الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الأساس: الكتاب الأول: الافتراضات الأساسية (93) الإدراك (54) اضطرابات‏ ‏الإدراك‏

الأساس: الكتاب الأول: الافتراضات الأساسية (93) الإدراك (54) اضطرابات‏ ‏الإدراك‏

نشرة “الإنسان والتطور”

17-7-2012

السنة الخامسة

العدد: 1782

 a 17-7-2012

 الأساس: الكتاب الأول: الافتراضات الأساسية (93)

 الإدراك (54)

اضطرابات‏ ‏الإدراك‏

مقدمة:

كيف يمكن بعد كل ما تقدم أن ندرس “اضطرابات الإدراك” كما اعتدنا بعد أن اتسع مفهومه هكذا؟ ثم إنه قد غمُض فى نفس الوقت، حتى كاد يختلف عن ما كنا نتعامل به معه من قبل؟

الورطة التى وجدت نفسى فيها ليس لها حل آنىّ، ولا مفر من الاستمرار فى المحاولة مع احتمالات الاستطراد والمراجعة، وأيضا التكرار أحيانا، خذ مثلا:

  • بعد أن تعرفنا على ما يسمى “العين الداخلية” حتى اقتربنا من أن نصدق أنها حقيقة ماثلة (وهى حقيقة ماثلة، ألم تلاحظ يا من تكبدت مشقة متابعتنا) كيف يمكن أن نسمى الهلوسة هلوسة ونتكلم عنها باعتبارها علامة مرضية خطيرة فى حين أننا وصلنا إلى احتمال أن تكون إحساسا آخر “بعين أخرى” لم يعتد العاديون من الناس أن يستعملوها؟
  • خذ أيضا أنه لم يعد يصح أن نتعامل مع “حالات الحياة” المتبادلة بعد أن عرّينا الاستقطاب الثنائى، وأصبحت لكلمتى “السواء” و”العادية”، أشكال وأحوال متعددة متغيرة  فإذا ما تكلمنا عن اضطراب بمعنى أنه ضد السواء، أو ضد العادية(1)، فأى سواء نعنى (فى الإدراك وغير الإدراك).

b 17-7-2012

  • كان ذلك الاستقطاب يسهل لنا الأمر، إذ كنا نعتبر ببساطة أن: “ما ليس فى عداد السواء فهو مرض”، أما إذا قبلنا فكرة أن حالات الحياة المتبادلة هى أكثر من ذلك، بدءا  بأربعة فى طيف ما اعتدنا أن نسميه السواء أو العادية، إذن، فإن كل ما ليس جنونا صريحا بلغة تعدد حالات الوجود، يمكن ألا يدرج هنا تحت عنوان “اضطرابات الإدراك”.

المأزق والمخرج

يا ترى ما هو حل هذا المأزق لنواصل تقديم ما نحاول تقديمه جديدا انطلاقا من ثقافتنا ولغتنا؟ وكيف؟

الاقتراح الذى خطر لى، والذى قد يساعدنا على المرور من هذا المأزق (إلى مأزق آخر غالبا) هو أن ألتزم بالنص القديم (سنة 1994) وكان مكتوبا بطريقة أقرب إلى التقليدية، ثم أقوم الآن  بالإضافات المناسبة كأنها شرح على المتن أو نقد أو تحديث له بما يعن لى من أى من ذلك مما يتفق مع تطور رؤيتى الحالية التى نشأت من تمادى الخبرة المحلية المرتبطة بلغتنا وثقافتنا أساسا، مع الاطلاع واتساع طيف الظاهرة.

 آمل أن ينقذ هذا المخرج الموقف فى مرحلة النشر الإلكترونى، التى نحن فيها الآن، حتى تتاح الفرصة لإعادة ترتيب كل شىء فى مرحلة النشر الورقى.

لغة واحدة، أم ثنائية اللغة

لماذا كل هذا الشعور بالنقص؟ ولماذا دفعنى زملائى الأصغر وزميلاتى إلى كتابة هذا الكتاب (الأساس فى الطب النفسى) أصلا على أن يقوموا بترجمته أولا بأول، – ولم يفعلوا ولو صفحة واحدة- ولماذا تصر ابنتى أ.د.منى الرخاوى على أن أكتب لها خبرتى فى العلاج الجمعى (وقد أصحبت عضو مجلس إدارة الجمعية العالمية لهذا العلاج) بالانجليزية، وتقول إن ذلك هو من أجل مصر،

لا أريد أن يعطلنى شىء عن أداء واجبى فيما تبقى لى، لو سمحتم.

آسف، ولكننى أحب اللغة العربية حبا جما، وأذكركم أننى أجلت النشر ثنائى اللغة حتى لا تعوقنى أو تبطئ حركتى اللغة الأخرى عن مواصلة طرح ما وصلنى من لغتى وخبرتى وثقافتى،

وهذا هو ما اتبعته تقريبا سالفا فى ما أسميته “فقه العلاقات البشرية “15-9-2010

لذلك: فقد قررت أن أثبت المتن التقليدى – تقريبا- الذى نشر فى 1994 مثلما فعلت من قبل سنة 1974 إلى 1979 فى شرح متن ديوان “سر اللعبة”، مع فارق أن المتن كان فى هذين العملين شعرا.

أو ما رأيكم أن نجعل الثلاثاء للنص العربى، والأربعاء لنفس النص بالإنجليزية؟

بصراحة، مقاومتى تزيد، فأنا لست مهتما حاليا بقارئ الإنجليزية، فليبحث عن ضالته فيما بعد من يشاء منهم

لن يعوقنى الشعور بالنقص، وعلى طالب المعرفة أن يبحث عنها (آرثر برى يقرؤكم السلام)(2)

لست متأكدا

أشعر “الآن” أننى إنما أكلم نفسى بحروف مكتوبة، ليكن:

ولكن: ربما أجد فى نشرى باللغة الإنجليزية نوعا من الرشوة لصغار زملائى لعلهم يجدوا ولو فى المتن الإنجليزى ما يطمئنهم أننى ما زلت طبيبا نفسيا تعلم بالإنجليزية، ونشر بالإنجليزية، وترقى إلى مناصب الأكاديمية بالإنجليزية، لكنه لا يعترف بأفضليتها برغم احترامه لها، على لغته الجميلة القادرة المرنة العبقرية التى جعلتنى أرى فى الإنجليزية لغة جافة مسيطرة (جميلة أحيانا طبعا).

أعتذر من جديد عن التكرار الذى قد يرد لاحقا فى ملف الإدراك ، الذى أصبح كتابا مستقلا، فهو فى النهاية ليس تكرارا بالنسبة لمن لم يقرأ ما نشر قبلا

أما من قرأ فلا بد أنه نسى ما قرأه، أو فوّته (أحسن!!)

المتن القديم 1994 (ربما لحقه تصحيح طفيف مرة أو أكثر)

اضطرابات الإدراك

أولا‏: ‏الاضطرابات‏ ‏الكـميـة‏.‏

المتن (1994)

أولاً: الاضطرابات الكمية

ثانيا‏: ‏تشويه‏ (‏اعوجاج‏) ‏الإدراك‏. ‏

ثالثا‏: ‏اضطراب‏ ‏عملية‏ ‏الإدراك‏ ‏ذاتها (خلل الوظيفة)

المتن (1):

أولا‏: ‏الاضطرابات‏ ‏الكميـــة‏:‏

‏1-‏زيادة‏ ‏حدة‏ ‏الإدراك‏ ‏

c 17-7-2012

‏ ‏قد‏ ‏تزداد‏ ‏حدة‏ ‏الأصوات‏، ‏أو‏ ‏قدرة‏ ‏الشم‏، ‏أو‏ ‏يزداد‏ ‏وضوح‏ ‏الألوان‏، ‏فيذكر‏ ‏المريض‏ -‏مثلا‏- ‏أنه‏ ‏أصبح‏ ‏يرى ‏الألوان‏ ‏أكثر‏ ‏تحديدا‏: ‏فالأخضر‏ ‏شديد‏ ‏الاخضرار‏، ‏والأبيض‏ ‏ناصع‏ ‏البياض‏، ‏وهكذا ‏يحدث‏ ‏هذا‏ ‏عادة‏ ‏فى ‏بدايات‏ ‏الاضطرابات‏ ‏الوجدانية‏ ‏الجسيمة‏، وخاصة الهوس (ثنائى القطب!!) ‏وأحيانا‏ ‏فى بداية ‏الفصام‏ ‏أو‏ ‏الذهان‏ ‏المبكر‏ عموما . ‏وأحيانا‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏القلق‏.‏

(*) لم يعتد الأطباء أن يهتموا بهذه

 الظاهرة كعرض مرضى خاص، مع انه قد يكون من أهم العلامات التى تعلن تغيرا نوعيا فى الوعى، ذلك أن ما يسميه الطبيب زيادة حدة الإدراك، قد لا يكون إلا بداية لتغير نوعى فى الوعى، فإذا تمادى المسار بعد ذلك إلى مزيد من أعراض أخرى معينة مع العلامات الدالة على المرض عُدّ عرضا، ويتوقف ما بعد ذلك على علاقة الطبيب باتساع تفهمه لماهية الإدراك وطبيعة تغيير الوعى.

على أن هذه الظاهر تتواتر فى السواء فى أحوال كثيرة وإذا تم نفى هذه الظاهرة أصلا من مجال السواء فإننا نحرم أنفسنا من رصد نقلات النمو وأحيانا إرهاصات الإبداع، إذن فليس المهم زيادة حدة الإدراك (طبعا بمعنى إدراك البينة الخارجية هنا) بقدر ما هو مهم وضع هذه الزيادة فى سياقها .

وقد يصعب التمييز بين مجرد زيادة حدة الإدراك، وما يسمى “تغير الدنيا”، Derealization شفت الدنيا متغيره، شفتها مش هيه”، “شايفها غير اللى معتادها  زمانا“، فلا يكون هنا التغير هو زيادة الحدة بوجه خاص، وإنما قد يكون مفيدا فى رصد مبدأ التغير عموما، وقد يكون له نفس الدلالات فى بداية الذهان أو ممارسة النمو أو الإبداع.

المتن (2):

‏فتور‏ ‏الإدراك‏:

 ‏يظهر فتور الإدراك‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏شعور‏ ‏بعدم‏ ‏التحديد‏ ‏أو‏ ‏الخفوت‏ (‏أو‏ ‏البهتان‏)، ‏فيذكر‏ ‏المريض‏ ‏أن‏ ‏المثيرات‏ ‏أصبحت‏ ‏باهتة‏ ‏أو‏ ‏أقل‏ ‏تحديدا‏، ‏يحدث‏ ‏هذا‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏الاكتئاب‏ ‏وبعض‏ ‏حالات‏ ‏الانشقاق‏.‏

(*) يختلف الأمر بالنسبة لضعف خبرة الإدراك بحسب المثالين الذين أشرنا إليهما حالا، الاكتئاب والانشقاق، ويختلف وصف المريض لهذا العرض بحسب التركيز على الادراك الحسى، من الادراك عامة، وهو يتجلى فى أن يشكو المريض من أنه لم يعد للاحاسيس نفس المذاق الذى كان اعتاده وأحيانا الذى كان يمتعه، ومن أهم التعبيرات التى نسمعها من مرضانا ما يلى: “الأكل بقى فى بقى زى نشاره الخشب”، ويقول الفلاح المصرى أحيانا “زى القوالح”، أو الأكل ماعادش له طعم خالص، وهذا وذاك يقربنا من عرض فقد المتعة  Anhedonia .

إن كلا‏ ‏من‏ ‏زيادة‏ ‏حدة‏ ‏الإدراك‏ ‏أو‏ ‏فتوره‏ ‏له‏ ‏علاقة‏ ‏بالشعور‏ ‏بتغير‏ ‏الكون‏ ‏الذى ‏يصل‏ ‏أحيانا‏ ‏إلى ‏مستوى ‏ضلالى‏.‏ (الدنيا غير الدنيا، باشوف الحاجات كلها متغيرة، الدنيا مش هى، حتى الأشخاص همّ همّ، بس مش همّ!!)

و‏ ‏قد‏ ‏يصل‏ ‏نقص‏ ‏حدة‏ ‏الإدراك‏ ‏تماما‏ ‏مع‏ ‏سلامة‏ ‏الحواس‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏يسمى ‏العمه‏ ‏الحسى Agnosia‏.‏

وهذا عادة عرض فى الأمراض العصبية العضوية إذا استعدنا الانشقاق الهستيرى.

المتن (3):

‏ ‏اعوجاج‏ (‏تشويه‏) ‏المدرك‏:‏

يقال‏ ‏إن‏ ‏الشكل‏ ‏أعوج‏ ‏إذا تغيرعن‏ ‏شكله‏ ‏الطبيعي‏، ‏أو‏ ‏حاد‏ ‏عن‏ ‏معناه‏ ‏المألوف‏، ‏وهذه‏ ‏الصفة‏ ‏تستعمل‏ ‏لتشير‏ ‏إلى ‏التشويه‏ ‏أو‏ ‏التغيير‏ ‏فى ‏الوحدة‏ ‏أو‏ ‏الشكل‏ .

ا‏- ‏فى ‏الشكل‏: ‏ضخامة‏ ‏أو‏ ‏ضآلة‏ ‏المدركات‏.‏

‏ ‏قد‏ ‏تبدو‏ ‏الأشياء‏ ‏أكبر‏ ‏أو‏ ‏أقل‏ ‏من‏ ‏حجمها‏ ‏الطبيعى‏، ‏ويحدث‏ ‏هذا‏ ‏فى ‏الاضطرابات‏ ‏العضوية‏، ‏وخاصة‏ ‏فى ‏الإصابات‏ ‏المتعلقة‏ ‏بالفص‏ ‏الصدغى‏، ‏وفى ‏حالات‏ ‏الهذيان‏ (‏الهتر‏) ‏وخاصة‏ ‏الهتر‏ ‏الانسحابى‏. وقد‏ ‏يعتبر‏ ‏هذا‏ ‏التغير‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ “‏الوهل‏” انظر بعد ‏وليس‏ ‏الهلوسة‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏الموضوع‏ ‏المصغر‏ ‏أو‏ ‏المكبر‏ ‏موجودا‏ ‏فى ‏متناول‏ ‏الإحساس‏. ‏حين‏ ‏يرى ‏المريض‏ ‏الأشياء‏ ‏أو‏ ‏الأشخاص‏ ‏الموجودين‏ ‏حوله‏ ‏فعلا‏، ‏أصغر‏ ‏أو‏ ‏أكبر‏. ‏وقد‏ ‏يكون‏ ‏التكبير‏ ‏أوالتصغير‏ ‏لموضوع‏ ‏غير‏ ‏موجود‏ ‏أصلا‏، ‏أى ‏فى ‏الأشكال‏ ‏الهلوسية‏.‏

(*) مع أن كبر أو صغر حجم الإدراك قد توحى بما يقابلها فى الاكتئاب (الضاّلة) والهوس (الضخامة) فإن هذا لا يحدث عادة، ربما لأنه رمز ساذج عيانى محدد المعالم، مقارنة بفتور الإدراك (الاكئتاب) أو حدته (الهوس)،

أحيانا‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏الوصف‏ ‏بأن‏ ‏العالم‏ ‏باهت‏، أو ‏أقل‏ ‏حدة‏، ‏وهو‏ ‏تجسيد‏ ‏لمعنى ‏تجريدى‏، ‏مثلا‏: ‏يحيل‏ ‏المريض‏ ‏التعبيرالمجازى “إننا‏ ‏نعيش‏ ‏فى ‏عالم‏ ‏رمادى” ‏إلى ‏خبرة‏ ‏عيانية‏، ‏فهو‏ ‏يرى ‏الدنيا‏ ‏رمادية‏ ‏فعلا‏ ‏بمعنى ‏خفوت‏ ‏حدة‏ ‏الإدراك‏ ‏حيث‏ ‏يفتر‏ ‏لون‏ ‏كل‏ ‏شئ، ‏ويختفى ‏التحديد‏، ‏وهكذا‏ ‏ينقلب‏ ‏خفوت‏ ‏الحدة‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏يسمى “التعيين‏ ‏النشط‏” Active Concretization ‏الذى ‏يقلب‏ ‏المجرد‏ ‏عيانيا‏ ‏فعلا‏، ‏وهذا‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏الهلاوس‏ ‏منه‏ ‏إلى ‏فتور‏ ‏الإدراك‏ .

17-7-2012

ب‏- ‏تشويه‏ ‏الشكل‏: ‏يدرك‏ ‏الشكل‏ ‏غير‏ ‏منتظم‏ ‏أو‏ ‏مشوه‏، ‏ويحدث‏ ‏هذا‏ ‏فى ‏الاكتئاب‏ عادة ‏نتيجة‏ ‏للاعتقاد‏ ‏باختفاء‏ ‏الجمال‏ ‏والاتساق‏، ‏كما‏ ‏يحدث‏ ‏بشكل‏ ‏مشوش‏، ‏كيفما‏ ‏اتفق‏، ‏فى ‏حالات‏ ‏الفصام‏، ‏وفى ‏الاضطرابات‏ ‏العضوية‏، ‏وأحيانا‏ ‏نتيجة‏ ‏لخلل‏ ‏فى ‏عضو‏ ‏الإحساس‏ ‏نفسه‏ (‏وخاصة‏ ‏شبكية‏ ‏العين‏ ‏إذا‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏بها‏ ‏وذمة Edema‏ ‏أو‏ ‏ندبة‏ Scar).

(*) فى الاضطراب العضوى التشريحى تصاب خلايا المخ نفسها بالتلف مما يترتب عليه أن تقوم بوظيفتها باضطراب تناسب مع موضع وحدة وظيفة هذا التلف، ومن المهم جدا للطبيب النفسى أن ينتبه إلى الأعراض المميزة لهذه الاصابات العضوبة  المباشرة وتحديد مواصفاتها ما أمكن ذلك، وأيضا البحث عن أسبابها سواء التسمم أو الحمى أو الأورام أو الصدمات الفيزيقية، لأن هذه الظاهرة تختلف اختلافا جذريا فى العلاج، وتحتم الاسراع فى إزالة الأسباب إن أمكن ذلك،

 وتزول الأعراض عادة مع زوال الأسباب،

 على أن هذا النوع من اضطراب الإدراك لا يحدث عادة فى الحالات العضوية المزمنة، لكنه يحدث، وربما يكون السبب هو أن المخ يكون قد أعيد تشكيله إمراضيا بشكل مرضى مستقر يعود معه الإدراك فى ذاته (شكلا وليس محتوى) إلى كفاءته البديلة الناقضة.

d 17-7-2012

المتن (4):

ثالثا‏: ‏اضطرابات‏ ‏العملية‏ ‏الإدراكية‏ ‏

1- ‏شق‏ (‏فصم‏) ‏الإدراك‏:‏

فى ‏الأحوال‏ ‏العادية‏ ‏يحدث‏ ‏الإدراك‏ ‏بسرعة‏ ‏فائقة‏ ‏وبشكل‏ ‏متكامل‏ ‏معا‏، ‏وحين‏ ‏يفقد‏ ‏الإدراك‏ “وحدته‏ ‏الكلية‏” التى ‏تتآلف‏ ‏من‏ ‏مختلف‏ ‏مصادر‏ ‏الإدراك‏ ‏الحسية‏، ‏أو‏ ‏حين‏ ‏تبطئ‏ ‏العلمية‏ ‏حتى ‏تصير‏ ‏فى ‏متناول‏ ‏الدراية‏، ‏تنفك‏ ‏وحدة‏ ‏العملية‏ ‏الإدراكية‏، ‏وتظهر‏ ‏مظاهر‏ ‏تفكك‏ ‏الوحدة‏ ‏فيما‏ ‏يسمى “شق‏ ‏الإدراك‏ ‏أو‏ ‏فصم‏ ‏الإدراك‏. ‏فمثلا‏ ‏ينفصل‏ ‏الإدراك‏ ‏السمعى ‏عن‏ ‏الإدراك‏ ‏البصرى ‏رغم‏ ‏صدور‏ ‏الصوت‏ ‏والصورة‏ ‏من‏ ‏نفس‏ ‏المصدر‏ (‏مثلا‏: ‏ترى ‏التلفاز‏ ‏وكأنك‏ ‏تسمع‏ ‏مذياعا‏ ‏منفصلا‏ ‏عن‏ ‏الصورة‏ ‏التى ‏تتحرك‏ فى نفس الوقت ‏وكأنك‏ ‏تشاهد‏ ‏فيلما‏ ‏صامتا‏ !!)‏

وهذه‏ ‏الـظاهرة‏ ‏تحدث‏ ‏عادة‏ ‏فى ‏الاضطرابات‏ ‏العضوية‏ أيضا (‏مثلا‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏التسمم‏ ‏بعقار‏ ‏حامض‏ ‏اليسرجك‏ 25)، ‏وأحيانا‏ ‏تعلن‏ ‏ظاهرة‏ ‏الانشقاق‏ ‏هذه‏ ‏بداية‏ ‏الانشقاق‏ ‏فى ‏الفصام‏.‏

وقد‏ ‏تتعدد‏ ‏انشقاقات‏ ‏الإدراك‏ ‏حتى ‏يتقطع‏ ‏تسلسله‏ ‏وكأنه‏ ‏يصل‏ ‏فى ‏عربات‏ ‏يجر‏ ‏بعضها‏ ‏بعضها‏ ‏ولذلك‏ ‏تسمى ‏هذه‏ ‏الظاهرة‏ “ظاهرة‏ ‏الجرجرة‏” Trailing. ‏وهى ‏تدل‏ ‏على ‏الانشقاق‏ ‏المتعدد‏ ‏والمتلاحق‏. ‏بمعنى ‏أن‏ ‏الحركة‏ ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تـدرك‏ ‏باعتبارها‏ ‏تواصلا‏ ‏غير‏ ‏مجزأ‏ ‏كما‏ ‏تظهرعلى ‏شاشة‏ ‏السينما‏ ‏والبطلة‏ ‏تسير‏ ‏أمامك‏، ‏تـدركها‏ ‏وكأنك‏ ‏تنظر‏ ‏إلى ‏الصور‏ ‏الخام‏ ‏المتجاورة‏ ‏لفيلم‏ ‏سينمائى‏.

e 17-7-2012

‏وهذه‏ ‏الظاهرة‏ ‏تدل‏ ‏على ‏بطء‏ ‏وتفسخ‏ ‏حركية‏ ‏الإدراك‏، ‏وتشاهد‏ ‏فى ‏الفصام‏ ‏المتفسخ‏، ‏وأحيانا‏ ‏فى ‏الاكتئاب‏ ‏الذهانى ‏الشديد‏، ‏وقد‏ ‏يحدث‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الفصم‏ ‏فى ‏إدراك‏ ‏سلاسة‏ ‏وتسلسل‏ ‏بعد‏’‏الزمن‏'(‏كماسيرد‏ ‏ذكره‏ ‏بعد‏). ‏وقد‏ ‏يعزى ‏ذلك‏ ‏إما‏ ‏إلى ‏تباطؤ‏ ‏شديد‏ ‏فى ‏مجرى ‏العمليات‏ ‏العقلية‏، (‏حركة‏ ‏بالسرعة‏ ‏البطيئة‏ ‏فترى ‏مجزأة‏)، ‏أو‏ ‏إلى ‏خلل‏ ‏فى ‏التركيب‏ ‏الطولى ‏نتيجة‏ ‏لفقد‏ ‏تواصل‏ ‏الواحدية‏ (‏أنظرالفصل‏ ‏الثامن‏: ‏فقد‏ ‏الواحدية‏ فى الفصام “رشاد” نشرات: 12-6-2012 ، 13-6-2012 ، 3-7-2012، 4-7-2012)، ‏وحين‏ ‏تزداد‏ ‏درجة‏ ‏الدراية‏ ‏الواعية‏ ‏أثناء‏ ‏عملية‏ ‏الإدراك‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏الإسهام‏ ‏فى ‏إبطائها‏، ‏يشكو‏ ‏المريض‏ ‏من‏ ‏صعوبة‏ ‏فى ‏التركيز‏، ‏وأحيانا‏ ‏يصل‏ ‏الأمر‏ ‏إلى ‏أنه‏ ‏يرصد‏ ‏فارقا‏ ‏زمنيا‏ ‏يعيه‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏وصول‏ ‏المؤثر‏ ‏إلى ‏الحواس‏ ‏وبين‏ ‏إدراكه‏ ‏أو‏ ‏استيعابه‏. ‏المهم‏ ‏أن‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الشكاوى ‏تصبح‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏اضطرابات‏ ‏التفكير‏، ‏فنذكر‏ ‏بتداخل‏ ‏العمليات‏ ‏العقلية‏ ‏بشكل‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏فصمه‏. ‏وقد‏ ‏نجد‏ ‏هذا‏ ‏الانشقاق‏ ‏بسبب‏ ‏البطء‏ ‏وفرط‏ ‏الدراية‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏الاكتئاب‏، ‏وبدايات‏ ‏الفصام‏، ‏وبعض‏ ‏حالات‏ ‏اضطراب‏ ‏الوسواس‏ ‏القهرى.

(*) لم أكن أتصور أنه بعد ثمانية عشر عاما سوف أقابل “رشاد” ليشرح لنا هذا النوع من اضطراب شرحا، استغرق حوالى 330 صفحة، وليس عندى تعليق إلا التوصية بقراءة الحالة من أولها ومع قراءة هذه الفقرة ولتساءلوا معى كيف يمكن أن يصل ما جاء فى عرض حالة رشاد من هذه السطور السابقة بهذا الشكل.

المتن (5):

ثالثا‏: ‏الوهل‏

f 17-7-2012

– ‏الوهــل‏(3) (‏الانخداع‏ ‏الحسى):‏ ‏هو‏ ‏إدراك‏ ‏خاطئ‏ ‏لمثير‏ ‏خارجى ‏حقيقى‏. ‏وكثيرا‏ ‏ما‏ ‏يحدث‏ ‏فى ‏الحياة‏ ‏العادية‏ ‏فنـستقبل‏ ‏رنين‏ ‏الباب‏ ‏عل‏ ‏أنه‏ ‏رنين‏ ‏الهاتف‏ (‏خاصة‏ ‏وأنت‏ ‏تنتظر‏ ‏مكالمة‏ ‏هامة‏)، ‏وظاهرة‏ ‏السراب‏ ‏للعطشان‏ ‏فى ‏الصحراء‏ ‏هى “وهل‏ ‏طبيعى”، ‏وكذلك‏ ‏ثمة‏ ‏”وهل”‏ ‏يقال‏ ‏له‏ “وهل‏ ‏العادة‏”، ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يطرأ‏ ‏على ‏مصحح‏ ‏التجارب‏ ‏قبل‏ ‏الطبع‏ (‏البروفات‏) ‏حين‏ ‏لا‏ ‏يكتشف‏ ‏الخطأ‏ ‏لأنه‏ ‏قرأه‏ ‏صوابا‏ ‏كما‏ ‏ألف‏ ‏أن‏ ‏يقرأه‏ (‏يقرأ‏ ‏كلمة‏ “الطوقان‏” ‏باعتبارها‏ ‏كلمة‏ “الطوفان‏”، ‏وهكذا‏). ‏ويحدث‏ ‏الوهل‏ ‏فى ‏ظروف‏ ‏تساعد‏ ‏ظهوره‏، ‏من‏ ‏أول‏ ‏عتمة‏ ‏الضوء‏ ‏حتى ‏تغير‏ ‏الوعى‏. ‏ويكثر‏ ‏الوهل‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏الهذيان‏ ‏الحاد‏ ‏وتحت‏ ‏الحاد‏، ‏حيث‏ ‏قد‏ ‏يستقبل‏ ‏المريض‏ ‏رسوم‏ ‏غطاء‏ ‏السرير‏ (‏الكوفرتة‏) ‏على ‏أنها‏ ‏عقارب‏ ‏أو‏ ‏ثعابين‏.‏ Illusion of Familiarity

وهل‏ ‏الألفة‏ (‏الرؤية‏ ‏السابقة‏) ‏يشير‏ ‏إلى ‏خطأ‏ ‏التعرف‏ ‏على ‏مثير‏ (‏شخص‏ ‏فى ‏العادة‏) ‏وكأنك‏ ‏قد‏ ‏سبق‏ ‏لك‏ ‏رؤيته‏ ‏

ويحدث‏ ‏وهل‏ ‏الألفة‏ ‏هذا‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏السواء‏ ‏وخاصة‏ ‏فى ‏فترة‏ ‏المراهقة‏. ‏وهو‏ ‏متواتر‏ ‏الحدوث‏ ‏أيضا‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏الصرع‏ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏الإرهاصات‏ ‏أو‏ ‏المنذرات‏، ‏كذلك‏ ‏يحدث‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الوهل‏ ‏فى ‏بدايات ‏التنشيط‏ ‏الذهانى‏، ‏وثمة‏ ‏تفسير‏ ‏نفسفسيولوجى ‏لهذه‏ ‏الظاهرة‏ ‏يضع‏ ‏فرضا‏ ‏يقول‏ ‏إنها‏ ‏ناتج‏ ‏اختلاف‏ ‏سرعة‏ ‏التوصيل‏ ‏إلى ‏نصفى ‏المخ‏ ‏الكرويين‏، ‏بحيث‏ ‏إذا‏ ‏وصل‏ ‏المثير‏ ‏الحسى ‏إلى ‏أحد‏ ‏النصفين‏ ‏يكون‏ ‏قد‏ ‏أخذ‏ ‏خبرا‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏النصف‏ ‏الآخر‏ ‏فورا‏، ‏وكأنه‏ ‏رآه‏ ‏من‏ ‏قبل‏.‏

أحيانا‏ ‏يطلق‏ ‏لفظ‏ ‏الوهل‏ ‏على ‏اعتقاد‏ ‏خاطئ‏ ‏أو‏ ‏سوء‏ ‏تأويل‏ ‏وليس‏ ‏على ‏انخداع‏ ‏فى ‏الإدراك‏ ‏الحسى‏، ‏ويحدث‏ ‏هذا‏ ‏الخطأ‏ ‏أيضا‏ ‏فى ‏التسميات‏ ‏العلمية‏ ‏مثل‏ “وهل‏ ‏الإبدال‏” (‏زملة‏ ‏كابجارا‏) ‏وهى ‏الاعتقاد‏ ‏بأن‏ ‏الشخص‏ ‏الذى ‏أمامك‏ ‏قد‏ ‏استبدل‏ ‏بشبيه‏، ‏وأنه‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏وربما‏ ‏أنه‏ “‏نصاب‏”. ‏هذا‏ ‏ضلال‏ ‏وليس‏ ‏وهلاg 17-7-2012

(*) أختم هذا المتن بتعقيب من المتنبى  يقول:

أعيذها نظرات منك صادقة         أن تحسب الشحم ثمين شحمه ورم

وأتوقف مغيظا جدا

رافضا جدا

وأعتقد أننى لن أكمل بهذه الطريقة إلا نشرة الغد فقط، ثم نرى!!.

(لن أكمل بعد الغد إلا إذا وصلنى إلحاح على مواصلة هذا السخف من عشرين طالب علم على الأقل!!)

شكراً.

[1] – آسف لتكرار نشر هذا الشكل لكننى وجدت ذلك ضرورة لجدّته وغرابته، وفى نفس الوقت لزومه فى كل تناول جديد لظاهرة تقسيم جديدة.

[2] – مترجم مواقف ومخاطبات الحريرى.

[3] ‏‏وهل‏ ‏الشئ‏: ‏ذهب‏ ‏وهمه‏ ‏إليه‏، ‏وقد‏ ‏فضلنا‏ ‏هذه‏ ‏الترجمة‏ ‏لكلمة‏ “Illusion” عن‏ ‏ترجمة‏ ‏المعجم‏ ‏الموحد ‏”‏انخداع‏” لأنه‏ ‏ثلاثى ‏المبنى‏، ‏وخاص‏ ‏الاستعمال‏، ‏حيث‏ ‏قد‏ ‏يذهب‏ ‏الظن‏ ‏فيما‏ ‏هو‏ ‏انخداع‏ ‏إلى ‏انخداع‏ ‏فى ‏الرأى ‏أو‏ ‏فى ‏التفكير‏- ‏كما‏ ‏أن‏ ‏الوهل‏ ‏فيه‏ ‏معنى ‏السرعة‏ ‏وهذا‏ ‏مناسب‏ ‏للإدراك‏، ‏يقال‏: “‏أدرك‏ ‏الأمر لأول‏ ‏وهلة‏”.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *