الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الكتاب: الأساس فى العلاج الجمعى (93): تشكيلات الفُرجة فى العلاج الجمعى

الكتاب: الأساس فى العلاج الجمعى (93): تشكيلات الفُرجة فى العلاج الجمعى

نشرة “الإنسان والتطور”

الأثنين: 30-12-2013

السنة السابعة

العدد:  2313

الكتاب: الأساس فى العلاج الجمعى (93)

تشكيلات الفُرجة فى العلاج الجمعى

(أنا تذكرتى بلكون .. وراح اتفرّج للصبح)

إكمالا لنشرة أمس:

نعنى بـ “الفـُرْجهْ” هنا: المشاركة بالمشاهدة، والفهم بالعقل، وأحيانا الحكم على الجارى، بالتفكير بل وبالرأى، وأعنى تحديدا: حين يكتفى المريض بأن يتفرج على زملائه، وأيضا على الأطباء، من مسافة آمِنة، كما أن ثم احتمال أن بعض المعالجين (خاصة فى موقف ما يسمى البحث العلمى) يتفرجون على المرضى، وهم يتعلمون منهم نظريا، إذْ يرصدون أحوالهم وتركيبهم، لينشروه بحثا أو يشرحوه لدارسين: يفعل الواحد منا هذا دون أن ينتبه إلى أن كل ذلك يجرى على حساب المشاركة الحقيقية، أى مواكبة المعالج للمريض أثناء مسيرة نموهما، هذا نوع من الفرجة مهما كانت أغراضه نبيلة لتحقيق غرض آخر.

فى العلاج عموما، يمكن أن تتم “الفـُرْجهْ المتبادلة” بعيدا عن الوعى الظاهر لكل من المريض والمعالج، خاصة فى العلاج الخاص، طالما أن التعاقد مستمر على مستوى أن وقت الطبيب هو بضاعة قابلة للشراء، وأن حضور المريض هو ليشغل هذا الوقت ويرتاح! وهو يعرض نفسه أيضا لفرجة ما، وهذا وارد ضمن الاتفاق التحتى الذى يتم بينهما، وهكذا قد تستمر العلاقة بينهم على مسافة، ما دامت شروط العقد التحتى سارية.  “أنـا‏ ‏تذكرتى ‏بلكونْ‏، ‏وراح‏ ‏اتفرّجٍ‏ ‏للصبح‏.‏ ‏……‏بـِفْـلوسى‏”.

‏إن‏ ‏اتخاذ‏ ‏موقف‏ ‏المتفرج،‏ ‏حتى على مسافة‏ ‏هكذا، ‏قد‏ ‏يكون‏ هو ‏الحماية‏ المناسبة ضد فرط جرعة التلويح بأمل لا يتحقق، أو التهديد ‏ ‏بتفاعل إنسانى غامض المعالم وذلك أثناء العلاج، خاصة العلاج الجمعى، ‏

من هنا نرى أن ميكانزم “الفـُرْجهْ” الذى قد تنتهى به خبرة التعرض للألم الرائع السالف الذكر، هو اقرب إلى ما أسميناه سابقا “الهرب إلى الصحة، أو ما يشبه الصحة”، من حيث أنه مع اختفاء هذا المأزق المؤلم بالتراجع، بماتيسر من ميكانزمات جديدة، يعتبر المريض نفسه، والطبيب أحيانا، أن العلاج قد حقق أغراضه، وهذا احتمال يمكن قبوله على مستوى معين من تعريفات “الصحة”، و”العادية”.

هنا يحضرنا سؤال متكرر يقول: ألا يكفى اختفاء الأعراض سببا وجيها يقرر أن يتوقف العلاج ما دام قد حقق هذه الأغراض مهما كانت متواضعة أو متوسطة؟ الإجابة الجاهزة المنطقية هى : نعم، هذا أوان مناسب لوقف العلاج.  لكن واقع الحال أن العلاج قد يستمر لفترة تطول أو تقصر بعد ذلك، ويتوقف السماح بذلك على موقف المعالج وأهدافه (خاصة على مستوى العلاج الخاص) وأيضا يتوقف على موقف المريض وقدراته، وهذا موقف يحتاج لشرح يطول قد نعود إليه لاحقا.

أشكال وتنويعات الفرجة:

وهى التشكيلات التى رصدتُها فى نفسى وفى المرضى وزملائى أثناء الممارسة، وسوف أكتفى بأن أورد طبيعتها، فقلت أعدد بعض العناوين والعناصر حتى تتاح عودة، وفيما يلى مجرد العناوين – تقريبا– على الوجه التالى:

أنواع “الفـُرْجهْ” وبعض أهدافها:

(يمكن تعميم هذه الأنواع حتى خارج مجال العلاج)

ملحوظة بادئة (1): لفظ “الفـُرْجهْ” هو من قاموس اللغة العامية المصرية أساسا، ولم أجد فى مادة “فرج” بالفصحى ما يفيد نفس المعنى (1)

ملحوظة بادئة (2): على فكرة: تتم “الفـُرْجهْ” بوعى أو بغير وعى، غالبا بغير وعى، وهى تنكشف فى العلاج الجمعى بالذات، وعادة حين ننبه المريض إلى اتخاذه موقف المتفرج، ينكره فورا غالبا، وأحيانا تماما

وفيما يلى بعض دوافع وتشكيلات وطبيعة كلٍّ:

 “الفـُرْجهْ” الانشقاقية

أثناء العلاقة (حتى فى الجنس)، حين ينفصل أحد مستويات الوعى أو حالات الذات، أو ذوات الداخل، (أية ذات منشقة) عن كلية العلاقة المتمازجة أو المتبادلة، وكأن شخصا آخرا يشاهد الجارى، سواء فى نفس الشخص أو فى شريكه، وهو يرصده، وقد يتابع أداءه من على مسافٍة ما، مما تتحقق به درجة من الاغتراب المُخِل، وأحيانا يصل الإنشقاق فى الجنس إلى وعى أحد الطرفين فيشكو أو لا يشكو من أعراض بذاتها،

 وقد يحدث ما يقابل ذلك فى طبقة ما من طبقات الوعى أثناء العلاج الجمعى.

  • “الفـُرْجهْ” للمشاهدة المعقلنة

حين ينقلب المشارك (مريضا كان أم معالجا أم غير ذلك) إلى متفرج ناقد، كأنه يحضر مسرحية أو يشاهد فيلما او مسلسلا، فيقوم بترجمة كل الجارى أولا بأول إلى تفكير له دلالته، أو يرجعه إلى سبب محدد، أو يستنتج منه توجيها معينا، لكن على مستوى عقلى بحت، يعلنه أو لا يعلنه.

  • “الفـُرْجهْ” للإعفاء من المشاركة الآنية

من أهم القواعد التى تكسر موقف “ميكانزم” “الفـُرْجهْ”، فى العلاج الجمعى، هو الالتزام بمبدأ “هنا، والآن” (وأيضا : “أنا – أنت”)، ونلاحظ أن الذى يبتعد عن هذه القاعدة، ينسحب بدرجة ما إلى هذا النوع من الفرجة، ويلوح التأجيل عادة لصاحبه دون وعى كامل، أى بدوافع آليات خفية مثل:حتى أستوفى شروطى السرية”، أو “حتى أطمئن بدرجة أكبر”،  أو “حتى أضمن لنفسى حق الرجعة”.

  • “الفـُرْجهْ” من موضع: الشفقة الفوقية:

نفرق دائما بين الشفقة، (ونعبر عنها أحيانا فى العلاج الجمعى، وإلى درجة أقل فى العلاج الفردى بالمصمصة أو الصعبانية) وبين المواجدة (2)  التعاطف المشارِك،

أن “تتألم على…”، غير أن “تتألم مع..”، فما بالك بالصعبانية والطبطبة من أعلى

وبعد

على المعالج فى العلاج الجمعى أن يلحظ هذه التشكيلات من الفرجة، لكنه ينبغى عليه ألا

ينبه إليها بشكل فوْرى أو نهر فوقى، لكن عليه أن يكسرها فى الوقت المناسب بدعوة للتفاعل، أو للإلتزام بقاعدة “أنا – أنت & هنا – الآن” ….الخ.

******

كما اعتدنا مؤخرا للأسف نورد المتن مجتمعا مع الاعتذار له، وأيضا مع التوصية بإعادة قراءة النشرتين (أمس واليوم) بعد قراءته مكتملا.

والعين‏ ‏المهزوزَةْ‏ ‏الخايفة‏ ‏الحرامِيَّة‏،‏

زى ‏الكلب‏ ‏السارق‏ ‏عضمةْ‏:‏

بتبص‏ ‏لْتحتْ ‏وساعاتْ‏ ‏للجنبْ‏.‏

وساعات‏ ‏بتبّرق‏ ‏وتبحلقْ‏، ‏وتبُصّ‏ ‏لفوق‏.‏

أجرى ‏وراهَا‏ ‏قبل‏ ‏ما‏ ‏توْصلْ‏ ‏شُراّعةِ‏ ‏البابْ‏، ‏أو‏ ‏تحت‏ ‏دولا‏ْبْ.‏

وساعاتْ‏ ‏تِتْرَقّصْ‏ ‏وبياضها‏ ‏يغطّى ‏سوادْهَا‏،‏

وكأنه‏ ‏بيخبِّى ‏بريئة‏ْ ‏واتَّهمُوهَا‏:‏

‏ ‏قَرِّت‏ ‏بالذنبْ‏.،   ‏

من‏ ‏غير‏ ‏ولا‏ ‏ذنب‏ْْ. ‏

بيقولوا‏ ‏ظبطوها‏ ‏بتتسوّل‏: ‏فضلات‏ ‏الحُبْ‏.‏

‏(2)‏

وارجع‏ ‏ابصَّلها‏  ‏تنُط‏ْْ،‏

‏وتْفُـطْ‏.‏

كمَا‏ ‏طفل‏ ‏على ‏سِلـّم‏ ‏تُـرُمَاىْ،‏

‏         ‏بيْبِيع‏ ‏كبريت‏ْ ‏أو‏ ‏باغة‏ْْ،‏

أو‏ ‏إيده‏ ‏خفيفةْ‏، ‏عالسَّاعة‏ ‏والولاّعةْ‏.‏

‏ ‏يخطف‏ ‏وينطْ‏.‏

‏(3)‏

وان‏ْْ ‏قلت‏ ‏يا‏ ‏بنتى ‏ذنبك‏ ‏إيه‏؟

بتقول‏ ‏والدِّمعة‏ ‏يا‏ ‏دوبْ‏ ‏حاتبان‏:‏

عايزاكمْ‏.. ‏مِش‏ ‏عايزاكمْ‏.‏

باسْتَخْوِنـْكُم‏، ‏وباجِيـكُمْ‏.‏

وباخَـافْ‏ ‏مِالْقُـربْ‏.‏

‏ ‏وما‏ ‏طـِيقْـشىِ ‏البُعـد‏.‏

وباخافْ‏ ‏لو‏ ‏عِينى ‏جت‏ ‏فى ‏عْـنينْ‏ ‏مِش‏ “‏هيـّهْ”،‏

وباخاف‏ ‏أكترْ‏ ‏لوْ‏ ‏طِلعتْ‏ “‏هـِيّـه‏ْ”.‏

‏(4)‏

غطونى ‏كويس‏،  ‏خلونى ‏بعيد‏، ‏

لاتْبَعْزقْ‏.‏

‏(5)‏

أنـا‏ ‏تذكرتى ‏بلكونْ‏،

‏وراح‏ ‏”اتفرّجٍ”‏ ‏للصبح‏.‏

‏……‏بـِفْـلوسِى‏.‏

وبعد

هذه النهاية، كما فى كثير من النهايات لم تحدث هكذا تماما فى علاج المواجهة، وإنما هى تعرية صريحة نتيجة للتقمص شعراً، بما نأمل معه أن يكون العلاج حريصا على تجنبها بتقنياته القادرة.

[1] – بما أن المتن بالعامية، وبما أن العامية لغة كاملة، وبما أن اللفظ هنا يؤدى المراد، بلا بديل ، فقد أثبته ما هو حتى أتجنب تشويه الخبرة أو اختزال الموقف، آملا أن يفتح الله على رجال مجمع اللغة العربية فيدخلونه إلى الفصحى، دون تشويه أو ترجمة .

[2] – هذه الكلمة بحثها الأبن الزميل د. إيهاب الخراط ترجمة لكلمة empathy  التى تفترق عن كلمة Sympathy ولم تدخل الكلمة الجديدة empathy الانجليزية إلا فى الاربعينيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *