كان الإقلال من الخروج أفضل حتى تهدأ الأمور”، لم أوافق، خاصة وأننى لم أعتبر أبدا أن فى الخروج خطر ما، ولا أن البقاء بالمنزل هو الحماية، فالخطر فى عقولنا وليس فى الشارع، لم أشاهد عليه أى خوف وهو يحكى هذا الكلام، كان هو الرجل الذى يسمع كلام المختص الرسمى، فما دامت الحكومة ترى، أو هو يتصور أنها ترى أن ثّم خطرا، فليكن، أوصلت له رأيى، أنه أكثر الله خير الحكومة، ولكن للمسألة حسبة أخرى، ووافق بسهولة على أن أقوم بتنظيم الخروج، جرعته وأماكنه وأن أعمل حساب دواعى الأمن، وضحك، قلت كله إلا أن تحمل همّ عمل حساب دواعى الأمن”، ضحك وقال: “خلها على الله”.

قال فجأة ونحن فى المنزل: ‏ما‏‏زلتُ‏ ‏أدعوك‏ ‏للانضمام‏ ‏إلينا، إلى الحرافيش، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏وأنا‏ ‏أحاول‏ ‏أن‏ ‏أخفى ‏رغبتى فى ذلك‏، حتى عن نفسى، هذا تاريخ‏ ‏طويل‏ ‏وأحسب‏ ‏أنها‏ ‏دائرة‏ ‏مغلقة‏، أنا لا أعرفهم، ولا اعرف من ذهب ومن تبقى منهم؟ شكرته على دعوته، لكنه أكد لى أن الأمر ليس كذلك، أو أنه ‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏كذلك، ‏فلا‏ ‏أحد‏ ‏بقى منهم سوى‏ ‏توفيق، ‏ثم‏ ‏أردف: ‏”هيا ابحث لنا عن‏ ‏يوم‏ ‏منتظم‏ ‏آخر‏ ‏نخرج‏ ‏فيه أيضا”، فرحت بمبادآته المتلاحقة التى تدل على قراره بمواصلة الحياة بكل حب وشوق، ‏اقترحت‏ ‏الفاضلة‏ ‏زوجته‏ ‏مكانا‏ ‏تعرفه‏ ‏وهو‏ ‏نادى ‏المخابرات، وأخبرتـْنَا أنه ‏‏على‏ ‏طريق‏ ‏المعادى وأنه جميل وكذا وكيت، ‏ابتسم‏ ‏الأستاذ‏ ‏وقال‏ ‏هذا‏ ‏ناد‏ ‏خاص لعـِلْية القوم‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏واسطة‏ ‏كبيرة، ‏تدخلتُ‏ ‏مذكرا‏ إياه ‏أنه‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ، ‏وأنه‏ ‏واسطتنا‏ جميعا ‏إلى ‏أى‏ ‏مكان‏ ‏مهما بلغت مرتبته، ‏فمضى يـُكمِل‏ ‏وكأنه‏ ‏لا‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يضع‏ ‏هذا‏ ‏المتغير‏(أنه نجيب محفوظ) ‏فى ‏حسابه، ‏وحدثنى ‏عن‏ ‏زوجة‏ ‏ابن‏ ‏أخيه‏ (‏سنية‏ ‏هانم‏) ‏وأن‏ ‏لها‏ ‏قريب‏ ‏فى ‏المخابرات‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏واسطتنا‏ – ‏عدت‏ ‏أذكـِّره بإصرار أننا لا نحتاج واسطة لنذهب إلى أى مكان، وأننى كنت أحسبه يمزح وهو ينسى قيمته التى لا تحتاج وسيط، هز رأسه بتواضع وابتسم‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يرد‏ ‏مباشرة، ‏ثم راح يشرح نفسه بأنه يعرف أن كل الأماكن الأخرى يمكن ترتيب وتذليل ارتيادها من خلال السلطات الأمنية المعينة لنا من قبل الدولة، ‏أما‏ ‏المخابرات، ‏وضحك، وعرفت برغم ضحكه أنه جاد، ‏واحترمتُ‏ ‏إصراره‏ ‏على‏ ‏أن‏ ‏يشعر‏ ‏بمشاعر‏ ‏شخص‏ ‏عادى، ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏زوجة‏ ‏ابن أخيه، ليتوسط لنا قريبها الذى فى المخابرات، لكى ‏ ‏يسمح‏ ‏لنا‏ ‏بكذا‏ ‏أو‏ ‏كيت، من هذا الرجل؟ ‏هذه‏ ‏الشخصية‏ ‏الفريدة‏ ‏تصر‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏مجرد‏ ‏إنسان‏ ‏مصرى ‏عادى جدا إلى هذه الدرجة، وتذكرت تنبيهه لى إلى تجاوز يوسف القعيد حين نسى المعنى الرسمى لمطالب مستشفى الشرطة، وكيف قال لى آنذاك “أنا كموظف…إلخ “([18])، الناس فى بلدنا – وهو الأعلم بناس بلدنا، يعتبرون أن ‏ ‏أى‏ ‏واحد‏ ‏له‏ ‏صلة‏ ‏بالحكومة‏ ‏هو قادر على كل شىء، كان جمال الغيطانى قد ‏ذكر‏ ‏لى ‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏بعض‏ ‏الخطابات‏ ‏أو‏ ‏الزوار‏ (‏لست‏ ‏متأكدا‏) ‏كان‏ ‏يطلب‏ ‏من‏ ‏الاستاذ‏ ‏بعد‏ ‏الحادثة‏ ‏أن‏ ‏يتوسط‏ ‏له‏ ‏فى ‏استلام‏ ‏شقة‏ ‏شعبية، ‏حكيت له حكاية ‏ ‏حلاق‏ ‏قريتنا‏، عم محمود المزيـِّن، وهو‏ ‏يطلب من ‏ ‏أبى – ونحن فى إجازة الصيف فى القرية – يطلب منه ‏بصفته‏ ‏مدرس‏ ‏فى ‏المدارس‏ ‏الأميرية‏ ‏أن يوصى حضرة الناظر على‏ ‏إبنه‏ ‏فى ‏مدرسة‏ ‏شبين‏ ‏الكوم‏ ‏التجارية، مع أن بلدنا كانت مركز السنطة غربية حتى ذلك الحين، ‏وكان‏ ‏أبى ‏قد‏ ‏نقل‏ ‏حديثا‏ ‏إلى ‏القاهرة، ‏وحين‏ ‏سأل أبى عم “محمود” عن‏ ‏اسم‏ ‏ناظر‏ ‏المدرسة‏ ‏أو‏ ‏عنوانه‏ ‏أو‏ ‏أى‏ ‏شيء‏ ‏يشير‏ ‏إليه، ‏لعله يتمكن من تنفيذ مطلبه، ابتسم ‏عم‏ ‏محمود‏ ‏المزين‏ فى عتاب ‏و‏ثقة‏ ‏وهو يتعجب، قائلا‏ لأبى: “‏إهييه‏!!! ‏ما‏ ‏هو‏ ‏ويـّاكو‏ ‏فى ‏مصر”‏!! ‏ويبدو أنه كان قد بلغه خبر نقل أبى إلى القاهرة، فاعتبر أن مجرد وجود والدى فى القاهرة، حيث يسكن ناظر مدرسة شبين الكوم فيها ويحضر إلى شبين يوميا، هو كاف لأن يتعرفا على بعضهما البعض، وبالتالى يمكن لأبى أن يتوسط عند الناظر لابنه ليأخذ باله منه فى المدرسة، حكيت للأستاذ هذه الحكاية وأنا اداعبه أنه ما دام فى مصر، ورئيس نادى المخابرات “وياه فى مصر”، فنحن لا نحتاج إلى وساطة قريب زوجة ابن أخيه!! ضحك الأستاذ وهو يلتقط ما أريد، وربـَّت على كتفى، وقال: مصر أصبحت كبيرة أكبر مما كان يحسب عمك محمود المزين، وأنا لم أعد موظف أميرى مثل المرحوم والدك.

مـَنْ هذا الرجل؟ هل هو ينكر قيمته أم ينساها؟ تواضعا بسيطا !، هذا هو ما هو، يا ترى هل تكون قيمته الحقيقية، أنه إنسان يسعى فى الأرض، هى أكبر من قيمته التى تصل إلى الناس وحوله كل تلك الهالات، أنا لست أمام عباس العقاد بذاته العملاقة التى حسبتُ يوما حين كنت مواطنا فى مصر الجديدة، أننى أصبحت من مواطنى العقاد مادام هو “ويانا فى مصر الجديدة” وكنا نتحدث عن صالونه ونحن فى بيت أستاذى محمود محمد شاكر، الذى كان يضعه حيث يريد فقط، أو ربما حيث هو، خطر لى أيامها شاطحاً (كان عمرى 14 سنة) أن فرط طول قامة العقاد، وكان قد جاء ذكرها على لسان الأستاذ شاكر ذات مرة، خطر لى – بينى وبين نفسى باسما– أن هذا الطول هو قرار من العقاد شخصيا، ليثبت أنه أعلى من الآخرين، هذا الرجل الذى أجالسه الآن ليس العقاد، ولا هو طه حسين، وقد حكى لى لاحقا عن زيارته لبيت طه حسين، فى لقاء مشهور أعده أنيس منصور، وسُجل تليفزيونيا وأظن أنه أعيد عرضه عدة مرات، وقد يأتى ذكره لاحقا فى هذه التداعيات، إنه فقط ‏نجيب‏ ‏أفندى ‏محفوظ، “عبد ربه”‏: ‏المصرى ‏الطيب‏ ‏القادر‏ ‏على‏ ‏الحفاظ‏ ‏على نفسه العادية جدا، باحثة تائهة ذلك التوْه الإيجابى القادر بين دروب المعرفة، عبد ربه التايه (أنظر بعد) ([19])، ربما هذا هو أجمل ما فى الرجل.

 حين ورد ذكر ملحمة الحرافيش وكيف أنها لاقت نقدا جديرا بها ‏فى لندن ‏بعد‏ ‏ترجمتها‏‏ ‏اقترح‏ ‏أحد‏ ‏الجلوس‏ ‏أن‏ ‏يجمع‏ ‏الاستاذ‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يُكتب‏ ‏عنه ليكون مرجعا موثقا مهما للتاريخ ولنا وله، رد ‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏مرت عليه فترة كان يجمع فيها ‏ما‏ ‏يصله‏ ‏عنه أو عن كتاباته، أولا بأول، من مثل ذلك مما يكتب هنا وهناك، ثم ‏ أردف أنه كان يرجع إلى هذا الذى جمعه بين الحين والحين يقلِّب فيه، فيجده مكررا بشكل أو بآخر، وحين‏ ‏ضعف‏ ‏بصره، ‏أصبح‏ ‏يمزق‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يأتيه‏ ‏أولا‏ ‏بأول‏ ‏خشية‏ ‏أن‏ ‏يمتليء‏ ‏البيت‏ ‏بالأوراق المعادة، ثم راح يمزق الباقى تدريجيا بعد أن عجز عن ترتيبه، وهنا اقترح‏ ‏أحد‏ ‏الحاضرين‏ ‏أن‏ ‏نتولى ‏نحن عنه‏ ‏فرز ما عنده من أوراق وتصنيفها، ‏فابتسم شاكرا وهو يؤكد أنه “ما يستاهلشى”، ما هو هذا الذى لا يستأهل يا سيدى؟ لماذا هكذا؟ لا أعتقد أن ما بهذه الأوراق مجرد مديح ساذج، بل إننى أتصور أن به لمحات نقدية وإنسانية قد تكون نادرة وهامة وبالغة الدلالة، حاولتُ أن أحتج على موقفه هذا، لكنه لوّح بيده وهو يقول، أنا مَلـِكُ التمزيق، كلما تراكم عندى كوم من الأوراق لا أعرف ما بها، أو لا أهتم به، أبادر بجمعها وهات: “شرْمَطْ، شرْمَطْ، شرْمَطْ”، وإلا فإننا لن نجد مكانا ننام فيه.

ابتسمتُ مرغما، وأحببته جدا.

 ‏ولما‏ ‏كانت‏ ‏الزوجة‏ ‏الفاضلة‏ ‏هى ‏صاحبة‏ ‏اقتراح‏ ‏نادى ‏المخابرات‏ ‏فقد‏ ‏تصورت أنها يمكن أن تصحبنا هى وكريمتيه، وألمحت لزوجته الفاضلة إلى استعدادى أن تصحبنا زوجتى، وقد واكبتْ خروجه من المستشفى كما ذكرت سابقا، وربما اصطحبتنا بنتاى إذا وافقت كريمتاه، كل هذا وأنا أتصور أن اقتراح الزوجة الفاضلة لهذا المكان (نادى المخابرات) كان وراءه هذا الاحتمال، وهو أن يخصص يوما من أيام خروجه ليكون مع أسرته الصغيرة الجميلة، أذكر أننى أوصلت له هذا الاقتراح من بعيد لبعيد، فلاحظتُ أنه تعجب للاقتراح جدا ولم يعقِّب، وحين أعدت النظر إلى وجه زوجته الكريمة فهمتُ منه أنها تنبهنى أننى لا أعرفه، وحين استمر عدم فهمى، أشارت لى ما معناه أن هذا يتوقف عليه، وحين تمادى فى صمته، اعتذرتْ برقة مهذبة: أن هذا قد لا يتناسب مع وقت البنات وعملهما، وفهمت أكثر تقاليد هذه الأسرة الكريمة، ولزمتُ حدودى جدا، ولم أعد لمثل هذه الاقتراحات العائلية ثانية أبدا.

سألته‏ ‏عن‏ ‏الدكتور‏ ‘‏فتحي‏’ ‏صاحب‏ ‏الفضل الأول – بعد الله- فى إنقاذه ‏ ‏يوم‏ ‏الحادث، ‏وكيف‏ ‏أننى ‏لم‏ ‏أره‏ ‏بين أصدقائه وقد مضى شهران من صحبتى إياه، ‏فذكره‏ ‏بخير‏ ‏كثير، ‏ولكننى ‏كنت‏ ‏أبحث‏ ‏عن‏ ‏عاطفة‏ ‏أخرى‏ ‏لمستُها‏ ‏وهو‏ ‏يذكر‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏أو‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏بوجه‏ ‏خاص، ‏ما وصلنى منه عند ذكر د.فتحى هو مزيج من عاطفة قوية صادقة، وعرفان طيب جدا، لكنه مختلف، ‏وقال‏ ‏الاستاذ‏ بطيبة محبّة ‏إنه‏ (‏د‏. ‏فتحي‏) ‏يزوره‏ ‏عادة‏ ‏مساء‏ ‏الجمعة‏.‏

سألته‏ ‏أن يفصّل لى بعض ما‏ ‏حكاه‏ ‏يوم‏ ‏الجمعة‏ ‏السابق‏ ‏من‏ ‏حديثه‏ ‏عن‏ ‏الشيخ‏ ‏الخضرى ‏وحواره‏ ‏مع‏ ‏سعد‏ ‏باشا‏ (‏زغلول‏) ‏فأعاد كيف‏ ‏أن‏ ‏سعد‏ ‏باشا‏ ‏سأل‏ ‏الشيخ‏ ‏الخضرى ‏عن‏ ‏مصادره‏ ‏فى ‏كتابة‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏يناقشه‏ ‏فيه‏ ‏من‏ ‏إسلاميات‏ (‏فى ‏التاريخ‏ ‏على‏ ‏ما‏ ‏أذكر‏) ‏فأجاب‏ ‏الشيخ‏ ‏الخضرى ‏إجابة‏ ‏جعلت‏ ‏سعد‏ ‏باشا‏ ‏يتقصى أكثر، ثم يعقب للشيخ الخضرى: “‏إن‏ ‏ما‏ ‏رجعتَ‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏مراجع‏ ‏هو‏ ‏نفسه‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏مراجعة‏”، وعقب الأستاذ أنه: ‏من‏ ‏هنا‏ ‏كانوا يزرعون فينا ‏ ‏الحرية‏ ‏الفكرية‏ ‏حقيقة‏ ‏وفعلا‏.

كذلك‏ ‏رحت‏ ‏أتأكد‏ ‏من‏ ‏اسم‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏ذكره‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الجلسة‏ (‏الجمعة‏) ‏وهو‏ ‏اسم‏ ‏الشخص‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏يبالغ‏ ‏فى ‏الدعوة‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏نتبع‏ ‏الغرب‏ ‏حذوك‏ ‏النعل‏ ‏بالنعل‏ (‏أو‏ ‏حذوك‏ ‏الكأس‏ ‏بالكأس‏ – ‏كما‏ ‏قيل قياسا‏) ‏فقال‏ ‏إنه‏ ‏محمود‏ ‏عزمى، ‏وحين‏ ‏ذكـّـرته‏ ‏بعبد‏ ‏العزيز‏ ‏باشا‏ ‏فهمى ‏الداعى ‏إلى ‏كتابة‏ ‏العربية‏ ‏بالحروف‏ ‏اللاتينية، ‏قال‏: ‏إنهم‏ ‏كانوا‏ ‏لهم‏ ‏نفس‏ ‏التوجه‏.‏

الحلقة السادسة

قصيدة بشرية رائعة

الثلاثاء:‏ 27/12/1994

الساعة‏ ‏السادسة‏ ‏إلا‏ ‏ربع‏ – ‏موعد‏ ‏الأستاذ – ، أدق جرس الباب السادسة إلا دقيقتين، أو دقيقة، ونكون فى العربة فى السادسة ودقيقة، أصبحت الدقائق عندى أكثر امتلاءا، وأحْكَمُ تتابعا، ‏استأذنتُه‏ ‏أن‏ ‏أوصّله‏ إلى العوامة فرَحْ بوتْ، ‏ثم‏ ‏أذهب‏ ‏إلى‏ ‏ندوة‏ تعقدها لجنة الثقافة العلمية فى المجلس الأعلى للثقافة، الذى أنا عضو فيها منذ سنوات طويلة، والندوة عن ‏الثقافة‏ ‏العلمية‏‏ والإعلام، ‏فقال‏: “‏لا‏ ‏تتأخر،‏ ‏سننتظرك،‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تحضر‏ ‏قبل‏ ‏الأكل”، ‏هو لا يأكل ‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏المساء إلا ‏‏ ‏قطعة‏ ‏جبن،‏ ‏و”طعمياية”،‏ ‏وفنجان‏ ‏من‏ ‏الينسون‏ (‏أو‏ ‏اثنين‏)، كان‏ ‏يدعونى ‏أن أحضر لأشارك‏ ‏الباقين‏ ‏فى ‏تلك‏ ‏الوليمة‏ ‏الثلاثائية‏ (‏الوقـْفية‏!!: ‏أنظر‏ ‏بعد‏) ‏فطمأنته‏ ‏ونبهت عليه أنه‏‏: “لك‏ ‏سيجارة‏ ‏واحدة‏ ‏وأنا‏ ‏غائب، ‏والثانية‏ ‏حين‏ ‏أعود، ‏فهذا‏ ‏أدعى ‏لتأكيد‏ ‏عودتى ‏وتعميق‏ ‏انتظارك لى”، فهِمَ، و‏ ‏ضحك، ومال إلى الخلف، ‏ ‏وسُررتُ أنا جدا‏.‏

فى ‏ندوة الإعلام والثقافة العلمية، ظل حاضرا‏ ‏معى ‏بشكل‏ ‏ما، ‏فالمقارنات‏ ‏لا‏ ‏تنقطع، ‏ما‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏يجرى ‏فى ‏تلك‏ ‏الندوات؟ ‏ما‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏يجرى ‏بين‏ ‏كل‏ هؤلاء ‏المثقفين؟ برغم‏ ‏أن‏ ‏الندوة‏ ‏كانت‏ ‏غير‏ ‏تقليدية، ‏وأن‏ ‏الحضور‏ ‏كانوا نابهين ومنتبهين، ‏إلا‏ ‏أننى ‏لا‏ ‏أكف‏ ‏عن‏ ‏التساؤل‏ ‏هذه‏ ‏الأيام‏ ‏عن‏ ‏جدوى‏ ‏كل‏ ‏هذا، ‏مع‏ ‏أن‏ ‏الندوة‏ ‏أرحم‏ ‏من‏ ‏المؤتمرات‏ ‏المسمَّاة‏ ‏علمية، ‏والتى ‏أصبحتْ‏ -غالبا- ‏إعلانات‏ ‏عن‏ ‏علم‏ ‏غير‏ ‏قائم، ‏وعلماء‏ ‏ليسوا‏ ‏كذلك، ‏كنت‏ ‏مشغولا‏ ‏أثناء‏ ‏الندوة‏ ‏بمقارنة ما يجرى هنا فى الندوة، بما يجرى فى ‏نقاشنا مع الأستاذ فى ‏ ‏العوّامة‏: “فرحْ بوتْ”‏ ‏الثلاثاء‏ ‏الماضى،‏ ‏رجعت‏ ‏ووجدت‏ ‏الاستاذ‏ ‏مبتهجا، ‏حمدت‏ ‏الله، ‏إلا‏ ‏أننى ‏سمعت‏ ‏بقايا‏ ‏حديث‏ ‏عن‏ ‏شخصين‏ ‏كانا‏ ‏قد‏ ‏حضرا‏ ‏فى ‏البداية، ‏وأن‏ ‏أحدهما‏ ‏مصرى ‏يقيم‏ ‏فى ‏لندن‏ ‏منذ‏ ‏ثلاثين‏ ‏عاما‏ ‏أو‏ ‏أكثر، ‏وأنه‏ ‏أثار‏ ‏نقاشا‏ ‏جرح‏ ‏فيه‏ ‏مصر‏ ‏والمصريين، ‏و‏أنه‏ ‏تكلم‏ ‏من‏ “‏فوق‏” ‏جدا، ‏فنال‏ ‏من‏ ‏الرد‏ ‏والرفض‏ ‏ما‏ ‏اضطره‏ ‏هو‏ ‏وصديقه‏ ‏الذى ‏اصطحبه‏ (‏ابن‏ ‏طبيب‏ ‏مشهور، كان أستاذى‏) ‏إلى‏ ‏الانسحاب، ‏وجعل ‏الاستاذ‏ ‏يتلفت بين الحين والحين ويتساءل‏ ‏أين‏ ‏ذهبَا، ‏لاحظتُ إلحاحه وهو يكرر‏ ‏السؤال، ‏والجلوس‏ ‏فرحين‏ ‏بذهابهما، ‏يذكرون‏ ‏هذا‏ ‏المُهاجر‏ ‏”المثالى على الورق” ‏ ‏بكل‏ ‏سوء. ‏الأستاذ‏ ‏عادة لا يسمع كل الحديث الجارى، إلا ما يقصد المتكلم توصيله إليه مباشرة، فينتقل إلا جوار أذنه اليسرى، ويميل عليه، ويعلىَّ صوته، الأستاذ يصر أن يسأل عن الضيفين، فرجحت أنه يطمئن عليهما، وأن ما نالهما من رفض ونقد لم يجرحهما، وحين‏ ‏عرف‏ ‏أنهما‏ ‏انصرفا‏ ‏غاضبين، بعد أن وصلهما رفض عام تقريبا، ‏ ‏اكتسى ‏وجهه‏ ‏بألم‏ ‏أبوى‏ ‏رقيق، ‏وقال‏ “‏كان‏ ‏لابد‏ ‏من‏ ‏الصبر‏ ‏على‏ ‏النقاش‏ ‏مهما‏ ‏اشتط، ‏لماذا‏ ‏لا‏ ‏نحتمل‏ ‏الاختلاف!!؟”‏ لم‏ ‏يعقب‏ ‏أغلب‏ ‏الحضور‏ ‏فى ‏الاتجاه‏ ‏الذى ‏أشار‏ ‏إليه‏ ‏الاستاذ، وقال بعضهم بصوت لا يصله، إن هذا ليس اختلافا ‏بل‏ وقاحة، أن تنتقد الجارى شىء، ولكن أن تسب بلدك وأنت لم تعد تقيم فيه وتتحمل مسئوليته شىء آخر، جاء تليفون واستـُـدعى الصديق الداعى لهذين الشخصين للرد، وبعد أن ذهب وعاد، أبلغ الحضور والأستاذ أوّلـُنا، أن صديقه المسئول عن هذا الغضب المتبادل، ‏يبلـّغ الجميع والأستاذ خاصة أسفه لما حدث، واعتذاره ‏لاصطحابه‏ ‏لهذا‏ ‏المهاجر‏ ‏المنسلخ‏ ‏عن‏ ‏جلده‏،‏ ‏الناسى ‏أصله‏… إلخ، فرح الحضور ورحبوا بالاعتذار، لكن الأستاذ‏ ‏رفع‏ ‏حاجبيه‏ ‏دهشة‏ ‏لفرحة‏ ‏الحضور، وعلق بأن هذا اعتذار‏ ‏ليس‏ ‏فى ‏محله، وأن الخطأ متبادل، ‏وأثناء‏ ‏العودة‏ ‏ألمحتُ ‏ ‏له‏ ‏أننى ‏لم أجد فى نفسى رفضا مماثلا لحدة‏ ‏النبرة‏ ‏أو حرارة الاختلاف، ‏ ‏وأن‏ ‏إيقاع‏ ‏الحديث‏ ‏هذه الليلة كان ساخنا‏ ‏بالمقارنة‏ ‏بالثلاثاء‏ ‏الماضى، ‏لكنه‏ ‏قال‏: “‏إن‏ ‏الحديث‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏كذلك‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏تحضر، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏لم‏ ‏تضجرنى ‏حدّته‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏آلمنى ‏انصراف‏ ‏الضيفين‏ ‏مغضبين”، ‏ثم‏ ‏أردف‏ ‏مرة‏ ‏أخرى: “‏لماذا‏ ‏لا‏ ‏نطيق‏ ‏الاختلاف‏ ‏هكذا؟‏ ‏إن السماح‏ ينقصنا، علينا أن نكون جادين فعلا فى ‏ ‏تحمل‏ ‏الاختلاف، إن الاختلاف الحقيقى هو الذى يجعلنا نعيد النظر، وبالتالى يتسع الوعى، وتعمُق البصيرة”.

كان قد حضر اللقاء ‏ ‏الناقد‏ ‏المتميز‏ د. “‏صبرى ‏حافظ، كنت قد ‏تعرفت عليه لظروف حكيتها للأستاذ فيما بعد، ولم أكن قد التقيته بعد تلك الظروف إلا هذا اليوم، لم أفتح معه موضوعى الخاص أصلا، وفرحتُ بحضوره جدا، على خلاف الضيفين اللذين انصرفا غاضبين، بدا حضور د. صبرى ملطـِّـفًا يعادل الموقف، فها هو مصرى آخر يقيم فى لندن باستمرار تقريبا، ويقوم بدور متميز فى عمله وإنتاجه الناقد كما بلغنى، بل إنه يكاد يمثل ‏ما‏ ‏يشبه‏ ‏المَعْبَر‏ ‏السلسل‏ ‏بين‏ ‏الإبداع‏ ‏الأدبى ‏العربى ‏وبين‏ ‏المجتمع‏ ‏الثقافى ‏الانجليزى (‏أو‏ ‏المتحدث‏ ‏بالانجليزية‏)‏، ‏كان‏ ‏حضوره‏ ‏تعويضا جيدا عما بدر من الضيفين المنصرفين، هو‏ ‏حضور‏ ‏إبن‏ ‏بلد‏ ‏مصرى ‏جدا، ‏يشير‏ ‏إلى‏ ‏حدث‏ ‏أو‏ ‏علاقة‏ ‏صافيه‏ ‏بـِكر‏ ‏بأنها‏ “‏على ‏ميه‏ ‏بيضا‏”، مثل أولاد البلد، ‏فـَرِحْتُ‏ ‏به، ‏وأبلغته ‏ ‏بهذه‏ ‏الفرحة‏ ‏بأنه‏ ‏لم‏ ‏ينس بلده ولا اللغة الشعبية الجديدة، ‏ورحب بتعليقى، ‏إذ‏ ‏كيف‏ ‏ينسى ‏ما لا‏ ‏يُنسى، ‏وتطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏تراجم‏ ‏محفوظ‏، ‏وأن ملحمة‏ ‏الحرافيش‏ ‏بترجمتها‏ ‏ونقدها‏ ‏قد‏ ‏أخذت‏ ‏حقها‏ ‏بشكل‏ ‏واسع‏ ‏طيب‏ ‏فى ‏مجتمع‏ ‏لندن‏ ‏الثقافى، وعند المتحدثين بالإنجليزية كافة، ‏وأنهم‏ ‏قد‏ ‏التقطوا‏ ‏ما‏ ‏بها‏ ‏من‏ ‏أصالة‏ ‏وجده‏ ‏بشكل‏ ‏ملأ‏ ‏الوعى ‏وشغل‏ ‏الناس، ‏فرح‏ ‏الأستاذ‏ ‏فرحته‏ ‏الهادئة، ‏كما‏ ‏داخله‏ -حسب‏ ‏ظنى- ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الرضا‏، ‏والدكتور‏ ‏صبرى ‏يخبره‏ ‏بتزايد‏ ‏توزيع‏ ‏تراجمه‏ ‏فى ‏انجلترا‏ ‏والولايات‏ ‏المتحدة، ‏وفى ‏أمريكا‏ ‏الجنوبية‏ ‏بعد‏ ‏الحادث، ‏لكن‏ ‏الاستاذ‏ ‏ينبهنا‏ ‏إلى ‏أن هذه‏ ‏التقديرات‏ ‏الجزافيه‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تراجع بطريقة أخرى، فالحديث عن التوزيع بالملايين لا يأتى دائما من مصدر ثقة، وقال إنه أحيانا تبلغه مثل هذه الأخبار كأنها صيحة جماهير مشجعى الكرة، وأصدر بصوته الذى ما زال متحشرجا ما يشبه صوت تشجيع الجماهير حين تدخل الكرة المرمى، وضحك الجميع ووافق د. صبرى على تحفظ الأستاذ.

ويدور‏ ‏حديث‏ ‏حول‏ ‏موقف‏ ‏النشر‏ ‏والتوزيع‏ ‏فى ‏انجلترا‏ ‏مثلا، ‏وقال‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏د‏.صبرى ‏حافظ‏ ‏كلاما‏ ‏طيبا‏ ‏وقد‏ ‏اعتبرته‏ ‏يهمنى ‏شخصيا، ‏فقد‏ ‏ذكر‏ ‏أن‏ ‏ ‏رقم‏ ‏ثلاثة‏ ‏آلاف‏ (‏أول‏ ‏طرْحَهْ‏) ‏لأى ‏عمل‏ ‏منشور‏ ‏يعتبر‏ ‏رقما‏ ‏مُرْضيا، ‏أما ‏رقم‏ ‏عشرة‏ ‏آلاف‏ ‏فهو رقم جيد جدا، ثم إن ‏الأرقام‏ ‏تقفز إلى ‏الملايين‏ ‏فعلا‏ ‏فى ‏الرواية‏ ‏البوليسية، ‏وروايات ‏المغامرات‏ ‏أو‏ ‏الجنس، ‏ويهز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏ ‏موافقا‏ “‏أن‏ ‏هكذا‏ ‏معقول‏” ‏ويقول أحدنا ‏ ‏أليست‏ ‏رواية‏ “الطريق”‏ ‏تعتبر‏ ‏رواية‏ ‏بوليسية، ‏ويوافق‏ ‏الأغلب، ‏وأرفض‏ ‏أنا‏ ‏ولا‏ ‏أعلن‏ ‏رفضى، ‏لا‏ ‏ليست‏ ‏رواية‏ ‏بوليسية‏ ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏الوصف هو فى سياق‏‏ ‏أحقيتها‏ ‏بالتوزيع‏ ‏بالملايين‏.‏

وأسأل‏ ‏د‏. ‏صبرى ‏حافظ‏ ‏عن‏ ‏موقف‏ ‏نشر‏ ‏الشعر‏ ‏عامة‏ ‏وتوزيعه، ‏فيقول‏ ‏إنه‏ ‏ضعيف‏ ‏ضعيف، ‏وأؤكد‏ ‏أننى ‏لا‏ ‏أعنى ‏الشعر‏ ‏المترجم‏ ‏وإنما‏ ‏أعنى ‏الشعر‏ ‏بلغة‏ ‏أهله، ‏الشعر‏ ‏الإنجليزى ‏للانجليز‏ ‏مثلا، ‏فيؤكد‏ ‏أنه‏ ‏ضعيف‏ ‏أيضا، ‏ضعيف‏ ‏جدا، ‏وأتساءل‏: ‏هل‏ ‏انتهى ‏زمن‏ ‏الشعر؟‏ ‏أم‏ ‏أن‏ ‏الشعر‏ ‏قد‏ ‏أخذ‏ ‏شكلا‏ ‏جديدا‏ ‏لا‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏القصيدة‏ ‏المألوفة‏، ‏القصيدة‏ ‏بكل‏ ‏أشكالها‏ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏قصيدة‏ ‏النثر، ‏وأصل‏ ‏إلى‏ ‏اقتناع‏ ‏يفسر‏ ‏إحجامى ‏عن‏ ‏آخر‏ ‏دعوة‏ ‏وُجـِّهت‏ ‏إلىّ‏ ‏من‏ ‏أ.د. جابر‏ ‏عصفور‏ ‏للكتابة‏ ‏فى ‏عدد‏ ‏الشعر، ‏طبعا‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏هذا‏ ‏الإحجام‏ ‏قرارا‏ ‏إراديا‏ ‏واضحا، ‏لكننى ‏أكتشفه‏ ‏الآن‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏لم‏ ‏أفِ‏ ‏بما‏ ‏طلب‏ ‏منى،‏ ‏أو‏ ‏بتعبير‏ ‏أدق‏ ‏بما‏ ‏عصى‏ ‏علىّ،‏ ‏لى ‏مع‏ ‏الشعر‏ ‏ونقد‏ ‏الشعر‏ ‏وتعريف‏ ‏الشعر‏ ‏جولات‏ ‏وصولات‏،  ‏أقول‏ ‏إننى ‏تصورت‏ ‏بعد‏ ‏هذه‏ ‏الإجابة‏ ‏من‏ ‏د‏. ‏صبرى ‏حافظ‏ ‏أن‏ ‏الشعر‏ ‏الآن‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يغير‏ ‏شكل‏ ‏حضوره، ‏فهو‏ ‏حتما‏ ‏سوف‏ ‏يتجلى ‏فى ‏إبداعات‏ ‏كثيرة‏ ‏ليس‏ ‏أدلها‏ ‏ولا‏ ‏أهمها‏ ما يسمى ‏القصيدة، ‏قلت فى نفسى إن الشعر ‏ ‏قد‏ ‏يتجلى ‏فى ‏أى‏ ‏إبداع‏ (‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الابداعات‏ ‏العلمية‏ ‏البحتة‏) حين ‏يتصف الإبداع‏ ‏بالجمال، ‏والتصوير‏ ‏المتداخل‏ ‏المكثف، ‏واللغة‏ ‏الجديدة‏، ‏وبأصالة‏ ‏الإضافة، ‏بغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏المحتوى ‏المعرفى ‏والتنظير‏ ‏الرمزى، ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أقول‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ذلك‏ ‏إنه‏ ‏يمكن‏ ‏وصف‏ ‏نظرية‏ ‏علمية([20])‏ (‏فى ‏العلوم‏ ‏الانسانية‏ ‏والعلوم‏ ‏الطبيعية‏ ‏مثلا‏)، ‏بأنها‏ ‏تتحلى ‏بما‏ ‏هو‏ ‏شعر‏ ‏إذا‏ ‏توفرت‏ ‏فيها‏ ‏هذه‏ ‏المواصفات، ‏وأخرى ‏بأنها‏ ‏نظرية‏ ‏نثرية‏ ‏أو‏ ‏رياضية‏ ‏بحتة، ‏إذا‏ ‏افتقرت‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏المواصفات، ‏الشعر‏ (‏فى ‏كل‏ ‏عمل‏) ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يضم‏ ‏الأجزاء‏ ‏إلى ‏بعضها‏ ‏فيوحى ‏بكلية‏ ‏مختلفة‏ ‏عن‏ ‏المضمون‏ ‏وعن‏ ‏مجموع‏ ‏الأجزاء، ‏وبالتالى ‏يختفى ‏الشعر‏ ‏كنتاج‏ ‏مستقل‏ ‏بذاته‏ ‏يسمى ‏كذلك، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏الوجود‏ ‏الفردى ‏حتى‏ ‏دون‏ ‏إبداع‏ ‏منتـَج‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏شعرا‏ ‏فى ‏ذاته، ‏فوجود‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏الذى ‏أعايشه‏ ‏هذه‏ ‏الأيام‏ ‏هو‏ ‏قصيدة‏ ‏طويلة‏ ‏رائعة‏ ‏فى ‏ذاتها، ‏فهو يبدع شعرا بمجرد وجوده برغم ما يزعم أنه كف حاليا عن ‏ ‏الإبداع، ‏وهذا‏ – ‏فى ‏رأيى – ‏قد يصح لظاهر هذه المرحلة‏([21])‏ ‏أما‏ ‏إبداع الحياة شعرا كما أشرتُ حالا، فهو ما ‏يمثله‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏بشخصه‏ ‏لى ‏هذه‏ ‏الأيام‏، ‏هو‏ ‏حضور‏ ‏يشمل‏ ‏ما يتميز به الشعر بشكل أو بآخر، ‏ذلك‏ ‏الحضور ‏ ‏الذى ‏يجمع‏ ‏بين‏ ‏البساطة‏ ‏الكلية‏ ‏والعمق‏ ‏التفصيلى، ‏وهو‏ ‏الذى ‏يفسر‏ ‏احتفاظ‏ ‏الأستاذ‏ ‏بالقدرة‏ ‏على‏ ‏الدهشة‏ ‏الطفلية‏ ‏المتجددة‏ – ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏احتفاظه‏ ‏بالقدرة‏ ‏على ‏اتخاذ‏ ‏الموقف‏ ‏النقدى ‏الصارم‏ ‏من‏ ‏أية‏ ‏مقولة‏ ‏تطرح‏ للمناقشة، ‏حتى‏ ‏ولو‏ ‏بدت‏ ‏بديهية‏ ‏أو‏ ‏مسلمة‏ ‏أو‏ ‏نظرية‏ ‏يقينية،‏‏ ‏الموقف‏ ‏الشعرى ‏هو‏ ‏الذى ‏يجعل‏ ‏حضور‏ ‏وعى ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الشخصية‏ ‏بمثابة‏ ‏صورة‏ ‏جمالية‏ ‏حية، ‏يجدر‏ ‏بنا‏ ‏أن‏ ‏نستقبلها‏ ‏فى ‏كليتها‏ ‏لا‏ ‏أن‏ ‏نقف‏ ‏عند‏ ‏جزئياتها‏ ‏متفرقة، ‏وغير‏ ‏ذلك‏ ‏مما‏ ‏ألهمتنى ‏إياه ‏هذه‏ ‏الليلة.

هل‏ ‏أستطيع‏ ‏القول‏ ‏أن‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏هو‏ ‏الآن‏ – ‏وربما‏ ‏كان‏ ‏دائما‏ – ‏قصيدة‏ ‏بشرية‏ ‏رائعة، ‏لا‏ ‏أقل، ‏حتى ‏لو‏ ‏لم‏ ‏يخطّ‏ ‏حرفا‏ ‏بعد‏ ‏اليوم‏؟‏

نعم‏ ‏أستطيع

ويدور‏ ‏حديث‏ ‏حول‏ ‏كاتب‏ ‏رئيس‏ ‏تحرير‏ ‏مجلة‏ ‏ثقافية‏ ‏شهرية‏ ‏اشتهر‏ ‏بمواقفه‏ ‏الملتوية‏ ‏ذات‏ ‏الأوجه‏ المتعددة، ‏وبقلمه‏ ‏الجاهز‏ ‏ذى ‏السن‏ ‏المدبب‏ ‏حسب‏ ‏توجه‏ ‏البوصلة، ‏ويذكر‏ ‏بعض‏ ‏الشهود‏ ‏ملاحظات‏ ‏حول‏ ‏موقفه‏ ‏من‏ ‏نشر‏ ‏أولاد‏ ‏حارتنا‏ ‏دون‏ ‏إذن‏ ‏صاحبها‏ ‏ولأغراض‏ ‏صحفية‏ (‏وربما‏ ‏شخصية‏ ‏ ‏خاصة‏) ‏ولا‏ ‏يعقب‏ ‏الاستاذ، ‏وإنما‏ ‏يبتسم. ‏الاستاذ‏ ‏عادة‏ ‏لا‏ ‏يعقب‏‏ ‏إذا‏ ‏جرَحَ‏ ‏الحديث‏ ‏غائبا، ‏ولكنه‏ ‏لا‏ ‏ينسحب‏ ‏ولا‏ ‏يدعى ‏مثالية‏ ‏أخلاقية‏ ‏ماسخة، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏يشارك‏ ‏بهز‏ ‏الرأس‏ ‏والتعجب‏ ‏وفرد‏ ‏الظهر‏ ‏مع‏ ‏ضحكته‏ ‏المجلجة‏ (‏المحشرجة‏ ‏الآن‏) ‏أحيانا‏، ‏وابتسامته‏ ‏المتعجبة‏ ‏أو‏ ‏الراضية‏ ‏أحيانا أخرى، ‏وعلينا‏ ‏نحن‏ ‏أن‏ ‏نستنتج ‏ما‏ ‏نريد‏، ‏أصبـْـنا‏ ‏أو‏ ‏أخطأنا‏.‏

تطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏الحريات، ‏ومساحة‏ ‏حركة‏ ‏الفكر‏ ‏فى ‏أوروبا‏ ‏مثلا، ‏فذكرتُ‏ ‏ما‏ ‏قرأت‏ ‏مؤخرا‏ ‏من‏ ‏حديث‏ ‏أدلى ‏به‏ ‏فرانسوا ميتران‏ ‏للتليفزيون‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏ثارت‏ ‏مسألة‏ ‏مرضه‏ ‏بالسرطان، ‏مع‏ ‏اقتراب‏ ‏نهايته‏ ‏الحتمية، ‏وأبديتُ‏ ‏ملاحظة‏ ‏حول‏ ‏إعجابى ‏بشجاعته‏ ‏لإعلانه‏ ‏ذلك‏ ‏مع‏ ‏إعلان‏ ‏تمسكه‏ ‏ألا‏ ‏يترك‏ ‏منصبه‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏إنتهاء‏ ‏مدة‏ ‏رئاسته‏ ‏فى ‏مايو‏ ‏التالى‏ (‏إن‏ ‏كان‏ ‏فى ‏العمر‏ ‏بقية‏) ‏سأل‏ ‏المتحدث‏ ميتران: ‏هل‏ ‏تؤمن‏ ‏بالله، ‏فأجاب‏: ‏هذه‏ ‏مسألة‏ ‏فيها‏ ‏آراء‏ ‏كثيرة‏ ‏مختلفة، ‏فمضى ‏المتحدث‏ يسأل ‏بجرأة‏ ‏أكبر‏: ‏ماذا‏ ‏لو‏ ‏واجهتَ‏ ‏الله‏ ‏بعد‏ ‏الموت، (فى ‏الآخرة‏) ‏فأجاب ميتران‏ ‏بنفس‏ ‏الصدق‏ ‏الجرىء‏: ‏سوف‏ ‏تكون‏ ‏مفاجأة، ‏وسأقول‏ ‏له‏ ‏إن‏ ‏مسألة‏ ‏الخلود‏ ‏هذه‏ ‏مسألة‏ ‏مملة‏ ‏جدا‏ (‏ولم‏ ‏يذكر‏ ‏أى‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏الخلود‏، ‏ولم أذكـِّر للحاضرين ما دار بذهنى ساخراً: من أنه يبدو أن ميتران، الذى أحترمه، وأحترم شجاعته خاصة، لم يصله أن ثَّم خلود فى الجنة، وآخر فى النار!) ‏

علق‏ ‏كثير من الحضور‏ ‏على ‏هذه‏ ‏الرواية، ‏ووافقونى ‏على‏ ‏وصف هذا الموقف ‏بالشجاعة، وأنه دليل على حرية الرأى عندهم إلى هذه الدرجة، ‏فهذا‏ ‏رئيس‏ ‏جمهورية‏ ‏يعلن‏ ‏بصراحة‏ ‏موقفه‏ ‏على‏ ‏الملأ‏ ‏فى ‏التليفزيون،‏ ‏فلا‏ ‏الدين‏ ‏اهتز،‏ ‏ولا‏ أحد ‏أفتى ‏بتكفيره، أو أوصى بإعدامه‏، ‏حسبت‏ ‏أن‏ ‏الاستاذ‏ ‏سوف‏ ‏ينبهر‏ بهذه الرواية وهذه الحرية ‏مثل‏ ‏الآخرين، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏ظل‏ ‏مـُطـْرِقا‏ ‏بعض‏ ‏الوقت، ‏ثم‏ رفع ‏رأسه‏ ‏قائلا‏: ‏لا‏ ‏أظن‏ ‏أنه‏ ‏محق‏ ‏تماما، ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏عند‏ه ‏حق‏ ‏فى ‏الجزء‏ ‏الأول‏ ‏من‏ ‏الإجابة‏ ‏فوجود‏ ‏الله‏ ‏مسألة‏ ‏فيها‏ ‏آراء، ‏وخاصة‏ ‏عندهم‏ ‏بلا‏ ‏أدنى‏ ‏شك، ‏أما‏ ‏الجزء‏ ‏الثانى ‏فإجابته‏ ‏تدل‏ ‏على ‏أنه‏ ‏رجل‏ ‏يفتقر‏ ‏إلى ‏الخيال، ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏تصورت‏ ‏أن‏ ‏الاستاذ‏ ‏سوف‏ ‏ينبهر‏ ‏من‏ ‏مسألة‏ ‏وصف‏ ‏الخلود‏ بالملل، وخاصة‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏عرّى‏ ضلال‏ ‏الخلود‏ ‏فى ‏الدنيا فى الحرافيش،‏ ‏وكان‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏محور‏ ‏نقدى ‏لهذا‏ ‏العمل‏ ‏بالإضافة‏ ‏إلى ‏فكرة‏ ‏دورات‏ ‏الحياة‏، ‏أكمل‏ ‏الاستاذ‏ وهو ‏يخاطبني‏: ‏إن‏ ‏مسألة‏ ‏رفض‏ ‏الخلود‏ ‏مع‏ ‏الله‏ ‏باعتباره‏ ‏عملا‏ ‏مملا‏ ‏غير‏ ‏مقبولة‏، ‏وتدل‏ ‏على ‏افتقار‏ ‏ميتران‏ ‏للخيال، ‏لأنه‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏بقائى ‏مع‏ ‏واحد‏ ‏أحبه، مـِثـْلـَكَ (يا يحيى بيه)، ‏ ‏يزيد‏نى‏ ‏بهجة‏ ‏ويملؤنى ‏فرحة، ‏أليس المنطقى هو أننى كلما ‏ ‏بقيت معك‏ ‏أكثر‏ ‏فرحتُ‏ ‏أكثر‏، ‏فما‏ ‏بالك‏ ‏ببقاء‏ ‏دائم‏ ‏مع‏ ‏الله‏ ‏سبحانه إلى‏ ‏غير‏ ‏مدى، اليس هذا أدعى لفرحة متجددة، فمن أين يأتى الملل؟‏.‏

هذا‏ ‏هو‏ ‏الاستاذ، ‏يشجب‏ ‏خلود‏ ‏الدنيا، ‏ويفرح‏ ‏فى ‏الاستمرار‏ ‏بغير‏ ‏حدود‏ ‏فى ‏رحاب‏ ‏الحبيب‏ ‏الأكبر، ‏ويرجوا‏ ‏من‏ ‏الناس‏ ‏أن‏ ‏يفسحوا‏ ‏فى ‏خيالهم‏ ‏حتى‏ ‏يتصوروا‏ ‏ما‏ ‏يوعدون‏ ‏به‏ ‏أعمق‏ ‏وأصدق‏.

فى فرصة لاحقة، جاء ذكر د. صبرى حافظ مرة أخرى، وألمحت للأستاذ عن ظرف شخصى سمح لى أن أعرفه عن أقرب، فطلب منى أن أحكى له ما كان، فحكيت له عن معرفتى به قارئا لنقده، وكيف أننى أحترم نقده وريادته تماما، ثم أننى فوجئت منذ شهور أنه كان قد أرسل لى رسالة مع ابنه طالب الطب عندنا فى قصر العينى، يطلب محادثتى ليستأذننى فى ترجمة النقد الذى كتبته عن ملحمة الحرافيش، ونشر فى مجلة فصول، عن‏ ‏دورات‏ ‏الحياة‏ ‏وضلال‏ ‏والخلود‏، كان أ.د.صبرى يعد كتابا مترجما إلى الإنجليزية عن النقد الأدبى فى مصر، واختار عملى هذا بين ما يمثله، وافقتُ طبعا وفرحت فرحا شديدا، ثم إنه بعد عدة شهور أرسل لى مسوّدة الترجمة منذ أسابيع، فوجدت بها أخطاء جوهرية، غيرت الفكرة الأساسية التى يبدو أنها لم تصل إلى المترجم، فاعترضتُ عليها، وأبلغته اعتراضى، فقال إن المترجمة تقيم حاليا فى القاهرة، وأنه مستعد لترتيب لقاء لى معها، وقد كان، وذهبت لشقتها بالزمالك، وحدثتها عن نظرية الإيقاع الحيوى التى هى فى عمق فكرى فى النقد وغير النقد، والتى هى بيولوجية الأصل فى معظم تجلياتها، وأفهمتها علاقة ذلك بدورات الحياة، بما فى ذلك دورة الموت البعث، فعلتُ ذلك لأوصل لها الأرضية النظرية التى من خلالها كتبت أطروحتى النقدية عن ملحمة الحرافيش، لكن يبدو أنها رفضت كل ذلك، ولا أقول لم تفهمه، وانصرفتُ من عندها وقد وصلنى إحساس أنها غير راضية عن المقابلة، أو لعلها كانت ممتعضة، أبلغتُ أ.د. صبرى شعورى ووافق على استنتاجاتى، ففهمت أنها أبلغته ما لا يسرنى. استأذنت أ.د. صبرى أن أقوم أنا بالترجمة، ثم أعرضها على المترجمة، لتقوم بإعادة تحريرها وصياغة إنجليزيتها بما ترى، ووافق د. صبرى من حيث المبدأ، ووعد أن يتصل بى بعد أن يناقش الأمر معها، ولم يفعل، وكنت قد بدأت الترجمة فعلا، ووجدتها من أصعب ما يمكن، فتوقفت، ولم يتصل بى د. صبرى بعد ذلك، ورجحت أن المترجمة – متذكرا وجهها حين انصرافى – قد رفضت العرض([22]).

 حين حكيت للأستاذ هذه الواقعة اعترض بشدة على تصرفى، ونبَّهنى إلى أن الترجمة تجعل النص ملك المترجم تقريبا، حتى يمكن أن يصبح نصا آخر، وليس من حق صاحب النص الأصلى أن يعترض، ولكن من حقه أن يسمح بترجمة أخرى، وتذكرت كتاب الإمراضية العامة([23]) لكارل ياسبرز، وهو الكتاب المرجع الأول فى الطب النفسى منذ سنة 1923 وقد كتب بالالمانية، ولم يترجم للإنجليزية إلا سنة 1963، ثم إنه ترجم للفرنسية، عدة مرات، كان آخرها محاولة عـَلـِمـْتـُهـَا من الأستاذ بيير بيشو حين كنت فى فرنسا 1967 -1968، وكنت أعمل فى قسمه فى مستشفى سانت آن التابع لجامعة باريس، وهو شخصيا الذى أخبرنى بذلك، وأنا أعلم أنه يتقن الألمانية إتقانه للفرنسية، ثم تذكرت – مع اعتراض الأستاذ على تصرفى- علاقة الأستاذ بأعماله التى يقلبونها إلى سينما أو مسلسل، فتبتعد قليلا أو كثيرا عن الأصل، ولا يعترض، ولا يعقب.

فى نفس الليلة خطر لى سؤال حين احتد النقاش حول التطبيع، وقـِلـّتـه، وطرحته على الأستاذ طالبا رأيه‏: ‏هل‏ ‏هناك‏ ‏احتمال‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏هذه‏ ‏الإغارة‏ ‏الجديدة‏ ‏تحت‏ ‏أى‏ ‏اسم‏ جديد (مثل ‏الشرق‏ ‏أوسطية، أو‏ ‏السلام‏ ‏الشامل‏ ‏المشروط‏ ‏المعلب‏ ‏المغلوط‏… ‏المؤمَّن‏ ‏المحطوط‏، الأى كلام…‏إلخ‏) ‏هل‏ ‏هناك‏ ‏احتمال‏ ‏أن‏ ‏يحمل‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏داخله‏ ‏ما‏ ‏يحرك‏ ‏وعينا‏ ‏العام‏ ‏فى ‏اتجاه‏ ‏يقبل التحدى فى مواجهة‏ ‏هذه‏ ‏النكسة‏ ‏الحضارية‏ ‏التى ‏نتعرض‏ ‏لها‏ ‏من‏ ‏هجوم‏ ‏الجمود‏ ‏السلفى ‏دون‏ ‏انبعاث‏ ‏الإبداع‏ ‏الإيماني؟‏ ‏ولم‏ ‏يدرك أغلب الحاضرين ما أعنى، (‏وعندهم‏ ‏حق‏)، ‏ويرد‏ ‏البعض‏ ‏فى ‏اتجاه‏ ‏آخر‏ (‏وأظن‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏عندهم‏ ‏حق‏) ‏ويتوجه‏ ‏زكى ‏سالم‏ إلى أذن الأستاذ ‏ ويعيد طرح السؤال بطريقته الأسهل، ‏فينصت‏ ‏ويطأطيء‏ ‏رأسه‏ ‏ولا‏ ‏تتاح‏ ‏الفرصة‏ ‏للإجابة‏ ‏وسط‏ ‏زحمة‏ ‏نقلات‏ ‏الحديث‏.‏

أثناء‏ ‏العودة‏ ‏فى ‏السيارة، ‏يعيد‏ ‏زكى ‏سالم ‏السؤال‏ ‏عليه‏، ‏فيجيب‏ ‏إجابة‏ ‏مقتضبة غير واضحة بالنسبة لى‏، ‏أظن‏ ‏أنها‏ ‏كانت‏ ‏متعلقة‏ ‏بحاجات‏ ‏الناس، ‏ومدى‏ ‏وفاء‏ ‏هذه‏ ‏النقلات‏ ‏السياسية‏ ‏أو‏ ‏التعليمية‏ ‏أو‏ ‏الاقتصادية‏ ‏بهذه‏ ‏الحاجات، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏يتوقف‏ ‏عليه‏ ‏نجاح‏ ‏أية‏ ‏خطوة جديدة، ‏أو فكرة مطروحة، ‏وأتحفظ‏ ‏فى ‏قبولى‏ ‏هذه الشروط التى تصورت أنها نابعة من ‏ ‏التفسيرات‏ ‏الاقتصادية‏ ‏المتعجلة، والأستاذ ليس كذلك، فرجّحت عدم فهمى، واتهمت نفسى بالغباء أو الشطح، المسألة‏ ‏التى ‏كنت‏ ‏أعنيها‏ ‏تتعلق‏ ‏أساسا‏ ‏بفكرة‏ ‏أخرى‏ ‏عجزت‏ ‏عن‏ ‏إيضاحها‏ ‏وأنا‏ ‏أطرح‏ ‏سؤالى، ‏وهى ‏أننى ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏انفتاح‏ ‏الوعى ‏على ‏ناس‏ ‏آخرين، ‏وفكر‏ ‏آخر، ‏وتجارة‏ ‏أخرى، ‏ونوع‏ ‏وجود‏ ‏آخر، ‏بما فى ذلك العدو المتحدى، هو‏ ‏السبيل‏ ‏إلى ‏توسيع‏ ‏دائرة‏ ‏الاختيار، ‏ليس‏ ‏بين‏ ‏دين‏ ‏ودين، ‏أو‏ ‏بين‏ ‏حزب‏ ‏وحزب، ‏أو‏ ‏بين‏ ‏يمين‏ ‏ويسار، أو بين ‏ذاتوية‏ ‏وآخرين، ‏وإنما‏ ‏بين‏: ‏حركة‏ ‏وسكون‏، ‏بين‏ ‏تطلع‏ ‏واستسلام، ‏بين‏ ‏إبداع‏ ‏وتكرار، ‏وأؤجل‏ ‏طرح‏ ‏وجهة‏ ‏نظرى ‏على الأستاذ ونحن ما زلنا ‏ ‏فى ‏السيارة، ‏وأنا‏ ‏أمسك‏ ‏بعجلة‏ ‏القيادة، والحارس بجوارى، ‏ ‏والاستاذ‏ ‏يركب‏ ‏فى ‏المقعد‏ ‏الخلفى، ‏والكلام‏ ‏يصل‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏مبلغ – زكى سالم يجلس بجوار الأستاذ. ‏

ونصل وأنا ممتلىء بـِضـِعِفْ ما ذهبت به

تصبح على خير.

وانت من أهله.

 

الحلقة السابعة

سبب وجيه يبرر محاولة الاغتيال

الأربعاء:‏ 28/12/1994 ‏

كان‏ ‏الموعد‏ ‏محددا‏ ‏مع‏ ‏أ‏.‏د‏. ‏سامح‏ ‏همام، ‏ذلك‏ ‏المصرى ‏الرائع‏، الجراح التشكيلى الماهر، ‏الذى ‏أراد‏ ‏الله‏ ‏بشيخنا، ‏وبنا، ‏وبى، ‏خيرا: ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏فى ‏المتناول‏ ‏يوم‏ ‏الحادث، ‏والذى ‏ورد‏ ‏ذكره‏ ‏احتراما‏ ‏وعرفانا‏ ‏فى ‏أول‏ ‏تعليق‏ ‏لى ‏على‏ ‏الحادث‏، كنت قد رتبت موعدا معه بالاتفاق مع الأستاذ، لم يكن هناك داع جراحى أو طبى عام للمتابعة، لكن رغبتى وموافقة الأستاذ وترحيب أ.د. سامح التقت جميعها ليتم هذا اللقاء صباحا فى المنزل.

احتفاء‏ ‏بهذه‏ ‏المناسبة وترحيبا بقدوم‏ ‏هذا‏ ‏الجراح‏ ‏المصرى الفنان‏ ‏المتميز‏ ‏بحق، ‏ذهبت‏ ‏قبل‏ ‏الموعد‏ ‏بعشرين‏ ‏دقيقة، ‏وأنا‏ ‏متردد‏ ‏تماما‏ ‏فى أن‏ ‏أخبر‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنى ‏مسافر‏ ‏إلى ‏سيناء‏ ‏لمدة‏ ‏أربعة‏ ‏أيام، ‏فمنذ‏ ‏عرفته‏ ‏فى ‏الآونة‏ ‏الأخيرة، ‏لم‏ ‏يمر‏ ‏يوم‏ ‏واحد‏ ‏إلا‏ ‏ورأيته‏ ‏فيه، ‏وقد‏ ‏علمت‏ ‏مدى‏ ‏تمسكه‏ ‏بما‏ ‏اعتاد‏ ‏عليه، ‏ومن‏ ‏اعتاد‏ ‏عليه، ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏رتبت‏ ‏الأمور‏ ‏بحيث‏ ‏أطمئنه‏ ‏إلى ‏الشخص الذى سوف أكلفه ‏أن‏ ‏يمر‏ ‏عليه‏‏ بدلا منى، ‏لم يكن فى المسألة أى طب أو علاج، وبالذات طب نفسى، لكنه التعود، إن ما صار بيننا دون ألفاظ، برغم ترتيبى لمن ينوب عنى، ونيتى فى طمأنته قبل إخطاره بغيابى، هو السبب فى ترددى فى إخباره واستئذانه فى ‏الغياب‏ ‏لهذه‏ ‏الأيام‏.‏

قالوا‏ ‏لى ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏أطرق‏ ‏الباب‏ ‏إن‏ ‏عنده‏ ‏ضيوف، ‏وهو‏ ‏لم‏ ‏يعتد‏ ‏استقبال‏ ‏ضيوف‏ ‏هكذا‏ ‏فى ‏الصباح‏ ‏حتى ‏الظهر، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏أخصائى ‏العلاج‏ ‏الطبيعى ‏وقارئ‏ ‏الصحف، ‏الحاج‏ ‏صبرى،‏ ‏وشخصى‏، ‏دخلت‏ ‏ووجدته‏ ‏فى ‏حجرة‏ ‏الاستقبال‏ ‏على‏ ‏غير‏ ‏العادة، ‏وكانت‏ ‏السيدة‏ ‏زوجته‏ ‏تجلس‏ ‏أيضا‏ ‏هناك‏ ‏ومعهما‏ ‏الضيفة‏ ‏الخاصة، الضيفة كانت‏ ‏السيدة‏ “جيهان السادات”، ‏وسار‏ ‏الحديث‏ ‏طيبا‏ ‏عاديا، فرحت أننى التقيتها، وخاصة أننى سمعت عن حضورها الاجتماعى المتميز من كثيرين، بقدر ما سمعت من همس غير طيب عن تصرفاتها المالية التى ليس عندى دليل عليها (ولا على غيرها كما اعتدت)، كانت ‏ ‏تتساءل‏ بطيبة: ‏لم‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏بالذات؟‏ كانت توجه السؤال لنفسها أكثر مما توجهه إلى الزوجة الفاضلة أو إلى الأستاذ أو إلى شخصى، ثم أضافت (ربما وهى تتذكر المرحوم زوجها) إنه ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏مفهوما‏ ‏أن‏ ‏يحاولوا اغتيال‏ ‏رئيس‏ ‏جمهورية‏ ‏أو‏ ‏زعيم‏ ‏سياسى ‏له دور ملتبس، ‏أو‏ ‏رجل‏ ‏بوليس له أعداء من المجرمين أو الثوار، ‏‏أما‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏؟ ‏فلماذا؟‏ كانت تتساءل بدهشة متألمة واستغراب رافض، ‏لم أتردد فى أن أذكر ‏للسيدة‏ ‏الزائرة‏ ‏تعقيب الأستاذ حين كنت أنقل له حب جماهير الناس له، ثم رحت أمازحه فاقترحت عليه أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية وأنى أضمن له النجاح، وأنه أجاب مازحا: ‏”وهكذا، يكون‏ ‏هناك‏ ‏ما‏ ‏يبرر‏ ‏القتل”.

 ‏وابتسم‏ ‏الأستاذ، ‏ ‏وانتهت‏ ‏المقابلة‏.‏

وما‏ ‏راءٍ ‏كمن‏ ‏سمعا، ‏حين‏ ‏رأيت‏ ‏هذه‏ ‏السيدة‏ ‏المهمة، ‏الجميلة، ‏الهادئه‏ ‏تساءلت‏ ‏هل‏ ‏هى‏ ‏هى، ‏أم‏ ‏أنها‏ ‏غيرها‏ ‏حسب‏ ‏ما‏ ‏سمعت‏ ‏وما‏ ‏شاع‏ ‏عنها؟ ‏إن‏ ‏من‏ ‏رأيت‏ ‏لاتعدو‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏امرأة‏ ‏مصرية عادية، ‏جميلة، طيبة‏ ‏حنون‏ ‏مستمعة‏ ‏متواضعة‏ – ‏على‏ ‏حد‏ ‏استقبالى – ‏ليكن، ‏ليس‏ ‏هذا‏ ‏موضوعنا، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏حقا‏: ‘‏وما‏ ‏راءٍ ‏كمن‏ ‏سمعا‏’ ‏، وهكذا تهيأت لى هذه الفرصة بالصدفة البحتة، ‏أن‏ ‏أطلع‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏صحبتك يا شيخى الكريم ‏ ‏على ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الشخوص‏ ‏والعقول‏ ‏والحضور، ‏كنت‏ ‏سأعيش‏ ‏وأموت‏ ‏وأنا‏ ‏أتصور‏ ‏لهم‏ ‏صورا‏ ‏مخالفة‏.‏

حضر‏ ‏أ‏.‏د‏. ‏سامح‏ ‏همام، ‏ومعه‏ ‏نائب‏ ‏مدير‏ ‏مستشفى ‏الشرطة، ‏وهنأت أ.د. سامح ‏بسلامة‏ ‏الوصول‏ ‏من‏ ‏النيجر‏ ‏حيث‏ ‏رفع‏ ‏رأس‏ ‏مصر‏ ‏عاليا، ‏وقلت‏ ‏للاستاذ‏ ‏شارحا‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏وصلنى ‏من‏ ‏دور هذا الفنان الجراح الماهر فيما فعل برقبته وعروقه، ‏وأضفت رأيى للأستاذ كيف‏ ‏أن‏ ‏الجراحة‏ ‏ما‏ ‏زالت‏ ‏هى ‏الفن التشكيلى‏ ‏المتبقى ‏فى ‏مهنة‏ ‏الطب‏ (‏بالإضافة‏ ‏إلى ‏بعض‏ ‏الممارسات‏ ‏المتميزة‏ ‏فى ‏الطب‏ ‏النفسي‏، وهذا رأيى الشخصى) ‏أما‏ ‏ما‏ ‏عدا‏ ‏ذلك‏ ‏فقد‏ ‏أصبح‏ ‏آلات‏ ‏وأرقام، ‏وانتهزت‏ ‏الفرصة‏ ‏لأكرر‏ ‏على أ.د. سامح وطبيب مستشفى الشرطة ما‏ ‏سمعته‏ ‏أمس‏ فى لقاء الثلاثاء ‏من‏ ‏دفاع‏ ‏المتهمين‏ ‏بمحاولة اغتياله، ‏وأن‏ ‏بعض‏ ‏المحامين‏ ‏ذهب‏ ‏إلى ‏حد‏ِّّ ‏إنكار‏ ‏الحادث‏ ‏أصلا، ‏وها‏ ‏هو‏ ‏أ‏.‏د‏.سامح‏ ‏همام‏ ‏بلحمه‏ ‏ودمه، ‏الذى ‏عمل‏ ‏العملية، ‏وأخذ‏ ‏القرار،‏ ‏وتدخـَّـل بمهارة وجسارة وإعجاز فحقق الله ‏على ‏يديه‏ ‏النجاة، ‏لابد‏ ‏أنه‏ هو أيضا ‏من‏ ‏صنع‏ ‏الخيال‏ ‏حسب‏ ‏كلام‏ ‏الدفاع‏!!! ‏نظر‏ ‏إلىَّ ‏أ‏.د‏.سامح‏ ‏غير‏ ‏مصدق، ‏وكأننى ‏أخرف، ‏وكان‏ ‏الدفاع‏ ‏يحتج‏ ‏بصور‏ ‏الاستاذ‏ ‏التى ‏ظهرت‏ ‏فى ‏الصحف‏ ‏منذ‏ ‏أن‏ ‏خرج‏ ‏يوم‏ ‏عيد‏ ‏ميلاده‏ ‏معنا، ‏وأن‏ ‏هذه‏ ‏الصور‏ ‏تدل‏ ‏على ‏سلامته، ‏وبالتالى ‏فإن‏ ‏كل الجريمة، بما فيها ‏ ‏العملية‏ ‏التى أجراها أ.د.سامح، هى‏ ‏مسرحية‏ ‏ملفقة‏ ‏من‏ ‏قبل‏ ‏الحكومة‏ ‏للحصول‏ ‏على‏ ‏أكبر‏ ‏قدر‏ ‏من‏ ‏الكراهية‏ ‏ضد‏ ‏الجماعات، ‏ولتبرر‏ ‏القضاء‏ ‏على‏ ‏بعضهم‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏محاكمة‏ ‏عاجلة‏ (‏مغرضة‏ ‏بالضرورة‏) ‏وحين‏ ‏سمع ‏ ‏الاستاذ‏ ‏هذا‏ ‏الدفع، ‏كرر بعد خروج د. سامح اقتراحه‏ ‏أنه‏ ‏يمكن‏ ‏تأجيل‏ ‏الخروج‏ (‏يوم‏ ‏الخميس‏ ‏على ‏الأقل‏ ‏ ‏الحرافيش‏) ‏حتى‏ ‏تنتهى ‏المحاكمة، ‏ورفضت‏ ‏ذلك‏ ‏تماما.

كانت‏ ‏من‏ ‏مداعابات‏ ‏الاستاذ‏ ‏أمس‏ (‏الثلاثاء‏) ‏أنه‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏أكل‏ ‏”الطعمياية‏”، ‏وقطعة‏ ‏الجبن‏ ‏وحمد‏ ‏الله، ‏جاءت‏ ‏أطباق‏ ‏صغيرة‏ ‏من‏ ‏الممبار‏ ‏المحشى ‏بالأرز، ‏فعزم‏ ‏عليه‏ ‏الغيطانى ‏بواحدة‏ (‏مذكـِّرا إيانا‏ ‏بعلاقة‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‘‏ممبار‏’ ‏بالحسين)، ‏فشكره‏ ‏الأستاذ‏ ‏معتذرا‏ ‏قائلا‏: ‏لا‏ ‏يا‏ ‏عم‏ ‏أخشى ‏أن‏ ‏يأخذها‏ ‏الدفاع‏ ‏ضمن‏ ‏أدلته‏ ‏لإنكار‏ ‏الحادث، ‏ألا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يقولوا‏ ‏أنظروا‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏إنسانا‏ ‏مصابا‏ ‏هكذا‏ ‏كما‏ ‏تزعمون‏ ‏ثم‏ ‏يأكل‏ ‏ممبارا؟‏ ‏تكفى ‏الطعمياية‏ ‏وقطعة‏ ‏الجبن، ‏إنهما‏ ‏أدل‏ ‏على ‏جدية‏ ‏الإصابة‏ !!

 ‏وعلى ‏ذكر‏ ‏الحسين، ‏كان‏ ‏الغيطانى (‏بحكم‏ ‏التاريخ‏ ‏والانتماء‏ ‏لنفس‏ ‏المنطقة‏ ‏مثل‏ ‏أستاذنا‏) ‏يقترح‏ ‏مكررا‏ ‏أن‏ ‏نذهب‏ ‏إلى ‏الحسين‏ ‏فى ‏إحدى‏ ‏خروجاتنا، ‏وفشلنا‏ ‏أن‏ ‏نجد‏ ‏اليوم‏ ‏المناسب، ‏فعرضت‏ ‏على ‏الاستاذ‏ ‏مثل‏ ‏ذلك، ‏فحسبها‏ ‏وتحفظ، ‏وقال:‏ “شا‏ ‏الله‏ ‏يا‏ ‏حسين‏ ‏ولكن‏ ‏نأخذ‏ ‏بالأحوط”، ‏إلا‏ ‏أننى ‏لمحت‏ ‏داخله‏ ‏رغبة‏ ‏حقيقية‏ ‏فى ‏الزيارة، ‏فاستأذنت‏ ‏رجال‏ ‏الأمن‏ ‏أننا‏ ‏ونحن‏ ‏فى ‏طريقنا‏ ‏للهرم‏ ‏نمر‏ ‏على ‏الحسين‏ ‏من‏ ‏فوق‏ ‏كوبرى ‏الأزهر، ‏ونـقرأ‏ ‏الفاتحة‏ ‏فى ‏السيارة‏ ‏لا‏ ‏أكثر، ‏وافق‏ ‏الاستاذ‏ ‏وفرح، ‏وحين‏ ‏مررنا‏ ‏مقابل‏ ‏الحسين‏ ‏نبهته،‏ ‏فدعا،‏ ‏وقرأ‏ ‏الفاتحة‏ ‏واتسعت‏ ‏أساريره، ‏ثم‏ ‏أشار‏ ‏إلى‏ ‏اليمين‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الأزهر‏ “‏العظيم”، ‏وأضاف باسما: “هل‏ ‏ياترى ‏قد‏ ‏رجع‏ ‏فى ‏كلامه‏ ‏بشأن‏ ‏أولاد‏ ‏حارتنا‏؟

كنت بعد أن استأذنَ‏ ‏أ‏.‏د‏. ‏سامح‏ ‏همام للانصراف، ‏قد استعنت‏ ‏بالله‏ ‏وقلت‏ ‏استأذن‏ ‏فى ‏السفر إلى جنوب سينا، ‏هذه‏ ‏الأيام‏ ‏الأربعة، ‏وأخطر الأستاذ ‏بمن‏ ‏رتبت‏ ‏لينوب‏ ‏عنى ‏أثناءها، ‏وإذا‏ ‏بى ‏أفاجأ‏ ‏بسماحِهِ‏ ‏المطلق دون تردد،‏ ‏وأنه‏ ‏يتمنى ‏لى ‏رحلة‏ ‏سعيدة، ‏ترى ‏هل‏ ‏أنا‏ ‏الذى ‏انتهزت‏ ‏الفرصة‏ ‏فحضّرت‏ ‏نفسى بهذه الأهمية كل‏ ‏هذا‏ ‏الحضور، ‏وأثبت‏ ‏نفسى ‏ضمن‏ ‏علاماته‏ ‏اليومية، ‏لأحظى‏ ‏بكل‏ ‏هذا‏ ‏الفضل، ‏وأعيش‏ ‏هذه‏ ‏الفرصة، ‏وتحصل‏ ‏هذه‏ ‏البركة؟‏ ‏وأنه‏ ‏لايحتاجنى ‏بكل‏ ‏هذا‏ ‏الانتظام ‏ ‏كما‏ ‏فرضتـُه‏ ‏على‏ ‏نفسى، ‏ربما‏ ‏وعليه؟

لست متأكدا، لعل‏ ‏الأمر‏ ‏كذلك.

ربما أنا‏ ‏فعلا فى ‏حاجة‏ ‏إلى ‏صحبته‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏حاجته‏ ‏إلى ‏صحبتي.

‏ ‏ودّعته‏ ‏مؤقتا‏ ‏إلى ‏لقاء، ‏وقبـّلته، ‏ودعا‏ ‏لى ‏بالسلامة‏.‏

الحمد‏ ‏لله

الخميس:‏ 29/12/1994‏

سافرت‏ ‏إلى ‏سينا‏ء (‏دهب‏) حيث لى منزل صغير فى المساكن الشعبية المتوسطة بين البحر والجبل، ‏فرحتُ‏ ‏بهذا‏ ‏الانفصال‏ ‏المؤقت‏ ‏عن‏ ‏الأستاذ لأول مرة منذ التقيته بعد الحادث، ‏لقب‏ ‏الأستاذ‏ ‏لا‏ ‏يعجبنى، ‏قد‏ ‏يليق‏ ‏بعباس‏ ‏العقاد‏ ‏أو‏ ‏زكى ‏نجيب‏ ‏محمود‏ ‏أو‏ ‏محمود‏ ‏شاكر، ‏لكنه‏ ‏لا‏ ‏يليق‏ ‏بنجيب‏ ‏محفوظ، ‏ثم‏ ‏إننى ‏لا‏ ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏ألقبه‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏فقط‏ ‏كما‏ ‏كنت‏ ‏أفعل‏ ‏وأنا‏ ‏أقرأه‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏أعرفه، ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏يقول‏ ‏له‏ ‏يا‏نجيب‏ ‏بك، ‏وأنا‏ ‏أستغرب‏ ‏ولا‏ ‏أستطيع، وهو ينادينى بيا “يحيى بيه”، حتى دون لقب دكتور الذى لا أرحب به أيضا، حاولت مرارا أن أفهمه تفضيلى لاسمى مجردا، ولم أنجح أن أقنعه، ‏المهم‏ ‏سافرتُ ‏بعيدا‏ ‏وقلت:‏ ‏فرصة، ‏نبدأ‏ ‏فى ‏الانفصال‏ ‏التدريجى، ‏قال ماذا! حتى‏ ‏يسترد‏ ‏تلقائيته‏ ‏وأسترد‏ ‏إيقاعى ‏الخاص، ‏لكنه‏ ‏كان‏ ‏معى ‏طول‏ ‏الوقت، ‏كلمتـُه‏ ‏يوميا‏ ‏فى ‏البيت، ‏ولم‏ ‏أطلب‏ ‏محادثته‏ ‏شخصيا‏ ‏أبدا‏ ‏متعمدا لمعرفتى أن المحادثة معه تكون من جانبه دون أن يستمع إلى المتحدث أصلا، ‏قالت‏ ‏لى‏ ‏حرمه‏ ‏المصون‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يحلم‏ ‏بى ‏طول‏ ‏الليل، ‏اعتبرتها‏ ‏مجاملة‏ ‏أو‏ ‏كلاما مجازيا بالتقريب، ‏فرغم‏ ‏العلاقة‏ ‏التى ‏زادت‏ ‏من‏ ‏الجانبين بيننا‏ ‏لا‏ ‏أتصور‏ ‏أننى ‏احتللت‏ ‏هذا‏ ‏الجزء‏ ‏من‏ ‏وعيه‏ ‏الذى ‏يسمح‏ ‏بالحضور فى أحلامه، لكن هكذا أخبرتنى هذه السيدة الكريمة ولم أحاول أن أشغل فكرى من أين لها ذلك، هى ليست مضطرة أن تذكر لى ذلك، ولو مجاملة، إلا أن يكون قد حدث فعلا حتى حكى لها، فرِحتُ بجد، وتذكرت كيف كانت فرحتى حين كانت تخبرنى أحيانا وأنا داخل إلى حجرته ‏ ‏أننى ‏أوحشته‏، ‏كنت‏ ‏أفرح‏ ‏فرحة‏ ‏طفل‏ ‏يهنأ‏ ‏برضا‏ ‏والده، وحضوره فى وعيه.‏

 الحلقة الثامنة

… من فُمّك لباب السما(ء)!

الجمعة:‏ 30/12/1994‏

كنت‏ ‏قد‏ ‏عرّفت‏ ‏الأستاذ‏ ‏بزميلى وإبنى وصديقى ‏د‏. ‏رفعت‏ ‏محفوظ‏([24]) ليكون بجواره أثناء غيابى إذا اضطررت لذلك‏، ‏وقد‏ ‏كلفته‏ ‏باصطحاب‏ ‏الأستاذ‏ ‏يوم‏ ‏الجمعة‏ ‏بدلا‏ ‏منى أثناء سفرى‏، ‏كما‏ ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏سألت‏ ‏عن‏ ‏الدكتور‏ ‏فتحى ‏هاشم‏ ‏الذى ‏لم‏ ‏أتعرف‏ ‏عليه‏ ‏بعد‏، ‏والذى ‏كان‏ ‏مصاحبا‏ ‏للأستاذ‏ ‏يوم‏ ‏الحادث‏، ‏سألت‏ ‏الأستاذ‏ ‏لماذا‏ ‏لا‏ ‏يحضر‏ ‏معنا‏ ‏على ‏الأقل‏ ‏لأشكره‏ ‏نيابة‏ ‏عن‏ ‏مصر‏ ‏والعالم‏، ‏فطلب‏ ‏من‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏أن‏ ‏يطلب‏ ‏منه‏ ‏أن‏ ‏يحضر‏ ‏معنا‏ ‏صباح‏ ‏الجمعة‏، وللأسف‏ ‏سافرتُ‏ ‏ولم‏ ‏ألقه‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏اليوم‏.‏

حدثنى ‏د‏. ‏رفعت‏‏ ‏عند‏ ‏عودتى ‏أن د. فتحى هاشم‏ حضر اللقاء، وأنه أبلغه ‏رغبتى ‏فى ‏مقابلته‏ ‏والتعرف‏ ‏عليه‏، ‏كما‏ ‏ذكر‏ لى ‏كيف‏ ‏أن د.فتحى‏ ‏تساءل ضاحكا:‏ ‏لماذا‏ ‏أصر‏ ‏على‏ ‏مقابلته؟‏ ‏هل‏ ‏هى‏ ‏مهنتى ‏التى ‏تفترض أن‏ ‏وراء‏ ‏كل‏ ‏تصرف‏ ‏عادى ‏سبب‏ ‏غير‏ ‏عادى ‏هى ‏التى ‏تدفعنى ‏للسؤال‏ ‏عنه‏ ‏والحرص‏ ‏على‏ ‏التعرف‏ ‏عليه؟‏، ‏ويؤكد‏‏ ‏د‏. ‏رفعت‏ للدكتور فتحى ‏أننى ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏أشرُف‏ ‏بمعرفته‏ ‏وأشكره‏، ‏على فضله بما فعل، ويبدو أن الحديث تدرج إلى أن طلب منه د.رفعت أن يحكى له بعض ما كان أثناء الاعتداء، راح د.فتحى يشرح بعض ذلك شاملا ‏حالته شخصيا ومشاعره‏ ‏التى تعجب لها آنذاك وحتى الآن (وقت الحكى)، وأنا‏ ‏أنقل‏ ‏الآن‏ ‏من‏ ‏رواية‏ ‏د‏.‏رفعت‏:‏

‏”…. ‏حكى ‏د‏. ‏فتحى لرفعت بطيبة سمحة أنه ‏ ‏ساعتها‏ – ‏ساعة‏ ‏الحادث‏ – ‏لم‏ ‏يدر‏ ‏ماذا‏ ‏يفعل‏، ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏خيل‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏هول‏ ‏المفاجأة‏ ‏أنه‏ ‏كان فى حالة لا يعرف كيف يصفها وكأنه يريد‏ ‏أن‏ ‏يشاهد‏ ‏المشهد‏ ‏بالتصوير البطىء، ‏وبرغم‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يتأخر‏ ‏ولا‏ ‏ثانية‏ ‏فى ‏عمل‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ عمله‏ ‏للإنقاذ و‏الإسعاف والنقل فورا إلى المستشفى‏، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الشعور‏ ‏ظل‏ ‏يلازمه‏، ‏وها هو‏ ‏يتعجب وهو يسأل د. رفعت‏ ‏هل‏ ‏هذا‏ ‏شعور‏ ‏طبيعي‏؟‏ ‏وهل‏ ‏يلوم‏ ‏نفسه‏ ‏لأنه‏ ‏شعر‏ ‏بهذا‏ ‏الشعور‏، ‏ويقول‏ ‏له‏ ‏أ‏. ‏د‏. رفعت‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏أحس‏ ‏به‏ ‏لم‏ ‏يتدخل‏ ‏فى ‏التصرف‏ ‏الرائع‏ ‏الذى ‏تصرفه‏، ‏ثم يشرح له ما سبق أن تناقشنا حوله، وأثبته فى ترحالى الأول أن‏ ‏تكوين‏ ‏الانسان‏ ‏يسمح‏ ‏بكل‏ ‏ذلك‏، ‏وأن مثل ‏هذا‏ ‏ ‏الشعور‏ ‏قد‏ ‏ينتاب‏ ‏المسافر‏ ‏وهو‏ ‏يرى ‏عربة‏ ‏تتهشم‏ ‏فى ‏الطريق‏ ‏السريع‏، ‏وأن هذا لا‏ ‏يعنى ‏أنه‏ ‏يشمت‏ ‏لتحطيمها‏، ‏ربما يحرّك مثل ذلك “داخلنا” “البدائى”، فينفصل عما يصور الواقعة دون أن يعوق تصرفنا المسئول الأنضج،([25])‏‏، ‏وازداد‏ ‏حرصى ‏على‏ ‏لقاء‏ ‏هذا الإنسان الصادق الطيب د‏. ‏فتحى ‏هاشم‏، الذى أتاح لمصر ولكل الناس – بفضل الله وستره – بضع سنين أخرى من عطاء هذا الإنسان النادر، كما أتاح لى أن أكون بجواره فأتعرف على نفسى وعلى مصر وعلى الإنسان، وعلى ربى أكثر فأكثر، من خلاله.

الاثنين‏: 2/1/1995‏

رجعت‏ ‏إلى ‏القاهرة‏، ‏من‏ ‏سيناء‏ ‏ومررت‏ ‏على‏ ‏الاستاذ‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏اليوم‏، ‏وتهلل وجهه‏ ‏وهو‏ ‏يستقبلنى، ‏فوصلتنى ‏رسالة‏ ‏ذات‏ ‏معنى‏ حتى ‏خفت‏، ‏فـرِحتُ‏ ‏طبعا‏، ‏لكن‏ ‏الخوف‏ ‏خالط الفرحة‏ (‏لست‏ ‏أدرى ‏لماذا‏) ‏حدثنى ‏الأستاذ‏ ‏باختصار‏ ‏عما‏ ‏كان‏ ‏أثناء‏ ‏غيبتى، ‏ثم‏ ‏ذكر‏ ‏لى ‏شكوى‏ ‏ذات‏ ‏دلالة‏، ‏وهى‏ ‏أن‏ ‏طعم‏ ‏الماء‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏كما‏ ‏كان‏، ‏وكذلك‏ ‏الطعام‏، ‏مازال‏ ‏الماء‏ ‏يروى‏ ‏ويطفئ‏ ‏ظمأ‏ه ‏مثل‏ ‏الأول‏، ‏لكن‏ ‏الطعم؟‏ ‏أين‏ ‏الطعم‏؟ ‏يبدو‏ له ‏الماء‏ الآن بغير‏ ‏طعم‏، ‏كذلك‏ ‏الطعام‏، ‏دخلت‏ ‏زوجته‏ ‏علينا‏ ‏فمازحتـُه‏ ‏سائلا‏، ‏ولكن‏ ‏السجائر‏ أنت ما زلت ‏تدخنها‏ ‏بشغف‏ ‏شديد‏ ‏فيبدو‏ ‏أن‏ ‏طعمها‏ ‏بالذات‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏رجع‏ ‏أولا‏، ‏ضحكت‏ ‏زوجته‏ الكريمة وقد‏ ‏التقطت‏ ‏المفارقة‏ ‏وشاركتنى ‏أنه‏ “‏إشمعنى ‏السجائر‏”؟ ‏لكنه‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏أنهى ‏ضحكته‏ ‏قال‏ ‏كمن‏ ‏يتذكر‏،: “‏ولا‏ ‏حتى‏ ‏السجائر‏، ‏عادت ‏رغبتى ‏فيها‏ ‏فعلا‏، ‏لكن‏ ‏الطعم‏ ‏لم‏ ‏يعد‏”. ‏وما‏ ‏زال‏ ‏عجبى ‏لهذا‏ ‏المدخن‏ ‏الرائع‏ ‏الذى ‏يدخن‏ ‏سيجارتين‏ ‏كلما‏ ‏خرجنا‏، ‏ولا‏ ‏يدخن‏ ‏أبدا‏ ‏فى ‏البيت‏ ‏احتراما‏ ‏لأهل‏ ‏البيت‏، ‏وللتعليمات التى اتفقنا عليها، وحتى لو ‏ ‏توالت‏ ‏أيام‏ ‏عدم‏ ‏الخروج‏ لظرف أو لآخر، فإنه يظل لا يدخن فى المنزل أبدا، وظل كذلك حتى النهاية، لا يدخن ‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ السيجارتين اللتين اتفقنا عليهما فى ‏ ‏كل‏ ‏مرة‏ ‏خروج‏، ‏أى‏ ‏مزاج‏ ‏منضبط‏ ‏هذا يا ناس!!!!، وكأنه أَمَرَ داخله ومزاجه أن ينصاع للتعليمات، فانصاع؟

فسرت‏ ‏له‏ ‏افتقاده‏ ‏للطعم‏، ‏طعم‏ ‏الماء‏ ‏بالذات‏، ‏من‏ ‏منا‏ ‏يعرف‏ ‏أن‏ ‏للماء‏ ‏طعما‏ ‏هكذا‏، ‏ألم‏ ‏يعلمونا‏ ‏أن‏ ‏الماء‏ ‏بلا‏ ‏لون‏ ‏ولا‏ ‏طعم‏ ‏ولا‏ ‏رائحة‏، ‏ولكننى ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏انتبهت‏ ‏من‏ ‏قديم‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏المفارقة‏، وأنشدته ما كتبته من أننا‏:

 ‏وتعّلمنا‏:

 ‏أن‏ ‏الماء‏َ ‏بلا‏ ‏لونٍ‏ٍ ‏وبلا‏ ‏طعمٍ‏ ‏وبلا‏ ‏نكْهةْ‏،

 ‏لكن‏ ‏الحقَّ‏ ‏يقولْ‏:

 ‏إن‏ ‏الماءَ‏ ‏العذبْ

‏ ‏هو‏ ‏شهدُ‏ ‏الفطرهْ‏”‏

ألحقتُ ذلك بشرح رأيى بوضوح: إن‏ ‏من‏ ‏لا‏ ‏يستطعم‏ ‏الماء‏ ‏لا‏ ‏يستطعم‏ ‏شيئا، ‏فسـَّرت‏ ‏له‏ ما يعانى من فقدان الطعم بأن ‏احتمال‏ ‏ارتجاج‏ ‏بعض الأعصاب، وهو ‏ ‏الذى ‏أثر‏ ‏على‏ ‏صوته‏،‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏قد‏ ‏أثـّر‏ ‏على ‏أحد‏ ‏فروع‏ ‏تلك‏ ‏الأعصاب‏ ‏المسئولة‏ ‏عن‏ ‏التذوق‏ ‏فى ‏اللسان‏، ‏فأومأ‏ ‏وكأنه‏ ‏اقتنع‏، ‏لكنه‏ ‏أضاف‏ ‏بعد‏ ‏صمت‏ ‏قصير‏ (‏وهذه‏ ‏عادته‏ ‏التى ‏أدركتها‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏، ‏فرحت‏ ‏أسكت‏ ‏بعد‏ ‏كل‏ ‏عدة‏ ‏جمل‏ ‏حتى‏ ‏أسمح‏ ‏بهذه‏ ‏الفترة‏ ‏من‏ ‏الكمون‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يرد‏) ‏أضاف‏: ‏أو‏ ‏لعله‏ البرد ‏الخفيف‏ (‏الانفلونزا‏) ‏الذى ‏أعانى ‏منه‏ ‏الآن، فعقبت أن هذا ممكن لو كانت ظاهرة فقد الطَّعم طارئة أو مؤقته، إلا أنها – كما بلغنى منه – ظهرت منذ الحادث، ولا تزال ممتدة. ثم أردفتُ أن الأعصاب شديدة الكسل فى إنماء أطرافها بعد الإصابة، فنظر إلى مبتسما وقال: “ونحن؟؟، لم افهم لأول وهلة، لكننى بسرعة التقطُّ ما يعنى فبادرت أطمئنه. “ونحن أيضا كذلك، لكن النمو مضطرد لا محالة”، فربّت على ساقى وأنا أجاوره وقال: “من فمك لباب السماء”! وابتسم. ‏

 الحلقة التاسعة

يا مفرِّج الكروب!

الثلاثاء:‏ 3/1/1995‏

رويدا‏ ‏رويدا‏ ‏أصبحت‏- ‏أو‏ ‏سمحت‏ ‏لنفسى ‏أن‏- ‏أضيق‏ نـِسـْـبيا ‏بهذه‏ ‏الجلسة‏، ‏جلسة‏ ‏الثلاثاء، ‏ ‏لكننى ‏أنظر‏ ‏فى ‏وجه الأستاذ‏ ‏وهو‏ ‏يستمع‏ ‏إلى ‏يوسف‏ ‏القعيد‏ ‏يروى‏ ‏الأخبار‏ ‏بسرعة‏ ‏وتمثيل‏ ‏وكاريكاتيرية‏، ‏وهو‏ ‏يضحك‏ ‏ويشارك‏، ‏وهو‏ ‏يعلق‏ ‏ويهتم‏، ‏فأعجب‏ ‏للأستاذ‏ ‏ومنه‏، ‏كيف‏ ‏يحتمل‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏التنوع‏ ‏من‏ ‏الفروق الفردية بين كل هؤلاء الناس، ‏كلما‏ ‏نظرت‏ ‏فى ‏وجهه‏ ‏وجدته‏ ‏مسرورا‏ ‏بالجلسة‏ ‏حريصا‏ ‏عليها‏، ‏كما أعلم أنه ينتظرها، ربما مثل سائر اللقاءات وأكثر،‏ (‏عكس‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏الذى ‏يشاركنى ‏شعورى ‏بالتحفظ‏ على جلسة الثلاثاء، ‏وليس تماما عكس ‏زكى ‏سالم الذى يفرح لفرح الأستاذ أينما كان مع كل الناس فى أى مكان). ‏كلما‏ ‏رأيت ذلك منه مؤكدا مكررا منه،‏ ‏تعلمت‏ ‏أن‏ ‏الإنسان‏ ‏المحب لخلق الله ‏هو‏ ‏الذى ‏لا‏ ‏يضيق‏ ‏بأحد‏، ‏هو‏ ‏الذى ‏يجد‏ ‏مع‏ ‏كل‏ ‏لقاء‏ متعة، ‏هو الذى يعرف كيف يضبط موجة تواصله مع موجة تواصل من ‏‏ ‏يتواصل‏ ‏معه أيا كان‏، ‏ولِمَ‏ ‏لا؟‏ ‏أليس‏ ‏هكذا‏ ‏خُلِقنا‏، ‏وليس‏ ‏معنى ‏هذا‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏يساوى ‏بين‏ ‏الناس‏ ‏بطريقة‏ ‏فوقية‏ ‏مائعة‏، ‏فهو‏ ‏يحب‏ ‏هذا‏، ‏ويضيق‏ ‏بذاك‏، ‏ويعلق‏ ‏على ‏زيارة‏ ‏أحدهم‏، ‏ويسخر‏ ‏من‏ ‏وصولية‏ ‏آخر‏، ‏لكنه‏ ‏يحافظ‏ ‏على ‏العلاقة‏ ‏صادقة نقية، بعيدة عن الأحكام الفوقية، بما فى ذلك هذا‏ ‏اللقاء‏ ‏العوّاماتى ‏الثلاثائى‏، ‏‏إذن‏ ‏ما‏ ‏دام‏ ‏هو‏ ‏مسرور‏ ‏هكذا‏ ‏بهذا‏ ‏فليكن‏ ‏ذلك‏ ‏مصدر‏ ‏سرورى، ولأحاول أن أتقمص زكى سالم، ‏ولأشارك‏ ‏بالقدر‏ ‏الذى ‏أستطيع‏، لكننى لا أستطيع كثيرا، ‏ثم‏ ‏إنها‏ ‏جلسة‏ تضم ‏رجال‏ ‏أعمال‏ ‏مثل عماد‏ ‏العبودى، ‏وحسن‏ ‏ناصر‏، ‏ومحمود‏ ‏كمال‏، ‏وجها‏ ‏لوجه‏ ‏مع‏ ‏رجال‏ ‏إعلام‏ ‏يمثلون‏ ‏اليسار‏ ‏والناصرية‏ ‏والثقافة‏، وكلنا ‏فى ‏ضيافة‏ أ. ‏د‏. ‏إبراهيم‏ ‏كامل‏ ‏فى ‏عوامته‏ “‏فرح‏ ‏بوت‏”‏، كان الأستاذ قد حكى لى أن د. إبراهيم كامل أستاذ الهندسة ورجل الأعمال المشهور وصاحب هذه العوامة “فرح بوت” قد جعل ضيافة هذا اليوم هدية منه للأستاذ وصحبه، وحكى لى الأستاذ بعض النوادر التى تتعلق بالأكل والشرب مجانا، مما لا يصح أن أذكرها تفصيلا، لم أر هذا المضيف الطيب، ولا مرة واحدة، ولا سمعت أنه جاء يعود الأستاذ بعد سلامته، ربما فعل ولم يذكر ذلك أحد أمامى، وإن كنت قد علمت فيما بعد أنه كان دائما يستأذن حين يحضر لزيارة المجموعة والترحيب بالأستاذ والاطمئنان عليه.

فى لقاء الثلاثاء هذا الأسبوع أشار‏ ‏الغيطانى ‏إلى ‏تحفظه على ‏أن‏ ‏يوقع‏ ‏محمد‏ ‏سلماوى ‏على ‏الأحاديث‏ ‏التى ‏يجريها‏ ‏مع‏ ‏الأستاذ‏، ‏وهى التى يأخذها سلماوى مشافهة من الأستاذ كل سبت، (اليوم الوحيد الذى لا يخرج فيه الأستاذ ويخصصه للقاء الزوار، وأهمهم سلماوى، بانتظام)، كنت قد عرضت على الأستاذ أن يعود لإملاء “وجهة نظر” لتنشر‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الركن‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏ينشر‏ ‏فيه‏ ‏وجهة‏ ‏نظره‏ ‏الأسبوعية‏ ‏فى ‏الأهرام، وإذا به يخبرنى أن سلماوى قد اقترح نفس الاقتراح، وأنه وعده بأن يفى به، وقد كان. كان سلماوى يوقع تحت الحديث باسمه دون ذكر صفة المحاوِر، وهذا ما أشار إليه الغيطانى فى تحفظه. لكن‏ ‏الأستاذ‏ ‏أصر‏ ‏أنه‏ “‏ومالُه‏”‏؟ يوقع‏ ‏كما‏ ‏يشاء‏ ‏مادام‏ ‏لم‏ ‏يقل‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏كلامه‏ ‏هو، قلت‏ ‏له‏ أنه كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكتب قبل توقيعه: “‏أجرى ‏الحديث‏ ‏فلان‏” ‏ثم يوقع الكلمة بـ: “نجيب محفوظ” ‏حتى ‏يستقبل‏ ‏الناس‏ ‏كلماتك‏ ‏بتوقيعك‏ ‏من‏ ‏جديد‏، ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يضع‏ ‏توقيعه‏ ‏هو‏، ‏أو‏ أنه كان ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يترك‏ ‏الحديث‏ ‏بدون‏ ‏توقيع‏، مكتفيا بالعنوان: وجهة نظر نجيب محفوظ”، ومع ذلك أصر‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏ابدا،‏ ‏وأنه‏: “‏‏ما‏ ‏يضرش‏”‏

أحسست‏ ‏بالتحفز‏ ‏الجاهز‏ ‏من‏ ‏الغيطانى ‏والقعيد‏ كلما‏ ‏ذكر‏ ‏اسم‏ ‏سلماوى، ‏واعتبرته‏ ‏من‏ ‏قبل‏ ‏هذا‏ ‏التنافس‏ ‏الظريف‏ ‏الذى ‏كنا‏ ‏نسمع‏ ‏عن‏ ‏بعضه‏ ‏بين‏ ‏شعراء‏ ‏وأدباء‏ ‏ومفكرين‏ ‏فى ‏العشرينات‏ ‏والثلاثينات‏، ‏ولم‏ ‏أعتبره‏ ‏خلافا‏ ‏قاسيا‏، ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏أصبح‏ ‏مادة‏ ‏طريفة‏ ‏للمداعبة‏ ‏و”النكش‏”، ‏وذكر‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يعرف‏ ‏سلماوى جيدا ‏قبل‏ ‏نوبل‏، ‏وأن‏ ‏تكليفه‏ ‏بإلقاء‏ ‏كلمته‏ ‏عندما‏ ‏استلمت‏ ‏كريمتاه‏ ‏جائزة‏ ‏نوبل‏ ‏كان‏ ‏مصادفة‏، ‏حيث‏ ‏أن‏ ‏قريب سلماوى (‏ربما‏ ‏شقيق‏ ‏زوجته‏ ‏أو‏ ‏زوج‏ ‏أخته،‏ – لا أذكر –  ‏كان‏ ‏سفيرا‏ ‏لنا‏ ‏فى ‏السويد‏)، ‏وأنه‏ ‏يتذكر‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏علاقة‏ ‏مصاهرة‏ ‏بين سلماوى ‏ ‏وبين‏ ‏توفيق‏ ‏الحكيم‏، فتبرع‏ ‏أحد‏ ‏الجالسين‏ يذكر ‏أن‏ ‏أخته‏ ‏كانت‏ ‏زوجة‏ ‏لابن‏ ‏توفيق‏ ‏الحكيم‏، ‏مال الأستاذ‏ ‏إلى ‏الخلف‏ ‏وكأنه‏ ‏وجدها‏ ‏وقال‏ “‏هكذا‏”!!.

 جرى ‏تعليق‏ ‏على ‏كتاب‏ ‏نشر‏ ‏حديثا‏ (‏ليس‏ ‏حديثا‏ ‏جدا‏) ‏عن‏ ‏خطابات‏ ‏توفيق‏ ‏الحكيم‏ ‏إلى ‏زوجة‏ ‏ابنه‏، ‏واعترض‏ ‏البعض‏ ‏على ما‏ ‏جاء‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الكتاب‏ ‏من‏ ‏تسطيح‏ ‏أحيانا‏، ‏ومن‏ ‏حرارة‏ ‏مفرطة‏ ‏أحيانا‏ ‏أخرى، ‏وأنه‏ ‏كتاب‏ ‏لا‏ ‏موقع‏ ‏له‏: ‏لا‏ ‏فى ‏الأدب‏ ‏ولا‏ ‏فى ‏السيرة‏ ‏الذاتية،‏ ‏ولم‏ ‏يذكر‏ ‏المتحدث‏ اسم ‏جامع الخطابات ‏ولا‏ ‏ناشرها‏، ‏ولم‏ ‏يعلق‏ ‏الاستاذ‏، ‏وتذكرت‏ ‏حساسيته‏ ‏المفرطة‏ ‏نحو‏ ‏أى ‏حديث‏ ‏عن‏ ‏شؤونه ‏ ‏الخاصة‏ ‏او‏ ‏شئون‏ ‏أسرته‏، ‏فكيف‏ ‏لو‏ ‏عبث‏ ‏عابث‏ ‏بهذه‏ ‏المنطقة‏ ‏مثلما‏ ‏صنع‏ ‏كاتب‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏ ‏عن‏ ‏توفيق‏ ‏الحكيم‏، واحترمت تحفظه وحذره وامتناعه عن التعليق.‏

فتح‏ ‏موضوع‏ ‏طلب‏ ‏وزير الداخلية‏ ‏حسن الألفى تصوير‏ ‏لقطة‏ (ربما تليفزيونية) ‏مع‏ ‏الأستاذ‏ ‏بمناسبة‏ ‏عيد‏ ‏الشرطة‏، ‏وتصورتُ‏ ‏أنه‏ ‏سيحضر‏ ‏ليبادله‏ ‏الحديث‏ ‏أو‏ ‏التهنئة‏ ‏أو‏ ‏ما‏ ‏شابه‏، ‏وتحفظت‏ ‏إزاء‏ ‏هذا‏ ‏الطلب‏، ‏كما‏ ‏تحفظت‏ ‏قبلها ‏على ‏زيارة‏ ‏المفتى (‏مفتى ‏الديار‏) ‏للأستاذ‏ (‏بعد ما سمعت بعض التفاصيل من الأستاذ عن ‏زيارة‏ ‏محمد‏ ‏الغزالى – ‏ثم‏ ‏د.‏أحمد‏ ‏فؤاد‏ ‏أبو‏ ‏المجد‏) ‏وكانت‏ ‏وجهة‏ ‏نظرى ‏أن‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏هو‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏ولا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نسمح‏ ‏باستقطابه‏ ‏فى ‏أى ‏ناحية‏، ‏فإذا‏ ‏زاره‏ ‏المفتى – ‏والحالة‏ ‏كما‏ ‏نعلم‏ ‏بينه‏ ‏وبين‏ ‏شيخ‏ ‏الأزهر‏، ‏فنحن قد‏ ‏نضعه‏ ‏فى ‏جانب‏ ‏فى ‏مواجه‏ ‏الآخر‏، ‏وهذا‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏الاستعمال‏ ‏ينبغى ‏الحرص‏ ‏على ‏تجنبه‏، ‏وبالقياس‏ ‏رأيت‏ ‏أن‏ ‏ظهوره‏ ‏مع‏ ‏حسن‏ ‏الألفى ‏سوف‏ ‏يضعه‏ ‏فى ‏جانب‏ ‏واحد‏ ‏مع‏ ‏الحكومة‏ ‏بما لها وعليها‏، ‏وتذكرت الهمس الذى أثاره الدفاع من أن الحادث ملفق من قبل الحكومة عملا على زيادة كره الناس للجماعات من خلال تعاطفهم وحبهم لنجيب محفوظ، وبرغم عبثية هذا الهمس الذى ناقشناه سالفا، وبرغم أننى أعرف‏ ‏يقينا‏ أن موقف محفوظ لا يقاس بأنه مع الحكومة أو ضد الحكومة، أية حكومة، وإنما هو له موقفه الخاص من كل حدث، ومن كل شخص ثم إن موقفه من الجماعات التى حاولت قتله هو شديد التسامح والدعاء لهم بالهداية، لكل ذلك اعترضتُ على طلب وزير الداخلية، ‏وثار‏ ‏خلاف‏، ‏وغلب‏ ‏الرأى ‏لمعظم‏ (‏أو‏ ربما ‏كل‏) ‏الجالسين‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏مانع‏، ‏وأنهم‏ ‏يوافقونى ‏على ‏رفض‏ ‏الاستقطاب‏ ‏الأول‏ (‏المفتى مقابل ‏الأزهر‏) ‏لكنهم‏ ‏لا‏ ‏يوافقوني‏ ‏على ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏احتمال‏ ‏لأى استقطاب لما هو:‏ “الحكومة‏ مقابل ‏الناس”‏، ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏استمع‏ ‏الأستاذ‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏استطاع‏ ‏من هذا‏ ‏النقاش‏ ‏الحاد‏، ‏راح‏ ‏يقول‏ ‏إنه‏ ‏مدين‏ ‏للشرطة‏ ‏بلا‏ ‏أدنى ‏شك‏، ‏سواء‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏الأمن‏ ‏بصفة‏ ‏عامة‏ ‏أو‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏ما‏ ‏نال‏ ‏من‏ ‏رعاية‏ ‏فى ‏مستشفى ‏الشرطة‏، ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يرفض‏ ‏لهم‏ ‏طلبا‏، ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏الوزير‏ ‏كلم‏ ‏السيدة‏ ‏حرمه‏ ‏وأخذت‏ ‏رأيه‏ ‏ووافق‏، ‏وهو‏ ‏لا‏ ‏يملك‏ ‏أن‏ ‏يتراجع‏ – ‏ولأننى ‏بدأت‏ ‏أعرف‏ ‏طبعه‏ ‏فقد‏ ‏سارعت‏ ‏بالتراجع عن موقفى احتراما وتعلّما‏، تعلمت ‏كيف نهتم‏‏ ‏بآداب‏ ‏السلوك‏ ‏الصغيرة‏ ‏قبل الكبيرة‏، وكيف أنه ‏يفى ‏بالوعود‏ ‏البسيطة‏ ‏وغير‏ ‏البسيطة‏، ‏وهو يحرص‏ ‏على ‏المجاملات‏ ‏العادية‏ ‏فى ‏حدود‏ ‏نظامه‏ ‏المحكم‏، ومعانى العرفان بالجميل والالتزام بردّه، ‏ورأفة‏ ‏باعتراضاتنا‏ ‏أراد الأستاذ‏ ‏أن‏ ‏يخفف الموقف فأثار تحفظا فكِهًا يقول: إن ‏الحرج‏ ‏الوحيد بالنسبة لمقابلة الوزير ‏هو‏ ‏أن‏ ‏يتكلم‏ ‏معه بصوته‏ ‏هذا‏ ‏المتحشرج‏، ‏فيصبح‏ ‏دعاية‏ ‏سيئة‏ ‏للشرطة‏ ‏ومستشفى ‏الشرطة‏ ‏وكأنهم‏ ‏لم‏ ‏ينجحوا‏ ‏فى ‏شفائه‏ ‏تماما‏!!

 وضحك عاليا، فضحكنا فرحين.

ثم‏ ‏أثار‏ ‏الغيطانى ‏أساسا‏، ‏ثم‏ ‏العقيد‏، ‏مسألة‏ ‏ضرورة‏ ‏الحذر‏ ‏فى الخروج فى نفس الموعد ‏المرات‏ ‏القادمة‏، ‏ومحاولة‏ ‏تغيير‏ ‏الميعاد‏، ‏والمكان باستمرار‏، ‏وخاصة‏ ‏بعد‏ ‏صدور‏ ‏الحكم‏ ‏الذى ‏يرجح‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏فيه‏ ‏إعدام‏ ‏واحد‏ ‏أو‏ ‏أكثر‏، ‏وانقبض‏ ‏قلبى ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الاحتمال‏، ‏رفضت المبالغة فى‏ ‏الخوف‏ ‏هكذا، فما زلت أعتبر أن ما حدث حادث عابر، من شاب أعمى نال أو سينال جزاءه، أكثر منه موقفا عاما من جماعة قَتَله. حاولت‏ ‏أن‏ ‏أقاوم‏ ‏التيار‏ ‏أنا‏ ‏وزكى ‏سالم‏، ‏ولم‏ ‏أنجح‏، ‏وقلت‏ ‏دعوا‏ ‏لى ‏هذا‏ ‏الأمر، فأنا المتعهد بتدبير الأماكن والتوقيت، ‏وسوف‏ ‏أخطركم‏ ‏بالتغيير إن لزم الأمر‏، ‏ولم يكن فى ‏نيتى ‏أية محاولة لتغيير مااعتدنا عليه، ولو‏ ‏بعد‏ ‏بضعة‏ ‏أسابيع‏، فقد عرفتُ طبعه، وكم هو يتعلق بنفس التوقيت، ونفس المكان، ونفس الكرسى، وأحيانا نفس الجار فى كل جلسة، فحرصت ‏أن‏ ‏أحافظ‏ ‏على ‏تثبيت‏ ‏إيقاع‏ ‏مواعيد‏ ‏الأستاذ‏ ‏مهما‏ ‏بدت‏ ‏المخاطرة‏، ‏ليس‏ ‏استهتارا‏، ‏ولكن‏ ‏رفضا‏ ‏للحياة‏ ‏تحت‏ ‏سيف‏ ‏خطر‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏تجنبه‏ ‏إذا‏ ‏صمم‏ ‏القدر‏، ‏ولم‏ ‏أحاول‏ ‏أن‏ ‏أشرح‏ ‏تفاصيل‏ ‏نواياى ‏له‏ ‏حتى ‏لا‏ ‏أثير‏ ‏مخاوفه‏ ‏التى ‏تغذيها‏ ‏بشكل‏ ‏ما‏ ‏مخاوف‏ ‏هؤلاء‏ ‏الصحبة‏ الطيبة، ‏وتحفظات‏ ‏السيدة‏ الكريمة ‏زوجته الفاضلة‏ الحريصة على سلامته أكثر منّا جميعا.‏

الأربعاء:‏ 4/1/1995‏

الأستاذ‏ ‏منزعج‏ ‏انزعاجا‏ ‏متوسطا‏، ‏ومتحفز‏ ‏ومستعد‏ ‏للدفاع‏ ‏عن‏ ‏رأيه‏، ‏أخبرتنى ‏السيدة‏ ‏زوجته‏ ‏أنه‏ ‏سيذهب‏ ‏ابتداء‏ ‏من‏ ‏غد‏ ‏إلى ‏المستشفى، ‏لأنه‏ ‏توجد‏ ‏آلات‏ ‏هناك‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يستعملها‏ ‏أثناء‏ ‏تدريبات‏ ‏العلاج‏ ‏الطبيعى، ‏ولم‏ ‏أفهم‏ ‏دوافع‏ ‏رغبة‏ ‏السيدة‏ ‏زوجته‏ ‏وإصرارها‏ ‏على ‏مثل‏ ‏ذلك‏، ‏وقد‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏طرحَتْهُ‏ ‏وحاولتُ أن أشرح لها أنها ليست ضرورة بلا بديل‏، ‏المهم‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏كان‏ ‏خائفا‏ ‏تماما‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يـُفرض‏ ‏هذا‏ ‏الاجراء‏ ‏عليه‏، ‏وكان‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏مثل‏ ‏طفل‏ ‏يخشى ‏العودة‏ ‏إلى ‏مدرسة‏ ‏تخرج‏ ‏منها‏ ‏بنجاح‏ ‏متوسط‏‏، ‏وقارنت‏ ‏تمسكه‏ ‏بالمستشفى ‏سابقا‏ ‏وخوفه‏ ‏من‏ ‏العودة‏ ‏للبيت‏، ‏بتمسكه‏ ‏بالبيت‏ ‏حاليا‏ ‏ورفضه‏ ‏التردد على المستشفى، ‏وتأكدت‏ ‏من‏ ‏علاقته‏ ‏بالأمكنة‏ والاستقرار فيها ‏لدرجة‏ ‏الاحتماء‏ ‏بها‏ ‏أيا‏ ‏كانت‏، ‏وطمأنته‏ ‏والسيدة‏ ‏حرمه‏ ‏إلى ‏درجة‏ ‏أقل، ‏ومع إقرارى بفائدة العلاج الطبيعى والتدريبات، فإنى شرحت أن كل شىء ممكن فى حدود الأصول العلمية والمهنية فى أى مكان، ووعدته‏ ‏أنه‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏فى ‏الأمر‏ ضرورة توفير ‏أجهزة‏ بذاتها، ‏فالدولة‏ ‏أبدت‏ ‏استعدادها‏ ‏لنقلها‏ ‏إليه‏ ‏أو‏ ‏حتى ‏لشرائها‏ ‏له‏، ‏ثم‏ ‏يتبرع‏ ‏بها‏ ‏لأى ‏مركز‏ ‏تأهيل‏ ‏بعد‏ ‏انتهاء‏ ‏العلاج‏، ‏وكل‏ ‏ذلك كان‏ ‏من‏ ‏تأليفى ‏لطمأنته‏، ‏ولو‏ ‏أننى ‏كنت‏ ‏مصرا‏ ‏فى ‏نفسى سرًّا ‏على ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏محتمل‏ ‏ولو‏ ‏على ‏حسابى ‏الخاص، ‏وأصررت‏ ‏على ‏رأيى ‏رغم‏ الاعتراض‏‏ المتكرر من الزوجة‏ ‏الفاضلة‏ الحريصة على أفضل فرص للتأهيل‏، ‏وحين‏ ‏تأكد‏ الأستاذ ‏من‏ ‏إصرارى ‏وقدرتى على تحمل المسئولية، واقتناع زوجته الفاضلة بذلك ‏انفرجت‏ ‏أساريره،‏ ‏وقبـّلنى ‏وأنا‏ ‏منصرف‏ ‏هاتفا:

“يا‏ ‏مفرِّج‏ ‏الكروب” ‏

وأحببته‏ ‏كثيرا‏ ‏جدا‏.‏

الحلقة العاشرة

…. فلسفة للبيع

الخميس: 5/1/1995 ‏

الأنفلونزا‏ ‏تلزمنى ‏الفراش، توفيق‏ ‏صالح‏ ‏يكلمنى ‏بتكليف‏ ‏من‏ ‏الأستاذ‏ ‏لأشارك‏ ‏فى ‏جلسة‏ ‏الحرافيش (المغلقة) يوم الخميس‏، ‏ما‏ ‏زلت‏ ‏أفضل‏ ‏أن‏ ‏أحتفظ‏ ‏بهذه‏ ‏الصورة لهذه الجماعة ‏ ‏التى ‏قرأتُ‏ ‏عنها‏ ‏فى ‏الصحف‏ ‏وفى ‏المجلات‏، ‏أحتفظ‏ ‏بها‏ ‏كما‏ ‏صورها‏ ‏خيالى، أجدها صورة أفضل مما تبقى منها فى هذا الواقع الجديد، ‏مازلت‏ ‏أعتبر‏ ‏نفسى ‏دخيلا‏ ‏عليهم‏، ‏ناس‏ ‏يجلسون‏ ‏مع‏ ‏بعضهم‏ ‏منذ‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏أربعين‏ ‏سنة‏، ‏مالى ‏أنا‏!! ‏لكن‏ ‏كلا‏ ‏من‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ و‏الأستاذ‏ – ‏يصر‏ ‏على ‏أن‏ ‏أنتسب‏ ‏إليهم‏، ‏فأقبل‏ ‏بشرط‏ ‏التجربة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏ومن‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى ‏دون‏ ‏التزام‏، ‏فأنا‏ ‏أعرف‏ ‏نفسى، ‏ولست‏ ‏ناقصا‏، لكن هذه الإنفلونزا اليوم أعفتنى من تكرار مشاعرى الحذرة، اطمأننت أن توفيق هناك، وهو يعرف مداخله، ومواضيعه بسهولة ويسر وائتناس تعودا عليه دهرا طويلا، بالرغم من كل شىء.

الجمعة:‏ 6/1/1995‏

عندى ‏مهمة‏ ‏فى ‏لجنة‏ ‏تابعة‏ ‏للمجلس‏ ‏الأعلى ‏للجامعات‏ ‏بشأن‏ ‏زمالة‏ ‏طب‏ ‏الأسرة‏، ‏محمد‏ ‏ابنى ‏حل‏ ‏محلى ‏مرة أخرى فى ‏صحبة‏ ‏الأستاذ‏، ‏قرأت موعد‏ ‏جدول‏ ‏أعمال‏ ‏هذه‏ ‏اللجنة‏ ‏خطأ‏ ‏فتصورت‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏أن‏ ‏ألحق‏ ‏بالأستاذ‏، ‏فى ‏الفندق‏ ‏فى ‏أول‏ ‏طريق‏ ‏اسكندرية‏ ‏الصحراوى، ‏وفعلا استطعت أن أذهب إليهم فى الفندق قبل الانصراف بقليل. ‏

لم‏ ‏أفرح‏، ‏على ‏كثرة‏ ‏ما‏ ‏فرحت‏ ‏بلقاءاته‏ ‏مثلما‏ ‏فرحت‏ ‏باستقباله‏ لى اليوم ‏وهو‏ ‏يرد‏د ‏أنه‏ “‏هكذا‏ ‏اطمأن‏ ‏علىّ، ‏وعلى ‏إنفلونزتي”، ‏وجدت‏ ‏مذيعة‏ ‏دانيماركية‏ ‏تجلس‏ ‏بجواره‏، ‏وتلتقط‏ ‏الصور‏ ‏معه‏، ‏وقد‏ ‏أبلغونى ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏أنه‏ ‏اعتذر‏ ‏عن‏ ‏التسجيل‏ ‏معها‏ ‏بسبب‏ ‏صوته‏، ‏تأكدت‏ ‏من‏ ‏حساسيته‏ ‏تجاه‏ ‏هذه‏ ‏الإعاقة‏ ‏المعلنة هكذا‏، هو حين يعتذر، يعتذر بحق، برغم أننى أكره الاعتذار عموما، لكن اعتذاره شىء آخر، وقد قام ‏ ‏بالتوقيع‏ للمذيعة الضيفة على ‏ما طلبت ‏ ‏بخط‏ ‏لا‏ ‏يقرأ‏ – ‏هو حين‏ ‏يقدم‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الاعتذارات‏ ‏البسيطة‏ ‏ينسى‏ ‏أنه‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ، ‏ ‏حضرتنى هذه الرسالة وأنا أقارن موقفه هذا بموقف كل‏ ‏من‏ ‏ينفخ‏ ‏فى ‏صورته‏ ‏وذاته‏ ‏وكرشه‏ ‏وإسمه‏ ‏وهو‏ ‏يتفضل‏ ‏على ‏من‏ ‏حوله‏ ‏برد‏ ‏التحية‏، ‏مجرد‏ ‏رد‏ ‏التحية‏، ‏وأتألم‏ ‏لهم‏ ‏مشفقا،‏ ‏وأدعو‏ ‏له‏ ‏بطول‏ ‏العمر‏، ‏وأحمد‏ ‏الله‏.‏

أخبرنى ‏الأستاذ‏ ‏كيف‏ أنه ‏استمتع‏ ‏بحديث‏ ‏إبنى ‏عن‏ ‏رسالته‏ للدكتوراة ‏عن‏ “‏الفائض‏ ‏اللغوي”، ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏ذكرت‏ ‏له‏ ‏فى ‏حديث‏ ‏سابق‏ ‏موضوع‏ ‏رسالة‏ ‏إبنى ‏يوم‏ ‏أن‏ ‏اعتذرت‏ ‏له‏ ‏لأننى ‏ذاهب‏ ‏لحضور‏ ‏مناقشته‏، ‏وإذا‏ ‏به‏ ‏يلتقط‏ ‏الموضوع‏ ‏فورا‏ ‏ويلخصه‏ ‏كالآتى: “‏يعنى ‏مثلا‏ ‏بدل‏ ‏ما‏ ‏نقول‏ ‏ما‏ ‏قلنا‏ه ‏منذ‏ ‏قليل‏ ‏فى ‏عشرين‏ ‏جملة‏ ‏نقوله‏ ‏هو‏ ‏هو‏ ‏فى ‏خمسين‏، ‏فيكون‏ ‏الفائض‏ ‏هو‏ ‏ثلاثين، ويبدو أن هذا ليس عيبا خالصا”‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ضاحكا “‏الله‏ ‏نوَّر‏، ‏فلماذا‏ ‏البحث‏ ‏وتعب‏ ‏القلب؟‏ وهل هذه الجملة تحتاج إلى بحث دكتوراه لنثبتها”، ‏وتطرَّق‏ ‏الحديث‏ – ‏مرة‏ ‏أخرى – ‏إلى ‏تكرار‏ ‏توقيع‏ ‏سلماوى ‏على ‏الحديث‏ ‏معه‏ ‏فى “‏وجهة‏ ‏نظر” فى الأهرام‏، ‏وطلبتُ من الاستاذ‏ ‏أن‏ ‏يشترط‏ ‏قراءة‏ ‏الحديث‏ ‏قبل‏ ‏نشره‏، ‏لأننى أشعر أحيانا أن ثم اقتطاعا قد حدث، مما ‏قد‏ ‏يوصل‏ ‏للناس‏ ‏فكرة‏ ‏مبتورة‏، ‏ورفض الاستاذ مرة أخرى‏، ‏وقال‏ “إن‏ ‏أحاديثه‏ تنشر‏ ‏بأمانة‏، ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يعقد‏ ‏الأمور”، وسكتُّ ‏على ‏مضض‏.‏

حولت‏ ‏الموضوع‏ ‏مذكرا‏ ‏إياه‏ ‏بموافقته‏ ‏على ‏أن‏ ‏أواصل‏ ‏الدراسة‏ ‏التى ‏بدأتها‏ ‏عن “أصداء‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية”‏ ‏رغم‏ ‏خطأ‏ ‏الترتيب‏ التسلسلى فى الأهرام، ‏وأعاد‏ ‏موافقته‏، قلت‏ ‏له‏ ‏إننى ‏لاحظت‏ ‏أن‏ “‏عبد‏ ‏ربه‏ ‏التائه”‏ ‏قد‏ ‏ظهر‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏تحدثَّ‏ ‏وأفتى ‏فى ‏حلقة‏ ‏سابقة‏‏، ‏فابتسم‏ ‏قائلا‏ ‏أن‏ ‏ ‏اختلاف‏ ‏الترتيب‏ ‏هذا قد ‏حدث‏‏ فى ترتيب النشر فى الأهرام ليس إلا، ‏ثم‏ ‏أضاف‏ ‏أن‏ “بتوع‏ ‏الحداثة” ‏اعتبرو‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏مقصود‏ ‏منه‏، ‏وأنه‏ ‏هكذا‏ ‏أصبح‏ ‏يمثل‏ ‏منتهى ‏الحداثة‏، ‏وخبط‏ ‏بقدمه‏ ‏الأرض‏ ‏ومال‏ ‏إلى ‏الخلف‏ ‏ضاحكا‏ ‏ضحكته‏ ‏الرائعة‏، ‏وفرحت‏ ‏به‏ ‏وأنا‏ ‏أردد‏ ‏تعبيره‏ ‏الطيب‏ (‏بتوع‏ ‏الحداثة‏).‏

ذكرته‏ ‏بهذا‏ ‏العمل‏ ‏المهم‏ ‏الذى سمعت أنه ‏يقوم‏ ‏به‏ ‏مركز احصاء ونقد‏ ‏فى ‏الخارج‏ ‏إذ‏ ‏يجمع‏ ‏ألفاظ‏ ‏أعماله‏ ‏كلها‏ ‏فى ‏قاموس‏ ‏ألفاظ‏ ‏يسهل‏ ‏للباحث‏ ‏أن‏ ‏يلم‏ ‏بمواقعها‏ ‏عبر‏ ‏أعماله‏ ‏طوليا‏، ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏لا‏ ‏يفيد‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏مجرد‏ ‏مفتاح‏ ‏للمقتطف‏، ‏وليس‏ ‏دليلا‏ ‏على ‏موقف‏ ‏بذاته‏ ‏من‏ تكرار ‏لفظ‏ ‏بذاته‏ عددا من المرات هنا أو هناك، ‏فهز‏ ‏رأسه‏‏ ‏وتساءل‏ ‏أليس‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏جهد‏ ‏ضائع؟ ‏وأكدت‏ ‏له‏ ‏أنه‏ ‏مجرد‏ ‏مؤشر‏ ‏وليس‏ ‏فى ‏ذاته‏ ‏عمل‏ ‏خلاق‏، ‏لكن‏ ‏المسألة‏ ‏تتوقف‏ ‏على ‏الخطوة‏ ‏التالية‏ وطريقة الاستفادة من هذا الجهد.

‏ عقـَّب‏ ‏محمد إبنى ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏على ‏ضحكته‏ ‏وخبطة‏ ‏الأرض‏ ‏بقدميه‏ ‏ومدى خفة ظله وهو يفعل ذلك، ‏وحكى ‏لى ‏تعقيبه‏ ‏على ‏من‏ ‏قال‏ ‏له‏ ‏إن‏ ‏أى ‏واحد‏ ‏فى ‏أمريكا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يفتح‏ ‏مكتبا‏ ‏للعلاج‏ ‏النفسى ‏أو‏ ‏للمناقشات‏ ‏التوجيهية‏ ‏أو‏ ‏للإرشاد‏ ‏الفلسفى، ‏أو‏ ‏سمِّ‏ ‏أى من ‏ ‏ذلك‏ ‏ما‏ ‏تشاء‏ ‏من‏ ‏أنواع‏ ‏التسمية‏ ‏التى ‏يحددها‏ ‏القانون‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏كان‏ ‏صاحب‏ ‏المكتب‏ ‏هو‏ ‏صاحب‏ ‏فلسفة‏ ‏أو‏ ‏عقيدة‏ ‏أو‏ ‏مذهبا‏ ‏خاصا‏، ‏وليس‏ ‏طبيبا‏ ‏نفسيا‏ ‏أو‏ ‏معالجا‏ ‏نفسيا‏، ‏فعقب‏ ‏الاستاذ ساخراً‏ ‏قائلا‏: “… ‏يعنى ‏مثلا‏ ‏ممكن‏ ‏أن‏ ‏أذهب‏ ‏إلى ‏أحد‏ ‏هؤلاء‏ ‏الفلاسفة‏، ‏وأدفع‏ ‏له‏ ‏أربعين‏ ‏دولارا‏ مثلا، ‏وأقول‏ ‏له‏ ‏إثبت‏ ‏لى ‏وجود‏ ‏الله‏!!‏؟؟‏ ما هذا؟!!

الأحد:‏ 8/1/1995‏

بعد‏ ‏غيبة‏ ‏اضطرارية‏ ‏لمدة‏ 48‏ساعة‏ ‏ذهبت‏ ‏مساءا‏ ‏إليه‏، ‏وحين دخلت الشقة وجدته‏ ‏يمشى ‏فى ‏الصالة‏، ‏وحين‏ ‏رآنى ‏هتف‏ “مش‏ ‏معقول”، ‏وأخطرنى ‏كيف‏ ‏راح‏ ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏رقم‏ ‏تليفونى ‏ليسأل‏ ‏عن‏ ‏صحتى، ‏اعتدت‏ ‏هذا‏ ‏الاستقبال‏ ‏وأخذت‏ ‏اعتبره‏ ‏من‏ ‏طبعه‏ ‏وليس‏ ‏لأهميتى ‏الخاصة‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏لم‏ ‏أستطع‏ ‏بعدُ‏ ‏أن‏ ‏أكتم‏ ‏فرحتى – ‏عن‏ ‏نفسى – ‏فى ‏كل‏ ‏مرة‏ ‏يعطينى ‏فيها‏ ‏هذه‏ ‏الأهمية‏.‏

استفسرتُ‏ ‏منه‏ ‏عن‏ ‏رأى ‏قرأته‏ ‏له‏، ‏وهو‏ ‏الرأى ‏الذى ‏َأرْسـَلـَهُ‏ ‏لندوة‏ الأهرام بعنوان: “نحو‏ ‏مشروع‏ ‏قومى ‏حضاري” ‏وقد بلغنى أنه جاء فى هذا الرأى قوله ما معناه:‏ “… ‏إن‏ ‏السبيل‏ ‏إلى ‏نهضتا‏ ‏هو‏ ‏الإسلام‏، ‏فقال‏ ‏لى ‏إنه‏ ‏قال‏ ‏ذلك‏ فعلا ‏رابطا‏ ‏إياه‏ ‏بأن‏ ‏يتم‏ ‏هذا‏ ‏فى ‏حوار‏ ‏مع‏ ‏معطيات‏ ‏العلم‏ ‏والآراء‏ ‏الأخرى”، ‏فذكـّـرته‏ ‏أن‏ ‏استعمال‏ ‏كلمة‏ ‏الاسلام‏ ‏تعنى ‏عند‏ ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏معنى ‏مختلفا عن ما تعنيه عند الآخر‏، ‏وأننى ‏أجادل‏ ‏إبنى ‏وزملاءه‏ ‏منذ‏ ‏عامين‏ ‏على ‏التزامى ‏الخاص، ‏وأننى ‏مدين‏ ‏للغتى ‏ودينى ‏بكثير من أفكارى بل وإبداعاتى فى كثير من المجالات، ثم سألته مرة أخرى عن كلمته التى أرسلها لهذه الندوة فى الأهرام فحكاها لى واضحة مؤكدة، وسألنى بدوره ‏وهل‏ ‏كنت‏ ‏مشاركا‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الندوة؟ ‏فأجبت‏ ‏بالنفى، ‏لكننى ‏أردفت‏ ‏أن‏ ‏بعض‏ ‏المشاركين‏ ‏قد‏ ‏التقيتهم‏ ‏مساء‏ ‏نفس‏ ‏اليوم‏ فى المجلس الأعلى للثقافة ‏وسألتهم‏ ‏عن‏ ‏كلمته‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏تنشر‏ ‏فقال‏ ‏لى ‏د‏. ‏ميلاد‏ ‏حنا‏ (‏وكان‏ ‏أحد‏ ‏حضور‏ ‏الندوة‏) ‏ماطا‏ ‏شفتيه‏ ‏أن‏ ‏الكلمة‏ ‏كانت‏ ‏ماسخة‏، ‏وأنك‏ ‏لم‏ ‏تقل‏ ‏فيها‏ ‏إلا‏ “أنك‏ ‏مسلم”، وكأنك تتحفظ متراجعا، وذكرتُ‏ ‏له‏ ‏شعورى ‏الرافض‏ أن يختزلوا كلمته إلى مثل ذلك‏، ‏وخاصة‏ ‏بعد‏ ‏ما‏ ‏قرأت‏ ‏تفاصيل‏ ‏الكلمات‏ ‏فى ‏أهرام‏ ‏الجمعة‏ ‏التالى، ومن بينها كلمته الشاملة، وهى غير هذا الاختزال المخل‏ كما وصلنى من د.ميلاد،‏ تعجب‏ ‏الأستاذ‏، ‏وصمت أطول،‏ ‏كما‏ ‏يفعل‏ ‏حين‏ ‏يفاجأ‏ ‏بما‏ ‏لايحِب‏، ‏وقال “ماذا‏ ‏يريدون؟‏ ‏وكأن‏ ‏الأقلية‏ ‏تريد‏ – ‏لكى ‏تشعر‏ ‏بالأمان‏- ‏أن‏ تتخلى الأغلبية عن أصول دينها الصحيح، ‏إنهم‏ ‏رغم‏ ‏ذكائهم‏ ‏أغبياء حين يتصورون أن هذا يؤمـِّـنهم، مع أن ‏ ‏الأمان‏ ‏لا‏ ‏يأتى ‏إلا‏ ‏حين‏ ‏يمارس‏ ‏الناس‏ ‏ما‏ “هم”، ‏وأغلب‏ ‏الناس‏ ‏فى مصر مسلمون‏، ‏فليمارسوا‏ ‏إسلامهم‏، ‏وحين‏ ‏يمارسونه‏ ‏بطريقة‏ ‏صحيحة‏، ‏فإن‏ ‏الأمان‏ ‏سيعم‏ ‏كلا‏ ‏من‏ ‏الأغلبية‏ ‏والأقلية‏، ‏ولا‏ ‏يوجد‏ ‏سبيل‏ ‏آخر”، قلت‏ ‏له‏، ‏إن‏ ‏المشكلة‏ ‏تتمثل‏ ‏فى ‏حكاية‏ ‏التطبيق‏ ‏السليم‏ ‏هذه‏، ‏من‏ ‏الذى ‏سيطبق‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الخير؟ ‏ومن‏ ‏له‏ ‏حق‏ ‏وضع‏ ‏مساحة‏ ‏الحركة‏ ‏أو تحديد طول حبل‏ ‏القيود‏، ‏قال‏: ‏هذه‏ ‏هى ‏مشكلة‏ ‏كل‏ ‏القوانين‏ ‏والنظريات‏: ‏التطبيق‏ ‏وليس‏ ‏القانون‏ ‏نفسه‏.‏

وسكتُّ وأنا فرح بالاقتراب النسبى.

أخبرته‏ ‏أن مجموعة الثلاثاء قد غيرت الموعد هذا الأسبوع‏ ‏إلى ‏الأربعاء‏ ‏بمناسبة‏ ‏إعلان‏ ‏الحكم‏ ‏ومخاوف‏ ‏بعض‏ ‏الأصدقاء‏، مع أننى شخصيا لا أجد مبررا لأى من ذلك، ‏قال: “‏‏ليكن‏ ‏ما‏ ‏يريدون”، ‏ثم‏ ‏صمتَ‏ ‏قليلا‏ ‏وأردف‏: “‏أليس‏ ‏بعيدا‏ ‏يوم‏ ‏الأربعاء”؟‏

 ‏أدركت‏ ‏لتوى ‏حاجته‏ المنتظمة ‏إلى ‏الهواء‏ ‏والناس‏، ‏وقلت فور‏اً ‏لنخرج‏ ‏غدا‏، حتى لو كنا ‏لا‏ ‏نعرف‏ ‏إلى ‏أين‏.‏

فتهلل‏، ‏وطلب‏ ‏أن‏ ‏أكلم‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏وتوفيق‏ ‏صالح‏ ‏ومن‏ ‏أستطيع لنتفق‏.‏

 

الحلقة الحادية عشر

هل يُصلحُ العلمُ أخطاءه

الاثنين:‏ 9/1/1995‏

اتصلتُ‏ ‏بكل‏ ‏الناس‏ ‏ولم‏ ‏أستطع‏ ‏أن‏ ‏أوفّق‏ ‏فى دعوتهم للحضور‏ ‏معنا هذه الليلة‏، ‏ذهبت‏ ‏مترددا‏ ‏خجلا‏، ‏بل‏ ‏خائفا‏ ‏من‏ ‏عجزى ‏عن‏ ‏ملء‏ ‏الوقت‏ ‏بما‏ ‏يفيد‏ ‏ويهمه‏ ‏حسب‏ ‏ما‏ ‏تعودت‏ ‏منه‏ ‏وفهمت‏ ‏عنه‏، ‏دخلت‏ ‏عليه‏ ‏قبل‏ ‏السادسة‏ ‏ويدى ‏على ‏قلبى، ‏وجدته‏ ‏مرتديا‏ ‏جاهزا‏ ‏فى ‏الردهة‏ ‏كالعادة‏، ‏قال:‏ ‏معك‏ ‏أحد؟‏ ‏قلت‏: ‏لم‏ ‏أعثر‏ ‏على “‏زبائن”‏، ‏قال‏ ‏حتى ‏”محمد” (إبنى، كان قد اعتاد صحبته بديلا عنى، وأحيانا معى)، ‏ ‏قلت‏ له إنه يحضر‏ ‏مناقشة‏ ‏رسالة‏ دكتوراه لزميل له‏، ‏انتقل هو فجأة إلى موضوع آخر ليخبرنى أن‏ ‏زوجته‏ ‏الكريمة غير موجودة لأن ‏عندها‏ ‏واجب‏ ‏عزاء‏، ‏ابنة‏ ‏أخته‏ ‏ماتت‏ ‏اليوم‏، ‏وذكر‏ ‏لى ‏آسفا‏ ‏أن‏ ‏ثلاثة‏ ‏من‏ ‏أبناء‏ ‏إخوته‏ ‏قد‏ ‏انتقلوا إلى رحمة الله‏ ‏منذ‏ ‏أن‏ ‏دخل‏ ‏المستشفى بعد الحادث: ‏إبنة‏ ‏أخ، ‏وابنة‏ ‏أخت‏، و‏هذه‏ ‏هى ‏الثالثة‏، ‏كان‏ ‏آسفا لا يُخفى حزن الفقد، ‏لكن‏ ‏ذلك‏ ‏لم‏ ‏يشغله‏ ‏عن‏ ‏الاندفاع‏ ‏نحو‏ ‏الباب‏ ‏للخروج‏، ‏لا‏ ‏أدرى ‏لماذا‏ ‏كنت‏ ‏أتصوره‏ ‏دائما‏ ‏بلا‏ ‏أخ‏ ‏ولا‏ ‏أخت‏، ‏لماذا‏ ‏دهشت‏ ‏أول‏ ‏مرة‏ ‏حين‏ ‏حدثنى ‏عن‏ ‏زوجة‏ ‏ابن‏ ‏أخيه‏ ‏الذى ‏لها‏ ‏قريب‏ ‏فى ‏المخابرات‏، ‏وهأنذا‏ ‏أكتشف‏ ‏أن له أخوات، مثل سائر البشر، وأن أخواته يلدن بنات، ‏ولابد‏ ‏أنهن‏ ‏يكبرن فى‏ ‏السن‏، ولهن أجلٌ مسمى مثل كل الناس،‏ فمن أين تأتى الدهشة، دهشتى؟ وجدت نفسى عاجزا عن العزاء العادى، حتى بكلمات مثل “‏البقية‏ ‏فى ‏حياتك‏” ‏لا‏ ‏أدرى ‏لماذا؟ لكننى شاركته صامتا،‏ ‏كان يحكى لى كل ذلك ‏وهو‏ ‏فى طريقه نحو الباب بخطى أسرع مما اعتدت، ثم تأكد لى ذلك بعد أن استدار وأغلقه بإحكام بنفسه، كأنه كان‏ ‏يخشى ‏أن‏ ‏أرجع‏ ‏فى ‏كلامى ‏ونعدل عن الخروج تأثـُّرا بهذه الأخبار المحزنة، خاصة وأنه لا يوجد معنا ثالث هذه الليلة، بدا لى أن اندفاعه خارجا بلهفة وطيبة يؤكد لى أنه ‏ ‏المشتاق‏ ‏دائما‏ ‏إلى ‏الهواء‏ ‏والناس، أصبحتُ أرى ذلك أمرا طبيعيا بعد ما حفظته‏. قال‏ ‏ردا على عجزى عن العثور على “زبائن” لهذه الليلة: “ليكن‏، ‏فلنمض‏ ‏الليلة‏ ‏رأسا‏ ‏لرأس”‏: (‏قالها‏ ‏بالفرنسية ‏Tete a tete ) ‏وفرحت، لكن خوفى من امتحان الانفراد به ليلة بأكملها ظل يلازمنى.

ركبنا‏ ‏العربة‏، ‏وقال:‏ “‏إلى ‏أين؟”‏ ‏قلت‏ ‏له‏ ‏”كما‏ ‏تشاء‏، ‏ما‏ ‏رأيك‏ ‏فى ‏المعادي؟”، ‏قال‏: “‏ليكن‏، ‏أنت‏ ‏نِـفسك‏ ‏فى ‏المعادى ‏من‏ ‏زمان!”‏، (‏لم‏ ‏ينس‏: ‏عرضا‏ ‏عرضته‏ ‏منذ‏ ‏عشرة‏ ‏أيام‏) ‏ذهبنا‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏ ‏إلى ‏مقهى (كافتريا) ‏ ‏أحد‏ ‏الفنادق‏ الفخمة ‏على ‏النيل‏ ‏فى ‏المعادى، ‏وجلسنا‏ ‏وسط‏ ‏أناس قلائل ‏ ‏فى ‏ركن‏ ‏قصى، أغلبهم من الشباب الغض اثنين اثنين!، لم أكن بعد قد رتـَّبت خروجا منتظما إلى هذا الفندق بالذات الذى أصبح بعد ذلك مكان لقاء الأربعاء باستمرار، عرفه النادل ‏طبعا‏، ورحَّب بنا فَرِحا، ‏سألته‏ ‏عن‏ ‏الينسون‏ ‏والكراوية، ‏تردد ‏قليلا‏ ‏متعجبا دون اعتراض، فهذه الفنادق غالبا لا تقدم هذه المشاريب، لكن النادل أجاب بسرعة ‏أن‏ ‏كل‏ ‏شيء‏ ‏يمكن ترتيبه فورا، حتى لو لم يكن موجودا جاهزا، ‏اعتذرت‏ ‏له‏ ‏بصوت مرتفع نسبيا لعله يصل إلى الزبائن القلائل الموجودين، عن‏ ‏علو‏ ‏صوتى‏‏ أثناء الحوار وأنا أخاطب الاستاذ، ‏فرحب بعضهم بإيماءٍ سمح‏ و‏بطيبة‏ ‏المصريين‏ ‏المحبين‏ ‏له المرحبين به، فى ‏كل‏ ‏مكان.

كنت ما زلت مشغولا بحديث أمس عن رسالة الأستاذ لندوة الأهرام، وعن حديثنا عن ‏الإسلام‏ ‏والمستقبل، لكننا هنا فى مكان عام، وتصورت أن فتح هذا الموضوع الحساس ‏بهذا‏ ‏الصوت‏ ‏العالى، ‏صوتى، ليس مناسبا، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏لم‏ ‏أتردد‏ ‏فى ‏انتهاز‏ ‏الفرصة‏.‏

رجعت‏ ‏لاستفسارى ‏الملُح‏ ‏مستوضحا‏ ‏معنى ‏أن‏ ‏مستقبلنا‏ هو ‏”‏الاسلام‏ ‏فى ‏حوار‏ ‏مع‏ ‏العلم”‏ ‏فراح‏ ‏يعيد‏ ‏شرح‏ ‏وجهة‏ ‏نظره‏ دون ملل قائلا: “‏لكى ‏تكلم‏ ‏الناس‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏هناك‏ ‏ما‏ ‏يجعلهم‏ ‏يسمعونك‏، ‏والإسلام‏ ‏الآن‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يشغل‏ ‏الوعى ‏العام‏، ‏عندك‏ ‏تسعون‏ ‏مليون‏ ‏بنى ‏آدم‏ ‏تريد‏ ‏أن‏ ‏تجعلهم‏ ‏يعملون‏، ‏وينتجون‏، ‏وقد‏ ر‏قدوا‏ ‏فى ‏الخط‏، ‏ولا‏ ‏شيء‏ ‏يحركهم،‏ ‏وهم‏ ‏يرددون‏ ‏فرحتهم‏ بأنهم ‏مسلمون‏ ‏ويريدون‏ ‏أن‏ ‏يتمسكوا‏ ‏بدينهم‏، ‏إذن‏ ‏فلتكن‏ ‏هذه‏ ‏هى ‏البداية‏، ‏ولتقل‏ ‏لهم‏ ‏إن‏ ‏المسلم‏ ‏يعمل‏ ‏ويتدرب‏ ‏ويتعلم‏ ‏ويعلـَم‏، ‏المهم‏ ‏أن‏ ‏نحافظ‏ ‏على ‏استمرار‏ ‏عطاء‏ ‏وحركة‏ ‏العلم،‏ ‏وليحكمنا‏ ‏من‏ ‏يقدر‏ ‏أن‏ ‏يسيـّرنا‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏نخاطب‏ ‏الناس‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ما‏ ‏يتمسكون‏ ‏به‏”.‏

قلت‏ ‏له‏ إن العلم الآن يقفز قفزات عملاقة، ويغير من مناهجه، وينقدها، ويضيف إليها فى حركة وثابة، لا يستطيع أن يلاحقها كثير من العلماء أنفسهم عبر العالم، فما بالك عندنا، حيث توقف أغلب من يتصور أنه يتعاطى العلم عند علوم ومناهج الستينيات حتى الثمانينيات على الأكثر، ثم أضفتُ أن العالِم لا يكون‏ ‏عالما‏ ‏بحق‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏جو‏ ‏من‏ ‏الحرية‏ ‏التى ‏لا‏ ‏تضع‏ ‏حدودا‏ ‏لحركية وعيه وتفكيره، وأن المسيرة العلمية الأصدق تتأبى عن أية وصاية من خارج حركية الإبداع العلمى المتجدد، وأن العلم الأحدث بمعنى الأحدث فعـْلاً صار يعدُ، وينذر، ويوصى، ويشترط السماح بإعادة ‏النظر‏ ‏فى ‏كل‏ ‏المعطيات ‏دون استثناء، فكيف نطمئن إلى درجة السماح اللازمة لمثل هذه الحركية إذا كان ‏الحكام‏ ‏مسلمين، لهم مرجعية من خارج هذه الحركية الطليقة، حتى لو كانت الإسلام كما يفهمونه، هذا ما لا أستطيع تصور تحقيقه، ولا أتصور أن العالِم العالِم يحتمل أية وصاية على طلاقة سعيه إلى المعرفة المتغيرة أبدا، أية وصاية حتى وصاية العلم الثابت نفسه، ولا أن ربنا يرضى له بذلك.

‏بصوت‏ ‏متواضع‏ ‏بعد‏ ‏تفكير‏ ‏صامت‏، أصرَّ‏ ‏الاستاذ‏، ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يظن‏ ‏أن الأمر ‏ ‏كذلك‏ ‏تماما‏، ‏وحتى إن‏ ‏كان‏ ‏كذلك‏، ‏فلنأخذ‏ ‏من‏ ‏العلم‏ ‏ما‏ ‏لا‏ ‏يحتاج‏ ‏لكل‏ ‏هذه‏ ‏المناهج‏ ‏الجديدة‏، ‏ولنركن‏ ‏جانبا‏، ولو لبعض‏ ‏الوقت‏ ‏الخوض‏ ‏فى ‏المسائل‏ ‏الفلسفية‏ ‏ونوع‏ ‏التفكير‏ ‏الذى ‏يمزج‏ ‏العلم‏ ‏بالعالـِم‏ هكذا، ثم راح يؤكد أن الحل الحقيقى لأزمة الإنسان المعاصر، هو فى الإنجاز العلمى الحقيقى تحت كل الظروف.

قلت‏ ‏له‏ ‏أراك‏ ‏مثل‏ ‏كثير من ‏ ‏الذين‏ ‏لا‏ ‏يعملون‏ ‏بالعلم‏ ‏فعلا‏، فهم ينتظرون من العلم ما لا يقدر عليه فى واقع الحال، قلت له ‏أنت أديب مبدع رائع، تعطى ‏للعلم‏ فى حدود ما شاع عنه من عقدين أو ثلاثة أكثر ‏مما‏ ‏يستحق‏، وتنتطر منه أكثر مما يَعِدْ، كما أبنتُ له ما يصلنى من أن العلماء الأقدر على الإضافة الآن، ‏ يأملون فى توسيع دائرة حركتهم المعرفية ‏ ‏بالنهل‏ ‏من‏ ‏مناهج وروافد‏ ‏الفن‏ ‏والأدب‏ ‏والإيمان، ثم إن المناهج العلمية الأحدث تتحدى الآن ما أصبح يسمى الكنيسة العلمية، يتجلى ذلك خاصة بالنسبة للعلوم الكموية (الكوانتية)([26]) الأحدث، والعلم المعرفى الأحدث أيضا، لم أكن قد قرأت له بعد مقالى القصير “أينشتاين شاعرا”([27]) الذى نشرته فى الأهرام لاحقا وأعجب به وهو الذى عرّفت فيه الشعر بما هو تشكيل لغوى مقتحِم، وليس مجرد قرض الشعر فى قصيدة، وبالتالى فإن الشعر شعرٌ، حتى لو كانت أبجديته علمية بحته، أو رياضية صرف، أطرقَ طويلا أكثر، وقال: “إنه لم يتابعنى بالتفصيل، ولكنه فى النهاية يوافقنى من حيث المبدأ”، خيِّل لى أنها موافقة مجاملة ولو جزئيا‏، ‏ثم‏ ‏عاد‏ ‏يصر‏ على ‏أن‏ ‏تضخـُّم‏ ‏عطاء‏ ‏العلم‏، ‏حتى ‏من‏ ‏خلال‏ ‏منهج‏ ‏محدود‏ ‏سوف‏ ‏يتيح‏ ‏لأى ‏حكم‏ ‏كائنا‏ ‏من‏ ‏كان‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏عصريا‏، ‏وأن‏ ‏يتقدم‏ ‏أكثر‏ ‏فأكثر‏ ‏حتى ‏يصلح‏ ‏أخطاءه‏ لصالح ناسه.

أعلنت له شكوكى حول هذا الاحتمال،‏ ‏وجادلتـُه كثيرا، ‏ ‏وضربت‏ُ ‏له‏ ‏مثلا‏ ‏من التسطيح‏ ‏الجارى ‏بسبب تلك ‏المحاولات‏ ‏التبريرية المتعسِّفة لتفسير ‏النص‏ ‏الدينى ‏بالعلم‏ ‏أو‏ ‏ما‏ ‏يتصورون‏ ‏أنه‏ ‏علم‏، وأن ما يصلنى من هذه المحاولات إنما يؤكد لى ‏أن‏ ‏مفهوم‏ ‏العلم‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏حكم‏ ‏دينى ‏سيظل‏ ‏موصى عليه، أى محكوما‏ ‏بنصوص‏ ‏من‏ ‏خارجه‏، ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏حرمان‏ ‏العالم -والمفكر‏- ‏من‏ ‏حريته‏ ‏الكاملة‏ ‏لن‏ ‏يسمح‏ ‏بإضافة‏ ‏حقيقية، وقد ينتهى بنا الأمر أن نرضى بأن ‏ ‏نظل‏ ‏تابعين‏ ‏لغيرنا‏ ‏فى ‏مجال‏ ‏محدود‏ ‏نسميه‏ ‏العلم‏، فى حين أنه‏ ‏لا‏ ‏يعدو‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏ظاهر‏ مرحلة من مراحل تاريخ العلم ليس إلا، وأن الأرجح عندى أن الحاكم الخائف من التغيير الجذرى سوف يحتمى بتفسير النصوص دون إيحاءاتها، وأنه سوف ينتقى التفسير الذى يدعم موقفه وموقعه اللاعلمى، ثم يفرضه على العلماء وغير العلماء باسم العلم ليضع لنفسه ولكرسيه حدودا آمنة.

 لا حظ حماسى، وربما أشفق علىّ، فأطرق ‏ ‏صامتا‏ مدة أطول فأطول، ثم‏ ‏رفع‏ ‏رأسه‏ ‏وهو يقول‏ ‏”إن‏ ‏الحرية‏ ‏الحقيقية‏ ‏قد‏ ‏تـُظهر‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الاحتمالات‏ ‏أمام‏ ‏الناس‏، ‏وفى ‏هذه‏ ‏الحالة‏ ‏لن‏ ‏يختاروا‏ ‏من‏ ‏يحقق‏ ‏مخاوفك‏ ‏هذه‏، ‏أما‏ ‏إذا‏ ‏اختاروه‏ دون أن يعرفوا عنه ذلك، ثم تبين لهم أنه سجَنَ فكرهم فلن يعيدوا اختياره ‏فعلينا‏ ‏أن‏ ‏نتحمل‏، ‏ولنضع‏ ‏جانبا‏ ‏المناطق‏ ‏الإشكالية والمختلف حولها ‏بعض‏ ‏الوقت‏ ‏حتى ‏نقف‏ ‏على ‏أقدامنا‏، ‏ما‏ ‏داموا‏ ‏سيتركون‏ ‏العلم‏ ‏يترعرع”‏.‏

قلت‏: ‏كيف‏ ‏يترعرع‏ ‏العلم‏ ‏فى ‏جو‏ ‏محكوم‏ ‏بحدود‏ٍٍ ‏من‏ ‏خارجه‏.‏

قال‏: ‏سيترعرع

أُعجبتُ‏ ‏إعجابا‏ ‏لا‏ ‏مثيل‏ ‏له‏ ‏بصبره‏ ‏وعناده‏، ‏هذا‏ ‏المفكر‏ ‏المبدع‏ ‏الذى ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏كل‏ ‏جزء‏ ‏من‏ ‏الوعى ‏ليضيف‏ ‏به‏ ‏ويتحرك‏ ‏معه‏، ‏يرضَى ‏بكل‏ ‏هذه‏ ‏القيود‏ ‏احتراما‏ ‏للواقع‏، ‏وأملا‏ ‏فى ‏المستقبل‏.‏

‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الحوار‏ ‏دار‏ ‏بصوت‏ ‏عال‏ ‏وبجوارنا‏ ‏شاب‏ ‏وفتاة‏ ‏يتناجيان‏، ‏شعرت أنهما يشاركانا أحيانا، لكنهما سرعان ما يستغرقان فيما هم فيه فلا يكادان يشعران بوجودنا أصلا، قلت‏ ‏سليمة‏ ‏والحمد‏ ‏لله‏.‏

حوّلت‏ ‏الحديث‏ ‏سائلا‏ سؤالاً تكرر منى كتيرا (‏منتهزا‏ ‏فرصة‏ ‏استفرادى ‏به‏)‏: “أنا‏ ‏لم‏ ‏أحضر‏ ‏أيا ‏من‏ ‏جلساتـِك‏ ‏فى ‏أى ‏مقهى ‏كنتَ‏ ‏تجتمع‏ ‏فيه‏ مع أصدقائك والناس…. ‏فهل‏ ‏لى ‏أن‏ ‏أسأل‏ ‏كيف‏ ‏ ‏تحتمل‏ ‏كل‏ ‏الأسئلة‏ ‏العشوائية‏ ‏والتلقائية‏ ‏والمناقشات‏ ‏السطحية التى أرجِّح أنها كانت تغلب فى بعض تلك الجلسات؟‏”.‏

قال:‏ ‏إن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏مسألة‏ ‏احتمال‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏نتعلم‏ ‏كيف‏ ‏نسمع‏ ‏ونرد‏ ‏مهما‏ ‏كان‏ ‏السائل‏ ‏والسؤال‏.‏

قلت‏: ‏ولكن ‏كثيرا‏ ‏من مثل هذه‏ ‏الأسئلة‏ ‏التافهة‏ ‏لا‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏رد‏ ‏أصلا‏.‏

قال‏: ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏السؤال‏ ‏تافها‏ ‏لكن‏ ‏السائل‏ ‏ليس‏ ‏تافها‏، ‏إذن‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏ترد‏ ‏عليه‏ ‏وتحترم‏ ‏محاولته‏ ‏مهما‏ ‏كان‏.‏

يا‏ ‏خبر‏!!‏ أى ‏درس‏ ‏هذا‏! ‏وأى ‏تحمــُّل!!‏، ‏أين‏ ‏أخفى صورتى شخصيا عن ‏مشاعرى ‏الساخرة‏ (‏الفوقية‏ غالبا) ‏التى ‏كانت‏ ‏تتلقى ‏مثل‏ ‏تلك‏ ‏التساؤلات‏ ‏السطحية‏ إذا ما عـُرضت علىّ، ‏فأرفض‏ ‏الرد‏ ‏أصلا‏ ‏وربما أدمغ‏ ‏قائلها‏ ‏قبل أن أمعن النظر فيما قال؟‏ ‏يا‏ ‏خبر‏!! ‏تعلمتُ‏، ‏ولم‏ ‏ألزم‏ ‏نفسى ‏بالوعد‏ ‏بالممارسة‏، خشيت أن أعجز تماما.‏

سرعان‏ ‏ما‏ ‏رجعت‏ ‏إلى ‏الموضوع‏ ‏المتحدى ‏الأصلى ‏لأسأله‏ ‏عن‏ ‏الإبداع فى الفن والأدب ‏ ‏فى ‏ظل‏ ‏الحكم‏ ‏ ‏الذى ‏يحاول‏ ‏أن‏ ‏يقنعنى‏ ‏أن‏ ‏أرضى ‏به‏.‏

أجابنى ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏قد‏ ‏يتوقف‏ ‏قليلا‏، ‏لكن‏ ‏الناس‏ ‏لا‏ ‏تستطيع‏ ‏أن‏ ‏تعيش‏ ‏بدونه‏ ‏وسوف‏ ‏يجدون‏ ‏له‏ ‏مخرجا‏ ‏مثلما‏ ‏وجدوا‏ ‏من‏ ‏قبل‏، ‏ألم‏ ‏يكن‏ ‏الطرب‏ ‏والفن‏ ‏والشعر‏ ‏بل‏ ‏والشرب‏ ‏والرقص‏ ‏موجودون كلهم ‏فى ‏العصر‏ ‏العباسى ‏وعبر‏ ‏العصور‏ ‏الإسلامية‏ ‏كلها؟‏ ‏وأضاف‏: ‏بعد‏ ‏فترة‏ ‏التشدد‏ ‏المبدئية‏ ‏سوف‏ ‏يرتخى ‏الحكام‏ ‏ويتصرف‏ ‏المحكومون كل بطريقته‏، ‏الإنسان‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يجد‏ ‏لنفسه‏ ‏متنفسا‏ ‏تحت‏ ‏كل‏ ‏حكم‏ ‏مهما‏ ‏كان‏، ‏لأن‏ ‏طبيعته‏ ‏غالبة،‏ ‏ووسائله‏ ‏لا‏ ‏تنتهي‏.‏

لم‏ ‏أجد‏ ‏ردا جاهزا‏، ‏وإن‏ ‏كنت‏ ‏مازلت‏ ‏منبهرا‏ ‏بما يقول، برغم رفضى وتحفظى، مندهشا‏ ‏من مفاجأة هذا الحوار. إن‏ ‏هذا‏ ‏الشخص‏ ‏بالذات‏ ‏الذى ‏يقول‏ ‏هذا‏ ‏الكلام‏ ‏بالذات‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏خططوا‏ ‏لقتله‏ ‏بالذات‏، ‏حين برمجوا شابا ساذجا حتى صار آلة تطلق ما يوضع فيها، لو أن هذا الشاب حضر معنا الآن، لانحنى على يده يقبلها، لقد فعل ما فعل وهو ‏لا‏ ‏يعرفه‏ ‏ولن‏ ‏يعرفه، ‏أنا‏ ‏الذى ‏كنت‏ ‏أحسب‏ ‏أننى ‏أعرفه‏، ‏وأننى ‏درست كثيرا من أعماله ناقدا‏، ‏وأننى ‏قادر‏ ‏على ‏الإحاطة‏ ‏بما هو وما أنجز، ‏بدأت‏ ‏أكتشف أننى لا أعرفه فعلا، وخاصة بالنسبة لهذا العناد ‏الشديد‏ ‏التفاؤل بمسيرة البشر، ‏الشديد‏ ‏الصبر‏ ‏على الاختلاف، الشديد‏ ‏الثقة‏ ‏بمستقبل‏ ‏الانسان‏.‏

بدا‏ ‏وكأنى ‏مقتنع‏ ‏بما‏ ‏قال‏ ‏مع‏ ‏أننى ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏كذلك‏ ‏تماما‏ ‏جدا‏ ‏

سكتُّ‏ ‏ودار‏ ‏الحديث‏ ‏بسيطا‏ ‏عن‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يشرب‏ ‏من‏ ‏القهوة‏ ‏إلا‏ ‏رشفتين‏، ‏ويترك‏ ‏بقية‏ ‏الفنجان‏ ‏هكذا‏، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏يكفيه‏، ‏كذلك‏ عن ‏السيجارتين‏ بالعدد ‏كل‏ ‏خروجة،‏ ‏لا‏ ‏تزيدان أبدا، وعن ‏نصف‏ ‏كوب‏ ‏الينسون‏، ‏ونصف‏ ‏الطعمياية‏، ‏ونصف‏ ‏قطعة‏ ‏الجبن‏، ‏ليس‏ ‏تقشفا‏ ‏ولكنه‏ ‏صورة‏ ‏من‏ ‏صور‏ ‏الرضا‏ ‏بعينات‏ ‏دالة‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏نوع‏ ‏ومن‏ ‏كل‏ ‏وعى ‏ومن‏ ‏كل‏ ‏رأى‏.‏

بعد‏ ‏فترة‏ ‏صمت‏ طالت، ‏خشيت‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏دهشتى مسئولة عنها‏‏، ‏أو لعل مفاجأة استفرادى به قد انتهى عمرها الافتراضى، خطر لى ما قاله ونحن نخرج من باب منزله، وأننا سوف نكون معا “‏رأسا‏ ‏لرأس‏”، قلت لنفسى: حتى الآن يخيل إلى أننى نجحت ولو جزئيا. لكن ماذا بعدُ وأنا لم يعد عندى ما أقوله بعد هذه الجرعة الدسمة. فاجأنى بأنه هو الذى قطع الصمت هذه المرة حين التفت ‏ ‏إلىّ ‏ فجأة سائلا‏ ‏‏:

‏- ‏ولكن‏ ‏ماذا‏ ‏ترى ‏أنت‏ ‏فى ‏مستقبلنا؟

دهشت‏ ‏للسؤال‏ ‏هكذا‏، “أنا؟”، ‏قلت‏ ‏لنفسى: ‏هل‏ ‏بعد‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الوضوح‏ ‏والصبر‏ ‏والتخطيط‏ ‏والردود‏ ‏يسألنى أنا؟ نظرت إلى وجهه وقد أمال رأسه نحوى وشعرت ‏أنه‏ ‏يريد ردا منى ‏فعلا،‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يعرف‏ ‏رأيى ‏تحديدا‏، ‏وأن‏ ‏يستمع‏ ‏إليه‏ ‏ ‏، ‏فهو‏ ‏لايمتحننى ‏ولايتفرج‏ ‏على‏.‏

قلت‏ ‏له‏: ‏مرعوب‏ ‏والله‏ ‏لو‏ ‏لم‏ ‏يحدث‏ ‏شيء‏ ‏كبير‏ ‏آخر

صمت‏ ‏وهز‏ ‏رأسه‏، ولم أعرف هل كانت علامة موافقة، أم تأمل، أم انتظار.

ومضينا‏ ‏إلى ‏السيارة

فى ‏السيارة‏ – ‏كان‏ ‏جالسا‏ ‏بجوارى ‏إلى ‏يمينى ‏فى ‏الكرسى ‏الأمامى ‏مال‏ ‏على ‏قليلا‏، ‏وسألنى ‏فجأة‏:

 ‏هل‏ ‏ما‏ ‏زالت‏ ‏السياحة‏ ‏مضروبة؟

قلت‏: ‏نعم‏ ‏إلا‏ ‏قليلا‏.‏

الحلقة الثانية عشر

أم الأعمى أدرى برقاد الاعمى

الثلاثاء:‏ 10/1/1995‏

مررت‏ ‏عليه‏ ‏ظهرا‏، ‏قال‏ ‏لى ‏بادئا‏: ‏إن‏ ‏الحكم‏ ‏سيصدر‏ ‏اليوم‏، ‏ذهبت‏ ‏إلى ‏مستشفى ‏الشرطة‏ ‏على ‏الناصية‏ ‏المقابلة‏، ‏وقابلت‏ ‏المدير‏ ‏وأخبرنى ‏بتفاصيل‏ ‏الحكم‏ ‏وكأنه‏ ‏يهنئنى، ‏اثنين‏ ‏إعدام‏ ‏واثنين‏ ‏مؤبد‏ ‏وتسعة‏ ‏سجن‏ ‏وثلاثة‏ ‏براءة‏، ‏رجعت‏ ‏لتوى ‏منقبضا‏، ‏فأنا‏ ‏لا‏ ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الحكم‏ ‏ضمن‏ ‏هذا‏ ‏المسلسل‏ ‏له‏ ‏أية ‏فائدة‏ ‏حقيقية‏، ‏لا فائدة جزائية، ولا وقائية، ولا رادعة، وأظن‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ كان يشاركنى ‏الرأى، حين أبلغته بالحكم ‏رأيت‏ ‏تعبير‏ ‏وجهه‏ ‏متألما‏، وكأنه يشفق على المحكوم عليهم، وكان قد رفض من قبل أن يتدخل طالبا العفو عنهم كما اقترحتُ ذات مرة مادام مشفقا عليهم هكذا، أبانَ لى بوضوح أن القضاء هو القضاء وأن العدل له مجراه لصالح الأفراد والمجتمع، حين أبلغته نص الحكم قال‏: ‏”لا‏ ‏تعليق‏، ‏حيث‏ ‏لا‏ ‏يحق‏ ‏لأى ‏شخص‏ ‏أن‏ ‏يعلق‏ ‏على ‏حكم‏ ‏القضاء‏ ‏حتى ‏ولو‏ ‏بالمديح”، ‏فهمتُ‏، ‏واحترمتُ‏، ‏وذكرته‏ ‏بعبد‏ ‏العزيز‏ باشا ‏فهمى ‏ورفضه‏ ‏شكر‏ ‏أو‏ ‏مديح‏ ‏شخص مهما بلغت أهميته ‏ ‏لحكم‏ ‏أصدره‏، ‏محتجا بأن ‏ ‏من‏ ‏يملك‏ ‏حق‏ ‏المديح‏ ‏اليوم‏ ‏يملك‏ ‏حق‏ ‏الذم‏ ‏غدا، ‏ ‏خيل‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏زوجته‏ ‏الفاضلة‏ ‏تعانى‏ ‏مثله‏ ‏من‏ ‏حكم‏ ‏الاعدام‏ ‏على ‏اثنين، انتبهت من حوار قصير معها أن ما ‏انتبهتْ إليه من الحكم أكثر ‏هو‏ ‏الحكم‏ ‏ببراءة‏ ‏ثلاثة‏، ‏و‏ ‏أنها‏ ‏تخشى ‏أن هؤلاء‏ ‏الثلاثة‏ ‏حين‏ ‏يطلق‏ ‏سراحهم‏ ‏سيكونون‏ ‏مصدرخطر‏ جديد، طمأنتها قائلا إنها حادثة غير صالحة للتكرار، لا من هؤلاء الثلاثة ولا من الثلاثمائة ألف أو مليون من زملائهم، وأن الله خير حافظا، وهو أرحم الراحمين، وأن هؤلاء القتلة الأغبياء لو علموا موقفه منهم لتمنوا على الله أن يكون شفيعهم عنده، اطمأنّتْ، ودعتْ، وشكرتْ، وحمدتُ الله.

خرجت‏ ‏متألما

وتركته‏ ‏متألما‏ ‏أكثر‏.‏

والتفتُّ إلى الزوجة الفاضلة، واستأذنت واحترمت عودة مخاوفها وانصرفت.

الأربعاء:‏ 11/1/1995‏

تأخرت‏ ‏قليلا‏ (6 ‏دقايق‏)، ‏كان‏ ‏محمد‏ ‏يحيى (إبنى) ‏وزكى ‏سالم‏ ‏قد‏ ‏سبقانى إلى منزله، ‏حين‏ ‏دخلت‏ ‏ ‏هذه‏ ‏المرة‏، ومال زكى عليه يخبره أننى القادم، قال: ‏”حضر‏؟ ‏أخيرا”؟ ‏ثم‏ ‏أردف‏ وهو يهم بالقيام فورا من جلسته: و”إنى ‏وإن‏ ‏كنت‏ ‏الأخير‏ ‏زمانه‏، ‏لآت‏ ‏بما‏ ‏لم‏ ‏تستطعه‏ ‏الأوائل”‏، ‏خرجنا‏ ‏للتو‏ ‏كالعادة‏، “ياللا‏ ‏بينا”، ‏أصبحت‏ ‏معتادا‏ ‏هذه‏ ‏اللهفة‏ ‏وهذه‏ ‏الدقة‏ ‏معا‏، ‏هذه الأدلة الدالة دائما على تجدد عمق علاقته بالحياة والشارع والناس، ‏ما‏ ‏زلت‏ ‏أرى ‏الطفولة‏ ‏المتفجرة‏ ‏تطل‏ ‏من‏ ‏حيويته‏ ‏وتصرفاته‏، ‏هكذا‏ ‏كانت تتمثل لى اندفاعاته نحو الباب مثل الطفل الذى تحقق من قرب انطلاقه إلى المشوار الذى يحبه، والذى وعدوه به فانتظره غير مصدق، ثم ها هو يتأكد من بداية رحلته إليه، كنت أشعر أحيانا أنه يكاد يحذَرُ من أن يتراجع أى منا عن الانطلاق فى المشوار اليومى، ولو يوما واحدا، ولو ساعة أو بعض ساعة، لست متأكدا من هذا التأويل، لكنه كان يفرحنى.

نفس‏ ‏المكان! ‏وليس‏ ‏نفس‏ ‏الميعاد‏، ‏نويت‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏نفسى ‏على التمسك برأيى ‏فى ‏تثبيت‏ ‏الأماكن‏ ‏والمواعيد‏ ‏كما هى حتى ‏لا‏ ‏أخـِلّ‏ ‏بنظام‏ ‏إيقاع‏ ‏حياة‏ ‏الأستاذ‏ اليومية التى ما صدقنا أنه ألـِـفـَـهـَـا واعتادها بعد ما حدث، قررت أن يكون ذلك كذلك مستقبلا، هو هو نفس الموعد كل يوم كما حددناه وبدأنا فى تنفيذه، لم أقتنع أبدا بجدوى التغيير لا فى المكان ولا فى التوقيت ‏مهما‏ ‏بلغت‏ ‏المخاوف، ‏ ‏كم‏ ‏بقى ‏له‏ ‏ولنا‏ ‏حتى ‏نجعله‏ ‏يعيش‏ ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏فى ‏حال‏، ‏وكل‏ ‏ساعة‏ ‏فى ‏توجـّس‏، ‏وكل‏ ‏لقاء‏ ‏فى ‏مكان‏، ‏يسقط‏ ‏كل‏ ‏شىء‏ ‏إلا‏ ‏الأمان ينبع من داخلنا بما تيسر لنا من واقع‏.‏

وصلنا‏ ‏للعوامة‏، مع أنه لم يكن يومها، ‏اكتشفت‏ ‏أن‏ ‏العاملين‏ ‏فيها‏ هم الذين ‏ينتظروننا‏ ‏رغم‏ ‏أنى ‏هاتفتُ‏ ‏كل‏ ‘‏الشلة‏’ بموعد اليوم المبكر قليلا، العمدة‏ (‏عماد‏ ‏العبودى) هو ‏المسئول‏ ‏عن‏ ‏تهيئة‏ ‏هذه‏ ‏الجلسة‏ ‏الخاصة‏، ‏فوجئ ‏أهل‏ ‏العوامة‏ ‏بنا‏، جلسنا‏ ‏بالقرب‏ ‏من‏ ‏شاب‏ ‏وفتاة‏ ‏يتناجيان‏، ‏وآخران‏ (‏رجل‏ ‏وامرأة‏) ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏ماذا‏ ‏يفعلان‏، ‏ظننت‏ ‏أننى ‏أخطأت‏ ‏المكان‏ ‏وأن‏ ‏المكان‏ ‏الخاص‏ ‏الذى ‏اعتدنا‏ ‏الدخول‏ ‏إليه‏ ‏لا‏ ‏زال‏ ‏بالداخل‏، ‏لكن‏ ‏الأثاث‏ ‏هو‏ ‏هو‏ ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏الترتيب‏ ‏تغير‏، ربما ذلك لأننا وصلنا مبكرين قليلا، ‏أعيد‏ََ ‏الترتيب‏ ‏بسرعة‏، ‏واقتطعوا لنا ‏الجزء‏ ‏الخاص‏ ‏بنا‏، ‏فانقسم‏ ‏المكان‏ – ‏بعد‏ ‏استئذان‏ ‏الجلوس‏ – ‏إلى ‏ما‏ ‏يخصنا‏، ‏وما‏ ‏هو‏ ‏عام‏، ‏وقام‏ ‏الرواد‏ ‏القلائل‏ ‏إلى ‏أماكنهم‏ ‏الجديدة‏ ‏يعلو‏ ‏وجوههم‏ ‏خليط‏ ‏من‏ ‏السماحة‏ ‏والاحتجاج‏.‏

أثناء‏ ‏وجوده‏ ‏بالسيارة‏ ‏معى ‏وأنا‏ ‏جالس‏ ‏على ‏عجلة‏ ‏القيادة‏ ‏وهو‏ ‏بجوارى ‏مازحنى ‏قائلا‏: “‏فاكر‏ ‏يوم‏ ‏الاثنين‏” (‏أمس‏) ثم أردف بنغم جميل: “‏يوم‏ ما ‏اتقابلنا‏ ‏احنا‏ ‏الاثنين‏”، ‏وضحك‏ ‏عاليا‏، فرِحتُ وهو يتذكر لقاءنا “رأسا لرأس” منفردين كما ذكرت بالتفصيل فى الحلقة السابقة، ‏هذه‏ ‏الفرحة‏ ‏بالناس‏ ‏والخروج‏ ‏تتجدد‏ ‏باستمرار‏ ‏لدرجة‏ ‏تبرر‏ ‏لى ‏أى ‏شىء‏ ‏أفعله‏ ‏لأحافظ‏ ‏له‏ ‏على ‏مثل‏ ‏ذلك‏، ‏هكذا‏ ‏وزيادة‏، كما تبرر تفسيرى السالف الذكر للهفته فى موعد الخروج وانطلاقه نحو الباب بمجرد أن يلقانى.

بدا‏ ‏الحديث‏ ‏ونظرت‏ ‏إلى ‏ثلاثتهم‏، هو وزكى ومحمد يحيى، افتقدت‏ ‏الآخرين‏، ‏اكتشفت‏ ‏أننى ‏بدأت‏ ‏أحبهم‏ ‏بحكم‏ ‏العادة‏، ‏أين‏ ‏يوسف القعيد‏ ‏بأخباره؟‏ ‏أين‏ ‏جمال‏ ‏بحضوره‏ ‏الحاد اليقظ، التراثى حينا، السياسى أحيانا؟‏ ‏أين‏ ‏رجال‏ ‏الأعمال‏: ‏عماد‏ ‏عبودى ‏وحسن‏ ‏ناصر‏ ‏ومحمود‏ ‏كمال‏ ‏بمصريتهم‏ ‏الإيجابية‏ ‏ومشاكساتهم‏ ‏للغيطانى ‏والقعيد‏ ‏بشأن‏ ‏اقتصاد‏ ‏السوق‏ ‏وعبد‏ ‏الناصر‏ “العظيم”‏؟.

بدأت‏ ‏الحديث‏ ‏ذاكرا‏ ‏له‏ ‏لمحات‏ ‏من‏ ‏ندوة حضرتها‏ ‏أمس‏ كنت أخبرته أننى شاركت فيها ‏فى ‘‏المركز‏ ‏الإقليمى ‏العربى ‏للتوثيق‏ ‏والأبحاث‏ ‏فى ‏العلوم‏ ‏الاجتماعية‏’، وكانت ‏عن‏ ‏دور‏ ‏العلم‏ ‏فى ‏مكافحة‏ ‏الإرهاب‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏إن‏ ‏المدعوين‏ ‏كانوا‏ ‏عقولا‏ ‏راجحة‏، ‏وأسماء‏ ‏بارزة‏ ‏استفدت‏ ‏من‏ ‏الحوار‏ ‏معهم‏، ‏وأن‏ ‏رأيى ‏أن‏ ‏أهم‏ ‏المتحدثين‏ ‏وأوضحهم‏ ‏كان‏ اللواء “حسن‏ ‏أبو‏ ‏باشا” ‏كما‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏المدعوين‏ د.‏أسامة‏ ‏الباز‏ ‏ود‏. ‏محمد‏ ‏احمد‏ ‏خلف‏ ‏الله‏، ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏إننى ‏عشت‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الندوة‏ ‏وجها‏ ‏لوجه‏ ‏إشكال‏ ‏الاستقطاب‏ ‏الذى ‏تحدثنا‏ ‏عنه‏ ‏يوم‏ ‏الاثنين‏ ‏معا‏، ‏وأننى ‏كنت‏ ‏متأثرا‏ ‏بكلامه‏، ‏وأننى ‏واجهت الأمور‏ ‏هكذا‏: ‏أبيض‏ ‏وأسود‏، ‏إما‏ ‏ديمقراطية‏ ‏مستمرة تسمح لنا بخلع من‏ ‏لا‏ ‏يرعى ‏مصالح‏ ‏الناس‏ ‏ويساير‏ ‏التطور‏، ‏وإما‏ ‏الديكتاتورية‏ ‏المعلنة‏ ‏أو‏ ‏المزركشة‏ ‏والمقنعة‏ ‏والمدعمة‏ ‏بالتزوير‏ ‏والخطب‏ ‏والشلل‏ ‏والانفصال‏ ‏عن‏ ‏الناس، قلت له أن حديثنا أمس قد أثر فىّ، لكننى أضفت أننى مصمم أن يكون تأثيرا مؤقتا، وأننى أنوى التراجع ولو بعد حين، وسوف أصبر على قبول رأيه حتى يكتشف البشر ديمقراطية أرقى وأقدر، ‏طرح‏ ‏الأستاذ‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏وجهة‏ ‏نظره‏ ‏قائلا‏: ‏ ‘‏إن‏ ‏الشعب‏ ‏أحسن‏ ‏الانتقاء‏ ‏طول‏ ‏عمره‏، ‏وحين‏ ‏أخطأ‏ ‏الانتقاء‏ ‏دفع‏ ‏الثمن‏، ‏وحين‏ ‏دفع‏ ‏الثمن‏، ‏رجع‏ ‏إلى ‏الانتقاء ‏الأفضل‏، ‏وهكذا، ثم أضاف “… ‏دع‏ ‏من‏ ‏يخطيء‏ ‏فى ‏الانتقاء‏ ‏يدفع‏ ‏الثمن‏ ولو لفترة، ‏أما‏ ‏حين‏ ‏حرم‏ ‏الشعب‏ ‏مـن‏ ‏مسئولية‏ ‏المشاركة‏ ‏فيما‏ ‏ ‏يجرى ‏حدثت‏ ‏المصائب‏ ‏تلو‏ ‏المصائب‏ برغم‏ ‏البدايات‏ ‏الواعدة”‏، ‏قلت‏ ‏له‏: ‏إن‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏صحيح‏، ‏لكن‏ ‏الخوف‏ ‏الحقيقى ‏هو‏ ‏أن‏ ‏من‏ ‏يأتى ‏من خلال هذا الانتقاء هكذا، ثم يتولى أمرنا ويحكمنا بمرجعية دينية ثابتة أو أيديولوجية جامدة، كما سبق أن أبنتُ‏، ‏هو‏ ‏نفسه‏ الجاهز لمحو فرص الانتقاء التالى حتى لا يسمح بأية فرصة لخلعه”، قال‏: “‏لقد‏ ‏انتظرنا‏ ‏وتحملنا‏ ‏أربعين‏ ‏سنة‏ ‏حين‏ ‏قرر‏ ‏أحدهم‏ ‏لنا‏ ‏ماذا‏ ‏نفعل‏ ‏ومن‏ ‏نكون‏، ‏ألا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نتحمل‏ ‏أربع‏ ‏سنوات‏ ‏أخرى ‏يتولى ‏فيها‏ ‏المسلمون‏ ‏الحكم‏ ‏لنرى ‏الواقع‏، ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏نحكم‏ ‏حكما‏ ‏مسبقا‏ ‏على ‏ماذا‏ ‏سيفعلون‏، ‏وكيف‏ ‏يتراجعون‏، ‏إنهم‏ ‏حين‏ ‏يتقدمون‏ ‏لنا‏ ‏سيتقدمون‏ ‏ديمقراطيا‏ ‏ببرنامج،‏ ‏ولن‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏البرنامج‏ ‏حاويا‏ ‏لهذه الفكرة‏ ‏التى ‏نخاف‏ ‏منها‏ ‏طبعا‏ (‏الانقلاب على الديمقراطية‏)، ‏وإذا ‏غيروا‏ ‏البرنامج‏ ‏بعد‏ ‏الوصول‏ ‏إلى ‏الحكم‏ ‏فقد‏ ‏أخلوا‏ ‏بالعقد‏، ‏وحين‏ ‏يخلون‏ ‏بالعقد‏ ‏يصبحون‏ ‏غير‏ ‏أهل‏ ‏للثقة‏، فنسقطهم”.

سكتُّ‏ خشية أن أكرر، واكتفيت بأن قلت: ‏ ‏إننى ‏أفهم بدرجة كافية، ‏ ‏لكننى ‏لا‏ ‏أصدق إمكان حدوث ذلك بهذه البساطة.

عرضت‏ ‏بقية‏ ‏اقتراحاتى الشاطحة الغريبة التى لم أتردد فى أن أعرض بعضها فى ‏ندوة‏ ‏مكافحة‏ ‏الإرهاب‏ ‏تلك‏، ‏وهى (1) ‏أن‏ ‏تتوقف كل الصحف عن الصدور لفترة لا تقل عن ستة أشهر، وتصدر بدلا من الكلام الكثير الذى يملؤها بلا معنى نشرة من أربع صفحات، ‏بشلن‏، ‏بدون‏ ‏إعلانات‏ ‏حتى نتمكن من النظر فى المختصر المفيد.   (2) ‏أن‏ ‏يحلّوا‏ ‏كل‏ ‏الأحزاب‏ ‏و‏أولها ‏ ‏الحزب‏ ‏الوطنى، ‏ثم‏ ‏تعلن ‏حرية‏ ‏تكوين‏ ‏الأحزاب‏، بلا لجنة أحزاب ولا يحزنون (3) أنه فى حالة السماح بحزب إسلامى، لا بد من السماح بحزب قبطى مع التأكيد على نفى أية مرجعية ثابتة، إلا صالح الناس وواقع الحال، ولنواجه واقعنا بشجاعة مشتركة (4) أن تزيد جرعة الإجبار على الاقتراع فى الانتخابات على كل المستويات ولو زيدت العقوبة لدرجة الحبس. طبعا سخر الجميع من هذا الكلام، ولم يصدقوا أننى قلته فى الندوة، وربما لم اقله بهذه المباشرة، لا أذكر،‏ ‏وأعيد‏ ‏النقاش‏ ‏بعد‏ ‏حضور‏ ‏القعيد‏ ‏والغيطانى ‏وسرت‏ ‏همهمة‏ ‏وتحفظ‏، ‏وأثيرت‏ ‏مخاوف‏، ‏وكان ‏ ‏الأستاذ‏ فارس هذا النقاش دون منافس، و‏ظل‏ ‏على ‏رأيه‏ ‏وعلى ‏ثقته‏ ‏فى ‏الناس‏ ‏وفى ‏حركة‏ ‏التاريخ، ,وإمكانية التصحيح‏!!!‏ سألنى: من ذا الذى سينفذ اقتراحاتك هذه؟ قلت له: “أنا”، فاستلقى إلى الخلف مقهقها.

حضر‏ ‏حسن‏ ‏ناصر‏‏، ‏ثم‏ ‏محمود‏ ‏كامل‏، ‏الجناح‏ ‏الرأسمالى ‏فى ‏الجلسة‏، ‏وكان‏ ‏الاستاذ‏ ‏قلقا‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏تغيير‏ ‏الميعاد‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏منعهم‏، ‏وكان‏ ‏أهل‏ ‏العوامة‏ ‏قد‏ ‏أتموا فصل الجزء الخاص بنا، ‏وبدا‏ ‏الحديث‏ ‏رأسماليا‏: ‏وكيف‏ ‏أقام‏ ‏د‏. ‏إبراهيم‏ ‏كامل‏ (‏صاحب‏ ‏العوامة‏ ‏ومانح هذه‏ ‘‏الوقفية‏”، ‏كما‏ ‏يسميها‏ ‏الاستاذ‏) ‏أقام‏ ‏مصانع‏ ‏فى ‏ألبانيا‏ ‏لأنها‏ ‏الأكثر‏ ‏فقرا‏ ‏والأهم‏ ‏موقعا‏ ‏فى ‏أوروبا‏، ‏وكيف‏ ‏أن‏ ‏سرعة‏ ‏الإيقاع‏ ‏وحدة‏ ‏التنافس‏ ‏تتطلب‏ ‏من‏ ‏رأس‏ ‏المال‏ ‏أن‏ ‏يتحرك‏ طليقا فى كل مكان فى العالم، ‏وأن‏ ‏يتنوع الاستثمار حتى إذا ضـُـرِبَ نشاط ما سنده آخر من غير نوعه وكلام من هذا، كل ذلك ‏والاستاذ‏ ‏يتابع‏ ‏فى ‏اهتمام‏ ‏وكأنه‏ ‏يستمع‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏ ‏لهذا‏ ‏الحديث‏ ‏الجديد‏ ‏القديم‏، ‏لكن‏ ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏وصلنى شخصيا ما لم أكن أعرفه من قبل، ‏وهو موقف‏ ‏الدولة‏ ‏من‏ ‏تجريم‏ ‏الاحتكار‏، ‏وأيضا‏ ‏ضرورة‏ ‏مراقبة‏ ‏الشركات‏ (‏أو‏ ‏الأعمال‏ ‏الكبيرة‏) ‏إذا‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏لها‏ ‏منافس‏، ‏مثل‏ ‏منع‏ ‏ضم‏ ‏أى ‏شركتين‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏ضمهما‏ ‏سيحرم‏ ‏السوق‏ ‏من‏ ‏التنافس‏ ‏الحقيقى، ‏فرحتُ بهذه المعلومات الرأسمالية الجديدة، وتمنيت أن يتم تطبيقها فعلا بالعدل والقسطاس على الجميع، قال‏ ‏حسن‏ ‏ناصر‏ ‏إنه‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏هناك‏ ‏مكان‏ ‏للهواة‏ ‏فى ‏عالم‏ ‏رجال‏ ‏الأعمال‏، ‏وفسَّر‏ ‏الهواية‏ ‏بأنها‏ ‏الممارسة‏ ‏بدون‏ ‏قواعد‏ ‏علمية‏ ‏وتخطيط‏ ‏ممتد‏.‏

سألت‏ ‏عن‏ ما يمكن أن يضيفوة إلى معلوماتى عن ‏طبيعة‏ ‏الشركات‏ ‏المتعددة‏ ‏الجنسيات‏، ولا‏ ‏مؤاخذة‏’، ‏فهى‏ ‏عندى‏ ‏تشير‏ ‏إلى، ‏أو‏ ‏تدل‏ ‏على، ‏ما‏ ‏يشين‏ ‏أخلاقيا‏ ‏أو‏ ‏وطنيا‏ ‏أو‏ ‏اقتصاديا‏، ‏وهل‏ ‏هى ‏لا‏ ‏تدفع‏ ‏ضريبة‏ ‏لأى ‏بلد‏ ‏طالما‏ ‏أنها‏ ‏لا‏ ‏تنتمى ‏إلى ‏جنسية‏ ‏بذاتها‏؟ ‏أجابوا‏ ‏بأن‏ ‏ذلك‏ ‏غير‏ ‏صحيح‏ ‏وأنها‏ ‏تدفع‏ ‏ضريبة‏ ‏لكل‏ ‏بلد‏ ‏حسب‏ ‏قوانينه‏ ‏وحسب‏ ‏النشاط‏ ‏الذى ‏تمارسه‏ ‏فيه، ‏وأن‏ ‏المسألة‏ ‏لم‏ ‏تعد فى‏ ‏التهرب‏ ‏من‏ ‏الضرائب‏، ‏وإنما‏ ‏هى فى ‏ذكاء‏ ‏التعامل‏ ‏مع‏ ‏قوانين‏ ‏الضرائب‏،‏ أعجبت بهؤلاء الناس الممتازين الذين يعرفون بكل هذا اليقين كيف تدار الأموال هكذا، لكننى لم أمنع نفسى من ترجيح أنهم يعرفون ما هو على ظاهر الأرض دون باطنها، فمعلوماتى عن شركات الدواء ليس لها علاقة بكل هذه العلانية المطمئنة المفيدة، حاولت أن أنبههم إلى القوى التحتية، وإلى خبرتى فى تتبع لوبى شركات الدواء وتأثيرها على السياسة حربا وسلما، بل وتأثيرها السلبى على الممارسة الطبية وصالح المرضى، فلم أستطع، فهم خبراء فى لعبة الرأسمالية 100%، “وأم الاعمى أدرى برقاد الاعمى”، ولم أتماد فليس عندى غير خبرتى مع مرضاى وأدويتهم، وهى ليست قليلة، لكنها تبدو بالنسبة لهم هامشية، تعجبتُ كيف كان الأستاذ يتابع كل ذلك، برغم صعوبة السمع، بدليل أنه كان يستعيد بعض ما لا يصله واضحا، وقد انتبه أكثر ما انتبه ‏ ‏إلى ‏دور‏ ‏الدولة‏ ‏فى ‏منع‏ ‏الاحتكار‏ ‏بهذه‏ ‏الصورة‏ ‏التجريمية‏ ‏الواضحة‏، ‏وأضاف‏ ‏محمود‏ ‏كامل‏ ‏شارحا‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏التنافس‏ ‏قد‏ ‏هبط‏ ‏بأسعار‏ ‏السوبر‏ ‏ماركت‏ ‏فى ‏انجلترا‏ ‏فى ‏الثلاث‏ ‏سنوات‏ ‏الأخيرة‏ ‏بمقدار‏ 19%، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏السوق‏ ‏المحلى ‏فى ‏القاهرة‏ ‏شهد‏ ‏انخفاضا‏ ‏فى ‏أسعار‏ ‏السيارات‏ ‏لنفس‏ ‏السبب‏: ‏التنافس‏ ‏الحقيقى‏، إزداد عجبى، وفضلت أكثر فأكثر عدم التصديق، ولو مؤقتا حتى أعيد النظر، قاطعتُ المتحمسين منبها أننا‏ ‏نفتقر إلى الجناح‏ ‏اليسارى فى جلستنا الرأسمالية هذه، ولم يكن القعيد قد حضر بعد، فسألت يا ترى ماذا كان سيفتى به لو كان حاضرا كل هذه الرأسمالية؟ ‏حضر‏ ‏القعيد – ربما على السيرة–‏ ‏أخيرا‏ ‏بجلبته‏ ‏الحيوية‏، ‏وفرح‏ ‏الاستاذ‏ ‏به‏ ‏وربما بالتوازن‏ ‏المتوقع‏، ‏لكن حضور‏ ‏القعيد‏ قد غيّر ‏الموضوع فورا، إذْ سأله الأستاذ السؤال التقليدى الذى يسأله إياه عادة فور حضوره “هه.؟ هل من أخبار؟”. قال القعيد الجاهز: ‏كان‏ ‏اليوم‏ ‏هو‏ ‏يوم‏ ‏افتتاح‏ ‏معرض‏ ‏الكتاب‏ ‏الرسمى ‏بحضور‏ ‏الرئيس‏، ‏وحكى ‏القعيد‏ ‏عما‏ ‏سمع‏ ‏عن‏ ‏الاشتباك‏ ‏بين‏ ‏سعد‏ ‏الدين‏ ‏وهبة‏ ‏ولطفى ‏الخولى ‏عن‏ ‏التطبيع‏، ‏وقلنا‏ ‏ننتظر‏ ‏الغيطانى ‏الذى ‏حضر‏ ‏الاجتماع‏ ‏يحكى ‏لنا‏ التفاصيل – ‏تغير‏ ‏جو‏ ‏الجلسة‏ ‏وحلت السياسة محل الاقتصاد‏، ‏حضر‏ ‏الغيطانى ‏وحكى عن ‏اندفاعـِه‏ ‏أمام‏ ‏الرئيس‏، ‏ووصف‏ ‏سعد‏ ‏الدين‏ ‏وهبة‏ ‏بأنه‏ ‏يمثل‏ ‏ضمير‏ ‏المصريين ‏، ‏وتحفظتُ‏ ‏على ‏هذا‏ ‏الوصف‏ ‏لأنه‏ ‏لا‏ ‏يمثلنى – ‏مثلا‏، فقال القعيد: فهو يمثل ضمير مصر، فقلت له هل معنى ذلك أن تنفينى من ضمير مصر، دع لى قطعة ضمير يا رجل، وضحك الأستاذ، ولم يضحك القعيد، أما الغيطانى فوقف بين بين.

فتحوا ‏موضوع‏ ‏التطبيع‏ ‏من‏ ‏جديد‏، ‏وكان‏ ‏رأى ‏الغيطانى ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏فقط‏ ‏مصالح‏ ‏وسياسة‏، ‏ولكنها‏ ‏مسألة‏ ‏التخلى ‏عن‏ ‏المـُسـَلـَّمـَات‏ ‏والثوابت‏ ‏فى ‏مواجهة‏ ‏سرقة‏ ‏التاريخ‏ ‏وطمس‏ ‏الانتماء‏، ‏فكرت‏ ‏أن‏ ‏المسلمات‏ ‏والثوابت‏ ‏هذه‏ ‏قد‏ ‏تعنى أحيانا، ربما فى سياق آخر، قدرا غير مفيد من ‏الجمود‏ ‏والتشنج، ‏أشار الغيطانى‏ ‏إلى ‏أننا‏ ‏على ‏وشك‏ ‏الدخول‏ ‏فى ‏”الحقبة‏ ‏العبرية”‏ ‏للمنطقة‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏التعبير‏ ‏يُلزمنا‏ ‏أن‏ ‏نسارع ‏ ‏فى ‏إحياء‏ ‏اللغة‏ ‏العربية‏ ‏الحقيقية‏، ‏هيا‏ ‏نتساءل‏ ‏كم‏ ‏من‏‏ ‏شبابنا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يفخر‏ ‏بأنه‏ ‏يتكلم‏ ‏لغة‏ ‏عربية‏ ‏سليمة‏ (‏دعك‏ ‏من‏ ‏السؤال‏ عما إذا كان يتقنها أم لا‏) ‏نحن نتخلى عن هويتنا ولغتنا‏ بما نفعله وما لا نفعله دون حاجة إلى ‏تدخلات‏ ‏عبرية‏، ‏إنها ‏ظاهرة‏ ‏تؤكد‏ ‏كلا‏ ‏من‏ ‏عدم‏ ‏الاتقان‏ ‏وعدم‏ ‏الانتماء‏ ‏معا‏، ‏وأنها‏ ‏حدثت‏ ‏وتحدث‏ ‏بتأثير‏ ‏وبدون‏ ‏تأثير‏ ‏إسرائيلى، وافقنى ‏الغيطانى ‏لكن‏ ‏بدا‏ ‏عليه‏ ‏أنه‏ ربما ‏بصفته‏ ‏مراسل‏ ‏حربى ‏سابق‏، ‏وخاصة‏ ‏أيام‏ ‏حرب‏ ‏الاستنزاف‏ ‏وقبلها‏، ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏ينسى ‏القتل‏ ‏والقتلة‏، وربما ‏بصفته‏ ‏صعيديا‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏ينسى، ‏الثأر‏ ‏وهذا‏ ‏طيب‏ ‏هنا‏.‏

محمد‏ ‏يحيى (إبنى) يذكرنا ‏ ‏بحديث‏ ‏لنجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏مع‏ ‏جلال‏ ‏أحمد‏ ‏أمين‏ ‏وهو‏ ‏يسأله‏ ‏ماذا‏ ‏نعمل‏ ‏تجاه‏ ‏الغزو‏ ‏الثقافي؟‏ ‏فيجيب‏: ‘‏نموت‏ ‏يا‏ ‏أخي‏’، ‏لم‏ ‏أصدق‏ ‏ذاكرة محمد بسهولة، ‏وأشرت‏ ‏إليه‏ ‏أن‏ ‏يعيد‏ ‏هذا‏ ‏الحديث‏ ‏على ‏الأستاذ‏ ‏ليستوضحه‏، ‏فتذكره‏ ‏الاستاذ‏ ‏لتوه‏ ‏ولم‏ ‏ينكره‏، ‏وشرح‏: ‘….. ‏إن‏ ‏المسألة‏ ‏كلها‏، ‏أو‏ ‏أغلبها‏ ‏هى ‏عيوب‏ ‏فينا‏، ‏وما‏ ‏دمنا‏ ‏قد‏ ‏اكتشفناها‏ ‏بفضل‏ ‏التطبيع‏ ‏أو‏ ‏التهديد‏ ‏بالتطبيع‏ ‏فإنه‏ ‏علينا‏ ‏أساسا‏ ‏وابتداءا‏ ‏أن‏ ‏نصلحها‏، ‏وأن‏ ‏نتحدى أية إغارة ‏بإيجابياتنا‏ ‏لا‏ ‏بتجنبنا‏ ‏الملاقاة‏، ‏إن‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏نخاف‏ ‏منه‏ ‏لا‏ ‏يرجع‏ ‏إلى ‏قوة‏ ‏العدو‏ ‏بل‏ ‏إلى ‏ضعفنا ‏نحن‏، ‏والأوْلى ‏والأبقى ‏أن‏ ‏نصلح‏ ‏ضعفنا‏ ‏ونقوى، ‏هذه‏ ‏هى ‏القضية‏، ‏وأضاف: أنا‏ ‏أفهم‏ ‏أن‏ ‏نهدئ ‏التطبيع‏ ‏لسبب‏ ‏مرحلى ‏مثل‏ ‏استعادة‏ ‏الحقوق‏ ‏والضغط‏ ‏لصالح‏ ‏ما‏ ‏تبقى ‏من‏ ‏مفاوضات‏ ‏إن‏ ‏كان‏ ‏هناك‏ ‏مجال‏ ‏للضغط‏، ‏أما‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏عدم‏ ‏التطبيع‏ ‏هو‏ ‏موقف‏ ‏مبدئى ‏دائم هكذا‏، ‏فهذا‏ ‏ما‏ ‏لا‏ ‏أفهمه‏”.‏

تشجعت فذكرت لهم‏ ‏اقتراحى ‏الذى ‏قلته‏ ‏فى ‏ندوة‏ ‏مكافحة‏ ‏الارهاب، ذلك الاقتراح‏ ‏الذى بدا غريبا، وهو ما ‏أردت‏ ‏به‏ ‏تعرية‏ ‏الحزب‏ ‏الوطنى، ‏وقبول تحدى زعم: “أن البلد خالية من القوى الشعبية الإيجابية”، علماً بأن هذا الحزب هو المثل الشائه للفراغ السياسى الممتلىء بالدُّمى التى تشبه الناس، وهو‏ ‏يدعى‏ ‏الديمقراطية‏ (‏والناصرية‏ ‏والرأسمالية‏ ‏وربما البوذية‏ معا… ‏إلخ‏) ‏كما أنه يتصور أنه يقف‏ ‏فى ‏مواجهة‏ ‏الجماعات‏ ‏والإخوان‏، ‏قلت‏ لهم: إننى! فى ‏نهاية‏ ‏الندوة‏ طرحت سؤالا فى شكل تصور خيالى ‏كان‏ ‏هكذا‏: ‏ماذا‏ ‏لو‏ ‏أن‏ ‏الرئيس‏ ‏مبارك‏ ‏استيقظ‏ ‏غدا‏. ‏وقال‏ ‏إنه‏ ‏رأى ‏فى ‏المنام‏ ‏سيدنا‏ ‏عمر‏ ‏ابن‏ ‏الخطاب‏ (‏أو‏ ‏أى ‏من‏ ‏الصالحين‏) ‏يقول‏ ‏له‏: “‏لقد آن‏ ‏الآوان”‏، ‏ففسر‏ ‏ذلك‏ ‏بأن عليه أن‏ ‏يتوجه‏ ‏للإذاعة‏ وأن ‏يعلن‏ ‏بوضوح‏ – ‏تفسيراً‏ ‏للحلم‏ – ‏بأنه‏ ‏قرر‏‏ ‏‏أن‏ ‏يحكم‏‏ ‏بالشريعة‏ ‏الاسلامية‏ ‏حرفيا‏ إذا‏ ‏أعيد‏ ‏انتخابه، وفعلها فعلا، ‏فماذا‏ ‏سيكون‏ ‏موقف‏ ‏أعضاء‏ ‏الحزب‏ ‏الوطنى كلهم؟ ‏هل‏ ‏سيخرجون من الحزب‏، ‏ويكوّنون‏ ‏حزبا‏ ‏مدنيا يواصل‏ ‏الكفاح‏ ضد الرئيس الذى تجاوز منهج الحزب ومبادئه، ‏أم‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏ناسه‏ ‏سيشدون‏ ‏الرحال‏ ‏فورا‏ ‏إلى ‏حزب‏ ‏الشريعة‏ ‏الجديد‏ ‏بقيادة‏ ‏مبارك‏ (‏أو‏ ‏أى ‏مبارك‏ مبروك) ‏كما‏ ‏خرجوا مهرولين‏ ‏من‏ ‏حزب‏ ‏مصر‏ ‏إلى ‏الحزب‏ ‏الوطني حين فعلها السادات ؟ لم أنتظر الجواب‏، ‏لا من حضور الندوة، ولا من أصدقاء العوامة، نظرت فى وجه الأستاذ وشعرت أنه لا يكاد يصدق أننى قلت هذا الكلام فى الندوة، سألنى عن رد الفعل، فقلت له إنهم تصوروا أننى أمزح، فقال ضاحكا: “لكن يبدوا أنك كنتَ فعلا تمزح دون أن تدرى”، وضحك ومال إلى الخلف دون أن ينتظر تعليقى، فلم أعلق.

فى ‏طريق‏ ‏العودة‏ ‏سألنى ‏زكى ‏سالم‏ ‏لماذا‏ ‏تحفظت‏ ‏على ‏أصدقاء‏ ‏الاستاذ‏ ‏فى ‏مقدمة كتابك “قراءات فى نجيب محفوظ”‏، ‏ولم‏ ‏أجد‏ ‏ردا‏ ‏جاهزا‏ ‏فقلت‏ ‏له‏ ‏لعل‏ ‏ذلك‏ ‏راجع‏ ‏إلى ‏تخوفى ‏أو‏ ‏تصوراتى ‏التى ‏ليست‏ ‏بالضرورة‏ ‏هى ‏الحقيقة‏، ‏ثم‏ ‏استدركت‏ ‏لقد‏ ‏كنت‏ ‏أتعجب‏ ‏لاختلاف‏ ‏الطباع‏ فيما بينهم، ‏وأظن‏ ‏أنه كان‏ ‏فى ذهنى ساعتها أنه‏ ‏كيف‏ ‏يطيق‏ ‏الأستاذ‏ ‏مصاحبة‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الاختلاف‏ ‏مع‏ ‏ثروت‏ ‏أباظة‏ ‏مثلا‏،

وحين‏ ‏أعاد‏ ‏زكى ‏الحديث‏ ‏على ‏الاستاذ‏ ‏ابتسم‏ ‏وتساءل‏ الأستاذ موجها كلامه لى: “‏ألم‏ ‏يذكر‏ ‏جمال الغيطانى اليوم‏ ‏أن‏ ‏ثروت‏ ‏أباظة‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏أحسن‏ ‏من‏ ‏تكلموا‏ ‏مع‏ ‏الرئيس‏ ‏فى ‏افتتاح‏ ‏معرض‏ ‏الكتاب”‏، قلت له: ‏لكنه‏ ‏لم‏ ‏يقل‏ ‏لنا‏ ‏ماذا‏ ‏قال؟

ما هذا؟ كيف أسمح لنفسى أن أحكم على الناس هكذا دون معرفة قريبة فعلا؟ سمعت بعد ذلك الكثير عن علاقة نجيب محفوظ بثروت أباظة، وحب وتقدير كل منهما للآخر، كما استطعت أن أتبين كم ‏هى ‏علاقة عاطفية‏ صادقة ليس من حقى أن أتحفظ عليها لمجرد عدم استساغتى لما يكتبه ثروت أباظة.

أعاد على الأستاذ أثناء العودة وأنا أودعه إلى باب الشقة التأكيد أننى قد انضممت فعلا إلى الحرافيش، وأننى سوف أحضر يوم الخميس، خجلت من إلحاحه هكذا، وطمأنته أننى قبلت دعوته الكريمة ولم أعد مترددا (لكننى قلت‏ ‏فى ‏نفسى‏: ‏ولو‏ ‏”منتسبا‏”، ‏ولو‏ ‏”تحت‏ ‏الاختبار”‏).

الحلقة الثالثة عشر

أول ليلة مع الحرافيش

الخميس‏: 12/1/1995‏

هذه‏ ‏أول‏ ‏مرة‏ ‏أعايش‏ ‏فيها‏ خبرة “‏ما‏ ‏هو‏ (أو من هم) ‏الحرافيش”‏، ‏أو‏ ‏على ‏الأقل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏ريحة‏ ‏الحرافيش‏، أو ما تبقى من الحرافيش. ‏لا‏ ‏أبدا‏، ‏ليست‏ ‏بقايا‏ ‏الحرافيش‏، ‏إذن‏ ‏ماذا؟‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏الحرافيش‏ ‏هؤلاء‏ ‏ليسوا‏ ‏بالعدد‏ ‏ولا‏ ‏بالأشخاص‏، ‏يبدو‏ ‏أنها‏ ‏فكرة تجسدت فى واقع فراحت‏ ‏تتشكل‏ ‏وتـُـشكل‏ ‏شخوصها‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏طقوس‏ ‏محددة،‏ ‏وأماكن‏ ‏لها‏ ‏شاعرية‏ ‏متجددة‏، تخلّق ناسها كما تشاء، بكل تلك الحيوية والطلاقة والحرية والطفولة والحكمة والأمل، أو ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏بلغنى ‏مما‏ ‏يلى:‏

ذهبت‏ ‏فى ‏السادسة‏ ‏تماما إلى منزله، فوجئت أن بداية اللقاء كانت هناك، وجدت أن كلا من ‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏وتوفيق‏ ‏صالح‏ قد سبقانى – ‏لا‏ ‏أذكر‏ ‏أننى ‏ذكرت‏ ‏هنا‏ ‏أن‏ ‏توفيق‏ ‏كلمنى ‏عن‏ ‏ ‏الاستاذ‏ ‏مظهر‏ ‏ورغبته‏ ‏فى ‏استشارتى، ‏حمدت‏ ‏الله‏ ‏أننى ‏رفضت‏ ‏القيام‏ ‏بدور‏ ‏الطبيب‏ ‏وإلا‏ ‏فقدت‏ ‏صفتى ‏البسيطة‏ العادية جدا مع ناس قبلونى هكذا فعلا، يبدو أننى ‏ ‏أحاول‏ ‏أن‏ ‏أستعيد هذه الصفة الأغلى من أى صفة‏، صفة الشخص العادى بدون مهنتى، أستعيدها الآن ‏من‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏الفرصة‏ ‏الجديدة‏ ‏التى ‏لاحت‏ ‏لى – ‏مكافأة‏ – ‏فى ‏نهاية‏ ‏العمر‏، ‏المفارقة‏ ‏الرائعة‏ ‏هى ‏أننى ‏كنت‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الصباح‏ ‏فى ‏لجنة‏ ‏ترقية‏ ‏الأساتذة‏،‏ وكانت‏ ‏هى ‏العكس‏ ‏تماما‏ (‏نعم‏: ‏تماما‏ ‏تماما‏) ‏لصورة‏ ‏المساء‏ ‏هذه‏ ‏التى ‏أحكيها‏ ‏الآن‏، أنا لم أختر تلك الصفة المهنية، أو الأكاديمية، لكنها تسبقنى رغما عنى وتحول بينى وبين الكثيرين من الناس الذين أحتاج قربهم أكثر!!

‏ ‏الباب‏ ‏موارب‏‏، ‏والأستاذ‏ ‏واقف‏ ‏فى ‏الردهه، ‏و”هيـّا‏” بنفس اللهفة التى أصبحت تفرحنى، سأل‏ ‏الأستاذ‏: ‏إلى ‏أين؟‏، ‏قال‏ ‏توفيق‏: ‏”فورت‏ ‏جراند”‏ ‏أو‏ ‏ما‏ ‏ترى‏، ‏واختلفنا‏ ‏بأية ‏سيارة‏ ‏نذهب: ‏سيارتى ‏أو‏ ‏سيارة‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏، ‏وقال‏ ‏الأستاذ‏ ‏مازحا‏: “‏نعمل‏ ‏قرعة‏” ‏وأقنعتهم‏‏، ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏السائق لأننى ‏الأصغر‏، ‏من‏ ‏زمان‏ ‏لم‏ ‏أنْتـَمِ‏ ‏إلى ‏جماعة‏ ‏أكون أنا‏ ‏أصغر‏ ‏واحد‏ ‏فيها‏!!! ‏من‏ ‏أيام‏ ‏أن‏ ‏كنت‏ ‏أحس‏ ‏بالدونية‏ ‏أمام‏ ‏أخى ‏الأكبر‏ ‏وأصدقائه وهم يلعبون كرة القدم ويهملوننى كما ذكرت فى سيرتى الذاتية([28])‏، ‏أخذ‏ ‏الاستاذ‏ ‏ينبه‏ ‏توفيق‏ ‏أن‏ ‏يرشدنى ‏أولا‏ ‏إلى الطريق الذى يؤدى إلى: ‏ “‏بتاع‏ ‏السوداني‏” ‏وأجاب‏ ‏توفيق‏ ‏أنْ‏ “طبعا“.

وانطلقنا: شارع‏ ‏نوال،‏ ‏فميدان‏ ‏الدقى، يُخرج الأستاذ قرب أن نصل الورقة أُمّ عشرة جنيهات، هو الذى يدفع ثمن السودانى، أدركت أن هذا هو أحد الطقوس، أعفانا ذلك من أن يعزم أى منا بالدفع، فوجئت، وفرحت بهذا الاحترام لكل التفاصيل، ‏السودانى واللب الأبيض معا ‏بثمانية‏ ‏جنيهات‏ ‏وربع‏، ‏نقف أمام المقلى، تحت الكوبرى مباشرة، يذهب توفيق ويعود حاملا الكيس، ويرجع‏ ‏ ‏بالباقى للأستاذ، جنيهين كاملين، يتساءل الأستاذ: “لماذا”؟ فيخبره أن البائع ‏ ‏تنازل‏ ‏عن‏ ‏ربع‏ ‏جنيه‏ ‏وهو‏ ‏يؤكد‏ ‏إبلاغ‏ ‏تحيته‏ ‏للأستاذ‏، ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏سألت‏ ‏توفيق‏ ‏قبل‏ ‏هذه‏ ‏اللفـَّة‏ ‏إن‏ ‏كان‏ ‏هناك‏ ‏ما‏ ‏يميز‏ “‏بتاع‏” ‏السودانى ‏هذا‏، ‏فأجاب‏: ‏أبدا‏ ‏لكننا‏ ‏نمارس‏ ‏هذه‏ ‏الطقوس‏ ‏هى هى لا نغيرها، نفس المقلى من عشرات السنين، وفهمت، من نفس المقلى، المهم الطريق، والركنة، فالنزول، والرجوع، المسألة ليست ‏طلبا‏ ‏لجودة‏ ‏خاصة‏ ‏أو‏ ‏نكهة‏ ‏متميزة، لاحظت‏ ‏بعد أن وصلنا لبيت توفيق ‏أن‏ ‏عدد‏ ‏حبات‏ ‏السودانى ‏التى ‏نتسلى ‏بها‏ ‏فى ‏السهرة‏ ‏لاتزيد‏ ‏عن‏ ‏عشرين‏ ‏أو‏ ‏ثلاثين،‏ ‏يأكل‏ ‏منها‏ ‏الاستاذ‏ ‏واحدة‏ فقط أو اثنتين، وأحيانا: ‏لكن‏ ‏الذى ‏يراه‏ ‏مصّراً‏ ‏على ‏هذا‏ ‏الطقس، ويحسب لفـَّتَنَا من منزله إلى شارع نوال، إلى ما تحت كوبرى ميدان الدقى، ‏ ‏كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يتصور‏ ‏شغفه‏ ‏بالسودانى، ‏أو‏ ‏إقباله‏ ‏عليه‏، ‏ولمـَّا‏ ‏أبديت‏ ‏له‏ ‏هذه‏ ‏الملاحظة‏ (‏فيما‏ ‏بعد‏)‏، قال ضاحكا: هل صعب عليك السودانى، ووعدنى أن يأكل‏ ‏حبتين ‏ ‏أو‏ ‏ثلاثة‏ المرة القادمة، ربما مجاملة.

إلى ‏فندق‏ ‏فورت‏ ‏جراند‏، ‏جلسنا‏ ‏فى ‏الردهة‏، ‏وشربنا‏ ‏القهوة‏ ‏والشاى ‏وتحدد‏ ‏ميعاد‏ ‏الثامنة‏ ‏إلا‏ ‏ثلث‏(!!) ‏لمغادرة‏ ‏المكان‏، عرفتُ ‏أن‏ ‏جولة‏ ‏الحرافيش‏ ‏لها‏ ‏خط‏ ‏سير‏ محدد، ‏فهى ‏لا‏ ‏تكون‏ ‏من‏ ‏أولها‏ ‏إلى ‏آخرها‏ ‏فى ‏منزل‏ ‏توفيق‏، إذ‏ ‏لابد‏ ‏من‏ ‏ناس‏ ‏وشوارع، ‏وحركة، وتنوّع‏، ربما هذه فواتح شهية للقاء، ‏أثناء‏ ‏الحديث‏ ‏جاء‏ ‏ذكر‏ ‏الباقورى ‏والأحاديث‏ ‏الدينية‏ ‏المكبِّـلة‏ ‏للعقل‏، ‏والأخرى ‏المحررة‏ ‏للفكر‏، ‏واقتطف‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأيا‏ ‏لمحمد‏ ‏الغزالى ‏يقول‏: “‏إن‏ ‏المسلمين‏ ‏فى ‏حاجة‏ ‏إلى ‏مهندسين‏ ‏وأطباء‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏حاجتهم‏ ‏إلى ‏وعاظ‏”، ‏وتحفظتُ‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏نفسى ‏على ‏الرأى ‏وقائله، ‏فمازال‏ ‏الأستاذ‏ ‏منبهرا‏ ‏بالعلم‏ ‏والتكنولوجيا‏ وهو ما وصلنى من استشهاده بالحاجة إلى المهندس والطبيب ‏وكأنهما‏ ‏هما اللذان‏ ‏سينقذان‏ ‏الدنيا‏ ‏وما‏ ‏فيها‏ ‏ومن‏ ‏فيها‏.

‏ ‏جاء‏ ‏ذكر‏ ‏مصطفى ‏محمود‏، (‏ربما بمناسبة ذكر أنواع المتكلمين فى الدين أو الهداة)، وكيف‏ ‏أنه‏ ‏كان أحد‏ ‏الحرافيش‏ ‏على فترات متقطعة‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يتفرغ‏ ‏للتأكيد‏ على ‏معنى ‏”الجامع” (الذى يجمع) ‏ ‏ما ‏هو‏ ‏مستشفى ‏ومكتبة‏ ‏ومتحف‏ ‏ومسجد‏‏، ‏وتحمس‏ ‏الأستاذ‏ ‏توفيق‏ ‏قائلا‏ ‏أنه‏ ‏يحترم‏ ‏الدين‏، ‏و‏لا‏ ‏يهمه‏ ‏إلى أى دين ينتمى، هو قد ولد فوجد نفسه فى دينه هذا دون اختيار،‏‏ ‏المهم‏ ‏أنه‏ ‏يفكر،‏ ‏وسيظل‏ ‏يفكر‏، ‏فقلت‏ ‏لهما‏ ‏إنه‏ ‏قد‏ ‏خطر‏ ‏ببالى ‏يوما‏- ‏وأظن‏ ‏حتى ‏الآن‏- ‏أن‏ ‏الله‏ ‏سبحانه‏ ‏سيحاسبنا‏ ‏على “‏فعل‏ ‏التفكير”‏ ‏وليس‏ ‏على ‏محتواه‏، ‏وأن‏ ‏الذى ‏يأخذ‏ ‏هذه‏ ‏النعمة‏ – ‏نعمة‏ ‏التفكير‏- ‏مأخذ‏ ‏الجد‏، ‏ثم‏ ‏توصله‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏توصله‏ ‏إليه،‏ ‏هو‏ ‏عند‏ ‏الله‏ ‏من‏ ‏المُكرمين‏، ‏حتى‏ ‏لو‏ ‏أن‏ ‏التفكير‏ ‏الجاد‏ ‏العميق‏ ‏أوصل‏ ‏أحدنا‏ ‏إلى ‏الإلحاد (لا قدر الله)‏، ‏ثم‏ إنه ‏استمر‏ ‏يواصل ‏نفس‏ ‏التفكير‏ ‏الجاد‏ ‏العميق‏ ‏فإنه‏ ‏سوف يصل إلى فطرة الإيمان ما دام لم يتوقف، (‏لم‏ ‏أذكر‏ ‏أو لم‏ ‏أتذكر‏ “‏حى ‏بين‏ ‏يقظان‏” لابن طفيل ‏إلا‏ ‏وأنا‏ ‏أكتب‏ ‏الآن‏) – ‏ثم إنه لو‏ ‏أن‏ ‏الله‏ ‏سبحانه‏ ‏قبض هذا المجتهد وهو فى مرحلة إلحاده بالصدفة، وكان فى “حالة كونه ما زال يفكر بنفس الجدية والأمانة”، ‏فإن‏ ‏الله‏ ‏سبحانه‏ ‏سيغفر‏ ‏له‏ ‏ويجزيه‏ ‏خيرا‏، لأنه قادر سبحانه أن يمد خط تفكيره واجتهاده إلى غايته حتى بعد أن قبض روحه، ‏ضحك‏ ‏الأستاذ‏ ‏ضحكة أخرى غير قهقهته، بلغنى منها أنها فَـرْحـَة‏ بالفكرة، ولم يعلق وقد اعتدت مثل هذه التعليقات الصامتة، أترجمُها لصالح ما فى ذهنى من خلال رصد حركة جسمه، وفرحتُ، ‏وعلـَّق‏ ‏توفيق‏ قائلا‏: “‏إنت‏ ‏بتطمـِّن‏ ‏نفسك‏”، (‏قلت فى نفسى الآن: ولم‏ ‏لا‏؟ ‏أليس‏ ‏من‏ ‏حقى ‏أن‏ ‏أثق‏ ‏بعدله‏ ‏بلا‏ ‏حدود‏).‏

إنتقلنا‏ ‏من‏ ‏الفندق‏ ‏إلى ‏بيت‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏، ‏بعد أن عبرنا فوق الكوبرى أعلى ميدان الجيزة، ‏ ‏ننحرف‏ ‏إلى ‏شارع‏ ‏قرة‏ ‏بن ‏شريك، يشير‏‏ ‏الاستاذ‏ ‏مظهر‏ ‏إلى ‏بيوت‏ ‏قديمة‏ ‏جميلة‏ ‏ذاكرا‏ ‏أنه‏: ‏”هنا‏ ‏كان‏ ‏مسكن‏ ‏نيازى ‏مصطفى، ‏وراقية‏ ‏إبراهيم‏”، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏الحى ‏كان‏ ‏من‏ ‏أرقى ‏الأحياء‏ ‏وأجملها‏، ‏كنا قد قطعنا شارع فيصل أثناء ‏ ‏ذهابنا إلى منطقة الهرم  – الفورت جراند الذى أصبح الآن الميريديان –  ‏‏جرت‏ ‏تعليقات‏ ‏تصف ما يمثله شارع فيصل من قبح ‏بأنه الحى ‏الذى ‏يمثل‏ ‏روح‏ ‏وثقافة‏ ‏العائدين‏ ‏من‏ ‏الخليج،‏ ‏حى ‏بلا‏ ‏فروسيه، حى من البلاستيك، بدا وكأنه تنقصه العلاقات الإنسانية الحقيقية الدافئة‏، ‏حتى ‏المقهى الذى يحمل اسم ‏”‏الحرافيش” فى هذا الشارع‏، ‏والتى حكوا لى كيف أن صاحبها ‏ذهب‏ ‏واستأذن‏ ‏الاستاذ‏ ‏فى ‏الاسم‏، ليس فيه من الحرافيش الذى أتعرف عليهم الآن أية رائحة، ذكروا لى أن الحرافيش الأصليين قرروا أن يزوروه يوما للفرجة، وبرغم فرح صاحب القهوة وترحيبه بهم جدا جدا، إلا أنهم ‏لم يجدوا فيه أية علاقة بهم، ‏كانت واجهة‏ ‏خليجية‏ ‏لامعة، مكان ‏يُستعمل‏ ‏من‏ ‏الظاهر، ليس له عمق، ولا يُحَس فيه بنبض، أو ‏ ‏هذا‏ ‏موجز‏ ‏ما‏ ‏وصلنى ‏وليس‏ ‏نص‏ ‏تعليق‏ ‏الاستاذ‏ ‏أو‏ ‏توفيق‏، تصورت‏ ‏أننا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نكون‏ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏ثقافية‏ ‏الآن‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تطلق‏ ‏عليها‏ ‏ثقافة‏ ‏الخليج‏ ‏وأستطيع‏ ‏أن‏ ‏ألخصها‏ ‏فى رباعية: “‏القرش،‏ ‏القبح،‏ ‏المسافات،‏ ‏الفردية‏”.‏

وصلنا‏ ‏بيت‏ ‏توفيق‏‏ ‏ونزل‏ ‏خصيصا‏ ‏لاستصحابى ‏فى ‏المصعد‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏أوصل‏ ‏الأستاذ‏ ‏ومظهر‏ ‏إلى ‏الدور‏ ‏العاشر‏، المصعد قديم ولا يسعنا جميعا، ‏فتخلفت وحدى، أنا الأصغر حتى نزل توفيق بذوق رقيق يصطحبنى، المنزل على النيل فتصورت أثناء صعودى ‏ ‏أننى سوف أجد النيل والقاهرة فى انتظارى بمجرد ولوجى باب الشقة، ‏لكننى ‏وجدت نفسى فى‏ ‏ ‏متحف‏ ‏نظيف ‏صغير‏ ‏جميل، ‏أفراد‏ ‏الأسرة‏ ‏فيه‏ ‏بدوْا لى جزءا ‏من‏ ‏هذه اللوحة الجميلة، ‏أما‏ ‏الحجرة‏ ‏المخصصة‏ ‏لجلوسنا‏ ‏فقد‏ ‏كانت‏ ‏مستطيلة‏ ‏صغيرة‏ ‏جدا‏، ‏خيل‏ ‏إلى ‏أنها‏ ‏عربة‏ ‏قطار‏‏، ‏وقد‏ ‏حسبت‏ ‏أنها‏ ‏لن‏ ‏تسعنا‏ ‏نحن‏ ‏الأربعة‏ ‏لكننى ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏أستدفأت‏ ‏بجدرانها‏ ‏المتقاربة‏ ‏وأثاثها‏ ‏البسيط‏، ‏كانت الشرفة التى تطل على النيل مغلقة، نحن فى يناير، جاء‏ ‏العدس،‏ ‏والبصل،‏ ‏والجبن‏ ‏الأبيض،‏ ‏وأكمل‏ ‏لى ‏توفيق‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏بدأه‏ ‏أثناء‏ ‏الطريق من حديث عن باقى طقوس هذا المساء، مساء الخميس، مساء الحرافيش‏، ‏وعلمت كيف‏ ‏أن‏ ‏الاستاذ كان هو الذى يصحب معه كيلو الكباب من عند “عنتر” (كبابجى المنيل) ملفوفا تفوح منه تلك الرائحة المصرية الذكية، أعلنت أسفى اننى التحقت بهم فى عصر “العدس” وقد حل محل الكباب، فحكى توفيق قصة دخول العدس إلى مائدة الحرافيش، قال: إن ‏الأستاذ‏ ‏كان قد مر بعد‏ ‏العملية‏ ‏فى ‏لندن‏ بفترة ‏انصرفت‏ فيها ‏نفسه‏ ‏عن‏ ‏الطعام‏ ‏نهائيا‏، ‏وبالصدفة‏ ‏أكتشف‏ ‏الأستاذ‏ ‏توفيق‏ ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏استثناء‏ ‏لفقد‏ ‏الشهية‏ ‏هذا‏ حين قدمت له زوجة توفيق الفاضلة طبقا ساخنا من العدس المتميز بالليمون الصابح، فإذا بشهية الأستاذ تفتح ويأتى عليه كله دون توقع، ومن يومها حل العدس محل الكباب دون تردد، ‏وإذا‏ ‏ذكر‏ ‏العدس‏ فلابد ‏ ‏أن‏ ‏يحل‏ ‏فى ‏دائرة‏ ‏أى مصرى عريق ‏ما‏ ‏هو‏ ‏بصل‏ ‏أخضر‏، ‏فيتذكر‏ ‏الأستاذ‏ ‏توفيق‏ ‏حادثة‏ ‏طريفة‏ ‏عن‏ ‏البصل‏، ‏فقد‏ ‏علم‏ ‏هو‏ ‏والأستاذ‏ (‏وكلاهما‏ ‏عنده‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏ ‏‏السكرى: مرض ‏السكر‏)، ‏أن‏ ‏البصل‏ ‏دواء‏ ‏للسكر‏، ‏فقررا‏ ‏أن‏ ‏يتناولا‏ ‏فى ‏طعام‏ ‏الغذاء‏ ‏يوميا‏ ‏بصلا‏، ‏وفى ‏أول‏ ‏يوم‏ ‏تناول‏ ‏الأستاذ‏ ‏البصل‏ ‏ظُهرا‏ ‏أيقظوه‏ ‏على ‏نبأ‏ ‏فوزه‏ ‏بجائزة‏ ‏نوبل‏، ‏فحدث‏ ‏ارتباط‏ ‏سعيد‏ ‏طريف‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏بصل‏، ‏وما‏ ‏هو‏ ‏نوبل‏ (‏وبدا‏ ‏لى ‏دون‏ ‏ذكر‏ ‏ذلك‏ ‏أنه‏ ‏لو‏ ‏صدّق‏ ‏هذا‏ ‏الإرتباط‏ ‏بعض‏ ‏المتكالبين‏ ‏على ‏الجوائز،‏ ‏إذن‏ ‏لاختفى ‏البصل‏ ‏فى ‏الأحياء‏ ‏التى ‏يسكنها‏ ‏أشباه‏ ‏المبدعين)،‏ ‏تكملة‏ ‏الحكاية‏ ‏الطريفة‏: ‏أن‏ ‏سفير‏ ‏السويد‏ ‏حين‏ ‏حضر‏ ‏فى ‏المساء‏ ‏ليهنيء‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏المنزل‏، ‏ ‏تذكر‏ ‏الأستاذ‏ ‏فجأة‏ ‏حكاية‏ ‏البصل‏ ‏هذه‏ ‏وما‏ ‏تناوله‏ ‏منه‏ ‏على ‏الغذاء‏، ‏فخجل‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏ثمة‏ ‏رائحة‏ ‏متبقية‏، ‏وبرقته ‏ ‏المعهودة‏ ‏وخجله‏ ‏الدمث‏ ‏راح‏ ‏ينظر‏‏ ‏بعيد‏ا وهو يكلم السفير، ‏ويشيح‏ بوجهه ‏قليلا‏ ‏أو كثيرا عن‏ ‏‏رأس السفير، وهو يحاول أن يجنبه رائحة فمه كما يظن، وضحك الأستاذ – وتوفيق يقص علىّ القصة- فى طفولة رائقة، وكأن خجله عاوده، لكن ما عاد يهمه!

‏ ‏انطلق‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏بعد‏ ‏سماعنا‏ ‏شكاواه‏ ‏المعِدِيّة‏ ‏والقولونية‏، ‏فحكى ‏لى ‏عن‏ ‏علاقته‏ ‏بالأكل‏، ‏وبالنوم‏، ‏وبالاسترخاء‏، ‏وبمحاولة تجربته التحليل النفسى مع المرحوم الأستاذ الدكتور أبومدين‏ ‏الشافعى([29])، ‏وكيف‏ ‏أنه‏ – الأستاذ مظهر- ‏فى ‏صدر‏ ‏شبابه‏ ‏بعد‏ ‏سهرة‏ ‏فى ‏كازينو‏ ‏بديعة‏، ‏وتناول‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏يشبه‏ ‏الفستق‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏الخطأ‏، فإذا به ليس فستقا، ولم يعرف ماذا كان أصلا، لكن طعمه كان مزعجا والسلام، قال إن هذه الخبرة ‏ ‏جعلته‏ ‏فجأة يخاف‏ ‏من‏ ‏الأكل‏ ‏بكل‏ ‏أنواعه‏، ‏حتى ‏وصل‏ ‏ ‏حتى ‏الإمتناع‏ ‏الكامل‏ (‏إلا‏ ‏عن‏ ‏بعض‏ ‏الماء‏) ‏لمدة‏‏ طويلة‏، وأنه كان قد نسى هذه الخبرة، ولكن ‏حين‏ ‏عاوده‏ ‏فقد‏ ‏الشهية‏ مؤخرا ‏هذه الأيام، ‏ ‏وعاودته‏ ‏انقباضات‏ ‏وثقل‏ ‏المعدة، ‏تذكر‏ ‏هذه‏ ‏الخبرة‏ ‏باهتة لكن دالة، كان صوته هادئا فى أول الجلسة حتى لا يكاد يسمع، ولكن بمرور‏ ‏الوقت‏، ‏أصبح‏ ‏أكثر‏ ‏طلاقة‏ ‏وأعلى ‏نبرة‏، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏لا‏ ‏يبذل‏ ‏الجهد‏ ‏اللازم‏ ‏لتوصيل‏ ‏الحديث‏ ‏للأستاذ‏ مباشرة، فيقوم ‏ ‏توفيق‏ ‏ ‏ ‏بدور‏ ‏الموصِّل‏ ‏ ‏ ‏أولا‏ ‏بأول‏.‏

يحضر‏ ‏التشكيلى (‏المزارع أيضا‏: ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏فهمته‏) ‏جميل‏ ‏شفيق، حرفوش أصيل آخر، غير منتظم‏، ‏لم أره من قبل، وبصراحة لم أكن أعرفه، رأيت‏ ‏فنانا‏ ‏مصريا‏ ‏أسمرا‏ ‏يتكلم‏ ‏عن‏ ‏النساء‏ ‏المُهرات بشاعرية خاصة، ‏ ‏فذكّـرنى ‏بالمرأة‏ ‏المهرة‏ ‏التى ‏كانت مسئولة عن المخيم الذى خيمنا فيه قرب فينسيا وسجلت عنها جزءا كبيرا من الجزء الأول من الترحالات “الناس والطريق”([30]).

‏حكى ‏لنا جميل ‏ ‏حادثة‏ ‏قريبة‏ ‏لها‏ ‏دلالة‏ ‏خاصة‏ ‏فى ‏مجتمعنا‏ ‏الآن‏: ‏كانت‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏الزوار‏ ‏الأجانب‏ ‏يشاهدون‏ ‏جانبا‏ ‏من‏ ‏أعماله‏ ‏التشكيلية‏، ‏وكانت‏ ‏بينها بعض ‏الاسكتشات‏ ‏التى‏ ‏لم‏ ‏تكتمل‏ ‏رسمها‏ ‏منذ الستينات‏، ‏وهى ‏تمثل‏ ‏عنده‏ ‏أهمية خاصة‏ ‏ربما‏ ‏تشير‏ ‏إلى ‏مرحلة‏ ‏معينة‏ ‏من‏ ‏تطوره‏ ‏الفنى، ‏وأعجبت ‏زائرة‏ ‏أجنبية‏ (‏أمريكية‏ ‏على ما أذكر‏) ‏بإحدى‏ ‏هذه‏ ‏ الاسكتشات،‏ ‏وطلبت‏ ‏شراءها، ‏ ‏فأجابها‏ ‏جميل‏ ‏أنها‏ لم تكتمل، ‏فأخذت ‏تلح‏ ‏وهى ‏تلوح‏ ‏بأنها مستعدة‏ ‏أن‏ ‏تدفع‏ ‏فيها‏ ‏أى ‏ثمن‏ ‏كان‏، ‏وأخذ‏ ‏يبين‏ ويشرح لها سبب ‏أنها‏ ‏ليست‏ ‏للبيع‏، ‏لأنها لم تتم‏، ‏فتصاعد‏ ‏إعجابها‏ ‏بالإسكتش‏، ‏وربما‏ ‏زاد‏ ‏بسبب‏ ‏الإمتناع‏ ‏والتحفظ‏، ‏ولما‏ ‏التقط‏ ‏مدى ‏إعجابها‏ ‏وجديتها‏ ‏أهداها‏ ‏لها‏ ‏بلا‏ ‏مقابل‏، فـَـرِحـْـتُ بسماع هذه القصة، إذ ربطت عندى بين كرم المصرى، وجمال الفنان، ومعنى تذوقه ياه !!!!

قصة‏ ‏أخرى ‏ ‏حكاها‏ ‏جميل‏ ‏قال ‏ ‏إنه‏ ‏ربما فى سنة‏ 1990 ‏وصله‏ ‏خطاب‏ رقيق من ‏ ‏شاب‏ ‏اسمه‏ “‏شريف”….‏.. ‏ذكر‏ ‏فيه‏ ‏كلاما‏ ‏بدا لجميل نقدا متميزا هاما‏ ‏عن مرحلة‏ ‏الأبيض‏ ‏والأسود‏ ‏التى يتميز بها فنه، وكيف ربطها‏ بالمرحلة‏ ‏السوداوية‏ ‏التى ‏تمر‏ ‏بها‏ ‏مصر‏، ‏وعن‏ ‏رهافة‏ ‏الحس‏ ‏وغير‏ ‏ذلك‏، ‏وأنه استقبل‏ ‏هذا‏ ‏الخطاب‏ ‏بجديه‏ ‏وشكر صاحبه بينه وبين نفسه،‏ ‏وهو لا‏ ‏يعرفه‏‏، ‏ثم‏ ‏نسى ‏الخطاب‏ ‏وصاحبه‏ ‏تماما‏، إلا أنه وهو‏ ‏يقلب‏ ‏أوراقة‏ ‏مؤخرا (هذا العام) وجد فى ‏يده‏ ‏هذا‏ ‏الخطاب‏، ‏فقفزت‏ إليه ‏المشاعر‏ ‏القديمة‏ ‏والعرفان‏ ‏، وتذكر كيف أن هذا الشاب الناقد الجميل كان ما زال طالبا فى ‏سنة‏ ‏ثانية‏ ‏فنون‏ ‏جميلة‏، قال لنفسه: يا تُرى أين هو الآن؟ ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏تخرج‏، ‏ترى ‏هل‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏المتفوقين‏؟ ‏هل‏ ‏يدرس‏ ‏الآن؟ ‏هل‏ ‏مازال‏ ‏بهذه‏ ‏الرقة‏ ‏والدقة فى النقد؟ ثم حكى كيف زارته فنانة صغيرة فى الأتيليه تدرس الماجستير بعد سنوات، ورجح لسبب ما أنها تعرف الشاب إذ استنتج أنها فى سنه، وربما كانا من دفعة واحدة، فسألها عنه وذكر لها اسمه، فإذا بوجهها يتغير ليكتسى بحزن صعب، وهى تقول “إنه مات”، تابعت الحكاية ولا أنا أعرف ما مناسبة حكـْيِها، ولا أنا رفضتُ سماعها مع أن السياق لا يحتاجها، انتبهت إلى أن هذا هو طابع هذا اللقاء الحرافيشى: كل واحد يحكى ما يشاء، بغض النظر عن السياق الغالب، دون أن يكون مـُلزما أن يكون ردا على تساؤل محدد مثلا، ليس معنى ذلك أن المسألة مجرد فضضة، فضلت أن أسمى ذلك “تقارب سامح بلا شروط”.

 إنتهت‏ ‏القصة‏ ‏ ‏الصعبة‏ ‏الدالة‏، وحين خطر ببالى، لست أدرى لماذا، ربما من تأثير مهنتى، أن هذا الشاب الرقيق ربما يكون قد انتحر سألت جميل فى فزع حزين عن احتمال ذلك، فأجاب بما هو أصعب، وأن زميلته أخبرته أن ‏ ‏السبب‏ ‏كان‏ ‏السرطان، ساد جو أكثر قتامة، لكنه لم يدم طويلا، فهذه الجلسة لا تحتمل إلا الصدق دون مبالغة، والظاهر أن جميل قد أدرك أنه لم تكن ثمة مناسبة لهذا الحكى بعد حكاية كرَمِه مع الزائرة الأجنبية، فأراد أن يتحول بالحديث كله إلى ما هو أخف فأخف، ووافقنا دون أن يستأذننا، حتى بدا أننا نسينا الحكايتين معا.

مضى جميل، وكأنه يعتذر عن ما فعل بنا، يحكى بعض النكات العادية، والخارجة قليلا (أو كثيرا)، ‏وحتى ‏لا‏ ‏يذهب‏ الذهن إلى أبعد مما حدث، سوف أحكى واحدة:

قال‏ ‏جميل‏ ‏أن‏ ‏أمرأة‏ ‏اختفت‏ ‏من‏ ‏منزل‏ ‏زوجها‏ ‏لمدة‏ ‏يومين‏ ‏اثنين، وحين‏ ‏عادت‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏بحث‏ ‏عنها‏ ‏زوجها، وانشغل، وحزن وكذا، سألها: ‏أين‏ ‏كنت‏، ‏قالت:‏ ‏لقد‏ ‏اختطفنى ‏بعض‏ ‏الشبان‏ ‏واغتصبونى ‏لمدة‏ ‏ثلاثة‏ ‏أيام‏ ‏بلياليها‏، ‏فسألها‏ ‏ولكنك‏ ‏لم‏ ‏تغيبى ‏إلا‏ ‏يومين‏، ‏فأجابت‏ ‏نعم‏ ‏ولكنى ‏ذاهبة إليهم ‏الليلة.

شارك الأستاذ بتخفيف الجو بعد حكاية جميل، فقال نكتة (قديمة بالنسبة لى)، قال: ‏أن‏ ‏الرئيس‏ ‏قرر‏ ‏أن‏ ‏يقود‏ ‏سيارته‏ ‏بنفسه‏ كسرا للملل فى ‏طريق‏ ‏ممتد‏ (‏مثل‏ ‏السويس‏ ‏مثلا‏) ‏فتجاوز‏ ‏السرعة‏ ‏فأوقفه‏ ‏المرور‏ ‏وطلب‏ ‏الضابط‏ ‏من‏ ‏الشرطى ‏أن‏ ‏يحضر‏ ‏رخصته‏، ‏فذهب‏ ‏الشرطى ‏وعاد‏ ‏مترددا‏، ‏فنهره‏ ‏وأمره‏ ‏أن‏ ‏ينفذ‏ ‏الأمر‏، ‏فألمح‏ ‏الشرطى ‏أن‏ ‏السيارة‏ ‏لشخص‏ ‏مهم‏، ‏ولابد‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏مهما‏ ‏جدا‏، ‏فلم‏ ‏ينتبه‏ ‏الضابط‏ ‏وأصر‏ ‏أن‏ ‏يحضر‏ ‏الرخصة‏ ‏أو‏ ‏يفصح‏ ‏عما‏ ‏يخفيه‏ ‏فأجاب‏ ‏الشرطى: “‏إنه‏ ‏شخص‏ ‏بالغ‏ ‏الأهمية‏ ‏حيث‏ ‏أن‏ ‏سائقه‏ ‏هو‏ ‏رئيس‏ ‏الجمهورية‏ ‏شخصيا‏”،‏ برغم أننى سمعت هذه النكتة من قبل كما ذكرت، إلى أنها بدت لى جديدة حين حكاها الأستاذ بطريقته الطيبة، وضحك منها هو شخصيا، فشاركتُه وضحكت أكثر مما ضحكت عند أول سماعها جديدة طازجة، ليست‏ ‏المهم‏ ‏فى ‏النكتة‏ ‏ظرفها‏ ‏أو‏ ‏تهذيبها‏ ‏أو‏ ‏حضورها‏ ‏لكن‏ ‏المهم‏ هو ما وصلنى كيف أن الأستاذ ليس إلا‏ ‏شخص ‏عادى ‏يشارك‏ ‏فى ‏كل‏ ‏شىء‏، ‏فى الا‏ستماع‏، ‏فى ‏الدهشة‏، فى التساؤل،‏ ‏فى ‏إعادة‏ ‏النظر‏، فى المشاركة، فى التنكيت، فالضحك الخالص.

‏‏أثناء‏ ‏وجودنا‏ ‏فى ‏فورت‏ ‏جراند‏ ‏قال‏ ‏لى الاستاذ ‏إنه‏ ‏حزين‏ ‏لما‏ ‏سمع‏ ‏من‏ ‏الأستاذ‏ ‏محمد‏ (‏أمس‏)، ‏قاطعته متسائلا: أستاذ محمد من؟ قال: الأستاذ محمد يحيى، انتبهت أنه يتكلم عن إبنى، فانزعجت محتجا معترضا متسائلا: من الذى أسْتَذَهُ من ورائى؟ ومنذ متى؟ وانتهزت الفرصة لأوضح له أننى ما زلت أدهش وهو يكنينى “يحيى بك”، فشرح لى أنها العادة، وقال: لقد عودتنى الوظيفة ألا أنادى الناس بأسمائهم مجردة تحت أى ظرف، أنت تعلم أنك إن ‏ ‏لم‏ ‏تدخل‏ ‏على ‏الرئيس‏ فى الصباح بادئا بأنه: ‏ “سعدت‏ ‏صباحا‏ ‏يا‏ ‏سعادة‏ ‏البيه‏ ‏المدير‏”، ‏فلن يمر يومك على خير. وضحكنا. ‏ ‏ثم أكمل: أنه بلغه من “محمد” (هكذا أكتبه الآن، برغم أن الأستاذ واصل أستذته) أن‏ ‏أحدا‏ ‏من‏ ‏شباب‏ ‏مصر‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يحمل‏ ‏المسئولية‏، ‏إلا‏ ‏الإرهابيين بطريقتهم والعياذ بالله!!!!. وعقب الاستاذ قائلا: ‏إن‏ ‏المصرى ‏والشباب‏ ‏المصرى ‏خاصة‏ ‏كان ‏طول‏ ‏عمره‏ ‏يتحلى ‏بالفدائية‏، ‏فأين‏ ‏راحت؟، وأضاف: ‏أنا‏ ‏أشهد‏ ‏للمصريين‏ ‏بالفدائية‏، ‏فكيف يقول “محمد” أنها‏ ‏اختفت‏ ‏عند‏ ‏الجميع‏ ‏إلا‏ ‏عند‏ ‏الإرهابين‏، ‏كان‏ ‏كل الشباب‏ ‏زمان‏ ‏يقولون‏ “‏نموت‏ ‏وتحيا‏ ‏مصر‏، ‏ويموتون‏ ‏فعلا، وتحيا مصر‏”، ‏أما لو صدق كلام محمد، فإن الذى يقولها ‏الآن‏ ‏هو‏ ‏الإرهابى، ‏ولكنه‏ ‏للأسف‏ ‏يموت‏ ‏ولا‏ ‏يحيا‏ ‏أحد‏، ثم أضاف: يبدو أنه ‏أحتفظ‏ ‏بالفدائية‏ ‏وفقد‏ ‏هدفها‏ ‏وتوجيهها‏ ‏للحياة‏، وكأنه‏ ‏يقول‏ ‏”نموت‏ ‏ويموت‏ ‏معنا‏ ‏من‏ ‏أماتونا‏”، ‏أو‏ ‏”نميت‏ ‏ونموت‏ ‏مادمنا‏ ‏لا‏ ‏نعيش”‏.‏

كنت شبعانا نسبيا، فشاركت فى العشاء من بعيد لبعيد، ‏برغم‏ ‏الدخان‏ ‏المتصاعد‏ ‏من‏ ‏الوعاء‏ ‏العميق‏ ‏الذى ‏به‏ ‏العدس‏، ‏وبرغم‏ ‏قطع‏ ‏الخبز‏ (‏أو‏ ‏ما‏ ‏شابه‏) ‏المربعة‏ ‏الصغيرة‏ ‏التى ‏لا‏ ‏يزيد‏ ‏طول‏ ‏ضلعها‏ ‏عن‏ ‏سنتيمترا واحدا، ‏وهى ‏مقطعة‏ ‏و‏مقلية فى الزيت‏ ‏حتى تبدو بكل هذا الإغراء والدلال، وبدا لى ‏العدس فى انتظارها فخورا‏ ‏بانتصاره على الكباب بغير رجعه، فراح يزهو وهو‏ ‏يزين‏ ‏المائدة‏ ‏باعتبار‏ ‏أنه‏ ‏حصل‏ ‏على ‏حكم‏ ‏نهائى ‏بــ‏ ‏رد‏ “‏الاعتبار‏”، بتزكية من زوجة توفيق الكريمة المضياف.

بدت‏ ‏شهية‏ ‏الأستاذ‏ ‏مفتوحة‏، ‏ولونه‏ ‏أكثر‏ ‏توردا‏، ‏دعوت‏ ‏له‏، ‏وخفت‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏عينى، ‏وقرأت‏ ‏قل‏ ‏أعوذ‏ ‏برب‏ ‏الفلق‏ ‏فى ‏سرى، ‏وسألته‏، ‏منتهزا‏ ‏الفرصة:‏ ‏هل‏ ‏عادت‏ ‏الشهية‏ ‏وعاد‏ ‏يستشعر‏ ‏طعم‏ ‏الطعام‏ ‏والماء‏، ‏قال‏ ‏فرحا‏ ‏نعم‏ ‏عادت‏ ‏تقريبا‏ ‏مائة‏ ‏فى ‏المائة‏، ‏وكعهده‏ ‏فى ‏الدقة‏ ‏راح‏ ‏يستدرك: ‏الطعام‏ ‏نعم‏، ‏ولكن‏ ‏الماء‏ ‏مازال‏: ‏إلا‏ ‏قليلا‏، ‏ثم‏ ‏عاد‏ ‏يستدرك‏ ‏ثانية‏، ‏لكن‏ ‏هذا‏ ‏العدس‏ (‏فى ‏هذا‏ ‏المكان‏ ‏هكذا‏)، ‏لم‏ ‏يفقد‏ ‏أبدا‏ ‏طعمه‏ ‏ونكهته‏ ‏تحت‏ ‏أية‏ ‏ظروف‏.‏

ظللت‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏ ‏أتساءل‏ ‏أين‏ ‏موقع‏ ‏السودانى ‏واللب‏ ‏اللذان ‏غيرنا‏ ‏طريقنا‏ ‏خصيصا‏ ‏لشرائهما‏ ‏بثمانية‏ ‏جنيهات‏ ‏وربع‏، ‏قالوا‏ ‏لى: “‏بعد‏ ‏الأكل”‏، ‏وتأكدت‏ ‏قبل‏ ‏انصرافى ‏أنها‏ ‏عادة‏ ‏طقسية‏ ‏أكثر‏ ‏منها‏ ‏أكلة‏ ‏محددة‏ ‏أو‏ ‏تسلية‏ ‏خاصة‏، إنها‏ ‏علاقة‏ ‏بالحياة‏، ‏برموزها‏، ‏بأشيائها‏ ‏الصغيرة‏ ‏جدا‏، ‏الهامة‏ ‏جدا‏، ‏قد‏ ‏لا‏ ‏تكون‏ ‏هامة‏ ‏فى ‏ذاتها‏، ‏لكنها‏ ‏تكتسب‏ ‏أهميتها‏ ‏بما‏ ‏نعطيه‏ ‏لها‏ ‏وبما‏ ‏تربطنا معاً من خلالها.‏

خرجت‏ ‏وأنا‏ ‏فى حال‏، ‏حمدت‏ ‏الله‏ ‏أن‏ ‏أول‏ ‏لقاء‏ ‏كان‏ ‏رشفة‏ ‏محدودة‏ ‏لكنها متنوعة من‏ ‏رحيق‏ ‏الحرافيش،‏ ‏ كانت‏ ‏عينة‏ ‏طيبة‏، ‏وخيل إلى أنها ‏مناسبة لحالتى ‏هكذا‏ ‏حتى ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أتمثلها‏ ‏على ‏مهل‏، ‏ولم‏ ‏أكن‏ ‏متأكدا‏ ‏هل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏أواصل‏ ‏الانتساب‏ ‏إليهم‏ – ‏وقد وصلنى‏ ‏إصرار‏ ‏الأستاذ‏ ‏والأستاذ‏ ‏توفيق‏ ‏هكذا بهذا الوضوح

‏لا…لا…

هم‏ ‏يصرون‏ ‏كما‏ ‏يشاؤون‏ ‏لكننى – شخصيا – ‏لم‏ ‏أقرر‏ ‏بعد

أشعر أننى غريب فعلا

أفتقد البعد التاريخى لما يجرى

ماذا أفعل؟‏.‏

 الحلقة الرابعة عشر

طلب الغـَـنِـى شفقة، كـَـسَـرالفقير زيرُهْ

الجمعة‏: 13/1/1995([31])

‏أعدت على‏ محمد إبنى ‏تساؤل‏ ‏الاستاذ‏ ‏أمس عن ما صرّح به إليه قبل ذلك بشأن رأيه عن ضعف انتماء الشباب (الذى يمثله “محمد” بشكل ما) إلى ما هو وطن، وأخبرته بموجز ما أسف له الأستاذ مندهشا غير مصدق، وبشكل ما مدافعا محتفظا بأملٍ ما، وطلبت من محمد أن يرد على رأى الأستاذ (الذى أثبتـُّه فى الحلقة السابقة)، ‏قلت‏ ‏لمحمد‏: “‏ماذا كنت تعنى أنه لم يعد ينتمى للبلد إلا الإرهابى لدرجة أنه -دون غيره- يضحى بحياته من أجلها؟ وأعدت عليه قول الأستاذ أنه لو صح ذلك، فقد تحول الهتاف الرائع،”نموت ويحيا الوطن”، إلى واقع مؤلم يقول:”نموت، ويموت الوطن معنا”، ‏قال‏ ‏محمد‏: ‏”إن‏ ‏الشعور‏ ‏الذى ‏نفتقده‏ ‏أنا‏ ‏ومن‏ ‏مثلى ‏هو‏ ‏أن‏ ‏الواحد‏ ‏منا‏ ‏لا ‏ ‏يمتلك‏ ‏هذا‏ ‏البلد‏، ‏لا يمتلك‏ ‏الشارع‏، ‏لا يمتلك‏ ‏المقهى، ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏جيلكم‏ (جمعنى مع الأستاذ وتوفيق صالح معتبراً أننا من جيل واحد) ‏كان‏ ‏يمتلك‏ ‏البلد فعلا‏، ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏يدفع الواحد منكم‏ ‏أن‏ ‏يدافع‏ ‏عنها‏ ‏ويضحى ‏فى ‏سبيلها‏ ‏ويتمرغ‏ ‏فى ‏ترابها‏‏، ‏رد‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏مخاطبا الأستاذ ‏:”‏إن‏ ‏جيلنا‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يمتلك‏ ‏البلد‏ ‏بالصورة‏ ‏التى ‏يتحدث‏ ‏عنها‏ ‏محمد‏، ‏بل‏ ‏الانجليز‏ ‏هم‏ ‏الذين‏ ‏كانوا‏ ‏يمتلكون‏ ‏البلد‏ ‏ويمتلكوننا‏ ‏بالمرة‏”‏، ‏رد‏ ‏محمد‏ :”‏أنه‏ ‏فرق‏ ‏بين‏ ‏وجود‏ ‏الإنجليز‏ ‏وبين‏ ‏الشعور‏ ‏بالامتلاك‏، ‏قد‏ ‏أشعر‏ ‏أننى ‏أمتلك‏ ‏الشىء‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏كان‏ ‏فى ‏حوزة‏ ‏غيرى، ‏فأنا‏ ‏مالكه‏ برغم أن غيرى يستولى عليه الآن، لكن ما دام هو ملكى فسوف يعود إلىّ، بل إن سعيى لاسترداده، ‏قد‏ ‏يزيد‏ ‏من‏ ‏شعورى ‏بامتلاكه”.‏

قال‏ ‏الأستاذ: “‏إن‏ ‏الجيل‏ ‏الأكبر‏ ‏والسابق‏ ‏والأسبق‏ ‏كان‏ ‏يولد‏ ‏فى ‏”‏وطن”،‏ ‏ويعيش‏ ‏فى”‏وطن”،‏ ‏ويملأ‏ ‏وعيه‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏”‏وطن”،‏ ‏ثم‏ ‏حلت‏ ‏مسائل‏ ‏أخرى ‏بجوار‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏”‏وطن”،‏ ‏ذلك أن‏ ‏الأمور‏ ‏تطورت‏ ‏فحل‏ ‏الدين‏ ‏والأيديولوجى ‏محل‏ ‏الوطن‏ (‏إسلامية‏ ‏لا‏ ‏قومية‏، ‏وكذلك‏ ‏أممية‏ ‏الشيوعية‏) ‏وحين‏ ‏انهار‏ ‏الإتحاد‏ ‏السوفيتى ‏وصار‏ ‏التعصب‏ ‏الدينى ‏إلى ‏ما‏ ‏صار‏ ‏إليه‏، ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏الشباب‏ ‏يتبين‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏الوطن‏ ‏فكان‏ ‏هذا‏ ‏الضياع‏ ‏الذى ‏آلمنى ‏والذى ‏أعلن‏ ‏عنه‏ ‏محمد”.

قلت: ‏”إذن‏ ‏فالمسألة‏ ‏ليست‏ ‏أن‏ الشاب ‏الإرهابى‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏يشعر‏ ‏بالمسئولية‏، وبالتالى فهو الذى ينتمى إلى ما تبقى من وطن، وحتى لو أنه يشعر بمسئولية ما، فهى مسئولية ‏ ‏ضد‏ ‏الوطن‏ ‏وليست‏ ‏لصالحه‏‏، ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏مسئوليته‏ ‏المزعومة‏ ‏تنقلب‏ ‏إلى ‏دافع‏ ‏أعمى ‏لتحقيق‏ ‏ما‏ ‏يفتقده‏ ‏شخصيا‏ ‏من‏ ‏حق‏ ‏الإنتماء‏ ‏إلى أرضه وناسه إلى ‏التمسك‏ ‏المتعصب‏ ‏بأجزاء‏ ‏المفاهيم التى حشروها فى دماغه، ‏ ‏هؤلاء‏ ‏لايعرفون‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏الوطن أصلا‏، ‏وبالتالى ‏فإن‏ ‏أحدا‏ ‏منهم‏ ‏ليس‏ ‏مسئولا‏ ‏عن‏ ‏الوطن‏ ‏بحيث‏ ‏يقارَن‏ ‏أصلا‏ ‏بهؤلاء‏ ‏الشباب‏ ‏المهمش‏ ‏المنتظر”‏، ‏قال‏ ‏الأستاذ من جديد: “‏نعم‏ ‏هذا صحيح، قد يكون هذا صحيحا، ‏لكن‏ ‏هناك‏ ‏الواقع‏، ‏والتجربة‏، ‏ولا‏ ‏سبيل‏ ‏للعيش‏ ‏إلا‏ ‏بمواجهة‏ ‏الواقع‏، ‏ثم‏ ‏اختبار‏ ‏الشائع بما يجرى فى الواقع‏، ‏الواقع‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏سوف‏ ‏يسمح‏ ‏بعد‏ ‏حين نجحت منذ سنوات‏ ‏أن‏ ‏تتكرر‏ ‏أية تجربة سياسية حاكمة، أو لا تتكرر‏، ‏إن‏ ‏كان‏ ‏الحكم‏ ‏قد‏ ‏عاد‏ ‏بالخير‏ ‏على ‏الناس‏ ‏سيستمر‏، ‏وإلا‏ ‏فالناس‏ ‏ستتجمع‏ ‏وتتحزب‏ ‏وتدفع‏ ‏ثمن‏ ‏اختيارها‏، ‏ألم أقل لكم‏ ‏أنه لو أن‏ ‏جبهة‏ ‏الإنقاد‏ ‏فى ‏الجزائر‏ ‏تولت‏ ‏السلطة‏ ‏من‏ ‏أربع‏ ‏سنوات‏ ‏لكانت‏ ‏على ‏وشك‏ ‏الإنقضاء‏ ‏الآن‏، ‏لأنهم‏ ‏كانوا‏ ‏سيواجهون‏ ‏فشلهم‏ ‏لو‏ ‏لم‏ ‏يحققوا‏ ‏للناس‏ ‏ما‏ ‏وعدوا‏ ‏به‏”، قال‏ ‏محمد‏ ‏مرة أخرى “إ‏ن ‏الخوف‏ ‏هو أنهم‏ ‏سوف‏ ‏يغيرون‏ ‏نوع‏ ‏الإنتخاب‏ ‏الذى ‏أتى بهم إلى السلطة”، ‏قال‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏: “‏نحن‏ ‏لا‏ ‏نعرف‏ ‏حقيقة‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏جارٍ هناك ‏ونحن‏ ‏بعيدون عنه‏، ‏خذ‏ ‏مثلا‏ ‏إيران‏، ‏لقد‏ ‏شاهدت‏ ‏فيلما‏ ‏إيرانيا‏ ‏حديثا‏، ‏أظن‏ ‏أنه‏ ‏ظهر‏ ‏منذ‏ ‏سنة‏، ‏كان‏ ‏رائعا‏ ‏ومتماسكا‏ ‏فنيا‏، ‏وكانت‏ ‏مخرجته‏ ‏إمرأة‏، ‏وكان‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏المعانى ‏السامية‏ ‏ما‏ ‏أرضانى ‏وأبهرنى ‏من‏ ‏الناحية‏ ‏الفنية‏ ‏والإنسانية‏، ‏فأى ‏مبادئ‏ ‏أفرزت‏ ‏هذا‏ ‏الفيلم‏، ‏وأى ‏نظام‏ ‏سمح‏ ‏به‏، لا بد أنه نظام قادر على إفراخ الإبداع، وليس كما نشيع عنه مما يصلنا من السياسيين”، قلت‏ ‏له‏ ‏هذا‏ ‏حديث‏ ‏مهم‏، ‏وهو‏ ‏بالنسبة‏ ‏لى ‏شىء‏ ‏طيب‏ ‏لأننى ‏حين‏ ‏رفضت‏ ‏الثورة‏ ‏الإسلامية‏ ‏الإيرانية‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏أجل‏ تأييدى للشاه‏ ‏أو‏ ‏النظام‏ ‏السابق بكل ادعاءاته وحرياته المشبوهة، ‏وإنما‏ ‏كان‏ ‏خوفا‏ ‏على ‏الفن والإبداع، وذكرت لهم أننى مازلت‏ ‏أذكر‏ ‏فيلما‏ ‏إيرانيا‏ ‏اسمه‏”‏الغريب‏ ‏والضباب”‏ ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏شاهدته‏ ‏فى ‏نادى ‏السينما‏ (بسينما أوبرا على ما أذكر فى أوائل السبعينات)، ‏وكتبت فيه نقدا نشر فى نشرة النادى([32]) التى كان يشرف عليها رجل طيب اسمه أحمد الحضرى على ما أذكر، وقد وصلنى من هذا الفيلم كيف أن حدْس المخرج وكل من شارك فيه قد وصل ‏إلى ‏جذور‏ ‏تركيب‏ ‏النفس‏ ‏البشرية‏ ‏وعرضها‏ ‏بطريقة‏ ‏متكاملة‏ ‏وجميلة ومخترقة، ومفيقة‏، ‏وهأنذا‏ ‏أسمع من توفيق‏ ‏أن‏ ‏فن‏ ‏السينما باق‏ ‏ومتطور فى إيران، مع أننى تصورتُ بعد قيام الثورة الإسلامية أن مثل هذا الفن سوف يختنق نتيجة للوصاية والتدخل، لكن يبدو أن هذا لم يحدث حسب شهادة توفيق التى احترمها بشكل يستحقها، ثم أضفتُ: إن مثل هذه الشهادة قد تدعونى إلى إعادة‏ ‏النظر‏، ‏وقبول ما رفضته من قبل، ثم اضفت أن ‏عندى ‏تحفظ‏ ‏هام‏، إذ يبدو لى ‏أن‏ ‏المذهب‏ ‏الشيعى ‏غير‏ ‏المذهب‏ ‏السنى، ‏فأنا أعتقد أن ‏المذهب‏ ‏السنى (‏حتى ‏فى ‏التصوف‏: المحاسبى مثلا) ‏‏يضع‏ ‏سقفا‏ ‏لحركة‏ ‏الفكر‏ ‏والإبداع، وهو مذهب لفظى فى رأيى بعد أن وضع تفسيرات نصوص السنة القولية المقولة بالتشكيك ‏ ‏موضع القداسة فالإلزام، وبالتالى فالأرجح عندى أنه إذا تولت سلطة سنية الحكم ‏ ‏فلن‏ ‏يصدر‏ ‏قانون‏ ‏أو‏ ‏يمارس‏ ‏نشاط‏ من أى نوع ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏إصدار‏ ‏فتوى ‏بأنه‏ ‏حلال‏ ‏أو‏ ‏حرام‏، بديلا عن محاولة الإبداع المتجدد من القيم الإسلامية الخلاّقة، ‏إن‏ ‏المخاوف‏ ‏لا‏ ‏تأتى ‏من‏ ‏قيام‏ ‏قيم‏ ‏الإسلام‏ ‏الحقيقية‏، ‏وإنما‏ ‏تأتى ‏من‏ ‏أن‏ ‏الذين‏ ‏سيتولون‏ ‏السلطة‏، ‏ونحن‏ ‏بهذا‏ ‏القدر‏ ‏من‏ ‏التخلف‏، ‏سوف‏ ‏يجدون‏ ‏تحت‏ ‏أيديهم‏ ‏نصوصا‏ ‏تأويليه‏ ‏يستعملونها لتثبيت حكمهم، لا لتوليد إبداع جديد فى أى مجال، ‏ قلت أيضا: إنهم لن يوجهو ‏خطابهم‏ ‏إلى ‏واقع‏ ‏حضارى، ‏وإنما‏ ‏إلى ‏غرائز‏ ‏دينية (ليست إيمانية بالضرورة) عانت‏ ‏من‏ ‏الحرمان، وإلى ‏عقول‏ ‏متخلفة عانت‏ ‏من‏ ‏الإهمال‏ ‏والتهميش حتى ‏انتهت‏ ‏إلى ‏الاستغناء: ‏ ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏عن المنطق‏ ‏ولكن‏ ‏أيضا‏ عن ‏المصلحة‏، ‏إن‏ ‏الذين‏ ‏سيتولون‏ ‏أمرنا‏ ‏ليس‏ ‏الشيخ‏ ‏الباقورى ‏أو‏ ‏كمال‏ ‏أبو‏ ‏المجد‏، ‏وإنما‏ ‏هم‏ ‏من‏ ‏لا‏ ‏نعرف‏ ‏ممن‏ ‏سيستسهل‏ ‏الركوب على رؤوسنا، والكتم على أنفاسنا ‏ ‏إلى ‏الأبد‏.‏

ذكر‏ ‏الأستاذ‏ ‏الشيخ‏ ‏محمد‏ ‏عبده‏، ‏وذكر‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏رفاعة‏ ‏الطهطاوى، ‏وحاولت‏ ‏أن‏ ‏أميـز‏ ‏بينهما‏، ‏وقلت رأيى: “إن رفاعة‏ ‏ناقل‏ ‏منبهر‏ ‏تحت‏ ‏سقف‏ ‏مازال‏ ‏غير‏ ‏متحرك”، ‏أما ‏”‏محمد‏ ‏عبده‏ ‏فهو‏ ‏مستوعب‏ ‏فاهم‏ ‏ثائر‏ ‏مخترق‏ ‏يحاول‏ ‏أن‏ ‏يستلهم‏ ‏المصدر‏ ‏الدينى ‏من موقف‏ ‏إبداعي”‏، قال‏ ‏محمد‏ ‏يحيى ‏إنه‏ ‏لابد‏ ‏ألا نخشى حركية النقل‏، ‏ يجب‏ علينا أن نغترف منهم بلا تردد، ثم بعد ذلك نحاول أن ‏نستوعب‏ ‏ما‏ ‏نقلناه، ‏ثم‏ ‏ننظر ‏ إن كنا أهله أم لا، ‏أما‏ ‏أن‏ ‏نشترط‏، ‏ونحن‏ ‏ننقل‏ ‏من‏ ‏البداية‏ ‏أن‏ ‏ننتقى ‏ونعدل‏ ‏باستمرار‏ ‏بما‏ ‏يلائمنا‏، ‏ونحن‏ ‏لا‏ ‏نعرف‏ ‏أصلا‏ ‏ما‏ ‏يلائمنا‏ ‏الآن‏ ‏بلغة‏ ‏العصر‏، ‏فهذا‏ ‏تجميد‏ ‏وتحديد‏ ‏قد يعطلنا إلى درجة خطيرة”، قلت‏ ‏لهما‏ (الأستاذ و‏محمد‏) “‏إننى ‏أحسدكما‏ ‏أنتما‏ ‏الاثنين‏: ‏الأستاذ‏ ‏واثق‏ ‏من‏ ‏التاريخ‏ ‏والتجربة‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏تولى ‏السلطة‏ ‏من‏ ‏سيغير‏ ‏القواعد‏ ‏التى ‏جاءت به إليها، ‏ومحمد‏ ‏واثق‏ ‏من‏ ‏القدرة‏ ‏على ‏التخلص‏ ‏من‏ ‏التبعية‏ ‏بعد‏ ‏الإستيعاب‏ ‏الكافى ‏للمنقول‏ ‏كما‏ ‏هو‏، ‏أما‏ ‏أنا‏ ‏فأرى ‏أن‏ ‏القوى ‏غير‏ ‏متكافئة‏: ‏سواء‏ ‏بغلبة‏ ‏السلطة‏ ‏الدينية‏ ‏الجاهزة‏ ‏لتغير‏ ‏الدستور لصالحها، ‏أو‏ ‏بغشم السلطة‏ ‏العلوية‏ ‏القادرة‏ ‏على ‏تشكيل‏ ‏وعينا‏ ‏تقليدا‏ ‏جاهزا‏ ‏منقضا‏ ‏علينا من أعلى، بلا‏ ‘‏نحن‏’، و‏بين‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏حوار‏ ‏أو‏ ‏إبداع‏، ‏وإن كان قد وصلنى من هذا اليقين البادى فى الحوار أننى مخطئ، أو خائف أكثر من اللازم، إلا أننى سوف أظل أحافظ على إعلان حذرى اليقظ طول الوقت، حتى لا أفاجأ، أنا أتصور أن عندنا ما نضيفه من واقع لغتنا العبقرية، وثقافتنا المتحركة برغم بدائيتها، لكن تنقصنا الثقة بالنفس، والمنهج الخاص” قال‏ ‏محمد‏ – ‏وربما‏ ‏صدّق‏ ‏عليه‏ ‏الأستاذ‏ (‏لا‏ ‏أذكر‏)- ‏”إنه‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏عندنا‏ ‏ما‏ ‏نضيفه‏ ‏من‏ ‏الآن‏ ‏فلنضفـْه‏، ‏ولكن‏ ‏لا‏ ‏معنى ‏ولا‏ ‏فائدة‏ ‏من‏ ‏التلويح بالاختلاف، والكلام الآمل، دون حركة‏ مواكبة”، قلت “إنى أعتقد أنهم يعرفون كنوزنا وما نتميز به أكثر مما نعرفها نحن، وفى الأغلب هم يحتاجوننا من منطلق آخر غير ما نلوح “به، سألنى الأستاذ: “مثل ماذا؟”، شعرت أننى تورطت، وحاولت أن أتراجع، لكن ليس من حيث المبدأ، ‏قلت لهم ‏:”هم قد‏ ‏لا‏ ‏يحتاجوننا‏ ‏بالقدر‏ ‏الذى ‏نصوره‏ ‏لأنفسنا‏، ‏ونحن حين‏ ‏نحاول‏ ‏أن‏ ‏نعطيهم‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏عندنا‏ نكسر ما عندنا ونعطى ما نحتاجه نحن فى تردد خائف، حتى قد يصدق علينا المثل‏ ‏القائل‏: طلب‏ ‏الغنى ‏شقفة‏ ‏كسر‏ ‏الفقير‏ ‏زيره‏، ‏كات‏ ‏الفقير‏ ‏وكسه‏ ‏يا‏ ‏سوّ‏ ‏تدبيره”‏، أضفت: إننا قد نقدم كل ما عندنا بشكل عشوائى ونحن أحوج ما نكون إلى أن نستوعبه ونصقله أولا، ونحن نقدره أكثر حين نشعر أنهم يطلبونه دعما لمنظومتهم، لا تعلما من منظومة مختلفة، وهذا هو نص المثل، (وأعدت ألفاظ المثل). ليسندوا هم به منظومتهم التى لا نعرف نحن عنها ما يكفى مثلما قال المثل للمرة الثالثة، ‏هز ‏الاستاذ‏ ‏رأسه‏، وطلب منى إعادة المثل، ففعلت، ‏فصمت متأملا، ثم قهقه مستحسنا: “ربما”، وقد‏ ‏لاحظت‏ ‏أنه‏ ‏على ‏قدر‏ ‏استشهاده‏ ‏بأغان‏ ‏قديمة‏ ‏معروفة‏ ‏وغير‏ ‏معروفه‏، ‏لايكاد‏ ‏يذكر‏ ‏أو‏ ‏يؤمّن‏ ‏على ‏حديث أو رأى باستعمال مثل شعبى‏ ‏فى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏المناسبات‏، ربما لعدم اختلاطه بجذور الفلاحين مثلما أتيحت لى فرصة ذلك.

نظر‏ ‏توفيق‏ ‏إلى ‏حمام‏ ‏السباحة‏ فى الفندق، ‏ومازح‏ ‏الأستاذ‏ ‏قائلا‏ ‏إنه‏ ‏بعد‏ ‏قدوم‏ ‏الصيف‏ ‏وإكمال‏ ‏الشفاء‏ ‏سوف‏ ‏ينزل‏ ‏إلى ‏حمام‏ ‏السباحة‏، ‏فضحك‏ ‏الأستاذ‏، ‏فسألته‏ ‏إن‏ ‏كان‏ ‏يعرف‏ ‏العوم‏، ‏فقال‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏الثلاثينات‏ ‏قبل‏ ‏حساسية‏ ‏الجلد‏، ‏وكان‏ ‏عوم‏ ‏شواطيء‏ ‏بتحريك‏ ‏القدمين‏ ‏والساقين‏ ‏والذراعين‏ ‏كيفما‏ ‏اتفق،‏ ‏فأكملت‏ ‏ ‏مازحا‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏نسميه فى بلدنا عوم كلابى، فحكى‏ ‏توفيق‏ ‏عن‏ ‏لقطة‏ ‏فى ‏فيلم‏ ‏كان‏ ‏يمثل‏ ‏فيه‏ ‏شفيق‏ ‏نور‏ ‏الدين‏ وكيف كان عومه عوما كلابيا مضحكا فى موقف غير هزلى. ‏

كلما‏ ‏ابتعدنا‏ ‏عن الحديث عن‏ ‏الاسلام‏ ‏وحكم‏ ‏الاسلاميين‏ ‏رجعنا‏ ‏إليه‏ ‏لنعيد ونزيد، ما الحكاية؟ لست أدرى من الذى فتح الموضوع من جديد، فنبهتهم على احتمال التكرار، وحاولت أن أوجز الموقف بأننا ‏ ‏اتفقنا‏ على ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏سبيل‏ ‏إلى ‏الحل‏ ‏إلا‏ ‏بموقف‏ ‏جموعى، ‏ولا‏ ‏سبيل‏ ‏لموقف‏ ‏جموعى ‏إلا‏ ‏بالسياسة‏، ‏ولا‏ ‏سبيل‏ ‏للسياسة‏ ‏فى ‏الشارع‏ ‏ومن‏ ‏الشارع‏ ‏إلا‏ ‏بتغير‏ ‏شامل‏ ‏لنظام‏ ‏العمل‏ ‏الحزبى ‏والتكوين‏ ‏الحزبى ‏والحضور‏ ‏الجماهيرى ‏الحريص‏ ‏على ‏الحفاظ‏ ‏على ‏مصالح‏ ‏الناس‏ ‏فى ‏الواقع‏ ‏اليومى، ولم يعقب أحد، يبدو أننى لم أقل جديدا، أو أننى أجهضت بغير ذوق حق مبادأة جديدة قد تضيف، فحاولت أن أدارى خجلى بحكى‏ ‏نكتة نصف نصف قرأتها‏ ‏فى ‏مجلة‏ ‏كاريكاتير‏ ‏أمس، قلت:

‏ ‏إنهم‏ ‏فى ‏الآخرة‏ ‏فرضوا‏ ‏على ‏أنور‏ ‏السادات‏ ‏أن‏ ‏يعاشر‏ ‏جولدا‏ ‏مائير‏ ‏كنوع‏ ‏من‏ ‏العقاب‏ ‏تكفيرا‏ ‏عن‏ ‏سيئاته‏، ‏فنظر‏ ‏حوله‏ ‏فوجد‏ ‏جمال‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏وهو‏ ‏مع‏ ‏مارلين‏ ‏مونرو‏، ‏فاحتج‏ ‏على ‏هذه‏ ‏التفرقة‏ ‏التى ‏لا‏ ‏يجد‏ ‏لها‏ ‏ما‏ ‏يبررها‏ ‏فى الآخرة، فقالوا‏ ‏له‏، ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏يرى ‏هو‏ ‏تعذيب‏ ‏وعقاب‏ ‏مارلين‏ ‏مونروا‏ ‏وليس مكافأة لجمال‏‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏.‏

وضحك‏ ‏الأستاذ مقهقها، ثم ضحك باسما وهو يطأطئ رأسه

‏أثناء‏ ‏عودتى ‏أنا‏ ‏وإبنى، ‏دعوت ابنى‏ ‏إلى ‏الغـداء‏ ‏فى ‏فنـدق‏ ‏ماريــوت‏، ‏وهو‏ ‏فنـدق  – رغم‏ ‏فخامته‏ ‏وارتفاع‏ ‏أسعاره‏- ‏يقدم‏ ‏وجبة‏ ‏واحدة‏ ‏عامة‏ ‏يوم‏ ‏الجمعة‏، فى ساعات محددة، أشبه بما يسمى الساعات السعيدة، بخمسة‏ ‏جنيهات‏ ‏فقط‏ ‏لاغير‏، ‏لاحظت‏ ‏ونحن‏ ‏فى ‏حديقة‏ ‏قصر‏ ‏الخديوى ‏اسماعيل‏ ‏أن‏ ‏عددا‏ ‏من‏ ‏المصريين‏ ‏وآخر‏ ‏من‏ ‏الأجانب‏، ‏يجلسون‏ ‏إلى ‏الموائد‏ ‏فى ‏دعة‏ ‏ورضا‏ ‏واكتفاء‏ ‏ذاتى آمن حر، ‏قلت‏ ‏لمحمد‏: إن ما يصلنى من هذا المجتمع أنه حتى المصريين الجالسين هنا هم سائحون مصريون قادمون من مصر أخرى، فأين يا ترى سوف ترحـِّلونهم حين يركب الحكام الدينيون فوق رؤوسنا بالسلامة؟ قال محمد: أنت تكلمنى وكأنك ما زلت تكلم الأستاذ، أنا مالى أنا، هو الذى يقبل هذا الحكم ويدافع عن حقه فى التواجد بكل المخاطر فداء للديمقراطية ودفاعا عنها، قلت له: ألست أنت أيضا منبهر بهذه الديمقراطية التى ستأتى بهم، قال أنا لست منبهرا بالديمقراطية بوجه خاص، أنا مع التقدم ومستعد أن أدفع ضريبته مثل الأستاذ ما دام هو مستعد أن يتحمل أن يحكمه بعض من له علاقة بمن حاول قتله، هذا هو كل ما فى الأمر.

 ثم ذكرنى محمد ‏بإشارة‏ قالها ‏الأستاذ‏ ‏ويبدو أننى لم ألتفت لها بالقدر الكافى، حين قال إنه يبدو ‏أن‏ ‏الإتجاه‏ ‏إلى ‏الاقتصاد‏ ‏العالمى ‏من‏ ‏خلال‏ ‏اتفاقية‏ ‏الجات‏ ‏والشركات‏ ‏العابرة والأفكار الغامرة قد تتمخض عن ولادة ‏ما‏ ‏يسمى ‏المواطن‏ ‏العالمى، ‏فقلت له إننى أتعجب من قدرة الأستاذ على استيعاب التوجهات الجارية عبر العالم وملاحظتها ولو من خلال الأصدقاء هكذا، وهو بهذه الحال فى هذه السن،

ودعوْنا له – محمد وأنا – بطول العمر، وقرأنا قل أعوذ برب الفلق، ودفعنا الحساب ونحن لا نصدق رقم الفاتورة، فاتورة الوجبة الموحدة فى “الساعات السعيدة” يوم الجمعة فى فندق ماريوت عشرة جينهات لشخصين سنة 1995!!

هل هذا معقول؟

وأعتبرنا أننا تناولنا الغداء مجانا بدعوة من الأستاذ.

الحلقة الخامسة عشر

نيلسون مانديلا مصر

الاثنين‏: 16/1/1995‏

زميلى (تلميذى، إبنى) هذا عائد من دبى فى إجازته الثانوية، اسمه ‏ ‏أ‏.‏د‏. ‏عماد‏ ‏حمدى ‏غز‏، سألنى بلهفة كل عائد يريد أن يطمئن على بلده من مصادر مباشرة غير الصحف والإذاعات، قال “كيف‏ ‏حال‏ ‏البلد‏”؟، ‏قلت‏ ‏”بخير”‏، ‏رفع‏ ‏حاجبيه‏، ‏فهمت‏ ‏وتداركت‏ ‏وقلت‏ “‏يعني‏” “إن لم تكن بخير، فنحن قادرون أن نجعلها بخير!”، ‏تسلسل‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏حادث‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏قلت‏ ‏له‏ “‏إنه‏ ‏بخير‏، ‏وأنى ‏على ‏اتصال‏ ‏به‏ ‏بفضل‏ ‏الله‏، ‏وإن‏ ‏كانت‏ ‏فرصة التعرف عليه كانت ‏ ‏فى ‏البداية‏ ‏بصفتى‏ ‏الطبية، ‏ ‏لكنها والحمد لله استمرت الآن ‏بصفتى ‏من‏ ‏مريديه‏ ‏لا‏ ‏أكثر”‏، ‏أضفت: “إننى ‏اكتشفت‏ أننا – ‏الأطباء‏ ‏النفسيين‏ – ‏ ‏نعيش‏ ‏فى ‏مجتمع‏ ‏محدود‏ ‏بين‏ ‏مرضانا‏ ‏وأفكارنا‏، ‏وأن‏ ‏المجتمعات‏ ‏الأوسع‏ ‏هى ‏أوسع‏، ‏وأننى ‏بانتمائى ‏مؤخرا‏ ‏إلى ‏مجتمع‏ ‏صغير‏ ‏مختلف، بفضل دعوة نجيب محفوظ، أتعلم أشياء أخرى ما كانت تخطر على بالى كطبيب نفسى، أتعلم خصوصا من ‏ الجماعة المحدودة التى تسمى ‏ثلة‏ ‏الحرافيش‏، وذلك ‏من خلال صحبتى البادئة معهم، حيث تبينت‏ ‏غربتى ‏النسبية‏، ‏سألنى ‏د‏. ‏عماد‏ ‏عن‏ ‏معنى ‏انضمامى ‏للحرافيش‏ ‏أو‏ ‏كيفيته‏، ‏فحكيت له الحكاية، وإصرار الأستاذ، وتوفيق صالح، وترددى فى الانضمام إليهم (حتى الآن بصراحة)، ‏وحين سألنى عن بعض أسمائهم عرف أحمد مظهر طبعا، وتوفيق صالح إلى درجة أقل، ولكننى حين ذكرت له اسم جميل شفيق لم يعرفه، فقلت له عندك حق، ولا أنا كنت أعرفه، وعموما فهو حرفوش حديث، فنان تشكيلى جميل مثل اسمه، حين عرفنى به توفيق قال: إنه آخر الحرافيش‏، ‏فاستدرك‏ ‏الأستاذ‏ ‏على ‏الفور‏: ‏بل‏ ‏هو‏ ‏قبل‏ ‏الأخير‏ ‏وكان‏ ‏يعنى أننى الأخير، ‏فخفت‏، ‏وفرحت، وتمنيت أن أكتشف أننى كذلك.

قلت‏ للإبن ‏الدكتور‏ ‏عماد‏ ‏”هل‏ ‏تريد‏ ‏أن‏ ‏ترى الأستاذ؟ لكن ذلك لن يكون فى يوم الحرافيش، فهو يوم مغلق إلا عليهم” (لم أقل علينا)، ‏قال‏ ‏”يا‏ ‏ليت‏”، ‏هذا‏ ‏حلم‏! ‏إنه‏ “‏نيلسون‏ ‏مانديلا‏” ‏مصر‏، ‏تعجبت‏ ‏وفرحت‏، ‏وكدت‏ ‏أفهم‏ ‏ولم‏ ‏أستفسر‏ عن وجه الشبه ‏أكثر، فأنا أحب “نلسون منديلا” جدا، فيكفينى وجه الشبه هذا.

مازلت‏ ‏أحاول‏ ‏ترتيب‏ ‏مجموعات‏ ‏من‏ ‏البشر‏ ‏من‏ ‏مريدى ‏الأستاذ ومحبيه‏ ‏بالأصالة‏ ‏عن‏ ‏أنفسهم‏ ‏والنيابة‏ ‏عن‏ ‏شعبنا‏ ‏الطيب‏ ‏ليشكلوا‏ ‏الوصلة‏ ‏اللازمة‏ ‏بين الأستاذ ‏وبين‏ سائر ‏الناس، ‏ ‏مع‏ ‏ترك‏ ‏هامش‏ ‏حـر‏ ‏لرائحين‏ ‏غادين‏ ‏فى ‏حدود‏ ‏ما‏ ‏تسمح‏ ‏به‏ ‏ظروف‏ ‏الأمن‏ ‏والإعاقة‏، ‏تذكرت صديقا إبنا عزيزا فيلسوفا متصوفا صغيرا هو ‏د‏. ‏رمضان‏ ‏بسطاويسى ‏أستاذ‏ ‏الفلسفة‏ ‏المساعد‏ ‏بكلية‏ ‏البنات‏ ‏جامعة‏ ‏عين‏ ‏شمس، ولى معه قصص وحكايات، ليس هذا وقتها، ورجحت أن دعوته سوف تثرى جلستنا حيث أعرف عنه دقته، وموسوعيته، وإبداعه، والأستاذ فى أمس الحاجة إلى جرعة مناسبة من التحاور الجاد ليخفف بها جرعة الأحاديث اليومية الراتبة، خاصة بعد أن توقف عن القراءة والاطلاع، كان الضيوف الجدد هذا اليوم هما د. رمضان، ود. ‏عماد غز‏ ‏العائد من الإمارات‏.‏

ذهبنا‏ ‏نحن‏ ‏الخمسة‏: ‏الضيفان‏ ‏وزكى ‏سالم‏ ‏ومحمد‏ ‏إبنى ‏وشخصى ‏مع‏ ‏الأستاذ‏ ‏إلى ‏ ‏فندق‏ ‏سوفيتيل‏ الهرم، وإذا بالركن الذى اتفقت مع المسئول أن يخصصه لنا فى هذا اليوم مشغول بآخرين، عرضت أن نذهب إلى فندق آخر، لكن الأستاذ اعترض وقال نجلس فى أى مكان مثلنا مثل غيرنا، ‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏لا‏ ‏يفتأ‏ ‏يخجلنى ‏بعاديته‏ ‏التى ‏فاقت‏ ‏كل‏ ‏حدود‏، ‏أدخلونا‏ ‏فى ‏مطعم‏ ‏شرقى، ‏واخترنا مجلسا بعيدا نوعا ما، وحكيت‏ ‏للأستاذ ‏ ‏عن‏ ‏هذه‏ ‏التقاليع‏ ‏التى ‏طلعت‏ ‏فيها‏ ‏الفنادق‏ ‏الكبرى‏، ‏حين‏ ‏تقيم‏ ‏فى ‏رمضان‏ ‏سرادقات‏ ‏أو‏ ‏أركانا‏ ‏تسميها‏ ‏باسماء‏ ‏شعبية‏ ‏وتعمل‏ ‏ديكوراتها‏ ‏كأحياء‏ ‏شعبية‏، ‏فتبدو لى مسوخا قبيحة من البلاستيك، قلت له إن فندق‏ ‏السلام‏ ‏هاييتى ‏بمصر‏ ‏الجديدة‏، ‏يقيم‏ ‏حيا‏ ‏يسميه‏ “‏بين‏ ‏القصرين‏”، ‏وتذكرت أنه كان‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الفندق الذى نجلس فيه الآن،‏ ‏أيام‏‏ ‏كان‏ ‏اسمه‏ “‏رامادا‏” نصبوا ‏(فبـْرَكُوا) حيًّا أسموه ‏ “‏السكرية‏”، ‏وذكر‏ ‏د‏. ‏عماد للأستاذ‏ ‏أن‏ ‏والده‏ من مواليد درب هرمز، وهو ‏الحى ‏الذى ‏نشأ‏ ‏فيه‏ ‏الأستاذ‏، وأنه سأل والده عن طفولته واحتمال لقائهما فقال إنه لم يعرف الأستاذ صغيرا ففارق العمر أكثر من ربع قرن، حين تعرفتُ أقرب على والد الدكتور عماد، المرحوم المحاسب حمدى غز، كان بالمعاش، وكان بصره قد وصل إلى ما يقارب درجة ضعف بصر الأستاذ، وكان يعيش وحيدا فى روكسى فى مصر الجديدة، بعد رحيل والدة د. عماد، كنت ازوره بانتظام أسبوعى فى محاولة كسر وحدته بعد سفر عماد، كنت أنتهز الفرصة وأنكشه ليحكى لى عن ذكرياته فى درب هرمز، لأتصور التفاصيل الصغيرة التى نشأ فى رحابها الأستاذ، أعود إلى الجلسة:

‏ذكر‏ ‏لنا‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏ولد‏ ‏فى ‏بيت‏ ‏القاضى فى منزل ‏على الميدان‏، ‏وأن‏ ‏الميدان‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏شيخ‏ ‏حارة‏، ‏وأن‏ ‏البيت‏ ‏الذى ‏ولد‏ ‏فيه‏ ‏كان يطل‏ ‏على ‏درب‏ ‏هرمز‏ لا أكثر، ‏وبالتالى فقد “‏كان‏ ‏شيخ‏ ‏حارتنا‏ ‏هو‏ ‏شيخ‏ ‏حارة‏ ‏درب‏ ‏هرمز‏”، ‏فهو يعتبر منتسبا إلى درب هرمز لا أكثر، وحين كان الأستاذ يحكى هذه الذكريات، ‏بدت‏ ‏عليه‏ ‏حيوية‏ ‏الذكرى ‏المتجددة‏، ‏وكأنه عاد إلى هناك الآن، تعجبت كيف‏ ‏ذلك مع‏ أنه لابد قد وصف هذا الحى عديدا من المرات، بل لعل هذا الحى قد حضر فى إبداعه سواء باسمه أو بما يعادله عشرات المرات، ‏لكنه‏ كان وهو ‏يحكى ‏كأنه‏ ‏يحكى ‏لأول‏ ‏مـرة‏، ‏أتعجب‏ ‏باستمرار‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏القدرة‏ ‏المتجددة‏ ‏على ‏الدهشة‏، ‏والفرحة‏، ‏الدهشة‏ وهو يتذكر وكأن المنظر قد حضر أمامه، ‏والفرحة‏ ‏بالاستعادة وكأنه عاد إلى تلك السن التى واكبت ما يحكى عنه‏، ‏هو‏ ‏لايتذكر‏ ‏لكن‏ ‏يعيش‏ ‏ما‏ ‏يذكرُه‏ ‏من‏ ‏جديد‏، ‏وحتى ‏أفهم‏ أكثر ‏هذه‏ ‏الحيوية‏ ‏المتجددة‏ ‏تقمصتُه‏ ‏فتصورت‏ ‏أن‏ ‏أحدهم‏ ‏سألنى ‏سؤالا‏ ‏عاديا‏ ‏للمرة‏ ‏الألف‏، ‏هكذا‏، ‏هل‏ ‏سأحتمله‏، ‏وهل‏ ‏سأرد‏ ‏بهذا‏ ‏الاحترام‏ ‏وهذا‏ ‏الصبر‏ ‏وهذا‏ ‏التواضع‏ ‏وهذا‏ ‏التجدد،‏ ‏أم‏ ‏أننى ‏سأصمت‏ ‏وأجتزىء ‏الرد‏ ‏وأنظر‏ ‏من‏ ‏فوق‏ ‏وأضجر‏ ‏وأستعجل‏ ‏الوقت؟‏ ‏كنت‏ ‏أقول‏ ‏للدكتور‏ ‏رمضان بسطويسى‏ ‏وهو‏ ‏معى ‏فى ‏السيارة‏ ‏ونحن‏ ‏فى ‏الطريق‏ ‏إلى منزل الأستاذ لنصحبه فى الموعد بالضبط، كنت أقول له “‏ ‏إننى ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏دلالة ‏هذه‏ ‏الصدفة‏ ‏الرائعة التى أثـْرَت ‏ ‏حياتى ‏حين أتيحت لى فرصة أن ‏أ‏لتقى ‏بهذا‏ ‏الرجل‏، ‏يا ترى ماذا‏ ‏يريد‏ ‏الله‏ ‏لى ‏بها‏ ‏من‏ ‏خير‏، ‏ماذا‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يبلغنى ‏الله‏ ‏من خلال هذا ‏ ‏الذى ‏يجرى، ‏قال‏ ‏رمضان‏ ‏كلاما‏ ‏يتعلق‏ ‏بوجه‏ ‏الشبه‏ ‏فى ‏الموقف‏ ‏والتوجه‏ – ‏وليس‏ ‏فى ‏المكانة‏ ‏والعطاء‏ ‏طبعا‏، ‏وهو‏ ‏رأى ‏يتحمل‏ ‏مسئوليته‏ ‏د‏. ‏رمضان‏‏، ‏فأنا لا أجرؤ أن‏ ‏أدعيه‏، ورمضان عادة ما يعطينى أكثر مما أستحق، ‏ما‏ ‏يهمنى ‏هو‏ ‏ردى ‏على ‏د‏. ‏رمضان‏ ‏حيث‏ ‏قلت‏ ‏له‏: ‏”إننى ‏أستفيد‏ ‏وأتعلم‏ ‏من‏ ‏أوجه‏ ‏الإختلاف‏ ‏وليس‏ ‏من‏ ‏أوجه‏ ‏الشبه‏، ‏اأكتشفت‏ ‏خيبة‏ ‏علاقتى ‏بالناس‏، ‏وتسـرُّعى ‏فى الحكم‏ ‏عليهم‏، ‏وضيقى ‏بالخلاف معهم،‏ و‏غرورى الظاهر والخفى، وأننى‏ ‏لم ألمح أيا من ذلك‏ ‏عند الأستاذ، ولا ذرة منه، ثم إنى لم أكمل لرمضان ملاحظاتى الناحية الأخرى عن النواحى التى اختلف فيها مع الأستاذ.

بدأ‏ ‏الحديث مع الأستاذ‏ – ‏مرة‏ ‏أخرى – ‏عن‏ ‏مأزق‏ ‏التوجه‏ ‏الإسلامى ‏والمخرج‏ ‏الممكن‏، ذكر‏ ‏زكى ‏سالم‏ – ‏بما يشبه الفخر‏ – ‏أن‏ ‏الإسلام‏ ‏فيه‏ ‏ديمقراطية‏ ‏مثل‏ ‏ديمقراطية‏ ‏الغرب‏، ‏فابتسمت‏ ‏كاتما‏ ‏فى ‏نفسى ‏أشياء‏ ‏كثيرة‏ ‏وخاصة‏ ‏وأنا‏ ‏أعلم‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏يؤيد‏ ‏ديمقراطية‏ ‏الغرب‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏لم‏ ‏أستطع‏ ‏أن‏ ‏أواصل‏ ‏الصمت‏، ‏فقلت‏ ‏قولا‏ ‏مكررا‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الديمقراطية‏ ‏الغربية‏ ‏هى ‏نظام‏ ‏قبيح‏ ‏خادع‏، ‏ولكن‏ ‏للأسف‏ ‏فهى ‏أحسن‏ ‏الأسوأ‏، ‏وبسرعة‏ ‏رائعة‏ ‏قال‏ ‏الأستاذ‏، ‏فهى الأحسن ‏ ‏فقط‏، اليس أحسن‏ ‏الأسوأ‏ ‏هو‏ ‏الأحسن‏!!؟؟؟، ‏وبصراحة: أفُحمت([33])‏ وسكتّ‏، ‏وشمت‏ ‏فىّ ‏محمد‏ ‏إبنى ‏خاصة‏ ‏ولم‏ ‏يعقب‏، ‏أضفت‏ ‏أننى ‏سمعت‏ ‏تعليقا‏ ‏فى ‏إذاعة‏ ‏لندن‏ ‏وأنا‏ ‏قادم‏ ‏فى ‏السيارة‏ ‏من‏ ‏معلق‏ ‏سياسى ‏عن‏ ‏الأحوال‏ ‏فى ‏الإتحاد‏ ‏السوفيتى، جاء ‏فى ‏رد‏ ‏على ‏سؤال‏ ‏عن‏ ‏ترشيح‏ ‏جورباتشوف‏ ‏لرئاسة‏ ‏الإتحاد‏ ‏السوفيتى، ‏كان ‏المعلق‏ يقول: ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏جائز‏ ‏لكن‏ ‏جورباتشوف‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏أدنى ‏فرصة‏، ‏فالشيوعيون‏ ‏يكرهونه‏ ‏لأنهم‏ ‏يعتبرونه‏ ‏سببا‏ ‏فى ‏إنهيار‏ ‏الإتحاد‏ ‏السوفيتى، ‏والعنصريون‏ ‏اليمينيون‏ ‏يكرهونه‏ ‏لأنه‏ ‏شيوعى، ‏وأنصار‏ ‏يلتسين‏ ‏يكرهونه‏ ‏من واقع التنافس‏ ‏والتناقض‏ و‏النفعية‏ ‏والانتهازية‏، ‏وأضفت‏: ‏لعلى ‏أكره‏ ‏الديمقراطية‏ ‏لأننى ‏أتصور‏ ‏أننى ‏لو‏ ‏رشحت نفسى‏ فى أى انتخابات كانت، فإنى سأكون فى ذيل القائمة لا محالة، ‏فالعلمانيون‏ ‏سيقذفونى ‏بالحجارة‏ ‏لأننى ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏تفريقا‏ ‏بين‏ ‏دين‏ ‏ودولة‏ ‏وسلوك‏ ‏وعلم‏ ‏وفن‏ ‏وفلسفة وإيمان‏، فالحياة عندى تنبع كلها من الحياة، فتتشكل بما أسميه الموقف الإيمانى – ‏الذى يتجلى عندى فيما هو إسلامى شخصيا الذى أعايشه، وهوما تصادف أننى وجدت نفسى فيه فقمت باللازم، كما يتجلى عند أى مؤمن فى دينه بما يقوله دينه الحقيقى لا مفسروه – وأن أى فصل بين هذه الطبيعة البشرية البسيطة، وبين اصولها هو فصل ضد قوانين الحياة، ‏وهذا الموقف لا يرضى العلمانيين عندنا، خاصة الذين يفرحون بتقسيم “تورتة” الحياة إلى ما هو لله، وما هو للوطن، وما هو للناس، أما المسلمون جدًّا فهم سوف يكفرّوننى غالبا (فكيف ينتخبونى) لأننى أستلهم النص المقدس مباشرة، وأنتمى إلى حركية اللغة لا إلى ألفاظ المعاجم الأصنام،..، ولا إلى تفسيراتهم، وفجأة صمتُّ حيث شعرت أننى تكلمت عن نفسى أكثر من اللازم، فاختصرت موقفى فى أننى فاشل فى أى انتخاب حتى لو رشحت نفسى فى أسرتى بين أولادى وبناتى، فلو أتيحت لهم فرصة الانتخاب الحر، فسوف ينتخبون أمهم دونى، ضحك الأستاذ وربت على ساقى، وكنت ملتصقا به لأسمعه، وكأنه اشفق على فشلى فى كل هذه الانتخابات، وربما عذرنى وهو يفهم سر عداوتى للديمقراطية وانتخاباتها هكذا.

 عدنا إلى رأى زكى سالم وهو يزعم أن الإسلام فيه ديمقراطية أفضل، فتحول الحديث إلى تلك المسميات الجديدة “‏المد‏ ‏الإسلامى”، و‏”‏الشارع‏ ‏الإسلامى”، و”الوعى ‏الإسلامى”، و”‏الحكم‏ ‏الإسلامى” و‏‏”‏الإسلام‏ ‏السياسي”، ما الحكاية بالضبط؟‏ ‏أليس لدينا موضوع آخر؟ ولماذا إذن حضر د.رمضان معنا، لكن الأستاذ واصل إصراره على ‏إقناعنا‏ ‏أن‏ ‏الواقع‏ ‏هو‏ ‏الواقع‏، ‏وأن‏ ‏مشاكلنا‏ لن تحل بمثل هذا الخوف‏ ‏أو ‏التجنب‏، ‏وأن علينا أن نواجه الواقع كما هو، وأن هذا التيار الاسلامى إذا تولى الامر من خلال نجاحه فى انتخابات حرة، ‏فخير‏ ‏وبركة‏، ‏لأنه‏ ‏قد يعنى ‏احتمال حفز الناس نحو‏ ‏نجاح‏ ‏الأمة‏ ‏فى ‏الإنتاج‏ ‏والعلم‏ (‏وليس‏ ‏بالضرورة‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏والفلسفة حاليا‏)، ‏وأنهم‏ ‏إذا‏ ‏فشلوا‏‏ ‏أو‏ ‏أفلسوا‏ ‏فسوف يضج‏ ‏الناس، ‏وإذا‏ ‏ضج‏ ‏الناس‏ ‏ظهر‏ ‏البديل‏، وإذا‏ ‏ظهر‏ ‏البديل‏ ‏تغيروا‏ هكذا. هذا الرجل لا يهمد أبدا!! أعاد علينا هذا الرأى عشرات المرات، وربما لثقته أن أغلبنا لا يقبله، فهو لا يمل من إعادته، قلت فى نفسى هذه المرة: ‏ليكن الأمر كما يقول‏‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏بدا‏ ‏مكررا، لكننى غير مطمئن له‏، يا عمنا: ‏ما‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الواقعية‏ (‏المستحيلة‏)، ‏حاول‏ ‏محمد‏ ‏إبنى ‏أن‏ ‏ينبهنا من جديد ‏‏أن‏ ‏الذين‏ ‏سيتولون‏ ‏السلطة‏ ‏لن‏ ‏يقاس‏ ‏نجاحهم‏ ‏أو‏ ‏فشلهم‏ ‏بالإنتاج‏ ‏والعلم‏ ‏كما‏ ‏يتمنى ‏الأستاذ،..إلخ، لكن الأستاذ عاد ‏يصر‏ ‏من جديد ‏ ‏أنهم‏ – ‏إذن‏ – ‏سيفلسون‏، ‏وحين‏ ‏يفلسون‏ ‏سنغيرهم‏، ‏هذا‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏فى ‏الأمر‏.‏

ويعرض‏ ‏محمد‏ ‏يحيى ‏ود‏.عماد‏ غز ‏ضرورة‏ ‏فصل‏ ‏الدولة‏ ‏عن‏ ‏الدين‏، ‏وأقول نعم، لكن الذين يسمون علمانيين لا يفعلون ذلك بل يفصلون الناس عن ربهم، وعندى يقين بيولوجى‏ ‏باستحالة‏ ‏فصل‏ ‏أى ‏شيء‏ ‏عن‏ ‏الله‏، ‏وإذا‏ ‏كان‏ ‏الإسلام‏ ‏السياسى ‏يركز‏ ‏على ‏تديين‏ ‏الدولة‏ ‏لصالح سلطة أفراد أوصياء، فإنهم فى ذلك يختصرون الإسلام إلى مصالح شخصية، مثل الذى يختصر الدين إلى العبادات والمعاملات التمييزية لتبادل المصالح بين المتدينين بدين معين دون غيرهم، وحتى اختزال ‏الدين‏ ‏إلى ‏الحلال‏ ‏والحرام‏ ‏هو ضد الدين، الحياة هى الحياة، والدين أحد تجلياتها، وهو من أهم تجلياتها، وليس بديلا عنها، الدين والتدين هو موقف من الوجود يعبر– أو المفروض أن يعبر– عن حركية التوجه البيولوجى إلى الأصل، قبل أن يكون سلوكا أوعبادات، وهذا الموقف يجعل طعم الحياة مختلفا، ولا يجوز تهميشه بأية حال، كما لا يجوز أن تتولى أمره فئة دون أخرى، العلمانيون قسموا الإنسان وهم يقطعون “تورتة” الحياة ويقسمونها على بعضهم البعض، مع السماح بممارسة الدين سرَّا أو ديكورا، والمسلمون الساسة الطامعون فى استعمال ظاهر الإسلام اختزلوا الإسلام إلى ما يتيح لهم امتلاك السلطة والمال ونفى الآخرين، من حق العلمانيين أن يخافوا السلطة الدينية، لكن ليس من حقهم أن يهمـِّـشوا الدين هكذا فيجعلوه حِلية اختيارية (Option) لمن يشاء بعض الوقت، ومن حق المسلمين أن يتمسكوا بمحورية دينهم كأساس لنوعية حياتهم، لكن ليس من حقهم أن يفرضوا دينهم بالذات على أنه النظام الوحيد الذى يحقق ذلك، الإنسان لا يكون ‏إنسانا‏ ‏بالمعنى ‏الإبداعى ‏والفطرى ‏الحقيقى إلا إذا وثـَّق علاقته بالله، أى بالحياة، حتى لو لم يتبع دينا معينا. إن خوف العلمانيين من السلطة الدينية ‏ (‏ولهم‏ ‏كل‏ ‏الحق‏)، ‏اضطرهم أن ‏ ‏يشوهوا‏ ‏الطبيعة‏ ‏البشرية‏ ‏بهذه‏ ‏القسمة‏ ‏الزائفة‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏هو لله، وما هو للوطن، وما هو للبشر. انتبهت – وأنا أتحدث- أننى أخذت مساحة أكبر من حقى، كما اكتشفت أثناء حماسى أننى أكرر نفسى، فتوقفت فجأة، ويسود صمت ليس قصيرا، ينطلق بعده ‏محمد‏ ‏يحيى ‏معترضا‏، ينبهنى ‏أننى ‏أحلم‏، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏الإسلام‏ ‏الذى أتحدث عنه هو غير‏ ‏وارد‏ ‏أصلا‏ ‏عند‏ ‏الإسلاميين‏، أو غير الإسلاميين، وأنه إسلامى الخصوصى، وعلىّ –إن كنت شاطرا– أن أكتبه، ويضحك الأستاذ دون شماتة، فأقول له ‏إن‏ محمد ‏يستدرجنى أن أكتب هذا الكلام، هأنذا أعلنها صريحة أننى لن افعل، ولا حتى فى رواية، ‏ويضحك‏ ‏الأستاذ‏ ‏من جديد، فهو‏ ‏إمام‏ ‏السابقين‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏المضمار‏، ‏فهو‏ ‏المؤمن‏ ‏الشديد‏ ‏الإيمان‏، ‏المسلم‏ ‏الشديد‏ ‏الإسلام‏، ‏وحين‏ ‏قال‏ ‏ذلك‏ ‏بطريقته‏ ‏فى ‏الإبداع‏ ‏الروائي‏: ‏كان‏ ‏ما‏ ‏كان‏.‏

ويسألنى ‏زكى ‏سالم‏ ‏فجأة سؤالا بعيدا عن هذا الموضوع المعاد، ربما انتبه إلى التكرار، مع أنه هو الذى فتح الحديث بإعلانه رأيه عن ديمقراطية الإسلام المزعومة، يسألنى عن‏ ‏تأثير‏ ‏مهنتى ‏علىّ (‏أو‏ ‏على ‏من‏ ‏يشتغل‏ ‏بها‏ ‏بصفة‏ ‏عامة‏) ‏فينتبه‏ ‏الأستاذ‏ للسؤال، ويرفع‏ ‏حاجبيه‏، فأعرف انه يريد أن يسمع، ‏فأجيب بأن ‏احتمال‏ ‏الاضطراب‏ ‏النفسى ‏الذى ‏يصاب‏ ‏به‏ ‏الطبيب‏ ‏النفسى -‏هو‏ ‏احتمال‏ ‏قائم‏، ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏يكاد‏ ‏يكون‏ ‏لازما‏ بصورة مخففة ‏بشكل‏ ‏ما‏، ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏حقيقة‏ ‏التحدى ‏تكمن‏ ‏فى ‏أنه‏ ‏على ‏الطبيب‏ ‏النفسى ‏إن‏ ‏كان‏ ‏يريد‏ ‏حقا‏ ‏أن‏ ‏يمارس‏ ‏هذه‏ ‏المهنة‏ ‏كما‏ ‏ينبغى- ‏أن‏ ‏يقبل‏ ‏وجهة‏ ‏نظر‏ (‏ومعتقدات‏ ‏مريضه‏)، ‏كما‏ ‏هى‏، ‏وذلك‏ ‏كنقطة‏ ‏بداية‏ ‏للتقارب‏ ‏والمشاركة‏ ‏وتحويل‏ ‏المسار‏، ‏وهذا‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏أدنى ‏علاقة‏ ‏بالتعبير‏ ‏الشائع‏ ‏أن‏ ‏علينا أن “‏نأخذ‏ ‏المريض‏ ‏على ‏قدر‏ ‏عقله‏”، ‏إن‏ ‏تصديق‏ ‏المريض‏ ‏يشمل‏ ‏مشاركته‏ ‏الحقيقية‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏، ‏فإذا ما ‏أتى ‏مريض‏ مثلا ‏وشك فى وجود‏ ‏الله سبحانه ‏أو‏ ‏وصفه‏ ‏بصفات‏ لا تليق، ‏و‏كان‏ ‏الطبيب‏ ‏متدينا‏ ‏أشد‏ ‏التدين، فعلى الطبيب – إن أراد أن يكون طبيبا بحق- أن يستوعب مؤقتا وجهة نظر مريضه، لا أن يكتفى بأن يسامحه، أو يطلب من الله أن يغفر له، أو أن يفتى بأنه ليس على المريض حرج، عليه أن يأخذ المسألة مأخذ الجد، حتى يكاد يتساءل “ولِمَ لا؟”، ومن هنا تبدأ رحلة التعرّى والمخاطرة، فالنمو والتغير، بما يشمل احتمال تعرض الطبيب للاهتزاز مما يمكن أن يسمى المرض، ولو بعض الوقت، ‏وينصت‏ ‏الأستاذ،‏ وأشعر أنه يهم بالاعتراض، لكننى أشعر بسرعة أنه يتراجع عن الاعتراض فيكتفى بالتساؤل عن ما إذا كان هناك احتمال أن يكون هذا‏ ‏التصديق‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ ‏التكتيك، ولو لصالح العلاج، فأسارع بأنه لو كان ذلك كذلك، فإنه غالبا يصل إلى المريض على أنه كذلك، والمريض لا يـُشفى بتكتيكات فيها كذب أو تعالٍ، فالتصديق الذى أعنيه، والذى يعرض الطبيب للخلخلة، هو تصديق حقيقى شريف، وهو مؤقت بطبيعته مثل كل تصديق نشط، فيصل للأستاذ – ربما أكثر من الباقين – ما أريد توصيله، ويخيل إلى أنه يوافق‏ ‏بهزة‏ ‏عميقة‏ ‏من‏ ‏رأسه‏، ‏وأتأكد من موافقته بتعقيبه قائلا‏: “… ‏فعلا‏، ‏ما‏ ‏دامت‏ ‏فكرة‏ ‏قد‏ ‏مرت‏ ‏بعقل‏ ‏بشرى، ‏فثم‏ ‏احتمال‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏صائبة‏، ‏عندك‏ ‏حق”‏، ‏ثم يضيف‏، “‏ولكن‏ ‏المصيبة‏ ‏أن‏ ‏مريضا‏ ‏تاليا‏ ‏سيدخل‏ ‏إليك‏، ‏ويقول‏ ‏عكس‏ ‏هذا‏ ‏الكلام‏ ‏فماذا‏ ‏أنت‏ ‏فاعل‏؟‏ ‏ستصدقه‏ ‏أيضا‏!؟، فأقول “نعم”، فيقول “‏الآن‏ ‏فهمت‏ ‏التحدي‏”، ‏فأفرح‏ ‏ولا‏ ‏أعلق‏ ‏وأدعو‏ ‏له‏، ‏وأنا فرح برحابة هذا التلقى.

يستأذن‏ ‏د‏. ‏عماد‏ ‏حمدى ‏أن‏ ‏يسأله‏ ‏سؤالا‏ ‏واحدا‏ ‏من‏ ‏ألف‏ ‏سؤال‏ (على حد قوله) ‏ودّ لو‏ ‏أتيحت‏ ‏له‏ ‏الفرصة أن يسألهم، فيكتفى بسؤال واحد ‏عن‏ ‏المبدع‏ ‏الروائى، ‏هل‏ ‏تكون‏ ‏عنده‏ ‏فكرة‏ ‏مسبقة‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يكتب‏، ‏ثم‏ ‏يصيغها‏ ‏بما‏ ‏يستطيع‏؟ ‏أم‏ ‏أنه‏ ‏يبدأ‏ ‏فى ‏الكتابة‏ ‏ثم‏ ‏تتولد‏ ‏الأفكار‏ ‏وتتوالي‏؟ ‏ويجيب‏ ‏الأستاذ‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏جائز‏، ‏وهذا‏ ‏جائز‏، ‏فيسأل‏ ‏د‏. ‏عماد‏ ‏أيهما‏ ‏أفضل‏، ‏فيجيب‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يفضل‏ ‏أى ‏السبيلين‏، فأترجم إجابة السؤال فى داخلى وكأن الأستاذ قال “‏الأفضل‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يخرج‏ ‏أفضل”، ‏ويضيف‏ الأستاذ أن‏ ‏المسألة‏، ‏بعد‏ ‏البداية‏، ‏تعتمد‏ ‏على ‏الشكل‏ ‏الذى ‏يخرج‏ ‏به‏ ‏العمل‏ ‏فى ‏النهاية‏‏، ‏وعلى ‏كيفية‏ ‏التناول‏ ‏وكيفية‏ ‏الصياغة‏، وليست بالضرورة على الفكرة فى المقام الأول.‏

لكن الحديث يعود – لست أدرى كيف -‏ ‏إلى ‏الإسلام‏ ‏السياسى ‏والخطوة‏ ‏التالية‏ ‏بعد‏ ‏تولى ‏الحكم‏ ‏بلعبة‏ ‏الديمقراطية‏، ‏والخوف‏ ‏من‏ ‏قهر‏ ‏الإبداع‏، (حسب رأيى!) ‏وأبدأ‏ ‏فى ‏الضيق‏ ‏والضجر‏، ‏وأحتمل‏، ‏والأستاذ‏ ‏يصر‏ ‏ويزيد‏ ‏ويؤكد‏ ‏أن‏ ‏الواقع‏ ‏سيفرز‏ ‏ما‏ ‏ينبغى، ‏يا‏ ‏سيدى، يا شيخنا الجميل: ‏أية ‏صلابة‏ ‏هذه‏ ‏التى ‏تجعلك‏، ‏فتجعلنا‏، ‏ننحنى ‏للواقع‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الانحناء‏ ‏الواجب‏، ‏وأقول‏ ‏للأستاذ‏ ‏والأصدقاء‏ ‏لنكمل‏ ‏الحديث‏ ‏فى ‏موضوع‏ ‏آخر‏.‏

فأسأل‏ ‏الأستاذ‏ ‏عن‏ ‏حق‏ ‏المبدع‏ ‏فى ‏أن‏ ‏ينطفىء‏ ‏وأن‏ ‏تصدر‏ ‏عنه‏ ‏أعمالا‏ ‏أقل‏ ‏مما‏ ‏هو‏، ‏أو‏ ‏مما‏ ‏اعتاد‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏إبداعه‏ ‏كما‏ ‏هو‏ (‏أقول‏ ‏هذا‏ ‏وفى ‏ذهنى ‏بعض‏ ‏أعماله‏ ‏التى ‏أعتبرها‏ ‏سطحية‏ ‏أو‏ ‏شديدة‏ ‏الرمزية‏ ‏أو‏ ‏بعد‏ ‏الإذن‏ – ‏لا لزوم لها‏، (ودائما أذكر بينى وبين نفسى قصة قصيرة له اعتبرتها شديدة الرمزية حتى التفاهة اسمها “الفأر النرويجى”)، ‏ويضيف‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏أن‏ ‏بعض‏ ‏النقاد‏ (‏أو‏ ‏كثرة‏ ‏منهم‏) ‏يعيبون‏ ‏على ‏الأستاذ‏ ‏وفرة‏ ‏إنتاجه‏ ‏واستمرار‏ ‏مثابرته يوميا هكذا‏، ولم يقل زكى أن هذا يعرضه لبعض ما خطر لى ورفضته، لكننى فهمت سؤال زكى فى هذا الاتجاه، ‏يُطرق‏ ‏الأستاذ‏ ‏ويقول‏، “..‏إن‏ ‏ذلك‏ ‏أمر‏ ‏وارد‏، ‏فالعملية‏ ‏الإبداعية‏ ‏تتوهج‏ ‏عند‏ ‏المبدع‏، ‏وتعطى ‏وتستمر‏، ‏ولكنها‏ ‏قد‏ ‏تنطفيء‏ ‏فجأة‏، وأحيانا‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يدرى، و‏هو‏ ‏قد‏ ‏لا‏ ‏ينتبه‏ ‏إلى ‏هذا‏ ‏الانطفاء‏ ‏فيستمر‏ ‏فى ‏المحاولة‏، ‏وفى ‏هذه‏ ‏الحالة‏ (‏المرحلة‏) ‏قد‏ ‏يخرج‏ ‏منه‏ ‏عمل‏ ‏أو‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏لا‏ ‏يستحق‏، ‏ثم‏ ‏يضيف‏ ‏ردا‏ ‏على ‏زكى ‏سالم‏: “‏إن‏ ‏هؤلاء‏ ‏الذين‏ ‏أخذوا‏ ‏عليه‏ ‏وفرة‏ ‏إنتاجه‏، ربما يكون عندهم حق، لكنه قرر أن يتبع ‏نظاما‏ ‏محددا‏ ملتزما يوميا تقريبا، ‏يخرج منه ما يخرج، ثم يراجعه ويعدله وينتقى، وهذا غير من يترك نفسه لمزاجه ‏ ‏المتقلب‏، فيرتبط إنتاجه ‏بحالته الوقتية‏، ‏وبالمثير‏، ‏وبالظروف‏، ‏فمثلا، إنه يعرف أن ‏ ‏يوسف‏ ‏إدريس‏ – ‏وهو ‏يقدره‏ ‏ ‏ويحترم‏ ‏إنتاجه‏ ‏ويضعه‏ ‏حيث‏ ‏يستحق‏ – ‏كان‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏هؤلاء‏ ‏الذين‏ ‏يأخذون‏ ‏عليه‏ ‏وفرة‏ ‏إنتاجه‏ ‏وتتابعه‏ ‏واستمراره‏، ‏لكن‏ ‏يوسف‏ ‏كان‏ ‏حاد‏ ‏المزاج‏ ‏متقلبه‏، ‏وبالتالى ‏لم‏ ‏يستطع‏ ‏أن‏ ‏يتصور‏ ‏كيف‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏الكتابه‏ ‏أو‏ ‏الإبداع‏ ‏عملا‏ ‏يوميا‏ ‏منتظما‏ مستمرا.‏

وأقول‏ ‏له‏ – ‏بعد‏ ‏الإذن‏ – ‏أن‏ 90% ‏من‏ ‏كتاباتى ‏التى ‏اعتبرها‏ ‏مهمة‏ ‏خرجت فى ظروف تكاد تكون اضطرارا، نتيجة لموقف مـُلزم، ‏أو‏ ‏استجابة لطلب‏ ‏من‏ ‏آخر‏، ‏فحين يطلب‏ ‏منى – ‏مثلا‏ – ‏د. عز‏ ‏الدين‏ ‏اسماعيل‏ ‏أن‏ ‏أكتب‏ ‏فى ‏الموضوع‏ ‏الفلانى ‏للعدد‏ ‏الفلانى ‏من‏ ‏مجلة‏ “‏فصول‏”، ‏وأستجيب‏، ‏إذا‏ ‏بى ‏وأنا‏ ‏أكتب‏ ‏يخرج منى ‏ ‏ما‏ ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏أتصور‏ ‏أنه‏ ‏عندى، ليس بالضرورة فى عمل إنشائى إبداعى، ولكن أيضا فى عمل تنظيرى أو إبداعى نقدى، وكثيرا ما تساءلت: ‏ ‏ماذا‏ ‏لو‏ ‏لم‏ ‏يطلب‏ ‏منى د. عز الدين ‏ذلك‏؟ ‏كيف كان لى أن أعرف أن عندى ما كتبت هكذا؟ حتى أننى تصورت – وابلغت بعض من حولى – وأنا أدعى المزاح- ممن أعتقد أنهم يحبوننى أو يعتقدون أن عندى ما يستأهل – أن يعطونى وقتا كافيا، مجرد وقت، وسوف يرون العجب العجاب، ‏ويضحك‏ ‏الدكتور‏ ‏رمضان‏ ‏ومحمد‏، ‏ويقول‏ ‏أحدهما‏ ” بعيدا عن شنبك”، ‏فأقول‏: ‏إذن فسوف أنتزع الوقت‏ ‏انتزاعا‏، فيضحك الأستاذ بعد أن نعيد عليه المناقشة، وينظر لى باسما وهو يقول “أرنا شطارتك”، ويستمر الحديث فى نفس الموضوع، فأذكر أن ديستويفسكى ‏كان‏ ‏كثيرا ما يكتب‏ ‏لأسباب‏ ‏ليس‏ ‏لها‏ ‏علاقة‏ ‏بالكتابة‏، ‏ولا‏ ‏بالفكرة‏ ‏المسبقة‏، ‏ولا‏ ‏بإلحاح‏ ‏الدوافع ‏ ‏الإبداعية‏، ‏فهو‏ ‏كتب‏ ‏تحت‏ ‏كل‏ ‏الظروف‏ ‏وأغربها‏: ‏مثل‏ ‏الوفاء‏ ‏بعقد تعاقد عليه ‏ ‏مع‏ ‏مجلة‏ ‏دورية‏، ‏وربما‏ ‏للحصول‏ ‏على ‏قروش‏ ‏يلعب‏ ‏بها‏ ‏القمار‏، ‏ثم‏ ‏إذا به ‏ ‏قد‏ ‏أخرج‏ ‏لنا‏ ‏من خلال هذا وذاك ومثله كل هذه الروائع”، ‏فيقول‏ ‏الأستاذ‏: ‏”صحيح‏”، ‏فأقول‏ مضيفا ‏أننى ‏أحمد‏ ‏الله‏ ‏أنهم‏ ‏لم‏ ‏يكونوا‏ ‏قد‏ ‏اكتشفوا‏ ‏آنذاك‏ ‏علاجا‏ ‏للصرع‏، ‏ذلك‏ ‏لأننى ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏ديستويفسكى ‏لو‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏أخذ‏ ‏مضادات‏ ‏للصرع‏ ‏بدرجة‏ ‏مبالغ‏ ‏فيها‏ ‏كما‏ ‏يحدث‏ ‏الآن‏، ‏إذن‏ ‏لحرمنا‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الفيض‏ ‏من‏ ‏الإبداع، ‏ ‏فيحكى ‏لنا‏ ‏الأستاذ‏ ‏عن‏ ‏رجل‏ ‏كان‏ ‏يشاهده‏ ‏أثناء‏ ‏طفولته‏ ‏فى ‏نوبة‏ ‏يعتقد‏ ‏أنها‏ ‏صرعية‏ ‏وأنه‏ ‏كان‏ ‏يفاجأ بها‏‏ ‏ويخاف منها‏، ‏ويندهش‏ ‏من ربطى صرع ديستويفسكى بإبداعه، ‏ ‏ويسأل عن ماذا أعنى بالصرع فى هذا المقام، ‏فأشرح‏ ‏له‏ ‏أن‏ ما رآه ليس هو كل الصرع، وأن أغلب نوبات الصرْع هى فعلا كما ذكر منظر مرعب خاصة لطفل صغير، وأؤكد أننى لا أعنى أن الصرع هو سبب الإبداع، ولكنه لا يمنع الإبداع، وقد يكون الوجه الخائب لاندفاعة الطاقة الدماغية الحيوية عشوائيا حين يقفل عليها سبيل التفريغ بالإبداع، وأكف نفسى عن التمادى فى الشرح، ‏وأذكر للأستاذ بعض أسماء المبدعين الذين كانوا يعانون من الصرع، وكيف اختلف العلماء والأطباء والمؤرخون حول تشخيص “فان جوخ” هل هو صرعى أو فصامى، ‏ولا‏ ‏أدخل‏ ‏فى ‏التفاصيل‏.‏

وبرغم كل هذه المحاولات للبعد عن المحور الرئيسى يعود الحديث مرة أخرى إليه، إلى حكاية الإسلام السياسى وهذا الكلام، فأكاد اضيق، لكننى أشارك فأنقل ‏ ‏للاستاذ‏ ‏حديثا‏ ‏دار‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏فهمى ‏هويدى، ‏وكيف‏ ‏أننى ‏أبلغته تحفظى، وأيضا مطالبى، أنهم حين يتولون الأمر، وإذا أرادوا أن يترعرع ‏ ‏الإسلام‏ ‏الحقيقى فعليهم بالبدء بإعلان ‏بطلان‏ ‏حد‏ ‏الردة‏ ‏نهائيا، وأن‏ ‏يفتح‏ ‏باب‏ ‏الإبداع‏ (الذى أحد تجلياته الجهاد والاجتهاد) وأن يتعهدوا بتسويق الأغنية الجماعية، بدءا من الطفولة (دون محتوى دينى بالضرورة)، وأن يسمحوا برقصة جماعية، وأن يرجعوا إلى إحياء أغانى العمل الجماعية، وأن كل هذا هو جزء لا يتجزأ من حركية السعى إلى التناسق مع الكون، فهو الإيمان، الذى أحد صوره الإسلام، ويسأل الأستاذ وماذا قال الأستاذ فهمى، فلا أتذكر إلا أنه لم يعترض، وربما أشار إلى أن الامر ليس بيده وحده، ويسأل ‏الأستاذ‏: ‏هل أعنى بما قلت نوعا من التفريغ مثلما يحدث فى الزار‏، فأرفض بشدة أن يكون التفريغ هو المقصود، وإنما هى الحركية الطليقة، فيسألنى: يعنى ماذا؟ فأعجز عن شرح ما أعنى، وأحوِّل الحديث بأن أسأله بدورى: ” ‏هل‏ ‏شارك‏ ‏هو شخصيا فى ‏حلقة‏ ‏ذكر”؟، ‏فينفى ‏ذلك‏، ‏ويشير‏ ‏إلى ‏أنه‏ ‏شاهدها‏ ‏فقط‏، ‏وطرب‏ ‏للنغم‏ ‏والإنشاد‏، ‏فأقول‏ ‏له‏ ‏أننى ‏شاركت‏ ‏فى ‏حلقات‏ ‏ذكر‏ ‏صغيرة‏ ‏فى ‏بلدنا‏ حين كنت صبيا، ‏وحين‏ ‏كبرت‏، ‏حتى ‏وأنا‏ ‏مدرس‏ ‏بالجامعة‏ ‏كنت‏ ‏أرتدى ‏جلبابا‏ ‏وطاقية‏، ‏وأذهب‏ ‏للحسين‏ ‏فى ‏الموالد‏ ‏أشارك‏ ‏شخصيا‏ ‏فى ‏الذكر‏ ‏لأعايش‏ ‏التجربة‏ ‏من‏ ‏داخلها‏، وأننى اكتشفت أنها ليست مسألة تفريغ، كما يتصور الذين يتفرجون عليها ولا يعايشونها، وأوقف نفس قسراً وأنا أنظر فى الساعة وأحمد الله أنه وقت الانصارف، وقبل أن نلملم بعضنا البعض أنظر فى وجه الأستاذ فأجده راضيا، فأحمد الله.

الحلقة السادسة عشر

… صنّ شوية “يا حسن بيه”

الاربعاء‏: 18/1/1995([34])

ذهبت‏ أمس ‏إلى‏ ‏”فرح بوت”، مباشرة‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏رافق‏ ‏محمد‏ ‏يحيى ‏الأستاذ‏ ‏من منزله إلى العوامة، ذلك أننى كنت قد فكرت أنه قد آن الآوان أن أعيد تنظيم وقتى لأستطيع أن ‏أواصل ‏القيام‏ ‏ببعض ما تراكم علىّ من واجبات ‏وسط‏ ‏مسئولياتى ‏المتنوعة‏، كل يوم، كل يوم، كل يوم، هذا شرف لى وهو يـُـفرحنى من حيث المبدأ، لكن لا أظن أن الأستاذ بالذات يرتاح لذلك أو يريد أن يكون الأمر كذلك، ‏أحسست‏ ‏أن‏ ‏الآوان‏ ‏قد‏ ‏آن فعلا ‏ أن اقتنص لى يوما أو أكثر فى الأسبوع، أمارس فيه ما تيسر من أعمال أخرى، ‏دخلت‏ العوامة، ‏فوجدت‏ ‏الغيطانى ‏نشطا‏ ‏فى إكمال ‏حكْى ‏ما‏ ‏جرى فى ‏معرض‏ الكتاب، ‏والأستاذ‏ ‏ينصت‏ ‏رافعا‏ ‏حاجبيه‏ ‏بهذه‏ ‏الدهشة‏ ‏المحبـَّبَةَ لى خاصة‏، ‏وكان‏ ‏محمد‏ ‏يحيى ‏قد‏ ‏عقب‏ ‏على ‏هذه‏ ‏الدهشة‏ ‏المتجددة‏ ‏مع‏ ‏رفع‏ ‏الحاجبين‏، ‏قال‏ ‏محمد‏ – لاحقا- ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يتصورلأول‏ ‏وهله‏ ‏أن ‏رفع‏ ‏حاجبيه هكذا هو ‏لازمة،‏ ‏أو‏ ‏أن‏ ‏تقاطيع‏ ‏وجه‏ ‏الأستاذ‏ ‏هى ‏هكذا‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏، ‏لكنه‏ ‏اكتشف‏ ‏أنه‏ ‏تعبير‏ ‏عن‏ ‏دهشة‏ ‏مستمرة‏ ‏ومتجددة‏، وهو فى هذه السن!! الحمد لله، ربنا يخليه.

أعاد‏ ‏الغيطانى ‏ما دار حول‏ ‏ضرورة‏ ‏تأصيل‏ ‏اللغة‏ ‏العربية‏ ‏أملا‏ ‏فى ‏الوحدة‏ ‏الثقافية‏ ‏العربية‏، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الهدف المشترك ‏ ‏المناسب‏ ‏أو‏ ‏المتبقى ‏لنا‏ ‏بعد‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الفـُرقة‏ ‏والتخثر‏، ‏وألمح‏ ‏إلى ‏إنشقاق‏ ‏المثقفين‏ ‏عن‏ ‏عامة‏ ‏الناس‏ ‏لدرجة‏ ‏العزلة‏ ‏أو‏ ‏الفوقية‏، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏أكده‏ ‏فاروق‏ ‏خورشيد‏ ‏وهو‏ ‏يتكلم‏ ‏عن‏ ‏الأدب‏ ‏الشعبى ‏وإهماله‏، ‏كما‏ ‏ذكر‏ ‏تأكيد‏ ‏جابر‏ ‏عصفور‏ ‏على ‏ضرورة‏ ‏عدم‏ ‏تدخل‏ ‏الدين‏ ‏فى ‏السياسة‏، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏وهو‏ ‏يحكى ‏عن‏ ‏أحداث معرض الكتاب‏، ‏والأستاذ‏ ‏شديد‏ ‏الإنصات‏ ‏شديد‏ ‏الاهتمام‏، ‏وذكر‏ ‏الغيطانى ‏مديحا‏ ‏قويا‏ ‏وصادقا‏ ‏فى ‏رواية‏ ‏صدرت‏ ‏عن‏ ‏روائى ‏غير‏ ‏معروف‏ (‏جديد‏ ‏نسبيا‏) ‏هو‏ “‏فتحى ‏إمبابي‏”، ‏ذكر‏ ‏اسمها‏ “‏مراعى ‏القتل‏”([35])، ‏وهى ‏هى ‏نفس‏ ‏الرواية‏ ‏التى ‏كان‏ ‏الأستاذ‏ ‏توفيق صالح ‏ ‏قد‏ ‏ذكرها‏ ‏للأستاذ بمديح طيب منذ أيام‏، ‏لكن‏ ‏أن‏ ‏أسمع‏ ‏من‏ ‏الغيطانى، ‏الروائى جدا، ‏وهو‏ ‏يصف‏ ‏النقلات‏ ‏والتداخل السلس بين‏ ‏أحداث وآثار حرب67 (‏وهو‏ ‏المراسل‏ ‏الحربى ‏أصلا‏) والتراث الشعبى، و‏ما‏ ‏يجرى ‏للعمال المصريين العاملين‏ ‏فى ‏ليبيا‏ ‏كنموذج‏ ‏لما‏ ‏يلحقهم‏ ‏فى ‏العالم‏ ‏العربى، أن أسمعه وهو يمدح كل هذا بكرم وطيبة، جعلنى أحترمه ناقدا كما أحبه روائيا، يفرح ‏الأستاذ‏ ‏حين يسمع عن عمل جيد من مصرى أصغر، راح يستزيد من شرح الغيطانى للتكنيك الذى أتبعه الكاتب وهو يضفر ‏التراث‏ ‏الشعبى، ‏بالقهر‏ المعاصر فى الغربة، بحرب 67، فى سلاسة وحبكة، يؤيده توفيق‏ ‏صالح – وهو نادرا ما يفعل – و‏يحكى بدوره ‏بنفس الحماس وبعين المخرج عن‏ ‏نفس‏ ‏الرواية‏ ‏ونفس‏ ‏المؤلف‏، رحت أتابع ‏فرح‏ ‏الأستاذ مثل فرح ‏ ‏الوالد‏ ‏أو‏ ‏الجد‏ ‏الذى أنجب ‏ ‏أبناء‏ ‏وأحفادا‏ ‏يحملون‏ ‏الراية‏

قلت‏ ‏للغيطانى ‏فجأة‏: (ربما ‏من‏ ‏فرحتى ‏با كتشافى له عن قرب هكذا‏) ‏متى ‏تنتقل‏ ‏نقلتك‏ ‏الثالثة؟‏ ‏قال‏ ‏ماذا‏ ‏تعنى؟‏، ‏قلت‏ ‏”أتصور‏ ‏أنه‏ ‏قد آن‏ ‏الآوان‏، ‏أو‏ ‏آمل‏ ‏أنك‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تفعلها” قال: أفعل ماذا؟ قلت: ‏‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تتجاوز‏ ‏المرحلة‏ ‏التراثية‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏غرقت فيها وحذقت لغتها، وأعدت إبداعها بكل هذا الإتقان. ظل‏ ‏تساؤله‏ ‏قائما على وجهه،‏، ‏قلت‏ ‏وأنا‏ ‏أجازف‏ ‏بعرض‏ ‏تصورى أو آمالى: ‏إنى ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏المرحلة‏ ‏الثالثة‏ ‏هى ‏أن‏ ‏يقرأك‏ ‏قارئ ‏لا‏ ‏يعرفك،‏ ‏فيشعر‏ ‏أنك‏ ‏تكتب‏ ‏بلغة‏ ‏عادية‏، ‏‏بتشكيل ‏ ‏عادى،‏ ‏لا‏ ‏يذكرّه‏ ‏بأى ‏شكل‏ ‏من‏ ‏أشكال‏ ‏التراث‏، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏يصله‏ ‏زخم‏ ‏التراث‏ ‏وريحه ‏وصقله‏ ‏وتكامله‏، ‏أجاب‏ ‏فى ‏طيبة‏ ‏مرحِّبة وقد وصله ما أعنى:”‏ ‏أظن‏ ‏أننى ‏بدأت‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏التى ‏تشير‏ ‏إليها‏، ‏وأحسب‏ ‏أن‏ روايتى: “‏متون‏ ‏الأهرام”‏ ‏تدل‏ ‏على ‏ذلك‏، ‏هل‏ ‏قرأتها؟‏” ‏فأجبت‏ ‏بالنفى (وللأسف لم أقرأها حتى الآن 2011) ‏، ‏قال‏ ‏يبدو‏ ‏أنك‏ ‏لم‏ ‏تقرأنى ‏مؤخرا‏، ‏ووافقت‏، ‏واعتذرت، ‏وقلت‏ ‏سأقرأها ‏ثم‏ ‏نعاود الحوار”، كان‏ ‏الأستاذ‏ ‏يتابع‏ ‏الحوار حيث تعلمت أن أميل على أذنه اليسرى وأنا أخاطب أيا من الجالسين، علمت أنه كان يتابعنا حين تابعت هزات رأسه ‏ ‏كالعادة‏، ‏فخيل‏ ‏إلى ‏أنه راض عن هذا الحوار، أو عن تقاربنا، حتى تصورت أنه ‏يمد‏ ‏ذراعه‏ ‏على ‏كتف‏ ‏أحدنا ويمد الأخرى على كتف الآخر‏، ‏ويربت‏ ‏علينا‏، ويقرب رأسينا إلى بعضهما، شعرت بهذه الهدهدة، ورضيت‏ ‏بها جدا‏، ‏ودعوت‏ ‏له‏ ‏بالسلامه‏ ‏وطول‏ ‏العمر‏.‏

حضر‏ ‏هذه‏ ‏الجلسة‏ ‏الأستاذ‏ ‏على ‏الشوباشى ‏الذى ‏يقيم‏ ‏فى ‏باريس‏ ‏كممثل‏ ‏لإحدى ‏وكالات‏ ‏الأنباء‏ ‏الفرنسية‏ ‏منذ‏ ‏سنين‏، ‏وهو‏ ‏شقيق‏ ‏شريف‏ ‏الشوباشى، ‏وأظن‏ ‏أنه‏ ‏قريب تماما ‏لفريدة‏ ‏الشوباشى، وخجلت أن استفسر، ‏ودار‏ ‏الحديث‏ ‏حول‏ ‏السياسة‏ ‏والاقتصاد‏ ‏والأمن‏ ‏والناس‏، ‏تكلم الشوباشى عن ‏‏كارثة‏ ‏المكسيك‏ ‏التى ‏على ‏وشك‏ ‏الإفلاس‏ ‏نتيجة‏ ‏للطاعة‏ ‏العمياء‏ ‏لتوصيات‏ ‏البنك‏ ‏الدولى، ‏وسألت‏ ‏عن‏ ‏مدى ‏المسئولية‏ ‏التى ‏تقع‏ ‏على ‏البنك‏ ‏الدولى ‏حين‏ ‏تحدث‏ ‏كارثة‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏نتيجة‏ ‏لتوصياته‏،‏؟‏ ‏قالوا‏ “‏ولا‏ ‏حاجة‏”، ‏وتحول‏ ‏الحديث‏ ‏إلى اقتراح ‏التوصية‏ ‏بتخفيض‏ ‏قيمة‏ ‏الجنية‏ ‏المصرى ‏لزيادة‏ ‏الصادرات‏، ‏وقيل‏ ‏إنه‏ ‏ليس‏ ‏عندنا‏ ‏صادرات‏ ‏تبرر‏ ‏ذلك‏، ‏ولم‏ ‏نعد‏ ‏نستطيع‏ ‏المنافسة‏،‏ وأشار‏ ‏الشوباشى ‏إلى ‏ضعف‏ ‏مصداقية‏ ‏التصدير، وضرب مثلا لما حدث فى رسالة‏ ‏صدرت من البرتقال‏ ‏و‏‏اليوسفى ‏والبصل‏، ‏فقال‏ ‏حسن‏ ‏ناصر‏ ‏كلاما‏ ‏يربط‏ ‏بين‏ ‏نسبة‏ ‏رطوبة‏ ‏البصل‏ ‏والسعر‏ ‏العالمى ‏وسرعة‏ ‏الفساد‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏أسواق‏ ‏أوربا‏، كلامٌ صعبٌ علىّ متابعته، لكن‏ ‏الأستاذ‏ يميل إلى الأمام‏ بكل انتباه، ‏يحاول‏ ‏أن‏ ‏يتابع‏ ‏النقاش‏ ‏باجتهاد‏ ‏رائع‏، ‏لكنه‏ ‏يبدو‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يتمكن‏ ‏تماما‏، ‏فيقول‏ ‏لحسن ناصر ‏ حين ذكر البصل: “‏صِنّ(‏[36]) ‏شوية‏” ‏وقل‏ ‏لنا‏ ‏ماذا‏ ‏تعنى ‏تفصيلا‏”، ‏ونلتقط‏ ‏قافية‏ ‏إبن‏ ‏البلد‏، ‏ونضحك‏ ‏جميعا‏، ‏ويقول‏ ‏الغيطانى ‏فرحا:‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏قد‏ ‏عاد‏، ‏وأفرحُ‏ ‏وأدعو‏ ‏لهما‏، ‏وتغلب‏ ‏روح‏ ‏الدعابة‏ ‏على ‏الأستاذ‏ ‏فيشير‏ ‏إلى ‏جمال‏ ‏الإشارة‏ ‏التى ‏نعرف‏ ‏معها‏ ‏أنه‏ ‏يريد‏ ‏الذهاب‏ ‏إلى ‏دورة‏ ‏المياة‏، ‏وقد‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏تبادلنا‏ ‏الدعابة‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الشأن‏، ‏وكنت‏ ‏اسمّى ‏هذا‏ ‏الإستئذان‏، ‏أنه‏ ‏لتسديد‏ ‏الرأى‏، استشهادا بالفتوى الفقهية الرائعة أنه “لا حكم لحاقن”، والتى احترمتها للتأكيد على تحرى الموضوعية والعدل، ‏لأن‏ ‏امتلاء‏ ‏المثانة‏ ‏قد‏ ‏يعوق‏ ‏التفكير‏ ‏السليم، ومن ثم الحكم العادل، وأقول للأستاذ تفسيرى لهذه القاعدة، فيفرح به، ونبدأ فى استعمال التعبير “تسديد الرأى”، بدلا من “الذهاب للحمام أو للدورة”، أذكر أننى حكيت للأستاذ أن لى موقفا من هذا الطقس، حتى أننى اعتدت أن ‏أتعرف على مدى ‏ ‏حضارة‏ ‏بلد‏ ‏ ‏من‏ ‏البلاد‏ ‏التى ‏أزورها‏ ‏بمدى ‏نظافة‏ ‏هذه‏ ‏الأماكن‏ ‏التى ‏”نسدد‏ ‏فيهاالرأى”‏، ‏لأنه كان يصلنى من ذلك بشكل ما دليل على مدى ‏احترام‏ ‏الآخرين، قلت له هذا، وأننى كنت أفرق بين لا فتة تقول “أرجو أن تدع المكان كما وجدتـَه” (المقصود: نظيفا كما وجدته)، وأخرى أكثر دقة تقول “أرجو أن تدع المكان كما كنتَ تحبُّ أن تجدَه” (ربما: خشية أن تكون قد وجدته قذرا أو غير لائق!)، ويفرح الأستاذ بهذا التمييز، ويصله ما أعنى من ذلك، فأضيف أننى كنت أستنتج‏ ‏الموقف‏ ‏الحضارى ‏بمعنى أنه يشير إلى حضور‏‏ ‏الآخرين‏ ‏فى ‏وعى ‏الفرد ‏ ‏وهم‏ ‏غائبون‏ ‏عن‏ ‏حواسه‏. ثم يمضى الأستاذ وهو يتأبط ذراع جمال، وهو يقول: “..‏ ‏نذهب‏ ‏لقياس‏ ‏درجة‏ ‏تحضرنا‏”، وتغلبه روح الفكاهة فيضيف “أو ربما ‏لتنشيط‏ ‏الحركة‏ ‏الثقافية‏”، ‏ويضحك‏، ‏ونضحك ونبدأ فى استعمال “تنشيط الحركة الثقافية” بعد ذلك تعبيرا عن الذهاب لقضاء الحاجة بالإضافة إلى تعبير “تسديد الرأى”: باستمرار‏.‏

يتكلم‏ ‏عـَـلـِـى ‏الشوباشى ‏عن‏ ‏إبنه‏ ‏الذى ‏غادر‏ ‏مصر‏ ‏فى ‏سن‏ ‏سبع‏ ‏سنوات‏، ‏ثم‏ ‏عاد‏ ‏ليعمل‏ ‏بها‏ ‏رغم‏ ‏أنه‏ ‏تزوج‏ ‏من‏ ‏فرنسية‏، ‏وأنه‏ ‏تربى ‏هناك‏، ‏ويناقش‏ ‏الأستاذ‏ ‏موضوع فتحه بحثا عن أسباب ‏من‏ ‏يفضل‏ ‏البقاء‏ ‏فى ‏مصر‏ ‏من‏ ‏الأجانب‏، ‏وأذكر‏ ‏حكاية‏ ‏زوجة‏ ‏زميلنا‏ السورى الذى كنت أقابله بانتظام أثناء كنت أتولى مهمة مقرر لجنة الامتحانات فى الزمالة العربية للطب النفسى، وكنت أذهب مرتين إلى دمشق لألتقى بالزملاء العرب لمواصلة هذه المهمة التى قد أعود للحكى عنها إذا أتيحت الفرصة، زميلنا هذا اسمه “.د. حنا‏ ‏خورى‏” ‏وهو متزوج من إنجليزية رقيقة، تعرفتُ عليها فى منزله فى منتجع قريبا من أعلى جبل بلودان‏، ‏حكيت للأستاذ أن د. حنا اقترح على زوجته الإنجليزية‏ ‏أن‏ ‏يقضيا‏ ‏آخر‏ ‏أيامهما‏ ‏بعد‏ ‏المعاش‏ ‏فى ‏بيتهما‏ ‏فى ‏لندن‏، ‏فإذا‏ ‏بها‏ ‏ترفض‏ ‏متسائلة‏: “‏لماذا؟‏”، ثم تضيف ” ‏هل‏ ‏يمانع‏ ‏أهلك‏ ‏أن‏ ‏أدفن‏ ‏فى ‏مدافنهم؟‏”، ثم تنتهز الفرصة وتستأذن أهله فعلا أن ترقد بجوارهم بعد أن ترحل، ‏إلى ‏هذا‏ ‏الحد‏ يمكن ‏يرتبط‏ ‏إنسان‏ ‏أجنبى ‏بأرضنا‏ ‏العربية‏ ‏حتى ‏يمتد تصوره إلى امتداد ‏جسده‏، بجوار أجسادنا، يحيطنا تراب وطننا معا، وأتساءل: “فلماذا‏ ‏انفصلنا‏ ‏نحن‏ العرب، بل والمصريين، عن بعضنا البعض هكذا‏ ‏ونحن ما زلنا أحياء فوق‏ ‏أرضنا‏ ‏لا تحت ترابها بعد؟، ‏ويضيف‏ ‏الشوباشى – ربما ردا على سؤال ما – تفسيرا لا يقنعنى تماما عن سبب عودة ابنه، وهو‏ ‏أن‏ ‏البطالة‏ ‏تتزايد‏ ‏فى ‏أوربا‏ ‏وإبنه‏ ‏حامل‏ ‏الليسانس‏ ‏من‏ ‏السوربون‏‏ ‏لا‏ ‏يجد‏ ‏فرصة‏ ‏حقيقية‏ ‏لعمل‏ ‏مناسب‏ هناك، ‏وأن‏ ‏الذين‏ ‏لا‏ ‏مأوى ‏لهم‏ ‏فى ‏باريس‏ (‏الكبرى‏) ‏وحدها‏ ‏يبلغون‏ ‏أربعمائة‏ ‏ألف‏، ‏فيتعجب‏ ‏الأستاذ‏ ‏ويعقب‏: “‏ياه‏!! ‏مهما‏ ‏بلغت‏ ‏بلد‏ ‏من‏ ‏حضاره‏ ‏وثراء‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ترضى ‏كل‏ ‏أبنائها‏ ‏أو‏ ‏تكفلهم‏”!!، ‏وتستمر‏ ‏المقارنة‏ ‏بمصر‏، ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏إنسان‏ ‏بلا‏ ‏مأوى ‏حقيقى، ‏حتى ‏سكان‏ ‏المقابر‏ ‏لهم‏ ‏مأوى ‏مدحتُه – عكس الشائع –  للأستاذ ‏أثناء‏ ‏عودتنا فى السيارة‏، معترضا على تصور سكان العمارات البلاستيك لهذه المساكن لمجرد اسم المقابر، مع أنها أكثر تهوية وأقل ازدحاما، ‏قلت‏ “‏إننى ‏أذهب‏ ‏إلى المقابر أحيانا لا لأزور الموتى، ولكن لأجالس بعض من تعرفتُ عليهم من ساكنيها، فأمضى بعض الوقت معهم‏ على مصاطبهم الجميلة الملاصقة للقبور، ‏وأشاهد‏ ‏أولادهم‏ ‏وهم‏ ‏يلعبون‏ ‏حولنا‏، ‏وأفرح بمجموعة هذه المساكن ذات الدور الواحد، وأنه لا يوجد احتمال أن تتعملق المقابر لتصير ناطحات سحاب، وأتأمل الفضاء المحيط بين كل مسكن ومسكن، التى هى بين كل قبر وقبر، وأشعر كيف يمتزج الحى بالميت فى تصالح آمن، ويصلنى أن الموتى يأتنسون بهؤلاء الأحياء الطيبين مثلما يأتنس هؤلاء الأحياء بهم، وتصلنى حرارة العلاقات بين الجيران أوثق مائة مرة منها بين سكان عمارة شاهقة لها ثلاثة مصاعد لا يحيِّى فيها الساكن جاره حتى لو ضمّهما المصعد وحدهما، واقترحت بدلا من أن نحكم على بؤسهم ونحن جلوس على مقاعدنا المرتفعة أمام مكاتبنا، أن نسمى مساكنهم تلك “منتجع المتواصلين”، ‏مثلما يسمى أولاد البلد ‏‏ماء‏ ‏الطرشى‏ ‏فى ‏الحسين‏ “‏خمْر‏ ‏الصالحين‏”، ‏ويضحك‏ ‏الأستاذ‏.

ويمتدُّ الحديث عن البطالة عبر العالم ‏ ‏إلى ‏أيام‏ ‏الإتحاد‏ ‏السوفيتى، ويقول الأستاذ ‏”إنه‏ ‏بالرغم‏ ‏مما‏ ‏سلبه‏ هذا ‏النظام‏ ‏من‏ ‏الأفراد‏ ‏من‏ ‏الحرية‏ ‏الشخصية‏ ‏وحرية‏ ‏التعبير‏، ‏فإنه‏ ‏حقق‏ ‏لهم‏ ‏العمل‏ ‏والمأوى ‏على ‏الأقل‏، ‏فأعلق‏: “‏لكن‏ يبدو أن الصفقة كانت غير متكافئة”، ويأتى ذكر ستالين وعدد من أعدَم، وأعداد من شرَّد، ‏فيوافق الأستاذ متألما، فأضيف: “يبدو أنه ثـّـمَّ فترات فى التاريخ يحتكر فيها الحاكم الإجرام بالقانون!!”، ‏فيلتقط‏ ‏الأستاذ‏ ‏التعقيب‏‏ ‏ويميل‏ ‏إلى ‏الخلف‏ ‏ضاحكا‏، ‏ويترجمه إلى أن هذا هو بمثابة “‏تأميم‏ ‏الجريمة‏”، ويضحك الجميع(!!!).‏

يعود‏ ‏خيط‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏الغيطانى ‏الذى ‏يذكر‏ ‏لنا لقاءه‏ ‏مع‏ ‏رجل‏ ‏أمن‏ ‏مهم‏، مازال يشغل منصبه بكفاءة، وأنه استنتج من حواره معه ما يطمئن ‏إلى متانة ‏قبضة‏ ‏الدولة‏ على ما يجرى فى كل مكان، ‏وحين‏ ‏أتشكك‏ ‏سرا‏ ‏وعلنا‏، ‏يضيف جمال: ‏”‏إن‏ ‏الدولة‏ ‏فى ‏مصر – ‏وربما‏ ‏فى ‏العالم‏ ‏أجمع‏ – هى ‏البوليس‏ ‏والجيش‏، ‏هكذا‏ ‏نستقبلها‏ ‏فى ‏الصعيد‏، ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏الأصل‏ ‏الحقيقى ‏لمفهوم‏ ‏الدولة‏ ‏عبر‏ ‏تاريخ‏ ‏مصر”‏، ‏وأتردد‏ ‏فى ‏قبول‏ ‏هذا‏ ‏الرأى ‏وأتحفظ عليه مشيرا إلى ‏أن‏ ‏البوليس‏ ‏والجيش‏ ‏هما‏ ‏يد‏ ‏الدولة‏ ‏القوية‏ ‏فى ‏الداخل‏ ‏والخارج‏ ‏على ‏التوالى، ‏لكنهما ‏ليسا‏ ‏الدولة‏ ‏هكذا‏ ‏دون‏ ‏شارع‏ ‏سياسى ‏ودون‏ ‏دعم‏ ‏جماهيرى، ودون انضباط تعليمى، ودون قانون صارم، ودون مشروع قومى، ‏ويهز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏، ‏وأتصور‏ ‏الموافقة‏.‏

يتطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏أمور‏ ‏طيبة‏ ‏أخرى ‏كثيرة‏، جادة وعابرة، وأتصور أننا فى مجلس شورى شعبى تلقائى، وينتهى اللقاء لأرافقه‏ ‏حتى ‏المنزل‏، ‏ويذكرنى و‏أنا‏ ‏أودعه‏: ‏أن‏ “‏لا‏ ‏تنسى ‏الخميس موعد‏ ‏الحرافيش”، ‏‏فأطمئن‏ ‏إلى ‏موقعى ‏الجديد‏ ‏الحقيقى ‏فى ‏وعيه‏ ‏الحرافيشى، ‏لكننى ‏لا‏ ‏أنسى ‏ما قررتُه بينى وبين نفسى، وهو أننى ما زلت ‏تحت‏ ‏الاختبار، “ظهورات” حرافيش لم أتثبت بعد..‏

فعلا: لم‏ ‏أقتنع‏ بعد‏ ‏بأننى ‏أصبحت‏ ‏حرفوشا‏ ‏رسميا، حتى بعد تصريح الأستاذ لتوفيق بأننى: “‏آخر‏ ‏الحرافيش‏”.‏‏.‏

الحلقة السابعة عشر

.. من يدرى متى يرى أحدنا الآخر ثانية؟

الخميس‏: 19/1/1995‏

هل‏ ‏أصبحتُ‏ ‏أحد‏ ‏الحرافيش‏ ‏فعلا؟‏ ‏وهل‏ ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏ينتظرنى ‏فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏من‏ ‏حياتى؟‏، ‏أم‏ ‏أنها‏ ‏تفريعه‏ ‏أخرى ‏من‏ ‏التفريعات‏ ‏التى ‏تبعدنى ‏عن‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏أركز‏ ‏فيه‏ ‏وأتقنه‏ ‏حتى ‏النهاية؟‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يحقق‏ ‏إنسان‏ ‏أعرفه‏ ‏شخصيا‏ ‏ما‏ ‏حقق‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فاللحظات‏ ‏التى ‏أقضيها‏ ‏معه‏ ‏تعلمنى ‏درسا‏ ‏قديما‏ ‏طالما‏ ‏كررته‏ ‏دون‏ أن ‏أعيشه‏، ‏درسا‏ ‏يقول‏: ‏ماذا‏ ‏استفاد‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ شخصيا -لا‏ ‏نحن‏- ‏من‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏فعل‏ ‏أجمل من‏ ‏تلك‏ ‏اللحظات‏ ‏من‏ ‏الصدق‏ ‏المبدع‏ ‏والصحبة‏ ‏الأليفة‏؟

فهل‏ ‏ألُقى ‏كل‏ ‏شيء‏ ‏جانبا‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏لم‏ ‏أحقق‏ ‏شيئا‏ ‏لأعيش‏ ‏حقيقة‏ ‏الصدق‏ ‏والصحبة‏ ‏معه‏، ‏معهم؟‏ ليكن‏.‏ هى تجربة على أية حال، وهى خبرة فى جميع الأحوال، وحب ورضا من رب العالمين.

وصلتُ‏ إلى بيت الاستاذ ‏متأخرا‏ ‏سبع‏ ‏دقائق‏، وصل قبلى كل من ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏وتوفيق‏ ‏صالح‏، ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏يبدو‏ ‏لى ‏أكثر‏ ‏نحافة‏ ‏وضعفا‏، ‏مع‏ ‏أنهم‏ ‏قالوا‏ ‏إنه‏ ‏أكل‏ ‏فى ‏سهرة‏ ‏الخميس‏ ‏الماضى – التى لم أحضرها – ‏أفضل من‏ ‏كل‏ ‏مرة‏، ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏واقف‏ ‏فى ‏الصالة‏، ‏وفور‏ ‏وصولى ‏يقفز‏ ‏نحو‏ ‏الباب‏ “‏هيا‏ ‏بنا‏ (‏ياللّا: ‏يحيى بيه ‏وصل‏) ‏يفرح‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏أنه‏ ‏حرك‏ ‏ذراعه‏ ‏إلى ‏أعلى ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏المرة‏ ‏السابقة‏، ‏ويعقب‏ ‏على ‏ذلك‏ ‏فى ‏الجزء‏ ‏الأول‏ ‏من‏ ‏الجولة‏، ‏ويقترح‏ ‏أن‏ ‏نذهب‏ ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏إلى ‏فندق‏ ‏”الواحة”‏.‏

فى ‏السيارة‏ ‏يقول‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏أنه‏ ‏ظل‏ ‏يظن‏ ‏أن‏ ‏اليوم‏ ‏هو‏ ‏الأربعاء‏، ‏وفجأة‏ ‏حوْل الساعة ‏الخامسة‏ ‏تذكر‏ ‏أنه‏ ‏الخميس‏ ‏فلبس‏ ‏فى ‏عجلة‏ ‏عاجلة‏ ‏حتى ‏وصل‏ ‏قبل‏ ‏الميعاد‏، ‏ثم‏ ‏يـُردف‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يستمر‏ ‏‏يقيم‏ ‏وحده هكذا، ‏يرد‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏أن‏ ‏الأمر‏ ‏بيده‏، ‏فليستدعِها‏، ‏أو‏ ‏ليذهب‏ ‏هو‏ ‏يعيش‏ ‏معها‏، ‏معهم‏ (‏لم‏ ‏أتأكد‏ ‏ولم‏ ‏أستفسر‏)، ‏فيقول‏ ‏مظهر‏: ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏ينفع‏، ‏أشعر‏ ‏أنى ‏دخيل‏، ‏غير‏ ‏مرغوب‏ ‏فىّ (‏فهمت‏ ‏متألما‏، ‏وأحببته‏، ‏فتجنبت‏ ‏الاستفسار‏ ‏أكثر)،‏ ‏أتأكد أن الوِجهة اليوم هى ‏فندق‏ ‏الواحة‏ (‏الأوازس‏) فى أول الطريق الصحراوى إلى الاسكندرية، لكن لابد من المرور‏ “‏بالمقلى‏” (‏بتاع‏ ‏السودانى‏) أولاً، ‏توفيق‏ ‏يرجع‏ من “المقلى” ‏وهو‏ ‏أقل‏ ‏بهجة‏ ‏من‏ ‏المرة‏ ‏الماضية‏ ‏لأن‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏موجودا‏ ‏بالمحل‏ ‏ليس‏ ‏صديقه‏ ‏وصديق‏ ‏الأستاذ‏ الذى يعرفهما جيدا ‏بل‏ ‏أخوه‏ الأصغر، فكانت المسألة‏ “‏بيع‏ ‏وشراء‏” ‏ودمتم‏، ‏افتقد‏ ‏توفيق‏ ‏الأُلفة‏، ‏وأحسست‏ ‏أن‏ ‏السودانى ‏هذه‏ ‏الليلة‏ ‏سيكون‏ ‏بغير‏ ‏طعم‏، ‏كل‏ ‏شيء‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يرتبط‏ ‏بما‏ ‏هو‏ ‏نبض إنسانىّ،‏ ‏قبل‏ ‏وبعد‏ ‏كل‏ ‏شىء‏، ‏قبل‏ ‏وبعد‏ ‏الأكل‏، ‏قبل‏ ‏وبعد‏ ‏الجنس‏، ‏قبل‏ ‏وبعد‏ ‏الموت‏ ‏نفسه‏، ‏الحياة‏ ‏تفقد‏ ‏معناها‏ ‏إذا‏ ‏لم‏ ‏يسأل‏ ‏بائع‏ ‏السوادنى “‏أين‏ ‏أنتم‏”، “‏كيف‏ ‏حال‏ ‏الأستاذ‏”‏؟‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يأكله‏ ‏الأستاذ‏ ‏رغم‏ ‏إصراره‏ ‏المتناهى ‏على ‏الدورة‏ ‏المعتادة‏ ‏هو‏ ‏حبة‏ واحدة ‏أو‏ ‏اثنتين‏ -‏كما‏ ‏ذكرت‏- ‏لكنه‏ ‏يحب ‏المكان،‏ والمحل، ‏ورائحة البشر، ودفء الوجدان،‏ ‏والسؤال‏ ‏الطيب‏، ‏والإجابة‏ ‏الأطيب‏، ‏إذن‏ ‏نحن‏ ‏نذهب‏ ‏إلى “‏بتاع‏ ‏السوداني‏” ‏لنتبادل‏ ‏التحية‏ ‏والأمانى ‏الطيبة‏، ‏لا‏ لنشترى ‏”سودانى ‏أو‏ ‏لب‏ ‏أبيض‏”.‏

فى ‏الواحة‏ ‏جلسنا‏ ‏مكرمين‏ ‏كالعادة‏، ‏الناس‏ ‏تحب‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏، ‏لا‏ ‏أظن‏ ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏هى “‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏نوبل‏”، ‏ولكنها‏ ‏بالضرورة‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏هذا‏ (‏فقط‏)، ‏سألنى ‏أحمد‏ ‏مظهر -‏ بعد‏ ‏أن‏ ‏جلسنا‏ – ‏هل‏ ‏قرأت‏ ‏كتاب‏ ‏الأغانى ‏للاصفهانى، ‏قلت‏ ‏ليس‏ ‏تماما‏ ‏بل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏أقول‏ ‏أنى ‏نظرت‏ ‏فيه‏ ‏فقط‏، ‏قال‏ ‏إنه‏ ‏كتاب‏ ‏عجيب‏ ‏من‏ 54 ‏جزء‏اً ‏كتب‏ ‏فى ‏أربعين‏ ‏سنة‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏هل قرأته أنت؟ ‏قال‏ ‏أبدا‏، ‏لقد‏ ‏قرأت‏ ‏لأنيس‏ ‏منصور‏ ‏كتابا‏ ‏عن‏ ‏مؤلفى “‏الكتاب‏ ‏الواحد”‏، ‏وكان‏ ‏من‏ ‏بينهم‏ ‏الاصفهانى، ‏فهو‏ ‏لم‏ ‏يؤلف‏ ‏غير‏ ‏الأغانى، ‏فعلمت‏ ‏هذه‏ ‏المعلومة‏ منه، ثم يكمل أحمد مظهر بأمانة وظرف: “أنا‏ ‏إذا‏ ‏سألنى ‏أحد‏ ‏عن‏ ‏كتاب‏ ‏قرأته‏ ‏أحيانا‏ “‏أمزع‏” ‏وأدعى ‏قراءته‏، ‏فلما‏ ‏عرفت‏ ‏حجم‏ ‏كتاب‏ ‏الأغانى ‏هذا‏، ‏انتبهت‏، ‏وحمدت‏ ‏الله‏، ‏وقررت‏ ‏ألا‏ ‏أدعى ‏قراءته‏، ‏وضحك‏ ‏الأستاذ‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يسأله‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏هل‏ ‏قرأت‏ ‏الأغانى ‏فيجيب الأستاذ‏ ‏بوضوح‏ ‏القاريء‏ ‏المحب‏ ‏الطيب‏: ‏طبعا‏، ‏هذا‏ ‏كتاب‏ ‏عظيم‏، ‏وعندما عدنا إلى بيت توفيق لنمضى نصف السهرة الأخير كالعادة‏ ‏تذكر‏ ‏الاستاذ‏ ‏الكتاب‏ ‏ثانية‏، ‏وقال‏ ‏إنه‏ ‏كُتب‏ ‏بطريقة‏ ‏فريده‏، ‏فالأصفهانى‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏يذكر‏ “‏صوت‏”، ‏نغم‏ ‏من‏ ‏أنغام‏ ‏زمان‏، ‏مما‏ ‏لا‏ ‏يعرفه القارىء الآن غالبا‏، ‏يشرحه‏، ‏ولابد‏ ‏أن‏ ‏قاريء‏ ‏زمان‏ ‏كان‏ ‏يعرفه‏، ‏ثم‏ ‏يحكى ‏عن‏ ‏صاحب‏ ‏كلمات‏ هذا “الصوت”: ‏تاريخه‏ ‏ومولده‏ ‏ونسبه‏ ‏وشهرته‏ ‏ومؤلفاته‏، ‏ويحكى عن‏ ‏الصوت‏ ‏أحيانا‏ ‏ثم‏ ‏ينتقل‏ ‏من‏ ‏نغم‏ ‏إلى ‏نغم‏ ‏بشكل‏ ‏لا‏ ‏مثيل‏ ‏له‏، ‏وإن‏ ‏ما‏ ‏يعيق‏ ‏قراءته‏ ‏للبعض‏ هو ‏كثرة‏ ‏العنعنة‏[37]‏مما‏ ‏يمكن‏ ‏تجاوزه. انتبهت متألما إلى معنى توقف قارىء مثل الأستاذ عن القراءة:‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏يقرأ‏ ‏هكذا‏، كل هذا، ‏كيف‏ ‏لا‏ ‏يقرأ‏ ‏الآن‏، ‏ولا‏ ‏يسمع‏ ‏إلا‏ ‏قليلا‏، ‏ولا‏ ‏يكتب‏، ‏قال‏ ‏لى ‏بعد‏ ‏حديث‏ ‏عن‏ ‏مرض‏ ‏السكر‏ ‏سيأتى ‏ذكره‏ ‏حالا‏: “‏إن‏ ‏قدرة‏ ‏الإنسان‏ ‏على ‏التكيف‏ ‏عجيبة‏ ‏لا‏ ‏حدود‏ ‏لها‏، ‏فلو‏ ‏أن‏ ‏أحدا‏ ‏قال‏ ‏لى ‏منذ‏ ‏خمس‏ ‏سنوات‏ ‏أنك‏ ‏لن‏ ‏تقرأ‏ ‏ولن‏ ‏تكتب‏ ‏ولن‏ ‏تشاهد‏ ‏التليفزيون‏ ‏ولن‏ ‏تسمع‏ ‏الإذاعة‏، ‏إذن‏ ‏لأجبته‏ ‏باستحالة‏ ‏الاستمرار‏ ‏فى ‏الحياة‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏، ‏بمعنى ‏تفضيل‏ ‏الاستئذان منها‏،‏ ‏لكن‏ كل ‏هذا‏ ‏حدث‏، ‏وهأنذا‏ ‏أعيش “رائحا غاديا”‏، ‏قالها، وهو‏ ‏يحب‏ ‏الحياة‏ ‏بنفس‏ ‏القدر‏ ‏على ‏ما‏ ‏أعتقد‏، ‏نفس‏ ‏القدر‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏يحبها‏ ‏به‏ ‏حينما‏ ‏كان‏ ‏يكتب‏ ‏ويقرأ‏ ‏ويسمع‏ ‏ويشاهد‏ ‏ويتحرك‏.‏

ثم‏ ‏عاد‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏مرض‏ ‏السكر‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏أنت‏ ‏تبالغ‏ ‏فى ‏وضع‏ ‏نواهى ‏جمّـه‏ ‏لم‏ ‏يقل‏ ‏بها‏ ‏الأطباء‏، ‏إن‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏عليك‏ هو ‏أن‏ ‏تتبع‏ ‏نظاما‏ ‏يضعه‏ ‏طبيب‏ ‏حاذق‏ ‏لأن‏ ‏الجسم‏ – ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الجسم‏ ‏المصاب‏ ‏بالسكر‏ -‏يحتاج‏ ‏إلى ‏جرعة‏ ‏متوازنة‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏شيء‏، ‏والطبيب‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يحدد‏ ‏ذلك‏، ‏فأجاب‏ ‏إننى ‏أصارع‏ ‏عدوا‏ ‏لدودا‏ ‏هو‏ ‏السكر‏ ‏منذ‏ 33 ‏سنة‏، ‏أليس‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏عملّ‏ ‏فى ‏كل‏ ‏هذا‏؟! ‏هو‏ ‏وكذا الكوليسترول، قلت له: “ليس تماما”، أردف هو:‏ ‏”أنا‏ ‏أحب‏ ‏الكرواسون([38])‏، ‏لكنهم‏ ‏قالوا‏ ‏لى ‏إن‏ ‏فيه‏ ‏دسما‏ ‏يزيد‏ ‏الكوليسترول‏، ‏لذلك‏ ‏حـرّمته‏ ‏على ‏نفسى ‏إلا‏ ‏مرة‏ ‏واحدة‏ ‏فى ‏الشهر‏ ‏صباح‏ ‏الجمعة‏ ‏الأول‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏شهر‏(!!) ‏هل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تعمل‏ ‏لنا‏ ‏بحثا‏ ‏فى ‏الكرواسون‏؟” ‏قلت‏ ‏له‏ ‏سأستدعى ‏زميلى ‏د‏.علاء‏ ‏الزيات‏ (‏إبن‏ ‏احمد‏ ‏حسن‏ ‏الزيات‏) ‏وهو‏ ‏أستاذ‏ ‏أمراض‏ ‏باطنة‏ ‏ونعمل‏ “‏كونسلتو‏” ‏حول جرعة ‏الكرواسون‏ المسموح بها وتوقيتها وتواتر تكرارها، ‏ضحك الأستاذ، وفرح‏‏ ‏حين‏ ‏علم‏ ‏أن أ.د. ‏علاء‏ ‏هو‏ ‏زميلى ‏وأنه‏ ‏سيراه‏، ‏وأضاف‏ “‏هذا‏ ‏ابن‏ ‏أستاذى ‏صاحب‏ ‏الرسالة‏، ‏سأراه‏ ‏إذن‏” ‏وفرحت لتذكره‏ ‏هذه‏ ‏العلاقة‏، ‏ثم‏ ‏عاد‏ ‏الأستاذ‏ ‏يهاجم‏ ‏السكر‏ ‏ويذكر‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد‏، ‏وأنه‏ ‏كان‏ ‏مصابا‏ ‏بالسكر‏ ‏حتى ‏ظهرت‏ ‏له‏ ‏دمامل‏ ‏فى ‏كل‏ ‏جسمه‏، ‏وأنه‏ ‏كان‏ ‏يذهب‏ ‏ليعوده‏ ‏فى ‏الفجالة‏، ‏فيفتح الشيخ زكريا‏ ‏الصوان‏ ‏فى ‏حجرة‏ ‏نومه‏، ‏ويريهم‏ ‏ما‏ ‏تفضل‏ ‏عليه‏ ‏أهل‏ ‏المزاج‏ ‏بالهدايا‏ ‏المناسبة‏ ‏تقديرا‏ ‏لفنه‏، ‏وحين‏ ‏زاره‏ ‏محمد‏ ‏عبد‏ ‏الوهاب‏، ‏وأطلع‏ ‏على ‏ذلك‏ ‏فزع‏ ‏خائفا‏ ‏وتراجع‏، ‏ثم‏ ‏تطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏أنور‏ ‏المفتى ‏وكيف‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏سمع‏ ‏أنه‏ ‏نصح‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏نصيحته‏ ‏فى ‏مجال علاج السكر‏، ‏وأن‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏لم‏ ‏يستمع‏ ‏لها‏، ‏وأنور‏ ‏المفتى – ‏يقول‏ ‏الأستاذ‏ – ‏كان‏ ‏زميله‏ ‏فى ‏الدراسة‏، ‏وكانت‏ ‏له‏ ‏اهتمامات‏ ‏أدبية‏ ‏أكثر‏ ‏منه‏، ‏وكان‏ ‏متفوقا‏ ‏فى ‏الإنشاء‏ ‏والتعبير‏ ‏عنه‏، ‏وكان‏ ‏قائد‏ ‏حوش‏، ‏ثم‏ ‏إذا‏ ‏به‏ ‏يصبح‏ ‏طبيبا‏ ‏ويصبح‏ ‏الأستاذ‏ ‏أديبا‏، ‏ثم‏ ‏أضاف‏ ‏إن‏ ‏أنور‏ ‏المفتى ‏كان‏ ‏من‏ ‏أحسن‏ ‏من‏ ‏دافع‏ ‏عن‏ ‏الثلاثية‏ ‏فى مقال بالأهرام‏ ‏بعد‏ ‏صدورها‏ ‏فى ‏مواجهة‏ ‏من‏ ‏هاجموها‏ ‏وقالوا‏ ‏أنها‏ ‏سرد‏ ‏مطول‏ ‏تقليدى ‏لم‏ ‏يأت‏ ‏بجديد‏، ‏وأن‏ ‏مقالا‏ ‏له‏ ‏(لأنور‏ ‏المفتى) ‏كان ‏من‏ ‏أهم‏ ‏ما‏ ‏كتب‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الصدد‏ (‏ولم‏ ‏أكن‏ ‏أعلم‏ ‏عن‏ ‏أنور‏ ‏المفتى ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏ناقدا‏ ‏أصلا‏).‏

سأل‏ ‏الاستاذ‏ ‏عن‏ ‏الساعة‏، ‏نحن‏ ‏نصل‏ ‏بالساعة‏ ‏ونقوم‏ ‏بالساعة‏ ‏لأننا‏ ‏نتناول‏ ‏العشاء‏ ‏عند‏ ‏توفيق‏ ‏الساعة‏ ‏الثامنة‏ ‏والثلث‏ ‏وعلينا‏ ‏أن‏ ‏نغادر الفندق‏ ‏إذن‏ ‏فى ‏الثامنة‏ ‏إلا‏ ‏عشر‏، ‏وهكذا‏، ‏سبحان‏ ‏الله‏، ‏أثناء‏ ‏ذهابنا‏ ‏إلى ‏منزل‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏أخذت‏ ‏أسأل‏ ‏نفسى ‏من جديد، ما هذا الجارى؟‏ ‏هل‏ ‏أنا ‏ ‏صديق‏ ‏لهؤلاء القدماء فعلا؟ هل‏ ‏يحق‏ ‏لى ‏أن‏ ‏أعتبر‏ ‏نفسى ‏حرفوشا‏ ‏من‏ ‏الآن‏؟ ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏طلبتُ‏ ‏ألا‏ ‏يتم‏ ‏تثبيت‏ ‏وضعى ‏فى ‏الحرافيش‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏فترة‏ ‏اختبار‏ ‏لمدة‏ ‏ستين‏ ‏يوما‏، ‏ورفض‏ ‏الأستاذ‏ ‏ذاكرا‏ ‏ما‏ ‏طيب‏ ‏خاطرى، ‏لكن‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏التردد‏ ‏لايريد أن يفارقنى، لسبب ما.

لا‏ ‏أعلم‏ ‏ماذا‏ ‏طرأ‏ ‏على ‏وأنا‏ ‏أقود‏ ‏السيارة‏ ‏لأسأل‏ ‏توفيق‏ ‏عن‏ ‏سنة‏ ‏مولده‏، ‏وكنت‏ ‏مترددا‏، ‏وقد‏ ‏رجحت‏ ‏أنه‏ ‏قد جاوز‏ ‏الستين منذ فترة، ‏وقدرت‏ ‏أنه‏ ‏فى ‏مثل‏ ‏عمرى ‏أو‏‏ ‏أصغر‏ ‏سنة‏ ‏مثلا‏، ‏لكننى ‏فوجئت‏ ‏به‏ ‏يجيب‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏مواليد‏ سنة 1926([39])‏ ، ‏وكدت‏ ‏أرى ‏بظهرى ‏الأستاذ‏ ‏وهو‏ ‏يقفز‏ ‏قليلا‏ ‏من‏ ‏فوق‏ ‏الكرسى ‏الخلفى ‏ليقول‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏السنة‏ ‏فى ‏سنة‏ ‏أولى ‏ثانوى، ‏وأنه‏ ‏يذكرأن‏ ‏هذه‏ ‏السنة‏ ‏هى ‏السنة‏ ‏التى ‏بدأ‏ ‏يقرأ‏ ‏فيها‏ ‏الصحف‏، ‏وأن‏ ‏والده‏ ‏كان‏ ‏يحضر‏ ‏الصحف‏ ‏يوميا‏ قبل ذلك ‏لكنه – تلميذا -‏ ‏لم يكن ‏يهتم‏، ‏فهو‏ ‏لم‏ ‏يقبل‏ ‏على ‏قراءة‏ ‏الصحف‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏سنة‏ ‏أولى ‏ثانوى، ‏وأن‏ ‏مدخله‏ ‏إلى ‏قراءة‏ ‏الصحف‏ ‏كانت‏ ‏صفحة‏ “‏البرلمان‏” ‏حيث‏ ‏كانت‏ ‏تنشر‏ ‏جلسات‏ ‏البرلمان‏ ‏ومواقف‏ ‏سعد‏ ‏باشا‏ ‏بتفصيل‏ ‏قصصى، ‏وأنه‏ ‏يذكر‏ ‏إضافة‏ ‏كلمة‏ ‏ضحك‏ ‏بين‏ ‏قوسين‏ – (‏ضحك‏) ‏بعد‏ ‏بعض‏ ‏المناقشات‏، ‏فكان‏ ‏يقرأ‏ ‏هذه‏ ‏الصفحة‏ ‏وكأنه‏ ‏يقرأ‏ ‏مسرحا‏.‏

فأتذكر، فأحكى، ‏كيف‏ ‏أننى ‏اكتشفت‏ معنى إذاعة ‏الأخبار‏ ‏وأنا‏ ‏فى ‏السنة‏ ‏الثالثة‏ ‏ابتدائى (‏سنة‏ 1943)، ‏وكانت‏ ‏كلها‏ ‏عن‏ ‏الحرب‏ ‏العالمية‏، ‏وكان‏ ‏المذياع‏ صندوقا ‏مستطيلا‏ ‏كبيرا‏ ‏بما‏ ‏يسمح‏ ‏لخيالى ‏أن‏ ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏المقريء‏ ‏يجلس‏ ‏داخله‏، ‏وكنت‏ ‏أتصور‏ ‏أيامها‏ ‏أن‏ نشرة ‏الأخبار‏ ‏ستتوقف‏ ‏بعد‏ ‏إنتهاء‏ ‏الحرب‏، ‏لأن النشرة‏ ‏كلها‏ -‏هكذا‏ ‏خيل‏ ‏إلى- ‏كانت‏ ‏عن‏ ‏الحرب‏، وربما سألت أخى الأكبر أو والدى: هل ستلغى نشرة الأخبار بعد انتهاء الحرب؟

يتابعنى الأستاذ باهتمام: ثم يضحك، فأفرح.

ثم يأتى ذكر‏ ‏المسرح،‏ ‏ربما انطلاقا من تشبيه الأستاذ جلسات البرلمان بالمسرح، وتدور مناقشة‏ ‏حول‏ ‏مسرح‏ ‏يوسف‏ ‏إدريس‏، ‏وبعد‏ ‏أن‏ ‏مدحنا‏ ‏كلنا‏ مسرحية “‏الفرافير”‏، ‏شجبتُ‏ أنا مسرحية ‏”البهلوان”‏ ‏مع‏ ‏أننى ‏لم‏ ‏أشاهد‏ها ‏مسرحا‏، ‏بل‏ ‏قرأتها‏ ‏فحسب‏، ‏فقال‏ ‏لى ‏توفيق‏ ‏أن‏ ‏يوسف‏ ‏إدريس‏ ‏نفسه‏ ‏كان‏ ‏يذهب‏ ‏يوميا‏ ‏للمسرح‏ ‏أثناء‏ ‏إعدادها‏ ‏ويغير‏ ‏فى ‏النص‏ ‏ويعيد‏ ‏كتابته‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏ظهرت‏ ‏قبيحة‏، ‏وقال‏ ‏الأستاذ‏ ‏إنه‏ ‏لم‏ ‏يشاهد‏ ‏مسرحا‏ ‏منذ‏ ‏ضعف‏ ‏سمعه‏، ‏وأن‏ ‏آخر‏ ‏مسرحية‏ شاهدها ‏كانت‏ ‏لألفريد‏ ‏فرج‏، ‏وكانت‏ ‏تعرض‏ ‏فى ‏المسرح‏ ‏القومى، ‏واكتشف‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏متابعة‏ ‏الحوار على المسرح.

فى ‏بيت‏ ‏توفيق‏: ‏العدس‏ ‏تتصاعد‏ ‏منه‏ ‏الأدخنة‏ (‏ليس‏ ‏دخانا‏ ‏واحدا‏ ‏بل أدخنه متداخلة‏) ‏والنظر‏ ‏إليه‏ ‏يكفى ‏للتدفئه‏، ‏وحرم‏ ‏الأستاذ‏ ‏توفيق‏ ‏تدعو‏ ‏لنا‏، “‏صحة‏ ‏وعافية‏” ‏وهى ‏فرحانة‏ ‏بنا‏، ‏هذه‏ ‏السيدة الكريمة‏ ‏تمارس‏ ‏أمومتها‏ ‏برقة‏ ‏بالغة‏، ‏تدخل‏ ‏وتصمم‏ ‏أن‏ ‏تغرف‏ ‏للأستاذ – بمغرفة رشيقة-‏ ‏بنفسها‏، ‏ثم‏ ‏لنا‏، ‏ويضع‏ ‏توفيق‏ ‏قطع‏ ‏الخبز‏ المربعة ‏المقمرة‏ ‏الشديدة‏ ‏الرشاقة أيضا ‏على ‏العدس‏ ‏للأستاذ‏، ‏وقليل‏ ‏من‏ ‏الليمون‏، ‏ويسأله‏ ‏إن‏ ‏كان‏ ‏يريد‏ ‏شيئا‏ ‏إضافيا‏ ‏فيقول‏ ‏شاكرا‏ ‏هكذا‏ “‏وَزْن‏” – ‏وأفرح‏ ‏بالكلمة‏ ‏البلدية‏ ‏الطِلقَةْ‏ – ويحضرنى تعبير فرنسى لم أفهمه فى البداية وأنا فى باريس وإن كنت رحت استعمله فى موقعه بعد ذلك، وحين سمعت الأستاذ يعبر عن ضبط جرعة الليمون والملح على العدس بكلمة “وَزْنْ”، حضرنى التعبير الفرنسى، وهو تعبير mise au point وكنت أترجمه لنفسى أنه = “بالمقاس” لكن كلمة ” وَزْنْ ” التى ‏استعملها الأستاذ هى الأدق والأجمل مقابل هذا التعبير الفرنسى!

كان‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏أقل‏ ‏بهجة‏ ‏هذه‏ ‏الليلة‏، ‏وكان‏ ‏الحديث‏ ‏قد‏ ‏بدأ‏ ‏فى ‏فندق‏ ‏الواحة‏ ‏مرة‏ ‏أخرى ‏عن‏ ‏رواية‏ ‏فتحى ‏إمبابى “‏مراعى‏ ‏القتل‏” ‏بعد‏ “‏نهر‏ ‏السماء‏” “‏والمؤسسة‏”، ‏وذكر‏ ‏توفيق‏ ‏تقريظا‏ ‏شديدا‏ ‏جدا‏ ‏مرة‏ ‏أخرى للرواية‏، ‏كان‏ ‏جمال‏ ‏الغيطانى ‏قد‏ ‏قال‏ ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏الرواية‏ ‏جعلته‏ ‏يكره‏ ‏العرب‏، ‏وأضاف‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏إن‏ ‏النقلات‏ ‏من‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏الهلالى ‏إلى ‏حرب‏ 67 ‏إلى ‏حرب‏ 73 ‏فالهجرة‏ ‏إلى ‏ليبيا‏ ‏كانت‏ ‏شديدة‏ ‏الحبكة‏ ‏شديدة‏ ‏الإيلام‏ ‏شديدة‏ ‏الإبداع‏، ‏وذكر‏ ‏الأستاذ‏ – ‏بذاكرة‏ ‏رائعة‏ ‏ما‏ ‏قاله‏ ‏جمال‏ ‏الغيطانى ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏الروائى، ‏وللأسف‏ ‏قيل‏ ‏إنه‏ ‏لم‏ ‏ينل‏ ‏الجائزة‏ ‏التشجيعية‏ ‏فى ‏الرواية‏ ‏التى ‏حجبت‏ ‏هذا‏ ‏العام‏!! (1994) ‏وانزعج‏ ‏الأستاذ‏ ‏وكأن‏ ‏الإهانة‏ ‏لحقته‏ ‏شخصيا‏، ‏وقال‏ ‏توفيق‏ ‏إنه‏ ‏أخذ‏ ‏موعدا‏ ‏من‏ ‏ناشر‏ ‏الرواية‏ ‏ليقابل‏ ‏المؤلف‏، ‏واقترحت‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يدعوه‏ ‏لمقابلة‏ ‏الأستاذ‏، ‏وقال: ‏بعد‏ ‏المعرض‏ (معرض الكتاب)، ‏ويحضر جميل شفيق، ويشتعل الحوار،‏ ‏الحديث‏‏ ‏تتخلله‏ ‏فكاهات‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏نوع‏ (‏من‏ ‏كل‏ ‏نوع‏!) ‏من‏ ‏جميل‏ ‏شفيق بالذات‏ ‏الذى ‏أخذنى ‏إلى ‏صالة‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏وأطلعنى ‏على ‏لوحتين‏ له “‏أبيض‏ ‏أسود‏” ‏أصليتين‏ ‏أهداهما‏ ‏لتوفيق وهما‏ ‏معلقتان‏ ‏فى ‏الصالة‏، ‏وكانتا‏ -فعلا- ‏من‏ ‏أجمل‏ ‏ما‏ ‏رأيت‏ ‏من‏ ‏لوحات‏، ‏وذكرت له‏ ‏أن‏ ‏محمد‏ ‏مستجاب‏ ‏الروائى ‏الرائع‏ ‏المتدفق‏‏ ‏الإبداع‏ ‏قد‏ ‏كتب‏ ‏تعليقا‏ ‏على ‏معرض‏ ‏جميل شفيق‏ ‏الأخير‏ ‏لا‏ ‏يكتبه‏ ‏ناقد‏ ‏تشكيلى ‏متخصص‏، ‏انتشى ‏جميل‏ ‏شفيق‏ ‏والنشوة‏ ‏الفكهة‏ ‏تتصاعد‏ ‏معه‏ ‏بما‏ ‏يقرّبنا‏ ‏من‏ ‏بعضنا‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏نحن‏ ‏مقتربين‏،

‏قال‏ ‏توفيق‏ ‏كلاما‏ ‏كثيرا‏ ‏يتعلق‏ ‏بخبرته‏ ‏فى الاخراج فى العراق‏، ‏وكيف‏ ‏أن‏ ‏تدخل‏ ‏الساسة‏ ‏هناك‏ ‏كان‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏درجة‏ ‏تغيير‏ ‏النص‏، ‏وأنه‏ ‏كان‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏ينتبه‏ ‏أن‏ ‏حربا‏ ‏ستقوم‏ ‏بين‏ ‏إيران‏ ‏والعراق‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏له‏ ‏وهو‏ ‏يعمل‏ ‏هناك‏، ‏وكان‏ ‏صلاح‏ ‏أبو‏ ‏سيف‏ ‏يُخرج‏ ‏فيلم‏ ‏القادسية‏، ‏وكانت‏ ‏هناك‏ ‏لقطة‏ ‏تجعل‏ ‏البطلة‏ (‏سعاد‏ ‏حسني‏) ‏تقوم‏ ‏بدور‏ ‏خاص‏ ‏يسهم‏ ‏فى ‏إدخال‏ ‏الفـُرس‏ ‏الإسلام‏، ‏وإذا‏ ‏بنائب‏ ‏الرئيس‏ ‏صدام‏ ‏حسين يحضر‏ ‏وينبه‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏البطلة‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏تظهر‏ ‏هكذا‏ ‏كمنقذة‏ ‏رائدة‏، ‏فما‏ ‏هى ‏إلا‏ ‏فارسية‏، ‏ويتغير‏ ‏النص‏ ‏وتطلب‏ ‏سعاد‏ ‏حسنى ‏تعاقدا‏ ‏جديدا‏، ‏وأجرا‏ ‏جديدا‏، ‏يذكر توفيق كيف تكلف‏ ‏فيلم‏ ‏القادسية‏ (‏رغم‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏التحريف)‏ 18 ‏مليون‏ ‏دينار!! ‏حوالى 54 ‏مليون‏ ‏دولار‏ ‏حوالى 170 ‏مليون‏ ‏جنيه‏ ‏مصرى ‏سعر‏ ‏اليوم([40])‏، ‏ثم‏ ‏ينتقل‏ ‏الحديث‏ ‏إلى‏ ‏اتفاقية‏ ‏الجات‏ ‏التى ‏وقعناها‏ ‏وأثرها‏ ‏على ‏السينما‏ ‏والإبداع‏ ‏الفكرى، ‏وأن‏ ‏أوراقها‏ ‏وملحقاتها‏ ‏يزيد‏ ‏وزنها‏ ‏عن‏ 27 ‏كيلو‏ ‏جراما‏ ‏وأن‏ ‏أحدا‏ ‏فى ‏مصر‏ – ‏إلا‏ ‏واحدا‏- ‏لا‏ ‏أذكر‏ ‏اسمُه- ‏لا‏ ‏يعرف‏ ‏تفاصيلها‏ ‏على ‏وجه‏ ‏الدقة‏، ‏والأستاذ‏ ‏ينصت‏ ‏دائما‏ لكل ما يدور ما أمكن ذلك، ثم يستأذن أن يسأل فأتصور أنه سوف يسأل عن الاتفاقية، وكيف يوقعون عليها دون قراءتها، وإذا به يرجع إلى موضوع حرب العراق وإيران، وهو يتذكر كيف أن توفيق لم يتنبأ بها أثناء عمله هناك قبل وقوعها ويقول ‏لتوفيق‏ “‏إنه‏ ‏ليس‏ ‏لك‏ ‏أن‏ ‏تلوم‏ ‏نفسك‏ ‏يا‏ ‏أخى‏، ‏فما‏ ‏كل‏ ‏توتر‏ ‏بين‏ ‏بلدين‏ ‏يعنى ‏حربا‏ ‏قريبة‏، ‏فمثلا‏ ‏ثمة‏ ‏توتر‏ ‏بين‏ ‏مصر‏ ‏واسرائيل‏ ‏الآن‏ ‏وليس‏ ‏هناك‏ ‏حرب‏ ، وربما لن‏ ‏تكون”‏

 ‏ثم،‏ ونحن ننصرف، لا ينسى الأستاذ أن ‏ينبه‏ ‏توفيق‏ ‏ونحن‏ ‏على ‏باب‏ ‏المصعد‏ ‏أنه‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يتخذ‏ ‏إجراء‏ ‏بالنسبة لكاميَرَات‏ ‏العمارة‏ ‏التى ‏قيل‏ ‏أنها‏ ‏ظهرت‏ ‏بها‏ ‏بعض‏ ‏الشقوق‏ ‏هنا‏ ‏وهناك‏، ‏ويضيف‏ ‏الأستاذ‏ ‏بأبوة‏ ‏حانية‏ ‏أسئلة‏ ‏عن‏ ‏صلابة‏ ‏الأساس‏ ‏وينصح‏ ‏توفيق‏ – ‏يكاد‏ ‏يأمره-‏ ‏ألا‏ ‏يعتمد‏ ‏على ‏السكان‏ ‏مهما‏ ‏كانت التضحية‏.‏

أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏بجوار‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏السيارة‏ ‏ويعود‏ ‏الكلام‏ ‏عن‏ ‏كتاب‏ ‏الأغانى، ‏ويحاول‏ ‏الأستاذ‏ ونحن ‏على ‏باب‏ ‏عمارته‏ ‏ألا‏ ‏أصحبه‏ ‏إلى ‏باب‏ ‏الشقة‏، ‏ولكننى أصر، فيحيى ‏الأستاذ‏ ‏أحمد‏ ‏وأصحبه‏ ‏أنا‏، ‏وعند‏ ‏باب الشقة‏ ‏مباشرة‏ ‏أكتشف‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏مظهر‏ ‏يتبعنا‏، لم يقبل أن ينتظرنى فى العربة، ‏ونسلم‏ ‏عليه‏ ‏عائدين‏ ‏وحين‏ ‏أقول‏ ‏لمظهر‏ ‏لماذا ‏أتعب‏ ‏نفسه‏ وتبعنا هكذا، ‏يقول‏: ‏من‏ ‏يدرى ‏متى ‏يرى ‏أحدنا‏ ‏الآخر‏ ‏ثانية‏؟ ‏إذا‏ ‏حدث‏ ‏شىء‏ ‏نكون‏ ‏قد‏ ‏سلمنا‏ على بعضنا ‏والسلام‏

 ‏وأتصور‏ ‏أنه‏ ‏يعنى ‏نفسه‏ ‏وليس‏ ‏الأستاذ‏

وربما الأستاذ

فأقول: وربما أنا

وأدعو لهما بطول العمر

ولا مانع لى بالمرة،

…..

هذه الصحبة جـَـعـَـلـَـت لمثل هذه الدعوة طعم آخر.

الحلقة الثامنة عشر

… بناء العمارات فوق أسطح السيارات

الجمعة‏: 20/1/1995‏

…. كان‏ ‏الأستاذ‏ ‏ينتظر‏ ‏لابسا‏ ‏فرِحا‏ ‏كالعادة‏، نحن نخرج – حتى الآن – يوم الجمعة صباحا، ‏ذهبت‏ ‏مبكرا‏ ‏ربع‏ ‏ساعة‏ ‏لأقرأ‏ ‏له‏ ‏الصحف‏ ‏قبل‏ ‏الخروج‏، فالحاج صبرى لا يحضر يوم الجمعة، ‏فرح‏ ‏وقدّر‏، ‏دخل‏ ‏علينا‏ ‏فجأة‏ ‏حافظ‏ ‏عزيز‏، ‏صديق‏ ‏إبنى ‏وصديقى معتذرا عن عدم حضور محمد إبنى‏، تعجبتُ من دخول حافظ هكذا دون ترتيب مسبق، سأل الأستاذ عن محمد بدفء حانٍ جميل، فأبلغه حافظ تحياته واعتذاره، عدت أفكر فى جدوى كل تلك الإجراءات ‏الأمنية المحيطة، لا أحد من رجال الأمن يعرف حافظ صديقنا هذا([41])، لكن كيف ‏ ‏دخل‏ ‏حافظ‏ ‏هكذا، الآن؟؟‏‏ ‏أنا‏ ‏لم أبلغ ‏أحد‏ ‏رجال‏ ‏الأمن‏ ‏عن‏ ‏قدومه‏، استفسرتُ منه فعلمتُ أنهم لم يسألوه أصلا ‏عن‏ ‏شخصيته‏، أ‏وسبب‏ ‏مجيئه‏، ‏حتى ‏ ‏حرم‏ ‏الأستاذ‏ ‏الفاضلة لم تكن ‏ ‏تعرفه‏ بعد!، ‏ماذا‏ ‏لو‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏هو‏ ‏هو؟ ظلت مثل هذه التساؤلات تلاحقنى طوال العشر سنوات، ولم يقتنع الأستاذ أبدا بجدوى مناقشتها لأبين له هشاشة كل تلك الإجراءات الأمنية كما ذكرت سالفا، وكان رده دائما: “أنهم أدرى”، ‏وقد عزوت ذلك إلى رفضه أية إجراءت قبل الحادث، ثم كان ما كان، فله كل العذر فى التمسك بما يجرى حسب تقديرهم، برغم اقتناعى طول الوقت بعدم جدوى كل هذا الأمن!!

حضر‏ ‏الدكتور‏ ‏فتحى ‏هاشم‏ وهو صديق الأستاذ الذى كان معه يوم الحادث، وأنقذ الله الأستاذ على يديه، وقد سبق أن ذكرت ما حكاه عنه صديقى أ.د. رفعت محفوظ([42]) حين اعتذرت ذات صباح جمعة سابق لسفرى، عرفنى الأستاذ به بفرحة وامتنان، تعرفت‏ ‏عليه‏ ‏وانا مشتاق ‏ ‏لمعرفته فعلا، ومشتاق أكثر لشكره عما فعل، ‏رجل مصرى ‏فى ‏وسط‏ ‏العمر‏، ‏طيب‏ ‏مثل‏ ‏أغلب‏ ‏من‏ ‏يعرف‏ ‏الأستاذ‏، ‏بسيط‏ ‏المظهر‏، ‏غير‏ ‏مـدّع‏ ‏البطولة‏، خطر لى أنه ‏كان‏ ‏سخفا‏ ‏منى ‏أن‏ أشعر أنه علىّ أن ‏أشكره‏ ‏نيابة‏ ‏عن‏ ‏الشعب‏ ‏المصرى، وهل أنا أمثل الشعب المصرى حتى أنوب عنه‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏شكرته وسألته عما إذا كانت وصـَـلـَـتـْـهُ رسالة الشكر السابقة ‏ ‏مع‏ ‏صديقى ‏د‏. ‏رفعت‏ محفوظ‏، ‏فيقول‏ ‏د‏.‏فتحى ‏هاشم‏ ‏ردا‏ ‏على هذا وذاك: ‏ ‏أنه‏‏ ‏لم‏ ‏يقم‏ ‏بما‏ ‏قام‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏أجل أحد ‏ولا‏ حتى ‏من‏ ‏أجل‏ ‏الاستاذ‏ ‏فيستحق ‏الشكر، فأتساءل: كيف؟ فيقول: ‏إنه‏ “‏هكذا‏” “‏فقط”‏، ‏وأفرح‏ ‏بالتعبير‏، “هكذا فقط”!!! يبدو أن كل ما حدث، كان فعلا حدث “هكذا فقط” بفضل الله ولطفه، أجراه ربنا على يدى هذا الرجل الطيب د. فتحى هاشم “هكذا فقط”

‏أقترحت أن نذهب هذا الصباح إلى مزرعة صغيرة لى ‏‏بالقرب‏ ‏من‏ ‏سقارة‏ ‏أملا فى أن يتمتع‏ ‏الاستاذ‏ ‏بالشمس فى هذا اليوم الشتوى المنعش‏، ‏وافق الأستاذ بسرعة، لكننى قرأت على وجهه ترددا أخفاه بسرعة أيضا، بدأت أعرف طبع الأستاذ فى عزوفه عن التغيير ما أمكن ذلك، ثم إنه “مدنىٌّ بطبعه”، ‏هو أفندى قاهرى يعرف الناس فى شوارع وحوارى وميادين المدينة، أما الريف والقرية والفلاّح والخضرة فهى تشغل من هو مثلى ممن سمحت طفولته بصداقة كل هؤلاء باكرا، أحسست‏ أن ‏الأستاذ‏ ‏قد وافق ‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏خاطرنا‏، ‏من أجل خاطرى، فأنا صاحب الدعوة، وصاحب المزرعة، وبرغم ما بلغنى من تردد ومجاملة، فرحت‏ ‏أنه‏ ‏شرفنى بالموافقة‏، ‏هذا‏ ‏أمر‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏الحلم‏، ‏أن تحل بركته بمكان خاص بى جدا، كان ركنى الخاص لبضع سنين حيث كتبت فيه أهم ما كان لا بد أن أكتبه (فى نظرى).

 ذهبنا إلى المزرعة عبر طريق الصعيد الزراعى، إلى “أبو النمرس”.. ثم إلى الناحية الأخرى، شبرامنت، فطريق المريوطية فأبو صير، فالاستراحة بجوار محطة الكهرباء التابعة “لمـُـنـَـى الأمير” التى هى جزء من الحوامدية، ما هذه اللفة؟ ولماذا التفاصيل؟ “هكذا فقط”، أثناء‏ ‏الطريق‏ ‏قال‏ ‏لى ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏ونحن‏ ‏نمر‏ ‏على ‏النخل‏ الذى يحيط ‏بمدخل‏ ‏أبو‏ ‏النمرس‏ ‏أنه‏ ‏صوَّر‏ “هنا” ‏بعض ‏فيلم‏ ‏من‏ ‏أفلامه‏ (‏لعله‏ ‏يوميات‏ ‏نائب‏ ‏فى ‏الارياف)،‏ ‏ثم‏ ‏يردف‏ ‏أنه‏ ‏قرأ‏ ‏عن‏ ‏النخلة‏ ‏وأن‏ ‏لها‏ ‏حوالى ‏خمسمائة‏ ‏وظيفة‏ ‏وأنه‏ ‏كان‏ ‏ينوى ‏أن‏ ‏يعمل‏ ‏فيلما‏ ‏تسجيليا‏ ‏عن‏ ‏النخلة‏، ‏ولم‏ ‏تتحق‏ ‏أمنيته‏، ‏وأنه‏ ‏عمل‏ ‏فيلما‏ تسجيليا ‏عن‏ “‏القلة‏” ووعدنى أنه ‏سوف‏ ‏يعطينى ‏شرائط‏ ‏لأرى بقية ‏أفلامه‏ ‏لأنه‏ – ‏لست‏ ‏أدرى ‏كيف‏ ‏عرف‏ – ‏يتصور‏ ‏أننى ‏لم‏ ‏أشاهد‏ ‏له‏ ‏أى ‏فيلم‏ (‏وهذا‏ ‏حقيقى‏)، ‏واعتذرت‏ ‏له‏ ‏وأضفت‏ ‏أننى ‏ليست‏ ‏لى ‏علاقة‏ منتظمة ‏بالسينما‏، خصوصا السينما “حاليا”، ‏فعلّق: “‏ ‏لم‏ ‏تخسر‏ ‏شيئا!!”‏.‏

أثناء‏ ‏جلوسنا‏ ‏فى ‏المزرعة‏ ‏طلبتُ بتردد من‏ ‏د‏. ‏فتحى ‏هاشم‏ ‏أن يحكى أكثر عن الحادث، فما سمعته مما حكاه للدكتور رفعت محفوظ لم يكن كافيا، قال د. فتحى بطيبة وتواضع: أنا بجوار الأستاذ، وشاب يتقدم من الناحية الأخرى، والنافذة مفتوحة،الشاب يطعن الأستاذ فى رقبته، ثم حكى كيف وجد نفسه يتصرف دون تفكير برغم هول المفاجأة، ومنظر الدم، وعلاقته بالأستاذ، وقيمة الأستاذ، وبشاعة العدوان، إلا أنه تصرف بسرعة فائقة، وبهدوء لا يعرف من أين جاءه حتى الآن؟ سألنى عن معنى ذلك وهل هذا أمر طبيعى مع أنه لم تخطر على باله ذرة من احتمال أن يفعل ما يفعل، لا من قبل، ولا من بعد، لا فى الواقع ولا فى الخيال، لا بالنسبة للاستاذ ولا لأى قريب أو بعيد؟ أجبته اجتهادا، محذرا إياه أن يأخذ كلامى فتوى نفسية، أو تفسيرا علميا، قلت له: إننا غالبا لا نعرف عن الطبيعة البشرية إلا ما اعتدنا أن نمارسه فى حياتنا اليومية، ويبدو أن طبيعتنا ‏ ‏تحوى ‏كل تاريخ الكر والفر والتحايل للبقاء والحياة، وأنه فى داخلنا كل ذلك معا، فى داخل كل منا قاتل، ومغامر، ومستطلع، ومنقذ، وعاقل مدبر، وكلهم جاهزون للانطلاق أو الانقضاض أو الهجوم أو الدفاع، أضفت أننى أفترض أننا فى وقت المفاجآت التى نجد فيها أنفسنا فى البرزخ بين الحياة والموت، يقفز منا محبو الحياة فينا لعمل اللازم فورا دون إبطاء، كل من يهمه أمر الحياة ويكمن فى داخلنا يتصرف بشكل تلقائى بالقدر المتاح وغير المتاح، ‏وفى تصورى وبعض خبراتى، ومن خلال علاقتى مع أجزاء الثوانى من الزمن، وضعت فرضا يقول ‏إن ‏الإنسان‏ وهو ‏فى حالة ‏الوعى ‏اليقظ‏ ‏قد‏ ‏يلتقط‏ ‏فى ‏وقت‏ ‏المفاجآت‏ ‏ذلك‏ ‏الجزء‏ ‏من‏ ‏الثانية‏ ‏الذى ‏يظهر‏ ‏فيه‏ ‏كل‏ ‏ذلك معا، ‏وأن تصرفات الحياة والموت تحدث انعكاسيا وليس بتدبير وتخطيط، ثم‏ ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏يغطى ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏بمشاعر‏ ‏الدهشة‏ ‏أو الشفقة‏ ‏أو الشهامة‏، مما نستطيع أن ندركه، أو نتصوره، أو ندعيه أو نسمّيه. مازلت بسخف مناسب أطلب من د. فتحى أن يـُكمل: تذكّر د.فتحى – الآن فى المزرعة – ما كان كامنا داخل داخله دون أن يدرى قال: إنه‏ ‏منذ‏ ‏مقتل‏ ‏فرج‏ ‏فودة‏ ‏وهو‏ ‏يتصور‏ ‏حدوث شىء‏، ‏وكأنه‏ كان يوجد بداخل داخله هذا سيناريو‏ ‏غامض لم يصل أبدا إلى كامل وعيه‏، ‏وأنه كان‏ ‏أحيانا يتخيل‏ ‏الرصاص‏ ‏وهو‏ ‏يمرق‏ ‏فوق‏ ‏رأسه‏، ‏وحين‏ ‏حدث‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏كاد‏ ‏يشعر‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏جديدا‏ ‏عليه‏، ‏فأقول‏ ‏للدكتور‏ ‏فتحى، ‏أرجو‏ ‏أن‏ ‏تتخيل‏ ‏لنا‏ ‏شيئا‏ ‏حلوا‏ ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏ما‏ ‏دامت‏ ‏خيالاتك‏ ‏تتحقق‏ ‏هكذا‏، ‏شيئا‏ ‏حلوا‏ ‏لمصر‏، ‏قال‏ ‏لا‏ ‏أجد‏ ‏ما‏ ‏يشجع‏ ‏على ‏تخيل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏حلو‏، ‏فأعترض‏، ‏وأقول‏ ‏له‏ ‏حتى ‏الخيال‏ ‏الحلو‏ ‏نحرم‏ ‏أنفسنا‏ ‏منه‏ – ‏إننا‏ ‏ما‏ ‏دمنا‏ ‏نعيش،‏ ‏فلابد‏ ‏أن‏ ‏نحتفظ‏ ‏بحق‏‏ ‏الخيال‏ ‏الحلو‏، ‏وأنقل‏ ‏الحوار‏ ‏للأستاذ‏ ‏فيهز‏ ‏رأسه‏ ‏هزتها‏ ‏العميقة‏ ‏قائلا‏: ‏مضبوط‏!!! ‏وقد‏ ‏اعتدت‏ ‏على ‏هذه‏ ‏الموافقة‏ ‏الطيبة‏ ‏العميقة،‏ ‏وفى ‏كل‏ ‏مرة‏ ‏أقول‏ ‏لنفسى‏، يا ترى هل هى موافقة حقا؟ وأجد أنها موافقة، لكن هذا لا يعنى أنها موافقة على كل الرأى دون تمييز، ولا أنها موافقة على ما نتصور نحن أنه وافَقَنا عليه.. ‏!!‏.‏

سألت‏ ‏الأستاذ‏ ‏- ‏لأتأكد‏ ‏مما‏ ‏وصلنى ‏أمس‏ – عن‏ ‏الحى ‏الذى ‏كان‏ ‏يزور‏ ‏فيه‏ ‏زكريا أحمد ‏فأجاب‏ ‏إنه‏ ‏الفجالة‏، ‏وأضاف‏ ‏إن‏ ‏ زكريا أحمد ‏كان‏ ‏من‏ ‏ألطف‏ ‏الشخصيات‏ ‏وأكثرها‏ ‏حضورا‏ ‏وأظرفها‏ ‏لباقة فى الحديث‏، ‏وأنه‏ ‏كانت‏ ‏له‏ ‏حكاية‏ ‏يحكيها‏ ‏عن‏ ‏فتوة‏ ‏أجـّروه‏ ‏لتأديب‏ ‏مجموعتين‏ ‏فى ‏وقت متلاحق‏، ‏فكان‏ الفتوة ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏ينجز‏ ‏المهمة‏ الأولى بسرعة ليلحق المهمة الثانية‏، ‏فراح‏ ‏يتحرّش‏ ‏بالمجموعة‏ ‏الأولى ليستثير ما يبرر التأديب، ولما تأخروا فى التجاوب الغاضب، صاح فيهم: ‏من‏ ‏فيكم‏ ‏اسمه‏ ‏محمد‏؟، ‏فأجابوا‏ ‏بمنتهى ‏الهدوء والحرص ‏”‏محمد‏ ‏مين”‏؟، فاعتبر ذلك كافيا و‏طاح‏ ‏فيهم‏ وهو‏ ‏يصيح‏: ‏محمد‏ ‏مين‏ ‏يا‏ ‏ولاد‏ ‏الـــ‏… ‏هات‏ ‏خد‏ ‏طاخ‏ ‏طيخ‏، ‏ويضحك‏ ‏الأستاذ‏ وهو يتذكر كيف كان زكريا أحمد يحكى، وهو يصور الفتوة وهو يتلكك إلى هذه الدرجة حتى ينتهى من المهمة الأولى ليحلق بالثانية فى الوقت المناسب.

يأنس‏ ‏الأستاذ‏ ‏للشمس مبدئيا، نحن فى يناير، لكن يبدو أن ‏حرارتها‏ تزيد ‏تدريجيا‏ ‏وهو لا يضجر، ويفرح به عمال مزرعتى، ويدعون له عن بعد، ولا يطلب أى منهم أن يقترب منه أو يصافحه مثلما يحدث فى النوادى، وكأنهم قد وصلتهم بركته وحضوره، فاكتفوا بالدعاء له بصدق صادق، ويصل الدعاء.

يبدو على الأستاذ أنه يعيش خبرة مختلفة، فنحن فى حقل وليس فى حديقة، وعدد البهائم قليل وبعيد، وهو لا يراها، لكن وجودها على مقربة منا جاء بسيرة ‏ ‏الحيوانات‏ ‏البرية‏، ويسأل الأستاذ الدكتور فتحى هاشم (وهو طبيب بيطرى) بضعة أسئلة لا أسمعها، ولا أستعيده، وحين أقترب منهما أسمع الأستاذ يحكى أنه ‏حين‏ ‏كان‏ ‏يسكن‏ ‏فى ‏العباسية، ‏كان‏ ‏يطل‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏سور‏ ‏حديقة‏ ‏المنزل‏ ‏حيوان‏ ‏بوزه‏ ‏طويل‏، ‏قيل‏ ‏له‏ ‏إنه‏ “‏النمس”، ‏وأقول‏ ‏له‏ ‏إن‏ ‏من‏ ‏تـَربَّى ‏صغيرا‏ ‏فى ‏منزل‏ ‏له‏ ‏حديقة‏ ‏يصعب‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يعيش‏ ‏عيشة‏ ‏شقق‏ ‏هذه‏ ‏الأيام‏، وكنت قد أشرت إليه مازحا قبل ذلك إلى: أنهم خدعوه حين أوهموه أن شقته التى يسكنها الآن هى على النيل، فهى فى الدور الأول وبينها وبين النيل شارع “عزول” ثرثار دائم الصخب، ذلك لأن نوافذها هى على الشارع وليست على النيل، موقع هذه النوافذ من الإعراب أنها “مبنية على السكونْ” لا تُفتح!! ويضحك الأستاذ، ويبلغنى أن خياله يستطيع أن يعوضه آثار أية خدعة يكون قد تورط فى تصديقها، وأسأله متى انتقل إلى منزل العباسية ذى الحديقة التى يطل من سورها النمس، فيقول إنه ‏ ‏لم‏ ‏ينتقل‏ ‏إلى ‏العباسية‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏سن‏ ‏التاسعة‏ ‏وأنه‏ ‏كان‏ ‏قبل‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏بيت‏ ‏القاضى، ‏وأن‏ ‏البيوت‏ ‏فى ‏العباسية‏ ‏كانت‏ ‏على ‏نفس‏ ‏النمط‏ ‏كل‏ ‏بيت‏ ‏له‏ ‏حديقة‏ ‏صغيرة‏ ‏أمامية‏، ‏وله‏ ‏مخزن‏ ‏خلفى.‏

ونستنشق‏ ‏الهواء‏ ‏المنعش‏، ‏وتأتى ‏القهوة‏، ‏ويأتى موعد ‏ ‏السيجارة‏ ‏الأولى، ‏وينتقل‏ ‏الحديث‏ عن سفرى المتصل كل نهاية أسبوع بلا انقطاع ويستفسر الاستاذ عن بعض التفاصيل فاحكى ما تيسر وكأنه يصحبنى: ‏من‏ ‏رأس‏ ‏الحكمة‏ ‏إلى ‏وادى ‏فيران‏ ‏إلى ‏الغردقة‏ ‏إلى ‏شتاء‏ ‏‏الأسكندرية‏، ‏ويقول‏ ‏الأستاذ‏ ‏تعقيبا‏ ‏على ‏المزرعة‏ ‏أنها‏ لابد أنها تكون ‏أجمل‏ ‏ما‏ ‏تكون‏ ‏فى ‏الربيع‏ ‏والخريف‏، ‏فأذكره‏ ‏أن‏ ‏القمر‏ ‏هنا‏ ‏جميل‏ ‏فى ‏ليالى ‏الصيف،‏ ‏فيحكى ‏عن‏ ‏البعوض‏ ‏وعلاقته‏ ‏معه‏ ‏فى ‏زيارة‏ ‏سابقة‏ ‏لمزرعة‏ ‏صديق‏ ‏وهى ‏قريبة‏ ‏من‏ ‏الاسكندرية‏، ‏ثم‏ ‏يحكى ‏عن‏ ‏ليلة‏ ‏نامها‏ ‏هناك‏ ‏وراحت‏ ‏الفئران‏ ‏تجرى ‏فى ‏السقف‏ ‏وكأنها‏ ‏فى ‏سباق‏ ‏ذى ‏ضجيج‏، ‏وأحكى ‏له‏ ‏كيف‏ ‏أننى حين كنت أقيم هنا وحدى على سرير من الجريد وحشية من القطن المتوسط، وأنا أستاذ بالجامعة، ‏اكتشفت‏ ‏أن قنفذة أمَّا قد ولدت ‏تحت‏ ‏سريرى ‏الجريد‏ (بحشية فوقه طبعا) ‏حين‏ ‏كنت‏ ‏أقيم‏ ‏هنا‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المزرعة‏ ‏فى ‏أوائل‏ ‏الثمانينات فى حجرة بدائية‏ ‏وكيف‏ ‏أننى ‏ائتنست‏ بهذه القنفذة‏ ‏وأولادها‏ ‏بدرجة‏ ‏خفت‏ ‏معها‏ ‏أن‏ ‏تبحث‏ ‏زوجتى ‏حين‏ ‏تزورنى ‏عن‏ ‏وجه‏ ‏شبه‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏صغار‏ ‏القنفذة‏، ‏ويضحك‏ ‏الأستاذ‏ ‏ويحكى ‏د‏. ‏فتحى ‏هاشم‏ ‏عن‏ ‏ذكاء‏ ‏القنفذ‏ ‏وكيف‏ ‏أنه‏ ‏أليف‏ ‏ويستطيع‏ ‏أن‏ ‏يتجاوب‏ ‏مع‏ ‏من‏ ‏يحبه،‏ ‏وأشير‏ ‏إلى ‏شِعـْرٍ‏ ‏كتبته‏ ‏جاء‏ ‏فيه‏ ‏ذكر‏ ‏هذه‏ ‏القنفذة‏ ‏وأطفالها‏ ‏التى رفضت إبلاغ العمال عنها، وتركتها تحت سريرى حتى يكبر أولادها ويتحملون البرد خارج حجرتى، وقد كانت أرضية الحجرة مازالت من الطين ‏ويتعجب‏ ‏الأستاذ‏ ولا يعلق، لكنه يصدق، فأفرح، ولا أذكر إن كنت قلت له هذا المقطع من القصيدة حرفيا أم نقلت له المعنى فقط، فأنا لا أحفظ شعرى، المهم، هذا هو المقطع:

………

وســْط‏ ‏الحياة‏ ‏كلـَّها‏ ‏

‏(‏بها‏… ‏بدونها‏ ) ‏

نصبتُ‏ ‏خيمتى‏:‏

ناجيتُ‏ُ ‏ثـُعْـباناً‏ ‏وحيداً‏ ‏ذات‏ََ ‏ليلهْ،

‏أناملى ‏ترتاح‏ ‏فوق‏ ‏شوك‏ ‏قنفدْ، ‏

حَـضرتُ‏ ‏حفلاً‏ ‏ساهرا‏ًً ‏فى ‏وكْـرِ‏ ‏صـُرْصُـورٍ‏ ‏مُـهـَاِجْـر‏، ‏

صاحبتُ‏ ‏نملة‏ًً ‏وحيدهْ،‏

‏ ‏فى ‏رحلة‏ ‏عنيده‏ْْ ‏

كلَّمت‏ ‏فرخا‏ ‏عاجزا‏ ‏قد‏ ‏أسقطته‏ ‏قسوة‏ ‏الرياح، ‏

حملـُتـُه‏ ‏مـُهـَدـْهداً‏ ‏لعشَّه‏ ‏فوق‏ ‏الـَّشـَجرْ، ‏

وفاضَ قلبى بالسماح والشَّجَنْ:

يمامَتَان حَطَّتَا عَلَىَ فَنَنْ

ويحكى ‏لنا‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏والأستاذ‏ ‏علاقتهم‏ ‏بطريق‏ ‏سقارة‏ ‏الذى ‏يؤدى ‏إلى ‏مزرعتى ‏هذه من شارع الهرم‏، ‏وكيف‏ ‏بدأت‏ ‏منذ‏ ‏الستينات‏ ‏وكيف‏ ‏كانا‏ “‏ينشطان‏ ‏الحركة‏ ‏الثقافية‏” (يتبولان)، فى ‏مكان‏ ‏بذاته‏ ‏بصفة‏ ‏راتبة‏، ‏حتى ‏أنشيء‏ ‏مستشفى ‏فى ‏نفس‏ ‏المكان‏، فتعذر ذلك عليهما وراحا يبحثان عن آخر، ‏فقلت‏ لهما “‏بشرة‏ ‏خير”‏، ‏أنا أحاول أن أقيم‏ ‏مستشفى ‏فى ‏هذا‏ ‏المكان الذى نجلس فيه الآن‏ وأدعو الله، أن يتم ذلك ‏ببركة‏ ‏تنشيط‏ ‏الحركة‏ ‏الثقافية‏ “‏بماء البـَرَكة‏‏”([43])‏.

ونستأذن‏ ‏لصلاة‏ ‏الجمعة‏ ‏بعد‏ ‏أن أبلغت الاستاذ أننى أتعمد التأخر أملا فى انقضاء‏ ‏جزء‏ ‏مناسب‏ ‏من‏ ‏الخطبة‏، ‏فقد‏ ‏اعتدت‏ ‏تجنب‏ ‏سماع‏ ‏خطبة‏ ‏الجمعة‏ ‏قصدا فى ‏الفترة‏ ‏الأخيرة‏، ‏وشاركنى ‏زكى سالم (الآن د. زكى) ‏و‏‏د‏.‏فتحى ‏هاشم‏ ‏رأيى، ‏قائلين‏ ‏أن‏ ‏أغلب‏ ‏خطب‏ ‏الجمعة‏ ‏الآن‏ ‏أصبحت‏‏ ‏مغتربة، ليس بها إلا الترغيب والترهيب‏، ونستأذن لنلحق الصلاة ‏لكننا‏ ‏حين‏ ‏ذهبنا‏ ‏هذه‏ ‏المرة، وكان مسجدا صغيرا جدا “زواية” لم تتم تماما، مبنية من المواد الأولية العارية، أقيمت بالجهود الذاتية وسط الحقول، و‏‏كان‏ ‏الخطيب شابا‏ ‏فلاحا‏ ‏طيبا‏ غير معمم، وكان مازال يخطب بصوت عذب، فبدا لى فقيها جميل، راح ‏يتكلم دون أخطاء‏ ‏بالعربية الجميلة‏ عن‏ ‏الزرع‏، ‏والرزق،‏ ‏ورحمة‏ ‏الله،‏ ‏والعمل‏، ‏والبر،‏ ‏ليختم‏ ‏الخطبة‏ ‏الثانية‏ ‏بحديث‏ ‏يلخص‏ ‏ديننا‏ ‏وكل‏ ‏الأديان‏، ‏وكنت قد‏ ‏سمعت‏ ‏بعض‏ ‏هذا‏ ‏الحديث من قبل،‏ ‏ولكن‏ ‏الخطيب‏ ‏أضاف‏ ‏إضافات‏ ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏أعلم‏ ‏بها‏ ‏قبلا‏، ‏أضاف قائلا‏: ‏البِرُّ‏ ‏ما‏ ‏أطمأن‏ ‏إليه‏ ‏القلب‏، ‏ووافق‏ ‏عليه‏ ‏العقل،‏ ‏وأقرّه‏ ‏الناس‏، ‏والإثم‏ ‏ما‏ ‏حاك‏ ‏فى ‏الصدر،‏ ‏ولم‏ ‏يوافق‏ ‏عليه‏ ‏العقل‏ ‏وخشيت‏ ‏أن‏ ‏يطلع‏ ‏عليه‏ ‏الناس‏”، ‏كنت سمعت النصف الأخير مكررا، وقاصرا هكذا: الإثم ما حاك فى الصدر وخشيت أن يطلع عليه الناَس، ولم أعلم إضافة “لم يوافق عليه العقل” إلا من هذا الخطيب الفلاح، كما أن النصف الأول من الحديث لم اسمعه إلا فى هذه الخطبة، قالها‏ الخطيب ‏بهدوء‏ ‏ويقين‏ ‏وبصوت طيب‏ دافىء، ثم ‏شرحها‏ ‏بلغة‏ ‏عامية‏ ‏سليمة‏، ‏وحين‏ ‏عدت‏ ‏للأستاذ‏ ‏بعد‏ ‏الصلاة‏ ‏قلت‏ ‏له‏ ‏إننى ‏سمعت‏ ‏خطبة‏ ‏جمعة‏ ‏لم‏ ‏أسمع‏ ‏مثلها‏ ‏منذ‏ ‏عشرين‏ ‏عاما‏، ‏خطبة‏ ‏ليست‏ ‏فيها‏ ‏تهديد‏، ‏أو قسوة‏ ‏تصل‏ ‏إلى ‏حد‏ ‏الإهانة‏، ‏وحكيت‏ ‏له‏ ‏الحديث‏ ‏الذى ‏قاله‏ ‏الخطيب‏ ‏والذى ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏أعرف‏ ‏منه‏ ‏إلى ‏الجزء‏ ‏الأخير، وشرحت الإضافات التى وصلتنى كيف هزتنى، ‏فرح‏ ‏الأستاذ‏ ‏وهز‏ ‏رأسه‏ ‏معقبا‏ وقال: “‏إمام‏ ‏شاب فلاح‏ ‏عقلانى ‏سبحان‏ ‏الله‏”!!!‏

فى ‏طريقنا‏ ‏للعودة‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏الصعيد‏ ‏مرة أخرى، أخذ‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏يجيب الأستاذ عن تساؤله عن ما لاح له من شريط مبانٍ قبيح لمحه الأستاذ بطول الطريق على يسارنا بقدر ما يسمح نظره، شريط مواز تماما لشريط القطار، وربما لا يزيد عرضه عن ثلاثة أمتار أو أربعة، سأل الأستاذ: ما هذا، فرد زكى إنه مساكن عشوائية، أقيمت ما بين ‏قضبان‏ ‏القطار‏ ‏والطريق‏ ‏السريع‏ ‏إلى ‏الصعيد‏‏، ‏فعقب‏ ‏الأستاذ‏ ‏قائلا: إنه‏ ‏لم‏ ‏يبق‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏يبنوا‏ ‏عمارات‏ ‏فوق‏ ‏أسطح‏ ‏السيارات‏.

وتعجبت كيف جاءه هذا الخيال المتحرك الكاريكاتيرى هكذا وهو يعانى من صعوبة الرؤية إلى هذه الدرجة.

ربنا يخليه.

الحلقة التاسعة عشر

أسكر بالأمس إن عزمتُ على الشرب غدًا

الاثنين‏: 23/1/1995‏

……… ‏ربما‏ ‏كانت‏ ‏جرعة‏ ‏المصاحبة اليومية‏ ‏أدسم‏ ‏وأثرى ‏مما‏ ‏أحتمل‏، ‏وربما‏ ‏احتاج‏ ‏الأمر‏ ‏للنظر‏ ‏من‏ ‏بعيد بعض الشىء‏، ‏وعلى ‏فترات‏. ‏رتبتُ‏ ‏الأمور‏ بحيث‏ ‏يقوم‏ ‏بعض‏ ‏أبنائى ‏من‏ ‏ظهرى، ‏وأبنائى ‏من‏ ‏فكرى ‏وحضورى: ‏بدور‏ ‏جزئى ‏يكمل‏ ‏ويحل‏ ‏محل‏ ‏ما‏ ‏أقوم‏ ‏به‏:‏

ذهبنا‏ ‏إلى فندق ‏نوفوتيل‏ ‏المطار‏، أيمن ‏إبن‏ ‏أخى ‏جهـَّـزَ‏ ‏لنا‏ ‏مكانا‏ ‏مستقلا‏ ‏فى ‏الفندق‏ ‏الذى ‏يديره‏، ‏وقد‏ ‏شعرت أن ‏الأستاذ‏ ‏بدأ يفضل، ولو بعض أيام الأسبوع، أن يجالس هذا‏ ‏العدد‏ ‏المحدود‏ ‏من‏ ‏الأصدقاء‏، ‏كان‏ ‏كوبرى 6 أكتوبر‏ ‏مزدحما‏ ‏على ‏غير‏ ‏توقع‏، ‏لكنى ‏فهمت‏ ‏من‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الطريق‏ هو ‏من‏ ‏المسارات‏ ‏المألوفة ‏للأستاذ‏، ‏إذن‏ ‏فليس‏ ‏طريق‏ ‏سقارة‏ ‏وحده‏ ‏هو‏ ‏المزار‏ ‏والمسار‏، ‏لكنها‏ ‏القاهرة‏ كلها ‏من‏ ‏شمالها‏ ‏لجنوبها‏، نجيب محفوظ هو مصر، وهو القاهرة بالأصالة عن نفسها، والنيابة عن كل ربوع مصر، لا فرق بين قاهرة قديمة وقاهرة حديثة، كوبرى 6 أكتوبر لا مكان له فى طفولة نجيب محفوظ، وهو يفتقر إلى رائحة بيت القاضى، ويمر أعلى العباسية، وليس فى ثنايا نبضها، ومع ذلك فهو قاهرة، قاهرة، خشيت أن يضجر الأستاذ ونحن نسير بكل هذا البطء نتيجة الزحام على الكوبرى، رحت‏ ‏أتصور‏ ‏أننا‏ ‏تدبسنا‏ ‏وليس‏ ‏امامنا‏ ‏إلا‏ ‏الصبر‏، ‏تذكرت‏ ‏نكتة‏ ‏لا‏ ‏بأس‏ ‏من‏ ‏إعادتها‏ ‏مع‏ ‏التحوير‏!! ‏لاتـُحـْكـَى ‏إلا‏ ‏بالإنجليزية‏، ‏كان‏ ‏حكاها‏ ‏لى ‏إبن‏ ‏أخى ‏صباحا‏ ‏عن‏ ‏واحد‏ ‏يسأل‏ ‏الآخر‏ ‏ماذا‏ ‏هو‏ ‏فاعل‏ ‏لو‏ ‏أنه‏ ‏صحا‏ ‏من‏ ‏النوم‏ ‏فوجد‏ ‏أسدا‏ فى سريره….، ‏فأجاب‏ ‏هادئا‏، ‏ليس‏ ‏أمامى ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏أسترخى ‏وأستمتع‏، ‏ضحك‏ الأستاذ وقال “تريد أن تصبرنا وتنصحنا بأن نسترخى ‏ونستمتع‏ ‏بزحمة‏ ‏المرور هذه؟ ‏”‏ ‏حضور‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏أى ‏مكان، ولو محشورين نسير بسرعة خمسة كيلو مترات فى الساعة‏ ‏يبعث‏ ‏حيوية‏ ‏تسمح‏ ‏بأن‏ ‏تكون‏ ‏الصحبة‏ ‏متوهجة نابضة، كانت سيارة الحراسة التى تصاحبنا ‏ ‏تطلق‏ ‏صرخات‏ ‏الإنذار‏ ‏والتنبيه‏ ‏لعل‏ ‏البعض‏ ‏يفسح‏ ‏الطريق‏ ‏أو‏ ‏يفتح‏ ‏الإشارة‏،‏ ‏لاتوجد‏ ‏إشارات‏ ‏فوق‏ ‏الكوبرى ‏أصلا فما فائدة هذه الأبواق؟، ‏لكن قهقهة الأستاذ كانت من الجمال بحيث تطغى على أى ضجر أو صخب، ماذا يمكن أن تفعل صرخات نفير بوليس الحراسة فى دفع حركة عربات متراصة فوق كوبرى ليس له إلا منافذه المحدودة فى أماكن بذاتها؟ أوصلت للأستاذ تساؤلى هذا فواصل ضحكاته وهو يقول: “ربما ينبهوننا أنهم ليس لهم ذنب فى هذا الزحام، وأنهم – هكذا- عملوا كل ما يستطيعون”، الروح التى يشيعها الأستاذ فى مجلسه تحضر معه وحوله ‏بغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏المكان‏ ‏والزمان‏، زاد بطء السير فاضطررت أن أعيد فتح مواضيع قديمة لا أمل من تغيير رأى الأستاذ فيها مهما أعيد تقليبها، قلت للأستاذ أنت تريد منا أن نسترخى ونستسلم (مثل النكته) للأمر الواقع إذا ما حكمنا هؤلاء الذين يحتكرون تفسير أوامر ونواهى ربنا، فلم يضحك، حتى ضحكة الأستاذ التى أصبح لها توقيت وحجم متغيرين، أصبحت لغة فى ذاتها، هذا الرجل يحترم الواقع، ويثق فى الناس، وفى قدرتهم على التصحيح بشكل لا أصبر عليه، لكن يبدو أن هذا هو الاحترام الحقيقى للناس الحقيقيين، وأيضا هو السبيل الأضمن للتغيير،

ربما !!!

وصلنا‏ ‏متآخرين‏ ‏إلى ‏الفندق‏، ‏ووجدنا‏ ‏المكان‏ ‏معـد‏ ‏بطريقة‏ ‏أراحت‏ ‏الأستاذ‏ ‏وأراحتنا‏ ‏معه‏ ‏وبه‏، ‏وكان‏ ‏خبر‏ ‏اليوم‏ ‏هو‏ ‏ذلك‏ ‏الفدائى (‏وزميله‏) ‏اللذان‏ ‏فجـرا‏ ‏العبوة‏ ‏الناسفة‏ ‏شمال‏ ‏تل‏ ‏أبيب‏ ‏فمات‏ 18 ‏وأصيب‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏ستين‏ ‏يهوديا‏ ‏إسرائيليا‏ ‏أغلبهم‏ ‏من‏ ‏العسكريين‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏خطر‏ ‏لى ‏بعد‏ ‏التخلص‏ ‏من‏ ‏مشاعر توصف‏ ‏بالإنسانية‏ ‏والشفقة‏ (‏ورغم‏ ‏أسف‏ ‏مشروط‏ ‏على ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ ‏من‏ ‏مشاعرى‏) ‏قلت‏ ‏له‏ ‏دعنى ‏أكشف‏ ‏لك‏ ‏عن‏ ‏حلم‏ ‏يقظة‏ ‏يراودنى فأرفضه، لكنه يراودنى ولا أستطيع أن اتصنع إنكاره، برغم موقفى الحاسم والمطلق ضد قتل أى إنسان، حتى أثناء حرب معلنة مع عدو رسمى (كما سبق أن أشرت)، أنا لا أتصور كيف تضطرنى أية حرب لأى سبب أن اقتل شخصا له أسرة، وأنا لا أعرفه أصلا، لمجرد أنه أطاع أوامر رئيسه فى جيشه، الذى هو جيش عدوى، فجاء موقعه فى مرمى مدفعى، فقتلته؟ أنا لم أستسغ هذا أبدا مهما قالوا لى أننى لو لم أقتله لقتلنى هو دون أن تخطر له هذه المشاعر، أتعجب من نفسى وأنا أعرف عنها كل هذا الرفض للقتل حتى دفاعا عن النفس، و‏فى ‏نفس الوقت يطل علىّ حلم اليقظة الذى عاودنى مترددا بمناسبة ربط هذا الحادث التفجيرى الذى قرأه أحدنا عليه اليوم، بما يفعل الإسرائيليون فى المدنيين العزل من الشيوخ والنساء والأطفال، فلا أبرره بسهولة،‏ يسألنى الأستاذ عن تفاصيل حلم يقظتى فأحكى فى خجل دون اعتذار أن الحلم “‏يصور‏ ‏لى ‏أنه‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏أن‏ ‏نستغنى ‏عن‏ ‏مليون‏ ‏فرد‏ ‏منا‏، ‏ونحن‏ ‏والحمد‏ ‏لله‏ ‏كثرة‏ ‏من‏ ‏المسلمين‏ ‏والعرب‏، ‏وكل‏ ‏واحد‏ ‏من‏ ‏هؤلاء‏ ‏يفجر‏ ‏نفسه‏ ‏فى ما تيسر من الصهاينة، بواقع واحد لكل خمسة أو ستة، فيختفى من الوجود هذا الكيان المحشور خطأ فى غير مـَـوْضـِـعـِـه”، ‏مال‏ ‏الاستاذ‏ ‏برأسه‏ ‏للخلف‏ ‏قليلا، ثم وصلتنى جرعة من الحنان والألم معا، لعله يطمئننى أنه وصله مدى ألمى، الذى أخففه بشطحى الخيالى هكذا، برغم تحفظى على قتل نملة، ألمى الذى جعل هذا التخيل يقفز إلىّ هكذا، ‏ ‏وشطحى فى محاولة تخفيف بعض ذلك،‏ ‏تطل ابتسامة رقيقة من عمق وجهه، ثم تنسحب إلى بقية وجهه حتى يضحك‏ وهو يقول: لكن عليك أن تأخذ موافقة ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ ‏على ‏ذلك‏، ‏إجابة‏ ‏غير‏ ‏متوقعة‏ ‏أفحمتنى ‏فلم‏ ‏أنبس‏، ‏قفز‏ ‏محمد‏ ‏إبنى ‏فرحا‏ ‏فىّ ‏وهو‏ ‏يقول‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الرد‏ ‏الذى ‏كنت‏ ‏أتمنى ‏أن‏ ‏أرد‏ ‏به‏ ‏على ‏والدى ‏كلما‏ ‏قال‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الكلام‏، ‏ونقلتُ‏ ‏إلى ‏الاستاذ‏ ‏شماتة‏ ‏محمد‏ ‏فىّ ‏وأنا‏ ‏فى ‏حال‏، ‏وابتسم‏ ‏الاستاذ‏ ‏ابتسامة أخرى أعتقد أنها كانت موجَّهَة لابنى هذه المرة، فهو يطيب له أن يتابع‏ ‏هذه‏ ‏المعركة‏ ‏المستمرة‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏إبنى فى حضوره، وعادة ما ينصف محمد علىّ.‏.‏

حين‏ ‏عاد‏ ‏الأستاذ‏ ‏من‏ “‏ركن‏ ‏تسديد‏ ‏الرأى‏”، (دورة المياه) ‏وجدته‏ ‏يبتسم ابتسامة من نوع ثالث، عرفت بحدسى أنها بعيدة عن الابتسامتين السابقتين، فسألته عن سر ابتسامته، قال‏:.. ‏تذكرت‏ ‏فكرى ‏أباظه‏ ‏وهو‏ ‏فى ‏مثل‏ ‏ما‏ ‏كنت‏ ‏فيه‏، ‏يحكى ‏لنا‏ (‏ما‏ ‏معناه‏) ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏يشجع‏ ‏أعضاءه‏ ‏للقيام‏ ‏بهذه‏ ا‏لوظيفة‏ ‏البيولوجية‏ ‏دون‏ ‏خشية‏ ‏أن‏ ‏تُكَلَّف‏ ‏بمهام أخرى ‏ ‏ ‏ ‏لم‏ ‏تعد‏ ‏قادرة عليها‏، ‏وضحكنا‏‏، ‏وفرحت‏ ‏به‏ ‏وهو‏ ‏يستعيد‏ ‏مرحـَهُ‏ ‏بسرعة‏ ‏برغم الأحداث‏. ‏

تطرق‏ ‏الحديث‏ من جديد ‏إلى ‏ندوة‏ ‏محمد‏ ‏حسنين‏ ‏هيكل‏ ‏فى ‏معرض‏ ‏الكتاب، وكيف أن الحضور للجلسة المخصصة للجنة الثقافة العلمية التى أنا عضو فيها كان كثيفا، مما أثار تعجبنا نحن المكلفين بتقديم الندوة، ونادرا ما نجد زبائن للاستماع لنا، وقبل أن نتمادى فى الدهشة، أكتشفنا أن كل هذا الحضور هو لمجرد حجز أماكن للندوة اللاحقة التى كان هيكل هو ضيفها، ‏ ‏أعدت على الأستاذ كيف أننى انتهزتها فرصة فحضرت ندوة هيكل، و‏ أننى ‏لم‏ ‏أخرج‏ ‏منها‏ – ‏كالعادة‏- ‏بشيء‏، ‏قال‏ ‏و‏أنا أيضا كنت أخرج من كثير من مقالاته فى أحرج الأوقات بعلامات استفهام أكثر مما دخلتها، لم أكن أحصُل مما يكتب على ما أنتظره منه أبدا، كان‏ ‏الأستاذ قد شهد بكفاءة الأستاذ هيكل قبل‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏العوامة‏ ‏ ‏بأمانة قائلا: ‏رضينا‏ ‏أم‏ ‏لم‏ ‏نرض‏، ‏فعلينا‏ ‏أن‏ ‏نعترف‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏صحفى ‏عصرى ‏من‏ ‏الطراز‏ ‏الأول‏، ‏ثم‏ ‏أكمل‏ ‏تعقيبه‏ ‏على وصفى هيكل بالزئبقية‏‏ (ربما بعد التحفظ على اللفظ) قال: ‏”‏لقد دوخنى الأستاذ‏ ‏هيكل‏ ‏بعد‏ ‏حرب‏ ‏يونيو‏ 1967، ‏وأنا‏ ‏ ‏أقرأه‏ ‏باحثا‏ ‏عن‏ ‏شيء‏‏، ‏منتظرا‏ ‏شيئا‏، ‏آملا‏ ‏فى ‏شىء‏، ‏بلا‏ ‏طائل‏”، ‏قلت‏ ‏له‏، أما أنا فقد احتدت دوختى قبل‏ الحرب (67) أكثر، حين كان هيكل يكتب آنذاك مقالاته الدائرية، وكأنه يلوك “لبانا لا يُبلع” ثم أردفت “…، أنا لا أعفيه من مسئولية ما حدث، برغم أن اللبانة لا تزال فى قلمه، ‏قال‏ ‏الاستاذ‏: “‏ولكن‏ ‏قبل‏ الحرب نحن ‏لم‏ ‏نكن‏ ‏متلهفين‏ ‏على ‏شىء‏ ‏محدد‏، ‏وكان‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏أن‏ ‏نحتمل‏، ‏لكن‏ ‏بعد‏ ما حدث من كارثة ‏كان‏ ‏الأمر‏ ‏مختلفا‏، كنا نريد أن نعرف عن طريق هيكل، وهو المتحدث الرسمى للحكومة، أن نعرف حجم المصيبة، كنا نريد أن نعرف إلى أين نحن ذاهبون..”، ‏قلت له ‏ ‏إننى ‏طول‏ ‏عمرى ‏أتصور‏ ‏أنه‏ ‏يلعب‏ ‏لعبة تكتيكية ننبه فى العلاج الجمعى عندنا إلى وجهها السلبى، وهى لعبة: ‏“نعم‏…‏ ولكن..”، هذه اللعبة باستعمالها السلبى تقوم بمهمة أن ‏ تمحو “لكن”، ما سبقها بـ “نعم”، مهما كانت قوة هذه الـ “نعم”، فتكون‏ ‏النتيجة‏ ‏فى ‏النهاية‏ صفرا = ‏لا‏ ‏شىء”.

‏ ‏هز‏ ‏الأستاذ رأسه‏ ‏ووافق‏ ‏تلك‏ ‏الموافقة‏ ‏الحذرة،‏ ‏غير‏ ‏الكاملة‏، لم‏ ‏يعد‏ ‏يخفى ‏علىّ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏لايحضر‏ ‏بكلـِّه‏ ‏فى ‏كثير‏ ‏مما‏ ‏يجامل‏ ‏به‏، ‏وحسدته من جديد على مدى حذقه لهذه ‏ ‏المهارة‏ ‏التى ‏ليس‏ ‏فيها‏ ‏إحراج‏ ‏لأحد‏، ‏ولا‏ ‏موافقة‏ ‏مطلقة‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏، رحت أواصل رأيى فى هيكل، بعد تقديم كل احترام لكفاءته فى مهنته، ومهاراته الحرفية، قلت للأستاذ: ‏إننى أتصور أن الأستاذ‏ ‏هيكل‏ ‏منذ‏ ‏استغنى ‏السادات عن خدماته، ربما” لأنه “مبروم على مبروم ما يتفتلشى”، فوجئ بما لم يتوقع، ليس لأنه حريص على كرسى فى السلطة، ولكن لأنه لم يتصور أن شخصا ما، مهما بلغت درجة “مبروميته”، يقدر أن يستغنى عنه من حيث المبدأ، منذ هذه اللطمة، التى أعتقد أنه اعتبرها لطمة أقسى بكثير من حجمها، حتى لو كانت فى صالحه،‏ ‏راح‏ ‏يكرس‏ ‏قلمه‏ ‏وحرفيته‏ ‏لأمرين‏: الأول: ‏تبرير‏ ‏موقفه‏ (‏لدرجة‏ ‏الدفاع‏ ‏الهجومي‏)، ‏والثانى: ‏الإنتقام‏ ‏بشكل شخصى،‏‏ ‏ولأنه‏ ‏يحذق‏ ما أسميه “‏الكذب‏ ‏المُوَثـَّق”، و”الانتقاء الموجّه”‏، ‏فهو‏ ‏ناجح‏ ‏فى مهمته تلك التى ما أسهل أن يجد لها تبريراتها التى تسمح له بما يقول ويفتى، ‏أبلغت الأستاذ أن الناقد الصحفى سامى خشبة كان أحد المنتدين معنا فى ندوة الثقافة العلمية فى ندوة معرض الكتاب التى سبقت ندوة الأستاذ هيكل مباشرة، وهو من تلاميذ هيكل المخلصين، ومع ذلك فقد وافق على بعض آرائى ونحن نعقب على ندوة هيكل، ‏ ‏وأضاف الأستاذ سامى‏ ‏تعقيبا‏ ‏على‏ ‏الندوة‏”‏ أن‏ ‏هيكل‏ ‏بدا‏ ‏متعاليا‏ ‏على‏ ‏الحضور فعلا”، وقد سألت الأستاذ سامى خشبه عن سر ‏الكاريزما‏ ‏التى تتجلى فى كل هذا الحضور ليس فقط من المثقفين والإعلاميين، وإنما من الطبقة الأعلى، ونسائها الأنيقات الجميلات هكذا، فأجابنى الأستاذ سامى “عليك أنت تفسر لنا أن ذلك، ألست طبيبا نفسيا”، سألت الأستاذ نفس السؤال، شارحا أن علمى قد عجز عن الإجابة على السؤال، وأننى أسأله بدورى مصداقا لأنه “إسأل مجرب”

‏التقطها الأستاذ وضحك ضحكة واسعة شملتنا جميعا.

أكملت‏ ‏للأستاذ‏ ‏أن ‏هيكل‏ ‏ذكر‏ ‏يوسف‏ ‏القعيد‏ ‏ذكرا‏ ‏حسنا‏ ‏فى ‏ندوة‏ ‏الكتاب‏، وبالإسم، ‏قال‏ ‏علمتُ‏ ‏ذلك‏، ‏وفرحت‏ ‏بهذه‏ ‏الشهادة ليوسف. تعجبت‏ ‏كيف‏ ‏ينتقد‏ ‏الأستاذ‏ ‏هيكل‏ ‏بكل هذا الوضوح‏، ‏ثم‏‏ ‏يفرح‏ ‏بشهادته‏ ‏لأحد‏ ‏أبنائه‏ ‏ومريديه هكذا؟ يا لتحمل كل شىء معا!!!! يا لأستاذيته!

ذكرت‏ ‏له‏ ‏ما‏ ‏سمعت‏ ‏فى إذاعة ‏لندن‏ ‏من‏ ‏رد‏ ‏مأمون‏ ‏الهضيبى ‏على ‏المذيع‏ ‏حول‏ ‏اعتقال‏ 18 ‏من‏ ‏قادة‏ ‏الإخوان‏ ‏بتهمة‏ ‏قلب‏ ‏نظام‏ ‏الحكم‏، ‏وكيف‏ ‏قال‏ ‏مأمون‏ ‏الهضيبى ‏للمذيع‏، ‏أى ‏قلب‏ ‏وإلى ‏أين؟‏ ‏هل‏ ‏سنقلبها‏ ‏مـَلَكِيّة‏ ؟!!، ‏إن‏ ‏الدين‏ ‏الإسلامى ‏يرى ‏أن‏ ‏رئيس‏ ‏الدولة‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏تنتخبه‏ ‏أغلبية‏ ‏الشعب‏، ‏والرئيس‏ ‏مبارك‏ ‏انتخبته‏ ‏أغلبية‏ ‏الشعب‏، ‏ودستورنا‏ ‏يعتبر‏ ‏أن‏ ‏الشريعة‏ ‏هى ‏المصدر‏ ‏الأساسى ‏للتشريع‏، ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏نريده‏، ‏فأى ‏قلب‏ ‏للنظام‏ ‏يتهم به الإخوان بحيث‏‏ ‏يعتقل‏ ‏كل هؤلاء‏ ‏الذين‏ ‏يتكلمون‏ ‏علانية‏، ‏ويمثلون‏ ‏النقابات‏، ‏ويدخلون‏ ‏مجلس‏ ‏الشعب؟‏ ‏هز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏ ‏معجبا‏ برد الهضيبى، ‏فأضفت‏: ‏أليس‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏رأيك‏ ‏الذى ‏تريد‏ ‏أن‏ ‏توصله‏ ‏لنا‏ ‏دائما‏ ‏بإعطاء “الإخوان”‏ ‏الفرصة‏؟ ‏فهز‏ الأستاذ ‏رأسه‏ ‏إيجابا‏، ‏فأكملت‏: ‏‏هذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏أخاف‏ ‏منه‏ تحديدا، لقد وصلنى رد الهضيبى هذا باعتبار أنه ليس إلا تكتيكا منظما، لا يُلزمه بشىء حتى إذا ما ولى الحكم يتغير كل شىء، نحن لا نستطيع أن نحكم على هذه الجماعة من تصريحاتها، ولا يمكن تبين إلى أين سوف تذهب إلا ‏ ‏بعد‏ ‏اعتلاء‏ ‏الكرسى، ‏فأطرق‏ ‏وكأنه‏ ‏يقول‏:”‏ولو‏”.‏ لم أنقبض للاختلاف مثل سابق عهدى لهذه الـ:”ولو!”، ودعوت الله ألا يصدق ظنى من أجل خاطره، منعت نفسى هذه المرة من أن أعود لإعلان تحفظى على ما يسمى ديمقراطية تأتى بهؤلاء الأخطر على الديمقراطية نفسهأ، بصراحة، خجلتُ من نفسى، لكننى لم أتراجع بداخلى ‏.‏

قـرّظ‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏المكان‏ ‏الخاص‏ ‏الذى ‏نجلس‏ ‏فيه‏ ‏بالفندق‏ ‏وأثنى ‏عليه‏ ‏لدرجة‏ ‏أنه‏ ‏قال‏ ‏يا‏ ‏ليتنا‏ ‏نستبدل‏ “‏بفرح‏ ‏بوت‏” “‏عوامة‏ ‏الثلاثاء‏” ‏هذا‏ ‏المكان‏ ‏الآمن‏، ‏فـَـرِحـْتُ‏ ‏بالتقريظ‏ ‏لكننى ‏تحفظت‏ ‏على ‏الاقتراح‏، فأنا أعرف علاقة توفيق صالح برواد “فرح بوت”، ‏وقلت‏ ‏للأستاذ‏ ‏نريد‏ ‏أن‏ ‏نصالح‏ ‏توفيق‏ ‏على “‏فرح‏ ‏بوت‏”، ‏يخيل‏ ‏إلىّ ‏أنه‏ ‏معمول‏ ‏له‏ ‏عمل‏ ‏بـِـكـُـرْه‏ ‏هذه‏ ‏العوامة‏ ‏ويومها‏، ‏فقال‏ ‏الأستاذ‏ ‏أعتقد‏ ‏أنه‏ ‏يتحرج‏ ‏من‏ “‏الوقفية‏” ‏التى ‏وقفها‏ ‏لنا‏ ‏إبراهيم‏ ‏كامل‏ – ‏لأننا‏ ‏لا‏ ‏ندفع‏ ‏مقابل طلباتنا برغم‏ ‏كل‏ ‏الإصرار‏ ‏والمحاولات‏، ‏قلت‏: ‏هذا سبب غير كاف، برغم حساسية توفيق من الأخذ، ‏ووافقنى ‏توفيق‏ ‏على ‏السببين ثم أضاف مازحا وهو يقدم سببا آخر لتفضيله هذا المكان الذى نحن فيه عن العوامة واصفا إياه أنه‏ ‏لا‏ ‏”يهتز”‏ (‏مثل‏ ‏العوامة‏)، ‏فالتقطَها الأستاذ وضحك‏‏، ‏فقلت‏ ‏له‏ ‏أخشى ‏أن‏ ‏نذهب‏ ‏يوما‏ ‏فنجد‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏قد‏ ‏خرق العوامة‏ ‏حتى ‏تغرق‏، ‏فضحك‏ ‏الأستاذ‏ ‏وعقب‏ ‏توفيق‏ ‏بما جعلنى أتذكر موقف سيدنا الخضر من السفينة التى خرقها، ولا أذكر إن كنت قد صرّحت بما خطر لى عن سيدنا الخضر، ربما لم أفعل خشية أن يجرنا الحديث إلى قتل الطفل الذى وجدت له تفسيرا أخيرا فى أنه الطفل الذى بداخلنا إذا انفصل عن سائر مستويات الوعى، وهو الأقدر أن يـُضِلّنا كبارا.

تذكرتُ فجأة النكتة التى قالها الأستاذ بعد عودته من “تسديد الرأى” نقلا عن “فكرى أباظه” فسألته ‏هل‏ ‏كان‏ ‏يعرفه‏ ‏شخصيا‏، ‏فقال‏: ‏إنه‏ ‏لم‏ ‏يعرفه‏ ‏إلا‏ ‏قبيل‏ ‏وفاته‏، ‏لكنه‏ ‏كان‏ ‏يقرأ‏ ‏له‏، ‏ويحب‏ ‏كتابته‏، ‏وذكرنا‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏بحديث‏ ‏فكرى ‏أباظه‏ ‏الإذاعى ‏بالعامية‏، ‏ذلك‏ ‏الحديث‏ ‏الرائع‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏يقوله‏ ‏أسبوعيا‏، ‏قلت‏ ‏للاستاذ‏ أنه‏ ‏ثمة‏ ‏ربطة‏ ‏عندى ‏بين‏ ‏فكرى ‏أباظة‏ ‏وسليمان‏ ‏نجيب‏ ‏لست‏ ‏أدرى ‏لماذا‏، ‏فاستغرب الأستاذ‏ ‏وقال‏: ‏إنه‏ ‏يعرف‏ ‏جانبا‏ ‏خاصا‏ ‏بهما‏، ‏يؤكد‏ – رغم‏ ‏إحتمال‏ ‏الشبه‏ ‏الذى ‏أشير‏ ‏إليه‏ وأيضا برغم أن كليهما لم يتزوج- ‏أنهما‏ ‏مختلفان فى سبب موقف كل منهما فى ذلك‏، ‏وتطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏مساحة ‏الحرية‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏متاحة فى تلك‏ ‏الأيام‏، ‏حيث‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏العلاقات‏ ‏والتصرفات‏ ‏الشخصية‏ ‏تشين‏ ‏صاحبها‏ ‏ما‏ ‏دام‏ ‏ملتزما‏ ‏وصادقا‏ ‏ومسئولا‏ ‏وشريفا‏، ‏وقارنـت‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏الوضع‏ ‏وبين‏ ‏ما‏ ‏أخشاه‏ ‏حين يلى الأمر من يضيّقون كل مساحات الحركة والحرية إلا تحت سقفهم وحسب وصايتهم، وأننى أخشى آنذاك أن ‏ينقسم‏ ‏المجتمع‏ ‏إلى ‏مجتمع‏ ‏ظاهر ‏يتبادل‏ ‏إصدار‏ ‏الأحكام‏ ‏الأخلاقية‏ ‏والدينية‏ ‏على ‏بعضه‏ ‏البعض‏، ‏ومجتمع‏ ‏آخر‏ ‏سرى ‏يمارس‏ ‏حريته‏ ‏وشطحاته‏ ‏بكل‏ ‏المضاعفات‏ ‏المحتملة‏، ‏مثل‏ ‏مجتمعات‏ ‏خليجية‏ ‏معروفة‏، ‏وهز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏ ‏كالموافق، ولم أعقّب أكثر.

عدت‏ ‏إلى ‏حديث‏ الأستاذ ‏العابر‏ ‏تلك‏ ‏الليله‏ ‏عن‏ ‏الأغانى ‏للأصفهانى، ‏وما‏ ‏ذكره عن احتمال اضطرار الأصفهانى لتلك العنعنة التى لا يتحملها القارئ المعاصر، قلت‏ ‏له‏ ‏إنه‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏موافقتى ‏الشديدة‏ ‏على ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏من‏ ‏متطلبات‏ ‏الحضارة‏ ‏الشفاهية‏، ‏إلا‏ ‏أننى ‏أشك‏ ‏تماما‏ ‏فى ‏مصداقية هذا المنهج ‏كمصدر‏ ‏للتاريخ‏ (مع أنها ربما تكون ‏ليست‏ ‏أقل‏ ‏مصداقية‏ ‏من‏ ‏وثائق‏ “‏هيكل‏” ‏على ‏كل‏ ‏حال‏!!)، ‏هز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏، ‏وكان‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏نقارن‏ ‏فى ‏ذلك منهج‏ ‏علوم الحديث الشريف، وخاصة علم الجرح والتعديل، فعقب الأستاذ أن ‏المسألة‏ ‏شديدة‏ ‏الصعوبة‏، ‏وأن‏ ‏بعض‏ ‏علماء‏ ‏الحديث‏ ‏قالوا‏ – ‏والعهدة‏ ‏عليهم‏ – ‏إنهم‏ ‏لو‏ ‏طبقوا‏ ‏قواعد‏ ‏المصداقية‏ ‏فى ‏علم‏ ‏الحديث‏ ‏تطبيقا‏ ‏صارما‏ ‏مطلقا‏ ‏لما ‏صح‏ – ‏بهذا‏ ‏التطبيق‏- ‏سوى ‏أربعة‏ ‏عشر‏ ‏حديثا‏، ‏ياه‏!!، ‏فقلت‏ ‏لو‏ ‏أخذ‏ ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏هذه‏ ‏الرخصة‏ ‏لا‏‏نتقى ‏كل‏ ‏مسلم‏ أربعة عشر حديثا خاصا‏ ‏به‏ ‏يـُمَشِّى ‏بها‏ ‏حاله‏.‏

بعد‏ ‏أن‏ ‏شرب‏ ‏الاستاذ‏ ‏السيجارة‏ ‏الثانية‏ ‏مع‏ بضع شفطات من كوب ‏الليمون‏ ‏الساخن‏، ‏فرغت‏ ‏علبة‏ ‏سجائره‏، ‏فطواها‏ ‏وركنها‏، ‏فسألته‏ ‏هل‏ ‏هذه‏ ‏العلبة‏ ‏هى ‏نفس‏ ‏العلبة‏ ‏منذ‏ ‏الحادث‏، ‏فقال‏ ‏أنهم‏ ‏سلموه‏ ‏العلبة‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏معه‏ ‏عند‏ ‏الحادث‏ ‏مع‏ ‏سائر‏ ‏الأشياء‏ ‏التى ‏أخذوها‏ ‏منه‏‏، ‏ثم‏ ‏أخرج‏ ‏علبة‏ ‏جديدة‏ ‏قبل‏ ‏انصرافنا‏، ‏وطلب‏ ‏من‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏أن‏ ‏يفتح‏ ‏غلافها‏ ‏الشفاف‏، ‏ففزعت‏ ‏خشية‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏قد‏ ‏احتاج‏ ‏لسيجارة‏ ‏ثالثة‏، ‏وقد‏ ‏اتفقنا‏ ‏على ‏سيجارتين‏ ‏فى ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏خروج‏، ‏وأنا‏ ‏أعرف‏ ‏مدى ‏التزامه‏، ‏فسألته‏ ‏لماذا‏ ‏نفتحها‏ ‏الآن‏؟ ‏فقال‏ ‏ألم‏ ‏تعدنى ‏أن‏ ‏نخرج‏ ‏غدا؟‏ (‏كنا ‏ ‏نخرج‏ ‏يوميا‏‏ ‏عدا‏ ‏السبت‏ ‏والأحد‏، ثم اتفقنا أن نجعل عدم الخروج قاصرا على يوم واحد)، ‏فأجبت‏ ‏بالإيجاب‏، ‏فقال:‏ “‏إننى ‏أستعد‏ ‏لسيجارة‏ ‏الغد”‏، ‏ووصلنى‏ ‏هذا‏ ‏الخيال‏ ‏الطفلى ‏الجميل‏ ‏الذى ‏يعيش‏ ‏المتعة‏ ‏قبل‏ ‏حدوثها‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏يعيشها‏ ‏من‏ ‏تحقيقها‏، ‏وذكـَّرتُه‏ ‏ببيت‏ ‏الحسن‏ ‏بن‏ ‏هانيء (ابى نواس) القائل ‏. ‏

أسكرُ‏ ‏بالأمسِ‏ ‏إن‏ ‏عزمتُ‏ ‏على ‏الشربِ‏ ‏غدَا‏، ‏إنَّ ‏ذا‏ ‏من‏ ‏العَجَبِ

….

أستأذنت، وبارك انصرافى كما اعتدت حرصاً على مصالح كل من يصحبه، وتوجهت إلى عيادتى فقد أزف موعدها‏، ‏وبدأت‏ ‏أشعر‏ ‏أننى ‏سأحرم‏ ‏من‏ ‏صحبة‏ هذه ‏الجماعة‏ ‏بداية‏ ‏من‏ ‏اليوم‏، ‏وأسفتُ‏ ‏رغم‏ ‏شعورى ‏بعودتى تدريجيا إلى ممارسة حياتى ‏العادية جنبا إلى جنب مع استمرار صحبته، كان توفيق صالح هو أول من انتبه إلى ما طرأ على جدول حياتى ‏حين‏ ‏سألنى مباشرة‏ ‏”هل‏ ‏أغلقت‏ ‏عيادتك‏ يا دكتور؟ وكنت قد أجبته: “‏تقريبا‏”، ‏قال‏ ‏كيف؟‏ ‏قلت‏ ‏لا‏ ‏تخشى ‏شيئا‏ ‏مستورة‏ ‏والحمد‏ ‏لله‏، ‏قال‏ ‏ليست‏ ‏المسألة‏ ‏مسألة‏ ‏مستورة‏، ‏لكن‏ ‏الناس‏ ‏الذين‏ ‏يأتون‏ ‏لك‏ ‏يحتاجونك، وكان بذلك يبلغنى ما تناقش فيه هو والأستاذ بشأن وقتى وعيادتى،

 ‏ ‏فانتبهت‏ ‏،

 ووصلنى الحب والسماح.

انحنيت على يده أقبلها وأنا أودعه وقد ركب سيارة محمد إبنى وقلت: ‏تصبح‏ ‏على ‏خير‏،

‏قبّـل‏ ‏رأسى ‏وهو يسحب يده بسرعة، وربت‏ ‏عليها قائلا:” وانت من أهل الخير”.

يا ليت!! 

****

الحلقة العشرون

فى منزلى

الثلاثاء‏: 24/1/1995

‏أى ‏ريح‏ ‏طيبة‏!!، ‏أى ‏رضا‏ ‏من‏ ‏ربى ‏أن‏ ‏يبارك‏ هذا الرجل ‏هذا‏ ‏البيت‏ ‏المتواضع، ‏كنت‏ ‏أود‏ ‏أن‏ ‏أذهب‏ ‏لاصطحابه‏ ‏كما‏ ‏اعتدت‏ ‏طوال‏ ‏هذين‏ ‏الشهرين‏، ‏ولكننى ‏لم‏ ‏أفعل‏، ‏فضلت‏ ‏أن‏ ‏يذهب‏ ‏محمد‏ ‏إبنى، ‏وأن‏ ‏أكون‏ ‏أنا‏ ‏فى ‏استقباله‏ فى بيتى. شعرت أن ثمَّ ‏فرق‏ ‏بين‏ ‏أن‏ ‏أصحبه مثل كل مرة، ‏وبين‏ ‏أن‏ ‏أستقبله فى منزلى، وصلنى حضوره وتشريفه بمجرد أن أعددت نفسى لاستقباله، ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏داخلى ‏كان‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يتأكد‏ (‏أو‏ ‏أن‏ ‏يصوّر‏ ‏لي‏) ‏أنه‏ ‏هو‏ ‏الذى “‏أتي‏”، ‏وليس‏ ‏أنا‏ ‏الذى “دعوته”، أو شىء من هذا القبيل([44])‏،

كنت طول بعد ظهر ذلك اليوم الذى سوف يحضر فى مسائه ليشرف بيتى لأول مرة ‏ ‏قد‏ ‏أخرجت‏ ‏بعض‏ ‏أوراقى أبحث عن رد كتبه لى بخط يده الجميل منذ سنوات قبل أن ألقاه للمرة الوحيدة فى الأهرام، ردا على تساؤل كتبته له على عنوانه أنذاك، هى مرة وحيدة، لا أعرف كيف تذكرتها الآن، رحت أبحث فى أوراقى ‏وخزائنى ‏ومكتبتى ‏ولم أعثر عليه، لكننى عثرت على ‏أشياء‏ ‏غريبة‏ ‏ومتعددة‏ ‏لا أذكر لماذا احتفظت بها، مؤكد أن ذلك لم يكن لقيمتها التاريخية أو الأثرية، رحت أنتقى منها ما يصلح لاستقباله داخل نفسى، ‏أردت‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏فى ‏استقباله‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏أحب‏، ‏العصىّ ‏التى ‏أقتنيتها‏ ‏من‏ ‏مختلف‏ ‏أنحاء‏ ‏العالم‏ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏ميدان‏ الحسين، ‏وكأنه مزار خاص‏، ‏الخناجر‏ ‏والمُدى ‏من‏ ‏اليمن‏ ‏وسان‏ ‏فرانسيسكو‏، السكاكين السويسرى من باريس ‏واليونان‏، ‏والتماثيل‏ ‏النحاسية‏ ‏الصغيرة‏ ‏من‏ ‏بونيار‏ ‏فى ‏شمال‏ ‏أسبانيا‏ ‏ومن‏ ‏زقاق‏ ‏جنيف‏، ‏أكواب‏ ‏الفخار‏ ‏والصينى ‏من‏ ‏لوس‏ ‏أنجلوس‏ (‏ديزنى ‏لاند‏) ‏هذا ‏الكوب‏ ‏المزركش‏ ‏من‏ ‏بلدة‏ ‏سان‏ ‏برنار فى‏ جبال‏ ‏شمال‏ ‏إيطاليا، هذه السلحفاة‏ ‏من‏ ‏الغردقة‏، ‏وذلك الديك ‏ ‏من‏ ‏جنوب‏ ‏فرنسا‏، من بياريتز ‏على ‏ما‏ ‏أذكر‏، ‏وعروسة‏ ‏ممزقة‏ ‏باعها‏ ‏يهودى ‏تائه‏ ‏لبائع‏ ‏روبابيكيا‏ ‏فى ‏نويبع‏، ‏فاشتريتها‏ ‏منه‏ ‏بربع‏ ‏جنيه‏ ‏من‏ ‏عام‏ ‏ونصف‏، ‏ثم لعبة‏ ‏خشبية‏ ‏من‏ ‏ألعاب‏ ‏الملاهى ‏أهدتها‏ ‏لى ‏إبنتى ‏وقد‏ ‏اشترتها‏ ‏لى ‏خصيصا‏ ‏فى ‏آخر‏ ‏رحلة‏ ‏لها‏ ‏فى ‏أسبانيا‏، “‏وفـُم‏ ‏سيجارة‏ ‏وجوزة‏ ‏من‏ ‏الدار‏ ‏البيضاء‏ (‏كازبلانكا)، وأنا لا أدخن، ‏أشياء وأشياء وصور وذكريات ‏كثيرة‏ ‏صغيرة‏ ‏أحبها‏، ‏رغم‏ ‏حرمانى ‏من‏ ‏الحوار‏ ‏معها‏ ‏وتأملها‏ ‏والإنصات لها وفاء بوعدى لها عند شرائها أو اقتنائها، حال زحام الحياة بينى وبين‏ ‏الوفاء‏ ‏بوعودى ‏لكل‏ ‏هذه‏ ‏الأشياء‏، وجدتها جميعا وأنا أبحث عن خطابه وكانها كانت فى انتظاره معى، تصورت أنها تتنافس للحضور معى فى شرف استقباله، اقتربت ‏ ‏قطعة‏ ‏حجر‏ ‏من‏ ‏سانت‏ ‏كاترين‏، ‏تتبعها‏ ‏زلطة‏ ‏من‏ ‏العين‏ ‏السخنة‏ ‏يشكرانى أننى أحضرتهما ‏‏من‏ ‏موطنهما‏ ‏الأصلى ‏منذ‏ ‏سنوات‏ ‏ليكونا‏ ‏فى ‏شرف‏ استقباله الآن معى.

هل هى مصادفة مواكبة للحدث؟ ‏اكتشفت‏ ‏أمس‏ ‏فى ‏العيادة‏ ‏هديتين‏ ‏مهملتين‏ ‏رغم‏ ‏دلالتهما‏، ‏وكأنهما‏ ‏كانا‏ ‏ينتظران‏ ‏من‏ ‏يستحق‏ ‏أن‏ ‏يشاركنى ‏حضورهما‏ ‏فى ‏وعيى ‏بما‏ ‏يستحقان‏، “بارافان‏” ‏خشبى ‏صغير‏ ‏لا‏ ‏يزيد‏ ‏عرضه‏ ‏عن‏ ‏ثلاثين‏ ‏سنتيمتر‏ ‏وطوله‏ ‏عن‏ ‏عشرين‏ ‏سنتيمتر‏، ‏كان‏ ‏الفنان‏ ‏عصمت‏ ‏داوستاشى ‏قد‏ ‏أهداه‏ ‏لى ‏فى ‏نوبة‏ ‏تشكيله‏ ‏روائع‏ ‏بسيطة‏ ‏من‏ ‏بقايا‏ ‏قديمة‏، ‏كما قفزت إلىّ لوحة ‏ ‏بها‏ ‏شعر‏ ‏لطاغور‏ ‏أهداها‏ ‏لى ‏يوسف‏ ‏عزب‏، ‏وطاغور‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الشاعر‏ ‏الذى ‏قال‏ لى ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏يحبه،‏ ‏قرأت‏ ‏ما‏ ‏سطر‏ ‏بهذه‏ ‏اللوحة‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏، ‏وأنا‏ ‏كثيرا‏ ‏ما‏ ‏أفعل‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏الهدايا‏ ‏الخاصة‏ ‏ذات‏ ‏الدلالة‏ ‏الخاصة‏، ‏اؤجل‏ ‏قراءة‏ ‏كلمات الإهداء ‏وأكتفى ‏برائحة وصدق‏ ‏الإهداء‏، ‏فكان‏ ‏بها‏ ‏ما‏ ‏يلي‏:‏

بهذا‏ ‏الذى ‏يدعو‏ ‏الناس‏ ‏عبثا‏ ‏يزهو‏ ‏صديقك‏ ‏أبدا

وبقلبه‏ ‏المفتل‏ ‏بنوره‏ ‏يربح‏ ‏الحقيقة

لا‏ ‏شيء‏ ‏يقوى ‏على ‏أن‏ ‏يضله‏ ‏أو‏ ‏يخدعه

تلك‏ ‏مكافأته‏ ‏يحملها‏ ‏إلى ‏بيته‏ ‏المدخر

هل‏ ‏زيارة‏ ‏الاستاذ‏ ‏هذه‏ ‏هى ‏مكافأتى يحملها لى القدر إلى بيتى المتواضع، لأعلم مدى رضا ربى عن تاريخى حتى الآن؟  ‏أعلم‏ ‏تمام‏ ‏العلم‏ ‏أن شيخى‏ ‏لن‏ ‏يرى ‏أيا‏ ‏من هذه الأحياء التى قفزت تنافسنى حضور شرف استقباله‏ (‏لا‏ ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏أكرر‏ ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏ما‏ ‏تبقى ‏له‏ ‏من‏ ‏بصر‏ ‏عوضه‏ ‏الله‏ ‏ببصيرة‏ ‏لا‏ ‏مثيل‏ ‏لها‏)، ‏كما‏ ‏أعلم‏ ‏أننى ‏لن‏ ‏أحدثه‏ ‏عن‏ ‏شيء‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏الذى ‏أعددته‏ ‏لاستقباله‏، ‏ولا‏ ‏أحد‏ ‏يعلم‏ ‏ماذا‏ ‏فعلت‏، ‏ولو‏ ‏قالوا‏ ‏لى ‏أن‏ ‏لوحة‏ ‏فان‏ ‏جوخ‏ ‏التى ‏بيعت‏ ‏بأكثر‏ ‏من‏ كذا ‏مليون‏ ‏دولار‏ هذا الأسبوع ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏فى حوزتك‏ ‏تزين‏ ‏بها‏ ‏بيتك‏ ‏وأنت‏ ‏فى ‏استقباله‏، ‏لرفضت‏ ‏لتوى، ‏فأنا‏ ‏أعرف‏ – ‏أو‏ ‏أكاد‏ ‏أعرف‏ – ‏ماذا‏ ‏تعنى ‏هذه‏ ‏الأشياء‏ (‏الأحياء‏) ‏لى‏، ‏وكيف‏ ‏أحبها‏، ‏وكيف‏ ‏أريدها‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏فى ‏استقبال‏ ‏من‏ ‏أحب‏.

بعد‏ ‏أن‏ ‏رتبت‏ ‏كل‏ ‏تلك الاشياء، فى ركن معتم ‏ ‏بعيدا عن الأنظار، فى ‏الصالة‏ ‏التى ‏سوف‏ ‏استقبله‏ ‏فيها‏، ‏وهى ‏الدور‏ ‏الأول‏ ‏من‏ ‏مسكنى ‏الخاص‏ (‏جدا‏)، وجدت أن هذا الدور الهادئ المهمل ‏قد‏ ‏امتلأ‏ ‏فجأة‏ ‏بالحياة‏ ‏والأحياء،‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يحضر‏ ‏الاستاذ‏، ‏بل‏ ‏إننى ‏اكتشفت‏ ‏أيضا‏ ‏أننى ‏أحب‏ ‏أشياء‏ ‏كثيرة‏ ‏وصغيرة‏ ‏وهامة‏، ‏فلماذا‏ ‏يتهمونى- ‏وخاصة‏ ‏أولادى ‏وربما‏ ‏طلبتى- ‏بأننى ‏لا‏ ‏أحب‏ ‏شيئا‏ ‏سوى ‏القراءة‏ ‏والتطبيب؟‏ ‏فليشهد‏ ‏أستاذى ‏حين‏ ‏تصله‏ ‏الرسالة‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الأشياء‏ ‏الصغيرة‏ ‏المحيطة‏ ‏بأننى ‏أحبه‏، ‏وأننى ‏أحضرت‏ ‏له‏ ‏فى ‏إستقباله‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏أحب‏، ‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يمثل‏ ‏ما‏ ‏أحب‏.‏

حضر‏ ‏الاستاذ‏ ‏فى ‏الميعاد‏ ‏بالدقيقة‏، ‏وكان‏ ‏فى ‏صحبته‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏وزكى ‏سالم‏‏، ‏جلس‏ ‏وسطنا‏ ‏بكل طيبته‏ ‏الرحبه‏ ‏فامتلأ بيتى به،‏ ‏وامتلأت الدنيا بتحوّطنا حوله‏، ‏جلس‏ ‏وكأنه‏ ‏كان‏ ‏هنا‏ ‏منذ‏ ‏خمسين‏ ‏عاما‏، ‏أولادى ‏وزوجتى ‏وزوجة‏ ‏إبنى ‏وحفيدى ‏وحفيدتى ‏جاؤوا وسلموا‏، ‏وجلسوا‏- ‏كنت‏ ‏قلقا‏ ‏من‏ ‏وجودهم‏ ‏بصراحة‏ – ‏كنت‏ ‏أريد‏ ‏ألا‏ ‏يشعر‏ ‏الأستاذ‏ ‏بجو‏ ‏أسرى تقليدى ‏يعوق‏ ‏انطلاقه‏، ‏كنت‏ ‏أعد‏ ‏له‏ ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏فرصة‏ ‏أن‏ ‏نلتقى ‏بنوع‏ ‏آخر‏ ‏من‏ ‏العقول‏ ‏والحضور‏ ‏والوعى، ‏ ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏يختلف‏ ‏عن‏ ‏الآخر‏ ‏ويكمله‏ ‏فتثرى ‏الأيام‏ ‏بعضها‏ ‏بعضا، وهذا الجو الأسرى لم يكن ضمن ذلك،‏ ‏خجلتُ أن‏ ‏أنبه‏ ‏أهل‏ ‏بيتى ‏أن‏ ‏ينصرفوا‏ ‏بعد‏ ‏السلام‏، لكنهم التقطوا ما بى فانصرفوا إلى أدوارهم العليا بعد دقائق معدودة، ‏كانوا‏ ‏فرحين‏ ‏به‏، ‏فخورين‏ ‏أنه‏ ‏بينهم‏ ‏فى ‏بيتهم‏، ‏وتذكرتُ‏ ‏جملة‏ ‏ترحيب‏ ‏ريفية‏ ‏كنت‏ ‏سمعتها‏ ‏ولم‏ ‏أفهمها‏، ‏لم‏ ‏أتمعن‏ ‏فيها‏ ‏حينذاك‏ ‏جملة‏ ‏تقال‏ حين‏ ‏يحل‏ ‏ضيف‏ ‏عزيز‏ ‏على ‏آخر‏، ‏يقول‏ ‏صاحب‏ ‏البيت‏ ‏أو‏ ‏صاحبته‏ “‏زارنا‏ ‏النبي‏”‏ ‏المعنى ‏الطيب‏ ‏الذى ‏تحمله‏ ‏جملة‏ ‏الترحيب‏ ‏هذه‏ ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏يعنى ‏أنها‏ ‏زيارة‏ ‏عزيزة‏ ‏وغالية‏ ‏ومباركة‏ ‏وطيبة‏ ‏وكأنها‏ ‏زيارة‏ ‏نبى، ‏ليكن‏ ‏يا‏ ‏سيدى ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏حالى ‏الآن‏ ‏لقد‏ “‏زارنا‏ ‏النبى” ‏فمرحبا‏ ‏وأهلا‏ ‏وحمدا‏ ‏لله‏.‏

كنت‏ ‏قد‏ ‏واعدت‏ ‏بعض‏ ‏زملائى (‏طلبتي‏) ‏أن‏ ‏يشاركونا‏ ‏هذه‏ ‏الجلسة‏ ‏حتى ‏أخفف‏ ‏الجرعة‏ ‏العائلية‏، وخوفا من قلة عدد الحضور أو فقر الحوار، لم يكن موعد اللقاء ولا مكانه قد وصلا إلى سائر الأصدقاء([45]) تذكر‏ ‏د‏. ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏الله‏ (‏أحد زملائى ممن يعملون معى فى المقطم، وقبل الدعوة فحضر اللقاء‏) تذكر ‏مقتطفا‏ ‏من‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية‏ (‏آخر‏ ‏أعمال‏ ‏الاستاذ‏ ‏، كانت ‏لم‏ ‏تنشر‏ ‏مكتملة‏ بعد) ‏وأعاد ‏ ‏المقتطف‏ على الأستاذ: “‏إن‏ ‏المعنى ‏فى ‏الحركة‏”، ‏ثم قال‏ للأستاذ إنه اكتشف ‏أنه‏ ‏يعالج‏ ‏المرضى ‏بوحى ‏هذه‏ ‏المقولة‏، ‏وشرح قصده ‏شرحا‏ ‏أقل‏ ‏مما‏ ‏وصلنى ‏وأمِلتُـه‏، ‏فشعرت بذلك، ويبدو أنه شعر هو أيضا بذلك، فدعانى الأستاذ مرحبا ‏أن‏ ‏أكمل‏ ‏الشرح‏ ‏لربط المعنى بالحركة بالعلاج، فقلت‏ ‏للأستاذ‏ ‏مازحا‏ ‏محذرا أننى‏ ‏حين‏ ‏أشرح‏ ‏مثل‏ هذه ‏ ‏الخبرة‏ ‏العلاجية الغامضة بالألفاظ‏ ‏لا‏ ‏أفعل‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ “‏أصعـِّبـها‏”، ‏وأخذت‏ ‏أشرح‏ ‏له‏ ‏وجهة‏ ‏نظرى ‏من خلال خبرتى: كيف أن ‏ ‏الأفكار‏ ‏والتفكير‏ ‏توجد‏ ‏فى ‏الجسد‏ ‏كله‏ ‏وفى ‏العضلات‏ ‏خاصة‏، ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏توجد‏ ‏فى المخ‏ ‏وخلاياه‏، ‏وأن‏ ‏حركة‏ ‏الجسد‏ ‏وخلخلته‏ ‏وتوازنه‏ ‏وتكامله‏ ‏كلها‏ ‏لها‏ ‏تأثيرها‏ ‏فى ‏حركة‏ ‏المفاهيم‏ ‏وتنظيمها‏ ‏بما‏ ‏هى ‏جزء‏ ‏لا‏ ‏يتجزأ ‏من‏ ‏الكيان‏ ‏الحيوى ‏للجسد‏ ‏ككل‏ ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏للمخ‏، ‏وفجأة‏ ‏وأنا‏ ‏أتحدث‏، ‏وجدتنى ‏أكلم‏ ‏نفسى، ‏فتوقفت فجأة، كنت قد‏ ‏لاحظت‏ ‏أن‏ ‏حاجبى ‏الأستاذ‏ ‏يزدادان‏ ‏ارتفاعا‏ ‏ولا‏ ‏ينزلان‏، ‏ولو‏ ‏أمكن‏ ‏أن‏ ‏يرتفعا‏ ‏أكثر‏ ‏لحدث‏ ‏ذلك‏، ‏ثم إنه‏ ‏لا‏ ‏يهز‏ ‏رأسه‏ ‏بين‏ ‏الجملة‏ ‏والجملة‏، ‏كما‏ ‏اعتدت‏ ‏منه‏ ‏فرجحت‏ ‏أننى ‏شطحت‏، ‏وأننى ‏أتكلم‏ ‏لغة‏ ‏خاصة‏، ‏وأننى ‏خرجت‏ ‏عما‏ ‏ينبغى، ‏فخجلت‏ ‏حتى ‏كدت‏ ‏أعرق‏ ‏وتوقفت‏ ‏وكأنى ‏أعتذر‏، ‏وخففت‏ ‏من‏ ‏الجرعة‏ ‏وأنا أعتذر علنا مذكرا الأستاذ والحضور‏ ‏أننى ‏أعلنت‏ ‏من‏ ‏البداية‏ ‏أننى “‏أصعِّـبها‏”، وبرقته الدافئة لم يستزدنى شرحا، ووافق بطريق غير مباشر على تغيير مجرى الحديث (وقد رجعنا إليه لاحقا فى ظروف أطيب بين عدد من الحضور أقل فكان أيسر علىّ وعليهم).

للأسف، أو كالعادة، وجدنا أنفسها نقلِّب من جديد فى ‏مسألة‏ ‏الديمقراطية‏ ‏والتهديد‏ ‏بأن‏ ‏يتولى ‏الإسلاميون‏ ‏السلطة‏، ‏هذا‏ ‏الحديث‏ ‏لايريد‏ ‏أن‏ ‏يتوقف‏، ‏ويبدو أن ما‏ ‏تفعله‏ ‏الحكومة‏ ‏الحالية‏ بهم ‏من‏ ‏تعذيب‏ ‏وملاحقة‏ ‏يومية هو الذى يجعل البدائل تقفز فى مواجهة بعضها البعض بهذه الصورة اللحوح‏، ‏أغلب‏ ‏الحضور‏ ‏من‏ ‏الشباب‏ ‏يرفضون‏ ‏هذا‏ ‏التعذيب‏ ‏وهذا‏ ‏القهر‏ ‏السلطوى، ‏وحين‏ ‏سألتهم‏ ‏إذا‏ ‏كانوا‏ ‏صادقين‏ ‏حقا‏ ‏فى ‏رفضهم‏ ‏هذا‏، ‏فهل‏ ‏يقبلون‏ ‏إتاحة‏ ‏الفرصة‏ ‏لهؤلاء‏ ‏الناس‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏الديمقراطية‏ ‏أن‏ ‏يتولوا‏ ‏الحكم‏، ‏فأجابوا‏ ‏كلهم‏: (‏حوالى ‏ستة‏)، ‏بالنفى، وقال الأستاذ رأيه من جديد وهو يوجهه هذه المرة للشباب على ما يبدو، ‏وحين‏ ‏احتد‏ ‏الخلاف‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏إبنى ‏محمد ذكرنا‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏بأن‏ ‏هذا‏ ‏الخلاف‏ ‏الظاهر‏ ‏يتكرر‏، ‏وأنه‏ ‏يعنى ‏شيئا‏ ‏طيبا‏ ‏فى ‏الأغلب‏، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يمثل‏ ‏الخلاف‏ ‏بين‏ ‏الأجيال‏ ‏أو‏ ‏الصراع‏ ‏بينهما‏، ‏فقلت‏ ‏للأستاذ‏ ‏إنها‏ ‏فرصة‏ ‏لأعرض‏ ‏عليه‏ ‏رأيى ‏فى ‏هذه‏ ‏القضية‏ التى أرى أن الغربيين اختزلوها فيما يسمى “صراع”، ‏ففى ‏حين‏ ‏يؤكد ‏الغربيون‏ (‏وربما‏ ‏امتدادا من الإغريق‏) ‏أن‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الإبن‏ ‏والأب‏ ‏يحكمها‏ ‏التنافس‏ ‏وإثبات‏ ‏الذات‏ ‏والإنفصال‏ ‏للتميز‏ ‏كما‏ ‏صور‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏سوفوكليس‏ ‏فى ‏أوديب‏، ‏ثم‏ ‏أقره‏ ‏وروّجه‏ ‏سيجموند‏ ‏فرويد‏ ‏فيما‏ ‏يعرف‏ ‏بعقدة‏ ‏أوديب‏، ‏فإننى ‏أرى ‏أن‏ ‏حضارات‏ ‏وأديان‏ ‏جنوب ‏شرق‏ ‏آسيا‏، ‏وكذلك‏ ‏الحضارات‏ ‏والثقافات‏ ‏الإيمانية‏ ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الإسلام، ‏تقدم‏ ‏نموذجا‏ ‏آخر‏ ‏لعلاقة‏ ‏الإبن‏ ‏بأبيه‏، ‏وهو‏ ‏نموذج‏ ‏”اسماعيل- إبراهيم” ‏ ‏عليهما‏ ‏السلام‏، ‏هنا ‏الأب‏ ‏يرى مناما (هو وعى آخر) يأمره أن يذبح‏ ‏ابنه، فيستقبله باعتباره إلهاما‏، ثم يطيع الأب الأمر، ثم يطيع الإبن أباه، ليس لأنه أباه، ولكن لأنه أُوحِىَ إليه، تتأكد إرادة التطور دون إعاقة من طفولة أو بدائية بداخلنا، ويتحقق الولاف بين هذا التسلسل برمز التضحية بما هو حيوان بدائى منفصل فيما يمثله الطفل فينا إذا انفصل عن الواحدية المتخلقة من جدل الأب والإبن فى رحاب الوعى الأشمل، فيتم إنقاذهما معا، لهما معا، فالإبن‏ ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏ذاتا‏ ‏حقيقية‏ ‏مختلفة‏ ‏تمثل‏ ‏طورا‏ ‏تاليا‏ ‏غير‏ ‏منفصل‏ ‏عن‏ ‏تاريخها‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏تمثل‏ ‏والده‏ ‏طاعةً فاحتواءً حتى ‏هضمه‏ ‏دون أن يلغيه، والأب ‏يكون‏ ‏قد‏ ‏تخلص‏ ‏من‏ ‏بدائيته‏ ‏الناطحة‏ ‏الحيوانية‏ دون أن يفقد ابنه بداخله، من هنا جاءتنى أصول “فرض جدل إسماعيل = إبراهيم”، بديلا عن صراع أوديب وأبيه وتنافسهما على الأم، الجدل هنا يتم حله بتخليق الخطوة التالية منه، لا بالصراع ولا بانتصار أحد الأطراف على الطرف الآخر حتى القتل.‏ ‏الولادة‏ ‏الجديدة تتم بتكرار هذا الجدل فى مراحل مختلفة من النمو والتطور، بطاعة الأب للرب، وطاعة الإبن للأب، فى رحاب إيقاع الجدل الأرحب. ما كل هذا ؟ ما كل هذا؟ كيف سمحتُ لنفسى أن أتمادى فى هذا التصعيب لمجرد الرد على توفيق صالح وهو يعقب على علاقتى بمحمد إبنى، العجيب فى الأمر، أن الأستاذ – برغم صعوبة الفرض فالأطروحة – كان يميل نحوى وأنا أقترب من أذنه اليسرى، وهو يهز رأسه فى إنصات تام، شعرت معه أنه يتابعنى فعلا، وربما هذا هو ما شجعنى على أن أواصل كل هذه الفروض المهزوزة، كيف ذلك! كيف يحافظ على طلب المعرفة بكل هذا الاشتياق مع كل هذه الصعوبات، تلفتّ حولى فإذا بى أكتشف كما لو أن إنصات الأستاذ هكذا برغم غموض كل ما أقول قد وصلت عدواه إلى بقية الحضور، فلم أخجل هذه المرة.

تعقيبا على مُجمل ما قلت، بدأ النقاش ‏من‏ ‏إشارات شخصية من خبرة بعض الحاضرين شبابا وشيوخاً، ‏وشارك‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏الاستجابة‏ ‏ذاكرا‏ ‏والده‏ ‏شخصيا‏،‏ ‏قال‏ ‏إنه‏ ‏لم‏ ‏ينمْ‏ ‏لوالده‏ ‏حتى ‏يفتديه‏ بذبح عظيم، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏هو لا يذكر أنه كانت ‏‏هناك‏ ‏فرصة‏ ‏للصراع بينهما، ولا يستطيع أن يجزم بأن جدلا ما قد تم بأى درجة لها علاقة بما ذكرت، قال: يبدوا أنه‏ ‏اختبأ‏ ‏بعيدا‏ ‏عن والده، فأجـَّـل‏‏ ‏المواجهة‏ ‏لأكبر‏ ‏قدر‏ ‏استطاعه‏ ‏من‏ ‏الزمن‏، ‏وأن الحوار لم يبدأ مع والده إلا متأخرا حين كان‏ ‏‏ ‏يلح‏ ‏عليه‏ ‏الوالد فى ‏الزواج‏، ‏الأمر الذى زاد بعد أن ‏ ‏تزوج‏ ‏أخوه‏ ‏الأكبر‏ ‏فالذى ‏يليه‏، ‏وقال الأستاذ‏ أنه كان ‏يزوغ‏ ‏منه‏، ‏وأن ‏ ‏الرسائل‏ ‏الخاصة‏ ‏بالعروض‏ ‏الزواجية‏ كانت تـُتَبـَادل‏ ‏بينهما‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏المفاوضات‏ “‏الماكوكية‏” ‏التى ‏تقوم‏ ‏بها‏ ‏الوالدة‏، ‏فما‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏المواجهة‏ ‏بالرفض‏ ‏المباشر‏، ‏وكلما‏ ‏عرضت‏ ‏الأم‏ ‏اسم‏ ‏فتاة‏ ‏قريبة‏ ‏أو‏ ‏معروفة‏ (‏وكانت‏ ‏القيمة‏ ‏الأولى ‏فى ‏مميزات‏ ‏العرض‏ ‏هى ‏موقف‏ ‏أسرتها‏ ‏المالى، ‏أن‏ ‏عندها‏ ‏كذا‏ ‏وكيت‏، ‏وأن‏ ‏والدها‏ ‏يملك‏ ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏ماذا‏…بالإضافة إلى الموقف الأخلاقى والجمالى طبعا.. ‏الخ‏)، ‏فكان‏ ‏الأستاذ‏ ‏يعتذر‏ ‏عن‏ ‏فكرة‏ ‏الزواج‏ ‏بأنه‏ ‏مشغول‏، ‏ثم‏ ‏يضحك‏ (وهو يحكى): “‏مشغـول‏ ‏بماذا؟‏”، ‏ويعقب‏… “‏كنت‏ ‏كلما‏ ‏ذكر‏ ‏الزواج‏ ‏أذهب‏ ‏إلى ‏الحجرة‏ ‏وهات‏ ‏يا‏ ‏قراءة‏ ‏ويا‏ كتابة‏، ‏حتى ‏أبرر‏ ‏أننى ‏مشغول‏ ‏فعلا‏”، وحين سئل الأستاذ من أحد الشباب الحاضرين عن زواجه، لم يصرح إلا بأنه‏ ‏تزوج‏ ‏أخيرا‏ ‏سنة‏ 54، ‏وكان‏ ‏عمره‏ 43 ‏سنة‏ (‏كنت‏ ‏أحسب‏ ‏أنه‏ ‏تزوج‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏ذلك‏).

‏حكيت‏ ‏له‏ ‏عن‏ ‏زيارتى ‏لمستشفى ‏الخانكة‏ ‏أمس‏ ‏كعضو‏ ‏فى ‏مجلس‏ ‏المراقبة‏، ‏وكيف‏ ‏أننا‏ ‏أفرجنا‏ ‏عن‏ ‏أحد‏ ‏من‏ ‏أودع ‏هناك‏ ‏بسبب‏ ‏جريمة‏ ارتكبها ثبت أنه كان ساعتها غير مسئول، وقلت له إن الجريمة كانت بسيطة، وعقوبتها كانت أقل من مدة إيداعه بكثير، وأننى حاربت من أجل إخراجه، كانت الجريمة هى ‏تهمة‏ ‏ضرب‏ ‏موظف‏ ‏عام‏ ‏أثناء‏ ‏تأدية‏ ‏عمله‏، لكنه ظل فى مستشفى الخانكة عشرين عاما حتى بلغ عمره 64 عاما بالتمام، ويا ليتهم اعتبروه مسئولا، إذن لأمضى عقوبته واسترجع حريته قبل ذلك بكثير، قلت للأستاذ وأنا أربط حديثنا بهذه الحكاية أنه كان‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏الدلائل‏ ‏التى ‏عرضتها‏ – ‏مازحا‏ – ‏لأثبت‏ ‏أنه‏ ‏عاقل‏ ‏ويحسن الحكم على الحياة والتنبؤ بالمستقبل فيستحق‏ ‏الافراج، هو ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يتزوج‏‏. وضحك الأستاذ.

لست‏ ‏أدرى ‏ما‏ ‏الذى ‏جاء‏ ‏بذكر‏ ‏بيرم‏ ‏التونسى، ‏ ‏قال‏ ‏الأستاذ‏ ‏إنه‏ ‏قابله‏، ‏مرة‏ ‏عند‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد‏، ‏وكان‏ ‏ساكتا‏ ‏مكفهرا‏ ‏صامتا‏ ‏تقريبا‏، ‏وقال‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏إنسانا‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏أصدقاء‏، فعقب الأستاذ: “ولكنه ‏كان‏ ‏مليئا‏ ‏بالحرارة‏ والحيوية ‏طول‏ ‏الوقت”.، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏إننى ‏أقف‏ ‏أمام‏ ‏زجله‏ (‏شعره‏) ‏فأشعر‏ ‏أنه‏ ‏لاذع‏ ‏السخرية‏ ‏فوقىّ ‏القسوة‏ (‏وكأنه‏ ‏يكتبه‏ ‏بسكين‏ ‏مسموم‏)، ‏وقارنت‏ ‏بينه‏ ‏وبين‏ ‏نجيب‏ ‏سرور‏ ‏إذ‏ ‏أحيانا‏ ‏ما‏ ‏أشعر‏ ‏بمثل‏ ‏هذا‏ ‏عند‏ ‏سرور‏، ‏لكن‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏بيرم‏ ‏مليئا‏ ‏بالمرارة‏ ‏والقسوة‏ ‏فإن‏ ‏سرور‏ ‏كان‏ ‏مليئا‏ ‏بالسخط‏ ‏والقتل‏، ‏وأتت‏ ‏فكرة‏ ‏تأثر‏ ‏صلاح‏ ‏جاهين‏ ‏ببيرم (وقد علمت أن جاهين هو أحد الحرافيش الأصل، وإن كان ليس دائم الحضور)، وبعد‏ ‏تعبير‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏عن‏ ‏حبه‏ ‏لجاهين‏ ‏حبا‏ ‏شديدا‏ ‏قال‏ ‏إن صلاح ‏تأثر‏ ‏بفؤاد‏ ‏حداد‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏تأثر‏ ‏ببيرم‏ ‏التونسى، ‏وأضاف توفيق أن فؤاد‏ ‏حداد‏ – ‏بما‏ ‏كان‏ ‏يحذق‏ ‏من‏ ‏فرنسية‏ – ‏هو‏ ‏الذى ‏فتح‏ ‏آفاق‏ ‏صلاح‏ ‏على ‏الشعر‏ ‏الفرنسى ‏الحديث‏، ‏فاستزدت من ذلك قائلا: إننى‏ كنت‏ ‏أظن‏ ‏أن‏ ‏حداد‏ ‏هو‏ ‏مصرى ‏قـُحّ‏ ‏ممن‏ ‏لم‏ ‏تتح‏ ‏لهم‏ ‏فرصة‏ ‏حذق‏ ‏لغات‏ ‏أخرى ‏لدرجة‏ ‏معايشة‏ ‏شعر‏ ‏أجنبى، ‏ ‏فحكى ‏لنا‏ ‏توفيق‏ ‏أن‏ ‏حداد‏ا ‏كان‏ ‏سليل‏ ‏أسرة‏ ‏من‏ ‏الأسر‏ ‏ذات‏ ‏الأصل‏ ‏السورى ‏الذين‏ ‏كانوا‏ ‏يمثلون‏ ‏شريحة‏ ‏متميزة‏ ‏فى ‏المجتمع‏ ‏المصرى خاصة ‏من حيث‏ ‏تعليم‏ ‏الأولاد‏، ‏وأحيانا‏ كانت ‏لغة‏ ‏الحوار‏ ‏المنزلية‏ – ‏بالفرنسية‏، ‏وحين‏ ‏انحرفتْ بوصلة فؤاد‏ ‏‏يسارا‏، ‏ودخل‏ ‏السجن‏ ‏تنكرت‏ ‏عائلته‏ ‏له‏ ‏حتى ‏أنكرته‏ ‏داخل‏ ‏السجن‏ ‏وخارجه‏، ‏ولم‏ ‏تكن‏ ‏تتعاطف‏ ‏معه‏ ‏وتزوره‏ ‏وتقف‏ ‏بجواره‏ ‏سوى ‏تلك‏ ‏الفاضلة‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏تساعد‏ ‏الأسرة‏ ‏فى ‏تدبير‏ ‏المنزل‏ (‏وتسمى ‏شغالة‏) ‏وهى ‏التى ‏كانت‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏زوجته‏، ‏وأم‏ ‏أولاده‏.‏

ينتقل‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏محمود‏ ‏شاكر‏، لا أعرف كيف، ولا توجد علاقة أبدا بينه وبين أى ممن تحدثنا عنهم ربما ذكرت انا عفوا صعوبة نقد الشعر، وأن الشعر لا ينقد إلا شعرا، مثلما فعل الأستاذ محمود شاكر فى قصيدته على قصيدة الشماخ “القوس العذراء”، ‏يسألنى ‏الأستاذ عن‏ ‏علاقتى ‏بالأستاذ شاكر‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏ألمحت‏ ‏لذلك‏ ‏مرارا‏، ‏فأقول‏ ‏كيف‏ ‏بدأت‏ ‏علاقتى بالأستاذ شاكر وأنا فى الخامسة عشر حوالى ‏سنة 48، ‏وكيف‏ ‏تعرفت‏ ‏عنده‏ ‏على ‏يحيى ‏حقى ‏ومحمود‏ ‏حسن‏ ‏اسماعيل‏ ‏وعلال‏ ‏الفاسى ‏ورجل‏ ‏فدائيان‏ ‏إسلام‏ ‏أيام‏ ‏مصدق (ربما نواب صفوى، لست متأكدا)، وكان شابا متحمسا غير متزن، تعجبت كيف دعم هذا الشخص ثورة مصدق آنذك، ورحت أذكر ما وصلنى من الأستاذ شاكر لمن لا يعرفه، وأنه فائق الأبوة، ‏ ‏حاد‏ ‏الطبع‏ ‏واضح‏ ‏الفكر‏ ‏موسوعىّ ‏المعرفة‏، ‏شديد‏ ‏الدقة، والرقة برغم ظاهر شدته‏، ‏فيحكى‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏لقيه‏ ‏مرة‏ ‏عند‏ ‏أحمد‏ ‏حسن‏ ‏الزيات‏، ‏فى ‏مكتب‏ ‏مجلة‏ ‏الرسالة‏ ‏فى ‏عابدين،‏ ‏وكان‏ ‏صوته‏ ‏عاليا‏، واحتجاجاته صارخة، ‏لدرجة‏ ‏أن‏ ‏الاستاذ‏ ‏خشىَ‏ ‏أن صوته ‏قد‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏الملك فى قصر‏ ‏عابدين‏‏!!! (وضحك)، فذكرت‏ ‏حادثة تدل على مدى حدّة الأستاذ شاكر، ‏حين‏ ‏ذكر‏ ‏له أحد جلسائه‏ ‏اعتراض‏ ‏طه‏ ‏حسين‏ ‏على ‏رأى ‏كتبه‏ ‏‏ ‏عن‏ ‏موضوع‏ لا‏ ‏أذكره‏، ‏ ‏فإذا‏ ‏بالأستاذ شاكر ‏ ‏يقول‏ ‏بصوته‏ ‏الجهورى تعبيرا أدهشنى وأرعبنى حتى حفظته إلى الآن، قال: “‏دعه‏ (‏طه‏ ‏حسن‏) ‏يكتبه‏ – ‏يكتب‏ ‏الاعتراض‏ – ‏وأنا‏ ‏أذبحه‏ ‏ذبح‏ ‏الشاة‏ ‏فى ‏البيداء‏ ‏بسكين‏ ‏بارد‏”، ‏ومازال‏ ‏هذا‏ ‏التعبير‏ ‏يرن‏ ‏فى ‏أذنى ‏يمثل‏ ‏قوة‏ ‏الحسم‏ ‏وقسوة‏ ‏الرد‏ ‏الباتر‏ وأنا أتصور الذبح بسكينٍ بارد مما يحجّم مقدار القسوة للاحتجاج !!

 

الحلقة الواحد والعشرون

“سيرك الكلمات”: ومع ذلك: فإنى متفائل

الأربعاء‏: 25/1/1995‏

…‏ ‏هذه ‏هى ‏المرة‏ الأولى التى أذهب فيها إلى العوامة “فرح بوت” متأخرا ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏ساعة‏، وجدت‏ ‏الثلة‏ ‏مكتملة‏: هاك ‏الجناح‏ ‏اليمينى ‏عماد‏ ‏العبودى (‏العمدة‏) ‏وحسن‏ ‏ناصر‏ ‏ومحمود‏ ‏كمال‏، ثم ممثل‏ ‏الناصرية‏ ‏اليساريه‏ سواء ‏من‏ ‏اليسر‏ أ‏و اليسار‏ ‏ ‏يوسف‏ ‏العقيد‏، ‏ثم‏ ‏اليسارية‏ ‏المنحازة‏ ‏إلى ‏الشعب‏ ‏والثقافة‏ ‏جمال‏ ‏الغيطانى، ‏كما‏ ‏كان‏ ‏على ‏الشوباشى ‏موجودا‏ ‏يودع‏ ‏الاستاذ‏ ‏ويودعنا‏ ‏قبل‏ ‏سفره‏ ‏غدا‏ ‏أو‏ ‏بعد‏ ‏غد ‏إلى ‏باريس‏، ‏فرحت‏ ‏بهذا‏ ‏العدد‏ ‏الكبير‏.  ‏جاء‏ ‏توفيق‏ ‏ومكث‏ ‏أقل‏ ‏من‏ ‏ثلث‏ ‏ساعة‏ ‏وانصرف‏، ‏وقال‏ ‏فيه‏ ‏أحدهم‏ ‏كلاما غريبا علىّ يتعلق بصحبته للأستاذ، ‏فـَزِعـْتُ‏، ‏ورفضت، لكن زكى سالم غمز لى مشيرا أنه أنه‏ ‏سيفصِّل‏ ‏لى ‏الأمر‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏، ‏وأَنه‏ “توفيق‏” ‏لم‏ ‏يعاود‏ ‏زيارة‏ ‏وصحبة‏ ‏الأستاذ‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏الحادث‏، ‏رفضتُ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏وأنا أتعجب‏، ‏فأنا‏ ‏معهما‏ ‏معظم‏ ‏الوقت‏، ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏سمعت‏ ‏من‏ ‏توفيق‏ ‏تحفظا‏‏، تذكرته واعتبرته ردا “استباقيا”على ‏قائل‏ ‏هذا‏ ‏الكلام‏ ‏وبعض‏ ‏ثلة‏ ‏الثلاثاء‏ ، ‏مال‏ ‏علىّ ‏ ‏الصديق‏‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏وقال‏ ‏لى ‏ما‏ ‏معناه‏ ‏أن‏ ‏الأمر‏ ‏ليس‏ ‏هكذا‏ ‏تماما‏، ‏فلا‏ ‏داعى ‏لانزعاجى، ‏وأنه سوف‏ ‏يشرح‏ ‏لى ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏خفى ‏عنى ‏فيما‏ ‏بعد‏، ‏فهو‏ ‏يتعلق‏ ‏بأشياء‏ ‏مادية‏ ‏صغيرة‏ ‏كانت‏ ‏بينهما‏، ‏لكنها‏ ‏لا‏ ‏تصل إلى ما ذهب إليه ظنى، ‏تحفظت‏ ‏على ‏كل‏ ‏هذا‏، ‏ورحت‏ ‏أتذكر‏ ‏ما‏ ‏يصلنى من‏ ‏توفيق‏ ‏تحت‏ ‏سمعى ‏وبصرى ‏يوميا‏، ‏وما‏ ‏يحكيه‏ ‏عن‏ ‏صحبتهما‏ ‏منذ‏ ‏الستينات‏، ‏ويوم‏ ‏الخميس‏ ‏بالذات، يوم الحرافيش وغيره من أيام‏، ‏وعن الجولة‏ ‏التالية‏ ‏للعشاء‏ ‏التى ‏كان‏ ‏يصحب‏ ‏الأستاذ‏ ‏فيها‏ ‏وهما‏ ‏وحدهما‏ ‏حتى ‏الواحدة‏ ‏صباحا‏ ‏أذكر‏ ‏هذا‏ ‏كله‏ ‏لدلالة‏ ‏واحدة‏، ‏فالإختلاف‏ ‏وارد‏ ‏والخلاف‏ ‏جائز‏، ‏وهكذا‏ ‏الدنيا‏، ‏لكننى ‏أحببت‏ ‏أن‏ ‏أظهر‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الإنسان‏ ‏”نجيب‏ ‏محفوظ”‏ ‏قادر‏ ‏على ‏أن‏ ‏يتكيف‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏ ‏مع‏ ‏كل‏ ‏أنواع‏ ‏البشر‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏دبت‏ ‏العداوة‏ (كما يزعم البعض) – ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏الاختلاف‏ – ‏بينهم‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يميل‏ ‏هنا‏ ‏أو‏ ‏هناك‏ ‏بشكل‏ ‏يحرمه‏ – ‏ويحرمنا‏ – ‏من‏ ‏التنوع‏ ‏والتحرك‏ ‏والحوار‏ – ‏لكن‏ ‏أمرا‏ ‏آخر‏ ‏وصلنى ‏هذا‏ ‏اليوم‏ ‏وهو‏ ‏الفرق‏ ‏الشديد‏ ‏بين‏ ‏ثلة‏ ‏الحرافيش‏ ‏وثلة‏ ‏العوامة([46])‏ (‏والتى ‏اسماها‏ ‏الأستاذ‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏وقفية‏”د.‏إبراهيم‏ ‏كامل”‏ ‏الملياردير‏ ‏المصرى ‏المحب‏ ‏للثقافه)‏، ‏إنتهز‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏الفرصة‏ ‏وسألنى ‏عن‏ ‏غموض‏ ‏بعض‏ ‏فقرات‏ ‏عملى”‏حكمة‏ ‏المجانين‏”، فأجبته بأنها”هكذا”ولو شرحت سقطت ولم تؤد وظيفتها، (مع أننى أقوم بتحديثها الآن 2011 لمن يتابع يومية كل اثنين هنا فى الموقع)، ‏حاولت‏ ‏أن‏ ‏أدافع‏ ‏عن‏ ‏نفسى ‏بذكر‏ ‏غموض النفرى، ‏رفض‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏التشبيه‏ ‏وقال‏ ‏إن‏ ‏النفرى ‏يرفعك‏ ‏من‏ ‏البداية‏ ‏إلى ‏مستوى ‏جو‏ ‏خاص‏ ‏من‏ ‏التلقى([47]).

ثم‏ ‏جاء‏ ‏ذكر‏ ‏ما‏ ‏أشار‏ ‏إليه‏ ‏هيكل‏ ‏فى ‏محاضرته‏ ‏فى ‏معرض‏ ‏الكتاب‏ ‏عن‏ ‏رواية‏ ‏يوسف‏ ‏القعيد ‏”‏حدث‏ ‏فى ‏بر‏ ‏مصر‏”، ‏وكان‏ ‏يوسف القعيد منتشيا‏ ‏بذكر‏ ‏هيكل‏ ‏لاسمه‏ ‏فى ‏الندوة‏، ‏أخذ‏ بعض ‏الحاضرين‏ ‏يضيفون‏ ‏لقب‏ ‏العظيم‏ ‏إلى ‏هيكل‏ ‏أسوة‏ ‏بإصرار‏ ‏القعيد‏ ‏على إلصاق ‏ ‏هذه‏ ‏الصفة‏ ‏باسم‏ ‏جمال‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏كلما‏ ‏ذكر‏ (‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏العظيم‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏العظيم‏)،‏ ‏ ‏أدى ‏ذلك‏ ‏إلى ‏فتح‏ ‏حديث‏ ‏جانبى ‏مع‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏حول‏ ‏دور‏ ‏حسنين‏ ‏هيكل‏ ‏بالذات‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ الحالية ، ‏وكان‏ ‏له‏ ‏رأى ‏طيب‏ ‏فى ‏أنه‏ ‏يقوم‏ ‏بدور‏ ‏معارضة‏ حديثه تستعمل ‏أدوات‏ ‏مدعمة‏ ‏بالأسانيد‏ ‏مثيرة‏ ‏للوعى، وأضاف زكى تزكيته لهذا الدور، وأنه ‏‏ ‏يعتقد‏ ‏أننا‏ ‏نحتاجه‏ ‏هذه‏ ‏الأيام‏”‏هكذا‏”، ‏واختلفت‏ ‏معه‏، ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏لا‏ ‏أحد‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏ينكر‏ ‏أن‏ ‏هيكل‏ ‏شديد‏ ‏الذكاء‏، ‏شديد‏ ‏العصرية‏، ‏شديد‏ ‏التنظيم‏ ‏والإدارة‏، ‏شديد‏ ‏التمكن‏ ‏من‏ ‏الصياغة‏ ‏واستعمال‏ ‏الأرقام‏ ‏والوثائق‏، ‏وبالرغم‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏فإنه‏ ‏لا‏ ‏يكف‏ ‏عن‏ ‏الدوران‏ ‏حول‏ ‏ذاته‏، ‏ولا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يخفى ‏غروره المستفـِزّ، ‏ ‏وهو لا‏ ‏يفعل‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏ينظـِّر‏ ‏تاريخا‏ ‏لا‏ ‏فائدة‏ ‏منه حالا‏، والأرجح عندى أنه ‏لو‏ ‏أتيحت‏ ‏فرصة‏ ‏اختبار نقده واقتراحاته البديلة على أرض الواقع، لفشل فشلا ذريعا. ‏أصر‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏على ‏أن‏ ‏يفرق‏ ‏بين ‏”‏قوة‏ ‏الرأى ‏وحجته‏ ‏‏وبين “طبع‏ ‏صاحب‏ ‏الرأى ‏وموقفه‏”، ‏ففى ‏حين‏ ‏كان‏ ‏يوافقنى ‏على ‏ذاتية‏ ‏هيكل‏ ‏المفرطه‏، ‏كان‏ ‏متحفظا‏ ‏على ‏تقليلى ‏من‏ ‏دوره‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الفترة‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏أصبح‏ ‏بمثابة‏ ‏باحث‏ ‏متفرغ‏، ‏قلت‏ ‏له‏: “‏ولو‏”، ‏فإننى ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏هيكل‏ ‏كان‏ ‏حاضرا‏ ‏فى ‏وعى ‏عبد‏ ‏الناصر‏، ‏بقدرته‏ ‏على ‏استلهام‏ ‏ميله فى المواقف المختلفة‏، ‏ثم‏ إنه ‏راح‏ ‏يقترح‏ ‏عليه ما‏ ‏يرى ‏أنه‏ ‏يستهويه‏، ‏ثم‏ ‏أخذ‏ ‏ينتظر منه أن يقرر هذا‏ ‏الذى ‏اقترحه ‏ ‏ويبرره لأنه رأيه مشارِكاً خفيًّا منذ البداية، لا رأى عبد الناصر مستقلا، ‏ ‏ثم‏ ‏إنه تمادى ‏فى ‏لعب‏ ‏هذا‏ ‏الدور‏ ‏حتى ‏اعتمد‏ ‏عليه‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏أكثر‏ ‏فأكثر بوعى أو من وراء ظهره‏، ‏وحين‏ ‏انهمك‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏فى ‏صخب‏ ‏المشاكل‏، ‏كما ربما عمِىَ بغشاوة الغرور‏، ‏أصبح‏ ‏دور‏ ‏هيكل‏ ‏أكثر‏ ‏أهمية‏ ‏وخطرا‏ حتى ‏ ‏أتيحت‏ ‏له‏ ‏مساحة‏ ‏ما‏ – ‏دون‏ ‏ظهور‏ ‏واع‏ – ‏فى ‏صنع‏ ‏بعض‏ ‏القرارات التى أُخِذَت على عبد الناصر، وما كانت إلا قرارات هيكل ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يتحمل‏ ‏مسئوليتها‏ ‏مباشرة‏ ‏طبعا‏، ‏فاستحلى ‏هذا‏ ‏الدور‏، ‏وظن‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏أن‏ ‏يلعبه‏ ‏مع‏ ‏السادات‏، ‏ولم‏ ‏يتصور‏ ‏فى ‏يوم‏ ‏من‏ ‏الأيام‏ ‏أن‏ ‏السادات‏ (‏أو‏ ‏غير‏ ‏السادات‏) ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يستغنى ‏عنه‏، ‏فلما‏ ‏فعلها‏ ‏السادات‏ ‏واستغنى عنه ضمن مفاجآته الصادمة، وببساطة لم يتوقعها هيكل، ‏إذ لم يكن فى حسابه أن أحدا على الأرض يستطيع أن يستغنى عن خدماته، وظل كذلك ‏حتى ‏حرب‏ ‏أكتوبر‏، ‏وحين‏ ‏أعلن‏ ‏السادات‏ ‏عن ما أسماه عام”الحسم”، ‏راح‏ ‏هيكل يلمز‏ ‏ويغمز‏ ‏حتى ‏يوم‏ 7 ‏أكتوبر‏ 1973 ‏تحديدا‏ ‏حين‏ ‏كتب‏ ‏أن‏ ‏القرار‏ ‏شجاع‏ ‏وتاريخى، ‏لكنه‏ ‏أيضا‏ ‏راح‏ ‏يلمز‏ ‏بما‏ ‏يشير – أو يحذر- ‏ ‏أن‏ على ‏السادات‏ ‏أن‏ ‏يتحمل‏ ‏نتائجه‏ ‏وحده‏ (‏ربما لأنه لم يستشره شخصيا)، ‏وأحسب‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يظن‏ ‏أن‏ ‏الحرب‏ ‏ستفشل‏ ‏كما‏ ‏عوّده‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏، ‏وحين‏ ‏حققت‏ ‏الحرب‏ ‏غرضها‏ ‏المحدود، ‏ انتهزها فرصة وراح يجاهر بهجومه على السادات باعتباره قد ‏ ‏أضاع‏ ‏فرصة استثمار النصر‏….‏إلخ‏، ‏ومن‏ ‏ذلك‏ ‏الحين‏ ‏راح ‏ ‏يلف‏ ‏ويدور‏ ‏حريصا على‏ ‏تلميع‏ ‏صورته‏ ‏مع أنها ‏لامعة‏ ‏بما‏ ‏فيه‏ ‏الكفاية([48])‏، رسمت صورة لكتاباته الحالية بأنه يتبختر حول وثائقه كما يلف حول عربته المارسيدس متباهيا، ‏ومضيت‏ ‏أذكّر‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏بنوع‏ ‏سيدات‏ ‏المجتمع‏ ‏اللاتى ‏يحضرن‏ ‏ندواته‏ ‏ويرسلن‏ ‏السائق‏ ‏أو‏ ‏السفرجى ‏لحجز‏ ‏أماكنهم‏ ‏فى ‏الصفوف‏ ‏الأولى، ‏والمفارقة‏ ‏الغريبة‏ ‏بين‏ ‏نوعية هذا‏ ‏الجمهور‏ ‏وبين‏ ‏كلامه‏، ‏وأخيرا‏ ‏أضفتُ‏ ‏تحذيرى ‏من‏ ‏موقفه‏ ‏من ممالأة ‏التيار‏ ‏السائد‏، ‏مثل‏ ‏غزله الواضح ‏ ‏فى التيار‏ ‏الدينى ‏الحالى، ‏وأضفت‏ُُ ‏افتراضا‏ ‏تصورت‏ ‏أنه‏ ‏سيفحم‏ ‏زكى ‏حين‏ ‏قلت‏: ‏تصور‏ – ‏مجرد‏ ‏خيال‏ – ‏أن‏ ‏مبارك‏ ‏أتاح‏ ‏له‏ ‏فرصة‏ ‏القيام‏ ‏بنفس‏ ‏الدور‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏يقوم‏ ‏به‏ ‏مع‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏، ‏وأعتقد‏ ‏أن‏ ‏شخصية‏ ‏مبارك‏ ‏وقدراته‏ ‏تتيح‏ ‏لمثل‏ ‏هيكل‏ ‏مساحة‏ ‏أوسع‏ ‏بكثير‏ ‏مما‏ ‏أتاحته‏ ‏شخصية‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏، ‏فماذا‏ ‏كان‏ يمكنه أن يضيف تحديدا إلى السياسة القائمة حتى تنصلح أو تنطلق؟ وافقنى ‏زكى ‏جزئيا بأمانة‏ ‏واضحة‏، ‏لكنه‏ ‏أصر‏ ‏على ‏أنه‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏، ‏فإن‏ ‏ما‏ ‏يقوله‏ ‏هيكل‏، ‏وما‏ ‏يقدمه‏ ‏من‏ ‏رؤى، وما يضيفه من معلومات ‏ ‏هو‏ ‏مفيد‏ ‏فى ‏تكوين‏ ‏أو‏ ‏تحريك‏ ‏معارضة‏ ‏رشيدة‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏.‏

كنا ننتقل إلى الأستاذ بين الحين والحين بموجز، أو نص، بعض حوارنا الجانبى، وكان يلتقط منه ما يريد أو ما يستطيع على حسب المساحة المتاحة التى تسمح بها المناقشات الجانبية الأخرى، كنت أحاول بين كل فقرة وفقرة من النقاش أن أنكش الأستاذ ليدلى برأيه فى هذه النقطة أو تلك، فكان يهز رأسه برفق ويعقب بكلمة أو كلمات قليلة أشعر معها أنه: إما أن معالم النقاش لم تصله بدرجة كافية، أو أنه يتحفظ على أن يدلى برأيه فى شخص يحترمه، ويحفظ له جميله مثل هيكل، ثم قفز سؤاله عن الساعة فجأة ردا على سؤال لحوح طرحته عليه بحماس إثر خلافى مع زكى، جاء السؤال عن الساعة مفاجأة لى، فهو عادة لا يسأله إلا قرب انتهاء اللقاء وهو يفخر بساعته البيولوجية خجلت من أننى نسيت نفسى، وربما نسيته واندمجت فى الحديث مع زكى، تمنيت لو أننى مسحت هذا الجزء من الجلسة، هل أستطيع؟ التفت إلى ما يجرى حولنا وكنت قد انصرفت عنه، فإذا بمعظم المتحدثين يعددون سلبيات ما وصلنا إليه إلى أن وصلنا إلى ‏تلميحات‏ ‏التراجع‏ ‏عن‏ ‏رفض‏ ‏التوقيع‏ ‏على ‏معاهدة‏ ‏الأسلحة‏ ‏النووية‏ ‏رغم‏ ‏عدم‏‏ ‏توقيع‏ ‏اسرائيل‏، ‏وإذا‏ ‏بالاستاذ‏ ‏يقول‏ فجأة ‏وهو‏ ‏يهم‏ ‏بالوقوف‏:”‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فإنى ‏متفائل‏”، لاحظت أننى أتبادل التفاؤل معه بطريقة طريفة، فأنا أعتبر نفسى متفائل بالضرورة مادمت حيا، منذ مدة طويلة قررت أن أرفض بحسم رفاهية اليأس، وأن أتعهد أن أساهم فى تفعيل تفاؤلى ولو بشكل فردى، قررت ذلك حين انتبهت إلى أنه إن لم يكن التفاؤل مسئولية آنية، فهو تسكين خائب، تفاؤل الأستاذ عادة مرتبط بمشاكل ناسه، ودولته، ووطنه، وحين أعرض عليه تفاؤلى الذى يشمل تصور الإسهام فى تكوين وعى عالمى جديد عبر شبكة التواصل المتنامية، يندهش، ثم يستفسر، ثم يفرح وهو يحاول أن يصدق، لكننى أعود فأعلن حذرى أن يكون تفاؤلى”العالمى”، هو هرب من رؤية مصيبتنا المحلية، أروع ما فى تفاؤل الأستاذ هو‏ ‏ارتباطه‏ ‏بالواقع‏ ‏وثقته‏ ‏بقدرة‏ ‏الزمن‏ ‏على ‏تصحيح‏ ‏التجارب‏ ‏الخاطئة‏ (‏سبق‏ ‏الإشارة‏ ‏إلى ‏ذلك، حتى فيما يتعلق باحتمال مرحلة من الحكم الدينى‏)، قالها الأستاذ هذه المرة وهو يهم بالقيام دون أن يتأكد من حلول ساعة الانصراف: “ومع ذلك فأنا متفائل”، وصلتنى كأنها تنبيه أن نكف عن مضغ لبانة الحديث عن السلبيات هكذا طول الوقت، وأنه إن لم نكف عن ذلك فهو منصرف، طبعا هو لا يفعل ذلك أبدا، ولا يهدد به، وما ترجمت سؤاله عن الساعة لأشير إلى هذا الاحتمال، لكنها مخاوفى أنا من احتمال ضجره من كل هذه المكلمة، نظرت إلى وجهه أبحث عن الاحتجاج فلم أجد إلا أن ابتسامته قد اتسعت حتى كأنها إرهاصة ضحكته‏ ‏الرائعة‏، نبهته إلى أنه ما زال امامنا نصف ساعة على الأقل، فعاد إلى الاعتدال فى مجلسه، ملت عليه أعتذر عن انصرافى عنه، وتركه نهبا لاجترار السلبيات من حوله إلى هذه الدرجة، هدهد على ساقى وهو يتعجب من اعتذارى وينكر أنه ضجر من أى شىء، سألته إن كان قد وصله ما يكفى من حوارى مع زكى عن هيكل، فطلب منى أن الخص له رأيى: قلت له: انا أتصور أن‏ ‏هيكل‏ ‏فى‏ ‏دورانه‏ ‏الرائع‏ ‏فى ‏سماء‏ ‏الكلمات‏ ‏والأرقام‏، و‏بين‏ ‏حلقات‏ ‏المناورة‏ ‏المربوطة‏ ‏حبالها ‏النازلة‏ ‏من‏ ‏سقف‏ ‏السياسة‏ ‏والصحافة‏ ‏والنشر‏ ‏والعالمية،‏ ‏كأنما هو يقفز برشاقة ماهرة من حلقة إلى حلقة، ممسكا بهذا الحبل، طائرا إلى هذه الحلقة، وهو يدور حول نفسه، والناس‏ ‏تبحلق‏ ‏منبهرة من ‏مهارته‏ فى كل دوره، لكنه يصل‏ ‏فى ‏النهاية‏ ‏إلى ‏النقطة‏ ‏التى ‏بدأ‏ ‏منها‏، ثم يهبط فرحا بنفسه ليحيى ‏الجمهور‏ المعجب بمهارته، وقد نسى أننا لم نبرح سيرك ‏الكلمات‏ ‏والأرقام‏ وأوراق الوثائق، وكأن الهدف الأساسى هو تحقيق وصلة بالتصفيق وفتح الأفواه إعجابا”، ورفع الحواجب دهشة!!

 ربت الأستاذ على ساقى مرة أخرى وقال:”لماذا كل هذا؟”، قلت له”لا أدرى”، قال”أحسن”،

 ‏ثم أطلق ‏ضحكته‏ ‏التى كانت قد وعدتنا به سعة ابتسامته المتزايدة.

فهمت

ودعوت له

ولى.

 الحلقة الثانية والعشرون

ألا أيها النوّام ويحكموا هبُّوا

الخميس‏: 26/1/1995‏

هذه‏ ‏ليلة‏ ‏الحرافيش‏ ‏الثالثة‏ ‏بالنسبة‏ ‏لى‏، ‏مازالت‏ ‏المسألة‏ ‏قاصرة‏ ‏على ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏وتوفيق‏ ‏صالح‏ ‏واحتمال‏ ‏جميل‏ ‏شفيق. ‏هل‏ ‏يا‏ ‏ترى ‏آن الأوان أن أقول و”شخصـِى”، لست واثقا، لا أظن، أنا لا ‏ ‏أعتبر نفسى ‏حرفوشا بعد، ولن أكون غالبا!!، لست أدرى.

…. إلى ‏فورت‏ ‏جراند‏، ‏بعد‏ “‏بتاع‏ ‏السوداني‏”، ‏نعبر‏ ‏شارع‏ ‏الملك‏ ‏فيصل‏ ‏كله‏ ‏ونعود‏ ‏من‏ ‏شارع‏ ‏الهرم‏ ‏كله‏ ‏إلى ‏منزل‏ ‏توفيق‏ ‏بكل‏ ‏الحراسة‏ ‏وتوسيع‏ ‏الطريق‏ ‏استجابة لزمامير‏ ‏الإنذار‏ ‏والكشافات‏ ‏الزرقاء‏ ‏تضيء‏ ‏وتنطفيء‏ ‏أمامنا‏ ‏أو‏ ‏خلفنا، بدأت اعتاد على هذا الموكب السخيف، نفس المتابعة، نفس الواجهات، نفس الشوارع، لكنها ليست نفس الصحبة، هؤلاء الناس دائما غير ناس أمس، غير ناس الأسبوع الماضى، هذا هو، غالبا، نذهب إلى الفورت جراند كل هذه المسافة، نشرب‏ ‏فنجان‏ ‏قهوة‏ ‏سادة‏ ‏ونمكث‏ ‏فى ‏الفندق‏ ‏نصف‏ ‏ساعة أو أكثر بضع دقائق ثم نعود، هل يختلف طعم القهوة بعد هذه المسافة وسط هذا الزحام عنه لو شربناه قبل السهرة فى بيت توفيق؟ نعم‏، ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الأستاذ‏: ‏العادة‏ ‏المنتظمة‏ ‏أساس‏ ‏ضبط‏ ‏إيقاع‏ ‏الفعل‏ ‏اليومى، ‏وهى ‏التى ‏تفرخ‏ ‏فى ‏داخلها‏ ‏الإبداع “اللاعادة”، والحركة فى ذاتها لها قيمة خاصة.

‏ ‏فى ‏الفندق‏ ‏جاءت‏ ‏جلستى ‏بجوار‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏، ‏أحمد إذا لم يحضر معنا الجزء الأول من السهرة، لا يلحقنا عادة فى بيت توفيق، جميل شفيق يفعلها أحيانا، كان أحمد مظهر ‏ ‏حيويا‏ ‏وطيبا‏، ‏ما هذا يا أبو حميد! كيف تزداد نحافة هكذا كل ‏مرة‏، كدت أخشى لو استمر الحال هكذا أن تتلاشى، تذكرت المتنبى يخاطب سيف الدولة: “.. ‏لولا‏ ‏مخاطبتى ‏إياك‏ ‏لم‏ ‏ترنى‏”، ‏تطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏تغير‏ ‏فى ‏الفندق‏، ‏وكيف‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏كذا‏، ‏وكيت‏ ‏أيام‏ ‏أن‏ ‏كان‏ اسمه “‏هو‏‏ليداى ‏إن‏”، ‏قبل أحداث الأمن المركزى.

 فى ‏الطريق‏ ‏إلى ‏الفندق‏ ‏كان‏ ‏مظهر‏ ‏يحكى ‏كيف‏ ‏ذهب‏ ‏مرتين‏ ‏هذا‏ ‏الأسبوع‏ ‏إلى ‏استديو‏ ‏نحاس‏ (‏على ‏ما‏ ‏أذكر‏)، ‏ولم‏ ‏يصوِّر‏، ‏وفى ‏المرة‏ ‏التالية‏ ‏جاءه‏ ‏هاتف‏ ‏يقول‏ ‏إن‏ ‏زوجة‏ ‏عاطف‏ ‏صدقى ‏وبعض‏ ‏زوجات‏ ‏الوزراء‏ ‏سيحضرن‏ ‏للاستديو‏، ‏وأن‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يتواجد‏، ‏فتواجد‏، ‏ولم‏ ‏يحضرن،‏ ‏ولم‏ ‏يقابل‏ ‏الشخص الذى ‏‏هاتفه‏، وقال أنه يعتقد ‏أنهن‏ ‏كن قد قررن أن يجئن‏ ‏ليرون‏ ‏دلال‏ ‏عبد‏ ‏العزيز‏ ‏فى ‏الأغلب‏، ‏قلت‏ ‏مازحا‏: ‏بل‏ ‏ليروك‏ ‏أنت‏، ‏لأن‏ ‏رئيس‏ ‏الوزراء‏ ‏والوزراء‏ ‏هم‏ ‏الذين‏ ‏يحضرون‏ ‏لدلال‏ ‏عبد‏ ‏العزيز‏ ‏أما‏ ‏زوجاتهم‏ ‏فلابد‏ ‏أن‏ ‏يحضروا‏ ‏لك‏ ‏أنت‏، ‏وضحك‏ ‏الاستاذ‏، وابتسم أحمد.‏

تطرق‏ ‏حديث‏ ‏مظهر‏ ‏إلى ‏نشاط‏ ‏كمال‏ ‏الشناوى ‏أثناء‏ ‏تصوير قديم تـمَّ‏ ‏‏ ‏بهذا‏ ‏الفندق‏، ‏وكيف‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يتصرف‏ ‏تصرفات‏ ‏غيرمتوقعة‏ ‏بمجرد‏ ‏أن‏ ‏تحتد‏ ‏عنده‏ ‏نوبة‏ ‏عاطفة‏ ‏مشبوبه‏، ‏فيندفع‏، ‏ويعزم‏ ‏ويصرف‏، ‏ويجمع‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏فى ‏جيوب‏ ‏الموجودين‏ ‏حتى ‏يحقق‏ ‏ما‏ ‏يريد‏، ‏وعقـَّب مظهر‏ ‏على ‏صاحبة‏ ‏بذاتها‏، ‏بأنها‏‏‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏تستأهل‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏تلك‏ ‏الليلة‏، ‏فى ‏حين‏ ‏كان‏ ‏معها‏ ‏سيدة‏ ‏أجنبيه‏ تكاد تلتهم ‏‏الشناوى، ‏لكنه ‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏وقع الناحية الأخرى ‏.‏

لست‏ ‏أدرى ‏كيف‏ ‏تطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏نفس‏ ‏الموضوع‏ ‏الذى ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏حدثت‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏عنه‏ من قبل وأنا أتساءل: ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏بعض‏ ‏الممثلات‏ ‏يزددن‏ ‏حلاوة‏ ‏ومهارة‏ ‏فنية‏ ‏مع‏ ‏تقدم‏ ‏العمر‏، ‏التقط‏ ‏توفيق‏ ‏الحديث‏ ‏وقال‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏فى ‏بغداد‏ ‏يوما‏ ‏لمدة‏ ‏عشرة‏ ‏أيام‏ ‏فى ‏مهمة‏ ‏ما‏، ‏وكانت‏ ‏معه‏ ‏ليلى ‏طاهر‏، ‏وإذا‏ ‏بأحد‏ ‏الحاضرين‏ ‏النقاد‏ ‏العراقيين‏ ‏يقول‏ ‏لليلى ‏أنها‏ ‏كالسجادة‏ ‏فانزعجتْ‏ (‏وكأنها‏ ‏خافت‏ ‏من‏ ‏وقع‏ ‏الأقدام‏، ‏وأعقاب‏ ‏السجائر‏ ‏غير‏ ‏المطفأة‏)، ‏وحين‏ ‏استفسر‏ ‏الحاضرون‏ ‏عما‏ ‏يعنيه‏ ‏الناقد‏، ‏قال: ‏”‏إن‏ ‏السجادة‏ ‏الأصيلة‏ ‏تزداد‏ ‏قيمتها‏ ‏وجمالها‏ ‏كلما‏ ‏مـر‏ ‏عليها‏ ‏الزمن”‏، فحكيت لهم عن‏ ‏مخرج‏ ‏مسرحيه‏ “‏آه‏ ‏ياليل‏ ‏يا‏ ‏قمر‏” ‏حين‏ ‏لاحظ‏ ‏أن‏ ‏هدى ‏سلطان‏ ‏تجلس‏ ‏معنا نحن المشاهدين فى ‏الصف الأول من المسرح التى تعرض فيه المسرحية، فنزل إليها ‏ ‏فى ‏الاستراحة‏ ‏بين‏ ‏فصلين‏، وأخذ بيدها، وصعد إلى المسرح يرحِّب بها، ويحيى حضورها‏، ‏واصفا‏ ‏إياها‏ ‏أنها‏ ‏مثل‏ ‏الخمر‏ ‏المعتقة‏، ‏كلما‏ ‏مـر‏ ‏عليها‏ ‏الزمن‏ ‏ارتفعت‏ ‏قيمتها‏ ‏وتحسنت‏ ‏جودتها‏.‏

وحين‏ ‏أشرت‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏طرأ‏ ‏على ‏ليلى ‏فوزى، ‏انزعج‏ ‏مظهر‏ ‏قائلا‏، ‏لا‏.. ‏لا‏.. ‏هذه‏ ‏شىء‏ ‏آخر‏، ‏فقلت‏ ‏له‏ أننى كنت أراها زمان وكأنها‏ ‏مثل‏ ‏لوح‏ ‏الثلج الأبيض اللامع، لكننى رأيتها مؤخرا فوجدتها قد ‏تحركت،‏ ‏وحضرت، ومثـَّـلت‏، ونبضت حلاوتها الحقيقية تملأ حلاوتها الظاهرة وتذيب الثلج، وأرجعت ذلك إلى تقدمها فى العمر، كنت أميل على الأستاذ – كالعادة- وأوجه كلامى إليه‏، ‏فقال‏: “‏إن‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏كما تقول، فنعم” !!! ‏تحول الحديث ‏إلى فيفى عبده فى ‏مسرحية‏ ‏”حزمنى ‏يا‏ ‏بابا‏”، فقال أحمد مظهر رأيا طيبا فيها كممثله، وكإنسانة، ‏وأنه‏ ‏سمعها‏ ‏فى ‏حديث‏ ‏فى ‏التليفزيون‏، ‏فبكى ‏تأثرا‏ ‏من‏ ‏الصراحة‏ ‏والوضوح‏، ‏وقد أيده فى ذلك‏ ‏ ‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏أصدقائه‏، ‏ثم‏ ‏تجرأت وفتحت معه ‏ ‏الحديث‏ ‏من جديد عن ‏وزنه‏ ‏، ومن ثم عن ‏وحدته‏، ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏لقد‏ ‏سمعتك‏ ‏الأسبوع‏ ‏الماضى ‏تقول‏ ‏إنك‏ ‏لم‏ ‏تعد‏ ‏تطيق‏ ‏الوحدة‏ ‏التى ‏تعيشها‏ ‏هذه‏ ‏الأيام،‏ ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏لا‏ ‏تقبل‏ ‏غيرها‏، ‏قال‏ ‏يستحيل‏ ‏أن‏ ‏أرضى ‏بغير‏ ‏ما‏ ‏أنا‏ ‏فيه‏، إن أم ‏الأولاد‏ ‏تأتى ‏أحيانا‏ ‏لترتيب‏ ‏المنزل‏ ‏أو‏ ‏أخذ‏ ‏الغسيل‏، ‏فإذا‏ ‏طال‏ ‏مكوثها أكثر مما أتوقع، ‏حتى ‏دون‏ ‏حوار،‏ ‏أجد‏ ‏نفسى ‏اشتقت إلى وحدتى بتصاعد متلاحق‏، قلت له: هذه بصيرة صعبة يا أبو حميد، لكن لك ما تختار.

‏ثم‏ ‏تطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏مايكل‏ ‏جاكسون‏، ‏فقال‏ أحمد”…. ‏لقد‏ ‏كنت‏ ‏أحسب‏ ‏شهرته‏ ‏مرتبطة‏ ‏بفرقعاته‏ ‏مثل‏ ‏أنه‏ غيّر‏ ‏لونه‏ وتبنى أطفالا كذا وكيت، ‏وكلام‏ ‏من‏ ‏هذا‏، ‏لكننى ‏سمعته‏ ‏وشاهدته أمس‏، دعونى ‏أعترف‏ ‏أن‏ ‏له‏ ‏عبقرية‏ ‏يستأهل‏ ‏عليها‏ ‏ما‏ ‏حصل‏ ‏عليه‏ ‏وأكثر”‏، ‏ثم لست‏ ‏أدرى ‏كيف‏ ‏جاء‏ ‏ذكر‏ ‏فريد‏ ‏شوقى ‏فقال‏ مظهر: ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏بدأ‏ ‏من‏ ‏الترسو‏ ‏ثم‏ ‏صعد‏ ‏إلى ‏البريمو‏، ‏وهو‏ ‏يعود‏ ‏إلى ‏الترسو‏، ‏وأنه‏ ‏- فريد- يحب‏ ‏التمثيل‏ ‏حبا‏ ‏لا‏ ‏حدود‏ ‏له‏، ‏ولا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يكف‏ ‏عنه‏، ‏وأنه‏ – ‏رغم‏ ‏سنه‏ – ‏يقف‏ ‏على ‏المسرح‏ ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏حتى ‏الآن‏، ‏وعلى ‏ذكر‏ ‏السن‏، ‏سألته‏ ‏عن‏ ‏سنه‏، ‏فقال‏ ‏فى ‏عشرة‏ ‏أكتوبر‏ ‏القادم‏ ‏أتم‏ ‏الثامنة‏ ‏والسبعين‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏يعنى ‏لست‏ ‏”عقربا”‏، (‏مثلي‏) ‏قال‏: ‏بل‏ ‏أنا‏ ‏من‏ ‏برج‏ ‏الميزان‏، ‏فأعلنت أننى‏ لا ‏ ‏أحترم‏ ‏حديث‏ ‏هذه‏ ‏الأبراج‏، وقد تأكدت من عبث مثل هذا الكلام حين علمت أن اثنين من زملائى فى القسم (أساتذة طب نفسى) واحد أقدم، وواحد أحدث، هما أيضا من برج العقرب، والجميع يعرفون أننى أختلف عن كل منهما اختلافا شاسعا، فى كل شىئ، فى الموقف، والعلم، والطبع، وكل شىء، بلا تفضيل، لكنه اختلاف لا جدال فيه، فكيف يجمعنا برج واحد. على ذكر السن، عدت أكتشف أننى وقد خرجت إلى المعاش الرسمى منذ عام وبعض عام: أصغر الموجودين، وابتسمت فرحا، مع أننى أبدا لم أكن فرحا وأنا أصغر إخوتى الذكور، رابع ذكر على التوالى (وبعدى بنتان)، أعتقد أننى جئت “زيادة عدد”، ولولا وفاة أخى “خالد” فى سن الثامنة، وكنت بعد فى الرابعة (لكننى أذكر وفاته) لما انتبه أحد إلى أننى جئت أصلا، ربما.

مَنْ هؤلاء الذين وجدت نفسى بينهم مؤخرا دون حساب، هل‏ ‏أنا‏ ‏أعيش‏ ‏الحاضر‏ ‏معهم‏ ‏أم‏ ‏التاريخ‏، ‏أم‏ ‏أنها‏ ‏فرصة‏ ‏لأثرى ‏ما‏ ‏تبقى ‏لى ‏من‏ ‏سنين‏ ‏بما‏ ‏ينبغى مما فاتنى، أو مما لا أعرف، بدا لى أحمد مظهر أنه يقاوم النوم بشكل ما، لكنه أبداً لا يغفو، لا أظن أن الأستاذ قد لاحظ ذلك، أو ربما ألمحت أنا إلى هذا فجأة‏، ‏بعد‏ ‏فترة‏ ‏صمت‏ ‏ليست‏ ‏طويلة‏، ‏قال‏ ‏الأستاذ‏، ‏إنه تذكر طـُرفة لا يعتقد أنها حدثت، ذلك أن ‏ ‏شاعرا‏ ‏كان‏ ‏ينشد بين صحبة غلبها نعاس حين أفرطت فيما يمكن أن يُنعس، فأنشد الشاعر:‏

” ألا أيها‏ ‏النوام‏ ‏ويحكموا‏ ‏هُبُّو ‏  ‏أسائلكم هل يقتل الرجُلَ الحبُّ ‏‏”

. ‏فقام‏ ‏أحد الذين قد غلبه الشراب حتى كاد ينام، وصفعه محتجا أنه:

 “‏أتوقظنا‏ ‏ياغبى ‏لهذا‏ ‏السبب‏ ‏التافة؟‏”

 ‏وضحك‏ ‏الاستاذ‏ ‏ومال‏ ‏إلى ‏الخلف‏.

‏ فضحكنا جدا.

ربنا‏ ‏يخليه‏.‏

كانت‏ ‏ليلة‏ ‏مليئة‏ ‏بالتاريخ‏

حين وصلنا‏ ‏إلى ‏بيت‏ ‏توفيق‏، ‏كنت‏ ‏أرجو‏ ‏أن‏ ‏أجد‏ ‏جميل‏ ‏شفيق‏ ‏فى ‏انتظارنا‏، ‏لكنه‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏موجودا‏، ‏ولا‏ ‏كانت‏ ‏كريمة ‏توفيق‏ ‏موجودة‏، ‏فجاءت‏ ‏زوجته‏ الكريمة ‏وجالستنا‏ ‏بعض‏ ‏الوقت‏ ‏بدعوة‏ ‏من‏ ‏توفيق‏، ‏هذه‏ ‏السيدة‏ ‏الفلسطينية‏ ‏الأصل‏ ‏سيدة‏ ‏رائعة‏، ‏سمحة‏، ‏نشطة‏، ‏شابة‏، ‏تحب‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏وتحب‏ توفيق، ‏وتحب‏ ‏الدنيا‏ ‏والحياة‏، ‏أو‏ ‏هكذا‏ ‏بدا‏ ‏لى، ‏ربنا‏ ‏يسعدها‏.‏

تمنيت فعلا أن يحضر‏ ‏جميل‏ ‏شفيق‏ ‏ولو متأخرا، كنت‏ ‏أنتظره‏ ‏جدا‏، ‏هو‏ ‏الحرفوش‏ ‏قبل‏ ‏الأخير‏، ‏جاء‏ ‏ذكر‏ ‏عادل‏ ‏كامل‏ ‏أحد‏ ‏الحرافيش‏ ‏المؤسسين‏، ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏حضرت‏ ‏مكالمة‏ ‏منه‏ ‏إلى الأستاذ من‏ ‏أمريكا‏ ‏أثناء‏ ‏تواجدى ‏مع‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏منزله‏، ‏بعد المكالمة، حدثنى الأستاذ ‏عنه‏ حديثا‏ ‏قصيرا‏، ‏وقد‏ ‏عرفت‏ ‏من‏ ‏الحديث‏ – ‏أنه‏ ‏أحد‏ ‏الحرافيش‏، ‏بل‏ ‏أنه‏ ‏عضو‏ ‏مؤسس‏ ‏جدا هو ومحمد عفيفى، أجمع المعلومات ببطء دون سؤال مباشر، ‏أى ‏عصر‏ ‏أعيشه‏ ‏أنا‏ ‏معهم‏ ‏الآن، هذا بالضبط ما يحول بينى وبين أن أقتنع أننى حرفوش أصلا، أشعر لو أننى لو ‏رضيت أن أتصف‏ ‏بهذه الصفة، فكأننى‏ ‏قد‏ ‏سرقت‏ ‏تاريخا‏ ‏ليس‏ ‏من‏ ‏حقى، ‏لكن‏ ‏الأستاذ‏ ‏يعاملنى ‏باعتبارى ‏أحدهم‏ جدا، ‏وكذلك‏ ‏توفيق‏ ‏ومظهر‏، ‏ليكن‏، ‏سأتعوّد‏، ربما أتعود.

 ‏حدثنى ‏توفيق‏ ‏ثم‏ ‏الاستاذ‏ ‏عن‏ ‏عادل‏ ‏كامل‏ ‏بظروفه‏ ‏بعد‏ ‏وفاة‏ ‏زوجته‏ ‏وزواج‏ ‏أولاده‏ ‏فى ‏أمريكا‏ ‏وإقامته‏ ‏معهم‏ ‏مختارا‏ ‏أو‏ ‏مضطرا‏، ‏استمعت ‏ ‏زوجة‏ ‏توفيق‏ لاسم عادل كامل أثناء دخولها الكريم بصحون العشاء الواحد تلو الآخر فقالت‏ ‏إنه‏ ‏سوف‏ ‏يحضر‏ من أمريكا ‏للزيارة‏ فترة ‏أطول‏ ‏من‏ ‏الزيارة‏ ‏السابقة‏، ‏ووافق‏ ‏توفيق‏ ‏على ‏ذلك‏ ‏وهز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه راضيا، ‏لكن‏ ‏جوا‏ ‏من‏ ‏الأسى ‏كان‏ ‏يحل‏ ‏على ‏الثلاثة‏ ‏وعلى ‏زوجة‏ ‏توفيق‏ قبل أن تنصرف، لم افهم لماذا هذا الجو وهم يتذكرون صديقا بكل هذا الجمال‏، ‏ذكـَّرنى توفيق صالح بما حكيته عن شعورى وأنا أكتب النقد الباكر عن رواية الشحاذ، وكيف أننى خشيت أن يكون الأستاذ نفسه قد مر بكل هذه الكآبة المُرّة، وإلا فكيف استطاع أن يغوص كل هذا الغوص فيما هو حزن بلغ حد المرض، كان ذلك فى سياق تصنيفى لأنواع الحزن مستشهدا بصلاح عبد الصبور فى قصيدته “أغنية إلى الله”، وحين سألته ما مناسبة أن يتذكر ذلك الآن، اعتذر ولم يكمل، ‏وارتفع‏ ‏حاجبا‏ ‏الأستاذ‏ ‏أكثر‏ ‏قليلا‏ (‏عما‏ ‏هما‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏)، ‏وهز‏ ‏رأسه‏ ‏هزة‏ ‏خفيفة‏، ‏وقد‏ ‏ذكرت‏ ‏مرارا‏، ‏وربما سوف‏ ‏أذكر‏ كثيرا، كيف أترجم زاوية إطراقات الأستاذ إلى ما أريد أن يصلنى، إطراقته هذه المرة لم تصلنى أنها موافقة، ربما كانت موافقة مشروطة، تعلمت جدا هذه اللغة، ‏فليست‏ ‏كل‏ ‏هزة‏ ‏رأس‏ ‏موافقة‏، ‏وليس‏ ‏كل‏ ‏صمت‏ ‏رضا‏، ‏ولكن‏ ‏سماحته‏ ‏وتقبله‏ ‏للآخرين‏ ‏يجعلانه‏ ‏لا‏ ‏يعترض‏ ‏مواجها‏‏‏، ‏‏أصبحت‏ ‏أستطيع‏ – ‏بالتقريب‏ ‏طبعا‏ – ‏أن‏ ‏أقيس‏ ‏زاوية‏ ‏هز‏ ‏الرأس‏، ‏وارتفاع‏ ‏الحاجبين‏، ‏وعلو‏ ‏الضحكة‏ ‏وأستنتج‏ (‏صوابا‏ ‏أم‏ ‏خطأ‏)، ‏نوع‏ ‏ومدى ‏الموافقة‏، وقد وصلنى ما يكفى أن أشعر برقة شعوره، وحرجه، وموافقته على تغيير الموضوع.

فتح‏ ‏توفيق‏ ‏موضوعا‏ ‏هاما‏ ‏وحساسا‏، ‏وهو‏ ‏معنى ‏ومدى ‏ومسئولية‏ ‏صحبتى ‏للأستاذ‏ ‏هذه‏ ‏الأيام‏، ‏وأنه و‏الأستاذ‏ ‏ ‏يريان‏ ‏أن‏ ‏ذلك‏ ‏على ‏حساب‏ ‏مصالحى، ‏وأنهما‏ ‏يرجحان‏ ‏أننى ‏أغلقت‏ ‏عيادتى ‏هذين‏ ‏الشهرين‏، ‏حيث‏ ‏ألازم‏ ‏الأستاذ‏ ‏يوميا‏، ‏وفى ‏مواعيد العيادات المألوفة، نفيت أى تأثير على نظام حياتى، ‏وأخذت‏ ‏أوضح‏ ‏أن‏ ‏صحبة الأستاذ هكذا هى ‏ ‏لى ‏وليست‏ ‏للأستاذ‏، ‏وأنه‏ ‏شرف‏ ‏أتاحه‏ ‏الله‏ ‏لشخصى، ‏ ‏أن‏ ‏أعيش‏ ‏مع‏ ‏”مصر” هذه‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏هكذا‏، ‏وأنه….، ‏وأنه……‏، ‏وأخذ‏ ‏توفيق‏ ‏يشرح‏ ‏بطيبة‏ ‏وحماس‏ ‏أنه‏ ‏يريدها‏ “‏صداقة‏” ‏لا‏ “‏تضحية‏”، ‏وكرر‏ ‏استعمال‏ ‏لفظ‏ “‏أصدقاء‏”، ‏نريد‏ ‏أن‏ ‏نظل‏ ‏أصدقاء‏، ‏فوصلتنى الكلمة أكبر من دورى، ‏هو‏ ‏صديق‏ ‏الأستاذ‏ ‏بلا‏ ‏أدنى ‏شك‏، ‏وصديق‏ ‏عزيز‏ ‏رائع‏ ‏رغم‏ ‏الهمز‏ ‏واللمز‏، ‏لكن‏ ‏أنا‏؟ بصراحة‏؟ ‏أنا مريده لا أكثر‏، ‏أرد‏ ‏بعض جميله‏ ‏على ‏مصر‏، ‏وراح‏ ‏توفيق‏ ‏يصر‏ ‏من‏ ‏جديد‏، ‏كنت‏ ‏جالسا‏ ‏بجوار‏ ‏الأستاذ‏ ‏أثناء‏ ‏هذا‏ ‏الحوار‏، ‏فرفعت‏ ‏صوتى ‏وملت‏ ‏عليه‏ ‏مخاطبا‏ ‏توفيق،‏ ‏قلت‏ ‏له‏: ‏يا‏ عمْ ‏‏توفيق‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏أطمئنك‏ ‏وأطمن‏ ‏الأستاذ‏ ‏أننى ‏لا أبذل ثانية واحدة‏ ‏من‏ ‏وقتى ‏إلا‏ ‏عن‏ ‏طيب‏ ‏خاطر‏ ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏أعرفه‏ ‏عن‏ ‏نفسى ‏ظاهرا‏ ‏وباطنا‏، ‏ولا‏ ‏تنس‏ ‏أن‏ ‏مهنتى ‏علمتنى ‏أن‏ ‏أرى ‏باطنى ‏بدرجة‏ ‏تسمح‏ ‏لى ‏بهذا‏ ‏التأكيد‏، ‏التفت‏ ‏الأستاذ‏ ‏إلى ‏توفيق‏ ‏قائلا‏: “‏خلاص‏ ‏يا‏ ‏توفيق‏ كده‏ ‏إتحلت‏”، ‏ورأيت‏ ‏الطمأنينة‏ ‏على ‏وجهه‏، ‏وفرحت‏، ‏وفهمت‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ صدّقنى، واطمأن إلى قدرتى على رصد عمق قراراتى، ونادرا ما أجد من يصدقنى فى ذلك، ولا نفسى. هذا هو الأستاذ.

حديث‏ ‏الحرافيش‏ ‏الليلة‏ ‏هو‏ ‏حديث‏ ‏ذكريات‏ ‏قديمة‏ ‏قديمة‏، ‏طيبة‏ ‏وسَلـِسَلة‏، ‏غياب‏ ‏جميل‏ ‏شفيق‏ ‏أثر‏ ‏فى ‏حيوية‏ ‏الجلسة‏ ‏لكنه‏ ‏أيضا‏ ‏أتاح‏ ‏هذا‏ ‏الفيض‏ ‏الزاخر‏ ‏من‏ ‏الذكريات‏.‏

أظن‏ ‏أن‏ ‏الحديث‏ ‏قد‏ ‏بدأ‏ ‏عن‏ ‏التناسب‏ ‏العكسى ‏بين‏ ‏التلقائية‏ ‏وحبكة‏ ‏الصنعة‏، ‏قال‏ ‏توفيق‏ ‏إن‏ ‏إمكانيات‏ ‏المخرج‏ – ‏مثلا‏ – ‏هذه‏ ‏الأيام‏ ‏تتيح‏ ‏له‏ ‏فرصا‏ ‏بلا‏ ‏حصر‏، ‏تكاد‏ ‏تبلغ‏ ‏عشرات‏ – ‏إن‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏مئات‏ – ‏الأضعاف‏ ‏عن‏ ‏ذى ‏قبل‏، ‏لكن‏ ‏الرؤية‏ ‏ضاقت‏ ‏أو‏ ‏اختنقت‏، (‏رؤية‏ ‏المخرج‏) ‏قلت‏ ‏له‏: ‏إن‏ ‏التحدى ‏الذى ‏يفرض‏ ‏نفسه‏ ‏على ‏المبدع‏ ‏والمنتج‏، ‏بل‏ ‏على ‏العالـِم‏ ‏والروائى ‏هذه‏ ‏الأيام‏: ‏هو‏ ‏التوفيق‏ ‏بين‏ ‏الإمكانيات‏ ‏والأصالة‏: ‏كيف‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تركب‏ ‏طائرة‏ ‏وترقص‏ ‏بها‏ ‏مثل‏ ‏رهـْونة‏ ‏الفارس؟‏

أكمل‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏ذاكرا‏ ‏”حلمى ‏رفله”‏، ‏قال‏ ‏هذا‏ ‏شخص‏ ‏حرفى ‏من‏ ‏الدرجة‏ ‏الأولى ‏أكثر‏ من ‏خمس‏ ‏وأربعين‏ ‏أو‏ ‏خمسين‏ ‏سنة‏، ‏وقد‏ ‏حذق‏ ‏التكنيك‏ ‏حذقا‏ ‏شديدا‏، ‏إلا‏ ‏أنك‏ ‏لا‏ ‏تجد‏ ‏له‏ ‏سوى ‏أربعة‏ ‏أو‏ ‏خمسة‏ ‏أفلام‏ ‏تستحق‏، ‏كان‏ ‏حلمى ‏رفلة‏ ‏يحذق‏ ‏التفاعل‏ ‏مع‏ ‏الجنس‏ ‏اللطيف‏ ‏والناس‏ ‏عموما‏ ‏منذ‏ ‏نشأته‏ ‏مزينا‏ (‏كوافيرا‏) “‏يزين‏ ‏الرؤوس‏ ‏والشعر‏”، ‏ثم‏ ‏تطوره‏ ‏مجمِّلا‏ ‏ومعدلا‏: ‏يشكل‏ ‏الوجوه‏ (‏ما‏كْيِيِرا‏)، ‏ثم‏ ‏مُخرجا‏، ‏قال‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر ‏إنه‏ ‏يعرفه‏ ‏منذ‏ ‏كان‏ “‏ما‏‏كييرا‏”، ‏وأنه كان‏ ‏قد‏ ‏عمل‏ ‏له‏ ‏ماكياج ‏شخصيا‏ ‏ربما‏ ‏فى ‏أوائل‏ ‏الأربعينيات‏، ‏يقول‏ ‏مظهر‏: ‏كنت‏ ‏مازلت‏ ‏يوز‏باشى‏، ‏وكانت‏ ‏المسرحية‏ ‏اسمها‏ “‏الوطن‏” ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏مبارزين‏ ‏بالسيف‏ ‏لمدة‏ ‏دقيقة‏ ‏أو‏ ‏اثنتين‏، ‏فرشـَّحنى ‏أحدهم‏ ‏أن‏ ‏أقوم‏ ‏بهذا‏ ‏الدور‏ ‏وكان‏ ‏المخرج‏ ‏هو‏ ‏فتوح‏ ‏نشاطى (‏على ‏ما‏ ‏أذكر‏) ‏وكانت‏ ‏المبارزة‏ ‏تستغرق‏ ‏دقيقتين‏ ‏ولا‏ ‏ينطق‏ ‏فيها‏ ‏المتبارزان‏ ‏سوى ‏جملتين‏ ‏اثنتين‏، ‏وكان‏ ‏أحدهما‏ ‏يموت‏ ‏فى ‏المبارزة‏، ‏وقد‏ ‏اختارنى ‏المخرج‏ ‏لأكون أنا الذى يموت، وأثنى على تمثيلى ‏قائلا‏: “‏إنت‏ ‏بتعرف‏ ‏تموت‏ ‏كويس/‏ ‏برافو‏”،!!! ‏وكان‏ ‏البطل‏ ‏هو‏ ‏يحيى ‏شاهين‏، ‏وكان‏ ‏أيامها‏ ‏فى ‏عز‏ ‏عكس‏ ‏ما‏ ‏انتهى ‏إليه‏ ‏من‏ ‏تدين أو‏ تصوف‏، ‏كان‏ ‏حاد‏ ‏اللسان‏، ‏مركزا‏ ‏على ‏ذاته‏ ‏يقف‏ ‏وراء‏ ‏الكواليس‏ ‏متعجلا‏ ‏الإنتهاء‏ ‏من‏ ‏المشهد‏ (‏رغم‏ ‏قصره‏) ‏صائحا‏ ‏فى ‏المتبارزين‏ (‏همسا‏)، “‏ياللا‏ ‏يا‏ ‏ولاد‏ ‏الكلب‏ ‏خلـصونا‏”، ‏وتطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏بدايات‏ ‏وتصرفات‏ ‏يحيى ‏شاهين‏ ‏حين‏ ‏كان‏ ‏متزوجا‏ ‏مجرية‏ ‏سافر‏ ‏معها‏ ‏وعمل‏ ‏ما‏ ‏عمل‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏فى ‏نهاية‏ ‏حياته‏ ‏كان‏ ‏شخصا‏ ‏آخر‏ ‏وتزوج‏ ‏زواجه‏ ‏الأخير‏ ‏وترك‏ ‏طفلة‏ ‏وحيدة‏ ‏عندها‏ ‏ثمان‏ ‏سنوات‏، ‏هكذا‏ ‏أضافت‏ ‏زوجة‏ ‏توفيق الفاضلة بعد أن سمعت جزءا من الحديث أثناء دخولها ذات مرة‏.‏

انتقل‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏زكى ‏طليمات‏، ‏وقال‏ ‏الأستاذ‏ ‏ما‏ ‏قاله‏ ‏عن‏ ‏مسرحية‏، ‏أظن‏ ‏اسمها‏ “‏يوم‏ ‏القيامة‏،” ‏وأغنية‏ “‏يا‏ ‏دى ‏الهنا‏ ‏يا‏ ‏دى ‏الهنا‏‏”، ‏ثم‏ “‏يا‏ ‏حلاوة‏ ‏الدنيا‏ ‏يا‏ ‏حلاوة‏ ‏يا‏ ‏حلوْلوْ،‏ ‏يا‏ ‏حلااااوة‏” ‏لسيد‏ ‏درويش‏، ‏قالها‏ ‏الأستاذ‏ ‏مع‏ ‏توفيق‏ ‏بنغمتها‏، ‏فشاركنا‏ ‏زوجة‏ ‏توفيق‏ ‏وأنا‏ ‏فى ‏المقطع‏ ‏الأخير‏، ‏وقلت لهم إن أحد تلاميذى د.”‏سيد‏ ‏الرفاعى‏” (وهو ملحن هاو) ‏يغنيها‏ ‏ويعزفها بجمال فائق، ‏ووعدت الأستاذ ان يحضر د. سيد بعوده، ويغنيها لنا فى ‏بيتى فى اليوم التالى: يوم الجمعة‏، بعد أن أصبح لقاء الجمعة فى بيتى نظاما ثابتا مثل يوم الحرافيش تماما.

توالت‏ ‏الذكريات‏ ‏بشكل‏ ‏هادىء‏ ‏منساب،‏ ‏ولم‏ ‏أستطع‏ ‏أن‏ ‏أتابع‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏قيل‏ ‏من‏ ‏اسماء‏ ‏وأغانى ‏ومخرجين‏.‏

قال‏ ‏الأستاذ‏: ‏هذه‏ ‏هى ‏الفترة‏ ‏التى ‏كنا‏ ‏فيها‏ ‏واقعين‏ ‏فى ‏أسر‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد‏، ‏نكثر‏ ‏من‏ ‏التردد‏ ‏عليه.

ومع‏ ‏ذكر‏ ‏التاريخ‏ ‏هكذا ونحن نتحدث، قفز لى موقفى من الشك فى التاريخ المكتوب، ورحت ‏أتبين‏ ‏الفرق‏ ‏بين‏ ‏الحقيقة‏ ‏كما‏ ‏أسمعها‏ ‏الآن،‏ ‏وبين‏ ‏ما‏ قد ‏يكتب‏ ‏عن‏ ‏هؤلاء‏ ‏جميعا‏ ‏وكأنه‏ ‏تاريخ‏ ‏موثق‏، ‏وتأكدت ‏أن‏ ‏الحقيقة‏ ‏التاريخية‏ ‏لا‏ ‏تتواجد‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏التفاصيل‏ ‏الصغيرة‏، ‏فأعلنت ما كان يدور بذهنى، وتحفظى على أية معلومة تصلنى على أنه التاريخ، حتى أننى ‏أشرت‏ ‏إلى ‏بعض‏ ‏الدراسات‏ ‏التى ‏أنكرت‏ ‏ظهور‏ ‏المسيح‏ ‏أصلا‏ ‏وكأنه‏ ‏من‏ ‏نسج ‏خيال‏ ‏مجموعة‏ ‏الناس‏، ‏قال‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏‏: ما أعرفه هو أن‏ ‏الاختلاف‏ ‏هو على ‏موعد‏ ‏مولده‏ ‏وليس‏ ‏على ‏وجوده‏، ‏فبعض‏ ‏الطوائف‏ ‏الكاثولوكية‏ ‏مثلا‏ ‏تؤرخ‏ ‏ميلاده‏ ‏فى 25 ‏ديسمبر‏ ‏وأخرى 7 ‏يناير‏ ‏وثالثة‏ ‏أول‏ ‏يناير‏، ‏فقال‏ ‏الأستاذ‏ ‏قافشا‏، ‏إنه‏ ‏يقال‏ إن ‏ أحد الشيوخ الظرفاء علق على هذا الخلاف بدعوة لهم أنْ: “‏وحـدوه‏!!” (يقصد وحدوا تاريخ ميلاده) ‏وضحكنا، ثم‏ ‏رجع‏ ‏الأستاذ‏ ‏جادا‏ ‏إلى ‏القضية‏ ‏المثارة‏، ‏وقال‏ ‏إن‏ ‏إنكار‏ ‏ظهور‏ ‏المسيح‏ ‏نشأ‏ ‏أول‏ ‏ما‏ ‏نشأ‏ ‏نتيجة‏ ‏عدم‏ ‏ورود‏ ‏أى ‏ذكر‏ ‏له‏ ‏فيما‏ ‏دوِّن‏ ‏من‏ ‏تاريخ‏ ‏الرومان‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الحقبة‏، ‏وهذا‏ ‏طبيعى، ‏لأن‏ ‏المؤرخ‏ ‏الرومانى ‏قد‏ ‏يؤرخ‏ ‏لحرب‏ ‏لقيصر‏ ‏أو‏ ‏لحدث‏ ‏فى ‏بلاط‏ ‏الامبراطور‏، ‏لكن‏ ‏لا‏ ‏يعنيه‏ ‏أن‏ ‏يكتب‏ ‏عن‏ ‏طفل‏ ‏ولد‏ ‏وعاش‏ ‏فى ‏إحدى ‏حارات‏ ‏فلسطين‏، ‏وأثار‏ ‏حوله‏ ‏بعض‏ ‏القيل‏ ‏والقيل‏، ‏وأن‏ ‏مشاجرة‏ ‏جرت‏ ‏بين‏ ‏سكان‏ ‏حارة‏ ‏مجهولة‏، ‏ودمتم‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏انتهت‏ ‏المشاجرة‏ ‏إلى ‏محاكمة‏ ‏أو‏ ‏إعدام‏، ‏المؤرخ‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يستطيع‏ – ‏طبعا‏ – ‏أن‏ ‏يدرك‏ ‏آنذاك‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الطفل‏ ‏أو‏ ‏الشاب‏ ‏أو‏ ‏المشاجرة‏ ‏ ‏تخص‏ ‏نبيا‏ ‏له‏ ‏رسالة‏، ‏تبقى ‏من‏ ‏بعده‏ ‏هكذا‏ ‏لهذه‏ ‏المئات‏ ‏من‏ ‏السنين‏، ‏ثم‏ ‏نفس‏ ‏الأمر‏ ‏بالنسبة‏ ‏لخروج‏ ‏بنى ‏اسرائيل‏ ‏من‏ ‏مصر‏، ‏وانشقاق‏ ‏البحر‏ ‏الذى ‏فسروه‏ ‏بالمد‏ ‏والجزر‏، ‏لم‏ ‏تذكره‏ ‏كتب‏ ‏التاريخ‏ ‏وإنما‏ ‏الذى ‏ذكرته‏ ‏هى ‏الكتب‏ ‏السماوية‏، ‏والأرجح أن ذلك قد حدث ‏ ‏لنفس‏ ‏السبب‏، ‏لأن‏ ‏من‏ ‏يكتب‏ ‏التاريخ‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يعلم‏ ‏ما‏ ‏سيترتب‏ ‏على ‏هذا‏ ‏الخروج‏”، التفتُّ إلى أحمد مظهر وأنا منبهر بتفسيرات الأستاذ، فوجدته يتثاءب ‏من جديد‏ ‏متعبا‏ ‏أو‏ ‏محتجا‏ ‏نفسيا‏، ‏أو‏ ‏غير‏ ‏متابع‏، ‏فقلت فى نفسى: ‏ ‏أين‏ ‏أنت‏ ‏يا‏ ‏جميل‏ ‏شفيق‏ ‏توقظه‏ ‏بإحدى نكاتك، أو قفشاتك، ‏داعبت أحمد وهو يتثاءب منبها إياه أنه قد يعدينا، ‏وذكرت‏ ‏للأستاذ‏ ‏بيت‏ ‏الشعر‏ ‏القائل‏:‏

تثاءب‏ ‏عمرو‏ ‏إذ‏ ‏تثاءب‏ ‏خالدٌ  ‏ ‏بعدوى ‏فما‏ ‏أعدتـْنِىَ ‏الثؤباء

قال‏ ‏توفيق‏ ‏إن‏ ‏عدوى ‏التثاؤب‏ ‏هذه‏ ‏هى ‏حقيقة‏ ‏ملحوظة‏ ‏مثلها‏ ‏مثل‏ ‏الضحك‏، ‏وهنا‏ ‏يتدخل‏ ‏الأستاذ‏ ‏قائلا‏: “‏ليس‏ ‏تماما‏، ‏فقد‏ ‏تجد‏ ‏إنسانا‏ ‏يضحك‏، ‏بل‏ ‏يقهقه‏، ‏وأنت‏ ‏لا‏ ‏تعرف‏ ‏ماذا‏ ‏يُضحكه‏ ‏هكذا‏، ‏وبدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تشاركه‏ ‏تلزقة‏ ‏على ‏وجهه‏ أو قفاه ‏محتجا‏ قائلا: ‏ماذا‏ ‏يضحكك‏ ‏يا‏ ‏جدع‏ ‏إنت؟‏” ‏وشوّح‏ ‏بيده‏ ‏اليسرى ‏يمينا‏ ‏ويسارا‏ ‏وكأنه‏ ‏يضرب‏ ‏الضاحك‏ ‏وحده‏‏، ‏بدلا من أن يقبل‏ ‏أن‏ ‏يعديه‏ ‏الضحك‏ (‏مقارنة‏ ‏بالتثاؤب‏).‏

‏الأستاذ‏ ‏لا‏ ‏يفـوته‏ ‏شىء‏.‏

دخلت‏ ‏زوجة‏ ‏توفيق‏ ‏وقالت‏ ‏إن‏ ‏رجاء‏ ‏النقاش‏ ‏على ‏التليفون‏ ‏يريد‏ ‏توفيق‏، ‏ذهب‏ ‏توفيق‏ ‏وعاد‏ ‏يقول‏ ‏إن‏ ‏الطيب‏ ‏صالح‏ ‏الآن يجلس‏ ‏مع‏ ‏رجاء‏ ‏النقاش‏، ‏ويريد‏ ‏أن‏ ‏يكلم‏ ‏الأستاذ‏ ‏كلمتين‏، ‏واستجاب‏ ‏الأستاذ‏ ‏رغم‏ ‏أن‏ ‏الكلام‏ ‏فى ‏التليفون‏ ‏يتم من جانبه فقط‏، تناول توفيق السماعة ليقوم بالترجمة ‏وسمعت‏ ‏الطيب‏ – ‏‏كما‏ ‏يبلغ ‏توفيق الأستاذ ‏- ‏يطمئن‏ ‏على ‏أستاذنا‏ ‏الجليل‏ “‏والأستاذ‏ ‏يجيب‏ “‏ربنا‏ ‏يخليك‏”.‏

تطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏الطيب‏ ‏صالح‏ ‏وموسم‏ ‏الهجرة‏ ‏إلى ‏الشمال‏ ‏وأثار‏ ‏توفيق‏ ‏مسألة‏ ‏تكرار‏ ‏هذه‏ ‏القضية‏ “‏التيمة‏” ‏منذ‏ ‏محمد‏ ‏التابعى، ‏وعلى ‏محمود‏ ‏طه‏، ‏والصاوى ‏محمد‏، (‏لم يذكر ‏توفيق‏ ‏الحكيم‏)، ‏وهى‏ ‏الصورة‏ ‏التى ‏تكررت‏ ‏عن‏ ‏علاقة‏ ‏الرجل‏ ‏الشرقى ‏عامة‏ (‏والمصرى ‏خاصة‏) ‏بالمرأة‏ ‏الغربية‏، ‏وأن هذه‏ ‏الصورة‏ ‏ترسم‏عادة صورة‏ ‏المصرى‏ ‏الفحل‏ ‏الذى ‏يستهوى ‏النساء‏ ‏الشقراوات‏ ‏بفحولته‏ ‏حتى ‏تصبح‏ ‏هى ‏ما‏ ‏يميزه‏، ‏وأن‏ ‏الطيب‏ ‏صالح‏ ‏فى ‏موسم‏ ‏الهجرة‏ ‏إلى ‏الشمال‏ ‏تحرك‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الحدود‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، ‏قال‏ ‏الأستاذ‏: ‏ربما يكون‏ ‏تفسير‏ ‏ذلك‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏حدث‏ ‏حوالى ‏الحرب‏ ‏العالمية‏ ‏الثانية‏، ‏وأننا‏ ‏كنا‏ ‏تابعين‏ ‏ضعفاء‏، ‏وليس‏ ‏عندنا‏ ‏ما‏ ‏نفخر‏ ‏به‏ ‏سوى ‏الفحولة‏ ‏الحقيقية‏ ‏أو‏ ‏المتخيلة‏، ‏وهم‏ ‏كانوا‏ ‏قد‏ ‏خرجوا‏ ‏من‏ ‏الحرب‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏منتصر‏ ‏منهك‏، ‏ومهزوم‏ ‏ضائع‏، وهكذا فقد كل من المنتصر والمنهزم ما يفخر به، المنتصر انتصر دون فروسية حقيقية، والمنهزم انهزم فجرحت كرامته، وهكذا تخلوا جميعا عن نسائهم بغير قصد، ‏فأخذنا‏ ‏نحن‏ ‏الشرقيين‏ ‏نتصور أننا قادرون أن نعوض‏ ‏نقصنا‏ ‏بدور‏ “‏الفحولة‏”، حقيقة أو ادعاء، وكأن ذلك هو ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يميزنا‏ ‏فى ‏تلك‏ ‏الآونة‏، ‏ولم‏ ‏أوافق‏ ‏ ‏على ‏هذا‏ ‏التفسير، لكننى لم أعلن رأيى، فقد كان موعد الانصراف قد اقترب.‏

سألت‏ ‏توفيق‏ ‏عن‏ ‏رأيه‏ ‏فى ‏حب‏ ‏الناس هذه الأيام‏، ‏وحتى ‏الشباب‏ ‏منهم‏، ‏للأفلام‏ ‏القديمة‏ ‏مع‏ ‏بساطتها‏ ‏وسطحيتها‏ ‏أحيانا‏، ‏قال‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏إنها‏ ‏كانت‏ ‏تمثل‏ ‏تواصلا‏ ‏بين‏ ‏كل‏ العاملين‏ ‏مع بعضهم البعض، لم يكن الممثل آنذاك يهتم أن‏ ‏يظهر‏ ‏- ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الأيام‏ – ‏على ‏حساب‏ ‏زميله، وأحيانا حتى على حساب الكومبارس‏، كان ‏المخرج‏ ‏يبرز‏ ‏دور‏ ‏السيناريست‏، ‏والسينارست‏ ‏يحرص‏ ‏على ‏تعميق‏ ‏دور‏ ‏الممثل‏، أى ممثل وكل ممثل، وهو يحدد لكلٍّ دوره وكأنه الدور الأول، ‏وهكذا‏، ‏أما‏ ‏الآن‏ ‏فالمسألة‏ ‏تسير‏ ‏بمزيد‏ ‏من‏ ‏التكنولوجيا‏، ‏بما‏ ‏يسمح‏ ‏بقدر‏ ‏هائل‏ ‏من‏ ‏حركة‏ ‏القص‏ ‏واللصق‏، ‏فأصبح‏ ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏يقوم‏ ‏بدوره‏ ‏منفصلا‏، ‏وكأنه‏ ‏ليس‏ ‏وِحدة ‏فى ‏كلٍّ‏ ‏متكامل‏، ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏يستغرق‏ ‏فى ‏جزئيته‏ ‏لا‏ ‏أكثر‏، ‏أما‏ ‏جمع‏ ‏الأجزاء‏ ‏فهذه‏ ‏مهمة‏ ‏تتم‏ ‏فى ‏غياب‏ ‏الالتحام‏ ‏فى ‏الكل‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏.‏

قال‏ ‏توفيق‏: ‏خذ‏ ‏مثلا‏، ‏عندك‏ ‏يوسف‏ ‏شاهين‏، ‏هو‏ ‏يملك‏ “‏عين‏” ‏مخرج‏ ‏بحق‏، ‏مازال‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يرى ‏ما‏ ‏يفعل‏ ‏وأن‏ ‏يحقق‏ ‏ما‏ ‏يرى فى إخراجه، ‏لكن‏ ‏ذاته‏ ‏راحت تتضخم‏، ‏وأدواته‏ ‏تطغى ‏حتى كاد ‏يختفى ‏بينها‏، ‏وبها‏. ‏قلت‏ ‏له‏: ‏إنه‏ ‏تطور‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏لم أتوقعه، أنا لم أرحب به إلا ممثلا فى “‏باب‏ ‏الحديد‏”، “‏ثم بدأت أتحفظ عليه من أول‏ ‏”عودة‏ ‏الابن‏ ‏الضال‏”، ثم إننى‏ ‏أشعر‏ ‏أنه‏ ‏يقدم‏ ‏لنا‏ ‏ما‏ ‏ليس‏ ‏نحن‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، ‏ووافقنى ‏مظهر‏، ‏وتردد‏ ‏توفيق‏، ‏لكن جاءتنى‏ ‏موافقته‏ ‏متلاحقة‏ ‏جزءا‏ ‏جزاء‏ حتى أقرَّ أخيرا أن يوسف ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏يوسف‏ ‏شاهين‏ ‏فعلا‏. ‏كنت‏ ‏جالسا‏ ‏بجوار‏ ‏الأستاذ‏ ‏فملت‏ ‏عليه‏ ‏أسأله‏ ‏إلى ‏أى ‏مدى ‏تأثر‏، ‏بعمله‏ ‏فى ‏السينما‏ ‏كسيناريست‏، وأيضا حين كان مسئولا‏ ‏عنها‏ ‏فى ‏المؤسسة‏، ‏ويبدو‏ ‏أننى ‏لم‏ ‏أحسن‏ ‏صياغة‏ ‏السؤال‏، ‏فقد‏ ‏أطرق‏ ‏ولم‏ ‏يُجِب‏، ‏فوضّـحتُ‏ ‏السؤال‏ ‏عن‏ ‏مدى ‏الفائدة‏ ‏التى ‏تعود‏ ‏على ‏المبدع‏ ‏من‏ ‏تنوع‏ ‏أدواته‏ ‏وتعدد‏ ‏فرص‏ ‏ممارساته‏، ‏أطرق‏ ‏أكثر‏ ‏ولم‏ ‏يجب‏ أيضا ‏لتوه‏، ‏فتبرع‏ ‏توفيق‏ ‏يقول‏ “‏إن‏ ‏ثمة‏ ‏نقلة‏ ‏نوعية‏ ‏جاءت‏ ‏فى إنتاج نجيب بعد‏ ‏الثلاثية‏، ‏وبعد‏ ‏التوقف‏ ‏من‏ سنة 52 ‏لمدة‏ ‏أربع‏ ‏سنوات تقريبا ‏، وأن هذه الفترة هى التى بدأ فيها كتابة السيناريو، ثم ‏عاد‏ ‏بعدها‏ ‏يكتب‏ ‏بشكل‏ ‏مختلف‏: ‏أعمق‏ ‏رؤية‏، ‏وأدق‏ ‏تكثيفا‏، ‏وأحذق‏ ‏أداة‏، ‏أعدت‏ ‏كلام توفيق وتفسيره ‏ ‏على ‏الأستاذ‏ ‏فهز‏ ‏رأسه‏ ‏أنْ‏ “‏ربما‏”.‏

لست‏ ‏أدرى ‏كيف‏ ‏تطرق‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏أم‏ ‏كلثوم‏، ‏هل‏ ‏هو‏ ‏ذكر‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد‏، ‏أم‏ ‏أنه‏ ‏النقاش‏ ‏فى ‏التواريخ‏ ‏القديمة‏، ‏وما أن بدأ الحديث عن أم كلثوم حتى دبت الحيوية فى الجميع وأولنا الأستاذ، وكثر الحديث عن‏ ‏حيوية‏ ‏أم‏ ‏كلثوم‏، ‏وتعدد‏ ‏مزاجها‏ ‏وجوع‏ ‏عواطفها‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏نوع‏، ‏وعلى ‏كل‏ ‏لون‏، ‏ثم‏ ‏كلام‏ ‏عن‏ ‏شريف‏ ‏صبرى، ‏ومحمود‏ ‏الشريف‏، ‏وزواج‏ ‏أحمد‏ ‏رامى، ‏وتفاصيل‏ ‏عن‏ ‏تجوالها مع الشريف‏ ‏بعد‏ ‏منتصف‏ ‏الليل‏، ‏وكيف أقنعا صاحب مطعم‏ ‏الأونيون‏ (أمام‏ ‏سينما‏ ‏ريفولي‏) بفتح المطعم بعد منتصف الليل، ‏الأستاذ‏ ‏يسمع‏، ‏وأنا أتابع ولا أريد أن أصدّق، ولا أستطيع أن أكذب، ويهز‏ ‏الأستاذ رأسه‏ ‏بما‏ ‏لم‏ ‏أعد‏ ‏أعتبره‏ ‏موافقة كاملة‏، ‏وأنا‏ ‏أعلم‏ مدى ‏حبه‏ ‏لها‏، ‏حتى تسميته‏ ‏ابنته‏ ‏باسمها‏، ‏فسألته‏ ‏مباشرة ما‏ ‏رأيه‏ ‏فى ‏كل‏ ‏هذا‏، ‏قال‏ ‏بطيبته‏ ‏التى ‏هى‏: ‏هذا‏ ‏كلام‏ ‏كثير‏ ‏سمعته‏ ‏كثيرا،‏ ‏وسكتْ‏.‏

الحلقة الثالثة والعشرون

 اسْتـِنـْفـَار الحياة يجرىٍ ممتدة!!

الجمعة‏: 27/1/1995‏

… ذهبت‏ ‏اليوم‏ ‏فى الصباح مبكرا ‏إلى منزله قبل موعد الخروج ‏لأقرأ‏ ‏له‏ ‏الصحف‏، كنت قد علمت أن وعكة المّت بالحاج صبرى، فلم يحضر هذا الصباح لقراءة الصحف، وكنت قد اعتدت أنا، أو زكى سالم، أن نحل محل الحاج صبرى فى حالة غيابه الاضطرارى واعتذاره عن عدم الحضور الصباحى، لم أكن طبعا فى كفاءة الحاج صبرى، فهو ليس مجرد قارئ يقلب الصفحة تلو الصفحة، الحاج صبرى يعرف ما يفضله الأستاذ، كما يعرف أولويات ما يبحث عنه، وكثيرا ما كنت أحكى للأستاذ خبرا ثقافيا، أو اجتماعيا ثانويا، بعيدا عن السياسة والاقتصاد، خبرا أعتقد أنه يهمه بشكل خاص، فيرد ‏أن الحاج صبرى نبهه إليه، المهم جلست مكان الحاج صبرى وأنا مدرك تفوقه علىّ بلا أدنى شك، مررنا‏ ‏على العناوين، ثم على عناوين مقالات “قضايا وآراء”، ‏ثم‏ ‏توقفت‏ ‏عند‏ ‏خبر‏ ‏يقول‏: ‏إن‏ ‏المفتى (‏الشيخ‏ ‏طنطاوى – رحمه الله‏)، ‏قد‏ ‏أصدر‏ ‏فتوى ‏تقول‏ “..‏إنه‏ ‏يمكن‏ ‏إنفاق‏ ‏أموال‏ ‏الزكاة،‏ ‏التى يجمعها‏ ‏بنك‏ ‏ناصر،‏ ‏فى ‏مشروعات‏ ‏العاطلين‏، ‏تبعا‏ ‏للحديث‏ ‏الشريف‏ “‏خذ‏ ‏واحتطب‏”، فرح الأستاذ باستعمال هذا الحديث الشريف فى هذا المجال، ‏ودخل‏ ‏علينا‏ ‏محمد‏ ‏يحيى ‏وتوفيق‏ ‏صالح‏ معا، ‏رُحت أكمل الحديث مع الأستاذ بعد استئذانهما أننى لست معه جدا فى هذه الفرحة والموافقة، الحديث الشريف جميل جدا، وفائق الدلالة، لكن الخوف كل الخوف أن نتناول مشاكلنا من منطلقات النصوص وليس من واقع الحال، إذا ما تولى هؤلاء القوم الأمر، استوضحنى الأستاذ أكثر، فاكملت: إن هذه الأحاديث المشرقة والمفيدة، لابد أن تدعم الحسابات الواقعية والضرورية، لكن لا ينبغى أن “تنطلق” منها التوصيات والآراء الحالية، أرى أنه ينبغى أن تكون هذه التنظيمات لصالح الناس أولا وأخيراً، ولتجنب ضررهم وضرارهم، وهذا وذاك جوهران فى الدين، ثم يدعمها أو لا يدعهما نص دينّى جيد مفيد، استوضحنى هذه المرة توفيق صالح، يبدو أننى لم أكن واضحا فعلا، ‏أكملت ما سبق أن كررته‏ ‏ ‏قائلا‏: إن‏ ‏مخاوفى من ‏ ‏الحكم‏ ‏الإسلامى ‏ليست‏ ‏فى ‏أن‏ ‏يتولى ‏الحكم‏ ‏مسلمين‏ ‏إرهابين‏ ‏أو‏ ‏إخوان مسلمين‏، ‏ولكن‏ ‏أن‏ ‏تصبح‏ المرجعية فى تنظيم شؤون الناس هى مقياس “الحلال والحرام”، كما تقول التفاسير، وليس مقياس الفائدة والضرر، ولا مقياس التطور والسكون، أو الإنتاج والإبداع، ثم رحت أؤكد أن المسألة ليست ثانوية، نحن قد نحتاج الفتوى الداعمة بعد القرار الصائب، وليس قبله، قد يدعمنا النص الكريم لزيادة الفائدة وتحفيز الناس وليس انغلاقا في ألفاظه، هذا الترتيب مهم عندى، قد لا تكون هناك مشكلة حين يلتقى النص بالفائدة، لكن المشكلة تبدأ حين تسبق ألفاظ النص فتفرض نفسها بعيدا عن الواقع، فربما فى هذه الحالة يُستعمل لتبرير الظلم، أو تأييد حاكم فاسد، أو قهر إبداع كادح إلى وجه الله، وهو لا ينبع بالضرورة من روح نص دينى بذاته، هز الأستاذ رأسه هزة لم أستطع أن أترجمها إلى ما اعتدت، وسألنى توفيق صالح أن أؤجل بقية الشرح إلى ما بعد وصولنا إلى الفندق، ورجحت أننى لم أنجح أن أوضح نفسى بدرجة كافية. ‏

كان‏ ‏مزاج‏ ‏الأستاذ‏ ‏معتلا‏ ‏بعض‏ ا‏لشيء‏، ‏وقد عزى ذلك إلى أنه ‏ ‏لم‏ ‏يُفرغ‏ ‏أمعاءه‏ ‏بالشكل‏ ‏المعتاد‏، ‏كان صامتا مقطبا، على غير عادته حين يفرح بلقائنا، ‏فانقبضت‏، وأرجعت هزة رأسه “النص نصف” إلى هذا الاعتلال الغامض، ‏لكننا‏ ‏حين‏ ‏وصلنا‏ ‏إلى ‏الفندق‏، ولفحنا الهواء الطازج المنعش،‏ ‏بدا‏ ‏أكثر‏ ‏انفتاحا‏ ‏وحيوية، لكنه ظل هادئا مشاركا عن بعد‏، ‏لكننى ‏لم‏ ‏أرتح‏ ‏تماما‏.‏

رحت أذكّره بما ‏كنا نناقشه ‏ ‏أمس‏، ‏وأول‏ ‏أمس‏، ولم نكمله، لعله يثير فضوله فنواصل الحوار حوله، ‏فكان‏ – ‏على غير عادته‏ – ‏أقل‏ ‏حدة‏ ‏فى ‏التذكر‏، ‏بل‏ ‏شعرت‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏أقل‏ ‏اهتماما‏. ‏بعد‏ ‏قليل‏ ‏انفرجت‏ ‏الأزمة أكثر، ‏لكننى ‏أستأذنت‏ ‏مبكرا‏ ‏لواجب‏ ‏عزاء‏ احتاج منى بعض ساعة.

حين عودتى قال‏ ‏توفيق‏‏: ‏إنه‏ ‏إلحاقا‏ ‏لكلام‏ ‏أمس أيضا‏، ‏فإن‏ ‏احتمال‏ ‏تراجع‏ ‏مصر‏ ‏عن‏ ‏الإصرار‏ ‏على ‏عدم‏ ‏التوقيع على‏ ‏معاهدة‏ ‏انتشار‏ ‏الأسلحة‏ ‏النووية‏ هو احتمال خطير، فقد ‏سمع‏ ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏خطة‏ ‏اسرائيلية‏ ‏معدة‏ ‏تمكنهم‏ ‏من‏ ‏إحتلال‏ ‏سيناء‏ ‏فى 13 ‏دقيقة‏ (‏وليست‏ ‏فى ‏ستة‏ ‏أيام‏ ‏مثل‏ ‏حرب‏ 67)، ‏قلت‏ ‏له‏ – ‏مائلا‏ ‏على ‏الأستاذ‏ – ‏أليس‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏مبالغة‏ ‏بالغة‏، ‏ولم‏ ‏يعقب‏ ‏الأستاذ‏، ‏كان‏ ‏مزاجه‏ ‏مازال متعكرا على ما يبدو‏، ‏أضفت‏ ‏موجها‏ ‏كلامى ‏إلى ‏توفيق‏ ‏ومحمد‏ ‏يحيى ‏وحافظ عزيز‏:

 ‏إليكم‏ ‏شطحة‏ ‏أخرى ‏من‏ ‏شطحاتى، ‏إنى ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ينقذ‏ ‏مصر‏ ‏ويجمع‏ ‏عافيتها‏ ‏هى ‏حرب‏ ‏ممتدة‏ ‏عشرين‏ ‏عاما‏ أو خمسين عاما، ‏ضحك‏ ‏توفيق‏ ‏وذكر‏ ‏حديثا‏ ‏سمعه‏ ‏من‏ ‏يوسف‏ ‏السباعى ‏وجمال‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏يخطب‏ ‏ويهدد‏ ‏ويتوعد‏، ‏قال‏ ‏السباعى‏: “…. ‏جيشنا‏ ‏كالموج‏، ‏على ‏سطحه‏ ‏زبد‏ ‏كثير‏ ‏لكنه‏ ‏ينحسر‏ ‏سريعا‏” فلم أوافق و‏شرحت‏ ‏لتوفيق‏ ‏مغزى ‏شطحتى ‏وأننى ‏لا‏ ‏أقصد ‏حربا‏ ‏نظامية‏، ‏وإنما‏ ‏أعنى أن يتكرر سكريبت “‏الاحتلال/ المقاومة”‏ ‏وليكن ما يكون، سوف تتفجر المقاومة‏، طول الوقت من كل الناس، ‏لابد‏ ‏من‏ ‏شيء‏ ‏يستنفر‏ ‏الحياة‏ ‏فينا‏، مهما كانت التضحيات، نحن لن ‏نبنى ‏أنفسنا كما ينبغى إلا من خلال تهديد واقعىّ ملاحق، لا من خلال الخوف من أن تجتاحنا إسرائيل فى 13 دقيقة، أو 13 شهرا، “التحدى للبقاء” يتحرك بقوة فى مواجهة تهديد يومى واقعى بالفناء وليس استجابة للإعلام التشجيعى، ولا خوفا من الإعلام الترهيبى، التحدى للبقاء ينبثق، من خلال واقع مر متحرك متجدد طول الوقت، الحروب تصنع الشعوب، وقد تـُفـَجـِّر الحضارات، برغم كل احتمالات الدمار والفناء، كنت لا أجد تناقضا بين ما أقول، وبين موقفى الذى يعرفه الجميع من حيث تأييد معاهدة السلام ([49]) باعتبارها بداية تنمية ثقافة حرب جديدة بعد استسلام مؤلم.

رفض محمد‏ ‏يحيى ‏كعادته‏، ‏وقال‏ ‏إن‏ ‏كل‏ ‏حلولك‏ ‏تبدأ‏ ‏بكلمة‏ “‏لو‏”، ‏قلت‏ ‏له‏: ‏و”لم‏ ‏لا”‏، ‏أليس‏ ‏من‏ ‏حقى ‏أن‏ ‏أطلق لخيالى العنان ‏إلى ‏ما‏ ‏ينقذنا‏، ما دام الواقع يصلنى بكل هذا التراخى والتواكل؟

استعدت من الاستاذ‏ ‏معلومتين‏ ‏لم‏ ‏أتبينهما‏ ‏أمس‏ ‏تماما‏، ‏سألت‏ ‏عن‏ ‏المسرحية‏ ‏التى ‏استشهد‏ الاستاذ ‏بأغنية‏ ‏منها‏ ‏أمس‏ ‏فقال‏: ‏لا‏ ‏أذكر‏ ‏اسم المسرحية ‏الآن‏ ‏وإن‏ ‏كنت أكاد‏ ‏أذكر‏ بعض ‏الأغنية‏ ‏فقط‏ ‏فتعجبت: ليست عادته، لعله‏ ‏هذا‏ ‏المزاج‏ ‏المتعكر‏ ‏اليوم‏، ‏فسألته‏ ‏عن‏ ‏الأغنية‏ ‏رددها‏ ‏ببهجة‏ ‏أقل‏!!!.‏”‏علمنى ‏أبويا ‏ركوب‏ ‏الخيل‏ ‏قبل‏ ‏الكتابة‏ ‏والقرايا‏”‏، وكان‏ ‏الأستاذ‏ ‏قد‏ ‏نبهنا‏ ‏أمس‏ ‏أن‏ ‏منشد‏ ‏هذا‏ ‏الكلام‏ ‏كان‏ ‏يتحرى ‏المد‏ ‏حفاظا‏ ‏على ‏القافية‏، فهو ‏لا‏ ‏يقول‏ ‏القراءة‏ ‏ولكن‏ ‏القرايا‏ ليتفق مع القافية. (لست متأكدا من النص)

الاستفسار‏ ‏الآخر‏ ‏كان‏ ‏عن‏ ‏أول‏ ‏لقاء‏ ‏له‏ ‏مع‏ ‏محمود‏ ‏شاكر‏ ‏فى ‏مكتب‏ ‏الرسالة‏ ‏عند‏ ‏الأستاذ‏ ‏الزيات‏، ‏ولم‏ ‏يزد‏ ‏الأستاذ‏ ‏عما‏ ‏سبق‏ ‏ذكره‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏محمود‏ ‏حسن‏ ‏إسماعيل‏ ‏ربما‏ ‏كان‏ ‏حاضرا‏.‏


الحلقة الرابعة والعشرون

د. علاء الزيات وذكريات والده

الاثنين‏: 30/1/1995‏

حضر‏ زميلى (دفعتى) ‏د. علاء‏ ‏الزيات‏ (‏ابن‏ المرحوم ‏أحمد‏ ‏حسن‏ ‏الزيات‏) ‏بناء عن اقتراحى ليفحص الحالة الباطنية للأستاذ، وبالذات حالة السكرى، ‏رحـب‏ ‏الأستاذ به وهلل‏ ‏لحضوره‏ ‏قائلا‏ “‏إبن‏ ‏أستاذى‏”، وعلق بعد خروجه على أنه يشبه أباه، بالذات فى قصر قامته، ‏بعد الكشف الروتينى والأسئلة التقليدية طمأنه‏ ‏أ‏.‏د‏.علاء ‏وطمأننى، ‏ذكرت‏ ‏لعلاء‏ ‏بعض حديثى مع الأستاذ عن والده، وكيف‏ ‏بلغنى كم‏ ‏ ‏يحب‏ الأستاذ ‏والده‏، ‏راح الأستاذ يحكى لعلاء عن والده بعض الأحاديث الخفيفة، وأنه كان نابها لماحا، وكان قد قال لى إن مجلة الرسالة كانت تغطى مصاريفها، بل وتدر ربحا، قلت للأستاذ أن ابنه د.علاء قد ورث عن والده الدهاء العلمى والواقعى معا، ثم أضفت أننى أشهد لعلاء بمهارته ‏فى ‏الطب‏ ‏مع أنه ‏ “‏قليل‏ ‏الأدب‏”، ‏وحين ضحك الأستاذ فهم علاء مزاحى، وأننى أعنى أنه مقلُّ فى قراءة الأدب ناهيك عن كتابته، وإن كنت أعرف عنه أنه يهوى سماع الموسيقى الكلاسيك، فعقب الأستاذ أنه كان يهواها كذلك، وكررت أننى “ليس لى فيها أصلا”.

حين سأل ‏ ‏د‏.علاء‏ الأستاذ السؤال التقليدى الذى يسأله الأطباء: “‏مم‏ ‏يشكو‏” ‏قال‏ ‏ببراءة‏ ‏ ‏وغمز‏، “‏ولا‏ ‏حاجة‏” ‏فالتفت‏ ‏د‏.علاء‏ ‏إلىّ “‏قائلا‏”: ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏د‏. ‏يحيى ‏هو‏ ‏الذى ‏يشكو‏، ‏وضحك الأستاذ‏ ‏كأنه يوافق، واتفقنا‏ ‏على ‏أنه‏ ‏فحص‏ “‏للتدقيق”‏ ‏إن‏ ‏صح‏ ‏التعبير‏، ‏يسأل‏ ‏د‏. ‏علاء‏ ‏الأستاذ عن‏ ‏حالته‏ ‏النفسية‏ ‏فيشير الأستاذ إلىّ حيث أجلس، فأرفض بشدة أن أكون مصدر الإجابة، ‏فقد‏ ‏أبيت‏ ‏منذ‏ ‏البداية‏، وبوضوح كامل، ‏أن‏ ‏أتواجد‏ ‏مع‏ ‏أستاذى ‏إلا‏ ‏كمريد‏، ‏فأجاب‏ ‏الأستاذ‏ ‏أن صحته‏ “‏تمام‏ ‏التمام” ما دام صاحبك (وأشار إلىّ) ‏يخرجنى ‏كل‏ ‏يوم‏، ‏ولم‏ ‏أكن‏ ‏أحسب‏ ‏أن‏ ‏تشخيصى ‏الأول‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏وصل‏ ‏إلى ‏الأستاذ‏ “‏هكذا‏” ‏بهذا الوضوح من‏ ‏واقع‏ ‏الممارسة‏، ففرحت بهذا الدواء القديم الجديد، وقلت للأستاذ ما رأيك نسجل براءة الاختراع معا: “جرعات منتظمة من الناس”، ‏فقال لا بد أن تسجل اسم المرض أولا، وليكن “‏فقر‏ ‏ناس‏”، فيصبح الدواء هو “جرعة كذا من الناس”، ثم إن الأستاذ استدرك وقال: ما رأيك نسمى العقار الجديد:‏ “‏الهواء‏ ‏والناس‏”، فضحكت وقلت: قياسا على “الوفاء والأمل”، و”التوحيد والنور”، كان د. علاء يتابعنا، وعقب ضاحكا بالموافقة، وأنه شاهد على ملكيتنا للاختراع.

حين دخلت‏ ‏علينا‏ ‏الزوجة الكريمة، ‏‏ضحك ‏الأستاذ‏ ‏فرحا‏ ‏وهو يبلغها‏: “‏إن‏ ‏الدكتور‏- يقصد علاء- ‏يقول‏ ‏”إن‏ ‏الخروج‏ ‏أهم‏ ‏من‏ ‏الأدوية‏”، ‏وكانت الزوجة الفاضلة قلقة على صحة الأستاذ فى البداية من الالتزام بالخروج يوميا هكذا.

ثم جرى ‏نقاش‏ ‏بينى وبين‏ ‏د‏.‏علاء‏، وأنا أخطر الأستاذ أن الأستاذ الدكتور علاء وشخصى قد عملنا ‏كونسلتو‏!، ‏حول‏ “‏مسألة الكرواسون‏”، ‏وتعجب‏ ‏الأستاذ‏ ‏أن‏ ‏الدكتور‏ ‏علاء‏ ‏قد‏ ‏سمح‏ ‏له‏ ‏بقطعة واحدة‏ ‏كل يوم‏ (‏وكان‏ ‏الأستاذ – كما‏ ‏ذكرت‏ ‏سالفا‏- لا يسمح لنفسه إلا بقطعة واحدة ‏كل‏ ‏شهر‏، ‏وقد فرحت بفتوى علاء، وتذكرت مع الأستاذ كيف أننى سبق أن تعجبت من أنها “قطعة واحدة”، وهو ما عقبت عليه قائلا “طب ‏ ‏خليهم‏ ‏اثنين‏!!!” ‏(على ‏رأى ‏فؤاد‏ ‏المهندس‏).‏

كنت‏ ‏قد‏ ‏اطلعت‏ ‏على ‏تدريبات‏ ‏القراءة‏ التى يقوم بها الأستاذ يوميا ‏قبل‏ ‏حضور‏ ‏الدكتور‏ ‏علاء‏ ‏ووجدتها‏ ‏تحسنت‏ ‏فعلا‏ ‏وخاصة‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بكتابة‏ ‏اسمه‏ ‏ووجدته‏ ‏قد‏ ‏كتب‏ ‏أمس‏:‏

ألا‏ ‏ليت‏ ‏الشباب‏ ‏يعود‏ ‏يوما‏ ‏فأخبره‏ ‏بما‏ ‏فعل‏ ‏المشيب

ثم‏ ‏كتب‏:‏

“وأن‏ ‏تسود‏ ‏المودة‏ ‏بين‏ ‏الناس‏ ‏بإقرار‏ ‏القانون”([50])

سألته‏ ‏كيف‏ ‏ذلك؟

قال‏ ‏هذه‏ ‏هى ‏كلمات‏ “‏سعد‏ ‏زغلول‏”‏

هذا الرجل يكاد ينبض بحب سعد زغلول كلما جاء ذكره حتى كأنه يجالسنا!!

الاثنين‏: 30/1/1995 (‏بعد‏ ‏الظهر‏)‏

ذهبت مستقلا هذا اليوم لألحق بمجموعة فندق نوفويتل المطار، كنا قد رتبنا مسئولية كل يوم على واحد منا، وبدأ الصديق حافظ عزيز ينتظم فى مرافقة الأستاذ يوم الأثنين، (وأحيانا يكون معهما – لاحقا – عبد الرحمن الأبنودى، أو د. حسين حمودة) من البيت إلى الفندق، ثم ألحق أنا بهم أو لا ألحق، وذلك بعد أن أصر الأستاذ ألا ألزم نفسى يوميا بصحبته فى تنقلاته هكذا، ‏ذهبت اليوم‏ ‏مستقلا‏، ‏بدأت‏ ‏أرتاح‏ ‏للنظام‏ ‏الجديد‏، ‏أدخلُ‏ ‏عليه‏ ‏وهو‏ ‏بين‏ ‏الناس‏ ‏فى ‏الخارج‏، ‏فأجده‏ ‏غير‏ ‏ما‏ ‏أجده‏ ‏وحده‏ ‏فى ‏البيت‏، ‏كنت‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏نفسى ‏آمل‏ ‏طبيا‏ ‏أن‏ ‏تسير‏ ‏الأمور‏ ‏الصحية‏ ‏من‏ حسن ‏إلى ‏أحسن‏ ‏حتى ‏يعود‏ ‏إلى ‏الكتابة‏، ‏لكن‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏عودته‏ ‏إليها‏ ‏هكذا‏ ‏كانت هى ‏البداية‏ ‏الصحيحة‏.‏

كان‏ ‏الدكتور‏ ‏علاء‏ ‏قد‏ ‏نصح‏ ‏بحقنة‏ ‏فى ‏العضل‏ ‏اسبوعيا‏، ‏فقال‏ ‏الأستاذ‏ ‏إنه‏ ‏لا‏ ‏يحب الحقن، ويأمل أن يستبدلها بأقراص‏ ‏إن‏ ‏أمكن‏، ‏فذكرت له أن رأى د. علاء ‏ ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏دفعة‏ ‏قوية‏ ‏لاستعادة‏ ‏البناء‏، ‏وأننى ‏أنا‏ ‏شخصيا‏ ‏الذى ‏سأعطيه‏ ‏الحقنة، وأن “يدى خفيفة”، فعقب الأستاذ غامزا أننى أستطيع أن أستعمل “خفة يدى” فيما هو أكسب!، وضحكنا، لكنه واصل رجاءه أن أعفيه من الحقن، فقلت له إننى لا أملك أن أخالف د. علاء إلا بعد الاتصال به من جديد، وأننى ناقشته فى هذا التفضيل أثناء زيارته وكنت متوقعا هذه المقاومة منه‏، ‏فمال‏ ‏الأستاذ علىّ غامزا، ‏ وهو يقول: “‏إديها‏ ‏لى ‏كده‏ ‏وكده‏”، ‏واستلقى ‏إلى ‏الخلف‏ ‏حين‏ ‏تحولت الغمزة إلى ضحكته الواسعة.‏ ‏

جاء‏ ‏ذكر‏ ‏السفير‏ ‏تحسين‏ ‏بشير‏ ‏فى حديث ‏توفيق‏ ‏صالح عنه، وكيف أنه (تحسين) ‏دعا‏ ‏نفسه‏ ‏على ‏الإفطار عنده منذ أيام، ‏وقلت‏ ‏له إننى ‏أعرفه‏، ‏عن طريق صديقى أ.د. محمد شعلان، و(المرحوم) د. عبد الوهاب المسيرى، ود. كمال الإبراشى وقال توفيق: إنه رجل شديد الذكاء، حاد الذاكرة يعرف ‏أسرارا‏ ‏بلا‏ ‏حصر‏، ‏فقد‏ ‏عمل‏ ‏مع‏ ‏جمال‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏، ‏والسادات‏ ‏وإلى ‏درجة‏ ‏أقل‏ ‏مع‏ ‏مبارك‏، ‏وأشرت‏ ‏إلى ‏أننى ‏حين‏ ‏عرفته‏ ‏احترمته‏ ‏وقدرت مواهبه برغم اختلافى معه‏، وكم ناقشته محاولا أن أثنيه عن استعمال ‏ ‏لغة‏ ‏وتكتيكات‏ ‏التحليل‏ ‏النفسى فى السياسة وغير السياسة‏، فأنا أتحفظ على منهج فرويد بشكل كبير، برغم احترامى لعبقريته، قال‏ ‏الأستاذ‏: ‏إن‏ ‏فرويد‏ ‏هذا‏ ‏أدى ‏خدمة‏ ‏هائلة‏ ‏للمعرفة‏ ‏حين كشف‏ ‏عن‏ ‏ماهية‏ ‏النفس‏ ‏مالا‏ ‏يمكن‏ ‏إنكاره‏، ‏وذلك‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏، ‏وافقته بحذر مؤكدا أنه فعلا ‏ ‏قد‏ ‏اكتشف‏ ‏مساحة‏ ‏‏من‏ ‏وجودنا كانت‏ ‏مظلمة‏ ‏قبله‏، ‏ولكنها كانت معروفة بغير أبجديته، قال الأستاذ: لكنه هو الذى نبه‏ ‏مؤكدا‏ ‏أنها‏ ‏موجودة‏، ‏وأنها‏ ‏شديدة‏ ‏الأهمية‏، ‏وأنها‏ ‏دالة‏ ‏المحتوى‏، فقلت: ‏لكنه‏ ‏حين‏ ‏حاول‏ ‏أن‏ ‏يكشف‏ ‏عن‏ ‏ماذا‏ ‏يحويه‏ ‏هذا‏ ‏الظلام‏ فعل ذلك بمصباح خاص جدا، ف‏شطح‏، ‏وتعسف،‏ ‏وتجاوز‏، ‏قال‏ ‏توفيق‏: ‏إن‏ ‏العيب‏ ‏الذى ‏يؤخذ‏ ‏عليه‏ ‏هو‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يعمم‏ ‏ما‏ ‏يراه‏ ‏فى ‏المرضى ‏على ‏الأشخاص‏ ‏الأسوياء‏، ‏فقلت لتوفيق بل إننى أعتبر ذلك ميزة لا عيبا، وأننى شخصيا أتعرف على أغلب سلوك الأسوياء من المرضى بشكل أو بآخر، وهذا ليس تعميما عشوائيا، لكنه منهج له مبرراته ومصداقيته، وبالتالى فأنا مع فرويد فى استعماله هذا المنهج، وأن يرى الطبيعة البشرية من خلال ما يراه فى المرضى قال‏ ‏الأستاذ‏: ‏بل‏ ‏ما‏ ‏يراه‏ ‏فى ‏نفسه‏ ‏أساسا‏، ‏فقد‏ ‏سمعت‏ ‏أنه‏ ‏هو‏ ‏شخصيا‏ ‏قد‏ ‏حاول‏ ‏أن‏ ‏يعتدى ‏على ‏أمه‏ ‏مرتين‏ ‏أو‏ ‏أكثر‏، ‏وأنها‏ ‏كادت‏ ‏تضربه‏ ‏على ‏ذلك‏، ‏وأضفتُ‏ ‏إشارة‏ ‏إلى ‏سلوكه‏ ‏مع‏ ‏أخت‏ ‏زوجته‏، ‏واعتماده‏ ‏لفترة‏ ‏على ‏الكوكاكيين‏ ‏ومشاكله‏ ‏الذاتية‏، ولم نتفق إلا على عبقريته.‏

أستأذن‏ ‏توفيق‏ ‏للذهاب‏ ‏إلى “‏الركن‏ ‏الصغيره”([51])‏ ‏مبكرا‏ ‏قائلا‏ ‏للأستاذ‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏خيانة‏ ‏أن‏ ‏يذهب‏ ‏وحده‏ ‏قبل الأستاذ‏، ‏فقلت‏ ‏لتوفيق مازحا يمكنك أن تحتفظ بجزء يسير تشارك به ‏ ‏الأستاذ‏ ‏فيما‏ ‏بعد إخلاصا ومواكبة‏. ‏وضحك‏ ‏الأستاذ‏.‏

حضر‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏نشطا‏ ‏مبتهجا‏ ‏كالعادة‏، ‏فقلت‏ ‏وأنا‏ ‏أستأذن‏ وهممت بالانصراف، ‏واعترض‏ ‏الأستاذ‏ ‏وزكى ‏بطيبة‏، ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏أذهب‏ ‏سألت‏ ‏زكى ‏هل‏ ‏قابلت‏ ‏سعيد‏ ‏الكفراوى‏، ‏قال‏ ‏نعم‏: ‏قلت‏ ‏له‏: ‏هل‏ ‏هو‏ ‏صحيح‏ ‏بكل هذه الصفات التى قيلت فى شأنه فى العوامة “فرح بوت” من ‏ ‏بعض‏ ‏جلساء‏ ‏الثلاثاء؟ ‏ ‏قال زكى “‏‏أبدا‏، ‏إنه‏ ‏إنسان‏ ‏جيد فعلا”‏، فسرت له ما قالوه حين رفضوا زعمه أنه الشخصية المحورية فى رواية “الكرنك”، قلت له بما أنك تراه هكذا، فلربما قال ما قال حين تصور، بحسن نية، ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏كان يحكى عنه نظرا لتشابه وَصَله يقابل خبرته الشخصية، فعقب زكى أنه “يجوز”،

وهز الأستاذ رأسه مسامحا، وليس بالضرورة موافقا.

هذا طيب.

****


الحلقة الخامسة والعشرون

تقديس العادى لا يعيق الإبداع

الأربعاء‏: 1/2/1995‏

…..‏ ‏أول‏ ‏رمضان‏، ‏ورمضان‏ هو ‏رمضان‏، ‏وقد‏ ‏حاولت‏ ‏مع‏ ‏الأستاذ‏ ‏أن‏ ‏أرتب‏ ‏له‏ ‏مواعيده‏ ‏بحيث‏ ‏نحقق‏ ‏له‏ ‏نظاما‏ ‏للخروج‏ ‏الذى ‏أصبح‏ ‏ضرورة‏ ‏له‏ ‏مثل‏ ‏الأكل‏ ‏والشرب‏، ‏بل‏ ربما أكثر، ‏أشعر معه يوميا أننا نعيد توثيق عقد جديد بيننا وبين الناس، وأيضا مع الطريق‏، “‏الناس‏ ‏والطريق‏”، ‏ياه‏!! ‏هذا‏ ‏عنوان‏ ‏عملى ‏الذى ‏لم‏ ‏ينشر‏ ‏متكاملا‏ ‏حتى ‏الآن([52])

‏‏قال‏ ‏محمد إبنى ‏أنه‏ ‏سينزل‏ ‏ليصحب‏ ‏الأستاذ‏، ‏فقلت‏ ‏بل‏ ‏سأنزل‏ ‏أنا‏، ‏أو‏ ‏لتنزل‏ ‏معى ‏فهذا‏ ‏يوم‏ ‏يستأهل‏ ‏المباركة‏، ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏تغيير‏ ‏الميعاد، بمناسبة رمضان، ‏قد‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏تطبيع‏ ‏مبدئى ‏قد‏ ‏يلزم‏ ‏فيه‏ ‏حضورى ‏شخصيا‏، ‏وعزمت‏ ‏على محمد ‏إبنى ‏أن‏ ‏يصحبنى ‏فوافق‏ ‏مرحـِّـبا‏ ‏..

قاَبلَنا الأستاذ باشّاَ ‏فى ‏ردهة‏ منزله ‏قبل‏ ‏الميعاد‏ ‏بخمس‏ ‏دقائق، ‏ ‏وكان‏ ‏مرتديا واقفا فى الانتظار‏ ‏كالعادة‏ ‏وسط‏ ‏الردهة، ‏ومستعدا‏، ‏وجاء‏ ‏حافظ‏ ‏إلى ‏المنزل‏ ‏أيضا‏، ‏فكانت‏ ‏لمسة‏ ‏طيبة‏، ‏وانطلقنا‏.‏

كنا قد اتفقنا أن يمضى إحدى ليالى رمضان فى بيتى إضافة إلى يوم الجمعة، ‏وكنت‏ ‏مازلت‏ ‏مترددا‏ ‏حول‏ ‏معنى‏ ‏موافقة‏ ‏الأستاذ‏ ‏أن‏ ‏يخص ‏بيتى ‏بأحد ايام الأسبوع الأخرى‏ ‏بانتظام‏، مازلت لا أصدق أنه اختار بيتى من بين عروض أخرى ليست قليلة، حريص أنا أن أغوص إلى داخله حتى أتيقن أننى أقدّم له ما يحب فعلا، من أين لى أن أتأكد أنه يحب هذا أكثر من ذاك، وهو بكل هذه الدماثة وتلك المجاملة، ما علينا، حاولت أن أقرأ تعبيرات وجهه وهو فى الأماكن المختلفة لأتأكد هل أحسنت الاختيار أم لا، هذه فرصة جديدة أقرأ وجهه ونحن فى طريقنا إلى بيتى، وجهه الكريم هو صفحة جميلة رائقة صادقة تنطق بداخله لمن يحبه، قرأته غير متحيز ما أمكن، نعم هو اختار هذا الاختيار فعلا، هو اختار بيتى، الحمد لله.

دخل‏ ‏البيت‏ ‏مؤتنسا‏، ‏غير‏ ‏المـرة‏ ‏الأولى‏، ‏أو‏ ‏هكذا‏ ‏خيل‏ ‏إلىّ‏، ‏الأستاذ‏ ‏إلف‏ ‏مألوف‏، ‏حتى ‏المكان‏، ‏هو‏ ‏يألف‏ ‏المكان‏ ‏بسرعة‏ ‏واضحة‏، ‏والمكان‏ كذلك ‏يألف‏ ‏الأستاذ‏ ‏ويرحب‏ ‏به‏ ‏ويدفئه‏ ‏ردا‏ ‏لألفته به‏.‏

‏بدا لى أنه دخل نفس هذا المكان ألف مرة من قبل بل خيل إلى أنه دخله قبل أن أدخله أنا، وأنه هو الذى دعانى إليه الآن، تحوَّطــْناه فى الحجرة الصغيرة الملحقة بالردهة، وكأنها أعدت له منذ كانت، جلس فى نفس المكان مثل المرة السابقة، بجوار نفس المائدة الركنية، ومد يده يتحسس نفس طفاية السجائر التى اعددتها لسيجارتيْه بالعدد (بعد ذلك منعنا التدخين فى نفس الحجرة إلا سيجارتيه، تجنبا لآثار التدخين السلبى عليه) وكنت‏ ‏قد‏ ‏نبهت‏ ‏على ‏أفراد‏ ‏أسرتى ‏أن‏ ‏جلسة‏ ‏الأستاذ‏، هى جلسة الأستاذ، واننا ضيوف عليه، ‏ومن‏ ‏شاء‏ ‏أن‏ ‏يسلم‏ ‏عليه‏ ‏منهم‏ ‏فليفعل‏ ‏ثم‏ ‏ينصرف‏ ‏ليأخذ‏ ‏الأستاذ‏ ‏راحته‏، واحترموا ذلك ولم يحضروا إلا مرة أو اثنتين طول حضوره  سنين بيتنا.

وأنا‏ ‏أرتب‏ ‏مكتبى أو مكتبتى ‏ظهر‏ ‏هذا‏ ‏اليوم،‏ ‏‏عثرت على‏ ‏الخطاب الذى افتقدته فى بحثى السابق، وهو خطاب‏ ‏من‏ ‏الأستاذ‏‏، ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏أتصور أنه عندى، أنا ‏لا‏ ‏أذكر‏ ‏إلا‏ ‏خطابه‏ ‏الرقيق‏ ‏الذى ‏أرسله‏ ‏لى‏ ‏ردا‏ ‏على ‏ظهور‏ ‏أول‏ ‏عدد‏ ‏من‏ مجلة “‏الإنسان‏ ‏والتطور‏”، ‏ونحن‏ ‏نسأل‏ بعض الثقات عن رأيهم فى فكرة المجلة من أول عدد، وكان هو على رأسهم: ‏”هل‏ ‏هناك‏ ‏ما‏ ‏يميز‏ ‏مجلتنا‏ ‏هذه‏؟ ‏وهل‏ ‏تستحق‏ ‏أن‏ ‏تظهر؟ ‏وأن‏ ‏تواصل‏ ‏الظهور؟”  ثم أننى ‏فوجئت‏ ‏بهذا‏ ‏الخطاب‏ ‏المؤرخ‏ ‏فى1/3/ 1979 ‏ردا‏ ‏على “‏هدية‏ ‏ما‏” ‏من‏ ‏مؤلفاتى ([53]). ‏فِرَحُت بالخطاب‏ ‏فرحا‏ ‏لا‏ ‏مزيد‏ ‏عليه‏، ‏فرغم‏ ‏معرفتى ‏بمجاملات‏ ‏الأستاذ‏ ‏ورقة‏ ‏مشاعره‏، ‏وأنه‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يقول‏ ‏نفس‏ ‏الكلمات‏ ‏لطالب‏ ‏فى ‏الاعدادية‏ ‏إذا‏ ‏راسله‏، ‏يشجعه‏ ‏ويربت‏ ‏عليه‏، ‏إلا‏ ‏أننى ‏فرحت‏ ‏والله‏، ‏ورحت‏ ‏أقنع‏ ‏نفسى – ‏دون‏ ‏اقتناع‏ – ‏أنه‏ ‏خصنى فعلاً ‏بهذه‏ ‏الكلمات‏، ‏وحكيت‏ ‏له‏ ‏عن مفاجأتى‏ ‏بهذا‏ ‏الخطاب‏، ‏فهز‏ ‏رأسه مصدّقا‏، ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏القيمة‏ “‏المبادرة‏ ‏بالرد‏ ‏على ‏الخطابات‏” ‏كانت‏ ‏من‏ ‏أعظم‏ ‏القيم‏ ‏التى ‏تمثل‏ ‏جيله‏، ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏عثرت‏ ‏بين نفس الأوراق على ‏خطاب‏ ‏آخر‏ ‏من‏ ‏د‏. ‏زكى ‏نجيب‏ ‏محمود‏، ‏يرد‏ ‏فيه‏ ‏على ‏تعقيب‏ ‏أرسلُته‏ ‏إليه‏ ‏عن‏ ‏مقال‏ ‏نشره‏ ‏فى ‏الأهرام‏، ‏وكان‏ ‏يعتذر‏ ‏فيه‏ ‏عن‏ ‏تأخره‏ ‏فى ‏الرد‏ ‏علىّ‏. ‏وقلت للأستاذ‏ إن سيجموند فرويد كان يخصص ساعتين يوميا من وقته للرد على الخطابات([54])، ‏استفسرت منه عن قيمة هذا عنده، وأنا أعرف أن وقته أثمن من ذلك فى تصورى فرد قائلا: إنه‏ ‏كان‏ ‏يرد‏ ‏بصفة‏ ‏دائمة‏ ‏على ‏معظم‏ ‏أو‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يصله‏، ‏وأنه‏ ‏حين‏ ‏عجز‏ ‏عن‏ ‏القراءة‏ ‏والكتابة‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏أحزن‏ ‏ما‏ ‏أحزنه‏ ‏عجزه‏ ‏عن‏ ‏الرد‏ ‏على ‏الخطابات‏ ‏كما‏ ‏اعتاد‏.‏

انتقل‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏تأثير‏ ثقافة ‏الخليج‏ ‏على ‏القيم‏ ‏والتقاليد‏ ‏المصرية‏ ‏الحالية‏ ‏وذكرت‏ ‏للأستاذ‏ ‏خبرا قرأته عن‏ ‏الإجراء‏ ‏الذى ‏اتخذته‏ ‏السعودية‏ ‏بتحصل‏ ‏مبلغ‏ 975 ‏جنيها‏ ‏مصريا‏ ‏لاستخراج‏ ‏تأشيرة‏ ‏دخول‏ ‏إليها‏، ‏وأن‏ ‏المرتبات‏ ‏التى ‏تعطى ‏للمصريين‏ ‏راحت‏ ‏تتضاءل‏ ‏حتى ‏وصل‏ ‏بعضها‏ ‏إلى ‏النصف‏، ‏وذكرتُ ما سمعت من أنه فى ‏الإمارات‏ ‏أصبح‏ ‏استخراج‏ ‏البطاقة‏ ‏الصحية‏ ‏للوافد‏ ‏وأولاده‏ ‏طول‏ ‏المدة‏ ‏التى ‏صرح‏ ‏له‏ ‏فيها‏ ‏بالإقامة‏ (‏دون‏ ‏النظر‏ ‏إلى ‏مدة‏ ‏العقد‏)، ‏أصبح‏ ‏إجباريا‏ ‏حتى ‏أن‏ ‏الموظف‏ ‏ذا‏ ‏الأربع‏ ‏أولاد،‏ ‏الذى ‏تقدر‏ ‏مدة‏ ‏إقامته‏ ‏بخمس‏ ‏سنوات‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏، ‏يدفع‏ ‏حوالى 20 ‏ألف‏ ‏جنيه‏، ‏ثم‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏يدفع‏ ‏كل‏ ‏تكاليف‏ ‏علاجه‏، ‏قال‏ ‏حافظ‏ ‏للأستاذ‏ :‏إنه‏ ‏يرى ‏أن‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏خير‏ ‏بعيد‏، ‏وأن‏ ‏المصريين‏ ‏حين‏ ‏يعجزون‏ ‏عن‏ ‏السفر‏ ‏سيرتدون‏ ‏إلى ‏أرضهم‏ ‏وجهدهم‏، ‏ولابد‏ ‏أن‏ ‏يجدوا‏ ‏حلا‏ ‏بعد‏ ‏فترة‏ ‏مضاعفات‏ ‏لازمة‏: ‏وهز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏ ‏وهو‏ ‏مشفق‏ ‏من حجم‏ ‏المضاعفات‏، ‏وإن‏ ‏بدا‏ ‏موافقا‏ ‏على ‏المبدأ‏، ‏فتدخلت‏ ‏مؤكدا‏ ‏أنه‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تقفز‏ “‏قيمة‏ ‏الإنتاج‏” ‏إلى ‏مقدمة‏ ‏الوعى ‏العام‏، ‏بعد‏ ‏فشل‏ ‏تصدير‏ ‏البشر‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏ننتبه‏ ‏إلى ‏عدم‏ ‏المبالغة‏ ‏فى ‏التركيز‏ ‏على ‏تصدير البشر‏ ‏كقيمة‏ ‏أولى‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يأتى ‏الإنتاج‏ ‏فى ‏المقام‏ ‏الأول‏، ‏ثم‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يفرض‏ ‏علينا‏ ‏وفرة‏ ‏الإنتاج‏ ‏حتمية‏ ‏التصدير لانتاجنا لا لأولادنا‏، ‏والأستاذ‏ ‏يتابع‏ ‏بانتباه‏ ‏رائع‏ ‏وكأنه‏ ‏وزير‏ ‏العمل‏ ‏والمالية‏ ‏والاقتصاد‏ ‏معا‏، ‏وكأنه‏ ‏ملزم‏ ‏باصدار‏ ‏قرار‏ ‏عملى يحقق ‏أولوية‏ ‏”الإنتاج‏ ‏للتصدير‏”، ‏هكذا‏ ‏يبدو‏ ‏الأستاذ‏ ‏دائما‏، ‏منتبها‏ ‏ملتزما‏ عمليا ‏فى ‏آن‏، ‏لكنه لم يصدر القرار بالألفاظ وإنما ‏هز‏ ‏رأسه‏ ‏متفهما‏، ‏وأدركت‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏نفتقده‏ ‏فى ‏الحوار‏، ‏الحوار‏ ‏ليس‏ ‏ردا‏ ‏دائما‏، ‏وليس‏ ‏موافقة‏ ‏مشروطة‏، ‏وليس‏ ‏مبارزة‏ ‏كلامية ‏أو‏ ‏مَنْظرة موسوعية‏، ‏الحوار ‏كما‏ ‏يعلمنا‏ ‏الأستاذ هو‏ ‏تفهُّم ‏مرن‏، ‏وانتباهٌ ‏أمين، ‏وردٌ ‏مجتهد، ‏واستمرار!

 ‏‏تصلنى ‏هذه‏ ‏الرسالة‏ ‏هكذا‏ ‏‏كلما‏ ‏جلست‏ ‏معه.

فهمت من‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏أنه ترك‏ ‏ضيفا‏ ‏فى ‏منزله‏ ‏أول‏ ‏يوم‏ ‏رمضان‏ ‏على ‏مائدة‏ ‏الإفطار‏ لحرصه على هذا اللقاء، وتطرق‏ ‏الحديث من خلال زكى‏ ‏إلى ‏مقال‏ ‏هويدى ‏الذى ‏نشره‏ ‏أمس‏ ‏تحت‏ ‏عنوان‏ “‏الفرق‏ ‏بين‏ ‏الدينى ‏والحضاري‏”، ‏لكن‏ ‏زكى ‏‏قدم‏ ‏الموضوع‏ ‏على ‏أنه‏ ‏الفرق‏ ‏بين‏ “‏الدينى ‏والإسلامى”‏، ‏وأن‏ ‏الإسلام‏ ‏هو‏ ‏أشمل‏ ‏من‏ ‏الدين‏، ‏ورحت‏ ‏أنبهه‏ ‏أن‏ هويدى ربما يعنى بالإسلام‏، ‏الذى ‏هو‏ ‏أشمل‏ من ‏الدين‏، ‏يعنى‏ ‏الحضارة‏ ‏فى ‏حضورها‏ ‏الإسلامى‏، ‏وليس‏ ‏الإسلام الدين الفقهى بهذا الوضوح: الحلال الحرام‏، ‏وأن‏ ‏التفرقة فى المقال‏ ‏كانت‏ ‏بين‏ ‏الدينى ‏والحضارى ‏وليس‏ ‏بين‏ ‏الدينى ‏والإسلامى، ‏فالعنوان‏ ‏لم‏ ‏يقابل‏ ‏بين‏ ‏الدينى ‏والإسلامى ‏بل‏ ‏بين‏ ‏الدينى ‏والحضارى، ‏فقال زكى (على ما أذكر)‏: ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏تخفَّى ‏وراءه‏ ‏هويدى، ‏وتعجب‏ ‏الأستاذ‏ ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏الإسلام‏ ‏أشمل‏ ‏من‏ ‏الدين‏، ‏وذكّـرنا‏ ‏بالآية‏ ‏التى ‏ترادف‏ ‏بينهما‏ ‏وهى ‏تقول‏: “‏إن‏ ‏الدين‏ ‏عند‏ ‏الله‏ ‏الإسلام‏”، ‏وبينت‏ ‏له‏ ‏كيف اقرأ هذه الآية‏، ‏وأننى ‏أقرأها‏ ‏باعتبار‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏دين‏، ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏يؤكد‏ ‏الفطرة‏ السليمة، ‏إنما يحدد‏ ‏السبيل‏ ‏الذى ‏يحافظ‏ ‏به‏ ‏على ‏طبيعة‏ ‏الإنسان‏ ‏كما‏ ‏خلقها‏ ‏الله‏، ‏لينميها‏ ‏فى ‏مسار‏ ‏توجهها‏، ‏وبهذا يسمح‏ ‏بامتداد‏ ‏الإنسان‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏بعده، وإن‏ ‏أى ‏دين لم يتشوه‏ ‏يحقق‏ ‏هذا‏، ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏هو‏ ‏الإسلام‏، ‏وأن‏ ‏الأية‏ – ‏تصلنى وهى ‏تعنى ‏ذلك‏، ‏ولو‏ ‏كانت‏ ‏المسألة‏ ‏احتكارا‏ ‏يختص‏ ‏به‏ ‏دين‏ ‏واحد‏ ‏لجاءت‏ ‏الآية‏ ‏تقول‏: ‏إن‏ ‏الإسلام‏ ‏عند‏ ‏الله‏ ‏هو‏ ‏الدين‏”، ‏ويهز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏ ‏تلك‏ ‏الهزة‏ ‏التى ‏توحى ‏بالموافقة‏ ‏ولا‏ ‏تؤكد‏ ‏المطابقة‏، ‏ويأتى ‏ذكر‏ ‏الحديث‏ ‏الذى ‏يعرف‏ ‏المسلم‏ ‏بأنه‏”‏من‏ ‏سلم‏ ‏الناس‏ ‏من‏ ‏لسانه‏ ‏ويده‏”، ‏وأظن‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏ذكر‏ ‏هذا‏ ‏الحديث‏ ‏أو‏ ‏وافَقَ‏ ‏مَنْ‏ ‏ذكره‏، ‏وقد‏ ‏تحفظت‏ ‏على ‏هذا‏ ‏المعنى، ‏أو‏ ‏على ‏الكيفية‏ ‏التى قد ‏نتلقى ‏بها‏ ‏هذا‏ ‏المعنى، أو على الكيفية التى يردد بها أغلب المسلمين هذا المعنى، ‏وأضيف‏ ‏معنى ‏آخر‏ آراه فى‏ ‏التسليم: وهو التسليم‏ ‏لله‏ ‏عز‏ ‏وجل، فى حوار خلاّق غائر ‏وأكدت أكثر‏ ‏على التحفظ أن يكون ‏‏معنى “‏التسليم‏” ‏هو الحرص على “‏السلامة‏” ‏وقلت‏ ‏إننا‏ ‏فى ‏حال‏ ‏نحتاج‏ ‏فيها‏ ‏أن‏ ‏نفهم‏ ‏الدين‏ ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏إيجابى ‏انبعاثى (‏لا‏ ‏تسليمي‏) ‏معظم‏ ‏الوقت‏، ‏ذلك‏ ‏لأننى ‏أستشعر‏ ‏قوة‏ ‏الدين‏ ‏الإسلامى – مثل أى دين أصيل – إنما تتحقق من خلال ‏هذا‏ ‏الباب‏ ‏المفتوح‏ ‏لحوار‏ ‏الإنسان‏ ‏مع‏ ‏خالقه‏، ‏ذلك‏ ‏الحوار‏ ‏القوى ‏الواثق‏ ‏من‏ ‏حق‏ ‏الإنسان‏ – ‏كما‏ ‏هو‏ – ‏فى ‏القسم‏ ‏على ‏الله أن يفعل كذا، فيتحقق، ‏واستشهدت‏ ‏بمعنى الحديث‏ “‏رُبَّ أَشْعَثَ، … لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ” ‏وأن‏ ‏الإنسان‏ ‏يرضى ‏عن‏ ‏الله‏ ‏كما‏ ‏يرضى ‏الله‏ ‏عنه‏ (‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ‏)، ‏وأن هذه‏ ‏هى ‏قمة‏ ‏الحرية‏ ‏وعمق‏ ‏السماح‏، ‏واختلفنا‏، ‏والأستاذ‏ ‏يتابع‏، ‏وذهب‏ ‏محمد‏ ‏يحيى (ابنى) ‏يحضر‏ مواقف ‏النفـّرى ‏ليستشهد‏ ‏به‏ ‏توضيحا‏ ‏لقيمة‏ ‏التسليم الإيجابى‏، ‏وبسرعة‏ ‏أخرج‏ ‏النص‏ ‏ ‏الذى ‏يقول‏ النفرى ‏فى ‏”موقف‏ ‏بين‏ ‏يديه”‏:‏

‏”‏وقال‏ ‏لى ‏العلم‏ ‏حرف‏ ‏لا‏ ‏يعربه‏ ‏إلا‏ ‏العمل‏، ‏والعمل‏ ‏حرف‏ ‏لا‏ ‏يعربه‏ ‏إلا‏ ‏الإخلاص‏، ‏والإخلاص‏ ‏حرف‏ ‏لا‏ ‏يعربه‏ ‏إلا‏ ‏الصبر‏، ‏والصبر‏ ‏حرف‏ ‏لا‏ ‏يعربه‏ ‏إلا‏ ‏التسليم‏”.‏

بدا زكى أنه يعرف النص، لكنه أكّد إعجابه به من جديد.

يطلب‏ ‏الأستاذ‏ من محمد أن يعيد قراءة النص، فيفعل، ‏يتأكد‏ ‏الأستاذ المرة‏ ‏تلو‏ ‏المرة‏ ‏من‏ ‏كلمة‏ “‏يُـعْـربـه‏”، ‏فأرى ‏فرحته‏ ‏الصامته‏ ‏بهذا‏ ‏الاستعمال‏ ‏لمعنى “‏الإعراب‏” ‏فى ‏النحو‏، ‏استعمالا‏ ‏للتأكيد‏ ‏والتقنين‏ ‏والتوضيح‏، ‏وحين‏ ‏يشير‏ ‏محمد‏- ‏بالألفاظ‏ ‏أو‏ ‏بتعبير‏ ‏الوجه‏، ‏لا‏ ‏أذكر‏ – ‏إلى ‏انتصاره،‏ ‏حيث‏ ‏يأتى ‏التسليم‏ (‏الذى ‏تحفظت‏ ‏عليه‏)، ‏على ‏قمة‏ ‏مسلسل‏ ‏يبدأ‏ ‏من‏ ‏العلم‏ ‏فالعمل‏ ‏فالإخلاص‏ ‏فالصبر‏، ‏فأنبهه‏ ‏لما‏ ‏أكرره‏ ‏دائما‏ ‏أن‏ ‏كلمة‏ ‏التسليم‏ ‏هنا‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تؤخذ‏ ‏فى ‏سياقها‏، ‏وأن‏ ‏تسليم‏ ‏المسلم‏ ‏وجهه‏ ‏لله‏ ‏كما‏ ‏جاء‏ ‏فى ‏الحديث‏ ‏أو‏ ‏الأثر‏، ‏غير‏ ‏التسليم‏ ‏الذى ‏أحذِّر‏ ‏منه‏، ‏وكلاهما‏ ‏غير‏ ‏التسليم‏ ‏الذى ‏يتلقى ‏به‏ ‏وعى ‏العامة‏ ‏الآن‏ ‏لنفس‏ ‏اللفظ‏، ‏الذى ‏بدوره‏ ‏غير‏ ‏التسليم‏ ‏الذى ‏أشرت‏ ‏إليه‏ ‏فى ‏”جدل‏ ‏إسماعيل=إبراهيم” الذى أشرتُ له من قبل ([55])، ‏ويهز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏، ‏ثم‏ ‏يصرح برأيه أخيرا‏:‏ “إن‏ ‏التسليم‏ ‏كما‏ ‏جاء‏ ‏فى ‏نص‏ ‏النفرى ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏كما أقول تسليما مواجها آملا واثقا محاورا (الكلام ليس بالنص لكنه موجز رأيى) ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏المرور‏ ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏سبقه‏ ‏من‏ ‏مراحل‏ العلم‏ – ‏العمل‏ – ‏الاخلاص‏-‏الصبر‏، ‏

وأفرح‏ ‏لانتصارى ‏على ‏محمد‏ ‏بشهادة‏ ‏الأستاذ‏، لكن الأستاذ يعود ينبهنا أن الخلاف شكلى‏

يسأل‏ ‏زكى ‏سالم الأستاذ‏ ‏عن‏ ‏رأيه‏ ‏فى ‏الحديث‏، ‏وبالذات‏ ‏عن‏ ‏معنى “‏لو‏ ‏أقسم‏ ‏على ‏الله‏ ‏لأبره‏”، ‏وعن‏ ‏علاقة ذلك ‏بالحديث‏ ‏القدسى، “… حتى أكون ‏يده‏ ‏التى ‏يبطش‏ ‏بها‏ ‏وسمعه‏ ‏الذى ‏يسمع‏ ‏به‏.. إلخ”، ‏فيقول‏ ‏الأستاذ‏ ‏بتواضع‏ ‏دون‏ ‏تهرب‏ “‏لا‏ ‏أدري‏”.‏

ويعود‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏خطاب‏ ‏الأستاذ‏ ‏الذى ‏عثرت‏ ‏عليه‏ ‏بالصدفة‏، ‏فأذهب‏ ‏وأحضره‏ ‏ولا‏ ‏أظهره‏، ‏فالحديث‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏عاد‏ ‏إلى ‏غيره‏، ‏لكن‏ ‏الأستاذ‏ ‏لا‏ ‏ينسى، ‏فيسأل‏ ‏عنه‏، ‏فأناوله‏ ‏لزكى ‏سالم‏، ‏فيطلب‏ ‏هو‏ منه أن يقرأه، فيتفضل زكى ويقرأ نصه هكذا:

“‏الأستاذ‏ ‏الكبير‏ ‏يحيى ‏الرخاوي

تلقيت‏ ‏بسرور‏ ‏لا‏ ‏مزيد‏ ‏عليه‏ ‏هديتك‏ ‏الثمينة‏، ‏وقد‏ ‏ذكرتنى ‏بلقائك‏ ‏الممتع‏ ‏المفيد‏ ‏فى ‏الأهرام‏، ‏واسترجعت‏ ‏بهما‏ ‏ما أقرأ‏ ‏لك‏ ‏بين‏ ‏الحين‏ ‏والحين‏ ‏فى ‏الصحف‏، ‏نفعنا‏ ‏الله‏ ‏بك‏، ‏ونفع‏ ‏الأدب‏، ‏والطب‏ ‏بعطائك‏ ‏الثرى ‏المتواصل”

المخلص: نجيب محفوظ

1/3/1979

خطاب‏ ‏على ‏ورقة‏ ‏بيضاء‏ ‏بخطه الجميل جدا، فقط لا‏ ‏غير‏.

رحت الآن أبحث عن الأصل الآن([56]) فلم أجده، كنت أريد ان أنشره هنا مصوّرا لأثبت أنه حقيقة واقعة، فرحت أننى لم أجده حتى لا أشك فى تصديق القارئ، ما الداعى أن أذكر غير ما كان، زكى شاهد على ذلك، ولماذا أطلب شاهدا بالله عليكم؟! آسف قال‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏إنه يعتبر‏ ‏هذا‏ ‏الخطاب‏ ‏ ‏أهم‏ ‏من‏ ‏جائزة‏ ‏الدولة‏ ‏التى ‏أخذتُها عن هذا العمل‏، ‏قلت‏: ‏وهو‏ ‏عندى ‏كذلك‏، ‏مع‏ ‏أننى ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏لا‏ ‏يبخل‏ ‏بمثله‏ ‏على أى مبتدئ ‏طالب‏ ‏ثانوى ‏يرجو‏ ‏لقاءه‏ ‏أو‏ ‏يطمع‏ ‏فى ‏تشجيعه‏، ‏لكننى ‏حين‏ ‏راجعت‏ ‏الآن‏ ‏كل‏ ‏كلمة فى الخطاب‏ ‏وأنا‏ ‏أعيد‏ ‏كتابته‏ ‏وجدت‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏لفظ‏ ‏فيه‏ ‏دال‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏ (‏ربما‏ ‏عدا‏ ‏ألفاظ‏ ‏المجاملة‏)، وتعجبت كيف تذكر الأستاذ اللقاء الوحيد الذى التقيته فى الأهرام وهو الذى ربما أشرت إليه فى حلقات سابقة فى هذه الحلقات.

عاد‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏الأهرام‏، ‏وكيف‏ ‏أن‏ ‏الصفحة‏ ‏الأدبية‏ ‏فى ‏عدد‏ ‏الجمعة‏ ‏تنشر‏ الآن ‏قصصا‏ ‏أقل‏ ‏من‏ ‏المتوسطة‏، ‏إن‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏رديئة‏، ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏فاتحت‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏أننى ‏حين‏ ‏قرأت‏ ‏قصته‏ ‏القصيرة‏ ‏فى ‏عيد‏ ‏ميلاده‏ ‏الثالث‏ ‏والثمانين‏ ‏فى ‏ديسمر‏ 1993، ‏والتى ‏عنوانها‏ “‏علمنى ‏الدهر‏” ‏تألمت‏ ‏وحزنت‏ ‏لما‏ ‏بها‏ ‏من‏ ‏نغمة‏ ‏شخصية‏ ‏مُـرة‏، ‏لكننى ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏فرحت‏ ‏واستبشرت‏ ‏حين‏ ‏نشر‏ ‏بعدها‏ ‏أصداء‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية‏، ‏وقد‏ ‏تحفظتُ‏ – ‏ضمنا‏ – ‏على ‏هذا‏ ‏العنوان‏ ‏المباشر‏ ‏لهذا القصة‏ ‏القصيرة‏، ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏توقفت – فرحاً -‏ ‏عند‏ ‏لفظ‏ “‏أصداء‏” ‏الذى ‏سبق‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية‏، ‏فإذا‏ ‏بى ‏أفاجأ‏ ‏بالأستاذ‏ ‏يقول‏: ‏إنهم‏ ‏غيروا‏ ‏عنوان هذه القصة‏ ‏دون‏ ‏إذنه‏، ‏حيث‏ ‏كان‏ ‏العنوان‏ ‏هو‏ “‏اليوم‏ ‏الأخير‏”، ‏وأنهم‏ ‏هم‏ ‏الذين‏ ‏وضعوا‏ ‏العنوان‏ ‏من‏ ‏عندهم‏، ‏رفضت‏ ‏وأمتلأت‏ ‏غيظا‏ ‏قائلا‏ ‏فى ‏نفسى “‏حتى ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏!”! ‏وأضاف‏ ‏الأستاذ‏ “‏إن‏ ‏المشكلة‏ ‏أنه‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏المسئول‏ ‏عن‏ ‏هذه‏ ‏الصفحة‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏علاقة‏ ‏بالأدب‏، ‏فهو‏ ‏موظف‏ ‏جاء‏ ‏عليه‏ ‏الدور‏ ‏ليتولى ‏مسئولية‏ ‏عدد‏ ‏الجمعة‏، ‏وهذه‏ ‏المشكلة‏ ‏ليست‏ ‏فى ‏دور‏ ‏الصحف‏ ‏فقط‏، ‏بل‏ ‏إنها‏ ‏مشكلة‏ ‏إدارية‏ ‏فى ‏الحكومة‏ ‏عامة‏، ‏حين‏ ‏يكون‏ ‏الترقى ‏بالأقدمية‏ ‏المطلقة‏، ‏وحين‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏الترقى ‏بالأقدمية‏ ‏مرتبطا‏ ‏بالدرجة‏ ‏الخالية‏، ‏أنا‏ ‏مثلا‏ (الأستاذ يكمل)، ‏حين‏ ‏جاء‏ ‏استحقاقى ‏للدرجة‏ ‏الرابعة‏ ‏فى ‏وزارة‏ ‏الأوقاف‏، ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏هناك‏ ‏درجة‏ ‏رابعة‏ ‏خالية‏ ‏سوى ‏درجة‏ ‏مدير‏ ‏إدارة‏ ‏مالية‏، ‏وأنا‏ ‏عمرى ‏ما‏ ‏عرفت‏ ‏شيئا‏ ‏فى ‏الحسابات‏، ‏وأخذت‏ ‏أكتب‏ ‏المذكرات‏ ‏لتعديل‏ ‏الموقف‏ ‏وطلب‏ ‏النقل‏، ‏ولكن‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏تحقق‏ ‏النقل‏ ‏اضطررت‏ ‏للقيام‏ ‏ببعض‏ ‏مهام‏ ‏هذه‏ ‏الإدارة‏، ‏وبدأت‏ ‏بأسهل‏ ‏الأمور‏ ‏وهى ‏جرد‏ ‏الخزينة‏، ‏وقرأت‏ ‏الإجراءات‏ ‏وحين‏ ‏ذهبت‏ ‏لجرد‏ ‏إحدى الخزائن‏ ‏مال‏ ‏علىّ ‏أمينها‏ ‏وهو‏ ‏يكاد‏ ‏يبكى ‏ويقول‏: ‏إنه‏ ‏اضطر‏ ‏لأخذ‏ ‏مبلغ‏ ‏ما‏ ‏لظروف‏ ‏زواج‏ ‏ابنته‏، ‏وأنه‏ ‏سوف‏ ‏يرجعه‏ ‏غدا‏، ‏وأنه‏.. ‏وأنه‏، ‏ووجدته‏ ‏فى ‏حال‏، ‏فشوحت‏ ‏بيدى ‏قائلا‏: ‏ومن‏ ‏قال‏ ‏لك‏ ‏إننى ‏قادم‏ ‏لجرد‏ ‏الخزينة‏، ‏أو‏ ‏للتفتيش‏ ‏اليوم؟‏، ‏وانصرفت‏، ‏وفى ‏اليوم‏ ‏التالى ‏حضر‏ ‏لى ‏الأمين‏ ‏وأقسم‏ ‏لى أنه سيفى بوعده خلال أيام، وكاد يحاول أن‏ ‏يميل‏ ‏على ‏قدمى ‏ليقبلها‏ ‏أمام‏ ‏الناس‏، ‏وهدأت خاطره وأنا أذكره أن الله أمر بالستر‏‏، ‏وتم‏ ‏نقلى ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يحدث‏ ‏مالا‏ ‏يحمد‏ ‏عقباه‏، (انتهى كلام الأستاذ) ‏فرحت أتصور‏ ‏شيخى‏ ‏وهو‏ ‏مفتش‏ ‏مالى، ‏ينفـِّذ‏ ‏ويطيع‏ ‏ويقوم‏ ‏بعمله‏، ‏وبقيتْ معى لمسة‏ ‏إنسانية‏، ‏وفكاهة، ثم رحت أسرِّ‏ ‏إلى ‏نفسي‏: ‏ماذا‏ ‏لو‏ ‏طُلِبَ‏ ‏من‏ ‏مثقف كاتب‏ ‏هذه‏ ‏الأيام‏ ‏يصر‏ ‏على ‏أنه‏ ‏قادر‏ ‏على ‏أن‏ ‏يغير‏ ‏العالـَم‏، ‏ماذا‏ ‏لو‏ ‏طلب‏ ‏منه‏ ‏القيام‏ ‏بعمل‏ ‏روتينى ‏راتب‏ ‏فى ‏مصلحة‏ ‏مجهولة‏ ‏كجزء‏ ‏لا‏ ‏يتجزء‏ ‏من‏ ‏دوره‏ ‏الواقعى ‏الذى ‏يوثق‏ ‏علاقته‏ ‏بالناس‏ ‏والأرض‏ ‏والطيبة‏ وسط هذه المشاعر الإنسانية المليئة بالضعف والصدق‏ ‏والانكسار‏، ‏أتصوره وهو‏ ‏يحلم‏ ‏أن‏ ‏يتفرغ‏، ‏بعيدا عن كل هذا ويا‏ ‏حبذا‏ لو ‏تفرغ‏ “‏خوجاتيا‏”، ‏فى برج يستلهم‏ ‏فيه‏ ‏نفسه‏ ‏ ليأتى ‏بما‏ ‏يتصور‏، ‏هذا‏ ‏الدرس‏ ‏الفريد‏ ‏الذى ‏يحكيه‏ ‏الأستاذ‏ ‏به‏ ‏جرعة رائعة من‏ روعة ‏احترام‏ ‏الواقع‏، ‏‏بما‏ ‏هو‏، ‏فى ‏إطار‏ الحياة ‏العادية‏ ‏وسط‏ ‏الناس‏، وهو ‏ما‏ ‏ينقص‏ ‏الكثير‏ ‏منا‏، ‏ولعله‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏نقط‏ ‏المواجهة‏ ‏بينى ‏وبين محمد‏ ‏إبنى ‏(‏مشاركنا‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الجلسات‏)، ‏فهو‏ ‏لا‏ ‏يطيق‏ ‏وظيفته‏ ‏فى ‏الجامعة‏ (‏معيد‏)، ‏ويرى أنها ‏وظيفة‏ ‏خالية‏ ‏من‏ ‏المعنى ‏والقيمة‏، ‏وهى تضييع‏ ‏للوقت بلا جدوى‏، ‏وهو موقف قد يبدو عكس ‏موقف‏ ‏إبنى ‏الأصغر‏ “مصطفى” ‏الذى ‏لا‏ ‏يطيق‏ ‏مهنة‏ ‏أبيه‏ ربما ‏لانه‏ ‏يخشى ‏أن‏ ‏تـسرقه ‏فلا‏ ‏يجد‏ ‏نفسه‏ فيروح يمارس هواية تنسيق البيوت جماليا (فن الديكور الداخلى)، وهى هواية أبعد ما تكون عن طبع ومهنة أبيه، برغم عمله الرسمى فى مهنة أبيه، لكنها هواية فى بؤرة واقع مادىّ، جمالىّ آخر.

ويعود‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏مقالة‏ ‏هويدى‏، ‏وأقول‏ ‏للأستاذ أن فهمى أنهى ‏المقال‏ ‏بما‏ ‏يشبه‏ ‏المزحة‏، ‏وفيها‏ ‏ما‏ ‏فيها‏ ‏من‏ ‏تجاوز‏‏، ‏لكنه‏ ‏تلاعب‏ ‏خطير‏، ‏فهو‏ ‏يحكى ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏أخوين‏ ‏كانا‏ ‏يسكنان‏ ‏نفس‏ ‏المنزل‏، ‏وكان‏ ‏الأخ‏ ‏الذى ‏يسكن‏ ‏الطابق‏ ‏الأعلى ‏ماجنا‏ ‏منطلقا‏ ‏هائصا‏، ‏فى ‏حين‏ ‏كان‏ ‏الذى ‏يسكن‏ ‏الدور‏ ‏الأسفل‏ ‏تقيا‏ ‏وربما‏ ‏ملتزما‏، ‏وذات‏ ‏ليله‏ ‏راح‏ ‏الأخ‏ ‏الأعلى ‏هو‏ ‏وأصدقاؤه‏ ‏يقصفون‏ ‏ويطربون‏ ‏حتى ‏أصبحوا‏ ‏فى “‏حال‏”، ‏فـعـلـى ‏صوت‏ ‏الهرج‏ ‏والغناء‏ ‏والمرح‏ ‏وما‏ ‏إلى ‏ذلك‏، ‏فخرج‏ ‏إليهم‏ ‏الأخ‏ ‏الملتزم‏ ‏يعاتبهم‏ ‏وهو‏ ‏يذكرهم‏ ‏بالآية‏ “‏أفأمن‏ ‏الذين‏ ‏مكروا‏ ‏السيئات‏، ‏أن‏ ‏يخسف‏ ‏الله‏ ‏بهم‏ ‏الأرض‏”، ‏فرد‏ ‏عليه‏ ‏الأخ‏ ‏الأعلى “‏وما‏ ‏كان‏ ‏الله‏ ‏ليعذبهم‏ ‏وأنت‏ ‏فيهم‏”، ‏انتهى الحديث عن ‏المقال‏ ‏وهز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏، ‏ولم‏ ‏يخفِ‏ ‏زكى ‏سالم‏ ‏فرحه‏ ‏بالمقال‏، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏محمد‏ ‏تحفظ‏ ‏عليه‏ ‏مبدئيا‏، ‏وأضاف‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏استعمال‏ ‏القرآن‏ ‏يرد‏ ‏فى ‏نكات‏ ‏وقفشات‏ ‏يقبلها‏ ‏الناس‏ ‏بطيبة‏، ‏لكنها‏ ‏تحمل‏ ‏خطورة الاستهانة‏، ‏وتذكرت‏ ‏فكاهة‏ ‏ترد ‏فى ‏حوار‏ متخيل ‏بين‏ ‏مستر‏ “‏كوك‏” ‏صاحب‏ ‏شركة‏ ‏كوك‏ ‏للسياحة‏ ‏وبين‏ ‏الشيخ‏ ‏محمد‏ ‏عبده‏ (‏وطبعا‏ ‏هذا‏ ‏لم‏ ‏يحدث‏)، ‏حين‏ ‏سأل‏ مستر “‏كوك”‏ ‏الشيخ‏ ‏محمد عبده:‏ ‏ما‏ ‏دام‏ ‏المسلمون‏ ‏يزعمون‏ ‏أن‏ ‏القرآن‏ ‏قد‏ ‏حوى ‏كل‏ ‏شىء‏، ‏فهل‏ ‏ذكر‏ ‏اسمه‏، ‏فيجيبه‏ ‏الشيخ‏ ‏محمد عبده‏ (‏مرة‏ ‏أخرى: هذا‏ ‏لم‏ ‏يحدث‏) ‏ذاكرا‏ ‏الآية‏ “‏وإذا‏ ‏رأو‏ ‏تجارة‏ ‏أو‏ ‏لهوا‏ ‏انفضوا‏ ‏من‏ ‏حولك‏ ‏وتركوك‏ ‏قائما‏” (‏وترى “‏كوك‏” ‏قائما‏)، ‏وذكرتُ‏ ‏للأستاذ‏ ‏فكاهة‏ ‏أخرى ‏بذيئة‏ ‏استعملت‏ ‏آية كريمة من القرآن‏ ‏فى ‏غير‏ ‏موضعها‏، ‏وضحك‏ ‏الأستاذ‏ فى سماح، لكننا تحفظنا أن ندمغ مقال هويدى بسبب هذا التجاوز أساسا كما بدا لنا.

قبل‏ ‏أن‏ ‏تنتهى‏ ‏الجلسة‏ رحت‏ ‏أعلن‏ ‏أنه‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏افترضنا‏ ‏أن‏ ‏ما‏ ‏جاء‏ ‏فى ‏المقال‏ ‏هو‏ ‏إيحاء‏ ‏بالتسامح‏ ‏الإسلامى، ‏والموقف‏ ‏الحضارى، ‏فإن‏ ‏الذى‏ ‏سيتولى ‏أمر‏ ‏المسلمين‏ ‏حين‏ ‏يستلم‏ ‏الجماعات‏ ‏السلطة‏ ‏لن‏ ‏يكون‏ ‏فهمى ‏هويدى، ‏ولا‏ ‏أمثاله‏، ‏حتى ‏فهمى ‏هويدى – حينذاك – ‏لن‏ ‏يكون‏ ‏هو‏ ‏هذا‏ ‏الكاتب‏ ‏البادى ‏السماح‏ ‏المدافع‏ ‏عن‏ ‏الحضارة‏.

 ‏وأستأذن‏ ‏لأنصرف ‏وأترك الأستاذ فى بيته‏ ‏يكمل‏ ‏حديثه‏ ‏مؤكدا‏ ‏أن‏ ‏الواقع‏ ‏والانفتاح‏ ‏العالمى ‏لن‏ ‏يسمح‏ ‏لمن‏ ‏أخاف‏ ‏منهم‏ ‏أن‏ ‏يستمروا‏ ‏فى ‏مواقع‏ ‏السلطة‏، ‏فنحن‏ ‏الآن‏ ‏نعيش‏ ‏قيما‏ ‏ونظما‏ ‏تلوح‏ ‏لنا‏ ‏من‏ ‏بعيد‏، ‏مثل‏ ‏اتفاقية‏ ‏الجات‏ ‏وشفافية التواصل‏، ‏وغير‏ ‏ذلك‏ ‏مما‏ ‏لن‏ ‏يدع‏ ‏لأحد‏ ‏على ‏ظهر‏ ‏الأرض‏ – ‏مهما‏ ‏كان‏ – ‏أن‏ ‏يبتعد‏ ‏كثيرا‏ ‏عن‏ ‏التيار‏ ‏الأسلم‏ ‏الجارف‏ ‏المعاصر‏.‏

ولا‏ ‏أوافق‏ ‏تماما وأنا منصرف.

الحلقة السادسة والعشرون

الفن لا يجهض الثورة

الخميس: 2/2/1995

تأكد لى‏ ‏فى ‏رمضان‏، ‏أكثر مما هو فى ‏غير‏ ‏رمضان‏، أن جماعة الحرافيش، إن كان لها أن تستمر، ‏لم‏ ‏يعودوا‏ ‏إلا‏ ‏تاريخا‏، ‏بل‏ ‏خطر لى أنه لابد أن يُضخ بها ‏دم‏ ‏جديد بشكل ما،‏ ‏تجلت لى هذه الحاجة الليلة بشكل لحوح، ‏فمن‏ ‏ناحية‏ ‏بدأ‏ ‏اللقاء‏ ‏فى ‏السابعة‏ ‏والنصف‏ (‏وليس‏ ‏فى ‏السادسة، وهذا أمر نادر بالنسبة لطبع الأستاذ وما عودنا إياه‏، ‏ومن‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى ‏اعتذر‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏، ‏وكلمنى ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏أنه سوف ‏ ‏يلحق‏ ‏بنا‏ ‏حيث‏ ‏نحن، لأن عنده ضيوف بالمنزل ولن يغادروا إلا بعد الموعد‏، ‏ولم‏ ‏أكن‏ ‏أعرف‏ ‏بعد‏ ‏أى ‏بديل – للجزء الثانى من اللقاء-‏ ‏لمنزل‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ بعد جلسة‏ ‏فندق‏ ‏الهرم‏، لو أن ظروفه التى جعلته يتأخر ليلحقنا، طالت وغاب بقية الليلة، ‏وقد‏ خيل إلىّ ‏أن‏ ‏توفيق‏ ‏يفضل‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏الاجتماع‏ ‏فى ‏شهر‏ ‏رمضان‏ ‏خارج‏ ‏منزله‏، لا أعرف من أين جاءنى هذا الشعور ‏، ‏ضربت‏ ‏لخمة‏، ‏فأنا‏ ‏حرفوش‏ ‏لم يثبّتْ (ظـُهـُورات)‏، ‏دخل‏ ‏مدرسة‏ ‏الحرافيش‏ ‏بعد‏ ‏إغلاقها‏ ‏فى ‏الأغلب‏، ‏أو‏ كما قلت سابقا: ‏أنا‏ ‏لاعب‏ احتياطى، استُدعى لدخول‏ ‏الملعب‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏بدل‏ ‏الضائع‏، ‏ولا‏ ‏أعرف‏ ‏مكانا‏ ‏بديلا عن بيت توفيق نقضى فيه الجزء الثانى من السهرة،‏ ‏ولا‏ ‏أحفظ‏ ‏طقوسا‏ حرفوشية ‏تساعدنى ‏على ‏حسن‏ ‏الاختيار‏، ‏كلمت توفيق هاتفيا وأبلغته أننى والأستاذ نفتقده، وأننى عرضت على الأستاذ أن نحضر نحن إليه من الفندق بدلا من أن يكلف خاطره للحاق بنا ولم يبق لنا إلا دقائق، خاصة وقد بدأنا متأخرين الليلة، قلت لتوفيق أنه بذلك يوفر‏‏ ‏نصف‏ ‏ساعة‏ على الأقل يمكن أن يمضيها مع ضيوفه، فأخبرنى أنه غير متأكد متى ينتهى هذا الالتزام العائلى أو الاجتماعى.

‏فى ‏الطريق‏ إلى الفندق ‏سألت‏ ‏الأستاذ‏ ‏عن‏ ‏بقية‏ ‏الحرافيش‏، ‏قال‏ ‏لم‏ ‏يبق‏ ‏إلا‏ ‏بهجت‏ ‏عثمان‏ ‏وهو‏ ‏فى ‏لبنان‏ ‏الآن‏، ‏وجميل‏ ‏شفيق‏، ‏ثم‏ ‏أحمد‏ ‏مظهر‏ ‏وتوفيق‏ ‏صالح كما تعلم‏، ‏ثم أضاف أنه “حتى قبل الحادث، كان لقاء الحرافيش كثيرا ما يكون ‏قاصرا‏ ‏علىّ ‏وعلى ‏توفيق، ‏فسألته‏ ‏من جديد عن‏ ‏بعض‏ الأسماء ‏، ‏فأجابنى بمن أعرف مثل ‏عادل‏ ‏كامل ومحمد عفيفى، ‏ ‏لكنه اضاف أيضا: ثروت‏ ‏أباظة‏ ‏و‏ ‏لويس‏ ‏عوض‏ ‏، ‏وصلاح‏ ‏جاهين‏ ‏ومصطفى محمود، وتعجبت – لست أدرى لماذا- عند سماع اسمى ثروت أباظة ولويس عوض، وكنت قد عرفت من قبل علاقة الأستاذ العاطفية بثروت أباظة، ولم أجرؤ أن أكرر إعلان عدم حبى له بعد أن عرفت كم يكنّ له الاستاذ من معزة خاصة وامتنان، لكننى تعجبت أيضا من أن يكون لويس عوض حرفوشا، أما مصطفى محمود، فجائز، وحين سألت الأستاذ عن عمر حرفشة مصطفى محمود، قال “إنه لم يطوّل معنا إذ سرعان ما أصابه هوس الفلك والدروشة”،‏ ‏لا‏ أذكر بدقة إن كان الاستاذ قد أضاف ‏ذكر‏ أسماء أخرى أم لا، ربما جورج البهجورى مثلا، إذن ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏جلسة‏ ‏الحرافيش الأصلية مغلقة‏ ‏تماما‏ ‏كما‏ ‏تصورت، وصورت.

كنت قد سألته ‏ونحن‏ ‏نغادر‏ ‏المنزل فى طريقنا إلى الفندق‏: ‏هل‏ ‏نمر‏ ‏على “‏بتاع‏ ‏السودانى‏،” ‏فأشاح‏ ‏بيده‏ ‏وقال: “‏سودانى ‏ماذا‏، ‏إن‏ ‏السودانى ‏لزوم‏ ‏الأكل‏ ‏عند‏ ‏توفيق‏، ‏ونحن‏ ‏فى ‏رمضان‏ ‏والنظام‏ ‏لا‏ ‏يسمح‏” ، ‏قالها‏ ‏وكأنه‏ ‏كان يتناول أكثر من “سودانياية” كما ذكرت أو اثنتين‏”

‏ ‏سمعت ‏هاجسا فى نفسى ‏ ‏يقول‏: ‏هذه ‏الليلة ‏”‏ ‏ليست‏ ‏هي”‏.‏

كنت‏ ‏قد‏ ‏أعددت‏ ‏أستراحة‏ ‏خاصة‏ ‏تصلح‏ ‏لجلستنا معاً ‏ ‏فوق‏ ‏المستشفى الخاص تبعى بالمقطم‏، وقد فرحت بها لأنها ‏ ‏تطل‏ ‏على ‏القاهرة‏ ‏من‏ ‏أعلى ‏الجبل‏، ‏فتبدو‏ الأضواء المتناثرة وكأنها نجوم هبطت تحيي أرض العاصمة وهى تقرص أذنها لاتساخ ثوبها الناصع بكل هذه الأتربة العالقة، فقررت أن نجرب أن نمضى النصف الثانى من لقاء الليلة فيها، لكن يبدو أن خيالى الذى صوّر لى أن الأستاذ سوف يسر بهذه الاستراحة، وهذا المنظر قد نسى أن ‏نظر‏ ‏الأستاذ‏ ‏لم يعد يسمح له بالرؤية أبعد من بضعة امتار دون تمييز، حين انتبهت إلى ذلك لم أتراجع، قلت نجرّب ولو لليلة واحدة ثم نرى.

 رحت أنظر ونحن فى مطلع المقطم إلى منظر القلعة عند انحناءة المطلع، وهو منظر رأيته مئات المرات، لكننى شعرت هذه المرة أننى أنظر بالأصاله عن نفسى وبالنيابة عن الأستاذ، وحضرنى التقليد الجميل حين يحج الإبن أو يعتمر نيابة عن والده لمرضه أو بعد رحيله، رأيت المنظر هذه المرة لحساب الأستاذ، وكأننى أعيره عينىّ، فبدا لى أجمل وأسطع،

 كنا أيضا هذه الليلة نحن الثلاثة فقط كما هو الحال فى أغلب لقاءات الحرافيش، فقد هاتفت توفيق أن يلحقنا وقد كان، حسبت‏ ‏أن‏ ‏الوقت‏ ‏لن‏ ‏يمر‏، ‏وأن‏ ‏المواضيع‏ ‏سوف‏ ‏تنضب‏، ‏لكن‏ ‏أبدا‏، ‏إن‏ ‏حضور‏ ‏الأستاذ‏ ‏بانتباهه‏ ‏واقترابه‏ ‏اليقظ‏ ‏من‏ ‏الناس‏، كل الناس، مهما كانت النقلة جديدة،‏ ‏يجعل‏ ‏الحياة‏ ‏تنبض‏ ‏بحضوره المشع، وكأنه يعكس على الناس ما يُحْييهمْ – عدت‏ ‏أسأل‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏عن كيف آل ‏حال‏ ‏الحرافيش‏ إلى ما هو عليه حتى قبل الحادث، ‏وجاء‏ ‏ذكر‏ ‏مظهر‏، ‏وخوفه‏ ‏من‏ ‏المصعد‏ فى عمارة توفيق، ‏وتعلله بذلك الذى لم يقنعنى أبدا‏، ‏ثم‏ ‏عرج‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏عزلة‏ ‏مظهر‏ ‏وشغفه‏ ‏بها‏ ‏وضيقه‏ ‏منها‏ ‏فى ‏آن‏، ‏وكيف أنه‏ ‏تنازل‏ ‏عن‏ ‏شقته‏ ‏الخاصة‏ ‏لابنته‏ ‏حديثا‏، ‏وهو‏ ‏له‏ ‏ولد مهندس‏ ‏متيسر‏ ‏وثلاث‏ ‏بنات‏، ‏وأنه‏ ‏طلق‏ ‏زوجته‏ ‏منذ‏ ‏زمن‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏كلما‏ ‏ألمت‏ ‏به‏ ‏ضائقة‏ ‏أو‏ ‏احتاج‏ ‏لرعاية‏ ‏فإنه‏ ‏لا‏ ‏يلجأ‏ ‏إلا‏ ‏إليها‏ ‏وهى ‏لا‏ ‏تتأخر‏، ‏ونبهنى ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏قاله‏ ‏لى ‏مظهر‏ ‏وهو‏ ‏يستعمل‏ ‏تعبير‏ “‏أم‏ ‏الأولاد‏”، ‏وتحدثت‏ ‏مع‏ ‏الأستاذ‏ ‏عن‏ ‏وحدة‏ ‏المبدع‏ ‏وأهمية‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏له‏ “‏ركنه‏” ‏الخاص‏، ‏ركنه‏ ‏المادى ‏وركنه‏ ‏النفسى ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏، ‏وأن‏ ‏المبدع‏ ‏كل‏ ‏مبدع‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يشعر‏ ‏أن‏ ‏قوقعته‏ ‏هى ‏فى ‏متناوله‏ ‏فى أى وقت‏، ‏وأنه‏ ‏وحده‏ ‏القادر‏ ‏على ‏الدخول‏ ‏فيها‏ ‏والخروج‏ ‏منها‏ ‏بإرادة‏ ‏واعية‏ ‏مستقلة‏، ‏وبقدر‏ ‏علاقته‏ ‏الحميمة‏ ‏بالناس‏ ‏إبداعاُ، فالمبدع‏ ‏يحتاج‏ ‏ ‏أن يشعر باستمرار بقدرته على، وحقه فى، ‏الانسحاب إلى ركنه بعيدا عنهم ولو قليلا ‏وقتما يريد‏،[57] هز‏ ‏الأستاذ‏ ‏رأسه‏ ‏تلك‏ ‏الهزة‏ ‏التى ‏لا‏ ‏تعلن‏ ‏الموافقة‏ ‏ولا‏ ‏ترفض‏ ‏الرأى ‏ولكنها‏ ‏جزء‏ ‏من‏ ‏عملية‏ ‏التفكير‏ ‏المقدر‏، ‏رد‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏أن‏ ‏ذلك‏ ‏قد‏ ‏يصلح‏ ‏لغير‏ ‏الممثل،‏ ‏فنوع‏ ‏الإبداع‏ ‏للممثل‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏توثيق‏ ‏متصل‏ ‏لعلاقاته‏ ‏بالناس‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏، ‏نبهت‏ ‏توفيق‏ ‏إلى ‏إن‏ ‏إشكالة‏ ‏الممثل‏ ‏كمبدع‏ ‏هى ‏إشكالة‏ ‏مختلفة‏، ‏ففى ‏الوقت‏ ‏الذى ‏هو‏ ‏يعيد‏ ‏نصـا‏ ‏لم‏ ‏يكتبه‏، ‏وينفذ‏ ‏تعليمات‏ ‏آخر‏ (‏هو‏ ‏المخرج‏)، ‏حتى ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بكل‏ ‏التفاصيل‏، ‏نجده‏ -‏إذا‏ ‏كان‏ ‏مبدعا‏- ‏يخلق‏ ‏دوره‏ ‏خلقا‏ ‏حقيقيا‏، ‏مع أنه‏ ‏ليس‏ ‏سيد‏ ‏الموقف تماما‏، إلا أنه ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏يتصدر‏ ‏واجهة‏ ‏العمل‏، ‏وهو‏ ‏الذى ‏يلام‏ ‏على ‏الفتور‏ ‏أو‏ ‏التسطيح‏ ‏أو‏ ‏غير‏ ‏ذلك‏، ‏ثم أضفتُ‏ ‏إننى ‏أشفق‏ ‏على ‏الممثل‏ ‏المبدع‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏أى ‏مبدع‏ ‏آخر‏، ‏وحين‏ ‏أتقمصه‏ ‏أرعب‏ ‏رعبا‏ ‏حقيقيا‏، ‏ولا‏ ‏أتصور‏ ‏كيف‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يقف‏ ‏ممثل‏ ‏المسرح‏ ‏بالذات‏ ‏على ‏خشبة‏ ‏المسرح‏ ‏أربع‏ ‏ساعات‏ ‏كل‏ ‏ليلة‏ ‏يعيد‏ ‏نفس‏ ‏الكلام‏،- ويقوم بنفس الحركات والتعبير، ‏وأذكر‏ ‏كيف‏ ‏تناول‏ ‏جان‏ ‏بول‏ ‏سارتر‏ ‏مأساة‏ ‏الممثل‏ ‏فى ‏مسرحيته‏ “‏الممثل‏ ‏كين‏”‏، ‏ويوافق‏ ‏الأستاذ‏ ‏موافقته‏ ‏المحدودة‏، ‏وكذلك‏ ‏توفيق‏، ‏ويتدخل‏ ‏الأستاذ‏ ‏متعجبا‏ ‏من ‏عادل‏ ‏إمام‏ – مثلا‏- ‏الذى ‏تستمر‏ ‏مسرحيته‏ ‏سبع‏ ‏سنوات‏، ‏وأقول‏ ‏إننى ‏كأستاذ بالجامعة‏ ‏لا‏ ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أعيد نفس‏ ‏المحاضرة‏‏، ‏فى ‏العام‏ ‏التالى مهما كانت فى نفس الموضوع‏، ‏ولذلك‏ ‏فأنا‏ ‏دائما‏ ‏أحاول‏ ‏أن أختار أن أحاضر فى فرع دقيق جديد كل عام، ما أمكن ذلك، ‏فإذا‏ ‏اضطررت‏ ‏لتدريس‏ ‏نفس‏ ‏المقرر‏ ‏فإننى ‏أدرسه‏ ‏بطريقة‏ ‏أخرى ‏وربما محتوى ‏آخر‏، ‏ثم أضفت أننى‏ ‏لا‏ ‏أفخر‏ ‏بذلك‏، ‏فالإعادة‏ ‏الراتبة‏ ‏لها‏ ‏ميزاتها‏ ‏الرائعة‏، ‏لكن‏ ‏المسألة‏ ‏تتعلق‏ ‏بقلقى من الرتابة، وخوفى من التكرار‏.

‏ثم نرجع‏ ‏إلى ‏موضوع‏ ‏العزلة‏ ‏الإرادية‏، ‏وحركة‏ ‏الذهاب‏ ‏والعودة‏ ‏فى ‏الناس‏ ‏وبينهم‏، ‏ويعلق‏ ‏الأستاذ‏ ‏على ‏أماكنى ‏الخاصة‏ ‏التى ‏زارها‏ ‏معى، ‏وكان‏ ‏قد‏ ‏علم‏ ‏فى ‏استراحتى قرب سقارة‏ ‏أننى ‏أمضيت‏ ‏ست‏ ‏سنوات‏ ‏فيها‏ ‏مستقلا‏، ‏وأننى ‏أنتجتُ‏ ‏أهم‏ ‏إنتاجى ‏فى ‏هذه‏ ‏السنوات‏ ‏الست‏، ‏وأن‏ ‏ذلك‏ ‏كان‏ ‏على ‏حساب‏ ‏زوجتى ‏وأولادى، ‏فاكتفيت‏ ‏أخيرا‏ ‏بأن‏ ‏يكون‏ ‏لى ‏سكنى ‏الخاص‏ ‏تحتهم‏ ‏وفى ‏متناولهم‏، ‏ولكنه‏ ‏سكن‏ ‏مستقل‏ ‏أيضا‏، فيقول‏ ‏الأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏معجب‏ ‏بطريقة‏ ‏بناء‏ ‏وتنظيم‏ ‏وتأثيث‏ ‏أماكنى ‏التى ‏زارنى ‏فيها‏، ‏وأنها‏ ‏تدل‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏ ‏على ‏شخصيتى، ‏فشقتى ‏الخاصة‏ ‏الكائنة‏ فى الدور الأول ‏تحت‏ شقة ‏الأولاد‏، ‏بفرشها‏ ‏العربى ‏والحديقة‏ ‏الصغيرة‏، ‏ثم‏ ‏استراحة‏ ‏سقارة الريفية‏، ‏ثم‏ ‏هذا‏ ‏الركن‏ ‏الهاديء‏ ‏فوق‏ ‏المستشفى ‏أعلى ‏القاهرة‏، ‏كل‏ ‏منها‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏جانب‏ ‏من‏ ‏جوانب‏ ‏وجودى ‏ربما طبيعة شخصيتى، ‏ويضيف الأستاذ وأنا لا أخفى فرحتى بملاحظاته قائلا “فهذا‏ ‏للتأمل‏، ‏وذاك‏ ‏للفيلسوف‏، ‏وهذا‏ ‏للأديب‏، ‏وذاك‏ ‏للمفكر”‏ ‏ولم‏ ‏يذكر أى ركن‏ ‏للطبيب‏ ‏ضمن‏ ‏ذلك‏، ‏فارتحت‏، ‏لست‏ ‏أدرى ‏لماذا‏، ‏ربما‏ ‏لأن‏ ‏الطبيب‏ ‏لا‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏خصوصية‏ ‏مكانية‏ ‏ليمارس‏ ‏مهنته‏ ‏منها‏ ‏وفيها‏!! – ‏وقد‏ ‏كنت وأنا أتابعه مغتبطا أنه يتكلم عنى بعد هذه المدة القصيرة، كما كنت أتعجب كيف ألتقط‏ ‏تفاصيل‏ ‏كل مكان هكذا،‏ ‏والأهم‏ ‏روح‏ ‏المكان‏ التى سمحت له بمثل هذا التعليق التفصيلى. ربنا يخليه!

يبدأ‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏فى ‏تلخيص‏ ‏مقال‏ ظهر في ‏New Yorker ‏ويقدمه توفيق بأنه يقع‏ ‏فى ‏سبعة‏ ‏عشر‏ ‏صفحة‏، ‏وأن‏ ‏كتابته‏ ‏استغرقت من‏ ‏صاحبته‏ ‏ستة‏ ‏أشهر‏ ‏من‏ ‏البحث‏ ‏والحوار‏، ‏وتضمن‏ ‏الحوار‏ ‏مقابلات‏ ‏كثيرة‏ ‏مع‏ ‏”الجماعات”‏، ‏وزيارات‏ ‏لامبابة‏ (‏معقلهم‏ ‏السابق‏)، ‏ومقابلة‏ ‏مع‏ ‏حسنى ‏مبارك‏، ‏ومع‏ ‏عمر‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏، ‏ومع‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏، ‏وآخرين‏ ‏من‏ ‏أصدقاء‏ ‏الأستاذ‏، ‏ويمثِّل‏ ‏المقال‏ ‏موقف‏ ‏الأمريكى ‏المتفرج‏ (‏وأحيانا‏ ‏المنشق‏، ‏هذا‏ ‏حسب‏ ‏استقبالي‏)، ‏لكنه‏ ‏مقال‏ ‏جامع‏ ‏أتقن استعمال‏ ‏أدوات‏ ‏الصحافة‏ ‏ومتطلباتها‏ ‏وحبكتها‏ ‏وإتقانها‏، و‏ينحى ‏المقال‏ ‏باللوم‏ ‏على ‏موقف‏ ‏حسنى ‏مبارك‏ ‏الذى ‏يبدو‏ ‏على ‏حسب‏ ‏رأى ‏المحررة‏: ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏عنده‏ ‏فكرة‏ ‏عن‏ ‏حقيقة‏ ‏وعمق‏ ‏مايجرى ‏من‏ ‏ناحية‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏سياسته‏ ‏هى ‏السبب‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى، ‏ثم‏ ‏يذكر‏ ‏توفيق‏ ‏لقاء المحررة ‏مع‏ ‏د‏. ‏عمر‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏ ‏فى ‏سجنه‏، ‏وأن‏ ‏د. عمر‏ ‏قال‏ ‏لها‏ ‏إنه‏ ‏لم‏ ‏يفْتِ‏ ‏بقتل‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، و‏أن‏ ‏المفروض‏ ‏أن‏ ‏السلطات‏ ‏الدينية فى مصر‏ ‏كانت‏ ‏تستدعيه‏ ‏للمناقشة‏ (تستدعى محفوظ)، ‏فإذا‏ ‏اثبت‏ ‏أنه‏ ‏جـدف‏ ‏أو‏ ‏ارتد ‏فإنه‏ ‏يستتاب‏، ‏فإذا‏ ‏تاب‏ ‏فليس‏ ‏عليه‏ ‏ذنب‏، ‏وإلا‏ ‏أقيم‏ ‏عليه‏ ‏الحد‏، ‏ويضيف د. عمر عبد الرحمن فى المقال أن‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏قاله‏ ‏هو‏ ‏أنه‏: ‏لو‏ ‏كان‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏قد‏ ‏أوخذ‏ ‏أو‏ ‏عوقب‏ ‏على ‏ما‏ ‏تجرأ‏ ‏عليه‏ ‏وتجاوز‏ ‏به‏، ‏لما‏ ‏كان‏ ‏سلمان‏ ‏رشدى ‏تجرأ‏ ‏على ‏فعلته‏، ‏ويعقـِّب‏ ‏الأستاذ‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏بالضبط‏ ‏ما‏ ‏وصله‏ ‏من‏ تصريحات ‏عمر‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن فى مواقع أخرى‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏نشرته‏ ‏الأنباء‏ ‏الكويتية‏ ‏ مثلا فى ‏حينه‏، ‏ولذلك‏ ‏فإن‏ ‏الأستاذ‏ ‏لم‏ ‏يعتبرها‏ ‏فتوى ‏بإهدار‏ ‏دمه‏، ‏وإنما‏ ‏اعتبرها‏ ‏رأيا‏ ‏مشروطا‏، ‏وقد‏ ‏كلـَّمه‏ ‏صبرى ‏الخولى ‏وكان‏ ‏مسئولا‏ ‏عن‏ ‏النشر‏ ‏أو‏ ‏شيئا‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏القبيل‏، ‏بشأن‏ ‏نشر‏ ‏أولاد‏ ‏حارتنا‏، ‏وحدد‏ ‏له‏ ‏ميعادا‏ ‏للمناقشة‏ ‏مع‏ ‏لجنة‏ ‏من‏ ‏الأزهر‏ ‏يوم‏ ‏الاثنين‏ ‏الساعة‏ ‏العاشرة‏ ‏صباحا‏، ‏وقد‏ ‏ذهب‏ ‏الأستاذ‏ ‏فى ‏الموعد‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏اللجنة‏ ‏لم‏ ‏تحضر‏ ‏ولم‏ ‏تناقش‏، ‏وقال‏ ‏له‏ ‏صبرى ‏الخولى ‏حين‏ ‏ذاك‏: ‏أنشرها‏ ‏فى ‏لبنان‏ ‏كما‏ ‏تشاء‏ ‏ولا‏ ‏داعى ‏للنشر‏ ‏هنا‏ ‏تجنبا‏ ‏لمواجهة‏ ‏مع‏ ‏الأزهر‏، ‏ويسأله‏ ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏ولـم‏ ‏لـم‏ ‏تذكر‏ ‏ذلك‏ ‏لوسائل‏ ‏الإعلام‏ ‏من‏ ‏قبل؟‏ ‏فيرد‏ ‏الأستاذ‏ ‏لقد‏ ‏قلت‏ ‏هذه‏ ‏القصة‏ ‏عشرات‏ ‏المرات‏ ‏فى ‏الإذاعة‏ ‏والتليفزيون‏ ‏والصحف‏ ‏ولم‏ ‏يعقب‏ ‏أحد‏ ‏عليها‏، ‏لا‏ ‏من‏ ‏الأزهر‏ ‏ولا‏ ‏من‏ ‏غيره‏، ‏وأكمل‏ ‏توفيق‏ ‏تلخيص‏ ‏المقال‏ ‏بما‏ ‏فيه‏ ‏من‏ ‏همز‏ ‏ولمز‏، ‏وتساءلنا‏ ‏عن‏ ‏توقيت‏ ‏النشر‏، ‏فقد‏ ‏صدر‏ ‏رأى (‏وليس‏ ‏فتوي‏)، ‏عمر‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏ ‏هذا‏ ‏من‏ ‏سنوات‏ ‏عديدة‏ ‏فما‏ ‏الذى ‏أيقظ‏ ‏الفكرة‏ ‏وخطط‏ ‏للنشر‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الوقت‏ ‏بالذات؟‏

‏أعدت على الأستاذ وعلى توفيق ما سبق الإشارة إليه من‏ ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏إشاعة‏ ‏تقول‏ ‏إن‏ ‏الحكومة‏ ‏هى ‏التى ‏دبرت‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏لأنها‏ ‏تعلم‏ ‏شعبية‏ ‏الأستاذ،‏ ‏وبالتالى ‏حين‏ ‏يُـعتدى ‏عليه‏ ‏فإن‏ ‏ملايين‏ ‏الناس‏ ‏سوف‏ ‏تثار‏ ‏حفيظتها‏ ‏ضد‏ ‏الجماعات‏، ‏وتأخذ‏ ‏الإشاعة‏ ‏شكلين‏ ‏أولهما‏ ‏مبالغ‏ ‏فيه‏: ‏وهو‏ ‏أن‏ ‏الحادث‏ ‏لم‏ ‏يحدث‏ ‏أصلا‏، ‏وأنها‏ ‏كلها‏ ‏تمثيلية‏ ‏مصنوعة‏ ‏مع‏ ‏مستشفى ‏الشرطة‏ ‏والجراحين‏ ‏ونحن‏ ‏بالمرّة‏، ‏وحين ‏ذكرت‏ ‏ذلك‏ (كما سبق) ‏للدكتور‏ ‏سامح‏ ‏همام‏ ‏الذى ‏أجرى ‏العملية‏، ‏ضحك معقـِّبا أنه بذلك قد تحول إلى ممثل، فقام بأداء دوره بفتح‏ ‏رقبة‏ ‏الأستاذ‏ ‏وربط‏ ‏شريانه‏ ‏ورض أعصاب أحباله الصوتيه حتى يبح صوته‏، ‏كما قام – تمثيلا- بإتلاف أعصاب‏ ‏ذراعه‏ ‏ويده‏ ‏ليتقن دوره، وضحك د.سامح (كنت أحكى للأستاذ وتوفيق)، ‏أما‏ ‏التفسير‏ ‏الآخر‏ ‏لتدخل‏ ‏الحكومة‏ – وهو‏ ‏من‏ ‏عندى- ‏فهو‏ ‏أن‏ ‏الحكومة‏ ‏اخترقت‏ ‏الجماعات‏ ‏بعميل‏ ‏من‏ ‏المباحث‏ ‏أو‏ ‏المخابرات‏، ‏وهذا العميل هو‏ ‏الذى‏ حدد ‏التوقيت‏ ‏ورسم التخطيط‏‏،

 ‏لكن‏ ‏النقاش انتهى إلى قبول‏ ‏تفسير‏ ‏أبسط‏ من كل ذلك وهو الأقرب للحقيقة ‏فهؤلاء‏ ‏الشبان‏ ‏الصغار‏ ‏ليس‏ ‏عندهم‏ ‏فكرة‏ ‏عن‏ ‏”حسن‏ ‏التوقيت”‏ ‏أو‏ ‏حتى ‏عن‏ “‏اختيار‏ ‏أداة‏ ‏القتل‏” ‏أو‏ ‏مكانه‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏خطة‏ ‏عامة‏، ‏وهم‏ ‏كانوا‏ ‏بعد‏ ‏فى ‏سن‏ ‏الصبية‏ ‏فنفدوا ما فهموه من رأى د. عمر عبد الرحمن على أنه فتوى فكان ما كان، ‏فعقب‏ ‏الأستاذ‏: ‏أنا‏ ‏حين‏ ‏قلت‏ ‏لرجال‏ ‏المباحث‏ ‏الذين‏ ‏عرضوا‏ ‏علىّ ‏الحراسة بعد تصريح د. عمر عبد الرحمن ‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏رأى ‏وليس‏ ‏فتوى ‏أجابونى، ‏هذا‏ ‏كلامك‏ ‏وفهمك‏ ‏أنت‏ ‏ولكن‏ ‏من‏ ‏يضمن‏ ‏كيف‏ ‏سيفهمها‏ ‏هؤلاء‏ ‏الشبان‏، ‏ولعل‏ ‏عدم‏ ‏الفهم‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏حدد‏ ‏التوقيت‏ ‏والتخطيط‏، ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏مثل هذه‏ ‏النظرية‏ ‏تظهر عادة‏ ‏بعد‏ ‏أى ‏حادث‏ ‏بالبحث عن‏ ‏المستفيد‏ ‏منه‏، ‏وعادة ما‏ ‏يتصور‏ ‏الناس‏ ‏أن‏ ‏المستفيد‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏هو‏ ‏المتسبب‏: ‏حدث‏ ‏هذا‏ ‏مع‏ ‏مقتل‏ ‏السردارمثلا‏. ‏فأضفت‏ ‏من‏ ‏جانبى، ‏وربما هذا‏ ‏أيضا‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏وهم‏ ‏يفسرون‏ ‏حرب‏ ‏الخليج‏ ‏بعد‏ ‏مقابلة‏ ‏سفيرة‏ ‏أمريكا‏ ‏فى ‏بغداد‏، ‏بأنها‏ ‏هى ‏التى ‏أعطت‏ ‏الضوء‏ ‏الأخضر‏ ‏للحرب‏، ‏قال‏ ‏الأستاذ تعقيبا على كل ذلك وهو يشير إلى هؤلاء الشباب‏: ‏بصراحة‏ ‏إنهم‏ ‏طوال‏ ‏هذه‏ ‏السنوات‏ ‏كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ينفذوا‏ ‏خطتهم‏ ‏بأبسط‏ ‏الطرق‏ ‏وأحكمها‏ ‏فقد‏ ‏كانت‏ ‏خروجاتى ‏محسوبة‏ ‏بالثانية‏، ‏ومجلسى ‏وأنا‏ ‏وحدى ‏معروف‏، ‏ومواعيدى ‏محددة‏، ‏كنت‏ ‏أجلس‏ ‏مثلا‏ ‏فى ‏قهوة‏ “‏على ‏بابا”‏ ‏بجوار‏ ‏النافذة‏، ‏ويتقدم‏ ‏لى ‏شاب‏ ‏لا‏ ‏أعرفه‏ ‏ولا‏ ‏أكاد‏ ‏أميزه‏ ‏يطلب‏ ‏منى ‏أن‏ ‏أتوسط‏ ‏له‏ ‏ليحصل‏ ‏على ‏شقة‏ ‏فى ‏مساكن‏ ‏كذا‏، ‏وكأنى ‏أعرف‏ ‏المسئولين‏ عن ذلك، ‏فأعتذر‏ ‏له‏ ‏أو‏ ‏أفهمه‏ ‏أو‏ ‏أعده‏ ‏أن أفعل ما يمكننى إن اتيحت الفرصة‏، ‏وكان‏ ‏فى ‏مقدور‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الشاب‏ -‏لو‏ ‏أراد‏- ‏أن‏ ‏يفعل‏ ‏بى ‏ما‏ ‏شاء‏ ‏كيف‏ ‏شاء‏، ‏ولكنها‏ ‏إرادة‏ ‏الله‏.‏

عاد‏ ‏توفيق‏ ‏إلى ‏المقال‏ ‏وأشار‏ ‏إلى ‏تركيز‏ ‏الرئيس‏ ‏حسب‏ ‏رأى ‏المجلة‏ ‏على ‏الحل‏ ‏الاقتصادى ‏لاصلاح‏ ‏أحوال‏ ‏الناس‏، و‏الحل‏ ‏الأمنى ‏للقضاء‏ ‏على ‏الإرهاب‏، ‏وترى ‏المحررة‏ ‏أن‏ ‏الرئيس‏ ‏لا‏ ‏يعرف ‏ما‏ ‏يجرى ‏فى ‏الشارع‏ ‏على ‏حقيقته‏، ‏وقد‏ ‏كررت‏ ‏رأيى ‏فى ‏أن‏ ‏إدارة البلاد‏ ‏تدور‏ ‏أغلبها‏ ‏فى ‏المكاتب‏ ‏وبين‏ ‏الأوراق‏، ‏وليست‏ ‏فى ‏الشارع‏ ‏وبين‏ ‏الناس‏، ‏وأنه‏ ‏ما‏ ‏لم‏ ‏يتدارك‏ ‏المسئولون‏ ‏الأمر‏، ‏فالأمور‏ ‏تسير‏ ‏فى ‏مسار‏ ‏خطير‏.‏

جاء‏ ‏ذكر‏ “‏تحسين‏ ‏بشير‏” ‏من جديد ونقلت رأيه‏ ‏فى ‏أن‏ ‏موقف‏ ‏الأزهر‏ ‏كمؤسسة‏ ‏رسمية‏ ‏هو‏ ‏مسئول‏ ‏عن‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الفكر‏ ‏الجامد‏، ‏وكذا‏ ‏الفكر‏ ‏المتشنج‏، ‏و‏‏المتفجر‏، ‏وأن‏ ‏كل‏ (‏أو‏ ‏أغلب‏) ‏قادة‏ ‏الجماعات‏ ‏فى ‏كل‏ ‏البلاد‏ ‏المحيطة‏ ‏هم‏ ‏من‏ ‏خريجى ‏الأزهر‏، ‏من‏ ‏أول‏ ‏البشير ‏فى ‏السودان‏ ‏حتى ‏قادة‏ ‏الإنقاذ‏ ‏فى ‏الجزائر‏، ‏حتى ‏الأردن‏، ‏واستحسن الأستاذ هذا الرأى بطريقته‏، ‏لكنه أضاف أن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏مسئولية‏ ‏الأزهر‏، ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏تبدو‏ ‏أنها‏ ‏مسئولية‏ ‏من‏ ‏أعطى ‏للأزهر‏ ‏دورا‏ ‏فى ‏الإفتاء‏ ‏فى ‏مسائل‏ ‏ليست‏ ‏من‏ ‏اختصاصه‏ ‏فى ‏المقام‏ ‏الأول‏، ‏وأنحى ‏باللوم‏ ‏على ‏السادات‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الشأن‏، ‏لكن‏ ‏التفسير‏ ‏امتد‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏قبل‏ ‏السادات‏، ‏ربما‏ ‏منذ‏ ‏أن استعمل‏ ‏جمال‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏بعد‏ 1967 مباشرة اللغة الدينية، ‏وكأنه‏ ‏يعلن‏ ‏التوبة‏ ‏والرجوع‏ ‏إلى ‏الدين‏ (‏وليس‏ ‏بالضرورة‏ ‏إلى ‏الله‏)، بعد محنة 67.

يسألنى ‏توفيق‏ ‏صالح‏ ‏هل‏ ‏شاهدت‏ ‏فيلميه‏ ‏اللذين‏ ‏أعطاهما‏ ‏لى ‏فى ‏الفيديو‏ “‏يوميات‏ ‏نائب‏ ‏فى ‏الأرياف‏” “‏والمخدوعون”‏ ‏فاقول‏ ‏له‏ ‏إننى ‏شاهدت‏ ‏بعض‏ ‏أجزاء‏ ‏الفيلم‏ ‏الأول‏، ‏ولم‏ ‏أكمله‏ ‏وهذا‏ ‏تقصير‏ ‏منى ‏لاننى ‏تعودت‏ ‏بعد‏ ‏عودتى ‏من‏ ‏العيادة‏ ‏أن‏ ‏أفتح‏ ‏التليفزيون‏ ‏أأتنس‏ ‏به‏، ‏دون تحديد موضوع بذاته، مجرد شخوص ملونة تتحرك، وأحيانا بدون صوت، وأنى أنام بعد خمس دقائق قبل أن ألاحظ ما يُعرض، وقد خجلتُ أن أقول له أننى نمت بعد أقل من نصف ساعة وأنا اشاهد‏ ‏فيلم‏ ‏يوميات‏ ‏نائب‏ ‏فى ‏الأرياف‏، ‏لكننى عقبت لأؤكد حسن نيتى بأن سألت توفيق عن‏ ‏الممثل‏ ‏الأول‏ ‏ ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏الحليم‏ فقال‏ ‏لى أنه ‏سافر‏ ‏للكويت‏، ‏ثم أضفت أيضا أن‏ ‏الممثلة‏ ‏دورها‏ ‏قصير‏ ‏جدا‏ ‏كأنها‏ “‏كومبارس‏” ‏رغم‏ ‏تعبير‏ ‏عيونها‏ ‏الرائع‏، فيقول ‏توفيق‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الدور‏ ‏هو‏ ‏الدور‏ ‏الوحيد‏ ‏الذى ‏قامت‏ ‏به‏ ‏هذه‏ ‏الفتاة‏ ‏واسمها‏ ‏راوية،‏ ‏فقلت‏ ‏له‏ ‏إن‏ ‏عينها‏ ‏كان‏ ‏فيهما‏ ‏كل شىء برغم ثبات جلستها معظم الوقت، وهو‏ ‏ما‏ ‏لم‏ ‏أره‏ ‏فى ‏ممثلة‏ ‏أخرى ‏أبدا‏، ‏وحكى ‏لنا توفيق ‏كيف‏ ‏كان‏ ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏فتاة‏ ‏حول‏ ‏السادسة‏ ‏عشرة‏ ‏وأن‏ ‏شرطه‏ ‏الوحيد‏ ‏كان‏ ‏فى ‏قدرة تعبير‏ ‏عينيها‏، ‏وأنهم‏ ‏حين‏ ‏عرضوها‏ ‏عليه ‏وكانت‏ ‏أخت‏ ‏الطفلة‏ ‏التى ‏تؤدى ‏بعض‏ ‏الأدوار‏ ‏فى برنامج ‏بابا‏ ‏شاروا‏ ‏قال‏ “‏هذه‏ ‏هى”‏، ‏لكن‏ ‏آسيا‏ (‏المنتجة‏)، ‏لم‏ ‏توافق‏، ‏وحتى ‏زوجته (زوجة توفيق)‏ ‏لم‏ ‏توافق‏، ‏ولكنه ظل‏ ‏مصرا‏ ‏عليها‏ ‏حتى ‏صور‏ ‏لها‏ ‏اللقطة‏ ‏الأولى ‏على ‏أنها‏ ‏اختبار‏Test، ‏مع‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏واثقا‏ ‏أنها‏ ‏من‏ ‏أصل‏ ‏الفيلم‏ ‏وفعلا‏ ‏دخلت‏ ‏اللقطة‏ ‏الإختبار‏ ‏باعتبارها‏ ‏اللقطة المناسبة‏.‏

ثم‏ ‏عرجنا‏ ‏إلى ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏فيلم‏ “‏المخدوعون‏”، وأبديت إعجابى به بلا حدود ‏وقال‏ ‏لى ‏توفيق بعض‏ ‏ظروف انتاجه، ومغزاه‏ ‏السياسى، ‏وكيف‏ ‏أنه‏ ‏أبكى ‏الكثيرين‏ ‏حين‏ ‏عرض‏، ‏وقد‏ ‏أبديت‏ ‏تحفظى ‏بصفة‏ ‏عامة‏ ‏على ‏المسرح‏ ‏السياسى ‏والفيلم‏ ‏السياسى، ‏وقلت‏ ‏إننى ‏أشعر‏ ‏أحيانا‏ ‏أن مثل هذا الفيلم السياسى‏ ‏يوهم‏ ‏الناس‏ ‏أنهم بمشاهدته يشتغلون‏ ‏بالسياسة‏ وفى الحقيقة هى سياسة تفريغية بديلة “كده وكده”، ‏وضربت‏ ‏مثلا‏ ‏فيلم‏ “‏زد‏” ‏لكن توفيق‏ ‏نبـَّهنى ‏أن‏ ‏فيلم‏ ‏زد‏ ‏هو‏ ‏فيلم‏ ‏بوليسى ‏له‏ ‏محتوى ‏سياسى ‏وليس‏ ‏فيلما‏ ‏سياسيا‏.

 ‏ثم‏ ‏تطور‏ ‏الكلام‏ ‏إلى ‏دور‏ ‏الفن‏ ‏وعلاقته‏ ‏بالثورة‏، ‏وأقول‏ ‏للأستاذ‏ ‏أنه‏ ‏مرت‏ ‏علىّ ‏فترة‏ ‏لا‏ ‏تقل‏ ‏عن‏ ‏سنوات‏ ‏فى ‏السبعينات‏، ‏كنت‏ ‏أعتبر‏ ‏أن‏ ‏الفن‏ ‏إجهاض‏ ‏للثورة‏ ‏وأنه‏ ‏تفريغ‏ ‏لشحنة‏ ‏كان‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نحافظ‏ ‏عليها‏ ‏لنثور‏ ‏بها‏، ‏ولكننى ‏اكتشفت‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏، ‏وخاصة‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏ضبطت‏ ‏نفسى ‏متلبسا‏ ‏بأفكار‏ أقرب إلى شطح ‏هتلر‏ ‏وجوبلر‏، اكتشفت ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏هكذا‏ ‏بهذه‏ ‏البساطة‏، ‏وأن‏ ‏الإنسان‏ -أو الشعب‏- ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏ثائرا‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏، ‏وأن‏ ‏الفن‏ ‏يحرك‏ ‏الناس‏ ‏ويكثف‏ ‏الوعى ‏حتى ‏تصل‏ ‏قوة‏ ‏الدفع‏ ‏ووضوح ‏الرؤية‏ ‏إلى ‏عتبة‏ ‏الثورة‏، ‏فى ‏محيط‏ ‏مناسب‏ ‏فى ‏وقت‏ ‏مناسب‏، ‏فتقوم‏ ‏الثورة‏، ‏ثم‏ ‏يبدأ‏ ‏ملء‏ٌُ ‏جديد‏ للوعى الجماعى، ‏ثم‏ ‏تقليب‏ ‏جديد‏، ‏ثم‏ ‏تحريك‏ ‏جديد‏ ‏وتكثيف‏ ‏جديد‏ فنبضة ثورية أخرى، ‏وهكذا‏، ‏ورحت‏ ‏أضيف‏ ‏للأستاذ‏ ‏أن ما وصلنى من‏ ‏توقفه عن الكتابة‏ ‏بعد‏ 52 هو احتمال أنه قد وصله ‏أن‏ ‏الثورة‏‏ ‏قد‏ ‏استوعبت‏ ‏كل‏ ‏طاقته‏ ‏الإبداعية‏، ‏وأن هذا من ضمن مضاعفات تحقيق الثورات على أرض الواقع، لكنه‏ حين‏ ‏تبينتْ‏ له ‏طبيعة‏ ‏الثورة‏ ‏وحدودها‏، ‏ومدى ‏بعدها‏ ‏عن‏ ‏الناس‏ ‏وقصورها‏ ‏النظرى ‏والتطبيقى ‏معا‏، ‏عاد‏ ‏الدفع‏ ‏الإبداعى ‏يدفع‏ ‏الأستاذ‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏ليقوم‏ ‏بدوره‏، ‏وأنهيتُ‏ ‏حديثى ‏أننى ‏تعلمت‏ ‏من‏ ‏الواقع‏ ‏المـر‏ ‏دور‏ ‏الفن‏ ‏التحضيرى للثورات،‏ ‏وعقب‏‏ ‏توفيق‏ ‏صالح على ‏أن‏ ‏كلامى ‏وتحفظى ‏قد‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏دور‏ ‏الفن‏ ‏التفريغى ‏الذى ‏قال‏ ‏به‏ ‏أرسطو‏، ‏فتحفظت‏ُُ ‏على ‏فكرة‏‏ توظيف ‏الفن‏ ‏فى ‏التفريغ أصلا، أو ما يسمى التطهير، ‏وقلت‏ ‏إن‏ ‏دور‏ ‏الفن‏ ‏هو‏ ‏التحريك‏ ‏لا‏ ‏التفريغ‏، ‏وهو‏ ‏تحريك‏ ‏لإعادة‏ ‏النظر‏، ‏وترتيب‏ ‏الوعى ‏لخلق‏ ‏موقف‏ ‏جديد‏، ‏ووافقانى ‏الأستاذ‏ ‏وتوفيق‏، ‏فمضيت‏ ‏أقول‏: ‏إن‏ ‏الفن‏ ‏يضيف إلى وعى الناس ما يسمح بإعادة تشكيله‏، ‏والفن‏ ‏الذى ‏لا‏ ‏أخرج‏ ‏منه‏ ‏بشىء‏ ‏جديد‏ ‏مهما‏ ‏ضؤل‏، ‏وحتى ‏دون‏ ‏وعى ‏مباشر‏، ‏يصبح‏ ‏فنا‏ ‏زائفا‏ ‏أو‏ ‏قاصرا‏ ‏عن‏ ‏أداء‏ ‏دوره‏.‏

نظرنا‏ ‏فى ‏الساعة‏ ‏فإذا‏ ‏بها‏ ‏الحادية‏ ‏عشر‏، ‏أهكذا؟‏

‏إذن‏ ‏فالحرافيش‏ ‏مازالوا‏ ‏موجودين مهما قل العدد أو تغير المكان‏.‏

قال‏ ‏الاستاذ‏ ‏قبيل‏ ‏الانصراف‏ ‏إن‏ ‏أمرا‏ ‏يشغله‏ ‏ويريد‏ ‏له‏ ‏حلا‏، ‏وحين‏ ‏يقول‏ ‏الاستاذ‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏أستعد‏ ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏أملك‏ ‏من‏ ‏حب‏ ‏وإنصات‏، ‏قال‏: ‏يوم‏ ‏الأحد‏. ‏قلت‏ ‏له‏: ‏ماله؟‏ ‏حضرتك‏ ‏الذى ‏طلبت‏ ‏أن‏ ‏نفرغه‏ ‏لك‏ ‏هو‏ ‏والسبت‏، ‏قال‏ ‏بطيبة‏ ‏الطفل‏ ‏المحجوز‏ ‏فى ‏المنزل‏ ‏بلا‏ ‏مبرر‏، قال: ‏اكتشفت‏ ‏أن‏ ‏السبت‏ ‏يكفى‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏تحت‏ ‏أمرك‏.‏

وقررت‏ ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏فعلا‏ ‏تحت‏ ‏أمره‏ ‏مهما‏ ‏كان‏، ‏وهل‏ ‏أنا‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏النهار؟‏

‏وبدأت‏ ‏فورا‏ ‏فى ‏التفكير‏ ‏فى ‏خروج‏ ‏ليوم‏ ‏خامس‏: ‏يوم‏ ‏الأحد‏.‏

لكن أثناء خروجنا من مستشفاى بالمقطم، وأنا أتأبط ذراعه لاحظت نظرات متسائلة بين الزوار، فبلغنى ما فزعتُ منه، إذ خشيت أن تـُفهم زيارة المستشفى هكذا بأن الأستاذ يتلقى علاجا ما، فقررت لفورى ألا يدخل المستشفى ثانية مهما نادانا الركن الأعلى الذى أعددته له.

وقد كان

ولم نعد إلى هذا المكان ثانية أبداً.

***

 

الحلقة السابعة والعشرون

الفاتحهْ للعسكرى، قلـَع الطربوشْ وعمَل ولـِـي !

الجمعة: 3/2/1995

…. ثالث‏ ‏أيام‏ ‏رمضان‏، ‏اليوم الجمعة، يوم تشريفِهِ بيتى، ‏أحسست‏ ‏أن‏ ‏الاستاذ‏ ‏اطمأن‏ ‏إلى هذا الموقع الجديد بسرعة لم أتوقعها، الأستاذ إلف مألوف، لكن هل يتوافد الأصدقاء بما يملأ الوقت والوعى فى هذا المكان الجديد (المقطم) الشائع أنه بعيد غريب؟ ‏قلت لنفسى إن الأستاذ هو الذى يخلّق بحضوره المتميز أى مكان يحل فيه بروحه وطبعه وإشعاعاته، واطمأننت أنه حين يعرف الأصدقاء الطريق، سوف يهلون حيثما هو، ثم يعتادون عليه وربما ينسون أين هم أصلا،المهم أنهم، أننا، حوله فى أى مكان.

حضر‏ ‏أحد‏ ‏مريديه‏ ‏من‏ ‏الذين‏ ‏كانوا‏ ‏يواظبون‏ ‏على ‏جلساته‏ ‏فى ‏قصر‏ ‏النيل أو ريش أو لست أدرى أين (لم أكن أبدا من رواد هذه المجالس)‏، هذا الضيف، قد كان، ثم أصبح صديقا قريبا لى، فى ظروف أخرى، وأحوال أخرى، قبل وبعد صحبتى للأستاذ هذه، هو ‏الصديق‏ “‏يوسف‏ ‏عزب”‏ المحامى، ‏وكنت قد أخبرته ودعوته لمشاركتنا لسابق علمى بعلاقته بالأستاذ، دخل يوسف مقبلا وحيَّا الأستاذ بحميمية متبادلة وذكـَّره‏ ‏بنفسه‏، ‏وبالصحبة‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏تحضر جلساته منذ سنوات، ‏وكنت‏ ‏قد‏ ‏اتفقت‏ ‏مع‏ ‏زكى سالم‏ ‏على ‏دعوة بعض الأصدقاء الندماء القدامى ‏لربط الأيام ببعضها ما أمكن ذلك، ووافقنى زكى، فحضر يوسف (وغيره فيما بعد).

‏تذكرت فجأة أن صديقى “يوسف” قد قال لى يوما أن‏ ‏الأستاذ‏ ‏لا‏ ‏يحب‏ ‏جمال‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏، ‏لم أصدق، ولم أكذِّب، لكن بينى وبين نفسى استبعدت ذلك، لست أدرى لماذا، ‏وقد‏ ‏تكرر ‏ ‏ذكر‏ ‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏مرات‏ ‏عديدة‏ ‏فى ‏جلسة‏ ‏الثلاثاء‏ ‏بالذات‏ ‏مصحوبا‏ ‏بتعبير‏ يوسف القعيد: “‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏العظيم”، فإن لم يُلحق به القعيد هذه الصفة، ذكرّه بها الآخرون ضاحكين‏، ‏وكان‏ ‏الأستاذ‏ ‏يشاركنا‏ ‏الضحك‏ ‏على ‏الجانبين‏، ‏مرة‏ ‏ويوسف‏ ‏القعيد‏ ‏متحمس‏ ‏أشد‏ ‏الحماس‏، ‏ومرة‏ ‏وعماد‏ ‏العبودى ‏وحسن‏ ‏ناصر‏ ‏يسخران ناقدين طيبين. ‏لاحظت‏ ‏من تلك الأحاديث السابقة أن الأستاذ ‏ ‏يعرف‏ ‏عيوب‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏بشكل‏ ‏دقيق واضح، ‏ لكننى ‏لم‏ ‏ألاحظ‏ ‏حكاية‏ ‏أنه‏ “‏لا يحبه”‏ ‏هذه‏، ‏سألته‏ ‏مباشرة‏ “هل‏ ‏تحب‏ ‏عبد‏ ‏الناصر”‏، ‏قال‏ ‏بلا‏ ‏ترد‏، ‏نعم‏ ‏أحبه‏، ‏قلت‏ ‏له‏ ‏أنا‏ ‏أعرف‏ ‏أنك‏ ‏تحب‏ ‏كل‏ ‏الناس‏، ‏ولكننى ‏أسأل‏ ‏هذا‏ ‏السؤال‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏السياسة‏ ‏وعن‏ ‏أخطائه‏ ‏وعن‏ ‏إنجازاته‏، ‏أنا أسأل‏ ‏عن‏ ‏شيء‏ ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏له‏ ‏تحديدا‏ أكثر، ‏هو‏ ‏الحب‏ “‏هكذا‏” ‏والسلام‏، ‏كرر:‏ “‏طبعا‏ ‏أحبه”‏، ‏”أليس‏ ‏زعيما‏ ‏لأ‏متى”؟‏ ‏و”كيف‏ ‏لا‏ ‏أحبه‏”، ‏قلت‏ ‏له‏ – ‏وأنا‏ ‏أشعر‏ ‏بسخفى ‏يتزايد‏ – ‏”ليست‏ ‏المسألة‏ ‏مسألة‏ ‏واجب‏ ‏أن‏ ‏يحب‏ ‏المواطن‏ ‏الصالح‏ ‏زعيمه‏ ‏أيا‏ ‏كان‏، ‏ولكننى ‏أسأل‏ ‏تحديدا‏ ‏عن‏ ‏شخص‏ ‏محدد‏، ‏هل ‏تحبه؟‏” ‏قال‏ مرة أخرى دون تردد: “‏نعم‏ ‏أحبه”‏، ‏واكتفيت‏ ‏بهذا‏ ‏القدر‏ ‏ولم‏ ‏ألفت‏ ‏نظر‏ صديقى ‏يوسف عزب إلى سابق حكمه‏ ‏إذ‏ ‏يبدو‏ ‏أننى ‏أعجبت‏ ‏بهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏العواطف‏ ‏النظيفة‏ ‏إعجابا‏ ‏خاصا‏، ‏خصوصا‏ ‏وأنا‏ ‏لا أحب‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏، ‏طبعا‏ ‏أقل‏ ‏من‏ ‏كراهيتى ‏لهيكل (برغم احترامى لحرفيته كما ذكرت)‏، ‏ومع‏ ‏اعترافى ‏بفضل‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏، ‏وبأن‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏فعل‏ ‏من‏ ‏خير‏ ‏هو‏ ‏على ‏عينى ‏ورأسى‏، ‏لكننى ‏لا أحبه‏، ‏وحين‏ ‏وصلنى‏ ‏أن‏ ‏الاستاذ‏ ‏قادر‏ ‏على ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الحب‏ ‏رحت‏ ‏أبحث‏ ‏فى ‏نفسى ‏عن‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏، ‏فما‏ ‏وجدت‏ ‏إلا‏ ‏شفقة‏ ‏على عبد الناصر‏ ‏وهو مكسور، ثم وهو‏ ‏مريض‏، ‏واحتراما‏ ‏له‏ ‏قبل‏ ‏الثورة‏، ‏أما‏ ‏غير‏ ‏ذلك‏ ‏فلا‏ ‏تؤاخذنى ‏يا‏ ‏أستاذى‏.‏

حضر‏ ‏محمد‏ ‏يحيى ‏متأخرا‏، ‏بعد‏ ‏حافظ‏، ‏وكان‏ ‏قد‏ ‏قرأ‏ ‏مقالة‏ ‏فهمى هويدى ‏والتقط‏ ‏ما‏ ‏فيها‏ ‏من‏ ‏تكتيك‏ ‏ومناورة‏، ‏مما‏ ‏وافقته‏ ‏عليه‏، ‏لكننى ‏رجحت‏ ‏أن‏ ‏بها‏ ‏قدرا‏ ‏من‏ ‏حسن‏ ‏النية‏ ‏والتفكير‏ ‏الآمل‏، ‏وفتح‏ ‏موضوع‏ ‏الساعة‏ ‏من‏ ‏جديد‏، مناقشة أن يلى الإسلاميون الحكم!! موضوع لا يريد أن يُغلق أبدا.

 كنت قد ذكرت للأستاذ أمس كيف أن لى ‏ ‏لى ‏شقة‏ ‏على ‏البحر‏ ‏فى ‏الإسكندرية‏، ‏وأننى ‏لم‏ ‏أعد‏ ‏أرى ‏منها‏ ‏امرأة‏ ‏واحدة‏ ‏تلبس‏ ‏لباس‏ ‏بحر‏ (‏مايوه‏) ‏على ‏الشاطيء‏، ‏لا‏ ‏مصرية‏ ‏ولا‏ ‏أجنبية‏، ‏لا‏ ‏فى ‏الصباح‏ ‏الباكر‏ ‏ولا‏ ‏غير‏ ‏ذلك‏، وأننى كنت قد اعتدت أن أرى الروسيات فى الصباح الباكر (فى الأغلب عائلات الخبراء الروس) وكذلك عدد كبير من المصريات طول النهار بالمايوه، وأن هذا المنظر قد اختفى تماما ‏قال‏ ‏لى الأستاذ: ‏”ألا‏ ‏يعنى ‏هذا‏ ‏أن الذين تسميهم الإسلاميين قد‏ ‏كسبوا‏ ‏العقل‏ ‏المصرى ‏والسلوك‏ ‏المصرى ‏دون‏ ‏قانون‏ ‏مباشر‏ ‏يمنع‏ ‏ويجرِّم‏، ‏كنت‏َ ‏ترى ‏قديما‏ ‏الشرب‏ ‏فى ‏الشوارع‏ ‏كما‏ ‏يحلو ‏لك‏، ‏وكان الصخب‏ يتردد ‏فى ‏كل‏ ‏مكان‏، ‏أما الآن‏ ‏فلا‏ ‏يجرؤ‏ ‏أحد‏ ‏أن‏ ‏يعملها‏، ‏ليس‏ ‏معنى ‏هذا‏ ‏أننا نعيش مزيدا‏ ‏من‏ ‏التقى ‏والورع‏، ‏ولكن‏ ‏معناه‏ – ‏سياسيا‏ -‏ أنهم‏ ‏كسبوا‏ ‏الجولة‏ ‏حتى بالنسبة للسلوك العام التلقائى”،

لم أقتنع بشكل كاف، لكننى لم أعترض أيضا ‏فاستأذنت‏ ‏الأستاذ‏ ‏أن‏ ‏الخص‏ ‏ما‏ ‏وصلنى ‏منه‏ ‏طوال‏ ‏الشهرين‏ ‏الماضيين للحاضرين فأذن، فقلت بصوت مرتفع: إن خلاصة ما وصلنى هو:

إنه‏ ‏لابد‏ ‏من‏ ‏احترام‏ ‏ما‏ ‏وصل‏ ‏إليه‏ ‏عامة‏ ‏الناس‏، ‏وهو ما أستطيع أن أسميه “‏المد‏ ‏الدينى” (سلوكا ظاهرا على الأقل) وأن هذا قد يكون دليلا على أن عامة الناس قد لاح لهم بديل ما، ما دام لم يعد على الساحة إلا‏ ‏التكنوقراطيين‏ ‏والبيروقراطيين‏ ‏والعسكر‏، ‏وعندما وصل هذا التوجه للأستاذ قبـِلـَه شخصيا ثم راح يقنعنا أنه لابد‏ ‏من‏ ‏إعطاء‏ ‏الفرصة‏، ‏وما‏ ‏يكون‏ ‏يكون،‏ ‏فنحن‏ ‏لا‏ ‏نستأهل‏ ‏إلا‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏نحن‏، ثم نرى بعد ذلك!”.

 ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏ملخص‏ ‏رأى ‏الأستاذ‏ ‏كما‏ ‏وصلنى، ‏ثم‏ ‏أردفت أكمـِلُ للحضور‏ ‏تحفظى ‏السابق‏: ‏إن‏ ‏الأستاذ‏ ‏يرى ‏أننا‏ ‏سنتحمل‏ ‏أربع‏ ‏سنوات‏ ‏ثم‏ ‏سوف‏ ‏نتعلم‏ ‏كيف‏ ‏نغير‏ ‏ما لا‏ ‏يصلح‏ من واقع الممارسة، وأعلنت أننى ‏ ‏أختلف‏ ‏معه‏ ‏فى ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الأربع‏ ‏سنوات‏ ‏هى ‏أربعة فقط‏، ‏فقد‏ ‏تصل‏ ‏إلى ‏أربعين‏ ‏أو‏ ‏أربعمائة‏، ‏فيهز الأستاذ ‏رأسه‏ ‏معترضا‏ ‏بغير‏ ‏إصرار‏ ‏وكأنه‏ ‏يقول‏ ‏نحن‏ ‏لسنا‏ ‏بهذا‏ ‏العمى ‏وهذا‏ ‏السوء‏، ‏ثم‏ ‏يقول ما سبق أن أشار إليه‏ ‏موجها لنا الكلام ‏:

 “‏كم‏ ‏سنة‏ ‏مرت‏ ‏الآن‏ ‏على ‏الجزائر‏ ‏منذ‏ ‏أن‏ ‏رفضوا‏ ‏رأى ‏الناس‏، ‏وكم‏ ‏ضحية‏ ‏ذهبت‏ ‏من‏ ‏الجانبين‏، ‏لقد‏ ‏كتبتُ‏ ‏فى “‏وجهة‏ ‏نظر” فى الأهرام‏ ‏آنذاك‏ ‏أنهم‏ ‏لو‏ ‏كانوا‏ ‏تركوا‏ ‏الجزائر‏ ‏لجبهة‏ ‏الإنقاذ‏، ‏إذن‏ ‏لكنا‏ ‏احترمنا‏ ‏رأى ‏الأغلبية‏، ‏ولكانت‏ ‏السنوات‏ ‏الخمس‏ ‏هذه‏ ‏أظهرت‏ ‏لنا‏ ‏مدى ‏صلاحيتهم‏، ‏وربما‏ ‏كانوا‏ ‏قد‏ ‏فشلوا‏ فى الجولة الثانية ‏فى ‏الحصول‏ ‏على ‏الأصوات‏ ‏التى ‏سلمتهم‏ ‏الأمر”.‏

‏وما أن انتهيت من تلخيصى وانتهى الأستاذ من إيضاحه حتى‏ ‏بدأ‏ ‏إعلان‏ ‏المخاوف‏ ‏المعتادة‏، نفس المخاوف السابق الإشارة إليها.

فيقول‏ ‏محمد‏ يحيى: ‏إن‏ ‏أول‏ ‏شىء‏ ‏سوف‏ ‏يعملونه‏ ‏هم‏ ‏أنهم‏ ‏سيغيرون‏ ‏الدستور‏، ‏ثم‏ ‏يمنعون‏ ‏بهذا‏ ‏التغيير‏ ‏أى ‏احتمال‏ ‏لزوالهم‏، ‏لأنهم‏ ‏سيعتبرون‏ ‏زوالهم‏ ‏ليس‏ ‏زوال‏ ‏الأشخاص‏ ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏رفض‏ ‏للإسلام‏، ‏وهل‏ ‏يستطيع‏ ‏مسلم‏ ‏أن‏ ‏يرفض‏ ‏الاسلام؟‏ ‏إن‏ ‏المصيبة‏ ‏أن‏ ‏القانون‏ ‏الذى ‏سيأتى ‏بهم‏ ‏لن‏ ‏يبقى ‏قائما‏ ‏حتى يخلعهم أو ينصلحوا‏، ‏فيقول‏ ‏الأستاذ‏: “‏ولو‏، ‏إن‏ ‏الواقع‏ ‏كفيل‏ ‏أن‏ ‏يعلمهم‏ ‏ويعلمنا‏ ‏أن‏ ‏أحدا‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يقف‏ ‏فى ‏وجه‏ ‏التطور‏ ‏أو‏ ‏الواقع‏ ‏أو‏ حتى ‏الخراب‏، ‏لقد‏ ‏هدّ الواقع‏ ‏كيان‏ ‏إمبراطورية‏ ‏نووية‏ (‏يعنى ‏روسيا‏)، إن ‏رئيسُها‏ (يعنى جورباتشوف) ‏فى ‏اللحظة‏ ‏التى ‏التفت‏ ‏فيها‏ ‏إلى ‏الواقع‏ ‏المر‏ ‏الذى ‏وصلوا‏ ‏إليه‏ ‏حين‏ ‏تجاهلوا‏ ‏لغة‏ ‏العصر،‏ ‏ونبض‏ ‏الناس قد حطم الأصنام ليمشى شعبه على أرض الواقع من جديد،

‏ ‏ثم‏ ‏يضيف‏: ‏لقد‏ ‏تحملنا‏ ‏أربعين‏ ‏سنة‏ ‏فلنجعلهم‏ ‏خمسا‏ ‏وأربعين‏، ‏ماذا‏ ‏سنخسر؟

‏ ‏ويتساءل‏ ‏أحدهم: ‏ألا‏ ‏يوجد‏ ‏فرق‏ ‏بين‏ ‏حكم‏ ‏الأربعين‏ ‏سنة‏ هذه ‏وحكم‏ ‏الإسلاميين‏ ‏فى ‏الخمس‏ ‏سنوات‏ ‏المشار‏ ‏إليها‏؟

 ‏ويأتى ‏الجواب‏ ‏من‏ ‏الأستاذ‏ ‏بعد‏ ‏فترة‏ ‏صمت‏:

 ‏إن‏ ‏حدْس‏ ‏الشارع‏ ‏المصرى ‏حين‏ ‏كان‏ ‏يغنى ‏الناس‏: ‘‏الفاتحة‏ ‏للعسكري‏، ‏قلع‏ ‏الطربوش‏ ‏وعمل‏ ‏ولى” ‏كان‏ ‏يشير‏ ‏إلى عمق وعى الناس الساخر وهو يكشف كيف أن الحاكم الدينى المتسلط، ليس إلا حاكما عسكريا دكتاتوريا يلبس عمامة، بعد محاولة تخفيه بخلعه الرمز العسكرى (الطربوش)، هذا الحدس الشعبى هو الذى سيزيح العسكر، وهو هو الذى يستطيع أن يزيح مدعى الولاية تحت أى اسم سلطة دينية، الواحد تلو الآخر !!…”، وألتقط أنا الخيط وأكمل ” أننى وجدت أنه ما دمت مسلما، ‏و ‏لا‏ ‏فضل‏ ‏لى ‏فى ‏إسلامى، ‏إذ ‏لو‏ ‏كانت‏ ‏أمى ‏اسمها‏ ‏دميانة‏ ‏وأبى ‏أسمه‏ ‏فخرى ‏ ‏، ‏لما‏ ‏أسلمت‏ ‏أبدا‏، ‏وما دمت‏ ‏مسلما‏ ‏فقد‏ ‏وصلنى ‏إسلامى ‏باعتباره‏ ‏موقف‏ ‏وجودى ‏أساسى ‏وجوهر بقائى‏، ‏ويترتب‏ ‏على ‏ذلك بالنسبة لى‏ ‏صعوبة ‏ ‏فصل‏ ‏أى ‏نشاط‏ ‏حياتى ‏داخلى ‏أو‏ ‏خارجى ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏الموقف‏ ‏الأساسى، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏تخليت‏ ‏عن‏ ‏الموقف‏ ‏الكيانى ‏الذى ‏أعيشه‏ ‏وهو الذى رضيت‏ ‏أن‏ ‏أكونه‏ ‏ما دمت أنا منه وفيه‏، ‏وبالتالى فإن هذا‏ ‏الموقف‏ ‏الذى ‏لا‏ ‏خيار‏ ‏لى ‏ فى ‏تسميته‏ “‏الإسلام‏” (‏أو‏ ‏إسلامى ‏أنا‏) ‏له‏ ‏تجليات‏ ‏فى ‏العبادة‏ ‏وفى ‏المعاملات‏ ‏وفى ‏الحكم‏ ‏وفى ‏العلم‏ ‏وفى ‏الأخلاق، ‏ولايوجد‏ ‏أى ‏مبرر‏ ‏لجعله‏ ‏غير‏ ‏ذلك، وما دام هو موقف جوهرى فأنا لا أقبل، ولا أستطيع، تهميشه‏ ‏مثل‏ ‏أن‏ ‏أستعمل‏ دينى ‏للترويح‏ ‏أو‏ ‏للطمأنة ‏ ‏أو‏ ‏لنشاط‏ ‏أيام‏ ‏الجمع‏ ‏أو‏ ‏للزينة بآيات فى سلسلة ذهبية أو صورة على الحائط، ‏وأنا أعتقد أن هذا‏ هو ‏الفرق‏ ‏بين‏ ‏موقف‏ ‏المسلم‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏عمق‏ ‏علاقته‏ ‏بالله‏ ‏وبالفطرة،‏ ‏وبالإبداع‏، ‏وبالحق‏، ‏علاقة‏ ‏مباشرة‏ ‏وشاملة، ‏وبين‏ ‏الموقف‏ ‏الذى ‏يشكل‏ ‏الحياة‏ ‏المدنية‏ ‏من‏ ‏الظاهر، ‏ويجعل‏ ‏الدين‏ ‏نشاطا‏ ‏فرديا‏ ‏سريا‏ ‏أو‏ ‏ثانويا، ‏الأمر الذى اعتبره‏ ‏نقطة‏ ‏الخلاف‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏من‏ ‏يطلق‏ ‏عليهم‏ ‏العلمانيون‏”.‏

ثم تثار‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏قضية‏ ‏ضرورة‏ ‏فصل‏ ‏الدين‏ ‏عن‏ ‏الدولة‏، ‏وحكاية‏ ‏الدولة‏ ‏العلمانية‏، ‏ولا‏ ‏أفتح‏ ‏فمى، ‏لكن‏ ‏محمد‏ ‏ويوسف‏ ‏يطلبان‏ ‏منى ‏أن‏ ‏أشرح‏ ‏موقفى، ‏ويعيد محمد إلى وصف موقفى‏ و‏أننى – ‏ربما‏ ‏دون‏ ‏مناورة‏ – ‏لا‏ ‏أفعل‏ ‏إلا‏ ‏ما‏ ‏يفعله‏ ‏فهمى ‏هويدى ‏حين‏ ‏أزيّن‏ ‏الإسلام‏ ‏بما‏ ‏أراه‏، ‏فى حين أن ما‏ ‏أراه‏ ‏هو‏ ‏خاص‏ ‏جدا‏ ‏يستحيل‏ ‏قبوله‏ ‏من‏ ‏المسلمين‏ ‏بالذات‏، ‏ثم‏ يحذرنى من أن ‏أسلِّم‏ ‏هذا ‏ ‏الذى ‏زينته برأيى الخاص جدا‏ ‏إلى ‏من‏ ‏يشوهه‏ ‏ويطبق‏ ‏عكسه‏،ثم يطلب منى أن أحدد ‏صورة‏ ‏الحكم‏ ‏الإسلامى ‏كما‏ ‏أتصوره‏، ‏فأقوله‏ – ‏بعد‏ ‏استئذان‏ ‏الأستاذ‏، ‏ خشية أن ‏ ‏أعيد‏ ‏ما‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏سمعه‏ ‏منى:

ويثور‏ ‏محمد‏ إبنى ‏ويقول‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏التفسير‏ ‏خلط‏ ‏بين‏ ‏الشعر‏ ‏والفلسفة‏ ‏والسياسة‏ ‏والاجتماع، ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏يصلح‏ ‏لتنظيم‏ ‏دولة‏ ‏أو‏ ‏تحديد‏ ‏حقوق‏ ‏سلطة، ‏وأنه‏ ‏بمجرد‏ ‏أن‏ ‏يلى ‏هؤلاء‏ ‏الناس‏ ‏الحكم‏ ‏فلن‏ ‏يكون‏ ‏أمامهم‏ ‏إلا‏ ‏التمسك‏ ‏بالحكم‏ ‏بالفتاوى ‏المستمدة‏ ‏من‏ ‏نصوص‏ ‏جامدة، ‏وليس‏ ‏من‏ ‏وعى ‏الناس‏ ‏وإعادة‏ ‏اختيارهم، ‏وينبه‏ ‏الأستاذ‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الأندلس‏ ‏كان‏ ‏الحكم‏ ‏فيها‏ ‏إسلاميا‏ ‏وكان‏ ‏اليهود‏ ‏يتمتعون‏ ‏بكافة‏ ‏امتيازاتهم، ‏وكان‏ ‏رئيس‏ ‏الوزراء‏ ‏فى ‏أحد‏ ‏العهود‏ ‏يهوديا، ‏وحين‏ ‏تجاوز‏ ‏حدوده، ‏عزله‏ ‏الوالى، ‏وسجنه‏ ‏مـدة، ‏إلى أن وَلـِىَ ‏ابنه‏ ‏مكانه، ‏وأخلى سبيله وكل‏ ‏هذا‏ ‏تحت‏ ‏مظلة‏ ‏الإسلام‏ ‏وباسمه، ‏ويضيف الأستاذ أن كل‏ ‏عهود‏ ‏حكم‏ ‏المسلمين‏ ‏كان‏ ‏فيها‏ ‏الطرب‏ ‏والشرب‏ ‏والإبداع‏ ‏والترجمة‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يحدث‏ ‏تدخل‏ ‏تفصيلى ‏فى ‏حياة‏ ‏الناس‏ ‏كما‏ ‏يخيفنا‏ ‏الخائفون‏ ‏بهذه‏ ‏الصورة.

 ‏وأضيف‏ ‏أنا‏ ‏إلى ‏كلام‏ ‏الأستاذ‏ ‏أن‏ ‏الوعى ‏العام، ‏والوعى ‏المصرى ‏خاصة يستطيع أن‏ ‏يضع‏ ‏أى ‏مقدس‏ ‏موضع‏ ‏الاختبار،‏ ‏وأستشهد‏ ‏بالمثل‏ ‏العامى الذى يقول‏: “‏قالوا‏ ‏الصلاة‏ ‏خير‏ ‏من‏ ‏النوم‏ ‏قلنا‏ ‏جربنا‏ ‏ده‏ ‏وجربنا‏ ‏ده‏” ‏ويستعيد‏ ‏الأستاذ‏ ‏المثل، فأعيده، ‏فيضحك،… ‏فأضيف: إن هذا المثل يبين كيف التقط الوعى الشعبى أن‏ ‏التجربة‏ ‏أقوى ‏من‏ ‏مجرد‏ ‏الإبلاغ‏ ‏حتى ‏‏وأننى أرى أن نداء المؤذن‏ ‏”‏الصلاة‏ ‏خير‏ ‏من‏ ‏النوم” هو دعوة‏ ‏إلى ‏صلاة‏ ‏حقيقية‏ ‏لتكون‏ ‏خيرا‏ ‏من‏ ‏النوم، فهى‏ ‏ليست‏ ‏جملة‏ ‏إخبارية، ‏وإنما‏ ‏هى ‏جملة‏ ‏إنشائية‏ ‏تنبه ألا تكون الصلاة “تحصيل حاصل” بل تدعو أن تكون‏ ‏الصلاة‏ – ‏فعلا‏ – ‏خيرا‏ ‏من‏ ‏النوم‏ ‏فإن‏ ‏لم‏ ‏تكن‏، ‏فإن‏ ‏التجربة‏ ‏سوف‏ ‏تثبت‏ ‏أن‏ ‏المدعو‏ ‏إلى ‏الصلاة‏ ‏لم‏ ‏يستطع‏ ‏أن‏ ‏يجعلها‏ ‏خيرا‏ ‏من‏ ‏النوم‏ ‏فتأتى ‏النتيجة‏ ‏أنه‏ “‏جربنا‏ ‏ده‏ ‏وجربنا‏ ‏ده‏”

 ‏وقياسا‏ ‏فإن‏ ‏من‏ ‏يقول‏ ‏إن‏ ‏الإسلام‏ ‏هو‏ ‏الحل، ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يثبت‏ ‏أنه‏ ‏الحل، ‏وإلا‏ ‏سنقول‏ ‏له‏ “‏جرَبْنَا‏ ‏دا ‏وجربنا‏ ‏ده‏”، ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏التفسير‏ ‏القياسى ‏الذى ‏أتانى ‏لاحقا‏، لأوافق الخطوط العامة التى وصلتنى من الأستاذ.

ويسألنى ‏محمد ابنى‏ ‏متحديا، ‏ما‏ ‏هى ‏صورة‏ ‏الحكومة‏ ‏الإسلامية‏ ‏التى ‏تحلم‏ ‏بها، ‏بمواصفات إسلامك هذا، هل يمكنك أن تحددها لنا لو سمحت؟

 ‏فيبادر‏ ‏الأستاذ‏ ‏بالرد‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يرحب‏ ‏ولايرجو‏ ‏ولا‏ ‏يطلب‏ ‏حكومة‏ ‏إسلامية، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏يأمل‏ ‏فى ‏حكومة‏ ‏تسمح‏ ‏بالحرية‏ ‏التى ‏يترعرع‏ ‏فيها‏ ‏الإسلام‏ ‏وغير‏ ‏الإسلام، ‏وأنه حين يقرأ هذا الواقع الصعب الجارى إنما ينحنى لما‏ ‏انتهينا‏ ‏إليه، ‏و هو هو ما أفرزه‏ ‏النظام‏ ‏القائم‏ ‏لا‏ ‏أكثر، بمعنى أن هذا المد الدينى السلفى هو النتيجة الطبيعية لهذا النظام البيروقرطى الشمولى، هذا ما وصلنى.

‏وألتقط‏ أنا ‏الخيط‏ ‏لأؤكد‏ ‏معايشتى لفكرة أن‏ ‏الإسلام‏ ‏هو‏ “‏موقف‏ ‏وجود”‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏تجزئته،‏ ‏وأعنى بذلك أننى ‏أعتقد‏ ‏أن‏ ‏المسلم‏ ‏هو‏ ‏مسلم‏ ‏وهو‏ ‏نائم‏، ‏وهو‏ ‏يحلم‏، ‏وهو‏ ‏يصلى، ‏وهو‏ ‏يحكم‏، ‏وهو‏ ‏يكتب‏ ‏الشعر، ‏وهو‏ ‏يبحث فى العلم، ‏وهو‏ ‏يعصى ‏الله، ‏بل إنى كدت أقول “وهو يكفرا”‏ ‏وأضيف: أنه بالرغم‏ ‏من‏ ‏موقفى ‏هذا‏ ‏فسوف‏ ‏لا‏ ‏أنتخب‏ هؤلاء ‏الإسلاميين‏ ‏غدا، ‏لأنهم‏ ‏لايدركون‏ ‏كل‏ ‏هذا، ‏وفى نفس الوقت فعندى أن‏ ‏من‏ ‏يسمون‏ ‏العلمانين‏ ‏‏يقترفون‏ ‏تكفير‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏لا‏ ‏يتبع‏ ‏منهجهم، ‏فهم‏ ‏يـُـصدرون‏ ‏أحكاما‏ ‏لها‏ ‏نفس‏ ‏قوة‏ ‏الدمغ‏ ‏والنفْى ‏على ‏كل‏ ‏من‏ ‏يتخطى ‏حدودهم، ‏وأذكر كيف تتهم المؤسسة العلمية السلطوية “العلم المعرفى” الجديد بالهرطقة لأنهم يعتبرونه كفر بمقدساتهم وتجاوز منهجهم، وبرغم كل ذلك فإننى أقر وأعترف أنهم‏ ‏قد‏ ‏يتيحون‏ ‏الفرصة‏ ‏للتعديل‏ ‏والتطوير، ‏لأنهم‏ ‏لايحتمون‏ ‏بنص‏ ‏إلهى ‏محظور‏ ‏تغييره‏ ‏أو‏ ‏حتى ‏إعادة‏ ‏تفسيره‏.‏

ويتمادى ‏محمد‏ ‏ويوسف‏ ‏فى ‏الإلحاح‏ ‏علىّ ‏ أن أضيف تفاصيل‏ ‏ما‏ ‏أتصوره‏ ‏”حكومة‏ ‏إسلامية”‏ ‏تسمح‏ ‏بنفس‏ ‏القدر‏ ‏من‏ ‏الحرية‏ ‏وأكثر‏، حتى من واقع مواصفات إسلامى شخصيا.

ويسأل‏ ‏حافظ‏ ‏الأستاذ‏ ‏سؤالا‏ ‏مباشرا‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏أهم‏ ‏بالاجابة، ‏يسأله‏ ‏عن‏ ‏وضع‏ ‏كلمة‏ ‏إسلام‏ ‏ومسلمين‏ ‏أيّامه مقارنة بحضورها هذه الأيام ‏فيرد‏ ‏الاستاذ:‏ ‏بأن‏ ‏المسألة‏ ‏كانت‏ ‏شديده‏ ‏الوضوح‏ ‏وشديدة‏ ‏الحضور‏ ‏المفتوح‏ ‏والمسامح، ‏كان‏ ‏هناك‏ ‏المنار‏ ‏والشيخ‏ ‏رشيد‏ ‏رضا، ‏وتلاميذه‏ ‏وكان‏ ‏هناك‏ ‏الوفد، ‏والحلال‏ ‏والحرام، ‏والشرب‏ ‏والسماح‏، فيحيل حافظ نفس السؤال إلىّ فأنتبه‏ ‏أننى ‏من‏ ‏جيل‏ ‏غير‏ ‏جيل‏ ‏الأستاذ‏ ‏رغم‏ ‏أن ‏‏بينى ‏وبينه‏ ‏واحد‏ ‏وعشرين‏ ‏سنه‏ ‏وعلىّ بدورى ‏أن ‏أقوم‏ ‏بالرد‏ ‏على‏ ‏تساؤلات‏ ‏حافظ‏.‏

قلت، أو تذكرت:

 كان‏ ‏ذلك‏ ‏وأنا‏ ‏فى ‏الرابعة‏ ‏عشرة‏ ‏من‏ ‏عمرى ‏فى ‏سنة‏ ‏ثالثه‏ ‏ثانوى (الثانوى كان خمس سنوات)، ‏تعرفت‏ ‏على ‏جماعة‏ ‏الاخوان‏ ‏سنة‏ 1947، ‏وانضممت‏ ‏إليها، ‏وأصبحت‏ ‏عضوا‏ ‏عاملا، ‏وكانت‏ ‏بداية‏ ‏البداية‏ ‏فى ‏زفتى، ‏حين‏ ‏كان‏ ‏مقر‏ ‏الاخوان‏ ‏فى ‏بيت‏ ‏الشيخ‏ ‏قشطى ‏بجوار‏ ‏بيتنا‏ ‏بجوار‏ ‏الجامع‏ ‏الكبير‏ ‏أمام‏ منزل “‏أبلة‏ ‏فردوس‏” ‏الخياطة‏.‏

ومع‏ ‏دخولى‏ ‏الاخوان ‏واستقرارى ‏عضوا‏ ‏فى ‏”أسر إخوانية”، ‏ثم‏ ‏فى ‏كتيبة‏، ‏وكانت أسرتى قد انتقلت إلى مصر الجديدة، أصبحت‏ ‏مسئولا‏ ‏عن‏ “‏أسرة‏” فى التنظيم الهيراركى للجماعة، ‏وفى نفس ‏الوقت‏ ‏اصبحت من رواد منزل (ورحابة صدر) ‏الأستاذ‏ ‏محمود‏ ‏شاكر‏ ‏مع‏ ‏بعض‏ ‏الطلبة‏ ‏فى ‏سنى (15/16 سنة) ‏كان بيته فى شارع السبق فى مصر الجديدة، ‏وبدأت‏ ‏أعرف من الجماعة‏ ‏أساسيات‏ ‏العمل‏ ‏الاسلامى ‏السياسى أو الجماعاتى وشروطه وانتقاءاته‏ ‏وقهره‏، ‏وفى ‏نفس ‏الوقت كنت‏ ‏أتعرف‏ باستمرار وتجدد ‏على ‏أصالة‏ ‏التراث‏ ‏الإسلامى ‏ورحابته‏ ‏ونبضه‏ ‏من‏ ‏الأستاذ‏ ‏شاكر، ‏ويبدو‏ ‏أن‏ ‏الاخوان‏ ‏كانوا‏ ‏يعرفون من قديم‏ ‏خطر‏ ‏الحرية‏ ‏الفكرية على حركتهم، ‏فكانوا‏ ‏ينصحوننا‏ ‏ابتداء‏ ‏ألا‏ ‏نذهب‏ ‏إلى “‏هذا‏ ‏الرجل‏” (‏الذى ‏لم‏ ‏يتزوج‏ ‏حتى ‏الخمسين‏ ‏وغير‏ ‏ذلك‏) ‏ثم‏ ‏يأمروننا‏ ‏بهذا‏ ‏أمرا، ‏ثم‏ ‏يروِّجون‏ ‏إشاعة‏ ‏أنه‏ ‏يُحضر‏ ‏لنا‏ ‏بنات‏ ‏بالاتفاق‏ ‏مع‏ ‏السفارة‏ ‏الأمريكية‏ (!!) ‏أما‏ ‏الأستاذ‏ ‏شاكر‏ ‏فكان‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏ينصحنا‏ ‏به‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏نفتح‏ ‏عقولنا‏ ‏مستقلة، ‏وأن‏ ‏ننهل‏ ‏من‏ ‏التراث‏ ‏مباشرة‏ ‏لا‏ ‏من‏ ‏رسائل‏ ‏منتقاة‏ ‏لأغراض‏ ‏بذاتها، ‏وكانت‏ ‏السور القرآنية‏ ‏المقررة‏ ‏للحفظ‏ ‏والتسميع‏ ‏من جانب‏ ‏تنظيم‏ ‏الإخوان‏ ‏هى ‏سور‏ة ‏الأنفال‏ ‏وسورة التوبة‏ ‏أساسا، ‏وسور‏ ‏الحرب‏ ‏عموما، ‏وكان‏ ‏المـُعـْلن‏ ‏لنا‏ ‏أنهم‏ ‏يعدوننا‏ ‏لنحارب‏ ‏الانجليز، ‏لكن‏ ‏مع‏ ‏بداية‏ ‏حادثه‏ ‏السيارة‏ ‏الجيب‏ ‏ثم‏ ‏قتل‏ ‏القاضى ‏الخازندار‏ ‏تغيرت‏ ‏الأمور، ‏بالصدفة كان‏ ‏المتهم فى الحادث الأول هو‏ ‏‏مصطفى ‏مشهور‏ ‏الذى ‏هو‏ بمثابة ‏ابن‏ ‏خالى.

حكيت‏ ‏لهم كيف‏ ‏دُعيت‏ ‏لما‏ ‏يشبه‏ ‏المحاكمة‏ ‏فى ‏المركز‏ ‏العام‏ للإخوان المسلمين ‏بالحلمية‏ ‏بعد‏ ‏مقتل‏ ‏حسن‏ ‏البنا، ‏وأذكر‏ ‏من‏ ‏هيئة‏ ‏المحاسبة‏ (‏أو‏ ‏المحاكمة‏) ‏فريد‏ ‏عبد‏ ‏الخالق‏ ‏وعبد‏ ‏الحكيم‏ ‏عابدين، ‏وأظن‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏معنا‏ ‏من الشباب المتهمين المرحوم‏ ‏د‏. ‏رشاد‏ ‏رفيق‏ ‏سالم‏ (‏أستاذ‏ ‏الفلسفة‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏) ‏والمهندس‏ ‏عبد‏ ‏المعز‏ ‏الخطيب‏ (‏شريك المهندس‏ ‏ياسر‏ ‏عرفات‏ ‏فى ‏الكويت‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏قبل‏ ‏بداية‏ ‏فتح‏) – ‏وأخذ المحققون‏ ‏ينصحوننا‏ ‏ويلمزون‏ ‏الاستاذ‏ ‏شاكر، ‏وخاصة‏ ‏فى ‏منطقة‏ ‏عدم‏ ‏زواجه، ‏فزاد‏ ‏ضجرى ‏ونفورى ‏منهم ومن‏ ‏الإخوان عموما، ‏ولكننى ‏واصلت‏ ‏التدريب‏ ‏العسكرى ‏بمناسبة‏ ‏إلغاء‏ ‏معاهدة‏ 1936، ‏والاستعداد‏ ‏للكفاح‏ ‏المسلح، ‏وكنا‏ ‏نقوم‏ ‏بتدريباتنا‏ ‏فى ‏جبل‏ ‏المقطم‏ ‏فى ‏العباسية.

فجأة، أدركت أننى ابتعدت عن السؤال، وأننى لا أجيب عن معنى كلمة إسلام فى جيلى أثناء نشأتى مقارنة بالمعنى السائد الآن، فتوقفت واعتذرت، لكن الأستاذ طيب خاطرى مبينا كيف تعددت المصادر بالنسبة لى فى هذه السن بحيث سمحت لى أن اختار، ثم استشهد الأستاذ بآية وردت فى مقال فهمى هويدى، وإن كنت قد نسيت السياق، قال: “‏ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ ..”، ‏وتعجبت وأعجبت، ‏أليست‏ ‏هذه‏ ‏هى ‏قمة‏ ‏حدة ‏الذاكرة‏ ‏القريبة‏ ‏يا‏ ‏ناس، ‏أستغفر‏ ‏الله‏ ‏العظيم، ‏ليس‏ ‏ما‏ ‏أصاب‏ ‏أستاذنا‏ ‏فى ‏عينيه‏ ‏نتيجة‏ ‏لتصلب‏ ‏الشرايين، ‏لا‏ ‏ابحثوا‏ ‏عن‏ ‏تفسيرا‏ ‏آخر هذه ذاكرة شاب فى الثلاثين، ‏حفظ‏ ‏الله‏ ‏للأستاذ‏ ‏ذاكراته‏ ‏القديمة‏ ‏والحديثة‏ ‏والمستقبلية‏ ‏جميعا‏، وقرأت فى سرى “قل أعوذ برب الفلق”.

عاد‏ ‏محمد‏ ‏ويوسف‏ ‏يطالبانى أن ‏أرسم‏ ‏صورة‏ ‏للحكومة‏ ‏الاسلامية‏ ‏التى ‏أوافق‏ ‏عليها‏ (‏برغم أننى لا‏ ‏أنادى ‏بها‏)، ‏‏فخجلت‏ ‏أن‏ ‏أكرر موضوعا أصبح معادا هكذا، لكننى ‏لاحظت‏ ‏أن‏ ‏الاستاذ‏ ‏يريد‏ ‏ان‏ ‏يسمع‏ ‏رأيى من جديد، ‏فعرفت أننى لم أنجح فى توصيل ما عندى واجتهدت أن ألملم رأيى وأعرضه بتأكيدى أننى ‏أنا‏ ‏لن‏ ‏أنتخب‏ ‏الإسلاميين‏ ‏الحاليين‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏اضطررت‏ – ‏والعياذ‏ ‏بالله -‏ ‏أن‏ ‏أنتخب‏ ‏الحزب‏ ‏الوطنى‏، كما أننى – فى نفس الوقت – ‏أرفض‏ ‏فصل‏ ‏الدين‏ ‏عن‏ ‏الحياة اليومية الواقعية الزاخرة،‏ ‏بالمعنى ‏الذى ‏يعنيه‏ ‏العلمانيون،‏ ‏بمعنى‏ ‏أننى ‏أرفض‏ ‏فصل‏ ‏الدين‏ ‏عن‏ ‏أى ‏شىء‏، ‏كما‏ ‏أضفت مكررا وأنا متردد أن‏ ‏تعريف‏ ‏الحكومة‏ ‏الإسلامية‏ ‏عندى ‏هو‏ ‏أنها‏ ‏الحكومة‏ ‏التى ‏تؤكد‏ ‏وتنمى ‏الفطره‏ ‏البشرية‏ ‏كما‏ ‏وصفها‏ ‏الإسلام‏ (‏والأديان‏ ‏عامة‏) ‏من‏ ‏حرية‏ ‏وابداع‏ ‏وحركة‏ ‏وتغيير‏ ‏ورشاد‏ ‏وجمال‏ ‏وحيوية، ‏وهى ‏ليست‏ ‏الحكومة‏ ‏التى ‏تطبق‏ ‏تفسيرا‏ ‏لفظيا‏ ‏حرفيا‏ ‏قديما‏ ‏لنص‏ ‏إلهى ‏وظيفته أن يحرك ويلهم لا أن يحدد ويغلق‏، وأخيرا، فإن‏ ‏حكومتى ‏الإسلامية‏ ‏ليست اسمها إسلامية، فهى ‏الحكومة‏ ‏التى ‏سوف‏ ‏تتبنى ‏هذا‏ ‏الوعى ‏الإيمانى ‏بعد‏ ‏فشل‏ ‏القهر‏ ‏التدينى ‏الحالى ‏والقريب.

ثم حاولت جاهدا أن أبين الفرق عندى‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏دين‏ ‏وما‏ ‏هو‏ ‏إيمان، ‏وبين‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏دولة. الدين ‏-‏ كما‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏نوهت‏- عندى هو ‏موقف‏ ‏وجود‏ ‏لايتجزأ‏، ‏له‏ ‏تجليات‏ ‏فى ‏الحكم‏ ‏والعبادات‏ ‏والمعاملات‏ ‏والاتصال‏ ‏بالكون، ‏وهو‏ ‏ليس‏ ‏ممارسة‏ ‏فردية، ‏وهو‏ ‏ليس‏ – ‏فقط‏ – ‏علاقة‏ ‏خاصة‏ ‏بين‏ ‏العبد‏ ‏وربه‏ ‏أو‏ ‏بين‏ ‏العبد‏ ‏ونفسه‏، وبالذات هو ‏ليس‏ ‏نشاطا‏ ‏بعض‏ ‏الوقت‏ (‏دين‏ ‏الويك‏ ‏إند ‏Week end) ‏وهو‏ ‏ليس‏ ‏نصوصا‏ ‏جامدة‏ ‏فسرها‏ ‏ناس‏ ‏سلطويون، ‏وأن اعتراضى ‏على ‏فصل‏ ‏الدين‏ ‏عن‏ ‏الدولة‏ ‏هو‏ ‏اعتراض‏ ‏موضوعى، ‏وعملى، ‏وهو‏ ‏نفسى ‏الوقت‏ ‏الاعتراض‏ ‏الذى ‏يعترضه‏ ‏الثوريون‏ ‏الغربيون‏ ‏الحاليون‏ ‏الذين‏ ‏يريدون‏ ‏أن‏ ‏يتجاوزوا‏ ‏فترة‏ ‏اغتراب‏ ‏الانسان‏ ‏الغربى ‏منذ‏ ‏حاول‏ ‏أن‏ ‏يتخلص‏ ‏من‏ ‏سلطة‏ ‏الكنيسة‏ ‏فتخلص‏ ‏من‏ ‏تكامل‏ ‏الدين فى الحياة اليومية‏، وتطبيقا‏ ‏لذلك، ‏فعندى ‏أن‏ ‏الحكومة‏ ‏السويدية – مثلا -، ‏لو‏ ‏نجحت‏ ‏فى ‏تطبيق‏ ‏ما‏ ‏أقول، ‏فهى ‏حكومة‏ ‏إسلامية، ‏وأن‏ ‏الحكومة‏ ‏السعودية‏ ‏إذا‏ ‏حققت‏ ‏عكس‏ ‏‏هذه‏ ‏القيم الإيمانية‏ ‏السالفة‏ ‏الذكر‏ ‏فهى ‏حكومة‏ ‏مدنية‏ ‏علمانية‏ ‏سلطوية حتى لو قطعوا يد السارق… إلخ.

مرة أخرى: شعرت بأننى لم أنجح فى توصيل ما أريد فأضفت بما يشبه التظاهر:

 ‏قلت‏ ‏إن‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏يحقق‏ ‏فطرة‏ ‏الإنسان‏ ‏أن‏ ‏يتمتع‏ ‏بحريته‏ ‏كاملة‏ ‏حتى ‏فى ‏ما‏ ‏يأتى ‏من‏ ‏معاصى، ‏وبحماية‏ ‏الدولة التى تسمح له بذلك، ‏شريطة‏ ‏ألا‏ ‏يغرى ‏بها‏ ‏غيره‏ ‏مما‏ ‏لم‏ ‏يقبل‏ ‏عليها‏ ‏بمحض‏ ‏اختياره‏ ‏وعلى ‏مسئوليته، ‏وإن‏ ‏على‏ ‏الحكومة‏ ‏الإسلامية‏ عندى أن تمنع ‏‏الضرر‏ أساسا، وأن يكون التحريم بناء على تقييم‏ ‏موضوعى ‏لما‏ ‏هو‏ ‏ضرر، ‏وأن تمنع‏ ‏الاستغلال ‏بتقييم‏ ‏موضوعى ‏لما‏ ‏هو‏ ‏استغلال: حتى لو كان يجرى تحت لواء كل ما هو حلال، ‏وأن تمنع‏ ‏الاختناق‏ ‏فى ‏منهج‏ ‏علمى ‏أو‏ ‏أصولى ‏قـزم، ‏وذلك بالسماح‏ ‏بالابداع‏ ‏بلا‏ ‏حدود‏.‏

ضحك‏ ‏منى ‏السائلون، ‏وقالوا‏ ‏هيا‏ ‏غدا، ‏وسوف‏ ‏ترى ‏أن‏ ‏أول‏ ‏الرافضين لحكومتك الحاكمين عليك‏ ‏بالهرطقة أو بالجنون ‏هم‏ ‏الإسلاميون‏ ‏الحاكمون بإذن الله.

قلت‏: ‏دعونى ‏أخطط‏ ‏للموجة‏ ‏الثالثة‏ ‏وليس‏ ‏للموجة‏ ‏الآتية، ‏وأنا‏ ‏لا‏ ‏أخشى ‏على ‏هذه‏ ‏الموجة‏ ‏الثالثة‏ ‏من‏ ‏الإخوان‏ ‏أو‏ ‏حتى ‏من‏ ‏الجماعات، ‏وإنما‏ ‏أخشى ‏عليها‏ ‏من‏ “‏الأزهر‏” ‏الحالى، ‏إن‏ ‏فتاوى ‏الأزهر‏ ‏والتزامه‏ ‏الجامد‏ ‏بتفسير حرفىّ‏ ‏مغلق‏ ‏للنصوص‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏يقضى ‏على ‏الإبداع‏ ‏والإجتهاد، ‏وهو‏ ‏المبرر‏ ‏الأول‏ ‏للنكسة الدينية التى نحن فيها حتى بدون حكومة إسلامية، ‏وهو‏ ‏الرافض‏ ‏الأول‏ ‏لكل‏ ‏ما‏ ‏يخطر‏ ‏على ‏بال‏ ‏مسلم‏ ‏حقيقى، كما أخشى على دينى بنفس الدرجة من كنسية المؤسسات العلمية السلطوية الجديدة.

 ‏وختمت رأيى بتعبير ملأنى هو: أننى ‏لا‏ ‏أملك‏ ‏أن‏ ‏أخون‏ ‏نفسى، ‏فقد‏ ‏ولدت‏ ‏مسلما‏ ‏بستر‏ ‏من‏ ‏الله‏ ‏لا‏ ‏أكثر، ‏ثم‏ ‏اكتشفت‏ ‏فى ‏إسلامى ‏هذا‏ ‏الذى ‏أقول، ‏وسوف‏ ‏يحاسبنى ‏ربى ‏تحديدا‏ ‏على ‏كل‏ ‏هذا‏ الذى قلته الآن، ودائما، تحقق‏ ‏أم‏ ‏لم‏ ‏يتحقق‏.‏

كان‏ ‏الأستاذ‏ ‏ينصت‏ ‏لكل‏ ‏ذلك‏ ‏ويهز‏ ‏رأسه‏ ‏إلى ‏أسفل،

‏وهذا‏ ‏لا‏ ‏يعنى ‏الموافقة‏ ‏كما‏ ‏ذكرت، ‏وإنما‏ ‏يعنى ‏شيئا‏ ‏أشبه‏ بــ ، ‏وبعدين‏‏؟‏ ‏

ما هذا الذى قلتـُه هكذا؟

ولكن ماذا أفعل، والأستاذ وصحبه، وسماحه، وأمانتهم هم الذين أتاحوا أن أقول ما قلت

ربنا يخليه، ويخليهم

سامحونى

المحتوى

صفحة

العنوان

3

الأهداء

5

مقدمة (1)

15

ملاحق المقدمة

  الملحق الأول

17

 الملحق الثانى

21

الحلقة الأولى

وانصرفتُ وما انصرفت!

23

الحلقة الثانية

جرعة مناسبة من الناس الطيبين

“روشتة” اسمها”الناس”

31

الحلقة الثالثة

نجيب محفوظ فى روعته العادية

37

‏ الحلقة الرابعة

 نادى‏ ‏الشرطة

43

الحلقة الخامسة

دعوة للانضمام للحرافيش

49

الحلقة السادسة

قصيدة بشرية رائعة

57

الحلقة السابعة

سبب وجيه يبرر محاولة الاغتيال

61

الحلقة الثامنة

… من فُمّك لباب السما(ء)!

65

الحلقة التاسعة

يا مفرج الكروب!

71

الحلقة العاشرة

…. فلسفة للبيع

75

الحلقة الحادية عشر

هل يصلحُ العلمُ أخطاءه

81

الحلقة الثانية عشر

أم الأعمى أدرى برقاد الاعمى

89

الحلقة الثالثة عشر

أول ليلة مع الحرافيش

99

الحلقة الرابعة عشر

طلب الغـَـنِـى شفقة، كـَـسَـرالفقير زيرُهْ

105

الحلقة الخامسة عشر

نلسون مانديلا مصر

115

الحلقة السادسة عشر

… صنّ شوية “يا حسن بيه”

121

الحلقة السابعة عشر

.. من يدرى متى يرى أحدنا الآخر ثانية؟

129

الحلقة الثامنة عشر

… بناء العمارات فوق أسطح السيارات

137

الحلقة التاسعة عشر

أسكر بالأمس إن عزمتُ على الشرب غدًا

145

الحلقة العشرون

فى منزلى

153

الحلقة الواحد والعشرون

“سيرك الكلمات”: ومع ذلك: فإنى متفائل

159

الحلقة الثانية والعشرون

ألا أيها النوّام ويحكموا هبُّوا

169

الحلقة الثالثة والعشرون

اسْتـِنـْفـَار الحياة يجرىٍ ممتدة!!

173

الحلقة الرابعة والعشرون

د. علاء الزيات وذكريات والده

177

الحلقة الخامسة والعشرون

تقديس العادى لا يعيق الإبداع

187

الحلقة السادسة والعشرون

الفن لا يجهض الثورة

197

الحلقة السابعة والعشرون

الفاتحة للعسكرى، قلع الطربوش وعمل ولى!

 

[1] – وقد جعلتها ملحقا لهذه المقدمة فى آخر لحظة لما لها من دلالة بذاتها.

[2] – يحيى الرخاوى: الترحال الأول: “الناس والطريق” سنة 2000، منشورات جمعية الطب النفسى التطورى.

[3] – وهى موجودة فى الحلقة الثامنة والثلاثون فى (الكتاب الثانى) من هذا العمل.

[4] – رجاء النقاش: “نجيب محفوظ: صفحات من مذاكراته وأضواء جديدة علي أدبه وحياته” مركز الأهرام للترجمة والنشر – القاهرة، سنة 1998

[5] – وهى النشرة التى أصدرها منذ أول سبتمبر 2007 وحتى اليوم ( 20 مارس 2018)، وما زالت تصدر، وقد شغلت هذه النشرات التى جمعت هذا العمل: من الفترة 27-9- 2007 إلى30-12-2010 ، بعد أن انقطعت خلال ذلك لأكثر من عام حيث شغلت نشرة الخميس بنقدى لـ “أحلام فترة النقاهة”.

[6] – وهى التى كانت تصدر كل خميس بنفس العنوان: “في شرف صحبة نجيب محفوظ” فى موقعى:

www.rakhawy.net

[7] – الصديق الذى صاحب الأستاذ أيضا طوال الإثنى عشر عام، وكان مسئولا – تقريبا – عن لقاء الأثنين

[8] – أنظر الحلقة (السادسة والستون) “بدايات شديدة الحسم، ونهايات بالغة التعميم” الكتاب الثالث، ص 111

[9] – “الآن” هنا كانت لحظة كتابة هذه المقدمة وهذا النص، وكان ذلك فى يوم ما سنة 2011

[10] – لعل فى ذلك ميزة تمت بالمصادفة، فربما كانت حوارات الحرافيش هى الأكثر حضورا وتركيزا، لقلة العدد، ولأنها جلسة مغلقة على الحرافيش، ولأننى انتظمت فيها أكثر من أى لقاء آخر بما فى ذلك لقاءات الجمعة فى بيتى كما ذكرت، وبذلك كنت أتمكن من تسجيل بعض ما تم فيها عقب عودتى مباشرة أو بيوم أو اثنين على الأكثر.

[11] – حتى رجّحت أن هذا قد جاء من واقع تفريغ تسجيل صوتى استعرته من توفيق صالح، (الحلقة التاسعة والستون) الثلاثاء‏ 6/6/1995 “خلاف حميم، وحديث مع المخرجة الفرنسية” (الكتاب الثالث) ص 129

[12] – وهو المقال الذى ورد ملحقا بالمقدمة ص 15

[13] – يحيى الرخاوى “قراءات فى نجيب محفوظ”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1992، والطبعة الثانية “منشورات جمعية الطب النفسى التطورى” سنة 2017.

[14] – وهو ما جاء بعضه فى قصيدة “صالحتنى شيخى على نفسى”- ملحق المقدمة الثانى.  ص 17

[15] – نشرت القراءة الأولى فى مجلة الصحة النفسية (1970) ثم فى كتاب “حياتنا والطب النفسى” – القاهرة دار الغد (1972) ثم فى كتاب “قراءات فى نجيب محفوظ”، الهيئة العامة للكتاب، 1992، ص 170 ، ثم قمت بنقدٍ لهذا النقد بشدة فى كتابى “قراءات فى نجيب محفوظ” الهيئة العامة للكتاب 1992 ومكتبة الأسرة 2005، وأخيرا الطبعة الثالثة من “قراءات فى نجيب محفوظ”  2017 منشورات جمعية الطب النفسى التطورى.

[16] – كتبت هذا الاحتمال سنة 1970 فى النقد الذى رفضته لاحقا، ومع ذلك فحين تعرفت بالحرافيش أقرب، أخبرنى الحرفوش المستمر الصديق توفيق صالح أننى كنت على حق فى حدسى، وأن هذا الصديق هو فعلا فلان الفلانى، وطبعا لست فى حل لذكر اسمه.

[17] – أنظر الحلقة (الخامسة والستون) “بابا سمحْ .. أروح الفَرَحْ”، وأنظر أيضاً (الحلقة الثانية والستون) “هل يجوز للمبدع أن ينقد إبداعه شخصيا؟”، من الكتاب الثالث، ص 97 من هذا العمل.

[18] – أنظر (الحلقة الثالثة): “نجيب محفوظ فى روعته العادية” ص  31

[19] – “عبد ربه التائه” هو الشخصية التى شغلت حوالى النصف الثانى من أصداء السيرة الذاتية، وقد كتبت عنه فى نقدى  بكتابى “أصداء الأصداء” المجلس الأعلى الثقافة سنة 2006 والطبعة الثانية منشورات جمعية الطب النفسى التطورى 2018، كما ذكر لى الأستاذ أنه كان يعنى فى معظم ما قاله على لسانه أنه هو.

[20] – كتبت بعد ذلك فى الأهرام بتاريخ 30/5/2005 “أينشتاين شاعراً” كما أن لى قصيدة ملتزمة بإيقاع التقعيلة بعنوان “ياليت شعرى لست شاعراً” بديوانى “شظايا المرايا” تحت الطبع، كذلك صدَّرت الطبعة الأحدث 2017 لديوانى: “سر اللعبة”، بمناقشة حول هذه المسألة، بما فيها موقفى من شعرى شخصيا.

[21] – وإن كان قد ثبت لاحقا من خلال أحلام فترة النقاهة أنه غير صحيح فقد ظل يبدع حتى آخر لحظة

[22]– انظر الحلقة التاسعة والثلاثون: “حركية الوعى وتشكيلات السعى نحو الإيمان) فى الكتاب الثانى، ص99.

[23] – Karl Jaspers: General Psychopathology 1963

[24] – دكتور رفعت محفوظ – أستاذ الأمراض النفسية – كلية الطب – جامعة المنيا.

[25]–  يحيى الرخاوى:(الترحال الأول “الناس والطريق”: الفصل الثانى: بعد ظهرِ يوم سبتٍ حزين) منشورات جميعة الطب النفسى التطورى سنة 2000.

[26] -Quantum Sciences

[27]–  أنظر هامش رقم (20)

[28]– يحيى الرخاوى: الترحال الأول “الناس والطريق” منشورات جمعية الطب النفسى التطورى والعمل الجماعى، سنة 2000، ص 127، “…ومرة أخرى فى صحراء مصر الجديدة (1947) ذهبت متطفلا مع أصدقاء أخى هذا لـلعب كرة القدم، وكنت حول الرابعة عشرة، وكانوا جميعا حول السادسة عشرة، وقد نسونى تماما عند تقسيم الفرقتين، فذكّرتهم بوجودى، فقال أحدهم: اذهب إلى أية  فرقة “فوق البيعة”، وبلعتُها، وقررت أن أنضم إلى إحدى الفرقتين، ولكنى لم أخطِر أفراد الفريق الذى أقحمتُ ُنفسى عليه، وكيف أفعل؟. ظللت أجرى طوال الشوط الأول بجوار خط التماس دون أن أقترب من أى من الفريقين، أو تقترب منى الكرة أصلا، وانتهى الشوط وأنا لا أدرى هل كسبتُ أم خسرتُ؟. وكيف لى أن أدرى وأنا لست على يقين أصلا من قبولى فى الفرقة التى أنتمى إليها؟. وفى الشوط الثانى: انتقلت إلى الفريق الثانى- دون أن أخطر أحدا أيضا- وظللت أجرى على خط التماس المقابل طوال الشوط أيضا، دون أن يلحظنى أحد، أعنى دون أن يهتم بى أحد أو يفكّر فى سؤالى مع أى الفريقين ألعب، حتى انتهت المباراة وأنا لم ألمس الكرة”.

[29] – هو الدكتور أبو مدين الشافعى المحلل النفسى، الذى مات مقتولا بيد مريضه البارانوى فى أوائل الخمسينات، وكان الحوار حول قتله بين المرحوم الدكتور عمر شاهين، والمرحوم كامل الشناوى، فى يوميات الأخبار، سببا فى انتباهى إلى أن هناك فرع فى الطب اسمه الطب النفسى، وأن بإمكانى أن أشتغل به، وكنت بعد طالبا فى سنة رابعة طب على ما أذكر، وكانت هذه هى بداية توجهى لهذا التخصص.

[30] – يحيى الرخاوى: الترحال الأول، الفصل الثالث،”ضيافة المرأة المهرة”، ص:134. “…. وكان المخيم بكل أشيائه وأجوائه قد استقر فى وعيى حتى أحسست أنه بيتى وأكثر، وكأنى أقيم فيه منذ تناسخى الرابع عشر بعد المائة..، والمرأة الُمهرة المسئولة عن المخيم تمشى فوق قفزاتها الصغيرة، أمام “مكتب الإدارة”، وهى تطلق دفء الفتوة ذات الرائحة الشبقية”

[31] – كان لقاء الجمعة فى فندق جولى فيل فى أول طريق الإسكندرية الصحراوى، ولم يكن قد استقر فى منزلى بعد، وحضره محمد إبنى اختياريا .

[32] – نشرة نادى السينما 1976 .

[33] – وجعلت أردد هذا القول “أحسن الأسوأ هو الأحسن!” عشرات المرات حتى الآن 2011 دون استسلام، لكن بتأجيل آمـِلْ!! .

[34] – أحيانا أكتب تاريخ الكتابة، وأحيانا أكتب تاريخ اللقاء، ولم أحاول توحيد القاعدة.

[35] – كان لهذه الرواية قصة لاحقة، فقد ناقشناها فى الندوة الشهرية لجميعة الطب النفسى التطورى لاحقا بعد سنوات، وكتبت فيها نقدا لم ينشر بعد، كما عرض توفيق صالح استعداده لإخراجها بعد سنوات، وتصورت أنه سيكون عملا سينمائيا عملاقا، وخاصة بعد أن شاهدت له فيلم “المخدوعون”، إلا أن المؤلف المهندس فتحى امبابى – كما أبلغنى توفيق مصادفة – طلب من المنتج مبلغا خياليا، (وتوقف المشروع للأسف حتى الآن 2011 على حد علمى).

[36] – “صنّ” كلمة بالعامية المصرية تعنى “إنتظر”

[37] – العنعنة: هى طريقة الكتابة نقلا عن راوٍ ينقل عن آخر عن آخر وهكذا: ومعظم الأحاديث الشريفة كتبت بهذه الطريقة

[38] – أنظر زيارة د.علاء الزيات فى (الحلقة الرابعة والعشرون) ص 173

[39] –  ظهر أن الأستاذ لم يهتم بحفظ هذا التاريخ لاسباب لم تتضح لى (ولا له).

[40] – إحسبها أنت اليوم بعد تعويم الجنيه 2017 !!

[41] – عرفوه فيما بعد طبعا، فقد ظل يصحب الأستاذ إلى سوفتيل المطار بمصر الجديدة كل يوم اثنين أكثر من عشر سنوات بإنتظام

[42] – انظر هامش 24 فى (الحلقة الثامنة) ص 61.

[43] – وقد تمّ ذلك تقريبا فعلاً 2018

[44] – تكلمت من قبل وأنا أستلهم بعض كتابات تدريبه، كيف ولماذا تجنبت طول الوقت، وحتى الآن، أن أذكر فى الإعلام فى حياته وبعد رحيله، حكاية حضوره لمنزلى أسبوعيا طوال عشر سنوات‏ (

[45] – الذين سموا بعد ذلك، وحتى الآن 2010 بعد رحيله بـ “جماعة الجمعة” كما أسلفنا ذكر ذلك ص 11

[46] – شاع بعد ذلك تسمية جماعة الثلاثاء هذه، بالحرافيش أيضا، ولم يرفض الأستاذ صراحة فى حين رفض توفيق صالح هذا الادعاء جملة وتفصيلا، وصدقتُ رأى توفيق من واقع الحال والتاريخ، برغم استمرار الخلط  الإعلامى أحيانا حتى الآن.

[47] – لم يكن قد صدر بعد كتابى عن “مواقف النفرى”، علما بأنى مازلت أواصل حوارى مع ما يصلنى من مواقفه أسبوعيا فى موقعى www.rakhawy.net  كل ثلاثاء حتى الآن 2018

[48] –  كان هذا الحديث كله قبل مرحلة أحاديثه فى قناة الجزيرة.

[49] – الذى لم أتبين حقيقته إلا وأنا أميز بين معاهدة السلام وبين “ثقافة السلام” هذه الأيام  2010 الموضوع الذى كتبت فيه رأيا واضحا: (تعتعة الدستور 28-4-2010 “كل شىء هادئ فى الميدان الشرقى!!”)، (تعتعة الدستور 5-5-2010 “ثقافة الحرب، ونظرية المؤامرة، والجهاد الأكبر‍!”(.

[50] – قمت بعد ذلك بجمع كل ما كتبت فى تدريباته اليومية فى ست كراسات، وسلمتها للجنة الحفاظ على تراثه…الخ، ثم قمت بكتابه ما اسميته “تداعيات على تداعيات” ونشرت تباعا فى النشرة اليومية فى موقعى “الانسان والتطور” من تاريخ 31-12-2009 إلى تاريخ 18-8-2016 ثم توقفت قرب نهاية الكراسة  الثانية  أما أصل الكراسات فهى مودعة عند لجنة الحفاظ على تراثه لمن شاء أن يعود إليها فهى ثروة مستقلة .

[51] – المصطلح الفرنسى لدورة المياه.

[52] – ‏آنذاك  عام 1995، وقد نشر بعد ذلك فى ثلاثية “ترحالات” عام 2000 منشورات جميعة الطب النفسى التطورى

[53] – ‏أغلب الظن أنها الجزء الأول والثانى من ثلاثيتى “المشى على الصراط” ولم تكن قد حازتا جائزة الدولة التشجيعية بعد.

[54] – الآن أتعرف من جديد عن معنى ذلك من خلال حوار/بريد الجمعة  الذى يصدر اسبوعيا تباعاً فى هذه النشرة اليومية.  www.rakhawy.net.  منذ عشر سنوات 1918.

[55] – أنظر  الحلقة العشرون: (“فى منزلى”  الثلاثاء‏: 24 / 1 / 1995)  ص 145

[56] – الآن = 2010

[57]– جاءت مناقشة هذا الحق تفصيلا فى ديوانى بالعامية “أغوار النفس” 2017،  ثم فى شرح هذا الديوان الكتاب الثانى من “فقه العلاقات البشرية” هل العلاج النفسى “مَكْـلـَمَة”؟ اللوحة الثانية:   الركن‏ ‏بتاعى ‏مِتْـحضّر، ص 51 ،  2018، منشورات جمعية الطب النفسى التطورى.

غلاف خلفى فى صحبة نجيب محفوظ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *