الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الصحة النفسية والتطور الفردى وعصر المعلومات

الصحة النفسية والتطور الفردى وعصر المعلومات

“نشرة” الإنسان والتطور

20-1-2008

العدد: 142

 الصحة النفسية والتطور الفردى وعصر المعلومات

مع النقلة التى أعايشها حاليا فى محاولة التفكير فالحديث بلغة النبض والحركة، بعد أن عشت ردحا من الزمن أتكلم بلغة التصنيف والتوصيف، اكتشفت أن هذه اللغة الأخيرة بها قدر ليس قليلا من الإغراء  بالتسكين الجامع المانع، يخيل إلىّ أننى استطعت مؤخرا  أن أتقدم خطوة أعمق جعلتنى أفهم الفطرة باعتبارها حركة لها قانونها، وليست مفهوما له أبعاده، موجز ما قلته مؤخرا فى الفطرة هنا  فى النشرة كان كمايلى:

الفطرة ”  “… ليست “شيئا محددا” أو “مفهوما ساكنا”………”… هى “حركة فى اتجاهها ..”  “…. هى “كلٌّ” مشتمل، بحيث تحوى أجزاءَها،  ولكنها لا تحل محل أىٍّ من أجزائها…”  “….يظل الحلم هو الواقع الأكثر تمثيلا للفطرة باعتبار فرط نشاط حركيته التشكيلية، ورحابة مساحة حركته الحرة…”  “…حين ينفصل جزء من الفطرة عن شمولية تواجدها- ينفصل بتواتر منظم أو عشوائى- وهو أمر لازم لتواصل حركية النمو، هذا الجزء إنما ينفصل ليتصل – مع حركية الفطرة فى اتجاهها باعتبارها حركة وليست كيانا له ما يميزه بذاته- ليتبادل مع سائر الأجزاء، ثم يتضفـّر، ثم يتجادل، (دون ثبات أو تكرار حرفى)، فهو النمو الممتد، حتى لو لم أعرفه، وليست مفهوما ساكنا أو جاهزا.

كما ساعدتنى هذه النقلة فى طريقة تفكيرى  أن أتعامل مع حركية المتناقضات بطريقة أكثر تقبلا وتنوعا من مجرد لصقهم بجوار بعضهم ، وقد ميزت هذه الحركات كما وصلتنى فى نشرة سابقة يومية 13-1-2007 ” الثقة والتخوين وحركية النمو (1) على الوجه التالى:

الحركة  “الذاهبة العائدة – الدخول الخروج”، (To-and-Fro  & In-and-out Movement)  

الحركة “الاستقطابية التكاملية  المحيطة(Containment Polarization Integrative  Movement )

الحركة  “الإيقاعية الحيوى (Biorhythmic  Movement)

الحركة  “الجدلية التكامليةIntegrative Synthetic Movement

حين عدت أراجع فروضى المتعاقبة لتعريف وتوصيف الصحة النفسية، اكتشفت أن بعد الحركة كان موجودا منذ البداية ، ولكن بشكل متباعد متواضع، وذلك فى النقلات بين مستويات الصحة النفسية (المستوى الدفاعى، فالمستوى البصيرى، فالمستوى الإبداعى) حيرة طبيب نفسى وقد بدت لى فى ذلك الحين أن النقلات ثلاثة أساسا، وأن المواصفات التى نقيس بها التوازن فى كل مستوى تعتمد على نوعية وهيراركية ترتيب المحكات الشائعة لوصف الصحة النفسية وهى العمل،والتكيف، والرضا 

(وقد فضلت أن ألحق شكلا وجدولا بالهامش يشير إلى هذا وذاك، حتى لا أقطع سياق ما أقدمه اليوم).

وفى مراجعتى المتكررة لهذا وذاك ، ومع نمو تصالحى مع بعد الحركة الإيقاعية والجدلية بوجه خاص، رحت أكتشف ما فى هذا الفرض الباكر من قصور ، لعل أهمها مظنة تصنيف البشر إلى أعلى (المستوى الإبداعى من التوازن) ، وأدنى (المستوى الدفاعى من التوازن)

ومع انتباهى منذ البداية لهذا المأخذ، وبرغم دفاعى عنه بأن الباب مفتوح لكل البشر للعبور من الأدنى إلى الأعلى، إلا أن الدفاع كان ناقصا بشكل ما.

أيضا اكتشفت ضمن المراجعة أن هذا الفرض الباكر اهتم بفكرة “التوازن” كعلامة مميزة ، وربما وحيدة، لتحديد ما هو صحة نفسية، صحيح أنه احترم عدم التوازن باعتبار أنه مرحلة ضرورية نحو التوازن (أزمة نمو)، ولكن ليس باعتباره توازنا فى ذاته من نوع آخر،

 فى فكرى الأخير المرتبط أكثر فأكثر بحركية النمو والإبداع، اكتشفت أيضا أن عدم التوازن ليس قاصرا على النقلة بين هذه المستويات الثلاثة، وإنما هو وارد فى كثير من النظريات الأخرى بأسماء مختلفة، مثلا فى  النقلات الثمان لإريك إريكسون (ثمان عصور للإنسان)، والتى كنت بدأت فى الإشارة إليها، ووعدت بالعودة.يومية 13-1-2007 ” الثقة والتخوين وحركية النمو (1)

وحين انتهيت إلى إمكانية تطبيق نفس فكرة التتابع الإيقاعى بين التوازن واللاتوازن فى تكامل نامٍ وفى مدى زمن أقصر، وصلت الرؤية إلى الجمع بين تمازج النمو مع حركية النوم والحلم واليقظة، ليصبح نوم حركة العين السريعة “ريم” REM أى النوم الحالم هو “عدم التوازن الخلاق” (3)، ولا يكون عدم التوازن خلاقا إلا إذا انتهى نهاية مفتوحة، أى تجاوز لعبة الدائرة المغلقة، وإعادة النص (اسكريبت).

الفرض:

الفرض المطروح اليوم هو نقلة أخرى فى فكرى، أطرحه كما يلى :

“الصحة النفسية هى سلامة وكفاءة حركية النمو المتنوعة، حول محور الإيقاع الحيوى الفاعل المضطرد، نحو غاية مفتوحة النهاية على أرض الواقع المحيط المختلف والممتد”

ولما كان إنسان اليوم يعيش فى عصر نسميه عصر المعلومات فإن التأكيد على حركية النمو دون النظر فيما يجرى بتسارع هائل فى مجال فيض المعلومات جنبا إلى جنب مع تسارع التوصيل والتواصل، يصبح قاصرا.

الإيقاع الحيوى والصحة النفسية

فكرة‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏ ‏الأساسية‏ ‏أنه‏ ‏يمكن‏ ‏اعتبار‏ ‏أن‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏تتوقف‏ ‏على ‏مدى ‏هارمونية‏ ‏وسلامة‏ ‏هذا‏ ‏التزاوج‏ ‏فى‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى ‏على ‏مستوياته‏ ‏المختلفة‏ ‏وبين‏ ‏ ‏المتحقق‏ ‏فى ‏النمو‏ ‏ ‏على ‏مسار‏ ‏تطور‏ ‏الفرد‏ ‏طول‏ ‏حياته‏، ‏وفيما‏ ‏يلى ‏خطوط الفرض‏ ‏العامة‏‏:‏

‏ ‏تتحقق‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏إذا‏ ‏توفر‏ ‏ما‏ ‏يلى:‏

‏1- ‏أن‏ ‏يستمر‏ ‏النمو‏ ‏طول‏ ‏العمر‏ ‏فى ‏تناوب‏ ‏نابض‏ ‏بين‏ ‏الاستيعاب‏ ‏والبسط‏، ‏وكل‏ ‏مرحلة‏ ‏تحقق‏ ‏توازناتها‏ ‏بخصائصها‏ ‏الخاصة‏ ‏تماما‏. ‏معنى ‏ذلك‏ ‏أنها‏ ‏ليست‏ ‏فقط‏ ‏مراحل‏ ‏عمرية‏ ‏يتلو‏ ‏بعضها‏ ‏بعضا‏، ‏وإنما‏ ‏هى ‏مراحل‏ ‏متكررة‏ ‏مادام‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى ‏- الحياة – مستمرا‏.‏

‏2- ‏أن‏ ‏تُحقِّق‏ ‏كل‏ ‏خطوة‏ (‏وأحيانا‏ ‏لحظة‏) (4) ‏من‏ ‏خطوات‏ ‏النمو‏ ‏توازنها‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏كفاءة‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى ‏المنتظم‏ ‏المستمر‏. ‏

‏3- ‏أن‏ ‏تعمل‏ ‏وظائف‏ ‏المخ‏ ‏وفقا‏ ‏لسلامة‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى ‏متناوبة‏ ‏مع‏ ‏بعضها‏ ‏البعض‏، ‏ومع‏ ‏نبضات‏ ‏النمو‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏الملء‏ (‏فعلنة‏ ‏المعلومات‏)، ‏والإبداع‏ (‏بمعناه‏ ‏العام‏ ‏للشخص‏ ‏العادى) (يومية 29-9-2007 إبداع الشخص العادى) ‏وأبسط‏ ‏مثال‏ ‏لهذا‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى ‏هو‏ ‏كفاءة‏ ‏دورات‏ ‏النوم‏/‏اليقظة‏ ، ودورات الحلم‏ /‏اللاحلم‏، ‏فى ‏أداء‏ ‏وظائفها‏ ‏الإراحية‏ ‏والتنظيمية‏ ‏والتعليمية‏ ‏معا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏العملية‏ ‏العادية‏ ‏اليوماوية‏ (‏السركادية‏) (5)

‏4- ‏أن‏ ‏يكتسب‏ ‏الفرد‏ ‏مع‏ ‏كل‏ ‏نبضة‏ ‏حيوية‏ ‏من‏ ‏نبضات‏ ‏المخ‏ ‏قدرات‏ ‏أعلى ‏تمكنه‏ ‏من‏ ‏التعامل‏ ‏بكفاءة‏ ‏مع‏ ‏موضوعات‏ ‏الواقع‏ ‏الحقيقية‏ ‏من‏ ‏حوله‏. ‏

‏5- ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏يعنى ‏أنه‏ ‏بمزيد‏ ‏من‏ ‏اكتساب‏ ‏هذه‏ ‏الكفاءة‏ ‏التكيفية‏ ‏التى ‏تزداد‏ ‏وعيا‏ ‏باستمرار‏، ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يستغنى الشخص ‏أكثر‏ ‏فأكثر‏ ‏عن‏ ‏الإفراط‏ ‏فى ‏استعمال‏ ‏الحيل‏ ‏النفسية‏ ‏العامِيـَةْ‏ ‏لتتقدم‏ ‏نحو‏ ‏مزيد‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏. ‏وهكذا‏ ‏يتزواج‏ ‏الفرض‏ ‏الباكر‏ ‏مع‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏ ‏الأخيرمع‏ ‏اختلاف‏ ‏وحدة‏ ‏الزمن‏.‏

‏6- ‏أن‏ ‏يتعامل الفرد‏ ‏مع‏ ‏كل‏ ‏طور‏ ‏من‏ ‏أطوار‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى ‏بما‏ ‏يناسبه‏ ‏من‏ ‏قواعد‏ ‏ومواصفات‏. ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏يعنى ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏الفرد‏ ‏مستعدا لتلقى ‏المعلومات‏ ‏برحابة‏ ‏تناسب‏ ‏طور‏ ‏الملء‏ ‏فى ‏النبضة‏ ‏الحيوية‏، ‏وأن‏ ‏يكون‏ ‏قادرا‏ ‏على ‏إعادة‏ ‏التنظيم‏ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏البسط‏ ‏من‏ ‏نفس‏ ‏النبضة‏، ‏وهكذا‏.‏

‏7- ‏إن‏ ‏ذلك‏ ‏يستتبعه‏ ‏امتداد‏  ‏التناغم‏ ‏مع‏ ‏دوائر‏ ‏أوسع‏ ‏فأوسع‏ ‏من‏ ‏دوائر‏ ‏الوجود‏، ‏بدءا‏ ‏بمجتمعه‏ ‏الأصغر‏، ‏أسرته‏ ‏الصغيرة‏، ‏امتدادا‏ ‏إلى ‏المجتمع‏ ‏الكبير‏، ‏ثم‏ ‏مع‏ ‏سائر‏ ‏البشر‏ ‏حتى ‏التناغم‏ ‏مع‏ ‏دورات‏ ‏الكون‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏التناغم‏ ‏الإيمانى ‏أو‏ ‏ما‏ ‏شابه‏. ‏شرط‏ ‏ألا‏ ‏تتجاوز‏ ‏الدوائر‏ ‏الأبعد‏ ‏تلك‏ ‏الأقرب، وأن يتم ذلك‏ ‏على ‏أرض‏ ‏الواقع‏.‏

خلاصة‏ ‏القول‏:‏

إن‏ ‏الشخص‏ ‏السليم‏ ‏نفسيا‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏لديه‏ ‏القدرة‏ ‏على ‏أن‏ ‏يعيد‏ ‏تنظيم‏ ‏ذاته‏، ‏سلوكيا‏ ‏وبيولوجيا‏، ‏وكذلك‏ ‏تنظيم‏ ‏المعلومات‏ ‏التى ‏يتحصل‏ ‏عليها‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى ‏المنتظم‏. ‏وهذا‏ ‏يتم‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏كفاءة‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى ‏الجارى ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏دون‏ ‏انقطاع‏، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏أشرنا إليه‏ ‏بشأن‏ ‏كفاءة‏ ‏دورات‏ ‏النوم‏ /‏الحلم‏/ ‏اليقظة‏، ‏وكذلك‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏نشاطات‏ ‏الإبدا‏ ‏ع‏ ‏الإدراكى، ‏والإبداع‏ ‏السلوكى ‏المنتج‏ ، ‏ثم‏ ‏إبداع‏ ‏الذات‏ ‏المستمر‏ ‏باستمرار‏ ‏التناوب‏ ‏الناجح‏ ‏مع‏ ‏النبض‏ ‏الحيوى.‏

الصحة النفسية وعصر المعلومات :

كيف يمكن تحقيق بعض ذلك فى عصر المعلومات؟

ماذا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يقال‏ ‏عن‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏فى ‏ظروف‏ ‏العصر‏ ‏الجديدة‏؟

 ‏لقد‏ ‏شبعنا‏ ‏حديثا‏ ‏عن‏ ‏مسائل‏ ‏التوتر‏، ‏والقلق‏، وقلتهما، ‏وعن أثر السرعة‏، ‏والضغوط‏، ‏وكلام‏ ‏كثير‏ من هذا ‏معاد‏ ونمطى، ‏وصحيح‏ بعضهُ، ‏لكنه‏ ‏أبدا‏ ‏لا‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏مستوى‏ ‏المواجهة‏ ‏التى ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نتحمل‏ ‏مسئوليتها‏ ‏أمام‏ ‏ضمائرنا‏ ‏باعتبارنا‏ ‏بشرا‏ ‏نعيش‏ ‏معا‏ ‏سنة‏ 2008، ‏ومطلوب‏ ‏منا‏ ‏الآن‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏أى‏ ‏وقت‏ ‏مضى‏ ‏أن‏ ‏نساهم‏ ‏فى‏ ‏صناعة‏ ‏التاريخ‏ ‏بوعى ‏قادر‏ ‏وإلا‏ ….‏

والسؤال‏ ‏الصدمة‏ ‏الذى يتردد عموما، وفى هذه اليومية بشكل خاص‏ ‏يقول‏:‏

هل‏ ‏الإنسان‏ ‏معرض‏ ‏للانقراض؟

والاجابة‏ ‏المسئولة‏ ‏هى:‏

نعم‏ !!‏

هذه‏ ‏هى ‏الصيحة‏ ‏الحقيقية‏ ‏التى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏موضوع‏ ‏ ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏، ‏وهى ‏الصيحة‏ ‏المختصرة‏ ‏والخطيرة‏ ‏فى ‏آن‏، ‏وهى ‏التى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تساهم‏ ‏فى ‏المسيرة‏ فعلا‏. ‏

 ‏أقول‏ ‏إن‏ ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏وقد‏ ‏غمره‏ ‏فيضان‏ ‏المعلومات‏ ‏قد‏ ‏أصبح‏ ‏فى ‏حاجة‏ ‏إلى ‏إعادة‏ ‏صياغة‏ ‏وجوده‏ ‏من‏ ‏الأساس‏.‏

 ‏لم‏ ‏تعد‏ ‏المسألة‏ ‏مسألة‏ ‏توازن‏ ‏داخلي‏، ‏وتكيف‏ ‏خارجى.

 ‏لم‏ ‏تعد‏ ‏المسألة‏ ‏إنجاز‏ ‏عمل‏ ‏أو‏ ‏تحقيق‏ ‏منفعة‏.‏

لم‏ ‏تعد‏ ‏المسألة‏ ‏شكوى ‏من‏ ‏ألم‏ ‏نفسى‏ ‏أو‏ ‏قلة‏ ‏فى ‏راحة‏ ‏البال‏ ‏تصل‏ ‏إلى ‏حد‏ ‏الرخاوة‏ ‏المسماة‏ ‏الرفاهية‏.‏

الإشكالة‏ ‏الحديثة‏ ‏التى ‏تواجه‏ ‏إنسان‏ ‏العصر‏ ‏لتحقيق‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏هى ‏إشكالة‏ ‏جوهرية‏ ‏تبدأ‏ ‏بحاجته‏ ‏للتعرّف على‏ ‏معنى ‏لوجود‏ ‏الفرد‏ ‏البشرى ‏فى ‏الظروف‏ ‏الجديدة‏، ‏وكذلك‏ على ‏هدف‏ ‏لاستمراره‏، ‏وسبل‏ ‏بقائه‏، ‏وكل‏ ‏هذا‏ ‏أصبح‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏شكل‏ ‏آخر‏ ‏من‏ ‏الوعى، ‏وشكل‏ ‏آخر‏ ‏من‏ ‏العلاقات‏، ‏وشكل‏ ‏آخر‏ ‏من‏ ‏الانتاج‏، ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏بمقياس‏ ‏الذى ‏يجرى ‏الآن‏ ‏إنما‏ ‏تتحقق‏:‏

‏ ‏ليس‏ ‏بدرجة‏ ‏التوازن‏ ‏الآمن‏، ‏وإنما‏ ‏بدرجة‏ ‏التناسق‏ ‏الحركى ‏المناسب‏،‏

‏ ‏وهى ‏لا‏ ‏تتحقق‏ ‏بالخلو‏ ‏من‏ ‏الأعراض‏، ‏وإنما‏ ‏بالقدرة‏ ‏على ‏استيعاب‏ ‏معنى ‏الأعراض‏ ‏لإعادة‏ ‏تشكيلها‏ ‏فى ‏قوة‏ ‏دفع‏ ‏جديدة‏.‏

وهى ‏لا‏ ‏تتحقق‏ ‏بالسكون‏ ‏الآمن‏، ‏وإنما‏ ‏بالحركة‏ ‏المتعددة‏ ‏التوجه‏ والمتعددة الأنواع يومية 13-1-2007 ” الثقة والتخوين وحركية النمو (1)

‏* * *‏

معالم الصحة النفسية المعاصرة : رؤوس مواضيع:

فيما‏ ‏يلى ‏رؤوس‏ ‏مواضيع‏ ‏تمثل‏ ‏المواقف‏، ‏والقيم‏ ‏، والمحكّات‏ ‏التى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نعيد‏ ‏من‏ ‏خلالها‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏لإنسان‏ ‏عصر‏ ‏المعلومات، وهى تقدم بإيجاز شديد، يجعلها بمثابة رؤوس مواضيع تحتاج لعودة وعودة‏.‏

أولا‏: ‏

يكون‏ ‏الانسان‏  ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يوفق‏ ‏بين‏ ‏تلقى ‏المعلومات‏ ‏على ‏وفرتها‏ ‏الآن‏ ‏وبين‏ ‏تأجيل‏ ‏القفز‏ ‏إلى ‏تسطيح‏ ‏العلاقات‏ ‏بينها‏، ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏مناسبا‏ ‏أن‏ ‏نفكر‏ ‏بالطريقة‏ ‏الخطية‏ ‏السببية‏: ‏السبب‏ (‏واحد‏) ‏يؤدى ‏إلى ‏النتيجة‏ (‏واحد‏) – ‏هذا‏ ‏لا‏ ‏يحقق‏ ‏الصحة‏ ‏النفسية‏ ‏لأى تركيب إنسانى بدائى أو ناضج‏، ‏وإنما‏ ‏تتحقق‏ ‏الصحة‏ ‏الآن‏:

 ‏بالقدرة‏ ‏على ‏تلقى ‏عشرات‏ ‏المتغيرات‏ ‏المرتبطة‏ ‏بعشرات‏ ‏النتائج‏

ثم‏ ‏يتحمل‏ ‏الإنسان‏ ‏العادى – ‏بقدراته‏ ‏الجديدة‏ – ‏استيعاب‏ ‏حركية‏ ‏هذه‏ ‏العلاقات‏ ‏معا‏،

 ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏مع‏ ‏استمرار‏ ‏الفعل‏ ‏المنتج‏ ‏اليومى ‏البسيط‏!‏

ثانيا‏: ‏

يكون‏ ‏الانسان‏ ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يتعلم‏ ‏أن‏ ‏يحب‏ ‏نفسه‏ ‏بالمعنى ‏الجديد‏ ‏للحب‏، ‏الذى ‏يشمل‏: ولو جزئيا ‏المسئولية‏ عن تحريك ذلك إليهم، أى أن‏ ‏يصب‏ ‏هذا‏ ‏الحب‏ ‏لنفسه‏ ‏فى ‏خير‏ ‏الناس‏ ‏دون‏ ‏إدعاء‏ ‏فروسية‏ ‏العطاء‏ ‏أو‏ ‏زعم‏ ‏التضحية‏،

‏إنه‏ ‏الذكاء‏ ‏الجديد‏ ‏الذى ‏يجعل‏ ‏المصلحة‏ ‏البادئة‏ ‏بالذات‏ ‏هى ‏هى ‏المصلحة‏ ‏التى ‏تعود‏ ‏على ‏المجموع‏.‏

ثالثا‏:

‏يكون‏ ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يحافظ‏ ‏على ‏مرونة‏ ‏الحركة‏ ‏بينه‏ ‏وبين‏ ‏الناس‏، ‏وبينه‏ ‏وبين‏ ‏الموضوع‏، ‏وليس‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يقترب‏ ‏من‏ ‏الآخرين‏ ‏بزعم‏ ‏التفانى ‏فيهم‏ ‏أو‏ ‏حبهم‏ ‏أو‏ ‏الحاجة‏ ‏إليهم‏، ‏ومرونة‏ ‏الحركة‏ ‏تفرضها‏ ‏وفرة‏ ‏المعلومات‏ ‏الحديثة‏، ‏إذ‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏الإنسان‏ ‏أن‏ ‏يحيط‏ ‏بهذه‏ ‏المعلومات‏  – ‏باعتبارها‏ ‏مثيرات‏ ‏موضوعية‏ – ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏كانت “المرونة‏” ‏وليس‏ ‏الاقتراب‏ ‏هى ‏القيمة‏ ‏التى ‏تحدد‏ ‏نوع‏ ‏الادراك‏ ‏وحيوية‏ ‏المسافة‏.‏

رابعا‏: ‏

يكون‏ ‏الإنسان‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بقدر‏ ‏المساحة‏ ‏التى ‏يتحرك‏ ‏فيها‏، ‏وليس‏ ‏بقدر‏ ‏الإنجاز‏ ‏الذى ‏يحققه‏ ‏منفصلا‏ ‏عنه‏، ‏وهذه‏ ‏المساحة‏ ‏متصلة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏بمرونة‏ ‏الحركة‏، ‏ومتصلة‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى ‏بتحمل‏ ‏وفرة‏ ‏المعلومات‏ ‏لدرجة‏ ‏تسمح‏ ‏بالحركة‏ ‏منها‏ ‏وبها‏، ‏لا‏ ‏بالغرق‏ ‏تحتها‏ ‏أو‏ ‏بإنكارها‏.‏

وهذا‏ ‏كله‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏تغيير‏ ‏جذرى ‏فى ‏طرق‏ ‏التعليم‏، ‏وتنمية‏ ‏الخيال‏ ‏فى ‏الواقع‏ ‏اليومي‏، ‏وتنظيم‏ ‏العلاقات‏ ‏بشكل‏ ‏حيوى ‏متجدد‏.‏

خامسا‏:

‏يكون‏ ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بحسب‏ ‏قدرته‏ ‏على ‏مواجهة‏ ‏قضايا‏ ‏التلوث‏، ‏والحديث‏ ‏الجارى ‏الآن‏ ‏يغلب‏ ‏عليه‏ ‏مفهوم‏ ‏تلوث‏ ‏البيئة‏، ‏بالمخلفات‏، ‏والعادم‏ ‏وما‏ ‏شابه‏، ‏ولا‏ ‏يجرى ‏الحديث‏ ‏بقدر‏ ‏مناسب‏ ‏أو‏ ‏كاف‏ ‏عن‏ ‏تلوث‏ ‏الوعى، ‏مع‏ ‏أن‏ ‏ملوثات‏ ‏الوعى ‏الحديث‏ ‏كثيرة‏، ‏ومرعبة‏، ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏أية ‏معلومة‏ ‏تقتصر‏ ‏على ‏مخاطبة‏ ‏مستوى ‏من‏ ‏الوعى ‏دون‏ ‏الآخر‏، ‏هى ‏معلومة‏ ‏كالجسم‏ ‏الغريب‏، ‏وهى ‏ملوثة‏ ‏لأنها‏ ‏معوقة‏ ‏للتناغم‏، ‏أو‏ ‏مخدرة‏ ‏وليست‏ ‏مفجِّرة‏.‏

سادسا‏: ‏

يكون‏ ‏الإنسان‏  ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بقدر‏ ‏حركته‏ ‏فى “‏الزمن‏” ‏بالمعنى ‏الآنى ‏والموضوعى ‏والممتد‏ “معا‏”، ‏والامتداد‏ ‏هنا‏ ‏ليس‏ ‏بمعنى ‏التأجيل‏ ‏الآمل‏، ‏أو‏ ‏الخيال‏ ‏المحتمل‏، ‏وإنما‏ ‏بمعنى أن تصبح حركية الزمن (لا مجرد مُرورِه) جزءًا من وجوده، فيصبح ‏حرَّا نسبيا فى‏ ‏التعامل‏ ‏مع‏ ‏الزمن‏ ‏ذهابا‏ ‏وجيئة‏، ‏وعلى ‏مستويات‏ ‏مختلفة‏،‏وهذه‏ ‏قيمة‏ ‏لم‏ ‏تعد‏ ‏خاصة‏ ‏بموجة‏ ‏حديثة‏ ‏فى ‏الأدب‏ ‏أو‏ ‏الإبداع‏ ‏وإنما‏ ‏هى ‏قيمة‏ ‏تصف‏ – ‏أو‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏تصف‏ – ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏الذى ‏أصبح‏ ‏قادرا‏ ‏على ‏أن‏ ‏يرصد‏ ‏ويتحرك‏ ‏فى ‏الكون‏ ‏الأبعد‏، ‏فيرحل‏ ‏إلى ‏القمر‏ ‏ويخاطب‏ ‏المريخ‏ ‏ويرصد‏ ‏المشترى‏، ‏والمتوقع أن يتناسب ذلك ‏مع‏ ‏قدرة‏ ‏مماثلة‏ ‏للتحرك‏ ‏فى ‏طبقات‏ ‏الوعى (‏دون‏ ‏تحليل‏ ‏تفسيرى ‏أو‏ ‏فك‏ ‏عقلانى ‏للرموز‏) ‏وهذه‏ ‏الحركة‏ ‏فى ‏طبقات‏ ‏الوعى ‏هى ‏البعد‏ ‏العرضى ‏لطبقات‏ ‏الزمن‏ ‏التى ‏كنا‏ ‏نتصور‏ ‏أنها‏ ‏ماض‏ ‏وحاضر‏ ‏ومستقبل‏، ‏ثم‏ ‏ها‏ ‏نحن‏ ‏نستقبلها‏ ‏جميعا‏ ‏فى ‏واقع‏ ‏الحال‏ ‏مع‏ ‏اختلاف‏ ‏بعد‏ ‏المسافة‏ ‏والمساحة‏.‏

سابعا‏: ‏

يكون‏ ‏الانسان‏ ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يصبح‏ ‏الجنون‏ ‏جزءا‏ ‏من‏ ‏وجوده‏، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏لا‏ ‏ينفصل‏ ‏عن‏ ‏كل‏ ‏الوجود‏ ‏ليقوده‏ ‏إلى ‏التناثر‏ ‏أو‏ ‏التدهور‏، ‏حين‏ ‏يحدث‏ ‏ذلك‏ ‏نكتمل‏ ‏به‏ – ‏بجنوننا‏ – ‏فى ‏نفس‏ ‏اللحظة‏  ‏التى ‏ننتصر‏ ‏فيها‏ ‏عليه‏، ‏وهكذا‏ ‏فإن‏ ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏الصحيح‏ ‏إنما‏ ‏يكون‏ ‏صحيحا‏ ‏ليس‏ ‏بفرط‏ ‏التعقل‏ ‏وإحكام‏ ‏ضبط‏ ‏الداخل‏، ‏وإنما‏ ‏بحجم‏ ‏التكامل‏ ‏والسماح‏ ‏والتناوب‏ ‏المرن‏ ‏والامتداد‏ ‏المتعدد‏ ‏الحلقات‏.‏

ثامنا‏: ‏

يكون‏ ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يصاحب‏ ‏الموت‏ ‏الواقع‏ ‏حالا‏ ‏فى ‏داخله‏، ‏فالموت‏  – ‏بالمفهوم‏ ‏الأحدث‏ – ‏ليس‏ ‏سلبا‏‏، ‏وليس‏ ‏نهاية‏ ‏مغلقة‏، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏حقيقة‏ ‏موضوعية‏ ‏آنية‏، ‏وحتمية‏، ‏وحين‏ ‏تتضح‏ ‏هذه‏ ‏الحقيقة‏ ‏فى ‏وعى ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏بنفس‏ ‏درجة‏  ‏وضوح‏ ‏الحياة‏، ‏ووضوح‏ ‏الإنجاز‏ ‏المادى ‏المحدد‏، ‏ووضوح‏ ‏القوة‏ ‏السلطة‏، ‏حين‏ ‏يحدث‏ ‏ذلك‏، ‏تحضر‏ ‏ظاهرة‏ ‏الموت‏ ‏فى ‏حجمها‏ ‏الموضوعى ‏فى ‏بؤرة‏ ‏الوعى ‏مما‏ ‏يعطى ‏لكل‏ ‏هذه‏ ‏القيم‏ ‏معنى ‏آخر‏ ‏أقوى ‏وأبقيى، ‏مما‏ ‏يجعل‏ ‏قوة‏ ‏الحياة‏ ‏قادرة‏ ‏على ‏الانتصار‏ ‏المتكامل‏ ‏ما‏ ‏استمرت‏ ‏الحركة‏ ‏المبدعة‏.‏

فالإنسان‏ – ‏المعاصر‏ – ‏ومع‏ ‏تحقيق‏ ‏وجوده‏ ‏بقدرته‏ ‏على ‏الإحاطة‏ ‏بالمعلومات‏ ‏الموضوعية‏ ‏المعاصرة‏ ‏لا‏ ‏يكتمل‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏أدرك‏ ‏وعايش‏ ‏كلا‏ ‏من‏ ‏الموت‏ ‏الشخصى. ‏والانقراض المحتمل ‏لأفراد‏ ‏النوع‏، ‏بحجمه‏ ‏الموضوعى ‏فى ‏مكانه‏ ‏المناسب‏ ‏من‏ ‏الوعى ‏الآنى.‏

تاسعا‏: ‏

يكون‏ ‏الانسان‏ ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يتمكن‏ ‏من‏ ‏الحفاظ‏ ‏على ‏نشاطه‏ ‏الذهنى ‏ليتحمل‏ ‏مسئولية‏ ‏موسوعية‏ ‏المعرفة‏ ‏التى ‏لم‏ ‏تعد‏ ‏فى ‏حاجة‏ ‏أن‏ ‏نزحم‏ ‏بها‏ ‏أدمغتنا‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏وجدت‏ ‏لها‏ ‏مكانا‏ ‏فى ‏الأشرطة‏ ‏والاسطوانات‏ ‏المضغوطة‏ ‏والممغنطة‏  ‏بما‏ ‏يتيح‏ ‏فرصة‏ ‏حقيقية‏ ‏للعقل‏ ‏البشرى ‏أن‏ ‏يتفرغ‏ ‏لإعادة‏ ‏ترتيب‏ ‏المعلومات‏ ‏دفعا‏ ‏إلى ‏التوازن‏ ‏الخلاق‏.‏

عاشرا‏: ‏

يكون‏ ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يرعى ‏ما‏ ‏وصله‏ ‏من‏ ‏معارف‏  ‏كقاعدة‏ ‏إنطلاق‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ (‏الذين‏ ‏يؤمنون‏ ‏بالغيب‏).‏

حادى ‏عشر‏: ‏

يكون‏ ‏الإنسان‏ ‏المعاصر‏ ‏صحيحا‏ ‏نفسيا‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يتمتع‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏حرية‏ ‏واعية‏، ‏وذلك‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏أتاحت‏ ‏وسائل‏ ‏الاتصال‏ ‏فرصا‏ ‏أكبر‏ ‏لحرية‏ ‏أصدق‏، ‏وكل‏ ‏هذا‏ ‏أصبح‏ ‏تحديا‏ ‏حقيقيا‏ ‏إذ‏ ‏أنه‏ ‏يتيح‏ ‏الفرصة‏ ‏للإنسان‏ ‏العادى ‏أن‏ ‏ينتقل‏ ‏عبر‏ ‏عشرات‏ ‏الآلاف‏ ‏من‏ ‏الأميال‏ ‏باللعب‏ ‏فى ‏زر‏ ‏عن‏ ‏بعد‏، ‏فالحرية‏ ‏هنا‏ ‏أصبحت‏ ‏فرصة‏ ‏رائعة‏ ‏للتوازن‏، ‏وهى ‏أيضا‏ ‏امتحان‏ ‏خطير‏ ‏للاختيار‏، ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏هى ‏تحد‏ ‏مرعب‏ ‏لما‏ ‏يصاحبها‏ ‏من‏  ‏مسئولية، تتأكد هذه الحرية أكثر فأكثر، بعد أن أتاحت ثورة التواصل، فُرَص التخلص -ولو جزئيا- من مركزية الإعلام السلطوى وتسلطه‏.‏

وبعد

الطريق طويل فعلاً، لكننا نسير، وهل نملك غير ذلك

ملاحظة عن الصحة النفسية وتبادل حالات الوجود البشرى

فى أطروحتى عن “جدلية الجنون والإبداع” نبهت إلى أنه آن الأوان أن نكف عن تقسيم الناس إلى مبدع وغير مبدع، أو إلى عادى ومجنون، وأبنت كيف أن كل واحد دون استثناء يمكن أن يترجح بين هذه الحالات الثلاثة بشكل أو بآخر فى ظروف مختلفة، وأن هذا التبادل المحتمل، وإن كان نظريا فى الظروف العادية، إلى أن قبوله يمكن أن يغير من مفهومنا عن الجنون باعتباره شذوذا مطلقا، وعن الإبداع باعتباره نبوغا مطلقا، وعن العادية باعتبارها تسليما أو تسكينا مطلقا، مما يعطى لحركية النمو مساحة أرحب، وهذا كله يتعلق بمفهوم الصحة النفسية من منظور السماح، والمرونة، والحركية مما سوف نرجع إليه  فى تقديم مستقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *