الرئيسية / أسئلة وأجوبة / أسئلة نفسية / أسئلة وأجوبة حول الصحة النفسية

أسئلة وأجوبة حول الصحة النفسية

أسئلة حول الصحة النفسية

مع أ. د. يحيى الرخاوى

ـــــ

الأمراض النفسية

‏- ‏أشهر‏ ‏الأمراض‏ ‏النفسية‏ ‏التى ‏يعانى ‏منها‏ ‏العرب؟

العرب‏ ‏بشر‏ ‏مثل‏ ‏البشر، ‏فهم‏ ‏يعانون‏ ‏مما‏ ‏يعانى ‏منه‏ ‏البشر، ‏وبالنسبة‏ ‏للأمراض‏ ‏الخطيرة، (‏مثل‏ ‏الفصام‏) ‏فإن‏ ‏النسبة‏ ‏تكاد‏ ‏تكون‏ ‏واحدة‏ ‏عالميا، ‏وهذا‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏يؤكد‏ ‏ما‏ ‏ذهبت‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏هو‏ ‏أجد‏ ‏مظاهر‏ ‏مضاعفات‏ ‏مسيرة‏ ‏التطور، ‏وبما‏ ‏أن‏ ‏الانسان‏ ‏هو‏ ‏كيان‏ ‏متطور‏ (‏أو‏ ‏متدهور‏) ‏فلابد‏ ‏من‏ ‏ظهور‏ ‏هذه‏ ‏المضاعفات‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏صعوبات‏ ‏العمليتين، ‏وثبات‏ ‏نسبة‏ ‏هذه‏ ‏الأمراض‏ ‏فى ‏مختلف‏ ‏المجتمعات‏ ‏هو‏ ‏دليل‏ ‏على ‏ذلك‏ ‏لكن‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏ممارستى ‏المحدودة‏ ‏فإنى ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أزعم‏ ‏أننا‏ ‏العرب‏ ‏نفتقر‏ ‏إلى ‏أمراض‏ ‏القلق‏ ‏الواعى ‏ليحل‏ ‏محلها‏ ‏نوبات‏ ‏الهلع، ‏وأننا‏ ‏نفتقر‏ ‏إلى ‏الاكتئاب‏ ‏العميق‏ ‏لتحيل‏ ‏محله‏ ‏الأعراض‏ ‏الجسدية‏ ‏الدالة‏ ‏على ‏الاكتئاب، ‏وأننا‏ ‏نفتقر‏ ‏إلى ‏الانسحاب‏ ‏الاحتجاجى (‏المرض‏) ‏ليحل‏ ‏محله‏ ‏تعميم‏ ‏الوعى ‏أو‏ ‏الانشقاق‏ ‏الهروبي‏.‏

وأكتفى ‏بهذه‏ ‏العينات‏.‏

‏- ‏الطريقة‏ ‏المثلى ‏لمعاملة‏ ‏المرضى ‏النفسيين؟

سبق‏ ‏أن‏ ‏أشرت‏ ‏هنا‏ ‏فى ‏إجابتى ‏عن‏ ‏سؤال‏ “كيف‏ ‏نحافظ‏ ‏على ‏أنفسنا‏…” ‏إلخ‏ ‏إلى ‏مفهوم‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏كنوع‏ ‏من‏ ‏عدم‏ ‏التوازن‏ ‏المرحلى ‏الوارد‏ ‏عند‏ ‏أى ‏منا، ‏وهذا‏ ‏يجعلنا‏ ‏أكثر‏ ‏قربا‏ ‏من‏ ‏المريض‏ ‏النفسي، ‏وأكثر‏ ‏سماحا‏ ‏بما‏ ‏ليس‏ ‏كذلك‏ ‏ما‏ ‏ليس‏ ‏عاديا‏ ‏وأنا‏ ‏أرفض‏ ‏أن‏ ‏يعامل‏ ‏المرضى ‏النفسيون‏ ‏بما‏ ‏يسمى ‏الشفقه، ‏كما‏ ‏أرفض‏ ‏أن‏ ‏يستعملوا‏ ‏مجالا‏ ‏للسخرية‏ ‏حتى ‏لو‏ ‏أجرينا‏ ‏على ‏لسانهم‏ ‏الحكمة، ‏وأرفض‏ ‏أن‏ ‏نعتبرهم‏ ‏دعاء‏ ‏كيميائيا‏ ‏فاسدا، ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نعادل‏ ‏فساده‏ ‏بكيمياء‏ ‏عمياء‏ ‏أخرى ‏وإنما‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نعامل‏ ‏المريض‏ ‏النفسى ‏باعتباره‏ “نحبه” ‏أى ‏بالتقمص‏ ‏والمواكبة، ‏فكل‏ ‏منا‏ “مشروع‏ ‏مريض‏” ‏فليتعامل‏ ‏المريض‏ ‏بما‏ ‏يحب‏ ‏أن‏ ‏يعاملونه‏ ‏حين‏ ‏يصيبنا‏ ‏الدور، ‏والمريض‏ ‏النفسى ‏يحتاج‏ ‏لمن‏ ‏يواكبه‏ ‏لا‏ ‏لمن‏ ‏ينصحه، ‏وهو‏ ‏يحتاج‏ ‏لمن‏ ‏يتقبله‏ ‏ليغير‏ ‏اتجاهه، ‏لا‏ ‏لمن‏ ‏يتقبله‏ ‏ليصفق‏ ‏له‏ ‏فيبقيه‏ ‏حيث‏ ‏هو، ‏وهو‏ ‏يحتاج‏ ‏لمن‏ ‏يحاور‏ ‏أعماقه، ‏لا‏ ‏لمن‏ ‏يتفرج‏ ‏على ‏ظاهر‏ ‏تناثر‏ ‏ألفاظه‏.‏

وهو‏ ‏يحتاج‏ ‏لمن‏ ‏يصبر‏ ‏عليه‏ ‏دون‏ ‏نسيان‏ ‏أو‏ ‏اهمال، ‏لا‏ ‏لمن‏ ‏يتخلص‏ ‏منه‏ ‏بمجرد‏ ‏غلق‏ ‏الباب‏ ‏خلفه، ‏وكل‏ ‏هذه‏ ‏المواقف‏ ‏لا‏ ‏يقوم‏ ‏بها‏ ‏الطبيب‏ ‏وحده‏ ‏وانما‏ ‏هى ‏دور‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏يتصل‏ ‏بالمريض‏ ‏النفسى ‏من‏ ‏معالجين‏ ‏وأهل، ‏ومجتمع‏.‏

‏- ‏ماذا‏ ‏تحب‏ ‏أن‏ ‏تقول‏ ‏للأطباء‏ ‏النفسيين‏ ‏الجدد؟

أقول‏ ‏لهم‏:‏

‏1 – ‏احذروا‏ ‏دعايات‏ ‏شركات‏ ‏الأدوية‏ ‏وأبحاثها‏ ‏المعلنة‏ ‏والخفية، ‏واستعملوا‏ ‏دواهم‏ ‏مؤقتا‏.‏

‏2 – ‏لا‏ ‏تخافوا‏ ‏النكسة‏ ‏ولكن‏ ‏استعدوا‏ ‏لها‏.‏

‏3 – ‏لا‏ ‏تنسوا‏ ‏أنكم‏ ‏أخترتم‏ ‏هذه‏ ‏المهنة‏ ‏لأن‏ ‏الناس‏ ‏رفضوا‏ ‏من‏ ‏تعالجون‏.‏

‏4 – ‏إن‏ ‏خير‏ ‏مكان‏ ‏ترون‏ ‏فيه‏ ‏مرضاكم‏ ‏هو‏ “داخلكم” ‏أنتم

‏5 – ‏إجعلوا‏ ‏تجربتكم‏ ‏مع‏ ‏كل‏ ‏مريض‏ (‏مهما‏ ‏اتفق‏ ‏التشخيص‏) ‏باب‏ ‏معرفة‏ ‏جديد

‏6 – ‏اعمل‏ ‏الطيب، ‏الصحيح‏ – (‏مع‏ ‏احتمال‏ ‏الخطأ‏) ‏ولا‏ ‏تتعجل‏ ‏النتيجة‏.‏

وأخيراً: 7 – ‏ابدأ‏ ‏دائما‏ ‏من‏ ‏جديد‏ – (‏ولم‏ ‏لا؟‏ ‏هل‏ ‏عندك‏ ‏بديل؟‏)‏

– لماذا دائما الهاجس الجنسى هو المحرك لكل سلوكياتنا، فالدين نتعرض له من منظور جنسى، وتسويق السلع يستغل فيها الدافع الجنسى، وتقييمنا للآخر أخلاقى جنسى وليس من منظور الطباع الانسانية.. فى كل شئ الجنس هو المحرض الدائم على الفعل وعلى النقد.. وهل لذلك علاقة بتاريخ التخلف أم أنه نفسى بشرى أى تحتمه الطبيعة البشرية عموما؟؟

بالنسبة لذه النقطة بالذات، لا أحسب أننا مختصون بذلك، فالمجتمعات التى تقول عن نفسها أنها أرقى، وربما عندها حق، يسرى عليها ما أشار له السؤال. إذن المسألة ليست مسألة تخلف من عدمه، ويمكن متابعة ما يسمى الفيديو كليب فى القنوات الأجنبية، ثم إن علاقتنا بما هو جنس علاقة مشوهة تاريخا وحاضرا، وأنا أتصور أن موجة التدين السائدة لها جذور يمكن تتبعها إلى سوء فهمنا للجنس والدين على حد سواء. أما أن الجنس هو جزء من الطبيعة البشرية، فهو كذلك حقيقة وفعلا، لكن الاختلاف فى التعامل مع هذه الطبيعة البشرية سواء فى علاقتنا بأجسادنا أو علاقتنا بالآخر هو ما ينبغى أن نوليه اهتماما أكثر فأكثر، لأن الموضوع إما غامض، وإما مختزل، وإما مشوه عند أغلبنا فى معظم الأحيان.

– ما هى أسباب الشذوذ الجنسى وما هى دوافعه؟

مازال الأمر صعب التحديد بالنسبة لهذه الظاهرة المتزايدة الانتشار فى العالم الغربى، فَمِنْ قائل إن ثمة استعداد وراثى، أو من تأثير البيئة، أو دليل على قصور فى تحديد الهوية أثناء النمو إلى إلى ذكر أوأنثى فى وقت مناسب.

أما الدوافع فهى تختلف حسب الثقافة العامة، والثقافة الفرعية، وأيضا حسب نشأة كل واحد، والفروق الفردية، لا يمكن تعميم الكلام عن الدوافع هكذا للجميع مرة واحدة.

– الشذوذ الجنسى مرض نفسى أم عضوى؟

فى التقسيمات الأحدث (القريبة أساسا) لم يعد الشذوذ الجنسى يعتبر مرضا نفسيا، بل إن فرويد نفسه لم يعتبره كذلك، لكن مجتمعنا والمجتمعات التى مِثْلها تعتبره انحرافا غريبا وخاصة أنه مازال نادرا، لكن يمكن أن يتراجع هذا الموقف – للأسف – إذا زاد انتشاره كما هو جار فى المجتمعات الغربية التى لم يتوقف الأمر على قبوله اجتماعيا، بل إنه جارى تسويقه والدفاع عنه علانية بشكل ما.

– لاحظنا أن كثيراً من الشواذ جنسيا ناجحين فى حياتهم، فهل لهذا المرض دخل فى هذا؟

لا يمكن الجزم بذلك إلا باحصاء دقيق، وأيضا لابد من تحديد معنى “النجاح”، لكن لا يوجد هناك تعارض بين السلوك الجنسى الشاذ وبين النجاح بصفة عامة، وخاصة النجاح فى بعض مجالات الفن وربما الإبداع، لكن لابد من التنيبه أنه لا توجد علاقة سببية بمعنى أن الشذوذ ليس سببا فى النجاح ولا أن النجاح هو تعويض مثلا للشذوذ، ربما تكون المسألة مصادفة، وربما تكون تعويضا وربما تكون نتيجة لمساحة الحرية التى سمح الشاذ لنفسه بها، ثم إن هناك كثيرا من الشواذ فى منتهى الفشل وخاصة فى مجتمعنا، ربما نتيجة للشعور بالذنب أو بالعار، كل شئ وارد.

– مشاعر الشاذ جنسيا تكون مشاعر حب ناحية إنسان من نفس نوعه، فهل بالحتم يتجه الشاذ لممارسة الجنس أم أنه يكتفى بمشاعر الحب فقط؟

قد يقتصر الشذوذ فعلا على مشاعر الحب فقط دون ممارسة الجنس، وفى هذه الحال لا يطلق عليه أسم الشذوذ اللهم إلا إذا حال هذا الحب دون ممارسة الحياة الجنسية مع الجنس الآخر بشكل طبيعى.

– هل يستطيع الشاذ جنسيا تكوين أسرة مثل أى فرد عادى؟ وهل يجد اللذة فى معاشرة زوجته؟

نعم يستطيع أن يكون أسرة، خاصة لو توقف عن الشذوذ، بل إن هناك بعض من يكون أسرة ناجحة نسبيا دون أن يتوقف خاصة لو نجح أن يقوم بدوره الشاذ و دوره الطبيعى فى نفس الوقت، وأن يخفى ذلك عن زوجته (أو زوجها) ـ معنى ذلك أن بعض الشواذ قد يتمتع بالجنس مع نفس نوعه ومع الجنس الآخر فى نفس الوقت، لكن لا توجد قاعدة لذلك.

– هل يمكن الشفاء من هذا المرض؟ وهل مرت على سيادتكم حالات قد تم الشفاء منها؟

بصراحة، الشفاء صعب خصوصا بعد أن شاع أنه أمر وراثى، وأيضا بعد أن زاد تواصل الشواذ بعضهم مع بعض عبر العالم، وبعد أن أبعدوه من قائمة الأمراض، فمن البديهى أننا لو لم نعتبره مرضا، فإننا لا نطرح فكرة العلاج أصلاً لأن العلاج لا يكون إلا للمرض.

لكن فى مجتمعنا الأمر يختلف لأن المجتمع بصفة عامة يرفض الشذوذ، وهذا من مصلحته إتاحة الفرصة لتكوين ضمير داخلى يريد أن يتخلص منه بما يساعد فى العلاج ـ لكنى أكرر أن العلاج صعب، اللهم إلا إذا كان الشذوذ مجرد مرحلة عابرة، فيكون العلاج فى المساعدة على إتمام مراحل النمو فلا يعود صاحبه فى حاجة إلى ما سُمى شذوذا بعد أن يتجاوز هذه المرحلة.

– هل الفضول لدى الشخص لاكتشاف هذا العالم قد يصيبه بهذا المرض؟

الفضول فى حد ذاته بداية وإستكشاف، لكن مابعد الفضول من تمادى وتعود هو الذى يمهد للإستمرار فالشذوذ.

– ما هى الأمراض النفسية التى تصيب الشاذ جنسيا؟

إذا أعتبرنا أن الشذوذ مرض فهذا يكفى، أما إذا أعتبرناه انحرافا لا يصل إلى درجة المرض فإن الأمراض النفسية التى تصيبه هى هى الأمراض النفسية التى تصيب أى فرد فى المجتمع من أول القلق حتى الفصام. لكن هناك أمراض نفسية قد ترتبت على موقف المجتمع الذى يعتبر الشذوذ نقيصة وعارا ووصمة، وفى هذه الحالة يصبح الشعور بالذنب غالبا هو الذى قد يظهر فى شكل اكتئاب مرضى ثم خذ عندك الأمراض النفسية التى تترتب على الإصابة العضوية المرتبطة بالشذوذ مثل الأصابة بالإيدز الذى له مضاعفات نفسية عديدة.

***

الدواء‏ ‏والشفاء

‏1) “‏ليس‏ ‏بالدواء‏ ‏وحده‏ ‏يشفى ‏المريض‏”‏هذه‏ ‏المقولة‏ ‏لكم‏:‏

‏ -‏إلى ‏ماذا‏ ‏استندت؟ ‏ولماذا‏ ‏يخالفها‏ ‏الواقع‏ ‏فى ‏الأعم‏.‏؟

لقد‏ ‏استندت‏ ‏هذه‏ ‏المقولة‏ ‏إلى ‏كل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏حق‏ ‏وكل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏علم‏، ‏إنها‏ ‏مقولة‏ ‏كنت‏ ‏أتمنى ‏ألا‏ ‏أضطر‏ ‏إلى ‏قولها‏، ‏لأنها‏ ‏بديهية‏ ‏لا‏ ‏أكثر‏ ‏ولا‏ ‏أقل‏، ‏وهى ‏ليست‏ ‏جديدة‏ ‏على ‏الإطلاق‏، ‏فالتاريخ‏ ‏قالها‏ ‏وأثبتها‏، ‏كذلك‏ ‏الطبيعة‏. ‏بل‏ ‏إن‏ ‏كل‏ ‏أنواع‏ ‏التداوى ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏التداوى ‏لعلاج‏ ‏أمراض‏ ‏عضوية‏ ‏خالصة‏، ‏تؤمن‏ ‏بهذه‏ ‏المقولة‏ ‏وتؤكدها‏.‏

إذن‏ ‏فهذه‏ ‏المقولة‏ ‏ليست‏ ‏لى، ‏رغم‏ ‏أننى ‏أكتبها‏ ‏على ‏كل‏ ‏وصفة‏ (‏روشتة‏)، ‏بل‏ ‏إننى ‏كنت‏ ‏أضيف‏ ‏إليها‏ ‏عبارة‏: “‏التعليمات‏ ‏قبل‏ ‏وبعد‏ ‏ومع‏ ‏الدواء‏” ‏

يا‏ ‏سيدى: ‏إن‏ ‏الشفاء‏ ‏من‏ ‏الله‏ ‏بكل‏ ‏الوسائل والله‏ ‏خلق‏ ‏الناس‏ ‏فى ‏سواء‏، ‏فى ‏أحسن‏ ‏تقويم‏، ‏وهو‏ ‏القادر‏ ‏على ‏أن‏ ‏يعيدهم‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏هو‏ ‏فطرى ‏حسن‏، ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏معنى ‏الصحة‏ ‏الحقيقية‏، ‏وفى ‏الأمراض‏ ‏النفسية‏ ‏بوجه‏ ‏خاص‏ ‏يتضح‏ ‏معنى ‏الفطرة‏ ‏أيما‏ ‏اتضاح‏، ‏فالمرض‏ ‏النفسى ‏هو‏ ‏نشاز‏ ‏الطبيعة‏، ‏وهو‏ ‏ظلامها‏ ‏بعد‏ ‏صفائها‏، ‏والدواء‏ ‏وحده‏، ‏وهو‏ ‏كيان‏ ‏مصنوع‏ ‏مقحم‏ ‏على ‏الطبيعة‏ ‏غير‏ ‏قادر‏ ‏على ‏إرجاع‏ ‏الطبيعة‏ ‏إلى ‏طبيعتها‏.‏

إلا‏ ‏أن‏ ‏الدواء‏ ‏هو‏ ‏نتاج‏ ‏علم‏ ‏جيد‏، ‏وهو‏ ‏رحمة‏ ‏من‏ ‏الله‏ ‏مثله‏ ‏مثل‏ ‏سلاسة‏ ‏الطبيعة‏، ‏لكن‏ ‏المسألة‏ ‏اختلفت‏ ‏حين‏ ‏حل‏ ‏الدواء‏ ‏محل‏ ‏الطبيعة‏، ‏ولم‏ ‏يعد‏ ‏عونا‏ ‏لها‏، ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏أصبح‏ ‏عنصرا‏ ‏مضادا‏ ‏للطبيعة‏ ‏فى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الأحينان

‏-‏هل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تزيد‏ ‏هذه‏ ‏المسألة‏ ‏شرحا‏ ؟

‏ ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏المسألة‏ ‏تؤرقنى ‏من‏ ‏قديم‏، ‏فما‏ ‏من‏ ‏مرة‏ ‏حاولت‏ ‏أن‏ ‏أفهم‏ ‏الناس‏ ‏أن‏ ‏الدواء‏ ‏ليس‏ ‏كل‏ ‏شئ ‏حتـى ‏تصوروا‏ ‏أننى ‏ضد‏ ‏الأدوية‏، ‏وهذا‏ ‏ليس‏ ‏طبا‏ ‏وليس‏ ‏علما‏، ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏ليس‏ ‏عبادة‏.‏

وقد‏ ‏يئست‏ ‏طبعا‏ ‏أن‏ ‏يشاركنى ‏كافة‏ ‏الأطباء‏ ‏رأيى ‏هذا‏، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏كثير‏ ‏منهم‏ ‏يأخذون‏ ‏بعضه‏ ‏بحذر‏ ‏شديد‏، ‏فتوجهت‏ ‏لعامة‏ ‏الناس‏، ‏وقد‏ ‏كتبت‏ ‏فى ‏كتابي‏” ‏صور‏ ‏من‏ ‏عيادة‏ ‏نفسية‏: ‏عندما‏ ‏يتعرى ‏الإنسان‏” ‏كتبت‏ ‏رؤية‏ ‏مستقبلية‏ ‏تقول‏ ‏إن‏ ‏الكيمياء‏ ‏ستسهم‏ ‏فى ‏إعادة‏ ‏تنظيم‏ ‏الطبيعة‏، ‏ولن‏ ‏تستعمل‏ ‏فى ‏قهر‏ ‏الإبداع‏، ‏

وسمع‏ ‏معى ‏هذا‏ ‏الحوار‏ ‏الوارد‏ ‏منذ‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏عشرين‏ ‏عاما‏، ‏وهو‏ ‏حوار‏ ‏بين‏ ‏رمز‏ ‏لرسولة‏ ‏المستقبل‏، ‏وبين‏ ‏شخص‏ ‏أرهقه‏ ‏سوء‏ ‏الحاضر‏ ‏

يسأل‏ ‏شخص‏ ‏الحاضر‏ ‏رمز‏ ‏المستقبل‏:‏

‏- ‏وأخبارك‏ ‏مع‏ ‏العلم؟

‏- أقرأ‏ ‏كل‏ ‏شئ ‏حى

‏- ‏وهل‏ ‏هناك‏ ‏بين‏ ‏الكتب‏ ‏موتى

‏- ‏الصفحات‏ ‏مليئة‏ ‏بالتوابيت‏ ‏والموميات

‏- ‏فكيف‏ ‏حال‏ ‏الأحياء؟

‏- ‏سخروا‏ ‏الكيمياء‏ ‏لخدمة‏ ‏التطور‏ ‏

‏- ‏كانت‏ ‏أقراصا‏ ‏تقمع‏ ‏الانطلاق ‏وتعيد‏ ‏الثائر‏ ‏إلى ‏حظيرة‏ ‏المجموع‏ ‏بالضربة‏ ‏القاضية

‏- ‏أصبحت‏ ‏تنظـم‏ ‏الطاقة‏، ‏ثم‏ ‏يولد‏ ‏الإنسان‏ ‏من‏ ‏جديد

‏- ‏والخلايا‏ ‏الثابتة‏ ‏بالوراثة‏ ‏؟

‏- ‏يعاد‏ ‏تشكيلها‏ ‏وتنظيمها‏ ‏لتنطلق‏ ‏معا‏ ‏تؤكد‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏إنسان

‏- ‏بالكيمياء‏ ‏أيضا؟

‏- ‏بالكيمياء‏ ‏والحب‏ ‏والطبيعة‏”‏ وأكتفى ‏بهذا‏ ‏القدر‏ ‏من‏ ‏حوار‏ ‏قديم‏ ‏لترى ‏معى ‏كيف‏ ‏تنسجم‏ ‏الكيمياء‏ ‏مع‏ ‏الحب‏ ‏مع‏ ‏الطبيعة وهذا‏ ‏بالضبط‏ ‏ما‏ ‏أعنيه‏ ‏فى ‏ترشيد‏ ‏استعمال‏ ‏الدواء‏، ‏فأنا‏ ‏لست‏ ‏ضد‏ ‏الدواء‏، ‏لكننى ‏ضد‏ ‏سوء‏ ‏فهم‏ ‏موقعه‏ ‏فى ‏سياق‏ ‏الحياة‏ ‏وتوجهات‏ ‏الصحة‏.‏

إننى ‏أستعمل‏ ‏نفس‏ ‏الأدوية‏ ‏ولكن‏ ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏آخر‏، ‏وفى ‏سياق‏ ‏آخر‏. ‏

‏-‏الأغلبية‏ ‏لايقنعون‏ ‏بدون‏ ‏أدوية؟

طبعا‏ ‏معهم‏ ‏كل‏ ‏الحق وأنا‏ ‏لا‏ ‏أكف‏ ‏عن‏ ‏إعطاء‏ ‏الأدوية‏، ‏لكن‏ ‏كما‏ ‏قلت‏ ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏آخر‏ ‏وفى ‏سياق‏ ‏آخر‏، ‏أنا‏ ‏لا‏ ‏أستعمل‏ ‏الأدوية‏ ‏لجلب‏ ‏السعادة‏، ‏أو‏ ‏تهدئة‏ ‏الخاطر‏، ‏كما‏ ‏أننى ‏لا‏ ‏أستعمل‏ ‏الأدوية‏ ‏لدغدغة‏ ‏الناس‏ ‏أو‏ ‏معادلة‏ ‏اضطراب‏ ‏كيميائى ‏كما‏ ‏يحاول‏ ‏البعض‏ ‏أن‏ ‏يختزل‏ ‏المسألة‏، ‏الأدوية‏ ‏ضرورة‏ ‏ولكن‏ ‏بالأصول‏ ‏العلمية‏ ‏والطبية‏ ‏التى ‏تضع‏ ‏مفاهيم‏ ‏أخرى ‏لاستعمال‏ ‏الدواء‏ ‏لا‏ ‏تتعارض‏ ‏مع‏ ‏نبض‏ ‏الناس‏ ‏الأحياء‏ ‏فى ‏حضن‏ ‏الطبيعة‏.‏

‏-‏وماذا‏ ‏عن‏ ‏آثارها‏ ‏الجانبية‏ ‏كمواد‏ ‏كيميائية؟

طبعا‏ ‏توجد‏ ‏مضاعفات‏ ‏بلا‏ ‏حصر‏، ‏وأعراض‏ ‏جانبية‏ ‏على ‏كل‏ ‏جهاز‏ ‏من‏ ‏أجهزة‏ ‏الجسم‏، ‏وعلى ‏الأجنة‏ ‏فى ‏بطون‏ ‏أمهاتهم‏ ‏إلخ‏ ‏إلخ‏، ‏ولكننى ‏لا‏ ‏أعتبر‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏يجعل‏ ‏موقفى ‏هكذا‏ ‏من‏ ‏الأدوية‏، ‏فهذه‏ ‏المضاعفات‏ ‏نادرة‏ ‏ندرة‏ ‏هائلة‏ ‏فى ‏أغلب‏ ‏الأحيان‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏المضاعفات‏ ‏الظاهرة‏ ‏مثل‏ ‏رعشة‏ ‏الأطراف‏ ‏أو‏ ‏أضرار‏ ‏تنظيم‏ ‏دقات‏ ‏القلب‏، ‏أو‏ ‏تغيرات‏ ‏الكرات‏ ‏البيضاء‏ ‏فى ‏الدم‏، ‏هى ‏كلها‏ ‏مضاعفات‏ ‏ظاهرة‏ ‏يمكن‏ ‏قياسها‏، ‏لكن‏ ‏اهتمامى ‏الأكبر‏ ‏هو‏ ‏فى ‏المضاعفات‏ ‏الخفية‏ ‏وهى ‏المؤثرة‏ ‏على ‏طريقة‏ ‏التفكير‏، ‏والمحدثة‏، ‏للبلادة‏ ‏تحت‏ ‏اسم‏ ‏الطمأنينة‏، الأعراض‏ ‏الجانبية‏ ‏التى ‏أحذر‏ ‏منها‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏ ‏هى ‏تزييف‏ ‏الوعى ‏وتسكين‏ ‏حركة‏ ‏الحياة‏ ‏تحت‏ ‏عنوان‏ ‏العلاج

ثم‏ ‏إنى ‏أحذر‏ ‏أكثر‏ ‏فأكثر‏ ‏من‏ ‏الاعتماد‏ ‏على ‏هذه‏ ‏العقاقير‏ ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏من‏ ‏مواجهة‏ ‏التحديات

‏-‏هناك‏ ‏انتشار‏ “‏عشوائى‏” ‏لاستعمال‏ ‏الادوية‏ ‏وأعتقد‏ – ‏شخصيا‏ – ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏مغريات‏ ‏معينة‏ ‏للأطباء‏، ‏أو‏ ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏مسئولية‏ ‏على ‏الاطباء‏ ‏بشأن‏ ‏استعمال‏ ‏الأدوية‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالتصريف‏ ‏التسويقى؟‏

معك‏ ‏كل‏ ‏الحق‏: ‏فشركات‏ ‏الدواء‏ ‏فى ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏الأمريكية‏-‏مثلا‏-، ‏هى ‏ثالث‏ ‏مركز‏ ‏قوى ‏سياسى (‏لوبى‏) (‏بعد‏ ‏شركات‏ ‏السلاح‏ ‏واليهود‏) ‏وبالتالى ‏فهى ‏مؤسسات‏ ‏عملاقة‏ ‏لا‏ ‏تؤثر‏ ‏فحسب‏ ‏على ‏وصفات‏ “‏روشتات‏” ‏الأطباء‏، ‏وإنما‏ ‏تشكل‏ ‏البحث‏ ‏العلمى ‏ومناهجه‏، ‏وبالتالى ‏فهى ‏تؤثر‏ ‏على ‏نتائجه‏، ‏ثم‏ ‏تؤثر‏ ‏على ‏تفسير‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏باعتباره‏ ‏خلل‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الكيمياء‏ ‏أو‏ ‏تلك‏، ‏بما‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏كيمياء‏ ‏بديلة.

والمصيبة‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏كله‏ ‏ليس‏ ‏تزويرا‏ ‏ولا‏ ‏يحزنون‏، ‏إنه‏ ‏حق‏ ‏يراد‏ ‏به‏ ‏باطل‏، ‏لأن‏ ‏كل‏ ‏النتائج‏ ‏هى ‏معلومات‏ ‏جزئية‏ ‏لا‏ ‏تثبت‏ ‏شيئا‏ ‏أو‏ ‏تنفيه‏ ‏إلا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏رؤيته‏ ‏مع‏ ‏بقية‏ ‏الحقائق‏، ‏ومن‏ ‏خلال‏ ‏الممارسة‏ ‏العملية‏ ‏مع‏ ‏المرضى (‏والأصحاء‏)‏

‏-‏ بالطبع‏ ‏لا‏ ‏ننفى ‏مطلقا‏ ‏الحاجة‏ ‏للدواء‏، ‏ولكن‏ ‏كيف‏ ‏يكون‏ ‏الترشيد‏ ‏وفقا‏ ‏للحالة؟‏!‏

أظن‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الأمر‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏مستويين‏:‏

الأول‏: ‏المستوى ‏الإدارى ‏والتنظيمى ‏لتداول‏ ‏هذه‏ ‏العقاقير‏ (‏بمعنى ‏إحكام‏ ‏القانون‏ ‏والضبط‏ ‏والربط‏)، ‏وهذا‏ ‏يجرى ‏بإحكام‏ ‏شديد‏ ‏وخاصة‏ ‏فى ‏بلد‏ ‏مثل‏ ‏المملكة‏ ‏العربية‏ ‏السعودية

أما‏ ‏المستوى ‏الثانى: ‏وهو‏ ‏الأصعب‏، ‏فهو‏ ‏الذى ‏يتعلق‏ ‏بتغيير‏ ‏مفهوم‏ ‏الأطباء‏ ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏عن‏ ‏موقع‏ ‏الدواء‏ ‏بين‏ ‏العلاجات‏ ‏الأخرى، ‏وإنما‏ ‏عن‏ ‏مفهوم‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏والصحة‏ ‏النفسية‏ ‏أساسا‏، ‏فالمرض‏ ‏النفسى ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏القلق‏ ‏والمعاناة‏ ‏بما‏ ‏يتطلب‏ ‏تخديرا‏ ‏كيميائيا‏ ‏لإدخال‏ ‏الطمأنينة‏ ‏وإزالة‏ ‏الكآبة‏، ‏إن‏ ‏تغيير‏ ‏هذا‏ ‏المفهوم‏ ‏جذريا‏ ‏سيجعل‏ ‏الطبيب‏ ‏قادرا‏ ‏على ‏استيعاب‏ ‏حركة‏ ‏التاريخ‏، ‏والإسهام‏ ‏فى ‏دفع‏ ‏عجلته‏ ‏بإعادة‏ ‏التوازن‏، ‏وليس‏ ‏بوقف‏ ‏الحركة

‏- ‏شئ ‏من‏ ‏التبسيط‏ ‏والتطبيق‏ ‏لو‏ ‏سمحت‏.‏

إليك‏ ‏تشبيها‏ ‏بسيطا‏ ‏لعله‏ ‏ينفع‏ ‏القارئ‏ ‏لما‏ ‏أريد‏:‏

‏ ‏تصور‏ ‏أن‏ ‏عندك‏ ‏سيولة‏ ‏فى ‏مرور‏ ‏السيارات‏ ‏فى ‏شوارع‏ ‏مدينة‏ ‏ما‏، ‏سيولة‏ ‏منضبطة‏ ‏بإشارات‏ ‏وتقنيات‏ ‏وتباديل‏ ‏وتوافيق‏ ‏وتنظيم‏ ‏تكاملى ‏شامل‏، ‏(‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏يقابل‏ ‏توازن‏ ‏الصحة‏)‏ ثم‏ ‏تصور‏ ‏أنه‏ ‏قد‏ ‏حدث‏ ‏نشاز‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏السيولة‏ ‏والسهولة‏ ‏نتيجة‏ ‏توقف‏ ‏عربة‏ ‏أو‏ ‏تصادم‏ ‏عربتين‏ ‏أو‏ ‏سير‏ ‏فى ‏عكس‏ ‏الاتجاه‏ ‏إلخ‏ ‏(‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏يقابل‏ ‏المرض‏ ‏النفسى‏)‏.

– فماذا‏ ‏يكون‏ ‏الحل‏ ‏لإداة‏ ‏انسياب‏ ‏المرور‏ ‏والتكامل‏ ‏الأشمل؟

هل‏ ‏نوقف‏ ‏كل‏ ‏حركة‏ ‏المرور‏، ‏فيسود‏ ‏الهدوء‏ ‏تماما‏ ‏حيث يتعرض‏ ‏الناس‏ ‏لأى ‏مضاعفات‏ ‏حوادث‏ ‏طالما‏ ‏أن‏ ‏الحركة‏ ‏توقفت‏، ‏وعلى ‏قادة‏ ‏السيارات‏ ‏أن‏ ‏يناموافى ‏سياراتهم‏ ‏أو‏ ‏يتركونها‏ ‏حيث‏ ‏هى ‏؟‏ ‏إن‏ ‏نتيجة‏ ‏ذلك‏ ‏هو‏ ‏صمت‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏الموت‏ ‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏يحدثه‏ ‏موقف‏ ‏التهدئة‏ ‏المطلق‏ ‏باستعمال‏ ‏العقاقير‏ ‏المهدئة‏ ” ‏العظيمة‏” ‏طول‏ ‏الوقت‏ ‏طول‏ ‏العمر أم‏ ‏أن‏ ‏الأولى ‏هو‏ ‏حمل‏ ‏العربة‏ ‏المعطلة‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏سيال‏ ‏المرور‏، ‏وإيقاف‏ ‏أو‏ ‏تنحية‏ ‏قائد‏ ‏مخمور‏ ‏أو‏ ‏مجنون‏، ‏ثم‏ ‏تسهيل‏ ‏الباقى ‏حتى ‏ينصلح‏ ‏حال‏ ‏من‏ ‏أوقف‏ ‏انتقائيا‏، ‏أو‏ ‏عطل‏ ‏مؤقتا‏ ‏ليعود‏ ‏متناغما‏ ‏مع‏ ‏السياق‏ ‏العام؟

‏(‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏يقابل‏ ‏استعمال‏ ‏العقاقير‏ ‏انتقائيا‏ ‏لتهدئة‏ ‏مستوى ‏بذاته‏، ‏وكذا‏ ‏ما‏ ‏يتطلب‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏الاستعمال‏ ‏لفترات‏ ‏مؤقتة‏، ‏رغم‏ ‏احتمال‏ ‏تكرارها‏. 6) ‏قد‏ ‏أستشف‏ ‏من‏ ‏عبارتكم‏ “‏ليس‏ ‏بالدواء‏ ‏وحده‏ ‏يشفى ‏المريض‏” ‏إنطلاقة‏ ‏إلى ‏القرن‏ ‏القادم‏ ‏كنظرة‏ ‏مستقبلية‏… ‏فهل‏ ‏يتضمن‏ ‏ذلك‏ ‏اللجوء‏ ‏للأعشاب‏، ‏أو‏ ‏الليزر‏ ‏مثلا؟‏!‏

لا‏ ‏أبدا‏، ‏لا‏ ‏أقصد‏ ‏ذلك‏ ‏إطلاقا‏، ‏

‏- ‏ما‏ ‏هو‏ ‏رأيكم‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏وما‏ ‏هو‏ ‏حكمكم‏ ‏الخاص‏ ‏على ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏التجارب؟‏ ‏وهل‏ ‏هى ‏محل‏ ‏البحوث‏ ‏العلمية‏ ‏الطبية‏ ‏التطبيقية؟‏!‏

و‏فى ‏حالة‏ ‏ارجاع‏ ‏هذا‏ ‏الاقبال‏ ‏الى ‏اسباب‏ ‏نفسية‏ ‏تتفاقم‏ ‏فما‏ ‏الذى ‏ننتظره‏ ‏على ‏صحة‏ ‏أجيال‏ ‏الغد‏ ‏من‏ ‏وجهة‏ ‏نظركم‏.‏؟

صحيح‏ ‏أن‏ ‏الأعشاب‏ ‏تذكرنا‏ ‏بالطبيعة‏، ‏وأن‏ ‏أشعة‏ ‏الليزر‏ ‏تذكرنا‏ ‏بتقدم‏ ‏التكنولوجيا‏، ‏لكن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏مسألة‏ ‏أن‏ ‏نحل‏ ‏أداة‏ ‏محل‏ ‏أداة‏، ‏ولكن‏ ‏هى ‏فى ‏أنه‏ ‏ينبغى ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نستعمل‏ ‏الأداة‏ ‏لا‏ ‏أن‏ ‏نعتمد‏ ‏عليها‏ ‏اعتمادا‏ ‏مطلقا‏، ‏الدواء‏ ‏أداة‏، ‏والأعشاب‏ ‏أداة‏، ‏والليزر‏ ‏أداة‏، ‏وعلى ‏الطبيب‏ ‏والمريض‏ ‏أن‏ ‏يستعملوا‏ ‏ما‏ ‏شاؤوا‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذا‏، ‏ولكن‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏سياق‏ ‏كامل‏ ‏يعلن‏ ‏الهدف‏، ‏وهو‏ ‏الحياة‏ ‏الإيجابية‏ ‏والصحة‏ ‏التى ‏هى ‏التوازن‏ ‏الخلاق‏.‏

المشكلة‏ ‏ليست‏ ‏فى ‏مسألة‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏علم‏ ‏وذاك‏ ‏ليس‏ ‏كذلك‏، ‏المشكلة‏ ‏هى ‏أين‏ ‏تذهب‏ ‏نتائج‏ ‏الاكتشافات‏ ‏العلمية، ومن‏ ‏الذى ‏يستعملها‏ ‏فى ‏أى ‏غرض‏ ‏وأى ‏سياق وتاريخا‏ ‏انتهى ‏اكتشاف‏ ‏النظرية‏ ‏النسبية‏ ‏فتفتيت‏ ‏الذرة‏ ‏إلى ‏كارثة‏ ‏بشرية‏، ‏ وحديثا‏ ‏قد‏ ‏تنتهى ‏الهندسة‏ ‏الوراثية‏ ‏رغم‏ ‏عظمة‏ ‏معطياتها إلى ‏مصائب‏ ‏تهدد‏ ‏الجنس‏ ‏البشرى ‏بأكمله ونفس‏ ‏القياس‏ ‏يسرى ‏على ‏الأدوية‏ ‏النفسية‏، ‏فرغم‏ ‏روعة‏ ‏أسس‏ ‏اكتشاف‏ ‏الأدوية‏ ‏النفسية‏ ‏فإن‏ ‏استعمالها‏ ‏الخاطئ‏ (‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏العشوائى‏) ‏انتهى ‏إلى ‏مصائب‏ ‏منذرة‏ ‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏نحذر‏ ‏منه‏.‏

عن‏ ‏السلوك‏ ‏السلبى

‏1) ‏إن‏ ‏انتشار‏ ‏السلوك‏ ‏السلبى ‏فى ‏المجتمع‏ ‏فى ‏الازياد‏، ‏وهو‏ ‏ينتقل‏ ‏من‏ ‏جيل‏ ‏إلى ‏جيل‏ ‏بفعل‏ ‏التقليد‏ ‏من‏ ‏جهة‏ ‏بما‏ ‏يشمل‏ ‏التأثر‏ ‏بالافلام‏ ‏ووسائل‏ ‏الإعلام‏ ‏غير‏ ‏المنضبطة‏ ‏مثلما‏ ‏تبثه‏ ‏القنوات‏ ‏التلفزيونية‏ ‏الفضائية‏.‏

– ما‏ ‏علاقة‏ ‏الزار‏ ‏بالعلاج‏ ‏النفسي؟ وما‏ ‏تأثير‏ ‏الزار‏ ‏على ‏الإنسان‏ ‏المريض‏ ‏والإنسان‏ ‏العادي؟

الزار‏ ‏طقس‏ ‏شعبى ‏له‏ ‏تاريخ‏ ‏طويل، ‏وليس‏ ‏لأحد‏ ‏أن‏ ‏يتصدى ‏لتراث‏ ‏شعبى ‏بسلبياته‏ ‏وإيجابياته‏ ‏بالشطب‏ ‏أو‏ ‏التهوين‏، ‏ذلك‏ ‏لأن‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الطقوس‏ ‏تكتسب‏ ‏أحقيتها‏ ‏فى ‏البقاء‏ ‏من‏ ‏ثلاث‏ ‏مصادر‏:‏

أولا‏: ‏حاجة‏ ‏الناس‏ ‏إليها

ثانيا‏: ‏نتائجها

ثالثا‏: ‏دلالتها ‏(‏معناها‏ ‏أو‏ ‏لغتها‏ ‏وما‏ ‏تقول‏)‏ وبالنسبة‏ ‏للزار‏- ‏مثلا‏- ‏فكونه‏ ‏بقى ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏السنين‏، ‏وحظى ‏بكل‏ ‏هذا‏ ‏الإقبال‏ ‏فإنه‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يعامل‏ ‏على ‏هذا‏ ‏الأساس‏، ‏ولا‏ ‏يحق‏ ‏لأى ‏علم‏ ‏أو‏ ‏عالم‏ ‏أن‏ ‏يصدر‏ ‏فرمانا‏ ‏بشأنه‏ ‏لمجرد‏ ‏أن‏ ‏العلم‏ ‏لم‏ ‏يستطع‏ ‏أن‏ ‏يلم‏ ‏بطبيعته، ‏أو‏ ‏أن‏ ‏الملاحظين‏ ‏قد‏ ‏رصدوا‏ ‏بعض‏ ‏سلبياته‏.‏

ودعونا‏ ‏نرصد‏ ‏معالم‏ ‏الزار‏ ‏إيجابيا‏ ‏وسلبيا‏:‏

‏- ‏أما‏ ‏إيجابياته‏ ‏فقد‏ ‏تكون‏:‏

‏1- ‏إنه‏ ‏نشاط‏ ‏جماعى ‏موسيقى ‏راقص

‏2- ‏وهو‏ ‏يتم‏ ‏تحت‏ ‏إشراف‏ ‏وبمهارة‏ ‏وخبرة‏ ‏قائد‏ ‏أو‏ ‏قائدة‏ ‏تسمى ‏الكودية

‏3-‏ وهو‏ ‏يمارس‏ ‏أحيانا‏ ‏بشكل‏ ‏دورى ‏أو‏ ‏منتظم

‏4- ‏وهو‏ ‏يفرج‏ ‏عن‏ ‏النفس‏ ‏البشرية‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏أنه‏ ‏وسيلة‏ ‏للتعبير‏ ‏غير‏ ‏اللفظي‏، ‏أو‏ ‏للتعبير‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏انشقاق‏ ‏الوعى وكل‏ ‏هذا‏ ‏قريب‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏ ‏ما‏ ‏مما‏ ‏يجرى ‏فيما‏ ‏يسمى ‏العلاج‏ ‏النفسى‏.‏

‏- ‏أما‏ ‏سلبياته‏ ‏فيمكن‏ ‏إيجازها‏:‏

‏1-‏هو‏ ‏مبنى ‏على ‏التسليم‏ ‏بأن‏ ‏ثمة‏ ‏قوة‏ ‏خارجية‏ (‏أسياد‏ ‏أو‏ ‏جان‏ ‏أو‏ ‏ما‏ ‏شابه‏) ‏تلبس‏ ‏الإنسان‏ ‏من‏ ‏خارجه‏ ‏وبالتالى ‏يفتح‏ ‏الباب‏ ‏للتسليم‏ ‏والسلبية‏ ‏والتبعية‏.‏

‏2-‏وهو‏ ‏يبالغ‏ ‏فى ‏دورالقائد‏ (‏الكودية‏) ‏بما‏ ‏يضعف‏ ‏الإرادة‏ ‏الذاتية‏ ‏ويسمح‏ ‏بالاستغلال‏ ‏وبعض‏ ‏الانحرافات‏

‏4- ‏وهو‏ ‏يزيد‏ ‏من‏ ‏سهولة‏ ‏الإيحاء‏ (‏الاستهواء‏) ‏بما‏ ‏يجعل‏ ‏من‏ ‏يلجأ‏ ‏إليه‏ ‏عرضة‏ ‏أكثر‏ ‏فأكثر‏ ‏للإستسلام‏ ‏للعوامل‏ ‏الخارجية

‏5- ‏وهو‏ ‏قد‏ ‏يضيع‏ ‏فرصة‏ ‏حقيقية‏ ‏لعلاج‏ ‏حالات‏ ‏أخطر‏ ‏مثل‏ ‏الذهان‏ ‏والاضطرابات‏ ‏العضوية‏ ‏حيث‏ ‏أن‏ ‏المريض‏ ‏لا‏ ‏يميز‏ ‏هذا‏ ‏من‏ ‏ذاك‏، ‏وكذلك‏ ‏الكودية‏ ‏لا‏ ‏تميز‏ ‏العارض‏ ‏البسيط‏ ‏من‏ ‏المرض‏ ‏الخطير

خلاصة‏ ‏القول‏:‏ إن‏ ‏ما‏ ‏يجرى ‏فى ‏الزار‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏مفيدا لكن‏ ‏ما‏ ‏يبنى ‏عليه‏ ‏الزار‏ ‏من‏ ‏مسلمات‏ ‏وتبعية‏ ‏وفقد‏ ‏إرادة‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏شديد‏ ‏السوء ثم‏ ‏إن‏ ‏الاستغلال‏ ‏الذى ‏قد‏ ‏يترتب‏ ‏على ‏بعض‏ ‏الممارسات‏ ‏فيه‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏خطيرا‏ ‏على ‏الأخلاق‏ ‏والدين‏ ‏والصحة‏ ‏جميع

– ما‏ ‏هى ‏أسباب‏ ‏وأعراض‏ ‏المرض‏ ‏العقلى، ‏والنفسى، ‏ومستوى ‏الأعمار؟

هذا‏ ‏سؤا‏ل عام‏ ‏جدا‏ ‏ولا‏‏بد‏ ‏أن‏ ‏تنتظر‏ ‏منى ‏إجابة‏ ‏عامة‏ ‏

‏1-‏لا‏ ‏توجد‏ ‏أسباب‏ ‏محددة‏ ‏للمرض‏ ‏النفسى ‏والعقلى، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏كل‏ ‏العوامل‏ ‏تتفاعل‏ ‏حتى ‏يحدث‏ ‏المرض‏ ‏النفسي‏. ‏الوراثة‏ ‏لها‏ ‏دور‏ ‏التمهيد‏، ‏والتربية‏ ‏لها‏ ‏دور‏ ‏أن‏ ‏تجعل‏ ‏الكيان‏ ‏هشا‏، ‏والمجتمع‏ ‏له‏ ‏دور‏ ‏التفاقم‏ ‏والكسر‏ ‏والتوقيت‏ ‏هذا‏ ‏بصفة‏ ‏عامة

‏2- ‏أما‏ ‏أعراض‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏فهى ‏تشمل‏ ‏اضطراب‏ ‏كل‏ ‏وظيفة‏ ‏نفسية‏، ‏وكل‏ ‏علاقة‏ ‏الاجتماعية‏، ‏وكل‏ ‏أداء‏ ‏عقلي‏. ‏من‏ ‏أول‏ ‏الاكتئاب‏ ‏حتى ‏التفسخ‏ ‏والتدهور‏ ‏العقلى ‏الكامل‏.‏

المريض‏ ‏العقلى ‏هب‏ ‏هو‏ ‏ضحية‏ ‏المجتمع‏ ‏أو‏ ‏كما‏ ‏يقول‏ ‏لمبروزو‏ ” ‏المجرم‏ ‏الحقيقى ‏هو‏ ‏المجتمع”‏

أنا‏ ‏لا‏ ‏أوافق‏ ‏أبدا‏ ‏على ‏هذا‏ ‏الموقف‏ ‏التبريرى ‏والسلبى، ‏وفى ‏الحقيقة‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏لمبروزو‏ ‏فقط‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏قال‏ ‏ذلك‏ ‏بل‏ ‏كل‏ ‏المدرسة‏ ‏الاجتماعية‏ ‏وخاصة‏ ‏تلك‏ ‏الفئة‏ ‏المسماة‏ ‏بالحركة‏ ‏المناهضة‏ ‏للطب‏ ‏النفسى، ‏إن‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏مثل‏ ‏كل‏ ‏الأمراض‏، ‏حتى ‏أنه‏ ‏يمكن‏ ‏تشبيهه‏ ‏بالحمى ‏أحيانا‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏قصير‏ ‏المدى، ‏وبالسرطان‏ ‏أحيانا‏ ‏إذا‏ ‏التهم‏ ‏الجزئ‏ ‏الصحيح‏ ‏من‏ ‏الشخصية‏ ‏تماما‏، ‏وفى ‏كل‏ ‏من‏ ‏حالات‏ ‏الحمى ‏والسرطان‏ ‏للمجتع‏ ‏دور‏ ‏هام‏ ‏لكنه‏ ‏ليس‏ ‏السبب‏ ‏هكذا‏ ‏ببساطة‏.‏

كم‏ ‏نسبة‏ ‏الشفاء‏ ‏فى ‏المرض‏ ‏النفسى، ‏وماذا‏ ‏لولم‏ ‏تتغير‏ ‏ظروف‏ ‏أو‏ ‏مصدر‏ ‏المرض‏ ‏المحيطة‏ ‏بالمريض

بصراحة‏ ‏الذين‏ ‏يشفون‏ ‏هم‏ ‏كثرة‏، ‏بل‏ ‏إننى ‏أستطيع‏ ‏القول‏ ‏بلا‏ ‏مبالغة‏ ‏إن‏ ‏نسبة‏ ‏الشفاء‏ ‏هى ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏أى ‏تخصص‏ ‏فى ‏الأمراض‏ ‏الباطنة‏ ‏فيما‏ ‏عدا‏ ‏الحميات‏ ‏والالتهابات‏ ‏الطارئة‏.‏

لا‏ ‏تقل‏ ‏نسبة‏ ‏الشفاء‏ ‏عن‏ ‏ستين‏ ‏بالمائة‏ ‏وعشرون‏ ‏يتحسنون‏ ‏وعشرون‏ ‏يزمنون

هل‏ ‏يصح‏ ‏القول‏ “‏وراء‏ ‏كل‏ ‏مجنون‏ ‏امرأة‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏معينة‏ ‏بمستشفى ‏الأمراض‏ ‏العقلية‏”‏

هذا‏ ‏قول‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏النكتة‏، ‏المرأة‏ ‏ليست‏ ‏سببا‏ ‏فى ‏المرض‏ ‏النفسى ‏أو‏ ‏العقلى، ‏بل‏ ‏لعل‏ ‏العلاقة‏ ‏ الدافئة‏ ‏بامرأة‏ ‏هى ‏خير‏ ‏مساعد‏ ‏للشفاء‏، ‏سواء‏ ‏كانت‏ ‏هذه‏ ‏المرأة‏ ‏أما‏، ‏أم‏ ‏زوجة‏، ‏أم‏ ‏إبنة‏، ‏أم‏ ‏أختا‏.‏

– ما‏ ‏حكمكم‏ ‏العلمى ‏نفسا‏ ‏وعقليا‏ ‏على ‏حالات‏:‏

ا‏- ‏المجرم‏ ‏القاتل‏

‏ب‏- ‏المتطرف‏ ‏

جـ‏ -‏الخائف‏

‏ء‏- ‏الإرهابى

هـ‏- ‏الإنسان‏ ‏السوى ‏ومواصفاته‏.‏

– ‏المجرم‏ ‏القاتل‏؟

المجرم‏ ‏القاتل‏ ‏مجرم‏ ‏قاتل‏، ‏ولا‏ ‏داعى ‏لاعتباره‏ ‏مريضا‏ ‏على ‏طول‏ ‏الخط‏، ‏وينبغى ‏أن‏ ‏يتحمل‏ ‏مسئوليته‏ ‏تماما‏ ‏ما‏ ‏لم‏ ‏يثتب‏ ‏مرضه‏ ‏الخطير‏ ‏كسبب‏ ‏فى ‏حريمته‏ ‏وقت‏ ‏حدوثها‏ ‏وهذا‏ ‏نادر‏ ‏جدا‏.‏

‏ ‏‏- ‏المتطرف‏ ؟‏

أيضا‏ ‏المتطرف‏ ‏متطرف‏، ‏لا‏ ‏أكثر‏ ‏ولا‏ ‏أقل‏، ‏ولا‏ ‏داعى ‏لاتهامه‏ ‏بالمرض‏، ‏وإلا‏ ‏لكان‏ ‏غير‏ ‏مسئول‏ ‏والتمسنا‏ ‏له‏ ‏العذر‏، ‏لأن‏ ‏المرض‏ ‏ليس‏ ‏سبة‏ ‏ولا‏ ‏عذرا‏ ‏لهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الوجود‏ ‏الغبى ‏المتشنج‏.‏

‏ ‏‏- ‏الخائف‏ ؟ ‏

ما‏ ‏هذا‏ ‏يا‏ ‏سيدى، ‏الخائف‏ ‏خائف‏ ‏خائف‏، ‏والخوف‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏مرضا‏ ‏أحيانا‏ ‏لكنه‏ ‏طبيعة‏ ‏بشرية‏، ‏العلام‏ ‏فظيع‏ ‏والخوف‏ ‏حق‏ ‏لكل‏ ‏إنسان‏، ‏والخوف‏ ‏ليس‏ ‏جبنا‏.‏

‏ ‏‏- ‏الإرهابى؟

أيضا‏ ‏هو‏ ‏ليس‏ ‏مريضا‏ ‏ولكنه‏ ‏إرهابى ‏لا‏ ‏أكثر‏ ‏ولا‏ ‏أقل‏.‏

– ‏الإنسان‏ ‏السوى ‏ومواصفاته‏.؟

هو‏ ‏الإنسان‏ ‏الفاعل‏، ‏والمنتج‏، ‏والمحب‏، ‏والمحبوب‏، ‏والممتد‏ ‏فى ‏الواقع‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يتخلى ‏عن‏ ‏الأمل‏ ‏والحلم

انتشرت‏ ‏فى ‏الفترة‏ ‏الأخيرة‏ ‏شريحة‏ ‏من‏ ‏المجتمع‏ ‏يلبسون‏ ‏ملا‏ ‏بس‏ ‏ممزقة، ‏ويرسلون‏ ‏شعرهم‏ ‏بكثافة‏،…‏إلخ

– فهل‏ ‏هؤلاء‏ ‏مرضى ‏نفسيين‏…‏أم‏ ‏عقليين؟‏ ‏أم‏ ‏ضعاف‏ ‏عقول‏، ‏أم‏ ‏متخلفين‏ ‏عاطفيا‏ ، ‏ماذا؟

أولاً:‏ ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏أنبه‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الظاهرة‏ ‏هى ‏شائعة‏ ‏فى ‏مجتمعات‏ ‏كثيرة‏، ‏بل‏ ‏إنها‏ ‏شائعة‏ ‏فى ‏المجتمعات‏ ‏المتقدمة‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏شيوعها‏ ‏فى ‏المجتمعات‏ ‏النامية‏ ‏بل‏ ‏والمتخلفة، ‏وحتى ‏هذه‏ ‏الظاهرة‏ ‏تلاحظ‏ ‏فى ‏القاهرة‏ ‏والإسكندرية‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏تلاحظ‏ ‏فى ‏الريف‏.‏

ولا‏ ‏يمكن‏ ‏التعميم‏ ‏حين‏ ‏نرى ‏ثيابا‏ ‏قذرة‏ ‏وشعرا‏ ‏مرسلا‏ ‏ووجها‏ ‏غير‏ ‏حلق‏، ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نعمم‏ ‏ونشخص‏ ‏هكذا‏ ‏عن‏ ‏بعد، ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏الأغلب‏ ‏أننا‏ ‏أمام‏ ‏حالة‏ ‏عقلية‏ ‏خاصة، ‏لكن‏ ‏ليس‏ ‏هذا‏ ‏بالضرورة‏ ‏مرض‏ ‏عقلي‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏هناك‏ ‏احتمال‏ ‏هؤلاء‏ ‏الذين‏ ‏يسمون‏ ‏أنفسهم‏ ‏الهيبيز‏، ‏أو‏ ‏ما‏ ‏شابه، ‏ممن‏ ‏يتصورون‏ ‏أن‏ ‏الثورة‏ ‏هى ‏ألا‏ ‏تحترم‏ ‏قيم‏ ‏المجتمع

‏ ‏ويرجع‏ ‏أهل‏ ‏الغرب‏ ‏هذه‏ ‏الظاهرة‏ ‏إلى ‏أمرين‏: ‏الحرية‏ ‏الزائفة‏ ‏وما‏ ‏يصاحبها‏ ‏أحيانا‏ ‏من‏ ‏التمادى ‏فى ‏تعاطى ‏الكحول‏ ‏وما‏ ‏أشبه‏، ‏ثم‏ ‏غلق‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏المصحات‏ ‏العقلية، ‏هذا‏ ‏بالإضافة‏ ‏إلى ‏عوامل‏ ‏اجتماعية‏ ‏وبيئية‏ ‏مثل‏ ‏البطالة‏ ‏والتفرقة‏ ‏العنصرية‏ ‏

وعندنا‏ ‏يختلف‏ ‏الأمر‏ ‏قليلا‏، ‏وخاصة‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏عندنا‏ ‏لباس‏ ‏قومى ‏واحد، ‏وليس‏ ‏عندنا‏ ‏درجة‏ ‏معينة‏ ‏مرتبطة‏ ‏بنوع‏ ‏معين‏ ‏من‏ ‏النظافة‏، ‏فيتراوح‏ ‏الأمر‏ ‏بين‏ ‏متسول‏ ‏خفي، ‏وشاذ‏ ‏هائم‏، ‏ومريض‏ ‏عقلى ‏وفى ‏الريف‏ ‏يرعى ‏الناس‏ ‏مثل‏ ‏هؤلاء‏ ‏بمسئولية‏ ‏ورقة‏ (‏هذا‏ ‏كان‏ ‏فى ‏الريف‏ ‏الذى ‏أعرفه‏ ‏أنا‏ ‏وليس‏ ‏ريف‏ ‏التليفزيون‏ ‏والفيديو‏)‏ وفى ‏المدينة‏ ‏قد‏ ‏يقوم‏ ‏رجل‏ ‏البوليس‏ ‏بإخلاء‏ ‏بعض‏ ‏الطرق‏ ‏المهمة‏ ‏من‏ ‏هؤلاء‏ ‏الناس‏ ‏حتى ‏لا‏ ‏يصبحون‏ ‏قذى ‏فى ‏عيون‏ ‏المسئولين أما‏ ‏فيما‏ ‏عدا‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏فإن‏ ‏المسألة‏ ‏قد‏ ‏ترجع‏ ‏إلى ‏الميل‏ ‏إلى ‏الإقلا‏ل ‏من‏ ‏دخول‏ ‏مستشفيات‏ ‏الأمراض‏ ‏العقلية‏، ‏بل‏ ‏والاتجاه‏ ‏إلى ‏إخراج‏ ‏المرضى ‏وهم‏ ‏مازالوا‏ ‏كذلك‏ ‏لعدم‏ ‏وجود‏ ‏المصاريف‏ ‏الكافية‏ ‏والأسرة‏ ‏الكافية

لكن‏ ‏هناك‏ ‏من‏ ‏يظهرون‏ ‏بهذا‏ ‏المظهر‏ ‏وهم‏ ‏ليسوا‏ ‏مرضى ‏عقليين‏ ‏أصلا‏.‏

– وما‏ ‏مدى ‏خطورة‏ ‏هؤلاء‏ ‏على ‏المجتمع؟

لا‏ ‏يمثل‏ ‏أغلب‏ ‏هؤلاء‏ ‏الناس‏ ‏خطرا‏ ‏مباشرا، ‏وخاصة‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالعنف‏ ‏والجريمة، ‏لكنهم‏ ‏يمثلون‏ ‏خطرا‏ ‏غير‏ ‏مباشر‏ ‏بمعنى ‏أنهم‏ ‏طاقة‏ ‏معطلة‏، ‏وكم‏ ‏مهمل‏ ‏من‏ ‏البشر‏، ‏قم‏ ‏هم‏ ‏مقل‏ ‏البثور‏ ‏على ‏وجه‏ ‏المجتمع‏.‏

‏ ‏- وكيف‏ ‏يمكن‏ ‏علاج‏ ‏هؤلاء؟

لا‏ ‏يمكن‏ ‏التعميم، ‏لا‏ ‏بد‏ ‏من‏ ‏فحص‏ ‏كل‏ ‏حالة‏ ‏على ‏حدة‏ ‏وأن‏ ‏يأخذ‏ ‏كل‏ ‏منهم‏ ‏الرعاية‏ ‏الكافية‏ ‏حسب‏ ‏حالته‏ ‏وتشخيصه‏، ‏فالمتسول‏ ‏له‏ ‏إجراء‏، ‏والمريض‏ ‏العقلى ‏له‏ ‏مصحة‏، ‏والمريض‏ ‏النفسى ‏له‏ ‏فرص‏ ‏علاج‏ ‏وعقاقير‏ ‏ومتابعة‏، ‏وهكذا.

– إلى ‏أى ‏مدى ‏كان‏ ‏إغلاق‏ ‏المستشفيات‏ ‏العقلية‏ ‏مسئولة‏ ‏عن‏ ‏ذلك؟

المستشفيات‏ ‏لم‏ ‏تغلق‏ ‏بعد‏ ‏فى ‏مصر‏ ‏بالمعنى ‏الشائع‏, ‏وإنما‏ ‏هى ‏قد‏ ‏أغلقت‏ ‏بحماس‏ ‏زائف‏ ‏فى ‏الخارج‏ ‏فى ‏السبعينات‏ ‏ثم‏ ‏حدث‏ ‏تراجع‏ ‏من‏ ‏أؤاخر‏ ‏الثمانينات‏ ‏وحتى ‏الآن‏.‏

– وهل‏ ‏هم‏ ‏نتاج‏ ‏تفاعل‏ ‏المجتمع‏ ‏مع‏ ‏متغيرات‏ ‏جديدة‏ ‏عليه؟

هم‏ ‏علامة‏ ‏على ‏متغيرات‏ ‏المجتمع‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏عدم‏ ‏الاهتمام‏ ‏بابن‏ ‏السبيل‏، ‏والمريض، ‏وهى ‏أيضا‏ ‏علامة‏ ‏على ‏سوء‏ ‏استعمال‏ ‏الحرية، ‏والقصور‏ ‏المحيط‏ ‏بالفهم‏ ‏السليم‏ ‏للمرض‏ ‏النفسى‏، ‏لكنهم‏ ‏ليسوا‏ ‏نتاج‏ ‏المتغيرات‏ ‏الجديدة‏، ‏إن‏ ‏المتغيرات‏ ‏أظهرتهم‏ ‏على ‏السطح‏ ‏ليس‏ ‏إلا‏.‏

‏- ما‏ ‏هو‏ ‏رأى ‏سيادتكم‏ ‏فى ‏قضية‏ ‏مس‏ ‏الجان‏ ‏بالإنسان‏ ‏وتلبسه‏ ‏به؟

‏أولا‏ ‏ماذا‏ ‏يعنى ‏رأى ‏سيادتكم‏، ‏هل‏ ‏تقصد‏ ‏رأيا‏ ‏خاصا‏ ‏أم‏ ‏رأى ‏العلم‏ ‏أم‏ ‏ماذا‏ ؟

ثم‏ ‏ماذا‏ ‏تقصد‏ (‏إن‏ ‏قصدت‏) ‏برأى ‏العلم‏- ‏أى ‏علم‏‏؟‏ ‏العلم‏ ‏التجريبى، ‏أم‏ ‏العلم‏ ‏الغيبى؟ ‏أم‏ ‏العلم‏ ‏اللدنى؟

إسمح‏ ‏لى ‏أن‏ ‏أصارحك‏ ‏ابتداء‏ ‏أننى ‏متخوف‏ ‏من‏ ‏مسائل‏ ‏رأى ‏سيادتكم‏ ‏هذه‏، ‏ثم‏ ‏ما‏ ‏هى ‏القضية‏، ‏ومتى ‏نسمى ‏الظاهرة‏ ‏قضية‏؟‏ ‏إننى ‏أتوقع‏ ‏أن‏ ‏تسألنى ‏عن‏ ‏لماذا‏ ‏ثار‏ ‏هذا‏ ‏الموضوع‏ ‏الآن‏، ‏وليس‏ ‏عن‏ ‏ماهيته‏ ‏ورأيى ‏فيه‏، ‏نحن‏ ‏نعيش‏ ‏عصرا‏ ‏يحتاج‏ ‏لمراجعة‏ ‏البديهيات‏ ‏على ‏ما‏ ‏يبدو.

رأيى ‏يا‏ ‏سيدى ‏أنه‏ ‏مادام‏ ‏الناس‏ ‏قد‏ ‏قالوا‏ ‏ذلك‏ ‏فقد‏ ‏قالوا‏ ‏ذلك‏، ‏وأنا‏ -‏بطبيعة‏ ‏مهنتى- ‏أميل‏ ‏إلى ‏احترام‏ ‏رأى ‏الناس‏، ‏قد‏ ‏أختلف‏ ‏مع‏ ‏العامة‏ ‏فى ‏التسميات‏، ‏أما‏ ‏الظواهر‏ ‏فهى ‏ما‏ ‏يقول‏ ‏الناس

الناس‏ ‏ترى ‏أنهم‏ ‏ليسوا‏ ‏أحرارا‏، ‏وليسوا‏ ‏مختارين‏، ‏وليسوا‏ ‏أسوياء‏، ‏وليسوا‏ ‏سعداء‏، ‏فليكن‏ ‏الجن‏ ‏الأزرق‏ ‏هو‏ ‏السبب‏، ‏لم‏ ‏لا؟

‏- يدعى ‏بعض‏ ‏المعالجين‏ ‏بالقرآن‏ ‏أن‏ 60  %من‏ ‏نزلاء‏ ‏مستشفى ‏الأمراض‏ ‏العقلية‏ ‏ليسوا‏ ‏مرضى ‏ولكن‏ ‏يتلبسهم‏ ‏الجان‏ -‏وهم‏ ‏على ‏استعداد‏ ‏للتحدى ‏وعلاج‏ ‏هؤلاء‏ ‏المرضى- ‏ما‏ ‏رأى ‏سيادتكم‏ ‏فى ‏ذلك‏.‏؟

لابد‏ ‏من‏ ‏احترام‏ ‏آراء‏ ‏هؤلاء‏ ‏المتحمسين‏ ‏أيضا‏، ‏ودعنى ‏أسألك‏ ‏صراحة‏ ‏هل‏ ‏نعطيهم‏ ‏فرصة‏ ‏التجربة‏ ‏أم‏ ‏لا؟‏ ‏وماذا‏ ‏سنخسر‏ ‏مادامت‏ ‏المياه‏ ‏تكذب‏ ‏الغطاس‏، ‏وما‏ ‏دام‏ ‏الجنون‏ ‏يكذب‏ ‏الأدعياء‏، ‏وأنا‏ ‏لا‏ ‏أقول‏ ‏إنهم‏ ‏أدعياء‏، ‏بل‏ ‏دعنى ‏أصارحك‏ ‏أن‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏الممارسات‏ ‏الطبية‏ ‏بالعقاقيرالتى ‏تسمى ‏حديثة‏ ‏هى ‏مبنية‏ ‏على ‏أسس‏ ‏خاطئة‏ ‏لا‏ ‏تفضل‏ ‏كثيرا‏ ‏ما‏ ‏يدعيه‏ ‏هؤلاء‏، ‏والإيمان‏ ‏الذى ‏يؤمن‏ ‏به‏ ‏الأيباء‏ ‏فى ‏فاعلية‏ ‏هذه‏ ‏العقاقير‏ ‏وطريقة‏ ‏عملها‏ ‏لا‏ ‏يقل‏ ‏عن‏ ‏الإيمان‏ ‏الذى ‏يؤمن به‏ ‏هؤلاء‏ ‏فى ‏فاعلية‏ ‏العلاج‏ ‏بالقرآن‏، ‏ولن‏ ‏أذكر‏ ‏لك‏ ‏النتائج‏ ‏الهزلية‏ ‏والفروض‏ ‏الضعيفة‏ ‏وراء‏ ‏هذا‏ ‏الاندفاع‏ ‏على ‏الجانبين.

إن‏ ‏مصلحة‏ ‏المريض‏، ‏واختفاء‏ ‏أعراضه‏، ‏ثم‏ ‏عودته‏ ‏كيانا‏ ‏فاعلا‏ ‏هى ‏المحك‏ ‏الأول‏ ‏والأخير‏ ‏لهذه‏ ‏الادعاءات‏ ‏على ‏الجانبين‏.‏

‏- يقول‏ ‏المعالجين‏ ‏بأن‏ ‏أطباء‏ ‏العلاج‏ ‏النفسى ‏والعقلى ‏لا‏ ‏يعترفون‏ ‏بالعلاج‏ ‏بالقرآن‏ ‏وذلك‏ ‏خوفا‏ ‏على ‏أنفسهم‏ ‏وعلى ‏مهنتهم‏؟

أولا‏: ‏أنا‏ ‏طبيب‏ ‏نفسى، ‏وأعترف‏ ‏بالعلاج‏ ‏بالقرآن‏، ‏فلماذا‏ ‏هذا‏ ‏التعميم‏، ‏ولكننى ‏أختلف‏ ‏فى ‏الطريقة‏ ‏التفاصيل‏، ‏فالقرآن‏ ‏الكريم‏ ‏ليس‏ ‏رقية‏، ‏وليس‏ ‏رمزا‏ ‏فارغا‏، ‏وليس‏ ‏تعليقة‏ ‏على ‏الصدر‏ ‏فى ‏إطار‏ ‏مذهب‏، ‏أو‏ ‏على ‏الحائط‏ ‏فى ‏لوحة‏ ‏مزينة‏، ‏القرآن‏ ‏هو‏ ‏فعل‏ ‏قائم‏ ‏بيننا‏، ‏هو‏ ‏إلهام‏ ‏مستمر‏، ‏هو‏ ‏اقتراب‏ ‏من‏ ‏الواقع‏ ‏وتنقية‏ ‏للفطرة‏ ‏وتأكيد‏ ‏للتناسق‏ ‏مع‏ ‏الكون‏ ‏الأعظم‏، ‏فكيف‏ ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏لهذا‏ ‏علاجا‏. ‏

ثانيا‏: ‏مسألة‏ ‏أن‏ ‏الأطباء‏ ‏لا‏ ‏يعرفون‏ ‏سببا‏ ‏لأغلب‏ ‏أنواع‏ ‏الصرع‏، ‏فهذه‏ ‏من‏ ‏أكبر‏ ‏درجات‏ ‏الأمانة‏ ‏العلمية‏، ‏ولكن‏ ‏ليس‏ ‏معنى ‏اعتراف‏ ‏الأطباء‏ ‏بأن‏ ‏أسباب‏ ‏كثيرة‏ ‏من‏ ‏الأمراض‏ (‏وليس‏ ‏الصرع‏ ‏فقط‏) ‏ليست‏ ‏بعد‏ ‏فى ‏متناولهم‏، ‏ليس‏ ‏معنى ‏ذلك‏ ‏أنهم‏ ‏ينبغى ‏عليهم‏ ‏أن‏ ‏يستسلموا‏ ‏لأى ‏تصور‏ ‏عابر‏ ‏أو‏ ‏سطحى ‏لما‏ ‏لا‏ ‏يعرفون‏، ‏بل‏ ‏على ‏الآخرين‏ ‏أن‏ ‏يكونوا‏ ‏فى ‏مثل‏ ‏أمانتهم‏ ‏ويعترفون‏ ‏بالجهل‏ ‏المفيد‏، ‏وما‏ ‏أوتينا‏ ‏من‏ ‏العلم‏ ‏إلا‏ ‏قليلا‏.‏

ثالثا‏: ‏ليس‏ ‏كل‏ ‏تشنج‏ ‏وغياب‏ ‏عن‏ ‏الوعى ‏صرعا‏، ‏وإنما‏ ‏أغلب‏ ‏التشنجات‏ ‏تقع‏ ‏تحت‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏إنشقاق‏ ‏الوعى، ‏وهو‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏التنويم‏ ‏الذاتى، ‏يصيب‏ ‏الشخصيات‏ ‏غير‏ ‏الناضجة‏ ‏والتى ‏تتمتع‏ ‏بقابلية‏ ‏خاصة‏ ‏للإيحاء‏، ‏وبالتالى ‏فهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الإغماء‏ ‏الذى ‏يسميه‏ ‏العامة‏ ‏صرعا‏ ‏أيضا‏ ‏يستجيب‏ ‏لأى ‏إيحاء‏ ‏علاجى ‏سواء‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏القرآن‏ ‏أم‏ ‏تراتيل‏ ‏الإنجيل‏ ‏أم‏ ‏تعاويذ‏ ‏بوذا‏ ‏قد‏ ‏يأتى ‏بنتيجة‏ ‏طيبة‏، ‏فلماذا‏ ‏الرفض؟‏ ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏لماذا ‏الاتهام‏ ‏المتبادل؟

وأنا‏ ‏شخصيا‏ ‏لا‏ ‏أقبل‏ ‏التحدى ‏لأننى ‏لم‏ ‏أنكر‏ ‏اكتمال‏ ‏فضلهم‏ ‏مادام‏ ‏المقياس‏ ‏هو‏ ‏مصلحة‏ ‏المرض‏ ‏العاجلة‏ ‏والآجلة‏، ‏ليكون‏ ‏شخصا‏ ‏سليما‏ ‏منتجا‏.‏

– ما‏ ‏هو‏ ‏تفسير‏ ‏سيادتكم‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏الجان‏ ‏لا‏ ‏يمس‏ ‏الانسان‏ ‏ولا‏ ‏يتلبسه‏ -‏أقول‏- ‏ماذا‏ ‏تفسرون‏ ‏اغماءه‏ ‏المريض‏ ‏وخروج‏ ‏صوت‏ ‏من‏ ‏جسده‏ ‏يحدث‏ ‏المعالج‏ ‏بالقرآن‏ ‏ويرد‏ ‏عليه‏.‏؟

أكرر‏ ‏إننى ‏لم‏ ‏أنكر‏ ‏المس‏، ‏وإنما‏ ‏أنا‏ ‏أقول‏ ‏عن‏ ‏نفس‏ ‏الظاهرة‏ ‏قولا‏ ‏بأسماء‏ ‏أخرى، ‏وهذا‏ ‏الذى ‏يتلبس‏ ‏المريض‏ ‏هو‏ ‏ذات‏ ‏أخرى، ‏هى ‏فى ‏داخلنا‏، ‏وقد‏ ‏نسقطها‏ ‏على ‏الخارج‏، ‏ولها‏ ‏القدرة‏ ‏على ‏الحديث‏ ‏بصوت‏ ‏آخر‏، ‏وبلغة‏ ‏أخرى ‏أحيانا‏، ‏مثلما‏ ‏يحدث‏ ‏فى ‏الحلم‏ ‏تماما‏، ‏ومثلما‏ ‏يحدث‏ ‏لمن‏ ‏يتكلم‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏، ‏أو‏ ‏حتى ‏يمشى ‏أثناء‏ ‏النوم‏، ‏فهل‏ ‏أنكر‏ ‏الحلم‏ ‏أيضا؟‏ ‏الإنسان‏ ‏كائن‏ ‏متعدد‏ ‏طبقات‏ ‏الشعور‏، ‏وكل‏ ‏طبقة‏ ‏لها‏ ‏مواصفاتها‏ ‏واستقلاليتها‏ ‏أحيانا‏ (‏فى ‏الحلم‏ ‏فى ‏الأحوال‏ ‏العادية‏، ‏وفى ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏المظاهر‏ ‏الانشقاقية‏ ‏التى ‏تسمى ‏مسا‏) ‏وأى ‏علاج‏ ‏يساعد‏ ‏الإنسان‏ ‏أن‏ ‏يقبل‏ ‏تعدد‏ ‏وجوده‏ ‏هو‏ ‏علاج‏ ‏ميد‏ ‏شريطة‏ ‏ألا‏ ‏يسلب‏ ‏الإنسان‏ ‏إرادته‏ ‏فيصبح‏ ‏تابعا‏ ‏بغيره.

خلاصة‏ ‏القول‏: ‏إن‏ ‏القرآن‏ ‏فيه‏ ‏شفاء‏ ‏للناس‏، ‏بالحق‏ ‏والعمل‏، ‏والإيمان‏ ‏وتعميق‏ ‏الفطرة‏، ‏والقرب‏ ‏من‏ ‏الواقع‏ ‏وتكامل‏ ‏الإنسان‏، ‏

أما‏ ‏أن‏ ‏أستسلم‏ ‏لغيرى، ‏وأفقد‏ ‏إرادتى، ‏ؤأتنازل‏ ‏عن‏ ‏شرف‏ ‏وعيى ‏سواء‏ ‏لمن‏ ‏يتبرك‏ ‏بالقرآن‏ ‏لفظا‏ ‏لا‏ ‏فعلا‏، ‏أو‏ ‏من‏ ‏يقدس‏ ‏الكيمياء‏ ‏تخديرا‏ ‏لا‏ ‏تنظيما‏ ‏فهذا‏ ‏ما‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نرفضه‏ ‏بكل‏ ‏تأكيد‏.‏

– متى يحزن الإنسان؟

يحزن الإنسان حين يولد، الحزن هو أصل فى الوعى البشرى، لا يصح أن نُصِرّ على أن نربط الحزن له بسبب ظاهر، نحن نختزل أرقى المشاعر إلى أتفه المظاهر. هناك فرق بين الحزن، وبين ما يسمى الاكتئاب الذى افضل تسميته بالاسم الذى اقترحه المرحوم أ.د. عبد القوصى “الانهباط”.

– جذور الحزن فى النفس المصرية؟                                           

جذور الحزن فى النفس المصرية هى جذور الحزن فى البشر عامة.

– لماذا الحزن الواضح والعبوس المنتشر على الوجوه المصرية الآن؟

لا أظن أن ما يظهر على الوجوه المصرية هذه الأيام هو عبوس أو حزن – إننى أرى الإنهاك واليأس، كما أرى اللامبالاة والاستهتار (التفويت) أكثر مما أرى الحزن.

– المصرى مشهور بابتسامته حتى فى أصعب الأحوال لماذا تغير الحال الآن؟

المصرى ليس مشهورا بابتسامته كما يشاع هو مشهور (أو كان مشهورا) بقفشته، بضحكته، بسخريته، أما الابتسامة فهى شئ يصف الدماثة المسطحة فى نظرى، كما قد يصف الرقة المسترخية، ونحن والحمد لله ليس عندنا مؤهلات لهذا أو ذاك.

– التأثيرات النفسية الناتجة عن هذا الشعور الحزين؟

يا سيدى دعك من تعبير التأثيرات النفسية هذه. إن ترجمة المشاعر البشرية إلى مصطلحات نفسيه هى بدعة تشوه نبض الوجدان وتختزل الوعى إلى مجرد ألفاظ لا يمكن أن تحيط بجيشان البشر المتلاطم فى هذا الصخب الدائر. أرجوك أن تقبل رفضى “لنَفْسَنَةْ” الظواهر السياسية والاجتماعية وحتى العاطفية إلى مصلحات “طب نفسيه” أو “علم نفسيه”.

– مراحل الحزن وصوره؟

لا يوجد شئ اسمه مراحل الحزن يقول صلاح جاهين وهو يصف الإنسان فى بحر الضياع وتساؤله عنه “وإيه مستطاع” يقول “الحزن ما بقالهوش جلال يا جدع، الحزن زى البرد زى الصداع” ومع أن صلاح-رحمه الله – اعترف بجلال الحزن إلا أنه شخصيا وقع صريعا له حين اضطره الأطباء – للأسف – أن يعامل حزنه بدون جلال، أن يكون حزنه “زى البرد زى الصداع”!!!

– هل شهد المجتمع المصرى اختفاء الابتسامة مثلما الحال الآن؟

طبعا- المجتمع المصرى وصل فى عهد بعض الفاطميين إلى المجاعة، وفى عصى الحاكم بأمر الله إلى الرعب المهلك، وفى رواية نهر السماء لـ “فتحى إمبابى” نرى صورا من القهر والذل والكآبة واليأس من أبشع ما مّر على الشعب المصرى، ومع ذلك تخطى الشعب المصرى كل ذلك بعناد لا مثيل له، ومازلنا نعيش بحزننا وفرحنا جميعا.

– هل ازدادت حالات الاكتئاب أو ما شابه فى الآونة الأخيرة؟ لماذا؟

هذا أمر يحتاج اولا تعريفا للاكتئاب بالمعنى المرضى حتى نميزه عن الحزن الطبيعى، والحزن ذى الجلال والحزن الرؤية ثانيا: لمعرفة الاجابه نحن نحتاج إلى أبحاث انتشارية ليس عندنا أدواتها أصلا. إن الزعم أن 20% أو 50% من الشعب مكتئبيين هو رغم خاطئ، كما أنه إهانه للشعب المصرى وأيضا هو يستهين بعناده وصبره وسخريته وتحديه.

– هل هناك نماذج يمكن عرضها شخصيات دون الافصاح عنهم؟

لا – آسف، أنا لا أميل إلى مثل ذلك خشية الاختزال فالتشوية

– ما هى الأسباب والدوافع التى تؤدى إلى الشعور بالنقص؟

إن هذا التعبير – الشعور بالنقص – لم يعد المشكلة كما كان منذ نصف قرن، المفروض أن كل إنسان يشعر بنقص ما، ليسعى فى سبيل الاقلال منه، ولا أقول التخلص منه، الشعور بالنقص يكون إيجابيا حين يكون حافزا لاستمرار النمو واضطراد التعلم، ويكون سلبيا حين يكون بلا أساس موضوعى، وأيضا حين يعيق صاحبه عن تجاوزه.

أما الأسباب فهى بلا حصر، وقد تكون نتيجة لحادث بذاته أو لنقص خلقى فعلا، أو لخبرة معينة، ولكن أى من هذا لا يكفى وحده إذ لابد من الاستهداف للتفاعل السلبى من جانب الفرد.

– هل للأسرة دور فى إنشاء شباب يشعر بعقدة النقص؟

نعم، خصوصا إذا كان هناك تفضيل بين الأبناء أو البنات دون مبرر، وأيضا فى أسر الطبقة المتوسطة التى كل رأسمالها طموح الأولاد والتباهى بهم (كأنهم مشروع استثمارى) هنا يحتد الصراع بين الأسر وبين الأبناء فيشعر الذى لم يفز فى الصراع بالنقص، وقد يمتد معه حتى لو فاز.

– كيف نتعامل مع الشخص الذى يشعر بعقدة النقص؟

من ناحية لابد من الوقاية بتجنب الأسباب، ومن ناحية أخرى ينبغى أن نتذكر أن مجرد نفى النقص والتأكيد طول الوقت على أنه نقص وهمى لا يفيد كثيرا.

إن الممكن هو تنمية الجوانب التى لا يشعر فيها الشخص بالنقص، جنبا جنب مع حفز مسيرة النمو والتكامل حتى يعاد تشكيل الذات من نقصها وتفوقها بشكل متجدد باستمرار.

– زادت فى الأونة الأخيرة حالات تردد الشباب صغار السن على عيادات الأطباء النفسيين. فماهى الأسباب التى تعتقدها سيادتكم وراء هذه الظاهرة؟

– ليس عندى خبر عن هذه المعلومة، المسألة تحتاج إلى إحصاء دقيق وليس مجرد إشاعة، فى خبرتى الخاصة، أظن أن الزيادة طفيفة، وهى نابعة من الأهل أكثر منها من الشباب أنفسهم.

– ما هو تقدير سيادتكم لنوعية الشباب الذى يتردد على العيادات النفسية (هل هم من الطبقات الراقية أم من محدودى الدخل أو من الطبقات الفقيرة)؟

– بصراحة هذا أمر يتوقف على نوع الخدمات، وهل هى بمقابل أم بدون مقابل، خذ مثلا المستشفيات الجامعية على مستوى القطر، ومتى وجدت عيادة نفسية بها، وخذ المترددين عليها وكلهم من الشباب، ثم قارن كما تشاء، علما بأنها أيضا مقارنة غير منصفة لأن القادر منهم (من الطبقة الأعلى) قد يفضل أن يذهب لعيادة خاصة برغم الخدمة المجانية، نفس الأمر قد ينطبق على عيادات الصحة المدرسية والتأمين الصحى…. ألخ.

– هناك 4 ملايين مريض نفسى فى مصر. تُرى ما هى نسبة الشباب منهم؟ وهل هناك حالات ترددت على سيادتكم؟ وما هى أبرز الأمراض النفسية التى يعانون منها؟

– حكاية أربعة ملايين وعشرة ملايين التى ترد فى الصحف وعلى لسان بعض المختصين ينبغى الوقوف عندها بحذر، لأن الحد الفاصل بين المرض النفسى والصحة النفسية غير واضح فليس كل “حزين” مصاب بمرض الاكتئاب، وليس كل قلق على نفسه أو بلده أو مستقبله مصاب بالقلق.. إلخ. هناك أرقام محددة لبعض الأمراض الأخطر مثل الذهان وهى نفس الأرقام العالمية تقريباً. علينا أن ننتبه إلى ما تروجه شركات الدواء أحيانا لأمور غير طيبة وغير أخلاقية، أما حكاية أبرز الأمراض النفسية فهى تحتاج إلى أحصاء دقيق قبل الإجابة.

– التردد على طبيب نفسى يعتقده البعض أنه رفاهية كما أن الأغلبية لا تملك تكلفة التردد على الطبيب النفسى فما هو تعليقكم على هذا؟

– عند بعض الذين يملكون القرش والوقت، قد يبدو ذلك رفاهية فى الاستشارة الأولى مثلا، أما التمادى فى ذلك دون وجود مرض حقيقى فهذا يتوقف على الموقف الأخلاقى للطبيب، والموقف التبريرى لمجتتمع الرفاهية الذى قد يستعمل الطب النفسى كشماعة لفشل أو كسل أو اعتمادية.

– حتى وقت قريب كان التردد على طبيب نفسى يعنى أن الشخص مجنون أو مختل بماذا تفسر زيادة عدد الحالات وخاصة من الشباب الذين يترددون على العيادات النفسية فى الفترة الأخيرة؟

– لم يعد الأمر كذلك، وأنا شخصيا احترم الجنون أكثر من احترامى لكلمة مريض نفسى، وأحب أن أصنف نفسى طبيب مجانين أو للأمراض العقلية بدلا من هذا التميز المائع، أما حكاية وخاصة الشباب فقد سبق الأجابة عليها.

– لماذا ازدادت جرائم المرضى النفسيين والمختلين خاصة من الشباب؟ على سبيل المثال حادث كنائس الاسكندرية – وحادث بنى مزار بالمنيا لشباب يبلغ من العمر (26 عاما)؟

– لم تزد الجرائم تسبب المرض النفسى أو الجنون، ومتهم بنى مزار لم يثبت أنه كان مجنونا أثناء الحادث ولا ثبت بعد أنه ارتكبه أصلا، وحادث الاسكندرية مازال تحت الفحص (عيب كل ذلك).

– ما هى الروشتة الطبية التى تقدمها للتعامل مع الشباب من قبل المجتمع والمسئولين والأسرة؟

– أنا لا أحب النصائح، لكننى أكرر ما قلته يوما فى “البيت بيتك” وهو نسمع (نحسن الأنصات)، ونسمح (ليس بمعنى التسيّب)، ونحتار معهم (بقدر أقل من الإجابات الجاهزة).

– هل استحدث فرع فى علم النفس يدرس مجتمع المعلومات وعالم التقنية من وجهة نظر نفسية؟ من رواد هذا الفرع من فروع علم النفس وما هى أهم المؤلفات التى كتبت فيه؟

الذى أستحدث فى علم النفس كثير جداً، فهناك علم النفس المعرفى، وعلم النفس الثقافى، ومدارس بلا حصر فى علم الإمراض (همزة أسفل) أى علم السيكوباثولوجيا، وبالتالى فإن لكل فرع من هذه الفروع رواد كثيرون لا يمكن تعددهم. مدارس علم النفس المعاصر تعد بالعشرات، صحيح أن أغلبها لم يرق من مرحلة الفرض إلى مرحلة النظرية لكن المعارف والمعلومات التى تقدمها لها تطبيقات عملية (امبريقية) رائعة فى مجالات التربية والتعليم والعلاقات العامة والعلاج جميعاً.

– أهم الأمراض النفسية لمجتمع المعلومات؟

مسألة مجتمع المعلومات وعلاقته بتطور العلوم أصبحت تحديا حقيقيا فى مجال فلسفة العلوم ومناهج البحث على حد سواء، وبرغم أن اسم هذين المجالين قد يشعر القارئ بأن المسألة عويصة أو إشكالية أكاديمية، إلا أن الأمر ليس كذلك، لأن نتائج هذا التداخل المعرفى وتعدد المناهج لها مردود مباشر على المعلومات العامة خاصة عن طريق الاعلام العام والمتخصص.

خذ مثلا علوم اللغة والرياضة التى تداخلت فى العلوم النفسية لتحتويها الفلسفة بشكل متجدد غير ما كنا نعرف قديما عن الفلسفة كأم العلوم وأنها نشاط عقلانى بحت، لقد أصبح للفلسفة دورعملى فى الحياة العادية، حدث هذا دون أن تنطوى تحت ما يسمى علم النفس، خذا أيضا إنجازات العلم المعرفى العصبى وتجاوزه مسألة تحديد مناطق بذاتها فى المخ على أنها المسئولة عن وظائف بذاتها.

لقد تجاوز تطور العلوم كل ذلك ليفتح الباب للجسم ليشارك المخ (والعقل) فى التفكير، بل إن ما كان يسمى العواطف أصبح أيضا من أبواب المعرفة وليس مقتصرا على مظاهر الانفعال والاندفاع ـ ثم أنتقل الأمر ليتسع إلى ما كان يسمى بالمتيافيزيقا ليشمل آفاقا أرحب تجمع بين كثير من الاستقطابات بتصنع عالم المعرفة الذى التى كانت تبدو كمتناقضات فإذا بها تتكامل فى تشكليلات فوقية رائعة

المناهج وتجاوز الاستقطابات أصبحت تترقى بالعلوم التى شملتها معا إلى تشكيلات أرقى فارقى بإستمرار ثم إن البيولوجيا تداخلت مع كل العلوم من جهة ومع التكنولوجيا من جهة أخرى لتصنع عالم المعرفة الذى يحتوى عالم المعلومات، لا يتبعه.

كل ذلك له انعكاسات بلا حصر فى المجالات المعرفية، ومن ثم فى الحياة الإنسانية اليومية بشكل أو بآخر.

مجتمع المعلومات هو مجتمع حديث، وأهم وأخطر ما يتصف به هو التسارع، والتغير، وفيضان المعلومات حتى الاختناق، ثم تعدد الاختيارات حتى التشتت.

وبالتالى فإن الأسماء والمميزات المعروفة لسائر الأمراض النسبية لا يمكن أن تستوعب المضاعفات والاضطرابات الناشئة عن هذا التسارع والفيضان والغمر والتشتت – لا يكفى أن نشير إلى إدمان الحاسوب أو إدمان الانترنت على حساب الانتاج الإبداعى والعلاقات الإنسانية، الأمر أخطر من ذلك،أتصور أن الأمراض النفسية الجديدة سوف تشمل فى رأيى (1) الاغتراب فى الأرقام، (2) والسجن فى التجريد الزائف (3)، والاستسلام للمعلومات الجاهزة (4) ثم الانفصال عن الطبيعة الحقيقية من ناس وشجر وخضرة ودورات ليل ونهار وشمس وهواء.

هذه هى أخطر الأمراض النفسية التى بدأت فى الظهور والتمادى فعلاً، والمصبية أنها لا تعد أمراضا حتى الآن وذلك من فرط كثرتها وشيوعها وخفائها، وهذا يجعلها ظاهرة أخطر.

– علاقة “الصحة النفسية” وأمراض “الانترنت النفسية والكمبيوتر”؟

إن تعريف الصحة النفسية هو إشكالى فى ذاته، وتختفى الأمراض النفسية الجديدة كما ذكرنا فى الإجابة السابقة إذا عمّ انتشارها، الصحة النفسية لابد أن تقاس بنوع من الاتساق والتناسب بين مستويات الوجود: أولا بين مستويات الذات المختلفة ومايقابلها من مستويات الوعى والدماغ، ثم بين مستويات الذات والطبيعة.

خطورة الاستغراق فى المعلوماتية على حساب العلاقات الإنسانية والعلاقة بالطبيعة قد تهدد النوع البشرى بالإنقراض، وليس فقط هى تهديد للصحة النفسية.

– هل هناك أبحاث علمية جارية فى الوقت الحالى حول الأمراض أو الأخطار النفسية التى قد يتعرض لها أفراد مجتمع المعلومات؟

طبعا الأبحاث جارية فى كل مجال وفى كل اتجاه، لكننى أتصور أن الأبحاث التى تطور هذا الغول المعلوماتى تسير بسرعة فائقة جدا إذا قارناها بالأبحاث التى تجرى للوقاية من الاغتراب فيها والحد من مضاعفاتها، وقد يرجع ذلك – للأسف – لأسباب استغلالية مادية أكثر من ارتباطه بمسئولية تطورية إبداعية.

– ما هو تعريف المجنون من ناحية الطب النفسى والمخ والاعصاب والقانون الجنائى؟

متى تعتبر الجريمة ضد مجنون ولا يحاسب مرتكبها جنائياً؟

لا يوجد تعريف لكلمة مجنون فى الطب النفسى، والحد الفاصل بين الجنون والمرض النفسى ليس واضحاً، ولكن توجد أسماء أكثر من ثلاثمائة مرض فى أى دليل حديث لتشخيص الأمراض النفسية وكل مرض له مواصفاته الخاصة به.

أما القانون فإنهم يتكلمون عما هو “عاهة فى العقل” ولا يتكلمون عن المجنون بهذا اللفظ، وما يهم فى الجريمة بالنسبة للمرض العقلى هو توفير أو عدم الركن المعنوى للجريمة وهو (أ) القدرة على التميز (ب) التمتع بوعى سليم (جـ) التمتع بإرادة مسئولة، فإذا لم يتوفر هذا الركن المعنوى بسبب المرض وقت ارتكاب الجريمة (وليس فى أى وقت آخر) فإن ذلك يعتبر مريضا له بالبراءة لعدم توفر الركن المعنوى السالف الذكر.

– ما هو الفارق بين القاتل المجنون والقاتل المجرم وهل كل قاتل يعاقب بلحظة جنونه؟

لا، القاتل قاتل، ولا يجوز اعتبار فعل القتل نفسه جنونا، ولها يصح أن نفرق طويلا بين القاتل المجنون والقاتل المجرم، فالجريمة جريمة ثم نصف فاعلها سليما أو مريضا بحسب توفر الركن المعنوى السالف الذكر فى الاجابة السابقة.

– ما هى أشهر الحالات التى ارتكب فيها مجانين جرائم وما هو تقيمكم لها حادث بنى مزار الأخير – حادث المتحف…..الخ؟

توجد إجابة علمية مفيدة فى هذا الصدد مع أن كتب التاريخ مليئة بالسفاحين القتلة من الحكام والقراصنة سواء بشعوبهم أو لغيرهم من الشعوب ولا يصح تصنيفهم مجانين لأن هذا بعضهم من المسئولية.

– هل هناك أمراض نفسية بعينها تصيب القائد الأول أو الرئيس بفعل ثبات شخصيات معاونيه والحاشية المحيطة به؟

طبعا، هذا وارد لكن لا يمكن انتقاء مرض بذاته لأن ذلك يتوقف على شخصية الرئيس وشخصية معاونيه.

– كيف تؤثر هذه الأمراض على طريقة وأسلوب الرئيس فى اتخاذ القرار وإدارة شئون البلاد؟

هذا أسلوب يدرج تحت ما يسمى علم النفس السياسى أو الطب النفسى السياسى ولا يصح الإجابة عليه بطريقة جماعية كلية، فكل رئيس وكل ظرف له خصوصيته والتفسير النفسى هو أحد أوجه التفسير وليس بالضرورة أصحها.

– كيف تنعكس هذه الحالة على نفسية الشعوب التى تخضع لحكم شخص واحد لفترات طويلة؟

– أيضا حسب ظروف كل شعب، وكل ظرف فالشعب الذى تعود الطاعة والسلبية يستجيب لمثل هؤلاء الحكام لمجرد تشددهم أن يؤثروا على شعب بأكلمه إلا إذا كانت هناك ظروف خاصة فى وقت بذاته تفسر مثل هذه النتائج السلبية.

– متى نطلق لفظ عبقرى على شخص ما؟

لم يعد لفظ عبقرى يصلح للاستعمال “العلمى” هذه الأيام، العبقرية ليست فرط الذكاء مثلا لأن الذكاء نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف، وحتى علاقة لفظ العبقرية بالإبداع أصبحت علاقة واهية، وبالتالى لا ينبغى أن نفرط فى استعمال هذا اللفظ كما شاع بين العامة.

– ما هى أهم القياسات العالمية فى هذا المجال؟

طالما أن لفظ العبقرى لم يعد له معنى “جامعاً مانعاً” فإن العلم الأحدث عالمياً لا يضع قياسات لاستعماله لا عالمياً ولا محلياً.

– ما هى التركيبة النفسية للعبقرى؟ وهل يختلف تكوين مخه عن الآخرين؟

لا يختلف مخ المبدع أو العبقرى أو مفرط الذكاء عن مخ شخص العادى من الناحية التشريحية أو الكيميائية أو التركيبية اختلافا مؤكدا، وإنما قد يختلف من حيث مساحة المشتبكات النيورنية النشطة “معاً” وأؤكد على لفظ “معاً” بين علامتى التنصيص، فبقدر قدرة شخص ما على استيعاب تنشيط أكثر من مستوى فى الدماغ طولاً، وأشمل مساحة عرضا (خاصة عبر النصفين الكروين “معاً”) يمكن أن يتسع الوعى ويتعمق، ومن يتميز الانتاج إبداعاً، وليس بالضرورة “عبقرية”.

– هل يمكن تنمية العبقرية إذا كانت المقاييس لم تصل للحد الإقصى؟

– ما هى الأمراض النفسية التى تصيب العباقرة؟

لا توجد أمراض نفسية خاصة بهذه الفئة اللهم إلا إذا اعتبر الاختلاف عن السواء الاحصائى مرضاً، فالعبقرى عادة ليس مثل الغالبية العظمى، لكنه كذلك لأنه مريض إلى أدنى ولكن لأنه متميز إلى أعلى.

– الأزمة العاطفية وماينتج عنها من مشاكل صحية ونفسية ـ حيث أن لى زميلة فى جريدة الأهرام لم تتمكن من الإرتباط بالرجل الذى أحبته لإختلاف الدين مما أصابها بشلل نصفى وعدم القدرة على النطق، وذلك بعد رفض أهلها مباركة هذا الزواج؟

لا يوجد تعريف موحد لما يسمى الأزمة العاطفية، فكل أزمة هى عاطفية بشكل ما، لعل المقصود هو الإحباط فى الحب، أو كسر القلب أو كما يقول أولاد البلد “اللى حبّ ولا طالشى“.

ثم ما يسمى أزمة عاطفية له أنواع كثيرة وأسباب كثيرة، من أول الخصام حتى الهجر حتى عدم الوفاء بالوعد، حتى اكتشاف سطحية العلاقة، أو بداية الخداع.

أما بالنسبة لما أصاب الزميلة فى الأهرام فهذا تفاعل يدل على عدّم النضج، وتسمى هذه النوبات نوبات “انشقاق” أو تحوّل هستيرى، بالمعنى العلمى، وليس بالمعنى الشائع لكلمة هستيريا.

ويمكن أن تحدث هذه النوبات تحت أى ضغط نفسى من أول عدم القدرة على الإجابة على أمتحان صعب، حتى عدم التمكن من الارتباط بالمحبوب، مرورا برؤية الدم، أو العجز عن الرد على إهانة رئيس لمرؤسته علانية وهكذا.

وفى حالة هذه الزميلة فإن اختلاف الدين فى مجتمعنا ليس أمرا هينا، وكان عليها أن تدرك ذلك منذ البداية، لكن القلوب تشطح كما تشاء، وعليها أن تحتمل حتى تنسى أو تجد الحل.

– أرجو عرض نماذج مماثلة دون ذكر أسماء المرضى والتعليق على هذا الموضوع بأسلوبكم المتميز المعهود والتطرق إلى موضوع الحب عموما هل زواج الحب يدوم وينجح أم الزواج التقليدى هو الأفضل.

(أنا لا أعرض أية نماذج لأنها تبدو مسطحة وتفهم خطأ) الاحصاءات تقول إن نجاح زواج الحب ليس أكثر ولا أقل من نجاح الزواج المرتب (بالعائلة أو بأى وسيط) – ليس هذا لأن الحب غير مهم، ولكن ربما لأن كلمة الحب أو إعلان الحب ليس هو نهاية المطاف، بل هو بداية الفرصة للاقتراب والتعارف، الحب علميا: هو الرعاية المتبادلة والفرحة المشتركة والمسئوولية الممتدة وتحمل الآخر بما هو بعيوبه ومزاياه، فى تفاعل يثرى الطرفين، كل هذا يمكن أن يبدأ قبل الزواج أو بعده، ربما لذلك تساوت نسبة النجاح فى النوعين.

– أقوم بعمل تحقيق صحفى حول “جرائم النظام فى ربع قرن” على أن تكون البداية هى “الجرائم النفسية” والعنوان قابل للتعديل – والتى أدت إلى ما يمكن أن نطلق عليه تبوير وتخريب الشخصية المصرية: أتناول هذا الموضوع من خلال: الانتحار – الإدمان – البغاء.

أولا: أنا أرفض حكاية تبوير وتخريب الشخصية المصرية، كما أرفض تعبير الجرائم النفسية، الجريمة جريمة حتى لو قام بها مريض نفسى.

– الانتحار: حيث الاكتئاب الناتج عن الفساد المستشرى فى كل قطاعات الحياة ومما له دلالة على تراجع الحياة عند المصريين تلك القيمة العظيمة لحد التقديس فهى من روح الله؟.

الانتحار ليس قاصرا على الاكتئاب، والاكتئاب ليس نتيجة للفساد المستشرى، وذلك بدليل أن الاكتئاب أكثر حدوثا فى البلاد المتقدمة، والمتحضرة ليس بسبب الفساد ولكن بسبب الحرية، وضعف الرادع الدينى لا أكثر ولا أقل.

– الإدمان: وما يدل عليه من تراجع قيمة العقل والحكمة عند شعب يكبر الحكمة ويحترم العقل؟.

أرفض أيضا اختزال موضوع الإدمان وإرجاعه إلى الفساد المستشرى لنفس سبب تحفظى على حكاية الانتحار، فالإدمان موجود فى كل الدول فهو له معنى الاحتجاج الخائب، والحرية الزائفة، والثقافة البديلة، والاستشهاد، والعصيان المدنى ومعان أخرى كثيرة.

– البغاء: وما يمثله من تدهور فيه الشرف عند شعب عرف أنه يحافظ على عرضه ولو فقد حياته:

ياه كل الأسئلة مغلوطة، من قال أن البغاء قد زاد بسبب الفساد، البغاء الأخطر هو بيع الذمم، وبيع الفكر، وبيع المبادئ، بمقابل حقير.

– ما هو مرض البارانويا وما هى أعراضه؟

– أعراض هذا المرض وتأثيره على تصرفات الشخص؟

أولا لم تعد مثل هذه التسميات هى الأصح أو الأحدث علميا، فكلمة بارانويا هكذا لا تلتصق بها صفة مرض، لأنها تعتبر لفظا تاريخيا أكثر منه تشخيصا حاليا ولو أنه فى التقسيم المصرى (1972) مازال هناك ما يسمى “حالات البارانويا”، وتختلف هذه الحالات اختلافاً جذريا إذا كانت حادة طارئة عما إذا كانت مزمنة مستتبة، لهذا فإن طرح السؤال هكذا، والاجابة عنه باختزال أو تقريب هو أمر غير علمى وغير مفيد للناس.

لكن ما دام العامة وبعض الأطباء مازالوا يرددون مثل ذلك فيكفى أن نشير إلى أن أعراض البارانويا هى الضلالات (الهذاءات = الأفكار الخاطئة تماما) المنظمة المتماسكة بعضها ببعض تماسكا شديدا، لكنها بعيدة عن الواقع تماما ولا يمكن تصحيحها بالحجة والبرهان ولا تتفق مع ثقافة المريض وتعليمه، وأهم تلك الضلالات ضلالات الشك والعظمة والاضطهاد شريطة أن تدعم وتكمل بعضها بعضا، نظراً لأنها توجد فى أنواع أخرى كثيرة من الذهانات (الأمراض العقلية).

– هل تختلف أعراض هذا المرض بين الشخص العادى، وبين الشخص المتميز أو الموهوب؟

تختلف أعراض هذا المرض باختلاف النوع الفرعى لحالة البارانويا لأن هناك أنواع كثيرة بعضها فيها هلاوس، والأخرى قاصرة على الضلالات، والثالثة منظومة من الصور الخيالية، على أن أهم ما يميز هذه الحالات كما ذكرنا هو تماسك الأفكار والصور الخاطئة جميعا فى منظومة واحدة تغذى بعضها بعضا.

أما عن اختلاف الأعراض فان ذلك ليس بالضرورة بين العادى والموهوب فالاختلاف وارد بين أى مريض ومريض حسب الشخصية قبل المرض والثقافة العامة، والثقافة الفرعية، والظروف التى نشأت فيها الحالة، وأحيانا حسب السبب المرسب مثل التواجد فى السجن أو التعذيب أو الخيانة الزوجية…. الخ.

الاختلاف وراد وبصفة مستمرة، والشخص المميز والموهوب يمكن أن يدخل المنظومة الضلالية فى بعض انجازاته فلا يبدو شاذا لمدة طويلة، وبالتالى يتأجل إعلان المرض رغم وجوده.

– تأثير ذلك المرض على إدارة الشخص لمسئولياته؟

يمكن للمصاب بهذه الحالة أن يتحمل مسئولياته كاملة بعيدا عن منطقة ضلالاته، فمثلا الشخص التى تدور منظومته حول خيانة زوجية، قد يقوم بمسئوليته بشكل رائع فى عمل أو حتى فى إبداعه، إنّ تقديرا لمسئوليته من عدمه لا يتوقف على اسم المرض وإنما يتوقف على مجالات الإعاقة فى وظائف بذاتها وخصوصا الوظائف المعرفية وذكاء حالات البارانويا ومعظم وظائفه المعرفية تبقى سليمة تماما.

– علاقة أدوية الهلاوس والاكتئاب بهذا المرض؟

لا يوجد شئ اسمه أدوية الهلاوس منفصلا عن أدوية الذهان عامة وحالات البارانويا خاصة، وعموما فإن مضادات الذهان التى تشمل ضمنا مضادات الهلاوس هى علاج جيد لحالات البارانويا وخاصة الحالات الحادة وشبه الحادة.

أما مضادات الاكتئاب فهى لا تعالج حالات البارانويا بل أحيانا ما تثير هذه المضادات أعراض البارانويا وتزيدها اشتعالا.

– هل توجد بارانويا سياسية؟ وما أعراضها لدى صاحبها؟

أنا لا أحب أن أسمى أى زعيم سياسى شاذ أو طاغ أو مجرم أو قاتل باسم أى من الأمراض النفسية، لأننى أشعر أن فى ذلك إهانة للمريض النفسى، وإعفاء له من المسئولية، المصيبة أن الزعيم، خصوصا المنفرد والشمولى (الديكتاتور) حين يصاب بهذا النوع من الأفكار الخاصة جدا والبعيدة عن الواقع يمكن أن يفرضها على الناس بقوة القهر والسلاح، وبالتالى تبدو كأنها الحق كل الحق وخاصة حين يقتنع عدد كبير من الناس بها.

إن أى زعيم أو رئيس يتصور أن له أفكارة وفلسفته غير المسبوقة، مثلا تلك التى تدفعه أن يعمق عنصريته ويؤكد تفرده، أو يفرض عنصرية شعبه وتميزه، يمكن أن يكون مصابا بهذا الخلل، ولكننى أكرر أن هذا لا فائدة منه لأنه يحمل ضمنا التماس العذر له وإلا فنحن لا نحترم مرضانا، إن علينا أن نحمله مسئولية أفعاله لا أن نعلق لافتة مرضية عليها، حتى يمكن كفّ شره بأسرع ما يمكن قبل تفاقم الكوارث التى قد تصل إلى أن يحصد الآلاف من الأرواح البرئية وأحيانا الملايين.

-“التحليل النفسى الذاتى” أو فكرة أن المريض النفسى هو أقدر الناس على علاج نفسه وذلك بعيدا عن النظريات النفسية التقليدية.. هل هذه الفكرة صحيحة أم خاطئة؟

من حيث المبدأ، كل مريض نفسى (حتى المريض العقلى) هو مساهم أو ممكن أن يكون مساهماً، أو على الطيب أن يجعله مساهما، فى علاج نفسه، ولكن المسألة ليست عشوائية، ولا هى مجرد نصائح بالإيحاء الذاتى كما يتصور البعض، اللهم إلا بالوقاية قبل المرض، أما إذا اشتدت الحالة، فالمريض يحتاج إلى من يدله على الطريق الصحيح ليساعد نفسه فى النهاية بالطريقة الصحيحة

– وكيف يمكن للإنسان أن يقوم بدور المعالج الذاتى لمشاكله.. سواء لمشاكله الضخمة التى قد تشكل عقدا نفسية أو للمتاعب اليومية التى تواجهنا جميعا خلال اليوم؟

جزء من الإجابة موجود فى الإجابة على السؤال الأول، وأضيف أن علينا ألا نبالغ فى اعتبار المشاكل اليومية أمراضا نفسية، وأن من يقوم بحلها بطريقة موضوعية وناجحة هو يعالج نفسه. المشاكل اليومية هى مشاكل لا أكثر ولا أقل، ثم إنه علينا أن نقبل مايترتب على هذه المشاكل من ضيق أو توجس أو توتر، كل ذلك باعتبارأن هذا هو التفاعل الطبيعى الدافع لحل هذه المشاكل قبل أن يصل إلى درجة المرض.

– “الفلك والأبراج” وتأثيرهم على شخصية الإنسان هى قضية تلقى “هوسا” من جانب الكثيرين.. خاصة مع التفسير الذى يقوله البعض والذى يبدو منطقيا ويؤكد أن حركة الكواكب والأجرام السماوية فى الكون تؤثر على الإنسان باعتباره جزءا أصيل من هذا الكون يؤثر فيه ويتأثر به، هل هناك أى أبعاد نفسية لهذه الفكرة؟ وما هو رأيكم الشخصى فيها؟ وهل هناك سمات نفسية معينة لأولئك الذين يقبلون على هذه الأفكار ويؤمنون بها؟

أنا مع فكرة اتصال الإيقاع الحيوى للإنسان بالإيقاع الحيوى للكون، ولكن ليس بالصورة الشائعة، لا بقراءة الطالع، ولا بتحديد سمات معينة لمواليد شهور معينة، ولا بالاعتماد على الحدس العشوائى. الإيقاع الحيوى هو مسألة طبيعية توازنية هارمونية تتجلى فى دوران الكواكب، وتبادل الليل والنهار، وتناوب الضوء والظلام، وفى الإنسان: هى تتجلى فى النوم واليقظة، وفى الحلم واللا حلم، ومع ضربات القلب، وتناوب مستويات الوعى. إن توثيق علاقة الإنسان بالطبيعة، ثم بالكون ثم بالمطلق سعياً إلى وجه الله هو أهم مقومات الصحة النفسية أما حكاية الأفلاك والأبراج وقراءة الطالع فهى هواجس لها أهلها ولا أرى بها نفعا معينا، وعلى من يمارسها أن يدافع عنها.

– ماهى سمات الشخصية المريضة بمرض الوهم؟

من الناحية العلمية البحتة لا يوجد مرض أسمه مرض الوهم، وإن كنت أوافق على وصفك بأنه “توهم المرض العضوى”، وللأسف هو يسمى باسم غريب وهو “المرُاق”، ورغم غرابته فهو اسم عربى جميل.

وليس للمريض بهذا المرض شخصية محددة المعالم لأن أى شخص أيا كان يمكن أن يشكو من أعراض جََسَدِيّة بدون وجود مرض جسدى. إن ذلك يحدث عموماً فى البلاد والأقل تحضرا وأقل حرية حيث يتكلم الشخص بجسده ما دام لا يستطيع أن يبوح بما يعانيه لمن يحسن الاستماع.

– ما هى حقيقة هذا المرض؟

حقيقة هذا المرض كما ذكرت حالة أنه “لغة الجسد” تعبر عن حالة انفعالية لم يستطيع المريض أن يعبر عنها بالألفاظ أو بالتعبير الوجدانى المباشر، وكثيراً ما يكون هناك مرض جسدى عابر شفى منه المريض بعد معاناة جسدية شديدة، لكن الآلام تتبقى بعد زوال أسبابها الجسدية، شئ أشبه بتعود الجهاز العصبى على شكوى بذاتها.

كما أنه فى حالة المرض الجسدى يلقى الشخص من الرعاية ما لم يعتده فى الأحوال العادية، وقد يواصل الشكوى بعد ذلك طلبا لإستمرار الرعاية والاهتمام، يحدث هذا بشكل لا شعورى طبعا، وإلا أعتبر الشخص متمارضا لا مريضا.

– ما هو السن الذى يكثر فيه التعرض لهذا المرض؟

يحدث هذا المرض فى أى سن لكن فى مصر هو يكثر عند النساء فى منتصف العمر (20 – 60) تقريبا، ربما لأن فرص النساء فى مجتمعنا أقل فى مجال التعبير، على أن كثيراً من الأطفال يشكون من أعراض جسدية كتعبير عن الخوف من المدرسة مثلا أو عن الاحتجاج على الوالدين وهكذا.

– ما هى أسباب المرض؟ وما هى أعراضه؟

أسباب هذا المرض مثل معظم أسباب الأمراض النفسية لا تقتصر على ظرف واحد، ولكن هناك عوامل متعددة تتداخل مع بعضها البعض وتعتبر مسئولة عن ظهور هذا المرض، مثلا هو يحدث عادة فى الأشخاص متوسطى الذكاء أو دون المتوسط، وفى ظروف ضغط المجتمع على الفرد مع حرمانه من الاحتجاج أو التعبير، وأحياناً بعد فقد عزيز حيث يشكو المريض من نفس الأعراض التى كان يشكو منها الراحل (الوالد مثلا أو الأبن) فإذا كان الراحل يعانى من ذبحة صدرية مصاحبة بالآم فى الصدر، فإن ابنه مثلا قد يشكو من نفس الآلام بعد فراق والده ويعتبر ذلك نوع من التقمص، إلا أن هذا ليس هو القاعدة على كل حال.

– ما هو علاج هذا المرض؟

علاج هذا المرض يحتاج تعاوناً وثيقا بين الطبيب الباطنى (وسائر التخصصات) وبين الطبيب النفسى، وأيضا مع الأسرة – ذلك أن كثيراً من أعراض هذا المرض قد تكون نتيجة لمواقف الأطباء الذين لا يراعوا نفسية المريض وهم يعطونه مثلا الأدوية خاملة (مثل الفتيامينات بلا داع) كنوع من الإيحاء حتى يشفى، ولكن المريض يعتبر أن هذا دليل على الإقرار بمرضه الجسمى.

كذلك كثيراً ما يقول الممارس العام للمريض أنه “ما عندكش حاجة” وكأن المرض النفسى ليس مرضا.

هذا المرض لا يعالج بالعقاقير النفسية إلا إذا كان مظهراً لمرض آخر مثل الاكتئاب فيمكن إعطاؤه مضادات الاكتئاب وهكذا.

العلاج الأساسى هو العلاج النفسى والعلاج التثقيفى والمعرفى لتطوير شخصية المريض حتى يعبر بشجاعة فلا يحتاج للتعبير بأعراضه المرضية.

– هل الجان أو الشيطان يدخل جسم الإنسان أم لا؟!

لا طبعا، لا يدخل ولا يخرج، لكن هذا ما يشعر به بعض المرضى وهم يفسرونه كثيرا تفسيراً لما ألمّ بهم لا أكثر فما‏ ‏تفسير‏ ‏ظاهرة‏ ‏التنويم‏ ‏المغناطيسى.. ‏وظاهرة‏ ‏تحريك‏ ‏الأشياء‏ ‏بمجرد‏ ‏النظر‏ ‏إليها‏.‏

‏- ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏التفسير‏ (‏المس‏ ‏بالجن‏)، ‏وقد‏ ‏شاع‏ ‏مؤخرا‏ ‏بشكل‏ ‏شبه‏ ‏وبائى، ‏ليدل‏ ‏على ‏مرحلة‏ ‏نمو‏ ‏شخص‏ ‏معين‏، ‏وكذلك‏ ‏على ‏مرحلة‏ ‏نمو‏ ‏شعب‏ ‏معين‏، ‏وهذا‏ ‏التفسير‏ ‏ليس‏ ‏قاصرا‏ ‏على ‏مصر‏ ‏والبلاد‏ ‏العربية‏، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏منتشر‏ ‏حتى ‏فى ‏البلاد‏ ‏المتقدمة‏، ‏وإن‏ ‏أخذ‏ ‏أسماء‏ ‏أخرى ‏وأشكال‏ ‏أخرى ‏مثل‏ ‏العلاج‏ ‏الروحانى ‏أو‏ ‏العلاج‏ ‏الدينى ‏أو‏ ‏العلاج‏ ‏بالبركة‏.‏

‏- ‏وفى ‏الفترة‏ ‏الأخيرة‏ ‏فى ‏بلادنا‏، ‏حين‏ ‏زادت‏ ‏موجة‏ ‏التدين‏ ‏السطحى، ‏وكذلك‏ ‏حين‏ ‏افتقر‏ ‏عامة‏ ‏الناس‏ ‏إلى ‏العدل‏، ‏وإلى ‏الوضوح‏، ‏وإلى ‏المنطق‏ ‏الذى ‏يفسر‏ ‏الظواهر‏، ‏لجأ‏ ‏الناس‏ ‏إلى ‏التفسيرات‏ ‏الغيبية‏، ‏حتى ‏لمظاهر‏ ‏الحياة‏ ‏العادية‏ ‏فما‏ ‏بالك‏ ‏بظاهرة‏ ‏الأمراض‏ ‏النفسية‏ ‏وهى ‏ظاهرة‏ ‏معقدة‏ ‏ومتداخلة‏ ‏وخفية‏ ‏الأسباب‏ ‏عادة‏، ‏كثيرا‏ ‏ما‏ ‏تأتى ‏إلى ‏حالات‏ ‏بعد‏ ‏مرورها‏ ‏على ‏الشيوخ‏، ‏وكثيرا‏ ‏ما ذهبت‏ ‏حالات‏ ‏من‏ ‏عندى ‏أثناء‏ ‏العلاج‏ ‏أو‏ ‏بعده‏ ‏إلى ‏الشيوخ‏، ‏لكننى ‏شخصيا‏ ‏لم‏ ‏أقم‏ ‏بتحويل‏ ‏أية‏ ‏حالة‏ ‏واحدة‏ ‏إلى ‏شيخ‏ ‏أو‏ ‏قسيس‏، ‏وأنا‏ ‏لا‏ ‏أرفض‏ ‏هذه‏ ‏الظاهرة‏ ‏بشكل‏ ‏تشنجى ‏أو‏ ‏مطلق‏، ‏وبالتالى ‏أنصح‏ ‏المريض‏ ‏بوضوح‏ ‏أن‏ ‏ينتبه‏ ‏إلى ‏مصلحته‏، ‏وأن‏ ‏يقيس‏ ‏خطواته‏ ‏بمقياس‏ ‏الصحة‏ ‏والسلوك‏ ‏السوى، ‏وأن‏ ‏يفعل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏مقتنع‏ ‏به‏ ‏فى ‏حدود‏ ‏ثقافته‏ ‏وعقيدته‏، ‏وفى ‏حدود‏ ‏ما‏ ‏يسمح‏ ‏به‏ ‏القانون‏، ‏فإذا‏ ‏ذهب‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏إلى ‏هذا‏ ‏الشيخ‏ ‏أو‏ ‏ذاك‏، ‏فهو‏ ‏سيتعلم‏ ‏من‏ ‏خبرته‏ ‏ما‏ ‏يوجهه‏ ‏إلى ‏الوجهة‏ ‏الصحيحة‏، ‏ولكن‏ ‏للأسف‏ ‏الذين‏ ‏يأتون‏ ‏لى ‏من‏ ‏عند‏ ‏بعض‏ ‏المشايخ‏ ‏والقسس‏ ‏قد‏ ‏يكونون‏ ‏قد‏ ‏مروا‏ ‏بخبرات‏ ‏مؤلمة‏ ‏من‏ ‏الضرب‏ (‏تحت‏ ‏زعم‏ ‏ضرب‏ ‏الجان‏) ‏والقهر‏ ‏والإيحاء‏ ‏العشوائى، ‏فيحضرون‏ ‏وبهم‏ ‏كدمات‏ ‏وإصابات‏ ‏خطيرة‏ ‏ناهيك‏ ‏عن‏ ‏تدهور‏ ‏حالتهم‏ ‏النفسية‏.‏

‏- ‏أنا‏ ‏مقتنع‏ ‏بحق‏ ‏المريض‏ ‏فى ‏تسميه‏ ‏ما‏ ‏يصيبه‏ ‏بالإسم‏ ‏الذى ‏يناسبه‏، ‏فما‏ ‏يسميه‏ ‏المريض‏ ‏مسا‏ ‏من‏ ‏الجان‏ ‏جانا‏، ‏قد‏ ‏أسمية‏ ‏أنا‏ ‏ظهور‏ ‏أو‏ ‏غلبة‏ ‏حالة‏ ‏من‏ “‏حالات‏ ‏الذات” (‏حالة‏ ‏أنا‏)، ‏أو‏ ‏أسميه‏ ‏نشاط‏ ‏نشاز‏ ‏من‏ ‏نشاطات‏ ‏مستوى ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏تنظيم‏ ‏المخ‏، ‏ولابد‏ ‏أن‏ ‏نحترم‏ ‏ما‏ ‏يقوله‏ ‏المريض‏ ‏لأنه‏ ‏صاحب‏ ‏حاجة‏، ‏وقد‏ ‏يكون‏ ‏مناسبا‏ ‏أن‏ ‏نترجم‏ ‏معتقداته‏ ‏إلى ‏لغة‏ ‏علمية‏. ‏ما‏ ‏أمكن‏ ‏ذلك‏، ‏أما‏ ‏الرفض‏ ‏ابتداء‏ ‏وعلى ‏طول‏ ‏الخط‏، ‏فهو‏ ‏لن‏ ‏يفيد‏ ‏أحدا‏، ‏ولن‏ ‏يقلل‏ ‏من‏ ‏انتشار‏ ‏الظاهرة‏، ‏بل‏ ‏قد‏ ‏يزيد‏ ‏من‏ ‏سلبياتها‏.‏

– لماذ يلجأ الكثيرون إلى تناول المهدئات بكثرة دون أن يضعها الطبيب؟ وهل يرجع ذلك إلى الضغوط الاجتماعية والاقتصادية كما يدعى البعض؟

– تناول المهدئات سمة معاصرة للأسف، وهى إعلان سيئ لما آلت إليه القيم التى تظلها القيمة التى نستعملها أكثر فأكثر ونسميها أحيانا الرفاهية، وأحيانا أخرى “دع القلق”، مع أن القلق جزء لا يتجزأ من الحياة. الأشكال الأكثر أهمية هو أن فئة كبيرة من المثقفين وقادة الفكر والرأى ومن أساتذة الجامعة والجراحيين بالذات يتناولون هذه المهدئات وكأنها أصبحت مثل قهوة الصباح أو قرص الأسبرين.

ثم أنه لا يوجد ضبط ولا ربط للتعامل مع أغلب هذه المهدئات فى الصيدليات فأى واحد يستطيع أن يحصل على ما يريد منها دون وصفة طبيب، وحتى المهدئات التى تتطلب وصفة طبيب، ولا تعامل الصيدلية معها بحجز الوصفة حتى لا يتكرر الصرف، ولكن بمجرد اثباتها. نحن أحوج ما نكون إلى إعادة النظر فى كل ذلك.

– هل تساعد المهدئات حقا على تقبل الحياة وضغوطها بشكل أفضل أم أنها تعالج بالوهم؟

أن صحت الدراسة، وهى تحتاج إلى مراجعة فأنها لا تصح فى أغلب المناطق ولا فى أغلب الثقافات، وبالرغم من أن المرأة مظلومة مقهورة فى مجتمعنا عامة إلا أن هذا لم يجعلها تواجه هذا القهر بالمهدئات كما يشاع، هى تواجهه أكثر بالتعبير بالجسد (الآلام الجسدية للإمرهن المعنوى) وبالإنهاك النفسى وبالانسحاب وكل هذا يزيدها قهرا وحتى المهدئات لا تفيد إلا لتزيد من الظلم الواقع عليها بتعجيزها عن حق التألم لما يلحق بها.

– الوسواس القهرى سمة من سمات الشخصية، وهى ليست سمة سيئة على طول الخط إلا إذا زاد عن الحد حتى أعاقت صاحبها عن الانتاج أو عن التكيف أو أزعجت من حوله لدرجة التنفير، إن كثيرا من العظماء مشهورون بالوسواس، كان أصحاب الحوانيت يضبطون ساعاتهم على الوقت الذى يمارس فيه الفيلسوف إيمانويل كانت مشيته بعد العصر. إن الشخص الذى يتصف بالوسواس (فى حدود الإيجابية) قد يكون أحرص على الوقت، وأميل للنظام، وأكثر إتقانا، وأجمل دقة.

فى حالات المرض قد يصل الأمر إلى الإعاقة الكاملة حتى أن مريضة كانت تغسل الخبز بالماء والصابون!! ويتمثل خطره أيضا حين تفرض الأم على أولادها سلسلة من الطقوس بحيث تحيل حياتهم إلى جحيم فعلاً، بل وكثير منهم تتغلغل فيه العادة حتى يصبح مصابا باضطراب الوسواس بدرجة أكثر جسامة من الأم.

– ما تعليقكم على الدراسة التى تقول إن النساء أكثر لجؤاً للمهدئات؟

هذه حقيقة لاحظتها فى ممارستى الاكلينيكة فعلاً، وإن كانت ليس لدىّ إحصاءات دقيقة بذلك وأنا أوافق على هذه الملاحظة وقد أعزوها إلى عادات الأسرة المصرية خصوصا عند الطبقة الوسطى وأيضا لما قد تنبه الأم ابنتها عليه من البداية فى سن المراهقة بشأن الطمث (العادة الشهرية)، وهذا خطأ جسيم أن تسمى عادة فسيولوجية طبيعية باسم المرض الشهرى، مع التنبيه المشدد على خطورة معنى الدم، وارتباطه بالقذارة بشكل أو بآخر، هذا مجرد اجتهاد لكنه لا يمثل تفسير غاه اهلبه الظاهرة عن الأناث وهناك احتمال أهم وهو أن البنت المصرية (والنساء عامة) مقهورات وبالتالى فإن ميكانزمات الكبت والإزاحة المسئولة عن ظهور الوسواس تكون أكثر نشاطا عن هن.

– ما هى الآثار النفسية لأدوية التخسيس؟

مجرد فكرة التخسيس و”التتخين” هى فكرة تحتاج وقفه. صحيح أن البدانة المفرطة مرض، وقد تسبب أمراضا، لكن لعبة الرجيم وما يتبعها من تجارة خطيره هى لعبة مستوردة سخيفة علينا أن ننتبه لسوء استعمالها، خاصة بما يسمى أدوية التخسيس التى أغلبها منبهات، وبعض تأثيرها هو “سد الشهية”!

– هل هناك أدوية تخسيس تسبب الإدمان وبعضها لا يسبب الإدمان؟

الأكل نفسه، زيادة عن حاجة الجسم، قد يكون نوعاً من الإدمان، و”ضد إدمان الاكل”، هو نوع من الادمان المضاد، فهو إدمان، أما أن هناك أدوية أكثر قدرة على إحداث الادمان فهذا صحيح والأفضل اعتبار كل أدوية التخسيس أدوية إدمانيه إذا وسَّعنا تعريف مفهوم الإدمان.

– هل تسبب أدوية التخسيس الإكتئاب أو التوتر؟

هى عادة تسبب التوتر أكثر مما تسبب الاكتئاب، وإن كان ظهور الاكتئاب وارد سواء نتيجة للتوتر، أم نتيجة لسجن الرجيم، أم نتيجة لخيبة الأمل بالعجز عن تحقيق المراد (فقد الوزن) أو لسرعة النكسة واستعادة الوزن الذى فقدناه.

– هل تناول هذا النوع من الأدوية منتشر فى مصر ومن الذى يعانى منه هل النساء أم الرجال؟

أظن أنه منتشر، وأيضا أظن أنه منتشر عند الإناث أكثر، وعند الطبقات القادرة منهن أكثر، وأكثر ولكن الأمر يحتاج إلى بحث انتشارى من عينات ممثلة للشعب. إذن فهذا الرأى هو مجرد انطباع.

– بنسبة كم فى المائة وصلت نسبة الاكتئاب فى مصر والعالم العربى حاليا؟

حديث النسب المئوية فى بلد مثل بلدنا هو حديث خطير، لأنه لا توجد عندنا أبحاث انتشارية (وبائية) محكمة يمكن الاعتماد عليها أو تعميم نتائجها، وبصفة عامه فإن المبالغة فى تصور مرض الاكتئاب بهذه النسب العالية هو أمر مرفوض تماما، ذلك أنه ليس كل حزن مرضا، كما أن الحزن هو شرف الوجود المسئول، لذلك أنا أحب أن أجعل كلمة “الانهباط” التى أقترحها أستاذنا المرحوم عبد العزيز القوصى هى الأقرب إلى شرح الحزن المرضى المعوّق، اللزج النعاب، وبهذا نفصل الحزن الإيجابى الواعى إلى فرعين الحزن المرضى، والحزن المسئول الخلاّق الأمر الذى قد لا يتحقق فى مثل أرقام هذه الأبحاث الانتشارية التى تعلَنُ نتائجها بالنسب المئوية والأرقام الكمية.

طبيب‏ ‏مصرى ‏بأمريكا‏ ‏يحدد‏ ‏حسب‏ ‏اختيارك‏ ‏بنتا‏ ‏أو‏ ‏ولدا‏ ‏قبل‏ ‏الحمل؟‏ ‏

الطبيب‏ ‏هو‏ ‏رفعت‏ ‏سالم‏ ‏أجرى ‏مئات‏ ‏العمليات‏ ‏ونجحت‏ ( ‏تكلفة‏ ‏العملية‏ 100 ‏ألف‏ ‏دولار‏) ‏يزورالقاهرة‏ ‏فى ‏يونيو‏ ا‏لمقبل‏ ‏للتأكد‏ ‏من‏ ‏رأى ‏علماء‏ ‏الأزهر.

المطلوب‏: ‏ما‏ ‏هو‏ ‏رأى ‏سيادتكم، ما‏ ‏هو‏ ‏رأى ‏الطب‏ ‏النفسى.

أولا‏: ‏أشكرك‏ ‏لأنك‏ ‏فرقت‏ ‏بين‏ ‏رأيى ‏ورأى ‏الطب‏ ‏النفسى، إذ‏ ‏ليس‏ ‏من‏ ‏الضرورى ‏أن‏ ‏يكونا‏ ‏متطابقين‏.‏

أما‏ ‏رأيى ‏فأنا‏ ‏فى ‏كل‏ ‏ما‏ ‏ذكرت‏ ‏ضيرا، وحتى ‏فى ‏هذا‏ ‏المبلغ‏ ‏الباهظ، فإننى ‏أعتقد‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏لا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نتعرض‏ ‏للفتوى ‏فيه‏ ‏أصلا، فهو‏ ‏أمر‏ ‏متروك‏ ‏لمن‏ ‏يستطيعه، و‏ ‏الثمن‏ ‏الذى ‏قرأته‏ ‏بفزع‏ ‏فى ‏سؤالك‏ ‏هو‏ ‏ثمن‏ ‏عربة‏ ‏من‏ ‏إياهم، فمن‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يشترى ‏عربة‏ ‏به‏ ‏فليفعل، ومن‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏ينجب‏ ‏به‏ ‏ولدا‏ ‏أو‏ ‏بنتا‏ ‏فليفعل، وإن‏ ‏كنت‏ ‏لم‏ ‏أتبين‏ ‏كلمة‏ ‏عملية، بمعنى ‏عملية‏ ‏جراحية‏ هذا‏ ‏هورأيى ‏شخصيا واللى ‏معاه‏ ‏قرش‏ ‏محيره‏، ‏يجيب‏ ‏دكتور‏ ‏ويأجره.

ثانيا‏: ‏أما‏ ‏رأى ‏الطب‏ ‏النفسى ‏فأحسب‏ ‏أنه‏ ‏رأى ‏أكثر‏ ‏مسئولية‏ ‏وربما‏ ‏تعقيدا، فالإنسان‏ ‏يتصور‏ ‏أنه‏ ‏كائن‏ ‏إرادي، فى ‏حين‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يستعمل‏ ‏إرادته‏ ‏إلا‏ ‏قليلا، بل‏ ‏إنه‏ ‏لو‏ ‏استعمل‏ ‏إرادته‏ ‏وتحقق‏ ‏ما‏ ‏يريد‏ ‏فـإنه‏ ‏قد‏ ‏يصاب‏ ‏بالهلع‏ ‏لأنه‏ ‏قد‏ ‏يكتشف‏ ‏أنه‏ – ‏فعلا‏- ‏لا‏ ‏يريد‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏يتصور‏ ‏أنه‏ ‏يريده‏.‏

فمن‏ ‏ذا‏ ‏الذى ‏يعرف‏ ‏إن‏ ‏كان‏ ‏يريد‏ ‏ولدا‏ ‏أو‏ ‏بنتا فإذا‏ ‏عرف، فماذا‏ ‏يريد‏ ‏بالولد، وماذا‏ ‏يريد‏ ‏من‏ ‏البنت

نحن‏ ‏نؤمن‏ ‏بالغبب‏ ‏بالمعنى ‏الإيجابى , ‏وبالمعنى ‏السلبى ونحن‏ ‏نحب‏ ‏أن‏ ‏نتركها‏ ‏على ‏الله‏, ‏حتى ‏لو‏ ‏أتاح‏ ‏الله‏ ‏أن‏ ‏يتركها‏ ‏لنا‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏,‏ الطب‏ ‏النفسى ‏لا‏ ‏يرحب‏ ‏كثيرا‏ ‏أن‏ ‏يتصور‏ ‏الإنسان‏ ‏أنه‏ ‏قادر‏ ‏على ‏مثل‏ ‏هذا، لأنه‏- ‏فى ‏واقع‏ ‏الحال‏ – ‏غير‏ ‏قادر‏ ‏على ‏أبسط‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذا، الإنسان‏ ‏غير‏ ‏قادر‏ ‏على ‏وقف‏ ‏الحروب، ولا‏ ‏على ‏تنقية‏ ‏البيئة، ولا‏ ‏على ‏توفير‏ ‏الغذاء، ولاعلى ‏فهم‏ ‏نفسه، ولا‏ ‏على ‏إكمال‏ ‏مسيرة‏ ‏تطوره، فهل‏ ‏لم‏ ‏يبق‏ ‏له‏ ‏إلا‏ ‏هذه‏ ‏التفصيلة‏ ‏يلعب‏ ‏فيها‏ ‏ا‏‏لعبة‏ ‏الإرادة الهامشية، وهو‏ ‏لا‏يفهم‏ ‏معنى ‏ولد‏ ‏أو‏ ‏بنت، الله‏ ‏إلا‏ ‏كمقتنيات‏ ‏اغترابية‏ ‏؟‏.‏

هل‏ ‏للعقم‏ ‏أسباب‏ ‏نفسية‏ ‏أيضا؟

نعم‏ ‏للعقم‏ ‏أسباب‏ ‏نفسية، وإن‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏علاقة‏ ‏بهذه‏ ‏القضية.

وهل‏ ‏يمكن‏ ‏علاجه‏ ‏نفسيا، وما‏ ‏هى ‏طريقة‏ ‏الوقاية؟

نعم، العقم‏ ‏الذى ‏أسبابه‏ ‏نفسية، يمكن‏ ‏علاجه‏ ‏نفسيا، وإن‏ ‏كان‏ ‏ضمان‏ ‏النجاح‏ ‏ليس‏ ‏أكيدا‏ ‏طبعا، مثل‏ ‏كل‏ ‏الحالات‏ ‏النفسية‏.‏

‏ ‏- هل‏ ‏يمكن‏ ‏للإنسان‏ ‏إراديا‏ ‏اختيار‏ ‏نوع‏ ‏المولود؟

سبق‏ ‏الإجابة‏ ‏على ‏هذا‏ ‏السؤال أى ‏فئة‏ ‏تستطيع‏ ‏ذلك؟

من‏ ‏حيث‏ ‏القدرة‏ ‏المادية، كل‏ ‏من‏ ‏يملك‏ 100 ‏ألف‏ ‏دولار‏ ‏يقدر‏ ‏على ‏ذلك ومن‏ ‏الناحية‏ ‏النفسية، ولا‏ ‏واحد‏ ‏فى ‏رأيى.‏

الأحلام‏ ‏وكيف‏ ‏تحدث؟

الأحلام‏ ‏هى ‏نشاط‏ ‏فسيولوجى ‏دورى ‏يحدث‏ بإنتظام‏ ‏تام‏، ‏فيما‏ ‏يسمى ‏النوم‏ ‏النقيضى، ‏أى ‏النوم‏ ‏المصاحب‏ ‏بحركة‏ ‏العين‏ ‏السريعة‏، ‏وإن‏ ‏كانت‏ ‏الأبحاث‏ ‏الأخيرة‏ ‏قد‏ ‏أظهرت‏ ‏أن‏ ‏هناك‏ ‏نوعا‏ ‏آخر‏ ‏من‏ ‏الأحلام‏ ‏يحدث‏ ‏ف‏ ‏النوم‏ ‏الهادئ‏ ‏وعلى ‏ذلك‏ ‏فقد‏ ‏اختفت، ‏أو‏ ‏كادت‏ ‏تختفى، ‏الصورة‏ ‏الرومانسية‏ ‏للحلم‏ ‏كمحقق‏ ‏للآمال، ‏ومخرج‏ ‏للمكبوت‏ ‏وتعبير‏ ‏شعرى ‏عن‏ ‏اللاشعور‏، ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏يحدث، ‏لكن‏ ‏حدوثه‏ ‏ليس‏ ‏بالصورة‏ ‏الشاعرية‏ ‏القديمة‏، ‏وإنما‏ ‏محتوى ‏الحلم‏ ‏هو‏ ‏جزء‏ ‏يسير‏ ‏جدا‏ ‏من‏ ‏ظاهرة‏ ‏الحلم‏، ‏ثم‏ ‏إن‏ ‏ما‏ ‏يحكى ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏هو‏ ‏جزء‏ ‏أقل‏ ‏وأقل‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الجزء‏ ‏اليسير‏، ‏فالأحلام‏ ‏الآن‏ ‏ظاهرة‏ ‏فسيولوجية‏ ‏نفسية‏ ‏لها‏ ‏وظائفها‏ ‏الخاصة، ‏بغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏محتواها‏ ‏الظاهر‏، ‏وبغض‏ ‏النظر‏ ‏عما‏ ‏إذا‏ ‏كنا‏ ‏نتذكرها‏ ‏أم‏ ‏لا‏ (‏للأسف‏)، والصدمة‏ ‏التى ‏قد‏ ‏تصيب‏ ‏القارئ‏ ‏العادى ‏ونحن‏ ‏نطرح‏ ‏عليه‏ ‏هذه‏ ‏المعلومات‏ ‏تكاد‏ ‏تشبه‏ ‏الصدمة‏ ‏التى ‏أحدثها‏ ‏هبوط‏ ‏الإنسان‏ ‏على ‏القمر‏ ‏حين‏ ‏استحال‏ ‏القمر‏ ‏من‏ ‏مسقط‏ ‏للمشاعر‏ ‏وملهم‏ ‏للشعراء‏، ‏بل‏ ‏ومثير‏ ‏للجذب‏ ‏وشطحات‏ ‏الجنون، ‏استحال‏ ‏إلى ‏أحجار‏ ‏وظلمات‏ ‏وجدب‏ ‏وبرودة‏. ‏لكن‏ ‏القمر‏ ‏مازال‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏نراه‏ ‏فيسرى ‏ضوؤه‏ ‏فى ‏هامش‏ ‏وعينا‏ ‏يدغدغ‏ ‏أحاسيسنا‏، ‏والأحلام‏ ‏مازالت‏ ‏هى ‏ما‏ ‏نحكيها‏ ‏ونعوض‏ ‏بها‏ ‏ما‏ ‏نلقاه‏ ‏فى ‏واقعنا‏ ‏المرير‏.‏

‏ ‏أنواعها‏: ‏من‏ ‏حيث‏ ‏الأحلام‏ ‏الهادئة‏ ‏والكوابيس‏ ‏والأحلام‏ ‏المزعجة تقسيم‏ ‏الأحلام‏ ‏إلى ‏أنواع‏ ‏هو‏ ‏تقسيم‏ ‏شديد‏ ‏التعقيد‏، ‏فهناك‏ ‏الحلم‏ ‏الواضح‏ ‏المحكى ‏المسلسل‏، ‏وهو‏ ‏أبعد‏ ‏ما‏ ‏يكون‏ ‏عما‏ ‏حدث‏ ‏أثاء‏ ‏النوم‏، ‏وعندى ‏نظرية‏ ‏تقول‏ ‏إنه‏ ‏حلم‏ ‏مصنوع‏ ‏قبيل‏ ‏اليقظة‏، ‏هو‏ ‏إبداع‏ ‏سريع‏ ‏لاهث‏ ‏قبيل‏ ‏استعادة‏ ‏الوعى ‏كاملا‏، ‏وليس‏ ‏حدثا‏ ‏مستقلا‏ ‏يفرض‏ ‏نفسه‏ ‏من‏ ‏الداخل‏.‏

‏ ‏وهناك‏ ‏الأحلام‏ ‏الشتات‏، ‏وهناك‏ ‏الأحلام‏ ‏المبتورة‏، ‏وهناك‏ ‏الأحلام‏ ‏المكررة‏، ‏وأحلام‏ ‏النكوص، ‏وأحلام‏ ‏تحقيق‏ ‏الرغبة‏ ‏وأحلام‏ ‏المخاوف‏، ‏وأحلام‏ ‏نفى ‏الرغبة‏، ‏وأحلام‏ ‏التعويض‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏هناك‏ ‏أحلام‏ ‏التعلم‏، ‏وأحلام‏ ‏حل‏ ‏المشاكل‏ ‏وأحلام‏ ‏التنبؤ‏، ‏وأحلام‏ ‏التخاطر، ‏ولا‏ ‏يوجد‏ ‏سبيل‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏العجالة‏ ‏لشرح‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الأصناف‏، ‏لكن‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نتعلم‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏ليست‏ ‏ظاهرة‏ ‏بسيطة‏ ‏وأن‏ ‏أنواع‏ ‏الحلم‏ ‏تتفرع‏ ‏من‏ ‏أبسط‏ ‏الرؤى ‏إلى ‏أعقد‏ ‏التكثيف‏.‏ وهناك‏ ‏طبعا‏ ‏الكابوس‏، ‏وأضغاث‏ ‏الأحلام‏ ‏والفزع‏ ‏الليلي‏.‏

علاقة‏ ‏الأحلام‏ ‏بالطعام‏ ‏فى ‏المساء: توجد‏ ‏فعلا‏ ‏علاقة‏ ‏بين‏ ‏التخمة‏ ‏والنوم‏ ‏مباشرة‏ ‏عقب‏ ‏الأكل‏، ‏وبين‏ ‏نوع‏ ‏الأحلام‏ ‏وحدوثها‏، ‏فكلما‏ ‏زادت‏ ‏كمية‏ ‏الأكل‏ ‏ونام‏ ‏الفرد‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يهضمها‏ ‏زاد‏ ‏احتمال‏ ‏الأحلام‏ ‏المزعجة‏ ‏والمتداخلة‏، ‏ويرجع‏ ‏البعض‏ ‏هذا‏ ‏الترابط‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏الدم‏ ‏الصاعد‏ ‏إلى ‏المخ‏ ‏يكون‏ ‏أقل‏ ‏نتيجة‏ ‏لانشغال‏ ‏جزء‏ ‏كبير‏ ‏فى ‏الهضم‏، ‏وهذا‏ ‏تفسير‏ ‏ليس‏ ‏علميا‏ ‏ولا‏ ‏يبدو‏ ‏وجيها‏، ‏لكن‏ ‏التفسير‏ ‏الآخر‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏النوم‏ ‏يكون‏ ‏أكثر‏ ‏قلقا‏ ‏والمعدة‏ ‏ملأى، ‏وبالتالى ‏يحدث‏ ‏الحلم‏ ‏ويتذكره‏ ‏النائم‏ ‏أكثر‏، ‏وأيضا‏ ‏فإن‏ ‏امتلاء‏ ‏المعدة‏ ‏يعرض‏ ‏الإنسان‏ ‏لاحتمال‏ ‏أن‏ ‏يستيقظ‏ ‏نتيجة‏ ‏لحركة‏ ‏ما‏ ‏بها‏ ‏أو‏ ‏لضغطها‏ ‏على ‏الحجاب‏ ‏الحاجز‏ ‏وبطء‏ ‏الهضم‏، ‏وبما‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏وظائف‏ ‏الحلم‏ ‏أن‏ ‏يحرس‏ ‏النوم‏، ‏فإنه‏ ‏يقفز‏ ‏إلى ‏أرضية‏ ‏النوم‏ ‏لينسج‏ ‏أحلاما‏ ‏تدخل‏ ‏فى ‏محتواها‏ ‏حركة‏ ‏الأمعاء‏ ‏وضيق‏ ‏التنفس‏ ‏كجزء‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏وبالتالى ‏لا‏ ‏يستيقظ‏ ‏النائم‏ ‏المتخم.

علاقة‏ ‏الأحلام‏ ‏بالتوتر‏ ‏النفسى ‏أو‏ ‏القلق:

لا‏ ‏توجد‏ ‏علاقة‏ ‏مباشرة‏، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏الشائع‏ ‏أن‏ ‏المتوتر‏ ‏نفسيا‏ ‏يكون‏ ‏أكثر‏ ‏عرضة‏ ‏للأحلام‏ ‏المزعجة‏ ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏الحقيقة‏ ‏أن‏ ‏المتوتر‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏كذلك‏ ‏وقد‏ ‏يكون‏ ‏عكس‏ ‏ذلك‏، ‏بمعنى ‏أنه‏ ‏حين‏ ‏ينام‏ ‏قد‏ ‏لا‏ ‏يسمح‏ ‏الرقيب‏ ‏على ‏نومه‏ ‏للمحتوى ‏المسبب‏ ‏للتوتر‏ ‏أن‏ ‏يخرج‏ ‏حتى ‏فى ‏صورة‏ ‏حلم، ‏فيكون‏ ‏الكبت‏ ‏أشد‏، ‏ورغم‏ ‏حدوث‏ ‏الحلم‏ ‏قد‏ ‏لا‏ ‏يتذكره‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏المتوتر‏.‏

مدى ‏صحة‏ ‏أن‏ ‏الأحلام‏ ‏المزعجة‏ ‏قد‏ ‏تسبب‏ ‏ارتقاعا‏ًً ‏فى ‏ضغط‏ ‏الدم‏، ‏أو‏ ‏الإصابة‏ ‏بالنوبات‏ ‏القلبية هذه‏ ‏معلومة‏ ‏صحيحة‏ ‏لكنها‏ ‏ليست‏ ‏مخيفة‏، ‏وارتفاع‏ ‏ضغط‏ ‏الدم‏ ‏المترتب‏ ‏على ‏الأحلام‏ ‏هو‏ ‏ارتفاع‏ ‏مؤقت‏، ‏وهو‏ ‏مثل‏ ‏الارتفاع‏ ‏الذى ‏يحدث‏ ‏فى ‏حالات‏ ‏الانفعال‏ ‏أثناء‏ ‏اليقظة‏، ‏أما‏ ‏الإصابة‏ ‏بالنوبات‏ ‏القلبية‏ ‏فلا‏ ‏بد‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏الإنسان‏ ‏مستهدفا‏ ‏لمثل‏ ‏هذا‏ ‏النو‏ ‏ع‏ ‏من‏ ‏الإصابات‏ ‏ويصبح‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الحالة‏ ‏ليس‏ ‏إلا‏ ‏عاملا‏ ‏مرسبا‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏ ‏مثله‏ ‏مثل‏ ‏أى ‏انفعال‏ ‏آخر‏.‏

آلام‏ ‏المعدة‏ ‏والأمعاء‏ ‏والتأثيرات‏ ‏المختلفة‏ ‏على ‏الجهاز‏ ‏الهضمي أظن‏ ‏أنه‏ ‏سبق‏ ‏الإشارة‏ ‏إلى ‏هذا‏ ‏السؤال‏ ‏فى ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏التخمة‏ ‏والحلم‏ ‏كحارس‏ ‏للنوم كيفية‏ ‏التخلص‏ ‏من‏ ‏الأحلام‏ ‏المزعجة‏ ‏للوصول‏ ‏إلى ‏الأحلام‏ ‏الهادئة لم‏ ‏يقل‏ ‏أحد‏ ‏أن‏ ‏الأحلام‏ ‏المزعجة‏ ‏أقل‏ ‏فائدة‏ ‏من‏ ‏الأحلام‏ ‏الهادئة‏ ‏أو‏ ‏العكس، ‏الحلم‏ ‏صورة‏ ‏لأحد‏ ‏أوجه‏ ‏الحياة‏ ‏الإنسانية‏، ‏وعلى ‏ذلك‏ ‏فأن‏ ‏يكون‏ ‏الحلم‏ ‏مزعجا‏ ‏فهذا‏ ‏تقليب‏ ‏للموجود‏، ‏وهو‏ ‏جيد‏، ‏أو‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏الحلم‏ ‏هادئا‏ ‏فهذا‏ ‏سرد‏ ‏لجزء‏ ‏منساب‏ ‏برفق‏ ‏فى ‏اللاشعور‏، ‏وهذا‏ ‏أيضا‏ ‏جيد‏، ‏المهم‏ ‏أن‏ ‏نصادق‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏، ‏ونتعلم‏، ‏ونسمح‏ ‏ونواصل‏ ‏الحوار‏ ‏مع‏ ‏داخلنا‏ ‏فى ‏هدوء‏ ‏وغير‏ ‏مباشرة‏ ‏فتقرب‏ ‏أبعاضنا‏ ‏من‏ ‏بعضها، ‏فنتكامل‏، ‏وهذا‏ ‏دور‏ ‏من‏ ‏أدوار‏ ‏وظيفة‏ ‏الأحلام‏ ‏بكل‏ ‏أنواعها‏.‏

***

 الأفلام الجنسية

‏هل‏ ‏للأفلام‏ ‏الجنسية‏ ‏أثر‏ ‏سلبى ‏على ‏صحة‏ ‏الإ‏ ‏نسان‏ ‏النفسية‏؟

ابتداء‏: ‏لا‏‏بد‏ ‏أن‏ ‏أعترف‏ ‏أننى ‏لم‏ ‏أشاهد‏ ‏فيلما‏ ‏جنسيا‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏، ‏فكلما‏ ‏هممت‏ ‏أن‏ ‏أشترى ‏أحدها‏ ‏أو‏ ‏أدخل‏ ‏لمشاهدته‏ ‏فى ‏دار‏ ‏تعرضه‏ ‏فى ‏الخارج‏، ‏وذلك‏ ‏من‏ ‏باب‏ ‏ما‏ ‏تحتمه‏ ‏على ‏مهنتى ‏من‏ ‏أن‏ ‏ألم‏ ‏بأبعاد‏ ‏ما‏ ‏يعرض‏ ‏على ‏مرضاي‏، ‏أو‏ ‏يسبب‏ ‏لهم‏ ‏أعراضا‏ ‏أو‏ ‏أمراضا‏، ‏أقول‏ ‏إننى ‏كلما‏ ‏حاولت‏ ‏ذلك‏ ‏تقززت‏ ‏تقززا‏ ‏منعنى، ‏لذلك‏ ‏لا‏ ‏بد‏ ‏أن‏ ‏تؤخذ‏ ‏ردودى ‏بحذر

والإجابة‏ ‏على ‏هذا‏ ‏السؤال‏ ‏هى: ‏نعم‏ ‏لمثل‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏ ‏أثر‏ ‏سئ ‏على ‏فهم‏ ‏الناس‏ ‏لطبيعة‏ ‏الجسد‏ ‏وشرف‏ ‏الجنس‏، ‏وهذا‏ ‏التشويه‏ ‏ضار‏ ‏بالصحة‏ ‏النفسية‏ ‏بلا‏ ‏أدنى ‏شك‏.‏

‏- هل‏ ‏للأفلام‏ ‏الجنسية‏ ‏التى ‏تمثل‏ ‏علاقات‏ ‏شاذه‏ ‏أثر‏ ‏سئ‏ ‏على ‏صحة‏ ‏الإنسان‏ ‏النفسية‏؟

‏ ‏سواء‏ ‏كانت‏ ‏العلاقات‏ ‏المعروضة‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الأفلام‏ ‏طبيعية‏ ‏أم‏ ‏شاذة‏ ‏فإن‏ ‏الإنسان‏ ‏يرى ‏نفسه‏ ‏منفصلا‏ ‏عن‏ ‏كليته‏ ‏حيث‏ ‏يختزل‏ ‏وجوده‏ ‏إلى ‏لحم‏ ‏وجنس‏، ‏وهذا‏ ‏سيئ‏ ‏تماما‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏تشويه‏ ‏الفطرة‏، ‏بل‏ ‏وتقبيح‏ ‏أرقى ‏ما‏ ‏فى ‏الإنسان‏ ‏وهو‏ ‏وجوده‏ ‏الحيوى ‏المتكامل‏، ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏الجنس‏ ‏يصبح‏ ‏راقيا‏ ‏حين‏ ‏يذوب‏ ‏فى ‏الكل‏ ‏البيولوجي‏، ‏ويصبح‏ ‏مقززا‏ ‏وقبيحا‏ ‏حين‏ ‏ينفصل‏ ‏عن‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى ‏ليصبح‏ ‏بديلا‏ ‏عن‏ ‏الحياة‏ ‏المتكاملة‏، ‏وهذه‏ ‏الأفلا‏‏م‏ ‏تعرض‏ ‏هذا‏ ‏البديل‏ ‏الناقص‏ ‏والمشوه‏.‏

‏‏– فى ‏ظل‏ ‏حالة‏ ‏الكبت‏ ‏الجنسى ‏الذى ‏يعانى ‏منه‏ ‏الشباب‏ ‏المصرى ‏حاليا‏، ‏ما‏ ‏مدى ‏خطورة‏ ‏الإثاره‏ ‏غير‏ ‏المشبعه‏ ‏التى ‏تؤدى ‏إليها‏ ‏أفلام‏ ‏الجنس؟‏

‏ ‏لا‏ ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏نبدأ‏ ‏تناول‏ ‏القضية‏ ‏بذكر‏ ‏الكبت‏ ‏هكذا‏، ‏وعند‏ ‏الشباب‏ ‏المصرى ‏خاصة‏، ‏فالكبت‏ ‏جزء‏ ‏لا‏ ‏يتجزأ‏ ‏من‏ ‏طبيعة‏ ‏الوجود‏ ‏البشري‏، ‏ولا‏ ‏بد‏ ‏أن‏ ‏نفرق‏ ‏بين‏ ‏الكبت‏ ‏بمعنى ‏القهر‏ ‏المطلق‏ ‏والممتد‏، ‏والكبت‏ ‏بمعنى ‏التحكم‏ ‏التلقائى ‏فى ‏الغرائز‏ ‏لإمكان‏ ‏تأجيلها‏ ‏لوقت‏ ‏مناسب‏، ‏والشباب‏ ‏المصرى ‏ليس‏ ‏وحده‏ ‏الذى ‏يعانى ‏من‏ ‏الكبت‏، ‏بل‏ ‏لعل‏ ‏هناك‏ ‏شبابا‏ ‏أوربيا‏ ‏أو‏ ‏عربيا‏ ‏يمارس‏ ‏الجنس‏ ‏من‏ ‏أوسع أو‏ ‏أظلم‏ ‏أبوابه‏ ‏وهو‏ ‏مازال‏ ‏مكبوتا‏ ‏منشقا‏ ‏على ‏نفسه‏، ‏لأنه‏ ‏يمارس‏ ‏حرية‏ ‏جسدية‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏عدم‏ ‏الكف‏ ‏منها‏ ‏إلى ‏الحرية‏ ‏الحقيقية‏ ‏التى ‏تتمثل‏ ‏فى ‏الموقف‏ ‏النقدى ‏من‏ ‏الوجود‏.‏

ثم‏ ‏يأتى ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏الإثارة‏ ‏وإشباعها‏، ‏فهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الإثارة‏ ‏هو‏ ‏بمثابة‏ ‏الضحك‏ ‏بالدغدغة‏ (الزغزغة‏)، ‏فهو‏ ‏أمر‏ ‏مصطنع‏ ‏حتما‏، ‏سواء‏ ‏أشبع‏ ‏أم‏ ‏لم‏ ‏يشبع‏، ‏وسواء‏ ‏انتهت‏ ‏هذه‏ ‏الإثارة‏ ‏بممارسة‏ ‏جنسية‏ ‏طبيعة‏ ‏أم‏ ‏باستمناء‏ ‏ذاتي‏، ‏فإنه‏ ‏تكلف‏ ‏فى ‏تكلف‏، ‏وضد‏ ‏الطبيعة‏ ‏البشرية

‏-  ‏تأثير‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏ ‏على ‏مشاعر‏ ‏الحب‏ ‏والعواطف‏ ‏الراقية‏ ‏لدى ‏الأنسان‏؟

سبق‏ ‏الإشارة‏ ‏إلى ‏تشويه‏ ‏الفطرة‏، ‏والعواطف‏ ‏الإنسانية‏ ‏الراقية‏ ‏هى ‏جزء‏ ‏لا‏ ‏يتجزأ‏ ‏من‏ ‏الفطرة‏، ‏ولا‏ ‏بد‏ ‏أن‏ ‏نتذكر‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏السبيل‏ ‏أن‏ ‏العواطف‏ ‏الراقية‏ ‏هذه‏ ‏تتضمن‏ ‏جنسا‏ ‏راقيا‏ ‏أيضا‏، ‏فهى ‏لاتقف‏ ‏على ‏الطرف‏ ‏الآخر‏ ‏من‏ ‏المسألة‏ ‏الحيوية‏ ‏بل‏ ‏إنها‏ ‏عواطف‏ ‏متكاملة‏ ‏فيها‏ ‏جنس‏ ‏طيب‏، ‏وليس‏ ‏جنسا‏ ‏مفتعلا‏ ‏أو‏ ‏مقصوصا‏ ‏هكذا‏، ‏وحين‏ ‏نعامل‏ ‏جسدنا‏ ‏كألة‏ ‏حسية‏ ‏قابلة‏ ‏للعرض‏ ‏والتقطيع‏ ‏فإننا‏ ‏نهين‏ ‏إنسانيتا‏ ‏وعواطفنا‏ ‏كما‏ ‏أشرت‏ ‏حالا‏.‏

‏ – هل‏ ‏يتساوى ‏أثر‏ ‏أفلام‏ ‏العنف‏ ‏مع‏ ‏أثر‏ ‏الأفلام‏ ‏الجنسية‏ ‏فى ‏التأثير‏ ‏على ‏صحة‏ ‏الأنسان‏؟‏

العدوان‏ ‏أيضا‏ ‏غريزة‏ ‏حيوية‏ ‏رائعة‏، ‏حبا‏ ‏الله‏ ‏بها‏ ‏الكائنات‏ ‏الحية‏ ‏لتحافظ‏ ‏على ‏حياتها‏ ‏وعلى ‏نوعها‏، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏الإنسان‏ ‏بالذات‏ ‏قد‏ ‏تنكر‏ ‏لها‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏تنكر‏ ‏لغريزة‏ ‏الجنس‏، ‏فأصبح‏ ‏كل‏ ‏عدوان‏ ‏مرفوض‏ ‏أساسا‏، ‏وهذا‏ ‏غير‏ ‏طيب‏،، ‏وأفلام‏ ‏العنف‏ ‏تفصل‏ ‏العدوان‏ ‏أيضا‏ ‏عن‏ ‏وظيفته‏ ‏الحيوية‏ ‏الأساسية‏، ‏وهى ‏بالتالى ‏تشوه‏ ‏غريزة‏ ‏الدفاع‏ ‏عن‏ ‏النفس‏، ‏والمحافظة‏ ‏على ‏النوع‏، ‏فتصورها‏ ‏على ‏أنها‏ ‏غريزة‏ ‏تدعيم‏ ‏الظلم‏، ‏وقهر‏ ‏الضعيف‏. ‏الضرر‏ ‏موجود‏ ‏فى ‏كل‏ ‏من‏ ‏أفلام‏ ‏الجنس‏ ‏وأفلام‏ ‏العنف‏، ‏ووجه‏ ‏الشبه‏ ‏موجود‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏أن‏ ‏كلا‏ ‏منهما‏ ‏يشوه‏ ‏الغرائز‏، ‏وبختزل‏ ‏إنسانية‏ ‏الإنسان‏ ‏إلى ‏أبعاضه‏، ‏لكن‏ ‏الاختلاف‏ ‏أيضا‏ ‏موجود‏، ‏فعرض‏ ‏الجنس‏ ‏هكذا‏ ‏يلوح‏ ‏بلذة‏ ‏حسية‏ ‏بحته‏، ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏عرض‏ ‏العدوان‏ ‏هكذا‏ ‏إنما‏ ‏يسمح‏ ‏بالتقمص‏ ‏ثم‏ ‏إسقاط‏ ‏قسوة‏ ‏مكبوتة‏ ‏وأنت‏ ‏جالس‏ ‏فى ‏المحل‏، ‏وفى ‏ضحك‏ ‏سخيف‏ ‏على ‏الطبيعة‏ ‏السلسة

‏- هل‏ ‏يمكن‏ ‏ان‏ ‏تستخدم‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏ ‏كوسيله‏ ‏للتنفيث‏ ‏عن‏ ‏الكبت‏ ‏الجنسي‏؟

لا‏ ‏طبعا‏، ‏إنها‏ ‏كشارب‏ ‏الماء‏ ‏المالح‏، ‏كلما‏ ‏شرب‏ ‏أكثر‏ ‏عطش‏ ‏أكثر‏، ‏لأنها‏ ‏مفتعلة‏ ‏ومـدغـدغة‏، ‏وليست‏ ‏طبيعية‏ ‏أو‏ ‏مشبعة‏.‏

– ‏هل‏ ‏تختلف‏ ‏الإنفعالات‏ ‏وردود‏ ‏الأفعال‏ ‏بين‏ ‏الإناث‏ ‏والذكور‏ ‏نتيجة‏ ‏لمشاهده‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏؟‏

بديهى ‏أنها‏ ‏تختلف‏، ‏وإن‏ ‏كانت‏ ‏الأمانة‏ ‏تقتضينى ‏أن‏ ‏أقول‏ ‏إننى ‏أستنتج‏ ‏هذا‏ ‏الرد‏ ‏من‏ ‏طبيعة‏ ‏معرفتى ‏بالمرأة‏ ‏والرجل‏ ‏ودراستى ‏للفروق‏ ‏بين‏ ‏الجنسين‏ ‏عامة‏، ‏فليس‏ ‏فى ‏متناول‏ ‏معلوماتى ‏حاليا‏ ‏ما‏ ‏يدعم‏ ‏هذا‏ ‏الرأى ‏الفرضي‏، ‏وأحسب‏ ‏أن‏ ‏الأمر‏ ‏قد‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏دراسة‏ ‏منـتظمة‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، ‏كل‏ ‏ما‏ ‏أستطيع‏ ‏أن‏ ‏أعلق‏ ‏عليه‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏من‏ ‏جاءنى ‏يشكو‏ ‏من‏ ‏تأثير‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏ ‏تأثيرا‏ ‏سلبيا‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏البنات‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏الرجال‏ ‏أو‏ ‏النساء‏.‏

‏- ‏هل‏ ‏لأفلام‏ ‏الجنس‏ ‏تأثير‏ ‏فى ‏ظاهرة‏ ‏العنف‏ ‏الجنسى ‏فى ‏المجتمع‏؟

أظن‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏وارد‏، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏العنف‏ ‏الجنسى ‏معروف‏ ‏ومتواتر‏ ‏قبل‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏ ‏عبر‏ ‏التاريخ‏، ‏وبدونها‏ ‏فى ‏الأماكن‏ ‏التى ‏تفتقر‏ ‏إلى ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الأفلام‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏.‏

‏- ‏هل‏ ‏هناك‏ ‏أمراض‏ ‏نفسية‏ ‏معينة‏ ‏وراء‏ ‏جرائم‏ ‏الجنس‏، ‏وهل‏ ‏يمكن‏ ‏ان‏ ‏ينتج‏ ‏عنها‏ ‏أمراض‏ ‏نفسية؟‏

نعم‏، ‏وإن‏ ‏كنت‏ ‏لا‏ ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏مبررا‏ ‏للتعاطف‏ ‏مع‏ ‏مرتكبى ‏هذه‏ ‏الجرائم‏، ‏فمثل‏ ‏هذا‏ ‏الإنسان‏ ‏مريض‏ ‏بمعنى ‏تشويه‏ ‏الطبيعة‏ ‏البشرية‏ ‏لديه‏، ‏لكنه‏ ‏ليس‏ ‏مريضا‏ ‏بمعنى ‏استدرار‏ ‏الشفقة‏ ‏أو‏ ‏التماس‏ ‏العذر‏ ‏فى ‏المرض‏.‏

أما‏ ‏أنه‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏ينتج‏ ‏عنها‏ ‏أمراض‏ ‏نفسية‏ ‏فهذا‏ ‏وارد‏ ‏أيضافكل‏ ‏تشويه‏ ‏للطبيعة‏ ‏يجر‏ ‏وراءه‏ ‏تشويها‏ ‏أكبر‏ ‏وهكذا‏.‏

‏ – ‏فى ‏أى ‏طبقات‏ ‏المجتمع‏ ‏تنتقش‏ ‏الجرائم‏ ‏الجنسية‏ ‏بصوره‏ ‏أكبر‏؟

لا‏ ‏بد‏ ‏أن‏ ‏نجد‏ ‏تعريفا‏ ‏مقنعا‏ ‏لكلمة‏ ‘ ‏الجرائم‏ ‏الجنسية‏’، ‏إذ‏ ‏لا‏ ‏بد‏ ‏ابتداء‏ ‏أن‏ ‏نفرق‏ ‏بين‏ ‏الشذوذ‏ ‏الجنسى ‏والجرائم‏ ‏الجنسية‏، ‏فالجنسية‏ ‏المثلية‏ (‏الشذوذ‏) ‏إذا‏ ‏كانت‏ ‏برضا‏ ‏الطرفين‏ ‏ليست‏ ‏جريمة‏ ‏فى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الشرائع‏ ‏ا‏ ‏الوضعية‏، ‏أما‏ ‏ممارسة‏ ‏الجنس‏ ‏قسرا‏ ‏وقهرا‏ ‏أى ‏الاغتصاب‏ ‏وخاصة‏ ‏مع‏ ‏الأطفال‏، ‏فهى ‏من‏ ‏أبشع‏ ‏الجرائم‏ ‏قاطبة‏، ‏وإذا‏ ‏كانت‏ ‏ممارسة‏ ‏الجنس‏ ‏مع‏ ‏الحيوانات‏ ‏شذوذا‏ ‏مقززا‏، ‏فإن‏ ‏ممارسة‏ ‏الجنس‏ ‏مع‏ ‏الجثث‏ ‏يحمل‏ ‏معنى ‏جريمة‏ ‏انتهاك‏ ‏حرمة‏ ‏الميت‏ ‏وهكذا‏.‏

فإذا‏ ‏انتقلنا‏ ‏إلى ‏تحديد‏ ‏الإجابة‏ ‏عن‏ ‏الطبقة‏ ‏التى ‏تكثر‏ ‏فيها‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الجرائم‏، ‏فإننا‏ ‏لا‏ ‏بد‏ ‏أن‏ ‏نفرق‏ ‏بين‏ ‏نوع‏ ‏كل‏ ‏جريمة‏ ‏على ‏حدة‏. ‏وعموما‏ ‏تنتشر‏ ‏هذه‏ ‏الجرائم‏ ‏فى ‏أى ‏طبقة‏ ‏ينقص‏ ‏فيها‏ ‏الوازع‏ ‏الديني‏،، ‏وتهتز‏ ‏فيها‏ ‏القيم‏ ‏

‏ ‏- هل‏ ‏الجرائم‏ ‏الجنسية‏ ‏تعد‏ ‏دليلا‏ ‏على ‏الكبت‏ ‏الجنسي‏، ‏وهل‏ ‏تقل‏ ‏مع‏ ‏إقرار‏ ‏الإباحية‏ ‏أم‏ ‏تزيد‏؟‏

لا‏ ‏يوجد‏ ‏ربط‏ ‏مباشر‏ ‏بهذه‏ ‏السذاجة‏، ‏الجرائم‏ ‏الجنسية‏ ‏تحدث‏ ‏مع‏ ‏الكبت‏ ‏ومع‏ ‏الانحلال‏ ‏على ‏حد‏ ‏سواء‏، ‏وهى ‏لا‏ ‏تقل‏ ‏مع‏ ‏الإباحية‏، ‏وهى ‏متعلقة‏ ‏بفصل‏ ‏الجسم‏ ‏والجنس‏ ‏عن‏ ‘‏كلية‏ ‏وتكامل‏’ ‏الوجود‏ ‏البشري‏، ‏وهذا‏ ‏الفصل‏ ‏يحدث‏ ‏بالكبت‏ ‏كما‏ ‏يحدث‏ ‏بمعاملة‏ ‏الجسد‏ ‏منفصلا‏ ‏عن‏ ‏سائر‏ ‏الوجود‏ (‏أى ‏فى ‏الإباحية‏).‏

‏ ‏- هل‏ ‏إباحه‏ ‏الدعارة‏ ‏تعد‏ ‏حلا‏ ‏لمشاكل‏ ‏العنف‏ ‏الجنسى ‏فى ‏المجتمع‏؟

لا‏ ‏طبعا‏، ‏إن‏ ‏الدعارة‏ ‏بصورتها‏ ‏التجارية‏ ‏الشائعة‏ ‏هى ‏نوع‏ ‏من‏ ‏تعرية‏ ‏ما‏ ‏وصل‏ ‏إليه‏ ‏تشويه‏ ‏العلاقات‏ ‏البشرية‏، ‏والدعارة‏ ‏هى ‏كل‏ ‏ممارسة‏ ‏تمارس‏ ‏بين‏ ‏اثنين‏ ‏بمقابل‏ ‏مادي‏، ‏وبغية‏ ‏اللذة‏ ‏المنفصلة‏، ‏دون‏ ‏وجود‏ ‏علاقة‏ ‏تقارب‏ ‏أو‏ ‏رضا‏ ‏متبادل‏، ‏فإذا‏ ‏طبقنا‏ ‏هذا‏ ‏التعريف‏ ‏على ‏كثير‏ ‏من‏ ‏العلاقات‏ ‏الجنسية‏، ‏حتى ‏العادية‏ ‏منها‏، ‏لوسعنا‏ ‏معنى ‏الدعارة‏، ‏وظلت‏ ‏الإجابة‏ ‏كما‏ ‏هى: ‏الدعارة‏ ‏لا‏ ‏تحل‏ ‏مشاكل‏ ‏الكبت‏ ‏أو‏ ‏الجريمة‏ ‏

‏-  ‏هل‏ ‏تشديد‏ ‏العقوبة‏ ‏على ‏هذه‏ ‏الجرائم‏ ‏يعد‏ ‏رادعا‏ ‏لها‏؟‏

لا‏ ‏أظن‏، ‏فهى ‏جرائم‏ ‏سرية‏ ‏بطبيعتها‏، ‏وتشديد‏ ‏الجريمة‏ ‏لن‏ ‏يزيد‏ ‏مرتكبها‏ ‏إلا‏ ‏حرصا‏ ‏على ‏مزيد‏ ‏من‏ ‏السرية‏، ‏وربما‏ ‏إمعانا‏ ‏فيها‏ ‏من‏ ‏باب‏ ‏الفخر‏ ‏بتحدى ‏السلطة‏ ‏التى ‏تلاحقه‏ ‏بالوعيد‏.‏

‏-  ‏هل‏ ‏تؤثر‏ ‏مشاهدة‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏ ‏على ‏العلاقه‏ ‏بين‏ ‏الزوجين‏؟

أعتقد‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏صحيح‏، ‏حتى ‏لو‏ ‏كانت‏ ‏تستعمل‏ ‏بغرض‏ ‏استجلاب‏ ‏الإثارة‏ ‏عند‏ ‏زوجين‏ ‏شعرا‏ ‏بالفتور‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، ‏فإن‏ ‏ممارسة‏ ‏الجنس‏ ‏مع‏ ‏بعضهما‏ ‏عقب‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏ ‏قد‏ ‏يصل‏ ‏به‏ ‏الأمر‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ ‏الاستمناء‏، ‏أو‏ ‏الممارسة‏ ‏الخيالية‏ ‏بغير‏ ‏موضوع‏ ‏حقيقى ‏حيث‏ ‏أن‏ ‏أحد‏ ‏الزوجين‏ ‏أو‏ ‏كلاهما‏ ‏قد‏ ‏يستعمل‏ ‏الطرف‏ ‏الآخر‏ ‏موضوعا‏ ‏لخياله‏ ‏الذى ‏أثاره‏ ‏الفيلم‏ ‏الجنسي‏، ‏وكأنه‏ ‏يمارس‏ ‏الجنس‏ ‏مع‏ ‏بطل‏ ‏أو‏ ‏بطلة‏ ‏الفيلم‏ ‏مستعملا‏ ‏زوجه‏ ‏أو‏ ‏زوجته‏ ‏كأداة‏ ‏مغتربة‏ ‏لتحقيق‏ ‏ما‏ ‏ثار‏ ‏فى ‏مخيلته‏ ‏لا‏ ‏أكثر‏.‏

‏ ‏- هل‏ ‏الزواج‏ ‏المبكر‏ ‏هو‏ ‏السبب‏ ‏فى ‏رواج‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الأفلام‏ ‏أم‏ ‏العكس‏؟‏

أعتقد‏ ‏أن‏ ‏الزواج‏ ‏المبكر‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏علاقة‏ ‏لا‏ ‏بالرواج‏ ‏ولا‏ ‏بالركود‏، ‏وإذا‏ ‏أعدنا‏ ‏قراءة‏ ‏ما‏ ‏سبق‏ ‏لوجدنا‏ ‏أن‏ ‏الزواج‏ ‏نفسه‏ ‏يحتاج‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏تتعمق‏ ‏فيه‏ ‏العلاقة‏ ‏الإنسانية‏ ‏حتى ‏لا‏ ‏يصبح‏ ‏مجرد‏ ‏وسيلة‏ ‏للتفريغ‏ ‏الجسدى‏، ‏الزواج‏ ‏هو‏ ‏مجال‏ ‏حيوى ‏للتقارب‏ ‏البشرى ‏أساسا‏، ‏وأحد‏ ‏صور‏ ‏هذا‏ ‏التقارب‏ ‏هو‏ ‏العلاقة‏ ‏الجنسية‏.‏

***

الاكتئاب

– الفرق‏ ‏بين‏ ‏الاكتئاب‏ ‏والانهيار؟

لا‏ ‏يوجد‏ ‏وجه‏ ‏شبه‏ ‏مباشر‏ ‏حتى ‏نبحث‏ ‏عن‏ ‏الفرق‏، ‏فالاكتئاب‏ ‏هو‏ ‏حزن‏ ‏مفرط‏، ‏والانهيار‏ ‏هو‏ ‏فقد‏ ‏التماسك‏ ‏حتى ‏العجز‏، ‏أو‏ ‏الانسحاب‏ ‏أو‏ ‏التفسخ‏ ‏أو‏ ‏التوقف‏، ‏ثم‏ ‏الاكتئاب‏ ‏يصف‏ ‏عادة‏ ‏حالة‏ ‏الحزن‏ ‏المرضى ‏دون‏ ‏الحزن‏ ‏العادى ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏لفظ‏ ‏الانهيار‏ ‏عادة‏ ‏ما‏ ‏يقترن‏ ‏بما‏ ‏هو‏ ‏انهيار‏ ‏عصبي‏، ‏وهو‏ ‏لفظ‏ ‏يستعمله‏ ‏العامة‏ ‏للتعبير‏ ‏عن‏ ‏أى ‏صدمة‏ ‏عصبية‏، ‏أو‏ ‏فقد‏ ‏التوازن

– وما‏ ‏هى ‏أنواع‏ ‏ومراحل‏ ‏الاكتئاب؟

أولا‏: ‏أنواع‏ ‏الاكتئاب‏ ‏كثيرة‏ ‏تفوق‏ ‏الحصر‏، ‏حيث‏ ‏يبلغ‏ ‏من‏ ‏اختلافها‏ ‏أنها‏ ‏أحيانا‏ ‏تكون‏ ‏عكس‏ ‏بعضها‏، ‏فمثلا‏ ‏هناك‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏الاكتئاب‏ ‏يسمى ‏الاكتئاب‏ ‏اللزج‏، ‏أو‏ ‏الطفيلى ‏وهو‏ ‏النوع‏ ‏الذى ‏يظهر‏ ‏فيه‏ ‏الفرد‏ ‏درجة‏ ‏من‏ ‏الاعتمادية‏، ‏والإلحاح‏ (‏بالزن‏) ‏على ‏الآخرين‏، ‏وتكرار‏ ‏الشكوي‏، ‏وأحيانا‏ ‏استدرار‏ ‏العطف‏، ‏وهو‏ ‏نوع‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏سمات‏ ‏الشخصية‏ ‏منه‏ ‏إلى ‏الاكتئاب‏ ‏الذى ‏يأتي‏، ‏ويزول‏، ‏وعلى ‏النقيض‏ ‏هناك‏ ‏نوع‏ ‏حى ‏من‏ ‏الاكتئاب‏ ‏يكون‏ ‏صاحبه‏ ‏على ‏درجة‏ ‏فائقة‏ ‏من‏ ‏الحياء‏ ‏واحترام‏ ‏شعور‏ ‏الآخرين‏، ‏حتى ‏ليتحرج‏ ‏من‏ ‏الشكوى ‏لأنه‏ ‏يعتبر‏ ‏نفسه‏ ‏أثقل‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يحتمله‏ ‏أحد‏، ‏وهو‏ ‏يرى ‏أنه‏ – ‏هو‏- ‏لا‏ ‏الزمن‏ ‏الذى ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يقع‏ ‏عليه‏ ‏اللوم‏، ‏وهكذا‏.‏

ثم‏ ‏عندنا‏ ‏الاكتئاب‏ ‏التفاعلي‏، ‏وهو‏ ‏فرط‏ ‏الحزن‏ ‏نتيجة‏ ‏لسبب‏ ‏حقيقى ‏مثل‏ ‏الرسوب‏ ‏فى ‏الامتحان‏ ‏أو‏ ‏خيبة‏ ‏الأمل‏ ‏فى ‏الحب‏، ‏أو‏ ‏أزمة‏ ‏اقتصادية‏، ‏وكل‏ ‏هذا‏ ‏يجعل‏ ‏أى ‏واحد‏ ‏منا‏ ‏يكتئب‏، ‏لكن‏ ‏إذا‏ ‏زاد‏ ‏الأمر‏ ‏حتى ‏أدى ‏إلى ‏خلل‏ ‏فى ‏التكيف‏ ‏الاجتماعى، ‏وضرر‏ ‏فى ‏الوظائف‏ ‏الجسمية‏ ‏وإعاقة‏ ‏عن‏ ‏العمل‏ ‏يعتبر‏ ‏أنه‏ ‏قد‏ ‏وصل‏ ‏إلى ‏درجة‏ ‏مرضية‏ ‏فعلا‏ ‏رغم‏ ‏أن‏ ‏هناك‏ ‏سببا‏ ‏يبرره‏.‏

– هل‏ ‏توجد‏ ‏علامات‏ ‏أو‏ ‏ظواهر‏ ‏للاكتئاب؟

طبعا‏، ‏وأهم‏ ‏علامات‏ ‏الاكتئاب‏ ‏هو‏ ‏الحزن‏ ‏الشديد‏ ‏بلا‏ ‏مبرر‏ ‏عادة‏، ‏واليأس‏، ‏وعدم‏ ‏القدرة‏ ‏على ‏التمتع‏ ‏بمباهج‏ ‏الحياة‏ ‏العادية‏، ‏بل‏ ‏رفضها‏ ‏تماما‏، ‏وخير‏ ‏من‏ ‏عبر‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏الموقف‏ ‏هو‏ ‏صلاح‏ ‏جاهين‏ ‏وهو‏ ‏يخاطب‏ ‏نفسه‏ ‏قائلا‏:‏ إيه‏ ‏تطلبى ‏يا‏ ‏نفس‏ ‏فوق‏ ‏كل‏ ‏ده حظك‏ ‏بيضحك‏ ‏وانتى ‏متنكده ومن‏ ‏علامات‏ ‏الاكتئاب‏ ‏أيضا‏ ‏عدم‏ ‏الاهتمام‏، ‏والشعور‏ ‏باللاجدوي‏، ‏وبطء‏ ‏الإحساس‏ ‏بمرور‏ ‏الوقت‏، ‏والشعور‏ ‏بأن‏ ‏الإنسان‏ ‏ثقيل‏ ‏على ‏من‏ ‏حوله‏.‏

وأخيرا‏ ‏فمن‏ ‏أخطر‏ ‏علاماته‏ ‏الميل‏ ‏إلى ‏الانتحار‏، ‏أو‏ ‏الإقدام‏ ‏عليه‏ ‏فعلا‏.‏

– هل‏ ‏توجد‏ ‏علامات‏ ‏جسمانية‏ ‏لهذا‏ ‏المرض؟

طبعا‏، ‏وأهمها‏ ‏هبوط‏ ‏الوظائف‏ ‏الحيوية‏ ‏مثل‏ ‏فقد‏ ‏الشهية‏، ‏والإمساك‏، ‏وأحيانا‏ ‏بعض‏ ‏الاضطرابات‏ ‏الدورية‏ ‏مثل‏ ‏ارتفاع‏ ‏ضغط‏ ‏الدم‏، ‏واضطراب‏ ‏الطمث‏ ‏عند‏ ‏النساء‏، ‏ولكن‏ ‏لا‏ ‏توجد‏ ‏قاعدة‏ ‏عامة‏ ‏عند‏ ‏كل‏ ‏الناس‏، ‏فكثير‏ ‏من‏ ‏المكتئبين‏ ‏يفرطون‏ ‏فى ‏تناول‏ ‏الطعام‏ ‏بلا‏ ‏ضابط‏، ‏ولا‏ ‏حتى ‏هم‏ ‏يشعرون‏ ‏بطعم‏ ‏الأكل‏ ‏حتى ‏يزيد‏ ‏وزنهم‏ ‏بدرجة‏ ‏شديدة‏ ‏رغم‏ ‏أن‏ ‏غيرهم‏ ‏لا‏ ‏يذوقون‏ ‏شيئا‏، ‏ومن‏ ‏أهم‏ ‏الاضطرابات‏ ‏الجسمية‏ ‏فى ‏الاكتئاب‏ ‏اضطرابات‏ ‏النوم‏، ‏ويتوقف‏ ‏نوع‏ ‏اضطراب‏ ‏النوم‏ ‏على ‏نوع‏ ‏الاكتئآب‏ ‏أحيانا‏، ‏حيث‏ ‏يكون‏ ‏الاكتئآب‏ ‏التفاعلى ( ‏أى ‏بسبب‏ ‏ظاهر‏) ‏مصاحب‏ ‏بصعوبة‏ ‏فى ‏النوم‏ ‏فى ‏بداية‏ ‏الليل‏، ‏أما‏ ‏الاكتئاب‏ ‏الداخلى ‏أو‏ ‏الحيوى ‏فيكون‏ ‏مصحوبا‏ ‏بالاستيقاظ‏ ‏مبكرا‏، ‏وصعوبة‏ ‏العودة‏ ‏إلى ‏النوم‏، ‏وتكون‏ ‏أسوأ‏ ‏أوقات‏ ‏المريض‏ ‏هى ‏حول‏ ‏الفجر‏، ‏وكثيرا‏ ‏ما‏ ‏يحدث‏ ‏الانتحار‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الوقت‏ ‏المبكر‏ ‏تماما‏.‏

– ما‏ ‏مدى ‏ارتباط‏ ‏الاكتئاب‏ ‏بالسن؟

الشائع‏ ‏أن‏ ‏الاكتئاب‏ ‏يزيد‏ ‏مع‏ ‏تقدم‏ ‏العمر‏، ‏ومن‏ ‏أقسى ‏أنواع‏ ‏الاكتئاب‏: ‏اكتئاب‏ ‏الشيخوخة‏، ‏الذى ‏أحيانا‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏خطأ‏: ‏اكتئاب‏ ‏سن‏ ‏اليأس‏. ‏والواقع‏ ‏أن‏ ‏الاكتئاب‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏أى ‏سن‏، ‏وحتى ‏عند‏ ‏الأطفال‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نجد‏ ‏الاكتئاب‏، ‏والواقع‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏لكل‏ ‏اكتئاب‏ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏من‏ ‏مراحل‏ ‏العمر‏ ‏ما‏ ‏يميزه‏ ‏عن‏ ‏غيره‏، ‏فمثلا‏ ‏يختلف‏ ‏اكتئاب‏ ‏المراهقة‏ ‏المليء‏ ‏بالإحباطات‏ ‏لأحلام‏ ‏لم‏ ‏تظهر‏ ‏إلى ‏الواقع‏ ‏أصلا‏، ‏عن‏ ‏اكتئاب‏ ‏منتصف‏ ‏العمر‏ ‏المتعلق‏ ‏بمواجهة‏ ‏واقع‏ ‏الحياة‏ ‏حقيقة‏ ‏وفعلا‏.‏

– ما‏ ‏مدى ‏ارتباط‏ ‏الاكتئاب‏ ‏بالغم؟

أحيانا‏ ‏ما‏ ‏يأتى ‏الاكتئاب‏ ‏نتيجة‏ ‏للإحباط‏ ‏فى ‏العمل‏ ‏حين‏ ‏لا‏ ‏يقدر‏ ‏الإنسان‏ ‏المجتهد‏ ‏الأمين‏ ‏المخلص‏ ‏بما‏ ‏يجعله‏ ‏يستمر‏ ‏فى ‏بذله‏ ‏وعطائه‏.‏

وأحيانا‏ ‏يكون‏ ‏الاندفاع‏ ‏القهرى ‏إلى ‏العمل‏ ‏هو‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏الهرب‏ ‏من‏ ‏الاكتئاب

وأحيانا‏ ‏ما‏ ‏يترتب‏ ‏على ‏الاكتئاب‏ ‏عزوف‏ ‏عن‏ ‏العمل‏، ‏بمعنى ‏أنه‏ ‏إذا‏ ‏كانت‏ ‏الدنيا‏ ‏كلها‏ ‏لم‏ ‏تصبح‏ ‏لها‏ ‏معني‏، ‏وإذا‏ ‏كان‏ ‏الغد‏ ‏قد‏ ‏مات‏، ‏والأمل‏ ‏قد‏ ‏دفن‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يولد‏ ‏فلماذا‏ ‏العمل‏، ‏هكذا‏ ‏يقول‏ ‏لسان‏ ‏حال‏ ‏المكتئب‏.‏

– هل‏ ‏يؤدى ‏مرض‏ ‏الاكتئاب‏ ‏للموت؟

طبعا‏ ‏يؤدى ‏مرض‏ ‏الاكتئاب‏ ‏إلى ‏الموت‏، ‏وخاصة‏ ‏بالمعنى ‏السابق‏ ‏الإشارة‏ ‏إليه‏ ‏فى ‏مسألة‏ ‏الانتحار‏، ‏كما‏ ‏أن‏ ‏الامتناع‏ ‏عن‏ ‏الطعام‏ ‏بسبب‏ ‏الاكتئاب‏ ‏قد‏ ‏يؤدى ‏إلى ‏الموت‏، ‏وأخيرا‏ ‏إهمال‏ ‏العناية‏ ‏بالصحة‏، ‏وإهمال‏ ‏العلاج‏ ‏لمرض‏ ‏جسدى ‏بذاته‏، ‏وإهمال‏ ‏الوقاية‏ ‏من‏ ‏المضاعفات‏ ‏مثل‏ ‏مريض‏ ‏القلب‏ ‏الذى ‏يكتئب‏ ‏فيقوم‏ ‏بمجهود‏ ‏منهى ‏عنه‏، ‏أو‏ ‏يفرط‏ ‏فى ‏شرب‏ ‏السجائر‏ ‏إلخ‏، ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏يؤدى ‏حتما‏ ‏إلى ‏الاكتئاب‏ ‏الشديد‏ ‏فالموت

– ما‏ ‏هى ‏كيفية‏ ‏معالجة‏ ‏مريض‏ ‏الاكتئاب‏ (‏الأقراص‏ ‏أو‏ ‏الكهرباء‏ ‏أو‏ ‏الحقن‏)‏؟

‏ ‏يختلف‏ ‏علاج‏ ‏مرضى ‏الاكتئاب‏ ‏من‏ ‏مريض‏ ‏إلى ‏مريض‏، ‏ومن‏ ‏مدرسة‏ ‏علاجية‏ ‏إلى ‏مدرسة‏ ‏أخري‏.‏

فمثلا‏ ‏أنا‏ ‏لا‏ ‏أحب‏ ‏أن‏ ‏أسارع‏ ‏بعلاج‏ ‏الاكتئاب‏ ‏بمعنى ‏إزالة‏ ‏الحزن‏ ‏فورا‏ ‏وتماما‏، ‏سواء‏ ‏استعملت‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏العقاقير‏ ‏أم‏ ‏غير‏ ‏ذلك‏، ‏لأننى ‏أحيانا‏ ‏أتعامل‏ ‏مع‏ ‏الاكتئاب‏ ‏باعتباره‏ ‏لغة‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏ننصت‏ ‏إليها‏، ‏وأن‏ ‏نفهم‏ ‏معناها‏ ‏ثم‏ ‏أن‏ ‏نحسن‏ ‏توجيه‏ ‏طاقتها‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏نسارع‏ ‏بالقضاء‏ ‏عليها‏ ‏تماما‏ ‏ومبكرا لكن‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏المرضي‏، ‏والأطباء‏ ‏لا‏ ‏يطيقون‏ ‏الانتظار وبداية‏ ‏فإذا‏ ‏كان‏ ‏الاكتئاب‏ ‏من‏ ‏النوع‏ ‏التفاعلي‏، ‏إذن‏ ‏لأمكن‏ ‏أن‏ ‏نزيل‏ ‏السبب‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏قابلا‏ ‏للإزالة‏، ‏فالذى ‏رسب‏ ‏فاكتأب‏ -‏مثلا‏- ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏ينجح‏، ‏والذى ‏خسر‏ ‏فى ‏التجارة‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يبدأ‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏ويكسب‏، ‏ولكن‏ ‏فى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الأحوال‏ ‏تكون‏ ‏درجة‏ ‏الاكتئاب‏ ‏قد‏ ‏وصلت‏ ‏إلى ‏مرحلة‏ ‏تمنع‏ ‏العمل‏، ‏لا‏ ‏تدفع‏ ‏إليه‏.‏

وفى ‏أغلب‏ ‏حالات‏ ‏الاكتئاب‏ ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏السبب‏ ‏معروفا‏، ‏أو‏ ‏يكون‏ ‏أقل‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يبرر‏ ‏درجة‏ ‏الاكتئاب‏ ‏الموجودة‏، ‏أو‏ ‏يكون‏ ‏قد‏ ‏زال‏ ‏فعلا‏ ‏ولكن‏ ‏الاكتئاب‏ ‏مازال‏ ‏قائما‏، ‏وفى ‏هذه‏ ‏الحالة‏ ‏لا‏ ‏بد‏ ‏أن‏ ‏نساعد‏ ‏المريض‏ ‏ببعض‏ ‏أنواع‏ ‏العقاقير‏ ‏المضادة‏ ‏للإكتئاب‏ ‏بوجه‏ ‏خاص‏.‏

وهناك‏ ‏والحمد‏ ‏لله‏ ‏من‏ ‏العقاقير‏ ‏ما‏ ‏يساعد‏ ‏على ‏التخفيف‏ ‏من‏ ‏وطأة‏ ‏الاكتئاب لكن‏ ‏ثمة‏ ‏علاجا‏ ‏يسمى ‏خطأ‏ ‏الصدمات‏ ‏الكهربائية‏، ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏صدمة‏، ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏يستعمل‏ ‏الكهرباء‏ ‏بمعنى ‏الإيذاء‏ ‏أو‏ ‏الصعق‏، ‏وإنما‏ ‏هذا‏ ‏العلاج‏ ‏يستعمل‏ ‏الكهرباء‏ ‏مثل‏ ‏أى ‏جهاز‏ ‏فى ‏العالم‏ ‏الحديث‏ ‏لا‏ ‏يعمل‏ ‏إلا‏ ‏بالكهرباء‏، ‏وهذا‏ ‏العلاج‏ ‏يعطى ‏حاليا‏ ‏تحت‏ ‏ظروف‏ ‏إنسانية‏ ‏رائعة‏، ‏بمخدر‏ ‏طفيف‏، ‏وهو‏ ‏يأتى ‏بنتائج‏ ‏رائعة‏ ‏وسريعة‏ ‏لأنواع‏ ‏الاكتئاب‏ ‏المسمى ‏الاكتئآب‏ ‏الدوري‏، ‏وهو‏ ‏الاكتئاب‏ ‏المصاحب‏ ‏بتغيرات‏ ‏عضوية‏ ‏وكيميائية‏ ‏شديدة‏.‏

– هل‏ ‏يشفى ‏مريض‏ ‏الاكتئاب‏ ‏تماما‏ ‏؟

مريض‏ ‏الاكتئاب‏ ‏بالذات‏، ‏فيما‏ ‏عدا‏ ‏النوع‏ ‏المزمن‏ ‏الذى ‏أصبح‏ ‏سمة‏ ‏من‏ ‏سمات‏ ‏الشخصية‏ ‏والذى ‏أسميناه‏ ‏الاكتئآب‏ ‏النعـاب‏، ‏أو‏ ‏الاكتئآب‏ ‏اللزج‏، ‏أو‏ ‏الطفيلي‏، ‏يشفى ‏تماما‏ ‏فعلا‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏من‏ ‏الصفات‏ ‏الأساسية‏ ‏للاكتئاب‏ ‏أنه‏ ‏يشفي‏:‏ يقول‏ ‏صلاح‏ ‏جاهين‏ ‏للأحزان‏ ‏أنها‏ ‏بكره‏ ‏سوف‏ ‏تنتهى ‏مائة‏ ‏فى ‏المائة‏:‏

‏’‏مش‏ ‏انتهت‏ ‏أحزان‏ ‏من‏ ‏قبلها‏’.‏

– متى ‏يتحقق‏ ‏المريض‏ ‏بالاكتئاب‏ ‏أنه‏ ‏أصبح‏ ‏طبيعيا‏ ‏؟

‏ ‏المسألة‏ ‏لا‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏علامات‏ ‏للتحقق‏، ‏فبمجرد‏ ‏أن‏ ‏يعاود‏ ‏المريض‏ ‏نشاطه‏، ‏وإقباله‏ ‏على ‏الحياة‏، ‏واستمتاعه‏ ‏بزينتها‏، ‏وإحساسه‏ ‏بالطبيعة‏ ‏وبالناس‏، ‏وبمجرد‏ ‏أن‏ ‏يضبط‏ ‏نفسه‏ ‏متلبسا‏ ‏بالأمل‏ ‏فى ‏الغد‏، ‏والفرحة‏ ‏بالشباب‏، ‏والرعاية‏ ‏للأطفال‏ ‏والصلح‏ ‏مع‏ ‏الطبيعة‏، ‏والإقبال‏ ‏على ‏العمل‏، ‏بمجرد‏ ‏أن‏ ‏يحدث‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏يعلن‏ ‏انتصار‏ ‏الحياة‏ ‏وهات‏ ‏ياحب‏، ‏وفى ‏ستين‏ ‏داهية‏ ‏الاكتئاب‏ ‏وسيرته‏.‏

– هل‏ ‏يصيب‏ ‏الاكتئاب‏ ‏المرأة‏ ‏أكثر؟

يعني‏ هناك‏ ‏من‏ ‏الدراسات‏ ‏ما‏ ‏يزعم‏ ‏أن‏ ‏المرأة‏ ‏أكثر‏ ‏عرضة‏ ‏للاكتئاب‏ ‏من‏ ‏الرجل‏، ‏وإن‏ ‏كانت‏ ‏ملاحظاتى ‏لا‏ ‏تتفق‏ ‏مع‏ ‏ذلك‏ ‏كثيرا‏، ‏وخاصة‏ ‏فى ‏مصر‏، ‏فالمرأة‏ ‏أكثر‏ ‏احتمالا‏ ‏رغم‏ ‏أنها‏ ‏أكثر‏ ‏عرضة‏ ‏للقهر‏ ‏والظلم‏، ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏المرأة‏ ‏تبكى ‏أكثر‏، ‏لكن‏ ‏البكاء‏ ‏ليس‏ ‏دائما‏ ‏علامة‏ ‏على ‏الاكتئاب‏، ‏بل‏ ‏أحيانا‏ ‏ما‏ ‏يكون‏ ‏بمثابة‏ ‏صمام‏ ‏أمن‏ ‏ضد‏ ‏الاكتئاب‏، ‏أو‏ ‏للتخفيف‏ ‏من‏ ‏الاكتئاب‏.‏

ثم‏ ‏إن‏ ‏هناك‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ ‏الاكتئاب‏ ‏يصاحب‏ ‏الطمث‏ (‏الدورة‏ ‏الشهرية‏) ‏أو‏ ‏يسبقه‏، ‏وهذا‏ ‏النوع‏ ‏مرتبط‏ ‏بزيادة‏ ‏نسب‏ ‏معينة‏ ‏من‏ ‏الهرمونات‏، ‏الأمر‏ ‏الذى ‏يترتب‏ ‏عليه‏ ‏زيادة‏ ‏الماء‏ ‏فى ‏الجسم‏، ‏وفى ‏المخ‏، ‏وهذا‏ ‏يسبب‏ ‏التوتر‏ ‏والاكتئاب‏، ‏وعلاجه‏ ‏أحيانا‏ ‏يكون‏ ‏فى ‏أخذ‏ ‏مدر‏ ‏للبول‏ ‏ينقص‏ ‏كمية‏ ‏المياه‏ ‏فى ‏الجسم‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏تعاطى ‏مضادات‏ ‏الاكتئاب‏.‏

وهناك‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏الاكتئاب‏ ‏يكون‏ ‏مرتبط‏ ‏بالولادة‏، ‏ويسمى ‏كآبة‏ ‏النفاس

وهناك‏ ‏نوع‏ ‏يكون‏ ‏مرتبط‏ ‏بسن‏ ‏معينة‏ ‏تسمى ‏خطأ‏ ‏سن‏ ‏اليأس‏، ‏وهو‏ ‏سن‏ ‏انقطاع‏ ‏الطمث‏، ‏وهذا‏ ‏النوع‏ ‏أيضا‏ ‏هو‏ ‏خطأ‏ ‏فى ‏التسمية‏ ‏لأن‏ ‏انقطاع‏ ‏الطمث‏ ‏عند‏ ‏النساء‏ ‏لا‏ ‏يعني‏، ‏ولا‏ ‏ينبغى ‏أن‏ ‏يعنى ‏اليأس‏، ‏وإنما‏ ‏هو‏ ‏دخول‏ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏تنظيمية‏ ‏جديدة‏، ‏ولكن‏ ‏إشاعة‏ ‏أن‏ ‏المرأة‏ ‏مجرد‏ ‏مصنع‏ ‏أطفال‏ ‏هى ‏التى ‏تشعر‏ ‏المرأة‏ ‏بأن‏ ‏دورها‏ ‏قد‏ ‏انتهي‏، ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏الحقيقة‏ ‏أن‏ ‏دورها‏ ‏قد‏ ‏انتهى ‏كمعمل‏ ‏تفريخ‏، ‏وابتدأ‏ ‏كإنسان‏ ‏محب‏ ‏مشارك‏، ‏لكن‏ ‏التركيز‏ ‏على ‏هذه‏ ‏النهاية‏ ‏المزعومة‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏يسبب‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الاكتئآب‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏السن‏.‏

‏ ‏هل‏ ‏يزيد‏ ‏الاكتئاب‏ ‏عند‏ ‏المرأة‏ ‏العاملة‏ ‏عنه‏ ‏عند‏ ‏المرأة‏ ‏التى ‏تلزم‏ ‏المنزل‏ ‏أو‏ ‏العكس؟

‏ ‏لا‏ ‏توجد‏ ‏نسب‏ ‏محددة‏ ‏لهذا‏ ‏أو‏ ‏ذاك‏، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏الأمر‏ ‏يتعلق‏ ‏حقيقة‏ ‏وفعلا‏ ‏بنوع‏ ‏العمل‏، ‏ونوع‏ ‏البقاء‏ ‏فى ‏المنزل‏، ‏والمرأة‏ ‏تتصالح‏ ‏مع‏ ‏نفسها‏ ‏حين‏ ‏يكون‏ ‏القرار‏ ‏قرارها‏، ‏وحين‏ ‏يكون‏ ‏الفعل‏ ‏محققا‏ ‏لما‏ ‏أملت‏ ‏فيه‏، ‏لكن‏ ‏أن‏ ‏نعمم‏ ‏الرد‏ ‏على ‏كل‏ ‏النساء‏ ‏هكذا‏ ‏فهذا‏ ‏غير‏ ‏مفيد‏، ‏فمثلا‏ ‏المرأة‏ ‏التى ‏تعمل‏ ‏فى ‏الصباح‏ ‏لمجرد‏ ‏أن‏ ‏تزيد‏ ‏دخل‏ ‏الأسرة‏، ‏وفى ‏المساء‏ ‏تقوم‏ ‏بنفس‏ ‏عمل‏ ‏الخادمة‏ ‏للأسرة‏ ‏هى ‏امرأة‏ ‏مسحوقة‏ ‏يحق‏ ‏لها‏ ‏أن‏ ‏تكتئب‏ ‏ونصف‏.‏

والمرأة‏ ‏التى ‏تمكث‏ ‏فى ‏البيت‏ ‏لأنها‏ ‏محرومة‏ ‏من‏ ‏العمل‏ ‏ومن‏ ‏الاختلاط‏ ‏بالنساء‏ ‏ومن‏ ‏المشاركة‏ ‏فى ‏الانتاج‏ ‏هى ‏أيضا‏ ‏إمرأة‏ ‏مسحوقة‏ ‏ويمكن‏ ‏أن‏ ‏تكتئب‏ ‏بسهولة

أما‏ ‏المرأة‏ ‏التى ‏تحب‏ ‏عملها‏، ‏وتتمتع‏ ‏بعائده‏ ‏المادى ‏والأدبي‏، ‏وتشعر‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏بالرضا‏ ‏والاستقلال‏ ‏والمكانة‏ ‏فلماذا‏ ‏تكتئب‏ ‏أكثر؟

كذلك‏ ‏المرأة‏ ‏التى ‏تفخر‏ ‏بأمومتها‏، ‏وأنوثتها‏، ‏ويكفيها‏ ‏لتحقيق‏ ‏وجودها‏ ‏أن‏ ‏تعيش‏ ‏فى ‏كنف‏ ‏زوج‏ ‏كريم‏ ‏وأبناء‏ ‏وبنات‏ ‏شاكرين‏، ‏فهنيئا‏ ‏لها‏ ‏منزلها‏، ‏وملعون‏ ‏خاش‏ ‏الاكتئاب‏ ‏وسنينه

وهكذا

– هل‏ ‏توجد‏ ‏نصائح‏ ‏حتى ‏لا‏ ‏يتعرض‏ ‏الإنسان‏ ‏للاكتئاب؟

النصائح‏ ‏وحدها‏ ‏لا‏ ‏تفيد‏ ومن‏ ‏أصعب‏

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>