الرئيسية / الأعمال الأدبية / كتب أدبية / كتاب: عن طبيعة الحلم والإبداع

كتاب: عن طبيعة الحلم والإبداع

  • الفصل الأول

    عن طبيعة الحلم

    وطبيعة هذا الإبداع

  • الفصل الثانى

    قراءة نقدية فى الأحلام الأولى

    (1-52)

  • الفصل الثالث

    تقاسيم على اللحن الأساسى

    (نص على نص)

    (من حلم 53 إلى 209 + واحد)

عن طبيعة الحلم والإبداع

دراسة نقدية  فى:

“أحلام فترة النقاهة”

نجيب محفوظ

الإهـداء

إلى صديقٍ كريمٍ عظيم

جابر عصفور

مقدمة:

الأرجح أن هذا العمل هو فى منهج النقد أيضا، فقد تطور بى الأمر أن أنتقل من اسلوب لأسلوب، وأن أرجع إلى قراءة باكرة لى (1981) لمحفوظ أيضا، فأتبين كيف أنه يمكن لنفس الناقد أن يختلف من مرحلة إلى مرحلة، وأيضا أن يختلف تناوله لنفس العمل بأساليب مختلفة.

أنا لا أعد نفسى ناقداً مختصاً [1] وفى الوقت نفسه اعتبر أى قارئ هو ناقد بالضرورة  [2]  

وقد تأكد لى من خلال هذا العمل ما يلى:

أولا: أن النقد الحقيقى هو إبداع تالٍ

ثانيا: أن الرسائل التى تصل من العمل الأصيل قد تُحرك فى الناقد (وفى القارئ) مستويات من التلقى المرة تلو المرة بتشكيلات متنوعة [3] .

وبعد

الفصل الأول: هو مقدمة للدراسة الأساسية عن أحلام فترة النقاهة، وهو يشمل جزأين:

الأول: ردا على التساؤلات الإعلامية (أكثر منها الأكاديمية) عن طبيعة هذه الأحلام وهل هى إبداع صرف، أم أحلام يقظة، أم أحلام حقيقية تحورت إلى إبداع، وقد حاولت الرد على أسئلة مباشرة بهذا الشأن، بالإضافة إلى إشارة شديده الإيجاز لنظريتى فى الأحلام وعلاقتها بالإبداع.

الجزء الثانى من هذا الفصل هو ملاحظات واستطرادات تضمنت إشارة إلى الأحلام فى الأصداء، ونقدى لعمل محفوظ الباكر “رأيت فيما يرى النائم”، وإن لم يخلُ ذلك مَنْ بعض التكرار اللازم لإيضاح بعض إجابات الجزء الأول، مما قد يتيح الفرصة للمقارنة التى أرجوها.

الفصل الثانى: هو قراءة نقدية فى ربع أحلام النقاهة تقريبا (1-52) وقد كانت أقرب إلى الأسلوب الذى اتبعته فى قراءة “أصداء السيرة الذاتية”  [4]  فى المرحلة الأولى: “أقرأ العمل فقرة فقرة، وأقوم بنقد كل فقرة بذاتها أساسا، فإذا ما انتهت هذه القراءة “الدندنة” التى أوهم نفسى أنها مجرد مرحلة ضبط للآلات، أو اختبار الأوتار، آلة آلة، ووترا وترا، فِإنى تصورت أننى سوف أرجع لأنظر إلى ما انتهيت إليه لكى أخلص إلى قراءة جامعة، وفعلا بدأت قراءة الأحلام حلما حلما أملا فى قراءة نقدية جامعة لاحقا، ونشرت الفصل الأول منها.

إلا أننى وجدت اختلافا واضحا بين الأصداء والأحلام، كما وجدت أننى أضطر اضطرارا فى غير قليل من الأحيان إلى أن أفك شفرة رمز هنا أو ألجأ إلى مباشرة تفسير هناك، الأمر الذى صرتُ أخشى معه أن أتعسف من ناحية، أو أن أختزل العمل إلى رموز تخنقه من ناحية أخرى، وحين تكاثف هذا الشعور باضطراد كان الخيار أمامى إما أن أتوقف، وإما أن أبحث عن سبيل آخر[5] .

الفصل الثالث: هو المخاطرة الحقيقية بطرق باب هذا “السبيل الآخر”، بأن يكون النقد “نصا على نص”، ولم أحاول أن أقيد نفسى من البداية بأية شروط من أى نوع، فكان ما كان مما هو بين أيديكم هكذا، “تقاسيم على اللحن الأساسى“.

 *****

الفصل الأول

 

عن طبيعة الحلم وطبيعة هذا الإبداع

أولا: أسئلة وإجابات [6]

  • أحلام‏ ‏نجيب محفوظ هل تعد من قبيل المنامات..أم هى أحلام يقظة؟

أحلام‏ ‏نقاهة‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏هى ‏إبداع‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏لا‏ ‏أكثر‏ ‏ولا‏ ‏أقل‏. ‏كونه‏ ‏أسماها‏ ‏أحلاماً‏، ‏أو‏ ‏أنه‏ ‏استلهم‏ ‏نسيجها‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏مادة‏ ‏حلمه‏، ‏أو‏ ‏أنها‏ ‏تحركت‏ ‏فى ‏مساحة‏ ‏هيأها‏ ‏لها‏ ‏الحلم‏، ‏أو‏ ‏أنها‏ ‏تشكلت‏ ‏فى ‏زمن‏ ‏لوّح‏ ‏به‏ ‏حلمٌ‏ ‏ما‏، ‏أىٌّ من ذلك هو ‏فى ‏نهاية‏ ‏الأمر‏ ليس إلا ‏عملية‏ ‏إبداعية‏ ‏فائقة‏، ‏تجلت‏ ‏فى ‏وعى ‏مبدعها‏ ‏من‏ ‏أى ‏من‏ ‏هذا‏، ‏بل‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذا‏. ‏هذا‏ ‏إبداع‏ ‏مبدع‏ ‏حقيقى ‏بغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏الاسم‏، ‏وعن‏ ‏أصل‏ ‏الانبعاث‏. ‏إذن‏ ‏هى ‏ليست‏ ‏منامات‏ ‏بمعنى ‏أنها‏ ‏حدثت‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏، ‏ولا‏ ‏هى ‏حلم‏ ‏يقظة‏ ‏بمعنى ‏أنها‏ ‏لعب‏ ‏خيال‏ ‏انشق‏ ‏على ‏ناحية‏، ‏وانطلق‏. ‏

الحلم‏ ‏الذى ‏يحدث‏ ‏فعلا‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏، ‏هو‏ ‏نشاط‏ ‏نوْبـى ‏يشغل‏ ‏حوالى ‏ربع‏ ‏ساعات‏ ‏النوم‏ ‏بانتظام‏ (‏عشرون‏ ‏دقيقة‏ ‏كل‏ ‏تسعين‏ ‏دقيقة‏)، وهذا هو أحد تجليات ‏الإيقاع‏ ‏الحيوى، ‏ونحن‏ ‏لا‏ ‏نعرف‏ ‏عن‏ ‏محتواه‏ ‏شيئا‏. ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏الدراسات‏ ‏الحديثة‏ ‏قد‏ ‏أوضحت‏ – ‏من‏ ‏خلال‏ ‏تجارب‏ ‏الحرمان‏ ‏من‏ ‏النوم‏، ‏والحرمان‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏بالاستعانة‏ ‏برسام‏ ‏المخ‏ ‏الكهربائى‏- ‏أوضحت‏ ‏لنا‏ ‏الكثير‏ ‏عن‏ ‏وظائف‏ ‏الحلم‏:‏كصمام‏ ‏أمن‏، ‏وأداة‏ ‏صقل‏ ‏للمعلومات القائمة مع المعلومات التى نجمعها‏ ‏أثناء‏ ‏اليقظة‏، ‏وأيضا‏ ‏كخطوة‏ ‏جوهرية‏ ‏فى ‏تكامل‏ ‏الإبداع‏ ‏الفائق. ‏بل‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏النشاط‏ ‏الحلمى ‏المتميز‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يعتبر‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏فى ‏ذاته‏ (‏إذا‏ ‏وسّعنا‏ ‏تعريف‏ ‏الإبداع  ‏بما يستحق‏). ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏وصل‏ ‏إلينا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏دراسة‏ ‏نتائج‏ ‏وظائف‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏. ‏أما‏ ‏مضمون‏ ‏هذا‏ ‏النشاط‏ ‏تحديدا‏، ‏فهو‏ ‏ما‏ ‏لا‏ ‏نعلم‏ ‏عنه‏ ‏شيئا‏، ‏وبالتالى ‏فهو‏ -‏ككل‏- ‏أبعد‏ ‏عن‏ ‏تناول‏ ‏المبدع‏ ‏وغير‏ ‏المبدع‏.‏

الحلم‏ ‏المحكى ‏شئ ‏آخر‏، ‏هو‏ ‏ما‏ ‏نخلّـقه‏ ‏نحن‏ ‏من‏ ‏المتاح‏ ‏من‏ ‏بقايا‏ ‏ما‏ ‏تحرك‏ ‏من‏ ‏معلومات‏ ‏أثناء‏ ‏النشاط‏ ‏الحالم‏ ‏فعلا‏. ‏من‏ ‏هذه‏ ‏البقايا‏ ‏الأقرب‏، ‏التى ‏تكون‏ ‏فى ‏متناولنا‏ ‏قبيل‏ ‏الاستيقاظ‏ ‏أو‏ ‏أثناء‏ ‏الاستيقاظ‏. ‏يحدث‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏بضع‏ ‏ثوان‏، ‏أو‏ ‏جزء‏ ‏من‏ ‏ثانية‏ (‏حتى ‏لو‏ ‏بدا‏ أن ‏زمن‏ ‏نقلات‏ ‏الحلم‏ ‏المحكى تستغرق ‏سنوات‏) [7] ‏. ‏

أما‏ ‏أحلام‏ ‏اليقظة‏ ‏فهى ‏أسطح‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏إبداعا‏.

 ‏المبدع‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏ينجح‏ ‏أن‏ ‏يصوغ‏ ‏من‏ ‏الأبجدية‏ ‏التى ‏تلقاها‏ ‏وعيه‏ ‏أثناء‏ ‏اليقظة‏ ‏أو‏ ‏أثناء‏ ‏الحلم‏ ‏توليفا‏ ‏جديدا‏ ‏يلملم‏ ‏فيه‏ ‏ما‏ ‏تناثر‏ ‏بطريقة‏ ‏أصيلة‏ ‏غير‏ مسبوقة‏، ‏فتتجلى ‏لنا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏إبداعه‏ ‏منظومة‏ ‏جديدة‏. ‏نشطة‏، ‏طازجة‏، ‏مقلقلة‏، ‏جميلة‏، ‏فننسج‏ ‏منها‏ ‏بدورنا‏، ‏ونحن‏ ‏نتلقاها‏، ‏ما‏ ‏نستطيع‏، ‏بما‏ ‏هو‏ ‏نحن، وهذه ليست أحلام يقظة بحال.‏.

  • هل‏ ‏معنى ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ ‏ليست‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏أحلام‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏؟

علاقة‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏بطبقات‏ ‏وعيه‏ ‏علاقة‏ ‏وثيقة‏ ‏رائعة‏، ‏لدرجة‏ ‏أن‏ ‏الفصل‏ ‏بين‏ ‏مستويات‏ ‏وعيه‏ ‏وبعضها‏ ‏يصبح‏ ‏تعسفا‏ ‏يحرمنا‏ ‏من‏ ‏سيمفونية‏ ‏إبداعه‏ ‏المتداخلة‏، ‏محفوظ‏ ‏ليس‏ ‏من‏ ‏الروائيين‏ ‏الذين‏ ‏أفرطوا‏ ‏فى ‏كتابة‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏تيار‏ ‏الوعى، ‏أو‏ ‏أدب‏ ‏الحلم‏، ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏له‏ ‏عمل‏ ‏سابق‏ ‏كان‏ ‏مباشراً‏ ‏أيضا‏ ‏فى ‏عنوانه‏ ‏بما‏ ‏يشير‏ ‏به‏ ‏إلى ‏رؤى ‏النائم‏، ‏وهو‏ ‏مجموعة‏ “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” ‏وقد‏ ‏كتبت‏ ‏فيه‏ ‏نقدا‏ ‏مسهبا‏ً ‏[8]  ‏بينت‏ ‏فيه‏ ‏الطبيعة‏ ‏الإيجابية‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏حلم‏ ‏باعتبار‏ ‏أن ‏”.. ‏الحلم‏ ‏ليس‏ ‏وجودا‏ ‏سلبياً‏، ‏أو‏ ‏هو‏ ‏ليس‏ ‏نفيا‏ ‏للوجود‏، ‏ولكنه‏ ‏وجود‏ ‏آخر‏، ‏وجود‏ ‏مناوب‏”، ‏إلى ‏أن‏ ‏قلت‏ “‏ولا‏ ‏يمكن‏ ‏تصنيف‏ ‏هذه‏ ‏المجموعة‏- ‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏- ‏تحت‏ ‏ما‏ ‏يسمى ‏أدب‏ ‏الحلم‏،” ‏ثم‏ ‏أضفت‏ “…. ‏ولعل‏ ‏تجربة‏ ‏محفوظ‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏العمل‏، ‏ومن‏ ‏قبل‏ ‏فى ‏ليالى ‏ألف‏ ‏ليلة‏ ‏هى ‏محاولة‏ ‏للتزاوج‏ ‏بين‏ ‏أدب‏ ‏الأسطورة‏ ‏وأدب‏ ‏الوعى ‏الآخر‏، ‏أو‏ ‏دعنا‏ ‏نتقدم‏ ‏لنسميه‏ ‏أدب‏ ‏تعدد‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى‏”. ‏

‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏أوضح‏ ‏أن‏ ‏المبدع‏ ‏القادر‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏الذى يرسل‏ ‏وعيه‏ ‏الآخر‏ ‏طليقاً‏ ‏يتداعى (‏مثل‏ ‏التداعى ‏الحر‏ ‏فى ‏التحليل‏ ‏النفسى‏) ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏الذى ‏يصقل‏ ‏ما‏ ‏يصله‏ ‏من‏ ‏وعيه‏ ‏الآخر‏ ‏بوصاية‏ ‏وعيه‏ ‏الطاغى ‏مهما‏ ‏كان‏ ‏الصقل‏ ‏لامعا‏ًً ‏جميلا‏، ‏المبدع‏ ‏الحقيقى ‏هو‏ ‏الذى ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يضفّر‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏مستوى ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى ‏فى ‏ضفيرة‏ ‏إبداع‏ ‏كلية‏ ‏متماسكة‏، ‏رغم‏ ‏تعدد‏ ‏خصلاتها‏، ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏حذقه‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏من‏ ‏قديم‏. ‏نقتـطف‏ ‏مقطعاً‏ ‏واحدا‏ًً ‏استشهدت‏ ‏به‏ ‏فى ‏نقدى ‏الباكر‏ ‏لمجموعة “رأيت فيما يرى النائم”‏، ‏يقول‏ ‏محفوظ‏ ‏في قصته القصيرة فى هذه المجموعة بعنوان ‏”‏العين‏ ‏والساعة‏”:

 “… ‏ومع‏ ‏أن‏ ‏الموقف‏ ‏كله‏ ‏تسربل‏ ‏بغشاء‏ ‏منسوج‏ ‏من‏ ‏الأحلام‏..”

 ‏إلى ‏أن‏ ‏قال

‏ “..‏وظل‏ ‏خيالى ‏يجوب‏ ‏أرجاء‏ ‏الزمان‏ ‏الشامل‏ ‏للماضى ‏والحاضر‏ ‏والمستقبل‏ ‏معاً‏ ‏ثملاً‏ ‏بخمر‏ ‏الحرية‏ ‏المطلقة‏”.

 ‏لاحظ‏ ‏كلمة‏ “‏معا‏”، ‏ثم‏ ‏انتبِه‏ ‏لحدود‏ ‏الثمالة‏ ‏بالحرية‏ ‏رغم‏ ‏وصفها ‏بالمطلقة‏ ‏لتعرف‏ ‏ما‏ ‏أعنيه‏ ‏من‏ ‏قدرة‏ ‏المبدع‏ ‏على ‏تضفير‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى ‏والزمن‏.‏

ثم‏ ‏يأتى ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏بعد‏ ‏حوالى ‏عشرين‏ ‏عاما‏، ‏وبيده‏ ‏التى ‏عادت‏ ‏إليها‏ ‏الحياة‏ ‏بفضل‏ ‏تدريب‏ ‏ست‏ ‏سنوات‏ ‏متصلة‏، ‏بعد‏ ‏فضل‏ ‏الله‏، ‏يأتى ‏ليبدع‏ ‏لنا‏ ‏فى ‏سطور‏ ‏معدودة‏، ‏هذه‏ ‏الصور‏ ‏الشعرية‏ ‏المفتوحة‏ ‏النهاية‏ ‏بكل‏ ‏هذا‏ ‏التكثيف‏ ‏المحرك‏ ‏للوعى. ‏هذا‏ ‏إنجاز‏ ‏بشرى ‏فريد‏ ‏ليس‏ ‏له‏ ‏علاقة‏ ‏بنوبل‏، ‏بل‏ ‏بمحفوظ‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏تشرُفُ‏ ‏به‏ ‏نوبل‏، ‏فلماذا‏ ‏سارع‏ ‏المتعجلون‏ ‏ليحكموا‏ ‏على ‏هذا الإبداع الطلقات المجلجلة‏ ‏بهذه‏ ‏السطحية‏ ‏فى هذه‏ ‏الظروف؟‏ ‏ليس‏ ‏أسهل‏ ‏من‏ ‏الاستسهال‏ ‏إلا‏ ‏خدر ‏الأحكام‏ ‏السريعة‏.‏

  • ولكن‏ ‏كيف‏ ‏عاد‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏إلى ‏الكتابة‏ ‏بنفسه‏، ‏رغم‏ ‏هذه‏ ‏الإعاقة‏؟

إن‏ ‏فرحتى ‏بأحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ ‏لها‏ ‏ثلاثة‏ ‏مستويات‏ ‏على ‏الأقل‏:

فرحتى الأولى واكبت‏ ‏انتصار شيخى ‏الجليل‏ ‏على ‏الإعاقة‏ ‏بتدريب‏ ‏يومى ‏طوال‏ ‏خمس‏ سنوات‏، ‏حتى ‏استطاع‏ ‏أن‏ ‏يكتب‏ ‏بنفسه‏ ‏ما‏ ‏يكتب‏، ‏هذه‏ ‏خبرة‏ ‏مستقلة‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏رواية‏ ‏مستقلة‏، ‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏طبيب‏ ‏أعصاب‏ ‏فى ‏الدنيا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يتصور‏ ‏أن‏ ‏العطب‏ ‏الذى ‏لحق‏ ‏بالعصب‏ ‏المسئول‏ ‏عن‏ ‏حركة‏ ‏يد‏ ‏شيخنا‏ ‏اليمنى ‏وأصابعه‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يتراجع‏ ‏أمام‏ ‏إصرار‏ ‏هذا‏ ‏الشيخ‏ ‏العظيم‏ ‏أن‏ ‏يواصل‏ ‏الحياة‏، ‏ليواصل‏ ‏العطاء‏، ‏ويواصل‏ ‏الإبداع‏، ‏فعلها‏ ‏شيخنا‏ ‏بمثابرة‏ ‏معجزة‏ ‏عاصرتُها‏ ‏يوما‏ ‏بيوم‏. ‏بعد‏ ‏الحادث‏ ‏الغادر‏ ‏كانت‏ ‏يده‏ ‏أعجز‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تمسك‏ ‏أى ‏شئ ‏بأى ‏درجة‏ ‏من‏ ‏الاتزان‏، ‏ناهيك‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏تمسك‏ ‏بقلم‏ ‏يتحرك‏ ‏سنه‏ ‏على ‏ورقة‏..‏إلخ‏، ‏لكنه‏ ‏فعلها‏، ‏كل‏ ‏يوم‏،‏ ‏ضحى ‏كل‏ ‏يوم‏، ‏راح‏ ‏يدرب‏ ‏نفسه‏ ‏على ‏التحريك‏ ‏الطليق‏ (‏شخبطة‏)، ‏ثم‏ ‏على ‏التحريك‏ ‏البطئ‏، ‏ثم‏ ‏راح‏ ‏يتصور‏ ‏أنه‏ ‏يكتب‏ ‏شيئا‏ ‏ما‏، ‏واكتفينا‏ ‏بملء‏ ‏صفحة‏ ‏واحدة‏ ‏فى ‏كراسة‏ ‏تلو‏ ‏الكراسة‏، ‏كانت‏ ‏الصفحة‏ ‏تأخذ‏ ‏فى ‏البداية‏ ‏سطرين‏ ‏أو‏ ‏ثلاثة‏ ‏على ‏الأكثر‏، ‏ثم‏ ‏أربعة‏، ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏أتبين‏ ‏فيها‏ ‏حرفا‏ ‏واحدا‏ ‏يمكن‏ ‏قراءته‏، ‏وكنت‏ ‏أتابع‏ ‏تقدمه‏ ‏ساعة‏ ‏بساعة‏، ‏وأسأله‏ ‏عن‏ ‏الواجب‏ ‏يوميا‏ ‏تقريبا‏، ‏فيبتسم‏ ‏مداعبا‏ ‏وينبهنى ‏إلى ‏أنه‏ ‏تلميذ‏ ‏حريص‏ ‏على ‏التقدم‏، ‏فأخجل‏ ‏من‏ ‏سؤالى ‏الخائب‏، ‏وأنا‏ ‏أتعلم‏ ‏منه‏ ‏كيف‏ ‏يكون‏ ‏حب‏ ‏الحياة‏ ‏مثابرة‏ًً ‏وإصراراً‏، ‏راح‏ ‏يتدرب‏ ‏يوميا‏، ‏حتى ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏نجح‏ ‏أن‏ ‏يكتب‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏قراءته‏ (‏كما‏ ‏طالعتنا‏ ‏به‏ ‏الأديبة‏ ‏الرقيقة‏ ‏سناء‏ ‏البيسى ‏بذكائها‏ ‏الصحفى ‏المبدع‏ ‏إذ‏ ‏تنشره‏ ‏مصورا‏ ‏حتى ‏أننا‏ ‏صححنا‏ ‏من‏ صورة ‏كتابته‏ ‏سطرا‏ ‏كاملاً سقط، وكذا كلمات كثيرة متناثرة هنا وهناك‏).‏

فى ‏السنة‏ ‏الأولى ‏كنت‏ ‏أفرح‏ ‏فرحا‏ ‏لا‏ ‏يخفى ‏حين‏ ‏أنجح‏ ‏أن‏ ‏أقرأ‏ ‏حرفا‏ ‏واحدا‏ ‏بين‏ ‏كل‏ ‏ما‏ “‏شخبط‏”. ‏بدأت‏ ‏الحروف‏ ‏تتميز‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏هلامى ‏أسفل‏ ‏يسار‏ ‏كل‏ ‏صفحة‏. ‏لم‏ ‏أسأله‏، ‏تبينت‏ ‏بعد‏ ‏شهور‏ ‏طويلة‏ ‏أنه‏ ‏توقيعه‏، ‏اسمه‏، ‏لكن‏ ‏ماذا‏ ‏تحت‏ ‏ما‏ ‏يشبه‏ ‏التوقيع‏، ‏أشكال‏ ‏أخرى ‏ليست‏ ‏حروفا‏، ‏وبعد‏ ‏شهور‏ ‏تبينت‏ ‏أنها‏ ‏أرقاما‏. ‏ثم‏ ‏بعد‏ ‏عام‏ ‏وبعض‏ ‏عام‏ ‏عرفت‏ ‏أنه‏ ‏التاريخ‏. ‏وكان‏ ‏يشاركنى ‏فرحتى ‏وأنا‏ ‏أبلغه‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏نجحتُ‏ ‏فى ‏قراءته‏، ‏أعنى ‏كنت‏ ‏أشاركه‏ ‏فرحته‏، ‏وحين‏ ‏استطاع‏ ‏بعد‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏عامين‏ ‏أن‏ ‏يكتب‏ ‏جملة‏ ‏على ‏بعضها‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏عيدنا‏ ‏الكبير‏، ‏ورحت‏ ‏أميز‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏الصفحات‏ “‏رب‏ ‏اشرح‏ ‏لى ‏صدرى‏”، ‏وحبا‏ ‏لسعد‏ ‏زغلول‏، ‏والنحاس‏ ‏باشا‏، ‏وبعض‏ ‏الحكم‏ ‏القديمة‏، ‏ثم‏ ‏تعليقا‏ ‏فى ‏نصف‏ ‏سطر‏ ‏على ‏حدث‏ ‏سياسى ‏آنى، وراح اسم ابنتيه الكريمتين يتكرر بإلحاح مثابر ‏وتدرج‏ ‏الحال‏ ‏حتى ‏ظهرت‏ ‏الأحلام‏ ‏بخط‏ ‏يده‏ ‏للناس‏.‏

ذكرتنى ‏هذه‏ ‏الخبرة‏ ‏بخبرة أستاذى وصديقى‏ ‏المرحوم‏ ‏أ‏.‏د‏.‏أبو‏ ‏شادى ‏الروبى ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏فقد‏ ‏النطق‏ ‏نتيجة‏ ‏لجلطة‏ ‏فى ‏شريان‏ ‏الدماغ‏ ‏المغذى ‏لمركز‏ ‏الكلام‏ ‏فى ‏النصف‏ ‏الطاغى ‏من‏ ‏المخ‏، ‏لكنه‏ ‏استطاع‏ ‏أن‏ ‏يتحدى ‏ليستعيد‏ ‏أبجدية‏ ‏الكلام‏، ‏كلمة‏ ‏كلمة‏، ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏اكتشافه‏ ‏مصادفة‏ ‏حقيقة‏ ‏علمية‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يعرف‏ ‏عنها‏ -‏نظريا‏- ‏شيئا ‏وهى ‏أن‏ ‏النصف‏ ‏الآخر‏ (‏غير‏ ‏الطاغى السليم هنا‏) ‏مختص‏ ‏بحفظ‏ ‏الصور‏ ‏الكلية‏ ‏والأنغام‏. ‏اكتشف‏ ‏د‏. ‏أبو‏ ‏شادى ‏ذلك‏ ‏بالصدفة‏ ‏فعلا‏. ‏ذلك‏ ‏أنه‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏فقد‏ ‏النطق‏ ‏تماما‏، ‏اكتشف‏ ‏أنه‏ ‏يميز‏ ‏إحدى ‏السيمفونيات‏ ‏التى ‏يحبها‏، ‏لكنه‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ ‏أن‏ ‏يسميها‏، ‏فأخذ‏ ‏يعيدها‏ ‏مئات‏ ‏المرات‏، ‏وهو‏ ‏يستعيد‏ ‏الاستمتاع‏ ‏بكل‏ ‏مقطع‏ ‏فيها‏ ‏دون‏ ‏اسمها‏، ‏حتى ‏نجح‏ ‏فجأة‏ ‏فى ‏تسميتها‏، ‏فعرف‏ ‏الطريق‏، ‏وراح‏ ‏يواصل‏ ‏العناد‏ ‏ويحب‏ ‏الحياة‏، ‏فيسمع‏ ‏سيمفونية‏ ‏أخرى، ‏فأخرى، ‏فكونشرتو‏، ‏فلست‏ ‏أدرى ‏ماذا‏، ‏ثم‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏جمع‏ ‏أبجدية‏ ‏مناسبة‏ ‏من‏ ‏الألفاظ‏، ‏راح‏ ‏يكمل‏ ‏معجمه‏ ‏الجديد‏ ‏بحل‏ ‏الكلمات‏ ‏المتقاطعة‏ ‏بمثابرة‏ ‏منقطعة‏ ‏النظير‏، ‏حتى ‏استعاد‏ ‏كل‏ ‏أبجديته‏ ‏وأغلب‏ ‏ذاكرته‏، ‏قال‏ ‏لى ‏يوما‏ ‏أنه‏ ‏حين‏ ‏نجح‏ ‏أن‏ ‏ينطق‏ ‏الرقم‏ ‏ثمانية‏ “8” ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏ظل‏ ‏يرسمه‏ ‏عشرات‏ ‏المرات‏.‏كان‏ ‏يعرف‏ ‏معناه‏ ‏وترتيبه‏ ‏والرقم‏ ‏الذى ‏قبله‏ ‏والذى ‏بعده‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يعرف‏ ‏نطقه‏ ‏تحديدا‏، ‏نُطقْ‏ ‏الرقم‏ “‏ثمانية‏ ” ‏هو‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏عصيا‏ ‏عليه‏، ‏راح‏ ‏يحاول‏ ‏كل‏ ‏يوم‏، ‏كلما‏ ‏صادفه‏، كلما احتاج إليه، ‏راح‏ ‏يكتبه‏ ‏مئات‏ ‏المرات‏، ‏وهو‏ ‏عصى ‏عليه‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏نطقه‏، ‏وحين‏ ‏نجح‏ ‏فجأة‏ ‏أن‏ ‏ينطقه‏ ‏شعر‏ ‏أنه‏ ‏وُلِدَ‏ ‏من‏ ‏جديد ‏(‏هكذا‏ ‏كان‏ ‏نص‏ ‏ألفاظه‏ ‏يرحمه‏ ‏الله‏). ‏كنت‏ ‏أعيش‏ ‏مع‏ ‏شيخى ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الاحتفالات‏ ‏بولادة‏ ‏أى ‏حرف‏ ‏جديد‏ ‏وسط‏ “‏الشخبطة‏” ‏العنيدة‏ ‏المتكررة‏، ‏كنا‏ ‏نتهته‏ ‏على ‏الورق‏، ‏هو‏ ‏كتابةً‏ ‏وأنا‏ ‏قراءةً، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏الحمل‏ ‏عسيرا‏، ‏وغلبت‏ ‏فرحة‏ ‏إعادة‏ ‏ولادة‏ ‏الأولاد‏ ‏الحروف‏، ‏والبنات‏ ‏الكلمات‏، ‏على ‏كل‏ ‏المصاعب‏.‏

أما‏ ‏فرحتى ‏الثانية‏ ‏بأحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ ‏فسببها‏ ‏أن‏ ‏ظهورها‏ ‏فى ‏مجلة‏ ‏عامة‏ ‏قد‏ ‏أعادت‏ ‏له‏ ‏تواصله‏ ‏مع‏ ‏ناسه‏، ‏هذا‏ ‏التواصل‏ ‏الذى ‏هو‏ ‏المبرر‏ ‏الحقيقى ‏للوجود‏ ‏وللاستمرار‏، ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏نبل‏ ‏أصدقائه‏ ‏الكرام‏ ‏لم‏ ‏يترك‏ ‏فراغاً مزعجاً‏، ‏وأن‏ ‏عائلته‏ ‏الكريمة‏ ظلّت ‏تحيطه‏ ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏يحتاجه‏ ‏أب‏ ‏فاضل‏ ‏وزوج‏ كريم، ‏لكن‏ ‏كل‏ ‏هؤلاء‏ ‏شئ ‏وناسه‏، ‏كل‏ ‏الناس‏، ‏شئ ‏آخر‏، ‏هذا‏ ‏رجل‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يعيش‏ ‏إلا‏ ‏للناس‏، ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏لمن‏ ‏حوله‏ ‏من‏ ‏الناس‏، ‏ولكن‏ ‏لكل‏ ‏الناس‏، ‏لا‏ ‏يكفى ‏أن‏ ‏يعيد‏ ‏الناس‏ ‏قراءة‏ ‏ما‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏كتبه‏، ‏فهو‏ ‏إنسان‏ ‏يتفجر‏ ‏طزاجة‏ ‏مدهشة‏ ‏مبدعة‏ ‏ناضجة‏ ‏فائقة‏ ‏متجددة‏، ‏واستمراره‏ ‏يتوقف‏ ‏على ‏ما‏ ‏يصل‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الجديد‏ ‏لأصحابه‏، ‏لكل‏ ‏الناس‏.‏

  • هاتان‏ ‏فرحتان‏ ‏وقد‏ ‏ذكرت‏ ‏أنهم‏ ‏ثلاثة‏، ‏فما‏ ‏هى ‏الفرحة‏ ‏الثالثة؟

هى ‏فرحة‏ ‏فيها‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏شخصى، ‏ذلك أننى بمتابعة هذا الإبداع الفريد لاحت لى إمكانية نسبية لإثبات‏ ‏فرض‏ ‏علمى، ‏كنت‏ ‏قد‏ ‏وصلت‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏واقع‏ ‏ممارستى ‏المهنية‏ ‏والنقدية‏ ‏وخبراتى ‏الذاتية‏ ‏المتعددة‏، ‏وقد‏ ‏نضج‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏ ‏حتى ‏أصبح‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏النظرية‏، ‏فسجلته‏ ‏ونشرته‏ ‏فعلا (1985-2008) [9]. ‏أتاحت‏ ‏لى ‏عودة‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏لهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الكتابة‏ ‏مناقشته‏ ‏المرة‏ ‏تلو‏ ‏المرة‏ ‏حول‏ ‏خطوات‏ ‏وطبيعة‏ ‏ما‏ ‏يعيشه‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الخبرة‏، ‏ووجدت‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏فرضى ‏القديم‏ ‏الذى ‏لم‏ ‏ينتبه‏ ‏إليه‏ ‏أحد‏ ‏هو‏ ‏فرض‏ ‏يستحق‏ ‏العودة‏ ‏للمراجعة‏. ‏نعم‏: ‏يستحق‏ ‏النظر‏،‏ ‏أطروحتى ‏هذه‏ ‏تزعم‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏هو‏ ‏الإبداع‏ ‏الدورى ‏المنتظم‏ ‏لكل‏ ‏الناس‏، ‏وأننا‏ ‏لا‏ ‏نحكى ‏ما‏ ‏نراه‏ ‏فى ‏الحلم‏، ‏ولكننا‏ ‏نخلّق‏ ‏ما‏ ‏نحكيه‏ ‏فى ‏جزء‏ ‏من‏ ‏الثانية‏ ‏قبيل‏ ‏اليقظة‏ ‏مباشرة‏، ‏نخلقه‏ ‏مما‏ ‏بقى ‏فى ‏متناول‏ ‏وعينا‏ ‏- ونحن نستيقظ-‏ ‏من‏ ‏معلومات‏ ‏تحركت‏ ‏أثناء‏ ‏إعادة‏ ‏التنظيم‏ ‏بنشاط‏ ‏الحلم‏. ‏يتكرر‏ ‏هذا‏ ‏الإيقاع‏ ‏بانتظام‏ ‏كما‏ ‏ذكرتُ‏ ‏فى ‏البداية‏، والحلم هو طور “البسط Unfolding” فيه.

وقبل‏ ‏أن‏ ‏أقتطف‏ ‏ما‏ ‏كتبته‏ ‏ونشرته‏ ‏سابقا، ‏نستمع‏ ‏إلى ‏ما‏ قاله‏ ‏شيخنا‏ ‏الجليل‏ ‏شخصيا‏ ‏ونشره‏ ‏فى ‏وجهة‏ ‏نظر‏ ‏فى ‏أهرام‏ ‏الخميس‏ 16 نوفمبر‏2000، قال‏ ‏ردا‏ ‏على ‏أسئلة‏ ‏الأديب‏ ‏محمد‏ ‏سلماوى ‏حول‏ ‏هذه‏ ‏التجربة‏ “‏أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏” ‏

‏”..‏إن‏ ‏الأساس‏ ‏المحرك‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏القصص‏ ‏هو‏ ‏حلم‏ ‏حقيقى ‏لكنه‏ ‏حلم‏ ‏ليس‏ ‏مساويا‏ ‏للقصة‏ ‏كما‏ ‏تنشر‏، ‏فالحلم‏ ‏قد‏ ‏يمنحنى ‏الفكرة‏ ‏لكنى ‏أعمل‏ ‏على ‏هذه‏ ‏الفكرة‏ ‏طويلا‏، ‏إلى ‏أن‏ ‏تتحول‏ ‏إلى ‏قصة‏، ‏فمثلا‏ ‏ما‏ ‏أخرج‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏الحلم‏ ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏إحساسى ‏فى ‏مكان‏ ‏عظيم‏ ‏الاتساع‏، ‏ولكن‏ ‏ماذا‏ ‏يجرى ‏فى ‏هذا‏ ‏المكان‏ ‏وما‏ ‏هى ‏الأحداث‏ ‏التى ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تنقل‏ ‏للقارئ‏ ‏إحساسى ‏بالمكان‏ ‏خلال‏ ‏الحلم‏، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏يجئ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏تالية‏ ‏للحلم‏ … ‏ولو‏ ‏التزمت‏ ‏بالحلم‏ ‏وحده‏ ‏لاقتصرت‏ ‏فى ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏القصة‏ ‏على ‏وصف‏ ‏لهذا‏ ‏المكان‏ ‏الذى ‏رأيته‏ ‏فى ‏الحلم‏، ‏تلك‏ ‏لا‏ ‏تكون‏ ‏قصة‏، ‏إذن‏ ‏فالحلم‏ ‏قائم‏ ‏فى ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏القصص‏، …‏ كل‏ ‏قصة‏ ‏منهم‏ ‏تتعدى ‏الحلم‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏تصبح‏ ‏أدبا‏… ‏كنت‏ ‏فى ‏السابق‏ ‏تأتينى ‏أفكار‏ ‏الكتابة‏ ‏من‏ ‏حديثى ‏مع‏ ‏الناس‏، ‏أو‏ ‏من‏ ‏جلوسى ‏على ‏المقهى ‏أو‏ ‏غير‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏مخالطتى ‏اليومية‏ ‏للحياة‏، ‏وقد‏ ‏تصورت‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏انقطعت‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏الاختلاط‏ ‏بسبب‏ ‏ظروفى ‏الصحية‏ ‏بأن‏ ‏مصدر‏ ‏إلهامى ‏قد‏ ‏ذهب‏ ‏بغير‏ ‏رجعة‏، ‏لكنى ‏فجأة‏ ‏وجدته‏ ‏يطل‏ ‏على ‏من‏ ‏جديد‏ ‏فى ‏أحلامى ‏وكأنه‏ ‏يقول‏ ‏لى ‏لا‏ ‏تقلق‏، ‏سآتى ‏لك‏ ‏بالأفكار‏ ‏والقصص‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏تخرج‏ ‏إلى ‏الشارع‏”‏

رجعت‏ ‏إلى ‏عملى ‏الباكر‏، فوجدت‏ ‏أننى ‏افترضت‏ ‏أن‏ ‏الأحلام‏ ‏هى ‏إبداع‏ ‏الشخص‏ ‏العادى، ‏إبداع‏ ‏متكرر‏ ‏إيقاعىّ‏، ‏نمارسه‏ ‏جميعا‏ ‏بشكل‏ ‏راتب‏، ‏ذلك‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏وسّعت‏ ‏تعريف‏ ‏الإبداع‏ ‏بالضرورة‏، ‏وبينت‏ ‏أن‏ ‏ذلك‏ ‏يتم‏ ‏على ‏المستوى ‏الفسيولوجى ‏والبيولوجى ‏بغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏محتوى ‏الحلم‏ ‏أو‏ ‏مدى ‏قدرتنا‏ ‏على ‏تذكره‏ ‏أو‏ ‏حكيه‏. ‏قلت‏ ‏بالحرف‏ ‏الواحد‏، [10]:‏

‏”… ‏يمكننا‏، ‏إذن‏، ‏صياغة‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏مراحل‏ ‏ثلاثة‏ ‏أساسية‏: ‏المرحلة‏ ‏الأولى: ‏يتم‏ ‏فيها‏ ‏الحلم‏، ‏دون‏ ‏إمكان‏ ‏حكايته‏، ‏وهى ‏ما‏ أسميه‏ “‏الحلم‏ ‏بالقوة‏”، ‏والمرحلة‏ ‏الثانية‏ ‏يغلب‏ ‏فيها‏ ‏الرصد‏ ‏على ‏التأليف‏ ‏مع‏ ‏احتمال‏ ‏حكاية‏ ‏الحلم‏..”‏هكذا‏” ‏بقدر‏ ‏هائل‏ ‏من‏ ‏تناثره‏ ‏وتكثيفه‏ ‏وأسميها‏ “‏الحلم‏ ‏بالفعل‏؛ ‏ثم‏ ‏المرحلة‏ ‏الثالثة‏ ‏وهى ‏التى ‏تسمى ‏حلما‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏إنها‏ ‏الحلم‏ ‏كما‏ ‏يحكيه‏ ‏الحالم‏ ‏وهى ‏الحلم‏ ‏بالتأليف‏.‏

ثم‏ ‏أضفت‏:

“على ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏المرحلة‏ ‏الأخيرة‏ ‏ليست‏ ‏واحدة‏، ‏لأن‏ ‏التأليف‏ ‏يختلف‏ ‏أصالةً‏ ‏وتزييفا‏، ‏بحسب‏ ‏درجة‏ ‏وصاية‏ ‏نوع‏ ‏التفكير‏ ‏اليقـظ‏ ‏على ‏عملية‏ ‏إبداع‏ ‏الحلم‏، ‏من‏ ‏المادة‏ ‏المتاحة‏”، ‏وتقل‏ ‏جرعة‏ ‏الإبداع‏ ‏الأعمق‏ ‏كلما‏ ‏اقتربت‏ ‏حكاية‏ ‏الحلم‏ ‏من‏ ‏اللغة‏ ‏العادية‏ ‏والتسلسل‏ ‏العادى ‏حتى ‏تصل‏ ‏بعض‏ ‏الأحلام‏ ‏إلى ‏حد‏ ‏ألا‏ ‏تكون‏ ‏لها‏ ‏علاقة‏ ‏أصلا‏ ‏بالنشاط‏ ‏الحالم‏، ‏وكأننا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نتصور‏ ‏متدرجا‏ ‏يتدرج‏ ‏عليه‏ ‏إبداع‏ ‏الحلم‏، ‏يبدأ‏ ‏فى ‏أقصى ‏ناحية‏ ‏من‏ ‏فرض‏ ‏نظرى ‏يقول‏: ‏إن‏ ‏المادة‏ ‏التى ‏نشطت‏ ‏سوف‏ ‏يلتقطها‏ ‏الحالم‏ ‏كما‏ ‏هى (‏كالتصوير‏ ‏الفوتوغرافى ‏العادى‏) ‏ليحكيها‏ ‏على ‏أنها‏ ‏الحلم‏، ‏وينتهى ‏فى ‏أقصى ‏الناحية‏ ‏الأخرى ‏بفرض‏ ‏أن‏ ‏المادة‏ ‏المنشطة‏ ‏سوف‏ ‏تختفى ‏تماما‏ ‏من‏ ‏وعى ‏اليقظة‏، ‏وتحل‏ ‏محلها‏ ‏مادة‏ ‏مزيفة‏ ‏تماما‏، ‏وأعنى ‏بذلك‏ ‏الأحلام‏ ‏البسيطة‏ ‏المفسرة‏، ‏المرتبطة‏ ‏مباشرة‏ ‏بأحداث‏ ‏اليقظة‏، ‏وبلغتها‏، ‏ولا‏ ‏يوجد‏ ‏على ‏أقصى ‏المتدرج‏ ‏من‏ ‏الناحيتين‏ ‏إبداع‏ ‏أصلا‏، ‏لا‏ ‏فى ‏التصوير‏ ‏المباشر ‏(‏المستحيل‏ ‏عمليا‏) ‏ولا‏ ‏فى ‏التزييف‏ ‏المطلق‏، ‏من‏ ‏حيث‏ ‏إنه‏ ‏نسج‏ ‏خيال‏ ‏وليس‏ ‏مواجهة‏ ‏تنشيط‏ ‏مادة‏ ‏متاحة‏ ‏وإعادة‏ ‏تركيبها‏، ‏وكل‏ ‏ما‏ ‏يقع‏ ‏بين‏ ‏هاتين‏ ‏النقطتين‏ ‏القصويين‏ ‏هو‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏الإبداع‏ ‏الذى ‏تختلف‏ ‏درجات‏ ‏أصالته‏ ‏باختلاف‏ ‏قدر‏ ‏تحمل‏ ‏المواجهة‏ ‏الغائرة‏ ‏لكل‏ ‏المستثار ‏معا‏”. ‏

‏………‏

وعلى ‏هذا‏ ‏الأساس‏ ‏يمكن‏ ‏تقسيم‏ ‏المستوى ‏الأخير‏ (‏الحلم‏ ‏بالتأليف‏)، ‏إلى ‏مستويات‏ ‏فرعية‏ ‏على ‏الوجه‏ ‏التالى‏:‏

‏ ‏الحلم‏ ‏شديد التكثيف‏، ‏سريع‏ ‏النقلات‏ ‏متعدد‏ ‏الطبقات‏، ‏واهى ‏العلاقات‏، ‏وهو‏ ‏الأقرب‏ ‏إلى “‏الحلم‏ ‏بالفعل”‏، وبالتالى هو الأقرب أيضاً إلى‏ ‏”الحلم‏ ‏بالقوة‏”، ‏وفعل حركية‏ ‏الإبداع‏ ‏فيه‏ ‏قوى ‏وصادق‏، ‏لأنه‏ ‏ليس‏ ‏تصويرا‏ ‏بسيطا‏، ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏فإن‏ ‏حكايته‏ بما هو تكاد تكون مستحيلة لأنها أبعد ما تكون عن متناول الحكى‏، ‏إن حركية هذا المستوى‏ ‏هى ‏إحاطة‏ ‏لامّة‏ ‏لتناقضات‏ ‏مواجهة ونحن لا نعلم منها إلا آثارها.

‏ ‏يلى ‏ذلك‏ ‏الحلم‏ ‏المركز‏، أو ‏الحلم‏ ‏اللقطة‏، ‏وما يجعله‏ ‏مفهوما‏ ‏بعض‏ ‏الشئ هو ‏أن‏ ‏شدة‏ ‏قصره‏ ‏تخفف‏ ‏من‏ ‏النقلات‏ ‏والتكثيف‏ ‏بدرجة‏ ‏تجعله‏ ‏فى ‏حدود‏ ‏زمنه‏ ‏متماسكا‏ ‏بعض‏ ‏الشيء‏، محكيا تقريبا.

 ‏ثم‏ ‏يتدرج‏ ‏الأمر‏ ‏رويدا‏ ‏رويدا‏ ..‏لحساب‏ ‏سَلْسَلة‏ ‏الأحداث‏ ‏وتنسيق‏ ‏الحوار‏…‏حتى “‏ينتهى ‏الطيف‏ ‏إلى ‏الحلم‏ ‏المزيف‏ (‏الحلم‏ ‏اللاحلم‏) ‏وهو‏ ‏استبدال‏ ‏مطلق‏ ‏بتأثير‏ ‏الخيال‏ ‏اليقظ‏، ‏بالحلم‏ ‏الحقيقى. هو ‏حكاية‏ ‏منسوجة‏ ‏من‏ ‏وعى ‏منشق‏، ‏أقرب إلى وعى ‏اليقظة، (‏وهو‏ ‏ليس‏ ‏مزيفا‏ ‏بمعنى ‏أن‏ ‏حاكيه‏ ‏يكذب‏، ‏لكنه‏ ‏مزيف‏ ‏بمعنى ‏أن‏ ‏جرعة‏ ‏التأليف‏ ‏أو‏ ‏التلفيق‏ ‏التلقائى ‏بُعَيْدَ‏ ‏أو‏ ‏بَعْدَ‏ ‏اليقظة‏ ‏طغت‏ ‏على ‏مادة‏ ‏الحلم‏ ‏المتاحة‏ ‏كلية‏ ‏تقريبا‏.)‏

انتهى ‏المقتطف‏ ‏بعد تحديث الجزء الأخير منه‏، ‏وأعتذر‏ ‏عن‏ ‏الإطالة‏ ‏التى ‏لا‏ ‏غنى ‏عنها‏. ‏

هكذا كانت‏ ‏فرحتى الخاصة ‏بفضل‏ ‏أحلام‏ ‏نقاهة‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏لما‏ ‏أتاحته‏ ‏لى ‏من‏ ‏إحياء‏ ‏أمل‏ ‏تحقيق‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏ذهبت‏ ‏إليه‏، ‏وهكذا‏ ‏يكمل شيخى‏ ‏أفضاله‏ ‏على ‏شخصى ‏المحظوظ‏ ‏بمعرفته‏ ‏بكل‏ ‏هذا‏ ‏القرب‏،‏ بأن‏ ‏يسمح‏ ‏لى ‏بالعودة‏ ‏إلى ‏وعود “مصداقية‏” ‏المعرفة‏ ‏”بالاتفاق”  [11] ‏ ‏دون‏ ‏خوف‏. ‏

‏ ‏أسأل‏ ‏الله‏ ‏أن‏ ‏يعيننى ‏أن‏ ‏أسد‏ ‏ما‏ ‏علىّ ‏له‏ ‏من‏ ‏ديون‏ ‏هو‏ ‏وديستويفسكى، ‏على ‏الأقل‏.‏

  • هل‏ ‏تلقى ‏هذه‏ ‏الأحلام‏ ‏أضواء‏ ‏جديدة‏ ‏على ‏إبداعات‏ ‏أديب‏ ‏نوبل‏ ‏العالمى ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏‏؟

أولا،‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏هو‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏، ‏بنوبل‏ ‏وبغير‏ ‏نوبل‏، ‏ويكفى ‏ليكون‏ ‏كذلك‏ ‏أنه‏، ‏مع‏ ‏كل‏ ‏الصعوبات‏ ‏القديمة‏ ‏والجديدة‏، ‏التى ‏ذكرنا‏ ‏بعضها‏، ‏لم‏ ‏يـتردد‏ ‏فى ‏نشر‏ ‏ما‏ ‏رأى ‏أنه‏ ‏يستأهل‏، هو ‏لم‏ ‏يَخَفْ‏ ‏على ‏اسمه‏، ‏ولا‏ ‏على ‏نوبل‏، ‏وهو لم‏ ‏يحدد‏ ‏له‏ ‏هدفا‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏يسجل‏ ‏ما‏ ‏رآه‏ ‏يستأهل‏، ‏فهو‏ ‏يستأهل‏. ‏

حين‏ ‏سمعنا‏ ‏أنه‏ ‏بدأ‏ ‏يحاول‏ ‏كتابة‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏، ‏سألته‏ ‏هل‏ ‏ثم‏ ‏شئ ‏فى ‏الطريق‏ ‏حقيقة؟‏ ‏أجابنى ‏مبتسما‏ ‏وهو‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏دماغه‏ ‏أنه‏ ‏يشعر‏ “‏بنغبشة‏” ‏ربما‏ ‏يتمخص‏ ‏منها‏ ‏شئ ‏ما‏، ‏وقد‏ ‏كان‏.‏

‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏أخلص‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏المبدع‏ ‏الملتزم‏ ‏مثل‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏له‏ ‏أى ‏هدف‏ ‏من‏ ‏الكتابة‏ ‏والنشر‏، ‏إلا‏ ‏أمانته‏ ‏مع‏ ‏نفسه‏. ‏هو‏ ‏لا‏ ‏ينتظر‏ ‏تقديرا‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏ناله‏، ‏لا‏ ‏من‏ ‏ناسه‏، ‏ولا‏ ‏من‏ ‏العالم‏، ‏وهو‏ ‏لا‏ ‏ينتظر‏ ‏والحمد‏ ‏لله‏ ‏عائدا‏ ‏ماديا‏ ‏من‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الكتابات‏، ‏فلماذا‏ ‏يكتب‏ ‏إن‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يبدع‏، ‏ويتواصل‏، ‏ويحترم‏ ‏الحياة‏ ‏بما‏ ‏تستحق‏، ‏ويقدر‏ ‏عليها؟

ثم‏ ‏إننى ‏أشرت‏ ‏فى ‏عيد‏ ‏ميلاده‏ ‏التاسع‏ ‏والثمانين‏ ‏فى ‏الأهرام [12]‏  ‏كيف‏ ‏أنه‏ ‏يبدعنا‏ ‏من‏ ‏حوله‏ ‏بأحاديثه‏ ‏المتجددة‏، ‏أو‏ ‏بإنصاته‏ ‏الخلاق‏، ‏وأسميت‏ ‏جلساتنا‏ ‏معه‏ “‏إبداع‏ ‏حى‏<==>حى، ‏واستلهمت‏ ‏منها‏ ‏ما دعَّم فكرتى ‏عن‏ ‏إبداع‏ ‏الحياة‏ ‏دون‏ ‏تسجيلها‏ ‏فى ‏عمل‏ ‏بذاته‏. ‏يقول‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏فى ‏أصداء‏ ‏السيرة

“‏تذكرت‏ ‏كلمات‏ ‏بسيطة‏ ‏لا‏ ‏وزن‏ ‏لها‏ ‏فى ‏ذاتها‏ ‏مثل‏ “‏أنت‏”، “‏فيم‏ ‏تفكر‏”، “‏طيب‏”، “‏يا‏ ‏لك‏ ‏من‏ ‏ماكر‏” ‏لكن‏ ‏لسحرها‏ ‏الغريب‏ ‏الغامض‏ ‏جُنَّ‏ ‏أناس‏، ‏وثمل‏ ‏آخرون‏ ‏بسعادة‏ ‏لا‏ ‏توصف‏”. ‏

هل‏ ‏عرفت‏ ‏إجابة‏ ‏لسؤالك‏ ‏عما‏ إذا ما ‏كانت‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏ ‏تلقى ‏جديدا‏ ‏على ‏إبداعه‏ ‏أم‏ ‏لا؟

 ‏إن‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏يبدع‏ ‏جديدا‏ ‏وهو‏ ‏يقول‏ ‏لك‏: ‏صباح‏ ‏الخير‏، ‏وهو‏ ‏يضحك‏، ‏وهو‏ ‏يصمت‏ ‏ويهز‏ ‏رأسه‏، ‏لأنه‏ ‏يفعل‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏بطريقة‏ ‏ليست‏ ‏مثل‏ ‏التى ‏فعلها‏ ‏بالأمس‏. ‏

  • ما‏ ‏هى ‏دلالات‏ ‏تلك‏ ‏الرموز‏ ‏الواردة‏ ‏فى ‏أحلام‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ …‏وهل‏ ‏نجحتم‏ ‏كمحلل‏ ‏نفسى ‏فى ‏الوصول‏ ‏إلى ‏معانيها‏‏؟

دعك‏ ‏أولا‏ ‏من‏ ‏حكاية‏ ‏محلل‏ ‏نفسى ‏هذه‏، ‏سامح‏ ‏الله‏ ‏فرويد‏، ‏وغفر‏ ‏له‏، ‏وجزاه‏ ‏عنا‏ ‏خيرا‏، ‏برغم‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏أصاب‏ ‏الفكر‏ ‏بسبب‏ ‏غوايته‏، ‏ثم‏ ‏تعال‏ ‏أقول‏ ‏لك‏ ‏إن‏ ‏مسألة‏ ‏الإسراع‏ ‏بترجمة‏ ‏الإبداع‏ ‏عامة‏، ‏والإبداع‏ ‏الفائق‏ (‏الإبداع‏ ‏التكثيف‏، ‏الإبداع‏ ‏الصورة‏ ‏الشعرية‏ – ‏الإبداع‏ ‏الشعر‏ ‏المتداخل‏ ‏الأزمنة‏) ‏ترجمة‏ ‏أى ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏إلى ‏رموز‏، ‏هى ‏اختزال‏ ‏قبيح‏، ‏وقد‏ ‏رفضت‏ ‏دائما‏ ‏أن‏ ‏يستدرج‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏تحت‏ ‏ضغط‏ ‏ظروف‏ ‏واقعية‏، ‏أو‏ ‏إلحاح‏ ‏رؤية‏ ‏نبوية‏، ‏فيلجأ‏ ‏إلى ‏الإفراط‏ ‏فى ‏استعمال‏ ‏الرمز‏، ‏لكننى ‏عذرته‏ ‏إلا‏ ‏قليلا‏، ‏ولم‏ ‏أعذر‏ ‏النقاد‏ -رغم‏ ‏فائق‏ ‏جهدهم‏ ‏وعظيم‏ ‏تميزهم‏- ‏أولئك‏ ‏النقاد‏ ‏الذين‏ ‏بالغوا‏ ‏فى ‏اختزال‏ ‏أغلب‏ ‏أعماله‏ ‏إلى ‏رموزهم‏ ‏من‏ ‏أول‏ ‏أستاذنا‏ ‏محمود‏ ‏العالم ‏حتى ‏محمد‏ ‏حسن‏ ‏عبد‏ ‏الله‏ ‏مرورا‏ ‏بغالى ‏شكرى ‏وجورج‏ ‏طرابيشى، ‏كما‏ ‏رفضت‏ ‏الرمز‏ ‏عند‏ ‏محفوظ‏ ‏نفسه‏ ‏إذا‏ ‏فرض‏ ‏نفسه‏ ‏بحضور‏ ‏ملح‏، ‏حتى ‏أننى ‏اعتبر‏ ‏أولاد‏ ‏حارتنا‏ ‏المفرطة‏ ‏فى ‏الرمز‏ ‏من‏ ‏أقل‏ ‏أعمال‏ ‏محفوظ‏ ‏إبداعا‏ ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏حبك‏ ‏الشكل الرائع‏، ‏ثم‏ ‏خذ‏ ‏عندك‏ “‏قسمتى ‏ونصيبى‏”، ‏أو‏ “‏الفأر‏ ‏النرويجى‏”، ‏كأمثلة‏ ‏رفضت‏ ‏فيها‏ ‏رمز‏ ‏محفوظ‏، ‏(وليس فقط ترميزه).

لكن‏ ‏إذا‏ انتقلنا ‏إلى: ‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏، ‏أو‏ ‏ليالى ‏ألف‏ ‏ليلة‏ ‏و‏الحرافيش‏ ‏فحدِّث‏ ‏ولا‏ ‏حرج‏ ‏عن‏ ‏الطلاقة‏ ‏والتلقائية‏ ‏والتخليق‏ ‏والمغامرة‏ ‏دون‏ ‏حاجة‏ ‏إلى ‏رموز‏ ‏وصية‏.‏

ثم‏ ‏نرجع‏ ‏بسرعة‏ ‏إلى ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏الأحدث‏، ‏أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏، ‏فهو‏ ‏أبعد‏ ‏ما‏ ‏يكون‏ ‏عن‏ ‏الرمز‏ (‏إلا‏ ‏نادرا‏). ‏هو‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏التشكيل‏ ‏الشعرى، ‏الذى ‏يشمل‏ ‏كلا‏ ‏من‏ ‏الصورة‏ ‏والموسيقى ‏الداخلية‏ ‏والتكثيف‏ ‏والحضور‏ ‏المتعدد‏ ‏التجلى، ‏وهى ‏صورة‏ ‏تؤدى ‏وظيفتها‏ ‏الجمالية‏ ‏والتحريكية‏ ‏على ‏مستويات‏ ‏وعى ‏كل‏ ‏متلق‏ ‏بما‏ ‏يستطيع‏. ‏هى ‏صور‏ ‏حافزة‏ ‏لإبداع‏ ‏المتلقى ‏حيث‏ ‏أغلبها‏ ‏مفتوح‏ ‏النهاية‏، ‏أنظر‏ ‏مثلا‏ ‏إلى ‏نهاية‏ ‏حلم‏ “4”.

وقلت‏ ‏لصاحبى: ‏

“سيُفتح‏ ‏الباب‏ ‏عن‏ ‏سد‏ ‏لا‏ ‏منفذ‏ ‏فيه‏”، ‏وتقدم‏ ‏الزعيم‏ ‏وسط‏ ‏هتاف‏ ‏متصاعد‏ ‏وتحذير‏ ‏مستمر‏ ‏حتى ‏فتح‏ ‏الباب‏ ‏ودخل‏ ‏مختفيا‏ ‏عن‏ ‏الأنظار‏.

‏ترجِمْ‏ ‏هذه‏ ‏النهاية إن‏ ‏شئت‏ ‏إلى ‏رمز‏ ‏لعبد‏ ‏الناصر‏، ‏أو‏ ‏للسادات‏، ‏أو ‏لستالين أو ‏لغيرهم‏، ‏ولن‏ ‏تضيف‏ ‏شيئا‏ ‏بهذه‏ ‏الترجمة‏ ‏المختزلة‏، ‏لكنك‏ ‏لو‏ ‏نظرت‏ ‏إلى ‏صورة‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏سياقها‏ ‏المتكامل‏ ‏والحالم‏ ‏لم‏ ‏يفتح‏ ‏بابا‏ ‏إلا‏ ‏وكان‏ ‏وراءه‏ ‏جدار‏ ‏سد‏ ..‏قبل‏ ‏ظهورالزعيم‏…‏إلى ‏آخرصورة‏ ‏الحلم‏، ‏إذن‏ ‏لعدلت‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏التسرع‏ ‏غير‏ ‏المبرر‏، ‏ولعدت‏ ‏لتقف‏ ‏أمام‏ ‏كلية‏ ‏الصورة‏ ‏تنظر‏ ‏لها‏ ‏من‏ ‏الزاوية‏ ‏تلو الأخرى ‏لترى ‏نفسك‏ ‏والحياة‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏ترى ‏هذا‏ ‏الزعيم‏ ‏أو‏ ‏ذاك‏. [13]

ثم‏ ‏انظر إلى ‏نهاية‏ ‏حلم‏ “16” ‏

‏ ‏…. وتراءى ‏أمام‏ ‏عينى ‏طريق‏ ‏طويل‏ ‏ملئ‏‏ ‏بالمتاعب‏”

‏هذه‏ ‏نهاية،‏ ‏وليست‏ ‏كما‏ ‏تظن:‏ ‏بداية‏!! ‏فاعلم‏- فقّهك‏ ‏الله‏- ‏كم‏ ‏هى ‏نهاية‏ ‏بلا‏ ‏نهاية‏.

أو‏ ‏انظر‏ ‏إلى تلك ‏النهاية‏ ‏المفتوحة‏ ‏أيضا‏ ‏هربا‏ ‏من‏ ‏الغرق‏ ‏إلى ‏سماء‏ ‏مجهولة‏ ‏(حلم “10”).

‏”‏ومضت‏ ‏المياه‏ ‏ترتفع‏ ‏حتى ‏غطت‏ ‏أقدامنا‏، ‏وزحفت‏ ‏على ‏سيقاننا‏، ‏وشعرنا‏ ‏بأننا‏ ‏نغرق‏ ‏تحت‏ ‏المطر فى ظلمة الليل‏، ‏ونسينا‏ ‏نكاتنا‏، ‏وضحكاتنا‏، ‏ولم‏ ‏يعد‏ ‏لنا‏ من ‏أمل‏ ‏فى ‏الخلاص‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏نطير‏ ‏فى ‏الفضاء.[14]

إن‏ ‏الأهم‏ ‏من‏ ‏البحث‏ ‏عن‏ ‏الرمز‏ ‏هنا‏ ‏وهناك‏ ‏هو‏ ‏رصد‏ ‏هذه‏ ‏النهايات‏ ‏المفتوحة‏ ‏بشكل‏ ‏تشكيلى ‏محرك‏ ‏لوعى ‏المتلقى، ‏حتى ‏الأحلام‏ ‏التى ‏تنتهى ‏بحوار‏ ‏واعد‏، ‏أو‏ ‏لقاء‏ ‏غير‏ ‏مدبر‏، ‏أو‏ ‏مدبر‏ ‏بفاعل‏ ‏خفى (‏القدر‏، ‏أو‏ ‏اللاشعور‏) ‏تجد‏ ‏أن‏ ‏الحوار‏ فيها ‏يتفرع‏ ‏فجأة‏ ‏إلى ‏غير‏ ‏ما‏ ‏تعد‏ ‏به‏ ‏مقدماته، ثم تترك النهاية مفتوحة‏، ‏حين‏ ‏تعتذر الفتاة‏ – ‏مثلا‏ًً – ‏كاتبة‏ ‏الآلة‏ ‏الكاتبة‏ ‏غير‏ ‏الجميلة‏ ‏بماحولها‏ ‏من‏ ‏شبهات‏، ‏تعتذر‏ ‏عن‏ ‏قبول‏ ‏عرض‏ ‏للخطبة‏ ‏من‏ ‏رئيسها‏ ‏الذى ‏استطاع‏ ‏أن‏ ‏ينتصر‏ ‏على ‏إحباطه‏ ‏السابق‏ ‏بتنازل‏ ‏محسوب‏، ‏تعتذر‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏طمأنها‏ ‏على ‏حالته‏ ‏المالية‏، ‏بأن‏” ‏المال‏ ‏لا‏ ‏يهمها‏”، ‏وينتهى ‏الحلم‏ ‏بسؤال لا ترد الفتاة عليه، حيث‏ ‏لم‏ ‏تنطق‏ ‏لفظا‏ ‏عما‏ ‏يهمها‏ ‏حقاً‏، (‏حلم‏ 15) [15].

إن‏ ‏الإلحاح‏ ‏فى ‏البحث‏ ‏عن‏ ‏ما‏ ‏يرمز‏ ‏له‏ ‏الحلم‏ ‏تحديدا‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏أسطح‏ ‏ما‏ ‏أضر‏ ‏به‏ ‏فرويد‏ ‏ظاهرة‏ ‏الحلم‏ (‏رغم‏ ‏تحفظاته‏ ‏ضد‏ ‏التعميم‏)، ‏وقد‏ ‏زاد‏ ‏النقد‏ ‏الأدبى النفسى ‏التحليلى ‏هذا‏ ‏التسطيح‏ ‏بتسطيح‏ ‏أكثر اختزالا‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالإبداع‏، ‏ونجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏فى ‏أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ ‏لم‏ ‏يعرج‏ ‏إلا‏ ‏نادرا‏ ‏إلى ‏الرمزية‏ ‏أو‏ ‏إلى ‏الحكى ‏المسلسل‏.‏

‏ ‏أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ ‏عمل‏، ‏كما‏ ‏قلت،‏ ‏أقرب‏ ‏إلى‏ ‏الشعر التشكيل‏، ‏وأحيانا‏ ‏إلى ‏تركيبة‏ ‏السيناريو‏. ‏لاحظ‏ ‏كيف‏ ‏يتجلى ‏التشكيل‏ ‏المكانى ‏فى ‏بداية‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الأحلام‏، ‏حتى ‏يكاد‏ ‏الحلم‏ ‏يستغنى ‏عن‏ ‏الحوار‏ ‏مكتفيا‏ ‏بالصورة‏ ‏المكانية‏ ‏والحركة‏ ‏ونقلات‏ ‏الزمن‏. ‏مثلا‏ ‏يبدأ‏ ‏الحلم‏ ‏بوصف‏ ‏المكان‏ ‏مباشرة: “‏بهو‏ ‏رصت‏ ‏على ‏جوانبه‏” (‏حلم‏ 15) ‏وأيضا: “‏يا‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏ميدان‏ ‏مترامى ‏الاتساع‏ ‏مكتظ‏ ‏بالخلق‏” (‏حلم‏ 7)،

 ‏وأكتفى ‏بهذا‏ ‏القدر‏ ‏الآن.‏

  • ما‏ ‏مدلول‏ ‏ارتباط‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏ ‏بفترة‏ ‏النقاهة‏؟‏ ‏

لا‏ ‏أظن‏ ‏أن‏ ‏للاسم‏ ‏مدلول‏ ‏غير‏ ‏أنه‏ ‏إعلان‏ ‏لطمأنينة‏ ‏شيخنا‏ ‏أنه‏ ‏انتصر‏ ‏على ‏الإعاقة‏ ‏إلا‏ ‏قليلا‏، ‏لأنه ‏بعد‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏ ‏يأتى ‏الشفاء‏ ‏الكامل‏ ‏بإذن‏ ‏الله‏ ‏

  • كيف‏ ‏يتعامل‏ ‏التحليل‏ ‏النفسى ‏مع‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏‏؟

للأسف‏، ‏إن‏ ‏التحليل‏ ‏النفسى، ‏على ‏ما‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏سمعة‏ ‏وغواية،‏ ‏أعجز‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يتعامل‏ ‏مع‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏، ‏التحليل‏ ‏النفسى ‏أرقى ‏ ‏من‏ ‏تفسير‏ ‏ابن‏ ‏سيرين‏ ‏لأنه‏ ‏أقل‏ ‏حسما‏ ‏فى ‏تعميم‏ ‏و‏‏ترجمة‏ ‏الرموز‏، ‏ثم‏ ‏إنه‏ عادةً ‏لا‏ ‏يقوم‏ ‏بتحليل‏ ‏حلم‏ ‏منفرد‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏سياق‏ ‏التداعى ‏الحر‏ (‏وفى ‏النقد‏ ‏الأدبى ‏فى ‏سياق‏ ‏كلية‏ ‏النص‏)، ‏وكل‏ ‏هذا‏ ‏تأليف‏ ‏لاحق،‏ ‏علاقته بالحلم ملتبسة، وعادة تكون واهية، وتتوقف على إسقاطات المحلل أكثر من تشكيلات إبداع الحلم ذاته‏.‏

‏ ‏الحلم‏ ‏بعد‏ ‏الاكتشافات‏ ‏الفسيولوجية‏ ‏ودراسات‏ ‏التعلم‏ ‏والإبداع‏ ‏الأحدث‏ ‏هو‏ ‏أهم‏ ‏وأكثر‏ ‏دلالة‏ ‏وأعمق‏ ‏وظيفة‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏جاء‏ ‏فى ‏التحليل‏ ‏النفسى ‏الكلاسيكى ‏مما‏ ‏لا‏ ‏مجال‏ ‏لتفصيله هنا  ‏[16]‏ .‏

لا‏ ‏أخفى ‏عليك‏ ‏أننى ‏تصورت‏ ‏أن‏ ‏ناقدا‏ ‏من‏ ‏هواة‏ ‏التحليل‏ ‏قد‏ ‏ينمو‏ ‏إلى ‏علمه‏ ‏ما‏ ‏يرجحه‏ ‏فرويد‏ ‏بالنسبة‏ ‏لأحلام‏ ‏الطيران‏ ‏من‏ ‏مغزى ‏جنسى ‏مباشر‏، ‏فيترجم‏- ‏مثلا‏- ‏نهاية‏ ‏حلم‏ (10) ‏من‏ ‏أحلام‏ ‏نقاهة‏ ‏شيخنا‏[17] ‏إلى ‏هذا‏ ‏المفهوم‏ ‏الجنسى ‏تعسفا‏.‏

الحلم حركية‏ ‏وعى ‏آخر‏، ‏والإبداع‏ ‏الحقيقى ‏واقع‏ ‏أعمق‏ ‏وأبعد‏ ‏مدى ‏من‏ ‏كل‏ ‏واقع‏. ‏الواقع‏ ‏الإبداعى ‏هو‏ ‏أكثر‏ ‏موضوعية‏ ‏من‏ ‏الواقع‏ ‏الظاهر‏، ‏والإنسان‏ ‏هو‏ ‏الكائن‏ ‏الحى ‏الوحيد‏ – ‏من‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏نعرف‏ – ‏الذى ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يتجول‏ ‏فى ‏ذاته‏ ‏الممتدة‏ ‏خارجه‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يحتوى ‏الخارج‏ ‏فى ‏طبقات‏ ‏وعيه‏، ‏وأن‏ ‏يبرمج‏ ‏المكان‏ ‏فى ‏الزمان‏، ‏وبالعكس‏، ‏ثم‏ ‏هو‏ ‏يعيد‏ ‏تشكيل‏ ‏وجوده‏ ‏والعالم‏ ‏بلعب‏ ‏جميل‏، ‏أو‏ ‏استشراف‏ ‏مخترق‏، ‏أو‏ ‏كشف‏ ‏مرعب‏، ‏أو‏ ‏حتى ‏شواش‏ ‏يتخلـق‏.‏

وهذا هو الإبداع

ملاحظات واستطرادات وتأكيد

مرة أخرى: تعجبت‏ ‏لما‏ ‏كـتب‏ استغرابا ‏عن‏ ‏عودة‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏إلى ‏الكتابة‏ ‏بعد‏ ‏نوبل‏، ‏وبعد‏ ‏الحادث‏ ‏الآثم‏، ‏مع أن الأوْلى أن نُدهش إنْ هو لم يفعل، ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏لا‏ ‏يعيش‏ ‏إلا‏ ‏مبدعا‏. ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يستمر‏ ‏إلا‏ ‏مبدعا‏، ‏هذه‏ ‏الحقيقة‏ ‏بلغت‏ ‏من‏ ‏القوة‏ ‏والحضور‏ ‏مبلغا‏ ‏تكاد‏ ‏لا‏ ‏تصبح‏ ‏معه‏ ‏اختيارا‏ ‏مطروحا‏، ‏هى ‏حقيقة‏ ‏ماثلة‏. ‏إبداع‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏يتجلى ‏فى ‏حياته‏ ‏كما‏ ‏يتجلى ‏فى ‏إنتاجه‏. ‏إن‏ ‏احتفاظه‏ ‏بالقدرة‏ ‏على ‏الدهشة‏، ‏والشغف‏ ‏بالتعلم‏، ‏والجدية‏ ‏فى ‏الإنصات‏، ‏ثم‏ ‏إن امتلاءه‏ ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏يصله‏ ‏ليدعه‏ ‏يتحرك‏ ‏فى ‏رحابة‏ ‏واعيه‏ ‏بهذه‏ ‏السلاسة‏ ‏المتجددة‏، ‏هو‏ ‏إبداع‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏. ‏حتى ‏وهو‏ ‏يحلم‏، ‏راح‏ ‏يبدع‏ ‏فى ‏الحلم‏، ‏ثم‏ ‏يلتقط‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏تبقى ‏ليعيد‏ ‏صياغته‏ ‏وتشكيله‏ ‏وتأصيله‏ ‏فيما‏ ‏يطل‏ ‏علينا‏ ‏فيما‏ ‏أسماه‏ “أحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏”. ‏لم‏ ‏يكفه‏ ‏أن‏ ‏يقوم‏ ‏بإعادة‏ ‏تخليق‏ ‏مريديه‏ ‏من‏ ‏حوله‏ ‏يوما‏ ‏بعد‏ ‏يوم‏. حتى البشر العاديين هو يعيد تشكيلهم فى لقاءاته اليومية، ‏البشر‏ ‏يتخلقون‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏من‏ ‏علاقتهم‏ ‏بعضهم‏ ‏ببعض‏، ‏فما‏ ‏بالك‏ ‏وهم‏ ‏فى ‏حضور‏ ‏هذا‏ ‏الكيان‏ ‏الفذ‏ ‏الذى ‏يفجرنا‏ ‏إلينا‏!! ‏إن‏ ‏من‏ ‏لا‏ ‏يخرج‏ ‏من‏ ‏مجلس‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏مختلفا‏ ‏هو‏ ‏الآنية‏ ‏والكراسى، بل دعونى أعترف أنه ‏حتى ‏الآنية‏ ‏والكراسى ‏رأيتها‏ ‏مرات ليست قليلة‏، ‏وهى ‏ترقص‏ ‏على ‏كلماته‏. ‏

ثمة‏ ‏حكاية‏ ‏لا‏ ‏يعرفها‏ ‏الكثيرون‏ ‏تفصيلا‏ ‏عن‏ ‏كيفية‏ ‏ظهور‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏ ‏أصلا‏، ‏لا‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المضمون‏ ‏والنشر‏ ‏ولكن‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏إمكانية‏ ‏كتابتها‏ ‏أصلا‏. ‏شيخنا‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ ‏الإملاء‏. ‏لم‏ ‏يعتده‏، ‏وقد‏ ‏رفضه‏ ‏المرة‏ ‏تلو‏ ‏المرة‏ ‏ونحن‏ ‏نعرض‏ ‏عليه‏ ‏احتماله‏. ‏وهو‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ ‏التسجيل‏ على مسجِّل صغير مثلا، فهو ‏يرفضه‏ ‏أيضا‏. ‏حدث‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏من‏ ‏غدر‏ ‏جبان‏ ‏وشيخنا‏ ‏فى ‏حال‏ ‏حرم‏ ‏معها‏ ‏من‏ ‏القراءة‏، ‏ومن‏ ‏مشاهدة‏ ‏التلفزيون‏ ‏والمسرح‏ ‏والسينما‏، ‏وهو‏ ‏القارئ‏ ‏النهم‏، ‏والمشاهد‏ ‏المندهش‏ ‏المنتظم‏. ‏أضاف‏ ‏الحادث‏ ‏إلى ‏ذلك‏ ‏عجزه‏ عن ‏أن‏ ‏يمسك‏ ‏بالقلم‏، مجرد‏ ‏إمساك‏. ‏وهو‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يعيش‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏أمسك‏ ‏به‏ ‏وخط‏ ‏ما‏ ‏عنده‏. ‏فما‏ ‏العمل‏ ‏؟‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏عند‏ ‏أحد‏ ‏منا‏ ‏أى ‏احتمال‏ ‏لأى ‏جواب‏، ‏لكن‏ ‏يبدو‏ ‏أنه‏ ‏هو‏ ‏وحده‏ ‏الذى ‏كان‏ ‏يعرف‏ ‏الجواب…(أنظر قبلاً)‏.‏ ‏قبيل‏، ‏أو‏ ‏ربما‏ ‏بُعَيْد‏ ‏كتابة‏ ‏أول‏ ‏حلم‏ (‏دون‏ ‏علمنا‏) ‏لاحظنا‏ ‏أن‏ ‏شيخنا‏ ‏يلوح‏ ‏فى ‏أفق‏ ‏وعيه‏ ‏الكامن‏ ‏ضوء‏ ‏فجر‏ ‏جميل‏، ‏قلنا‏ ‏إنه‏ ‏ينوى ‏خيرا‏ ‏جديدا‏. ‏ربما‏ ‏أنه‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏وثق‏ ‏أنه‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يخط‏ ‏بضع‏ ‏كلمات‏ ‏بجوار‏ ‏بعضها‏ ‏سوف‏ ‏يفعلها‏. ‏سألته‏ ‏فأطرق‏ ‏قائلا‏ ‏فى ‏تواضع‏ ‏متردد –كما ذكرت سابقا- “‏يعنى..، ‏باين‏ ‏فيه‏ “‏نغبشة‏ ‏كده‏ ‏بتشاور‏ ‏عقلها‏”. ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏أصداء‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية‏ ‏كانت‏ ‏الحدس‏ ‏الباكر‏ ‏لنوع قريب من هذا النوع‏ ‏من‏ ‏الكتابة‏، ‏لكن‏ ‏الأرجح‏ ‏أنه‏ ‏لولا‏ ‏الإعاقة‏ ‏والحدود‏ ‏والإصرار‏ ‏وإلحاح‏ ‏الإبداع‏ ‏وحب‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏للناس‏ ‏والحياة‏، ‏ما‏ ‏كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يعاود‏ ‏أو‏ ‏يحاول‏ ‏من‏ ‏جديد إبداع‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏الخاص‏ ‏جدا‏ ‏من‏ ‏الكتابة‏.‏

العجيب‏ ‏أن‏ ‏كثيرين‏ ‏تصوروا‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏ ‏هى ‏أحلام‏ ‏فعلاً‏ ‏تحدث‏ ‏أثناء‏ ‏نوم‏ ‏شيخنا‏، ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏يفعل‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏يرصدها‏ ‏مثلما‏ ‏يحكى ‏أى ‏منا‏ ‏حلمه‏، ‏وقد‏ ‏نفى ‏شيخنا‏ ‏ذلك‏ ‏عدة‏ ‏مرات‏، ‏كما‏ ‏نبه‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏يتبقى ‏من‏ ‏أحلامه‏ ‏عند‏ ‏اليقظة‏ ‏يصبح‏ ‏المادة‏ ‏الخام‏ ‏التى ‏ينسج‏ ‏منها‏ ‏إبداعات‏ ‏الأحلام‏ ‏المكتوبة‏. ‏إن‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏الإبداع‏، ‏سواء‏ ‏كانت‏ ‏مادته‏ ‏أو‏ ‏مثيراته‏ ‏حلما‏، ‏أم‏ ‏ذكرى، ‏أم‏ ‏حادث‏ ‏أم‏ ‏شخص‏ ‏أم‏ ‏لا‏ ‏شئ‏. ‏

ثانياً: أحلام قبل أحلام النقاهة

خطر لى سؤال يقول “‏كيف‏ ‏ساهمت‏ ‏الإعاقة‏ ‏الاضطرارية‏ ‏ـ‏ ‏فى ‏الرؤية‏ ‏والسمع‏ ‏والأداء‏ ‏اليدوى‏ـ‏ ‏تحديا‏ ‏لمحفوظ‏ ‏المصر‏ ‏على ‏مواصلة‏ ‏إبداعه‏ (‏أو‏ ‏الذى ‏لا‏ ‏يملك‏ ‏لإبداعه‏ ‏دفعا‏)، ‏كيف‏ ‏ساهمت هذه‏ ‏الإعاقة‏ ‏فى ‏تحديد‏ “‏شكل”‏ ‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏خاصة‏؟

 تصورت ابتداءً‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏، ‏بقصرها‏، ‏وتكثيفها‏، ‏وقفزاتها‏، ‏وفجائيتها‏، ‏وغموضها‏…‏إلخ‏ ‏هى ‏نتاج‏ ‏اضطرار‏ ‏محفوظ‏ ‏اضطرارا‏ ‏إلى ‏الاختزال‏ ‏والتركيز‏ ‏هكذا‏ ‏لصعوبة‏ ‏الكتابة‏ (‏إعاقة‏ ‏اليد‏)، ‏وصعوبة‏ ‏مراجعة‏ ‏ما‏ ‏كتب‏ ‏وإعادة‏ ‏صياغته‏ (‏إعاقة‏ ‏النظر‏) ‏وصعوبات‏ ‏كثيرة‏ ‏أخرى ‏لا‏ ‏داعى ‏لذكرها‏. ‏تصورت‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الصعوبات‏ ‏هى ‏التى ‏تكمن‏ ‏وراء‏ ‏هذا‏ ‏الشكل‏ ‏الجديد‏ ‏من‏ ‏الكتابة‏ ‏القصيرة‏ ‏المركزة‏ ‏المكثفة‏. ‏لكننى ‏تراجعت عن أغلب ذلك قائلا:‏

 إنه‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏احتمال‏ ‏صحة‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏، ‏ولو‏ ‏جزئيا‏، ‏إلا ‏أنى أكرر أن‏ ‏صدور‏ “‏أصداء‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية‏” ‏قبل‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الإعاقات‏ ‏بسنوات‏، ‏يكاد‏ ‏ينفى ‏أغلب‏ ‏هذا‏ ‏التصور‏ ‏فالأصداء‏ ‏فيها‏ ‏نفس‏ ‏التكثيف‏، ‏ونفس‏ ‏الإيجاز‏، ‏ونفس‏ ‏النقلات‏، ‏ونفس‏ ‏الشطح‏ ‏الإبداعى ‏الرائع‏، ‏وبعض‏ ‏الترميز‏.

 ‏رجعت‏ ‏إلى ‏دراستى ‏للأصداء ‏ [18]  ‏فوجدت‏ ‏أن‏ ‏بها‏ ‏قليلا‏ ‏مما‏ ‏أسماه‏ ‏محفوظ‏ ‏حلما‏، ‏لكن‏ ‏فيها‏ ‏الكثير‏ ‏مما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يصل‏ ‏إلى ‏القارئ‏ ‏باعتباره‏ ‏كذلك‏، ‏وكلها‏ ‏مازالت‏ ‏تقع‏ ‏فى ‏ما‏ ‏هو‏ ‏إبداع‏ ‏يتخفى ‏قليلا‏ ‏أو‏ ‏كثيرا‏ ‏تحت‏ ‏عباءة‏ ‏ما‏ ‏يبدو‏ ‏ـ‏ ‏تمويها‏ ‏ربما‏ ‏مقصود‏ ‏ـ‏ “‏حلما‏”.‏

لعلّ‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏‏ ‏قد‏ ‏رأى –بحدْسه- ‏احتمال‏ ‏إصابته‏ ‏بمثل‏ ‏هذه‏ ‏الإعاقات‏ ‏التى ‏لم‏ ‏تظهر‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏سنوات‏، ‏فراح‏ ‏يدرب‏ ‏نفسه‏ (‏دون‏ ‏أن‏ ‏يدرى‏) ‏على ‏كيفية‏ ‏تجاوزها‏، ‏فكانت‏ ‏الأصداء‏ ‏تمهيدا‏ ‏لأحلام‏ ‏فترة‏ ‏النقاهة‏.‏

لكن‏ ‏الأمر‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يرجع‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏هو‏ ‏أقدم‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏بكثير‏، ‏إذا‏ ‏نظرنا‏ ‏فى ‏مجموعته‏ “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” ‏وأيضا‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏فقرات‏ ‏أعماله‏ ‏حتى ‏الطويلة‏ ‏منها‏، ‏بما‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الحرافيش‏ ‏أو‏ “‏حديث‏ ‏الصباح‏ ‏والمساء‏”، ‏وغيرها‏.‏

وفيما‏ ‏يلى ‏مقتطفات‏ ‏من‏ ‏مسيرتى النقدية معه‏ ‏قبل ذلك.

اتنبهت‏ ‏إلى موقع‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏مما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يسمى: ‏الإبداع‏ ‏الحالم‏ ‏أو‏ ‏الحلم‏ ‏الإبداع‏، ‏سواء‏ ‏وضعه‏ ‏هو‏ ‏تحت‏ ‏اسم‏ ‏الحلم‏ ‏أو‏ ‏الرؤية‏، ‏أو‏ ‏تحت‏ ‏أى ‏مسمى ‏آخر‏ (‏مثل‏ ‏ليالى ‏ألف‏ ‏ليلة‏ ‏أو‏ ‏بعض‏ ‏قصصه‏ ‏القصيرة‏ ‏فى ‏مجموعة‏ ‏خمارة‏ ‏القط‏ ‏الأسود‏ ‏مثلا‏) ‏

كان‏ ‏ذلك‏ ‏فى ‏بداية‏ ‏الثمانينات‏ ‏حين‏ ‏كتبت‏ ‏عن‏ ‏مجموعة‏ “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” ‏مما ‏نشرت‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏فى “‏قراءات‏ ‏فى ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏” [19] ، ‏ثم‏ ‏عاودت‏ ‏الكتابة‏ ‏عن‏ ‏أحلام‏ ‏محفوظ‏ ‏المبدعة‏ ‏أو‏ ‏الإبداعية‏ ‏فى ‏دراستى‏ ‏عن‏ ‏أصداء‏ ‏السيرة‏ ‏الذاتية.

 

ثالثاً: عينات من نقدٍ باكر

    (1) … عينة من أصداء الأصداء

لم‏ ‏تظهر‏ ‏الأحلام‏ ‏فى ‏الأصداء‏ ‏بشكل‏ ‏مباشر [20] ‏ ‏إلا‏ ‏قليلا‏. ‏مثلا‏: ‏حين‏ ‏تلاحقت ثلاثة‏ ‏أحلام فى الفقرات: 63،‏ 64، 65 وفيما يلى أثبت قراءتى لها على التوالى:

63 – ‏الذكرى ‏المباركة

‏”‏سألنى ‏صديقى ‏الحكيم‏ ‏عن‏ ‏حلم‏ ‏لا‏ ‏أنساه‏ ‏فقلت‏: ‏وجدتنى ‏فى ‏خمارة‏ ‏وسط‏ ‏جماعة‏ ‏من‏ ‏أهل‏ ‏الخير‏ ‏والبركة‏، ‏نشرب‏ ‏ونغنى ‏وسأل‏ ‏سائل‏ “‏ترى ‏من‏ ‏يكون‏ ‏صاحب‏ ‏الحظ‏ ‏السعيد؟‏” ‏وانزاحت‏ ‏الستارة‏ ‏المسدلة‏ ‏على ‏باب‏ ‏الخمارة‏، ‏ودخلت‏ ‏امرأة‏ ‏عارية‏ ‏تموج‏ ‏برحيق‏ ‏الحياة‏ ‏وفتنتها‏. ‏ووقفنا‏ ‏ذاهلين‏ ‏ننظر‏ ‏وننتظر‏، ‏واتجهت‏ ‏المرأة‏ ‏نحوى ‏حتى ‏التصقت‏ ‏بى، ‏وحلت‏ ‏عقدة‏ ‏شعرها‏ ‏المعقوص‏ ‏فانصب‏ ‏حولنا‏ ‏كموجة‏ ‏عاتية‏ ‏فغطانا‏. ‏وثمل‏ ‏الجميع‏ ‏بسعادة‏ ‏شاملة‏ ‏وأنشدنا‏ ‏معا‏. “‏بشرى ‏لنا‏، ‏نلنا‏ ‏المنى‏”.

القراءة:

يعود‏ ‏الحلم‏ ‏يخوض‏ ‏فى ‏طبقات‏ ‏الوعى، ‏فيتردد‏ ‏الصدى ‏أبعد‏ ‏وأكثر‏ ‏اختراقا‏، ‏فيجمعهم‏ ‏يشربون‏ ‏ويغنون‏، ‏وكما‏ ‏يتحفنا‏ ‏الحلم‏ ‏عادة‏ (‏أو‏ ‏دائما‏) ‏بأبعاد‏ ‏تتخطى ‏المعتاد‏، ‏نرى ‏هنا‏ ‏هذه‏ ‏المفارقات‏ ‏الرائعة‏ ‏المفيقة‏، ‏فهم‏ ‏يجتمعون‏ ‏فى ‏خمارة‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏هم‏ ‏من‏ ‏أهل‏ ‏الخير‏ ‏والبركة‏. ‏ومن‏ ‏ناحية‏ ‏أخرى ‏كان‏ ‏التنافس‏ ‏لاختيار‏ ‏واحد‏ ‏فقط‏ ‏هو‏ ‏صاحب‏ ‏الحظ‏ ‏السعيد‏، ‏وإذا‏ ‏بالراوى ‏هو‏ ‏المختار‏.‏

إلى ‏هنا‏ ‏كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نرضى ‏بقسمة‏ ‏القدر‏، ‏وأن‏ ‏نبارك‏ ‏له‏ ‏قائلين‏ “‏حلال‏ ‏عليك‏”، ‏أو‏ “‏يا‏ ‏بختك‏”، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏الصدى ‏يتخطى ‏هذه‏ ‏الصدفة‏ ‏السعيدة‏ ‏لتصبح‏ ‏موجة‏ ‏الحياة‏ ‏غير‏ ‏قاصرة‏ ‏على ‏واحد‏ ‏دون‏ ‏الآخرين‏، ‏وإذا‏ ‏بشعرها‏ ‏المعقوص‏ ‏الذى ‏حلت‏ ‏عقدته‏ ‏يحيطهم‏ ‏جميعا‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏كانت‏ ‏قد‏ ‏التصقت‏ ‏به‏ ‏وحده‏.‏

فـتنبهنى ‏هذه‏ ‏الفقرة‏ ‏الحلم‏/ الصدى ‏إلى ‏رسالة‏ ‏تقول‏: ‏إن‏ ‏صاحب‏ ‏الحظ‏ ‏السعيد‏، ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏كذلك‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏تغمر‏ ‏السعادة‏ ‏الجميع‏: “‏بشرى ‏لنا‏، ‏نلنا‏ ‏المني‏”.‏

64 – ‏فى ‏الحجرة‏ ‏الواسعة

‏”‏فى ‏المنام‏ ‏رأيتنى ‏فى ‏حجرة‏ ‏واسعة‏ ‏عالية‏ ‏السقف‏، ‏خالية‏ ‏من‏ ‏الأثاث‏ ‏عدا‏ ‏مائدة‏ ‏مستديرة‏ ‏فى ‏الوسط‏ ‏حولها‏ ‏كرسيان‏ ‏متقابلان‏، ‏جلست‏ ‏على ‏كرسى ‏وجلس‏ ‏على ‏الآخر‏ ‏صديق‏ ‏حميم‏، ‏وأمام‏ ‏كل‏ ‏منا‏ ‏فنجان‏ ‏قهوة‏، ‏وثمة‏ ‏باب‏ ‏يفضى ‏إلى ‏حجرة‏ ‏أخرى ‏مظلمة‏ ‏جدا‏ ‏لا‏ ‏أدرى ‏شيئا‏ ‏عما‏ ‏بداخلها‏. ‏وقال‏ ‏صديقى: ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏ننجز‏ ‏المهمة‏. ‏فقلت‏ ‏موافقا‏: ‏لابد‏ ‏من‏ ‏إنجازها‏. ‏وفجأة‏ ‏قام‏ ‏صديقى ‏فمضى ‏نحو‏ ‏الحجرة‏ ‏المظلمة‏ ‏واختفى، ‏وتبين‏ ‏لى ‏بعد‏ ‏ذهابه‏ ‏أن‏ ‏القهوة‏ ‏اختفت‏ ‏من‏ ‏فوق‏ ‏المائدة‏ ‏فناديت‏ ‏عليه‏، ‏لم‏ ‏أسمع‏ ‏ردا‏ ‏ولكن‏ ‏ظهر‏ ‏شخص‏ ‏غريب‏ ‏فجلس‏ ‏مكانه‏ ‏وقد‏ ‏لفت‏ ‏انتباهى ‏بعباءته‏ ‏البيضاء‏. ‏ورغم‏ ‏أننى ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏أعرفه‏ ‏إلا‏ ‏أننى ‏قلت‏ ‏لنفسى ‏إن‏ ‏وجوده‏ ‏خير‏ ‏من‏ ‏عدمه‏ ‏أما‏ ‏هو‏ ‏فقد‏ ‏وضع‏ ‏أمامه‏ ‏كأساً‏ ‏وكأساً‏ ‏أمامى ‏وقال‏: ‏لنشرب‏ ‏نخب‏ ‏الضوء‏ ‏والظلام‏. ‏فرفعت‏ ‏الكأس‏ ‏لأشرب‏ ‏ولاحت‏ ‏منى ‏التفاتة‏ ‏إلى ‏داخلها‏ ‏فرأيت‏ ‏وجه‏ ‏صديقى ‏الغائب‏ ‏يرنو‏ ‏إلىّ، ‏فارتعشت‏ ‏يدى ‏وقلت‏ ‏للجالس‏ ‏أمامى. “‏لابد‏ ‏من‏ ‏إنجاز‏ ‏المهمة‏.”‏

يستمر‏ ‏الحلم‏، ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏أكمل‏ ‏الفقرة‏ ‏أفرح‏ ‏لمجرد‏ ‏قراءة‏ ‏البداية‏ “‏فى ‏المنام‏”، ‏ربما‏ ‏لعلاقتى ‏الخاصة‏ ‏بإبداع‏ ‏محفوظ‏ ‏حين‏ ‏يدخل‏ ‏من‏ ‏باب‏ ‏الحلم‏، ‏كما‏ ‏تعلمت‏ ‏خاصة‏ ‏أثناء‏ ‏قراءتى ‏عمل‏ ‏محفوظ‏ ‏السابق‏ “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” ‏وربما‏ ‏لأن‏ ‏الحلم‏ ‏السابق‏ ‏مباشرة‏ (‏فقرة‏ 63) ‏طمأننى ‏ضد‏ ‏توجس‏ ‏خفوت‏ ‏صوت‏ ‏الأصداء‏، ‏وربما‏ ‏لأن‏ ‏الأحلام‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الأصداء‏ ‏لم‏ ‏تخذلنى ‏أبدا‏ (‏حتى ‏الآن‏ ‏على ‏الأقل‏) ‏وفعلا‏ ‏لم‏ ‏يخب‏ ‏ظنى.

بمجرد‏ ‏أن‏ ‏يبدأ‏ ‏الحلم‏ ‏أجد‏ ‏نفسى ‏بين‏ ‏شخوص‏ ‏الداخل‏ ‏أكثر‏، ‏الواقع‏ ‏الداخلى: ‏تنفرط‏ ‏الذات‏ ‏إلى ‏ذواتها‏، ‏وتبدأ‏ ‏الحوارات‏، ‏هنا‏ ‏نجد‏ ‏أنفسنا‏ ‏أمام‏ “‏حوار‏ ‏المواجهة‏”، ‏تبدأ‏ ‏المواجهة‏ ‏بيقظة‏ ‏متبادلة‏ ‏بين‏ ‏الذوات‏ ‏وبعضها‏، ‏وفنجان‏ ‏القهوة‏ ‏أمام‏ ‏كلٍّ‏، ‏لكن‏ – ‏وبالرغم‏ ‏من‏ ‏محاولة‏ ‏الاتفاق‏ ‏على ‏المهمة‏ (‏رحلة‏ ‏العمر‏) ‏يختفى ‏أحد‏ ‏المواجهين‏، ‏وأتصور‏ ‏ذلك‏ ‏ترجمة‏ ‏لرحلة‏ ‏الكبت‏ ‏الضرورية‏ ‏لاستمرار‏ ‏مسيرة‏ ‏النماء‏ ‏على ‏مراحل‏، ‏لكن‏ ‏الاستمرار‏ ‏الأحادى ‏بلا‏ ‏مواجهة‏ ‏وبلا‏ ‏حوار‏ -‏بعد‏ ‏كبت‏ ‏الذات‏ ‏الأخرى- ‏هو‏ ‏وهم‏ ‏ضد‏ ‏الطبيعة‏ ‏البشرية‏، ‏فيتشكل‏ ‏الداخل‏ ‏فى ‏محاور‏ ‏جديدة‏ (‏ذوات‏ ‏أخرى) ‏إذ‏ ‏يستبدل‏ ‏بفنجانى ‏القهوة‏، ‏كأسين‏، ‏ويتعمق‏ ‏الحوار‏ ‏ويتحدد‏ ‏لتصبح‏ ‏المهمة‏ ‏أقل‏ ‏غموضا‏ ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏أصرح‏ ‏تناقضا‏، “‏نخب‏ ‏الضوء‏ ‏والظلام‏” (‏مازلت‏ ‏فرحا‏ ‏بكثافة‏ ‏هذا‏ ‏الحلم‏).‏

أصبحت‏ ‏المواجهة‏ ‏جدلا‏ ‏خلاقا‏ ‏يعترف‏ ‏بحق‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏المتحاورين‏ ‏بنصيبه‏ ‏من‏ ‏الظلام‏ ‏والضوء‏ ‏فيشرب‏ ‏الجميع‏ ‏نخبهما‏ ‏معا‏، ‏وإذ‏ ‏يتمادى ‏الجدل‏، ‏لا‏ ‏يحتاج‏ ‏الأمر‏ ‏إلى ‏قاهر‏ ‏آخر‏ ‏يمارس‏ ‏كبتا‏ ‏جديدا‏ (‏فقد‏ ‏اختفى ‏فى ‏الحجرة ‏ومعه‏ ‏أدوات‏ ‏يقظته‏ ‏النشطة‏: ‏فنجان‏ ‏القهوة‏)، ‏وهذا‏ ‏الجدل‏ ‏الحيوى ‏الداخلى ‏هو‏ ‏الذى ‏يحقق‏ ‏التكامل‏، فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏الصراع‏ ‏التناقضى ‏لايحله‏ ‏إلا‏ ‏إلغاء‏ ‏أحد‏ ‏شقيه‏، ‏أو‏ ‏اللجوء‏ ‏إلى ‏تسوية‏ ‏ساكنة‏، ‏توقف‏ ‏النمو‏ ‏والحركة‏ ‏معا‏.‏

لكل‏ ‏ذلك‏ ‏فقد‏ ‏قرأت‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الحلم‏ ‏أن‏ ‏نجاح‏ ‏طرفى ‏المواجهة‏ ‏فى ‏مواصلة‏ ‏الجدل‏ ‏دون‏ ‏إلغاء‏ ‏أحد‏ ‏الشقين‏ ‏أو‏ ‏الرضا‏ ‏بالتسوية‏ ‏لم‏ ‏يحقق‏ ‏فقط‏ ‏تحمل‏ ‏التناقض‏ ‏بل‏ ‏سمح‏ ‏بالاعتراف‏ ‏بالذوات‏ ‏الأخرى ‏التى ‏كانت‏ ‏قد‏ ‏اختفت‏، ‏فهذا‏ ‏هو‏ ‏الصديق‏ ‏الغائب‏ ‏يظهر‏ ‏فى ‏الوعى ‏من‏ ‏جديد‏، ‏يظهر‏ ‏أقرب‏ ‏فى ‏قاع‏ ‏الكأس‏ ‏مباشرة‏ ‏ويصبح‏ ‏إنجاز‏ ‏المهمة‏ ‏واستمرار‏ ‏الحياة‏ ‏إلى ‏غايتها‏ ‏التكاملية‏ ‏أقرب‏ ‏وألزم‏ ‏وأروع‏‏، ‏وكأنه‏ ‏يقول‏ ‏إن‏ ‏إنجاز‏ ‏المهمة‏ ‏رحلة‏ ‏الحياة‏ – ‏لايكون‏ ‏بإلغاء‏ ‏الذوات‏ ‏الغامضة‏ ‏أو‏ ‏المهددة‏ ‏أو‏ ‏المختلفة‏، ‏وإنما‏ ‏بمواجهتها‏ ‏وتناولها‏ ‏نحو‏ ‏تكامل‏ ‏ممكن‏.‏

65 – ‏اللحن

‏”‏فى ‏حلم‏ ‏ثان‏ ‏وجدتنى ‏فى ‏حجرة‏ ‏متوسطة‏ ‏يضيئها‏ ‏مصباح‏ ‏غازى ‏يتدلى ‏من‏ ‏سقفها‏، ‏فى ‏ركن‏ ‏منها‏ ‏جلس‏ ‏جماعة‏ ‏من‏ ‏الرجال‏ ‏والنساء‏ ‏على ‏شلت‏ ‏متقابلة‏ ‏يتسامرون‏ ‏ويضحكون‏ ‏بأصوات‏ ‏مرتفعة‏، ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏فى ‏الجدران‏ ‏باب‏ ‏ولا‏ ‏نافذة‏ ‏إلا‏ ‏فتحة‏ ‏صغيرة‏ ‏فى ‏اتساع‏ ‏عين‏ ‏منظار‏ ‏مرتفعة‏ ‏بعض‏ ‏الشيء‏، ‏فلم‏ ‏أر‏ ‏منها‏ ‏إلا‏ ‏سماء‏ ‏تتوارى ‏وراء‏ ‏المساء‏. ‏شعرت‏ ‏برغبة‏ ‏شديدة‏ ‏فى ‏العودة‏ ‏إلى ‏أهلى ‏ودارى. ‏ولم‏ ‏أدر‏ ‏كيف‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يتيسر‏ ‏لى ‏ذلك‏،. ‏وسألت‏ ‏السمار‏: ‏أكرمكم‏ ‏الله‏ ‏كيف‏ ‏أستطيع‏ ‏الخروج‏ ‏من‏ ‏هنا؟‏ ‏فلم‏ ‏يلتفت‏ ‏إلىّ ‏أحد‏ ‏وواصلوا‏ ‏السمر‏ ‏والضحك‏، ‏وغزت‏ ‏الوحشة‏ ‏أعماقى. ‏عند‏ ‏ذاك‏ ‏لاح‏ ‏لى ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الفتحة‏ ‏وجه‏ ‏غير‏ ‏واضح‏ ‏المعالم‏ ‏وقال‏ ‏لى: ‏إليك‏ ‏هذا‏ ‏اللحن‏ ‏احفظه‏ ‏منى ‏جيدا‏، ‏وترنم‏ ‏به‏ ‏عند‏ ‏الحاجة‏، ‏وستجد‏ ‏منه‏ ‏الشفاء‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هم‏ ‏وغم‏.”‏

مثلما‏ ‏يذيب‏ ‏دفء‏ ‏الشمس‏ “‏شبورة‏ ‏الصباح‏”، ‏أرى ‏الفتور‏ ‏الذى ‏هددنى ‏فى ‏بداية‏ ‏هذا‏ ‏الفصل‏ ‏وهو‏ ‏ينقشع‏، ‏هذه‏ ‏الأحلام‏ ‏المتلاحقة‏ ‏تصلنى ‏كدفقات‏ ‏اقتحام‏ ‏شروق‏ ‏الشمس‏ ‏غيامة‏ ‏الضباب‏.‏

يظهر‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الحلم‏ “‏رحم‏ ‏الدنيا‏”، ‏وتولد‏ ‏قصيدة‏ ‏قصيرة‏ “‏سماء‏ ‏تتوارى ‏وراء‏ ‏المساء‏”، ‏وتتأكد‏ ‏لى ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الموت‏ ‏والعودة‏، ‏فكرة‏ ‏العودة‏ ‏أصيلة‏ ‏فى ‏الوجود‏ ‏الإنسانى ‏سواء‏ ‏كانت‏ ‏فى ‏تعبير‏ “‏أن‏ ‏يسترد‏ ‏الله‏ ‏وديعته‏” ‏كما‏ ‏يفهم‏ ‏الموت‏ ‏عند‏ ‏أهل‏ ‏التقوى، ‏أو‏ ‏أفادت‏ ‏أن‏ ‏يرجع‏ ‏الجزء‏ ‏المنفصل‏ ‏إلى ‏الالتحام‏ ‏بأصله‏ ‏كما‏ ‏يشير‏ ‏المتصوفة‏ ‏عادة‏. ‏العودة‏ ‏إلى ‏الأهل‏ ‏والدار‏ ‏وصلتنى ‏هنا‏ ‏باعتبارها‏ ‏العودة‏ ‏إلى ‏الأصل‏” ‏الكل‏”، ‏وحين‏ ‏تستحيل‏ ‏العودة‏ ‏إراديا‏ًً (‏إلا‏ ‏بالانتحار‏، ‏وهو‏ ‏ليس‏ ‏عودة‏ ‏وإنما‏ ‏إجهاض‏) ‏ينبغى ‏أن‏ ‏نتكيف‏ ‏ونحن‏ “‏فى ‏الانتظار‏” ‏حتى ‏يحين‏ ‏الأوان‏.‏

هذا‏ ‏اللحن‏ ‏الذى ‏هبط‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏الفتحة‏ ‏التى ‏تبدو‏ ‏منها‏ ‏السماء‏ ‏وهى ‏تتوارى ‏وراء‏ ‏المساء‏، ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ “‏دينا‏” ‏له‏ ‏طقوس‏ ‏وأنغام‏، ‏ويمكن‏ – ‏وهذا‏ ‏مستبعد‏ ‏نسبيا‏ – ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏اغترابا‏ ‏له‏ ‏أيضا‏ ‏فعل‏ ‏التنويم‏ ‏والتسكين‏، ‏وأما‏ ‏الشفاء‏ ‏من‏ ‏الهم‏ ‏والغم‏ (أو اختفاؤهما) ‏فهو‏ ‏يتحقق‏ ‏بالتوجهين‏ ‏معا‏: ‏ولكن‏ ‏واحدا‏ ‏إلى ‏أعلى ‏وواحدا‏ ‏إلى ‏أسفل‏، ‏يعزف‏ ‏اللحن‏ ‏العبادة‏ ‏التصعيدية‏ ‏فيزول‏ ‏الغم‏، ‏أو‏ ‏نتخدر‏ ‏ ‏بالإلهاء‏ ‏العامى ‏فيغوص‏ ‏الهم‏، ‏وشتان‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏، ‏لكن‏ ‏الاحتمالين‏ ‏قائمان‏.

أحلام دون تسميتها أحلاما:‏

على أن هناك فقرات فى الأصداء هى حلم دون تحديد أنها حلم مثل الفقرتين 58 و 71 (كمثالين)، نقرأ الفقرة الأولى:

58 – ‏همسة‏ ‏عند‏ ‏الفجر

‏ فى ‏مرحلة‏ ‏حاسمة‏ ‏من‏ ‏العمر‏ ‏عندما‏ ‏تنسم‏ ‏بى ‏الحب‏ ‏ذروة‏ ‏الحيرة‏ ‏والشوق‏ ‏همس‏ ‏فى ‏أذنى ‏صوت‏ ‏عند‏ ‏الفجر‏.‏

‏- ‏هنيئا‏ ‏لك‏ ‏فقد‏ ‏حم‏ ‏الوداع‏.‏

وأغمضت‏ ‏عينى ‏من‏ ‏التأثر‏ ‏فرأيت‏ ‏جنازتى تسير‏ ‏وأنا‏ ‏فى ‏مقدمتها‏ ‏أسير‏ ‏حاملا‏ ‏كأسا‏ ‏كبيرة‏ ‏مترعة‏ ‏برحيق‏ ‏الحياة‏.‏

ها‏ ‏هى ‏الأصداء‏ ‏تصدح‏ ‏من‏ ‏جديد‏: ‏تتكثف‏ ‏اللحظات‏ ‏فى ‏ذروة‏ ‏الحيرة‏، ‏ويصّاعد‏ ‏الحب‏، ‏لا‏ ‏إلى ‏ذروة‏ ‏السعادة‏ ‏بل‏ ‏إلى ‏ذروة‏ ‏أروع‏، ‏ذروة‏ ‏الحيرة‏ ‏والشوق‏، ‏فنتعلم‏ ‏التمييز‏ ‏بين‏ ‏حب‏ ‏مخدر‏ ‏حتى ‏السعادة‏ ‏وبين‏ ‏حب‏ ‏منتش‏ ‏بالحيرة‏ ‏مَحُوط‏ ‏بالشوق‏، ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏عند‏ ‏الفجر‏: ‏البداية‏ ‏الباكرة‏ ‏المشقشقة‏، ‏فتولد‏ ‏الحياة‏ – ‏كما‏ ‏عودنا‏ ‏محفوظ‏- ‏من‏ ‏الموت‏، ‏نعم‏: ‏عادت‏ ‏الأصداء‏ ‏تمزج‏ ‏الحلم‏ ‏بالحسم‏ ‏وتجسد‏ ‏الموت‏، ‏وتشق‏ ‏الذات‏ ‏البشريهة ‏ليعلن‏ ‏الواحد‏ ‏منا‏ ‏نهاية‏ “‏مرحلة‏ ‏حاسمة‏ ‏من‏ ‏العمر‏”، ‏ويشاهد‏ ‏نفسه‏ ‏بنفسه‏، ‏وهو‏ ‏يتقدم‏ ‏المشيعين‏ ‏حاملا‏ ‏دلالات‏ ‏ولادته‏ ‏الجديدة‏ “‏الكأس‏ ‏المترعة‏ ‏برحيق‏ ‏الحياة‏”، ‏ثم‏ ‏يؤكد‏ ‏ضمنا‏ ‏ما‏ ‏ذهب‏ ‏إليه‏ ‏إدوارد‏ ‏الخراط‏ ‏فى ‏“يقين‏ ‏العطش” ‏[21]  ‏من‏ ‏أن‏ ‏الارتواء‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏اليقين‏، ‏وإنما‏ ‏تعميق‏ ‏الحيرة‏ ‏والشوق‏ ‏أبدا‏. نقرأ معا المثال الثانى:

71- ‏اللؤلؤة

‏”‏جاءنى ‏شخص‏ ‏فى ‏المنام‏ ‏ومد‏ ‏لى ‏يده‏ ‏بعلبة‏ ‏من‏ ‏العاج‏ ‏قائلا‏: ‏تقبل‏ ‏الهدية‏. ‏ولما‏ ‏صحوت‏ ‏وجدت‏ ‏العلبة‏ ‏على ‏الوسادة‏. ‏فتحتها‏ ‏ذاهلا‏ ‏فوجدت‏ ‏لؤلؤة‏ ‏فى ‏حجم‏ ‏البندقة‏. ‏بين‏ ‏الحين‏ ‏والحين‏ ‏أعرضها‏ ‏على ‏صديق‏ ‏أو‏ ‏خبير‏ ‏وأسأله‏ : “‏ما‏ ‏رأيك‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏اللؤلؤة‏ ‏الفريدة‏؟”‏.

“‏فيهز‏ ‏الرجل‏ ‏رأسه‏ ‏ويقول‏ ‏ضاحكا‏:،”‏أى ‏لؤلؤة‏.. ‏العلبة‏ ‏فارغة‏”. ‏وأتعجب‏ ‏من‏ ‏إنكار‏ ‏الواقع‏ ‏الماثل‏ ‏لعينى.‏

‏ ‏ولم‏ ‏أجد‏ ‏حتى ‏الساعة‏ ‏من‏ ‏يصدقنى. ‏ولكن‏ ‏اليأس‏ ‏لم‏ ‏يعرف‏ ‏سبيله‏ ‏إلى ‏قلبى.”‏

الحلم‏ – ‏كما‏ ‏سبق‏ ‏أن‏ ‏أشرت‏ ‏من‏ ‏قبل‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏بالضرورة‏ ‏ما‏ ‏يحدث‏ ‏أثناء‏ ‏النوم‏، ‏ولكنه‏ “‏العالم‏ ‏الآخر‏” ‏بشكل‏ ‏ما‏، ‏وحلم‏ ‏هذه‏ ‏الفقرة‏ ‏يكشف‏ ‏عن‏ ‏تركيبة‏ ‏بشرية‏ ‏أساسية‏ ‏وعميقة‏، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏هى ‏من‏ ‏أبعد‏ ‏المناطق‏ ‏عن‏ ‏الدراسة‏ ‏والبحث‏، ‏والفرض‏ ‏الذى ‏أطرحه‏ ‏لقراءة هذه الفقرة‏ ‏يقول‏:‏

إن‏ ‏الوجود‏ ‏البشرى، ‏مهما‏ ‏عرفنا‏ ‏أبعاده‏ ‏ومراميه‏ ‏وتركيباته‏ ‏وأقطابه‏ ‏لايحكمه‏ ‏وينظمه‏ – ‏فقط‏ – ‏ما‏ ‏نعرف‏ ‏عنه‏، ‏لأن‏ ‏ثمة‏ ‏منطقة‏ ‏مجهولة‏ ‏تـسـقط‏ ‏أحيانا‏ ‏إلى ‏الخارج‏ (‏منذ‏ ‏الفاكهة‏ ‏المحرمة‏ ‏فى ‏الجنة‏ ‏حتى ‏حكاوى ‏الأساطير‏)، ‏أو‏ ‏تظل‏ ‏قابعة‏ ‏فى ‏الداخل‏ (‏نسميها‏ ‏أحيانا‏ “‏الذات‏” ‏ونظل‏ ‏نبحث‏ ‏عن‏ ‏تحقيق‏ ‏الذات‏ ‏دون‏ ‏تحديد‏ ‏عادة‏ ‏لأى ‏ذات‏ ‏تلك‏ ‏التى ‏نحاول‏ ‏تحقيقها‏) ‏أو‏ ‏هى -هذه‏ ‏المنطقة‏ ‏الأخرى- ‏تـُفعلن‏ ‏لتعيد‏ ‏تنظيم‏ “‏الممكن‏ ‏من‏ ‏المتاح‏”، ‏وهى ‏هى ‏مصدر‏ ‏طاقة‏ ‏الإبداع‏ ‏المتجدد‏ ‏باعتبار‏ ‏أن‏ ‏الإبداع‏ ‏هو‏ ‏البحث‏ ‏المتصل‏ ‏فى ‏اتجاه‏ ‏استكشاف‏ ‏مجهول‏ ‏ليصبح‏ ‏معلوما‏ ‏جزئيا‏ ‏يؤدى ‏إلى ‏مجهول‏ ‏أكبر‏، ‏معلوما‏ ‏ناقصا‏، ‏فمجهول‏ ‏أكبر‏، ‏وهكذا‏..، ‏وهذه‏ ‏المنطقة‏ ‏الأساسية‏ ‏والمحورية‏ ‏والخاصة‏ ‏ليس‏ ‏لها‏ ‏اسم‏، ‏وهى ‏مرتبطة‏ ‏ارتباطا‏ ‏وثيقا‏ -‏من‏ ‏وجهة‏ ‏نظر‏ ‏هذا‏ ‏الفرض‏- ‏بمفهوم‏ ‏الغيب‏، ‏وعندى ‏أن‏ ‏الإيمان‏ ‏بالغيب‏ (‏تدينا‏) ‏هو‏ ‏من‏ ‏قبيل‏ ‏الاعتراف‏ ‏الذاتى ‏بهذه‏ ‏المنطقة‏ ‏الأساسية‏ ‏الجاذبة‏ ‏الموجـهة‏ ‏المفجـرة‏ ‏المجهولة‏، ‏وهى ‏منطقة‏، ‏أو‏ ‏مساحة‏، ‏أو‏ ‏جوهر‏، ‏بدون‏ ‏اسم‏: ‏اسماها‏ ‏سعد‏ ‏الله‏ ‏ونوس‏ ‏”الماسة”‏، ‏وأسماها‏ ‏محفوظ‏ ‏هنا‏ “‏اللؤلؤة”‏، ‏وهو‏ ‏نفس‏ ‏الاسم‏ ‏الذى ‏أطلقته‏ ‏عليها‏ ‏فى ‏قصيدة‏ ‏قديمة‏ ‏لى ‏لم‏ ‏تنشر‏، ‏ويبدو‏ ‏أن‏ ‏جذب‏ ‏هذا‏ ‏الاسم‏ ‏يرجع‏ ‏لأن‏ ‏اللؤلؤ‏ ‏يكمن‏ ‏داخل‏ ‏جوف‏ ‏القوقع‏، ‏والناظر‏ ‏من‏ ‏خارج‏ ‏لايراه‏ ‏أصلا‏ ‏رغم‏ ‏أنه‏ ‏هو‏ ‏المطلوب‏ ‏أولا‏ ‏وأخيرا‏. [22]

أما‏ ‏لماذا‏ ‏لايرى‏ ‏الآخرون‏ ‏اللؤلؤة، فلسببين، ربما: ‏الأول‏ ‏أن‏ ‏صاحبها‏ ‏نفسه‏ ‏يراها‏ ‏بعين‏ ‏اليقين‏، ‏لا‏ ‏بعين‏ ‏الواقع‏، ‏فهو‏ ‏لا‏ ‏يراها‏ ‏تحديدا‏ ‏متصلا‏ ‏وإنما‏ ‏حضورا‏ ‏واجبا‏ ‏واعدا‏، ‏والثانى ‏أنها‏ ‏لا‏ ‏تـرى ‏أبدا‏ ‏من‏ ‏الخارج‏ ‏وإنما‏ ‏الذى ‏يرى ‏منها‏ ‏ليس‏ ‏سوى ‏آثارها‏ ‏الإيجابية‏ (‏الإبداع‏) ‏أو‏ ‏آثارها‏ ‏السلبية‏ ‏بواسطة‏ ‏محاولة‏ ‏إخفائها‏ ‏بأعراض‏ ‏مرضية‏، ‏أو‏ ‏بموقف‏ ‏سلبى ‏من‏ ‏الآخرين‏.‏

ثم‏ ‏عدت‏ ‏أتوقف‏ ‏عند‏ ‏أن‏ ‏صاحبنا‏ ‏تلقاها‏ “‏هدية‏” ‏فى ‏حين‏ ‏أن‏ ‏ما‏ ‏سبق‏ ‏من‏ ‏فرض‏ ‏يؤكد‏ ‏أنها‏ ‏موجودة‏ ‏كامنة‏ ‏واعدة‏ ‏من‏ ‏البداية‏ ‏عند‏ ‏كل‏ ‏الناس‏ ‏بلا‏ ‏استثناء‏، ‏ثمة‏ ‏من‏ ‏يلغيها‏ ‏أصلا‏، ‏وثمة‏ ‏من‏ ‏يسمع‏ ‏عنها‏ ‏فينكرها‏، ‏وثم ‏من‏ ‏يستبدلها‏ ‏بمثيلتها‏ ‏من‏ ‏اللؤلؤ‏ ‏المزيف‏ -خشية‏ ‏السرقة‏- ‏فلا‏ ‏يتمتع‏ ‏بها‏ ‏أصلا‏، ‏فلماذا‏ ‏وردت‏ ” ‏اللؤلؤة‏” ‏فى ‏هذه‏ ‏الفقرة‏ ‏كهدية‏ (‏من‏ ‏الخارج‏)‏؟‏ ‏

تفسيرى ‏لذلك‏ ‏أن‏ ‏الهدية‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏هى ‏اللؤلؤة‏، ‏وإنما‏ “‏الوعى ‏بها‏” ‏وبقيمتها‏ ‏وطبيعتها‏ ‏الخاصة‏ ‏الخفية‏، ‏و‏ “‏البديع‏” ‏أعلم‏…‏

(2) فيضان‏ ‏طبقات‏ ‏الوعى

فى مجموعة، وقصة، “رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم [23]

…..

عن ‏الوجود‏ ‏و‏ الحلم‏ ‏

الحلم‏ ‏ليس‏ ‏وجودا‏ ‏سلبيا، ‏أو‏ ‏هو‏ ‏ليس‏ ‏نفيا‏ ‏للوجود، ‏ولكنه‏ ‏وجود‏ ‏آخر، ‏وجود‏ ‏مـناوِب،

‏والإنسان‏ ‏ليس‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يعى، ‏وانما‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏يتكامل‏ ‏بتوليفه‏ ‏من‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى: ‏بعضها‏ ‏فى ‏مركز‏ ‏وعى ‏اليقظة، ‏وبعضها‏ ‏على ‏هوامش‏ ‏وعى ‏اليقظة، ‏وبعضها “‏وعى‏” ‏الحلم، ‏وبعضهما‏ ‏وعى ‏النوم‏! (‏بلا‏ ‏حلم‏)، ‏وغير‏ ‏ذلك‏ ‏مما‏ ‏لا‏ ‏مجال‏ ‏لتفصيله‏ ‏هنا‏.‏

‏ ‏ولهذه‏ ‏المقدمة‏ ‏المختصرة‏ ‏أهمية‏ ‏فائقة‏ ‏للنظر‏ ‏إلى ‏أحلام‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏سواء‏ ‏ما‏ ‏وردت‏ ‏تحت‏ ‏عنوان “‏حلم‏”، ‏أو‏ ‏ما‏ ‏اقتحم‏ ‏بها‏ ‏وعى ‏اليقظة‏ ‏دون‏ ‏إشارة‏ ‏محددة‏ ‏إلى ‏طبيعتها‏ ‏الأخرى‏.‏

هذا، ‏ولا‏ ‏يمكن‏ ‏تصنيف‏ ‏هذه‏ ‏المجموعة، ‏حتى ‏القصة‏ ‏الأخيرة‏ ‏منها‏ ‏تحت‏ ‏ما‏ ‏يسمى “‏أدب‏ ‏الحلم‏”.‏

أولا‏: ‏لأن‏ ‏أدب‏ ‏الحلم‏ ‏لم‏ ‏تتحدد‏ ‏معالمه‏ ‏نهائيا‏..‏

وثانيا‏: ‏لأن‏ ‏هناك‏ ‏تداخل‏ ‏حقيقى ‏بين‏ ‏ما‏ ‏يسمى “‏أدب‏ ‏الحلم‏”، ‏وأدب “‏تيار‏ ‏الوعي‏” ‏أو‏ ‏حتى “‏تيار‏ ‏اللاوعي‏”، ‏ولعل‏ ‏تجربة‏ ‏محفوظ‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏العمل، ‏ومن‏ ‏قبل‏ ‏فى ‏ليالى ‏ألف‏ ‏ليلة‏ ‏هى ‏محاولة‏ ‏للتزاوج [24] ‏بين‏ ‏أدب‏ ‏الأسطورة‏ ‏وأدب “‏الوعى ‏الآخر”، ‏أو‏ ‏دعنا‏ ‏نتقدم‏ ‏لنسميه‏ ‏أدب “‏تعدد‏ ‏مستويات‏ ‏الوعي‏”، (كما أشرنا).

نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏يعلـمنا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏حدسه‏ ‏الفنى ‏وقدرته‏ ‏الروائية‏ ‏معا‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏سبقت‏ ‏الإشارة‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الحلم‏ ‏هو‏ ‏وجود‏ ‏كامل‏ ‏فى ‏ذاته، ‏قائم‏ ‏بذاته، ‏وهو‏ ‏وجود‏ ‏غير‏ ‏رمزى ‏بالضرورة، ‏بل‏ ‏هو ‏-‏أيضا‏-‏رؤية‏ ‏ورؤى ‏عيانية‏ ‏مباشرة، ‏ودلالة‏ ‏عنوان‏ ‏المجموعة “‏رأيت‏…‏الخ‏” ‏ربما تشير إلى‏ ‏ذلك، ‏والنوم‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏اليقظة‏ ‏الأخرى، ‏والتداخل‏ ‏المتبادل‏ ‏يتضح‏ ‏مباشرة‏ ‏فى قصة “العين‏ ‏و‏‏الساعة” من مجموعة “رأيت فيما يرى النائم”:‏

‏”‏ومع‏ ‏أن‏ ‏الموقف‏ ‏كله‏ ‏تسربل‏ ‏بغشاء‏ ‏منسوج‏ ‏من‏ ‏الأحلام، ‏غير‏ ‏أنه‏ ‏هيمن‏ ‏على ‏بقوة‏ ‏طاغية‏ [25]  ‏فامتلأ‏ ‏القلب‏ ‏بأشواق‏ ‏التطلع‏ ‏والانتظار‏ ‏وآلامهما‏ ‏الجامعة‏ ‏بين‏ ‏الترقب‏ ‏والعذوبة “. ويؤكد‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏نائما‏! ‏إذ‏ ‏يردف‏ ‏فورا‏: ” ‏ولم‏ ‏أنم‏ ‏الليلة‏ ‏ساعة‏ ‏واحدة ” ‏ولكنه‏ ‏يعود‏ ‏فيؤكد‏ ‏حالة‏ ‏الخيال‏ ‏وحرية‏ ‏تجواله‏: “‏وظل‏ ‏خيالى ‏يجوب‏ ‏أرجاء‏ ‏الزمان‏ ‏الشامل‏ ‏للماضى ‏والحاضر‏ ‏والمستقبل‏ ‏معا‏ ‏ثملا‏ ‏بخمر‏ ‏الحرية‏ ‏المطلقة ” (‏ص‏113)،  ‏[26]

 ‏فالناتج‏ ‏الطبيعى ‏هنا‏ ‏لإطلاق‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى “‏معا‏” ‏هو‏ ‏حرية‏ ‏تمازج‏ ‏المحتوى ‏فى ‏لعب‏ ‏وحضور‏ ‏وتنقـــل‏ ‏سهل‏ ‏خطر‏ ‏فى ‏آن‏.

 ‏وعلى ‏ذلك‏ ‏نمسك‏ ‏بمفردات‏ ‏المجموعة‏ ‏من‏ ‏الأول‏: ‏ونحن‏ ‏نرى ‏تداخل‏ ‏المستويات‏ ‏فى “‏العين‏ ‏والساعة” ‏وفى “من‏ ‏فضلك‏ ‏وإحسانك” ‏وفى “الليلة‏ ‏المباركة” حتى “رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم“، ‏ولكننا‏ ‏قد‏ ‏نواجه‏ ‏الفصل‏ ‏القاطع‏ ‏بين‏ ‏مستوى ‏وآخر‏ ‏مثلما‏ ‏فى “‏أهل‏ ‏الهوى‏” ‏حيث‏ ‏يظل‏ ‏الماضى ‏محظورا‏ ‏تحت‏ ‏وطأة‏ ‏تاريخ‏ ‏إرهاب‏ ‏ذئاب‏ ‏القبو‏.

وهنا‏ ‏يجدر‏ ‏بنا‏ ‏أن‏ ‏نعرج‏ ‏إلى ‏استطراد‏ ‏واجب‏: ‏وهو‏ ‏توظيف‏ ‏محفوظ‏ ‏للحلم، ‏والجنون، ‏والسكر، ‏والمخدرات، ‏لتفكيك‏ ‏التركيب‏ ‏البشرى ‏شبه‏ ‏الواحدى ‏إلى ‏مكوناته‏ ‏المتعددة، ‏فهو‏ ‏إذ‏ ‏يطلق‏ ‏سراح‏ ‏التعدد‏ ‏لا‏ ‏يترك‏ ‏الأمر‏ ‏فوضى ‏بلا‏ ‏دلالة، ‏بل‏ ‏يؤلف‏ ‏بين‏ ‏المستويات‏ ‏والمحتويات‏ ‏بشكل‏ ‏سلس‏ ‏وقادر، ‏ويضيف‏ ‏بحدسه‏ ‏الى ‏ما‏ ‏يجدر “‏بالعلم‏” ‏أن‏ ‏يضعه‏ ‏جادا‏ ‏فى ‏الاعتبار‏، ومثال ذلك:‏

يصوّر محفوظ‏ ‏تصويره‏ ‏عالم‏ ‏العفاريت‏ ‏بأنها “‏وجود‏” ‏يحل‏ ‏بثقل‏ ‏حقيقى، ‏وهو يكاد‏ ‏من‏ ‏دقة‏ ‏تصويره‏ ‏له‏ ‏أن‏ ‏نحس‏ ‏به‏ ‏ثقلا‏ ‏ماديا‏ ‏ملموسا، ‏وبذلك‏ ‏لا‏ ‏يعود‏ ‏العفريت‏ ‏هو‏ ‏ذلك‏ ‏الانشقاق‏ ‏المغترب‏ ‏الذى ‏يأتى ‏من‏ ‏بعيد، ‏أو‏ ‏ذلك‏ ‏الرمز‏ ‏المجهول‏ ‏من‏ ‏عالم‏ ‏آخر، ‏وإنما‏ ‏هو‏ (‏العفريت “‏برجوان‏” ‏مثلا‏).

 “وجود‏ ‏جديد، ‏ثمرة‏ ‏للرغبة‏ ‏الحارة‏ ‏المستميتة، ‏كحضور‏ ‏ذى ‏وزن‏ ‏ملأ‏ ‏فراغ‏ ‏الخلوة‏ ‏بثقله‏ ‏غير‏ ‏المرئى‏” ‏”أهل‏ ‏الهوى”(‏ص‏20).‏

وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏فهو‏ ‏يعلن‏ ‏طبيعة‏ ‏مثل‏ ‏هذا‏ ‏الوجود‏ ‏المتجسد‏ ‏إذ‏ ‏هى ‏من‏ ‏تراكيب‏ ‏الداخل‏ ‏أساسا

“‏وشع‏ ‏نور‏ ‏فى ‏الباطن‏ ‏فتجسد‏ ‏فى ‏مثال” “‏العين‏ ‏والساعة”(ص 11)‏.‏

ومحفوظ‏ ‏بذلك‏ ‏يتقدم‏ ‏خطوة‏ ‏تنويرية‏ ‏ليواجه‏ ‏مشكلة‏ ‏اغترابية‏ ‏طالما‏ ‏شقت‏ ‏الإنسان‏ ‏وأسقطت‏ ‏سائر‏ ‏مركباته‏ ‏إلى ‏خارجه، ‏فما‏ ‏الجان‏ ‏أو‏ ‏العفريت‏ ‏أو‏ ‏الخيال‏ ‏إلا “‏حضور‏” ‏مقتحم، ‏أو “‏حضور‏” ‏بديل، ‏أو‏ ‏حضور‏ ‏مجسد، ‏لبعض‏ ‏تراكيب‏ ‏الداخل‏ ‏اذ‏ ‏تنطلق‏ ‏من‏ ‏إسار “وحدة” ‏هشة‏.‏

‏ ‏وفى “‏الليلة‏ ‏المباركة” “تبدأ‏ ‏القصة‏ ‏بإعلان‏ ‏الخمّار‏ ‏عن‏ ‏حلمه”،

“بأن‏ ‏هدية‏ ‏ستسدى ‏الى ‏صاحب‏ ‏الحظ‏ ‏السعيد” (‏ص‏125)،

 ‏يعلنها‏ ‏فى ‏جو‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ ‏التحاور‏ ‏باللفظ‏ ‏العام‏ ‏والكلام‏ ‏المألوف، ‏وإنما‏ ‏يمارس‏ ‏التناجى “‏فى ‏الباطن‏” ‏والتحاور “‏بالنظرات‏”، ‏وتمضى ‏القصة‏ ‏كلها‏ ‏فى ‏نقلات‏ ‏سريعة‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏الصور‏ ‏منها‏ ‏إلى ‏السرد‏ ‏اللفظى ‏أو‏ ‏التسلسل‏ ‏المنطقى، ‏وهى ‏لغة‏ ‏الحلم‏ ‏الغالبة‏ ‏حيث‏ ‏الحلم‏ ‏صور‏ ‏وحضور‏ ‏عيانى ‏متلاحق‏ ‏ومكثف، ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏رمزا‏ ‏ودلالة، ‏ويتضح‏ ‏ذلك‏ ‏بشكل‏ ‏مباشر‏ ‏ومكرر‏ ‏فى “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” فى هذه المجموعة القصصية.‏

خلاصة‏ ‏القول‏: ‏إن‏ ‏حدس‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏قد‏ ‏استطاع‏ ‏بشكل‏ ‏فائق‏ ‏أن‏ ‏يقتحم‏ ‏التركيب‏ ‏البشرى ‏بنشاطه‏ ‏المتناوب‏ ‏وإسقاطاته‏ ‏المجسمة، ‏وأن‏ ‏ينسج‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏ ‏رؤية‏ ‏قصصية‏ ‏لها‏ ‏وظيفتها‏ ‏التحريكية‏ ‏الكشفية‏: ‏قبل‏ ‏وبعد‏ ‏محتواها‏ ‏الدلالى ‏والرمزى، ‏وهو‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏يواكب‏ ‏ويسبق‏ ‏المنظور‏ ‏التركيبى ‏للذات‏ ‏البشرية، ‏ويتجاوز‏ ‏المفهوم‏ ‏الدينامى ‏التقليدى، ‏كما‏ ‏يتجاوز‏ ‏أيضا‏ -‏دون‏ ‏تخط‏ ‏أو‏ ‏تعسف‏-‏ التركيز‏ ‏على ‏المحتوى ‏الرمزى ‏لطبقات‏ ‏الشعور، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏قد‏ ‏يذهب‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏أعماله‏ ‏إلى ‏المبالغة‏ ‏فى ‏الرمزية‏ ‏لأسباب‏ ‏محلية‏ ‏ومرحلية‏ ‏تتعلق‏ ‏بحرية‏ ‏الفكر‏ ‏فى ‏مرحلة‏ ‏تطورنا‏ ‏الحالى، ‏فإن‏ ‏استعماله‏ ‏للرمز‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المجموعة‏ ‏كان‏ ‏له‏ ‏طابعه‏ ‏الخاص، ‏وتوظيفه‏ ‏الجديد‏:‏

عن‏ ‏الرمز‏ ‏فى المجموعة، وبالذات فى “رأيت فيما يرى النائم”

اقتحم‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏مستويات‏ ‏الوعى ‏الأخرى ‏حتى ‏تبينت‏ ‏له‏ ‏معالمها “‏كما‏ ‏هى‏” فى تكامل طبقات الوعى وتناغم النصفين الكرويين للدماغ، ‏ولكن‏ ‏القارئ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏بسهولة حتى فى هذا العمل‏ ‏أن‏ ‏يخلــص‏ ‏نفسه‏ ‏من‏ ‏التقاط‏ ‏الإشارات‏ ‏الدالة‏ ‏على ‏رموز‏ ‏شائعة‏ ‏فى ‏كتابات‏ ‏محفوظ‏ ‏السابقة‏ ‏بصفة‏ ‏عامة، ‏وتلاحقنا‏ ‏هذه‏ ‏الدلالات‏ ‏سواء‏ ‏قصد‏ ‏إليها‏ ‏محفوظ‏ ‏واعيا، ‏أو فرضت‏ ‏نفسها‏ ‏عليه‏ ‏فى ‏أثناء‏ ‏إبداعه‏ ‏وهو‏ ‏يكشف‏ ‏الغطاء‏ ‏عن‏ ‏طبقات‏ ‏الوعى ‏الأخرى، ‏وقد‏ ‏ترجع‏ ‏بعضها‏ ‏أو‏ ‏جميعها‏ ‏الى ‏إسقاطات‏ ‏القارئ ‏نفسه‏ ‏ناقدا‏ ‏كان‏ ‏أو‏ ‏متلقيا‏ ‏عاديا‏.‏

ولنبدأ‏ ‏بالقصة‏ ‏الأولى ‏كمثال‏ ‏وتحد‏ ‏معاً‏:‏

فالمغزى ‏المباشر‏ ‏يقول‏ ‏إن‏ ‏القبو‏ ‏هو‏ ‏الرحم، ‏وأن‏ ‏السائر‏ ‏على ‏أربع‏ ‏هو‏ ‏الطفل، ‏وأن‏ ‏المسيرة‏ ‏كلها‏ ‏هى ‏الحياة‏ ‏الفردية‏ ‏المحدودة، ‏وأن‏ ‏النهاية‏ ‏هى ‏كفن‏ ‏أسود “‏متلفعا‏ ‏فى ‏عباءته‏ ‏السوداء” (‏ص‏45) ‏وقد‏ ‏أوتى ‏الكتاب‏ ‏بشماله “‏حاملا‏ ‏بيسراه‏ ‏حقيبة‏ ‏متوسطة‏ ‏الحجم” (‏ص‏45)، ‏وبالتالى ‏تكون‏ ‏نعمة‏ ‏الله‏ ‏الفنجرى ‏هى ‏الدنيا‏ [27]، ‏وتكون‏ ‏علاقة‏ ‏عبدالله‏ ‏بنعمة‏ ‏الله‏ ‏هى ‏علاقة‏ ‏الامتحان‏ ‏الذى ‏ابتلى ‏به‏ ‏ابن‏ ‏آدم‏ (‏ابن‏ ‏ناس‏) ‏وهو‏ ‏يغترف‏ ‏من‏ ‏إغراءات‏ ‏الحياة‏ ‏الدنيا، ‏ويفشل‏ ‏عبد‏ ‏الله‏ ‏نتيجة‏ ‏انسياقه‏ ‏إلى ‏التمادى ‏فى ‏الطبقة‏ ‏السطحية‏ ‏من‏ ‏اللذة‏ ‏الواعدة‏ ‏بالخلود‏ ‏الزائف، ‏وكذلك‏ ‏نتيجة‏ ‏لتاريخ‏ ‏قاهر‏ ‏غاب‏ ‏عنه‏ ‏مع‏ ‏ما‏ ‏غاب‏ ‏من‏ ‏ذاكرته‏.

‏ ‏ولكن‏:‏

ما‏ ‏علاقة “‏الدنيا‏ ‏اللذة‏” ‏بذئاب‏ ‏القبو؟‏ ‏وما‏ ‏علاقتها‏ ‏بالعفاريت؟‏ ‏وما‏ ‏علاقتها‏ ‏بمستويات‏ ‏الغرائز؟‏ ‏

إن‏ ‏الاجابة‏ ‏عن ‏هذه‏ ‏الأسئلة‏ ‏تمنعنا‏ ‏من‏ ‏القفز‏ ‏إلى ‏اختزال‏ ‏رمزى ‏مسطح‏.‏

ومع‏ ‏ذلك، ‏فالدنيا‏ (‏نعمة‏ ‏الله‏ ‏الفنجرى) ‏تستعمل‏ ‏عذوبة‏ ‏الفطرة‏ ‏وقوتها‏ ‏للأغراض‏ ‏الأدنى ‏دون‏ ‏فرص‏ ‏النمو‏ ‏الأعقد، ‏وتستعمل‏ ‏الدين‏ ‏للتخفيف‏ ‏والتطويع “الفتى ‏يساق‏ ‏كل‏ ‏عصر‏ ‏لتلقى ‏دروس‏ ‏الدين” (‏ص‏14)، “المهم‏ ‏أن‏ ‏تعلمه‏ ‏كيف‏ ‏يخاف” (‏ص‏14)، ‏وبذا‏ ‏يناسب‏ ‏مقاس‏ ‏الدنيا‏ ‏لا‏ ‏أطول‏ ‏ولا‏ ‏أقصر‏، ‏والدنيا‏ ‏تستعمل‏ ‏الغريزة‏ ‏فى ‏عملية‏ ‏ترويض‏ ‏وسلب‏ ‏نكوصى، ‏ولا‏ ‏تطلقها‏ ‏فى ‏عمليات‏ ‏التطوير‏ ‏والتكامل‏، ‏وبذا‏ ‏تصبح‏ ‏الفطرة “‏براءة‏ ‏عمياء‏” ‏وتصبح‏ ‏الغريزة‏ ‏زوابع‏ ‏تنحنى ‏لها‏ ‏ثم‏ ‏تركبها، ‏ثم‏ ‏هى ‏تستعمل‏ ‏الذكاء‏ (‏السحر‏) ‏لتسيطر‏ ‏على ‏العدوان‏ ‏لصالح‏ ‏أغراضها‏.‏

فالعدوان‏ ‏فى ‏الظلام‏ ‏ذئب‏ ‏كاسر، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فهو‏ ‏تحت‏ ‏رحمتها، ‏على ‏أن‏ ‏ثم‏ ‏عدوانا‏ ‏آخر‏ ‏تخاف‏ ‏منه، ‏وهو‏ ‏عدوان‏ ‏الفطرة‏ ‏الزوبعة‏ ‏التى ‏لا‏ ‏تخاف‏ ‏ولا‏ ‏تروض‏ ‏إلا‏ ‏بالقمع‏ ‏بدروس‏ ‏الدين‏ (‏وليس‏ ‏بالدين‏)، ‏وبالانهماك‏ ‏الجنسى ‏وليس‏ ‏الارتواء‏ ‏الجنسى، ‏ثم‏ ‏هى ‏فى ‏النهاية ” ‏تعشق‏ ‏حتى ‏الموت، ‏وعشقها‏ ‏لادواء‏ ‏له “(‏ص‏19) ‏فهى ‏العشق‏ ‏الموت‏ ‏أى ‏هى ‏الموت‏.‏

ورغم‏ ‏كل‏ ‏ذلك، ‏فإنى ‏لست‏ ‏راضيا‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏الاستعمال‏ ‏الرمزى، ‏أو‏ ‏هذا‏ ‏التفسير‏ ‏الرمزى، ‏وكلما‏ ‏وجدت‏ ‏حلقة‏ ‏مفقودة‏ ‏فى ‏التسلسل، ‏أو‏ ‏ثغرة‏ ‏ضعيفة‏ ‏فى ‏التفسير، ‏زاد‏ ‏أملى ‏فى ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏مخطئا‏ ‏وأن‏ ‏تتخطانى ‏المسألة‏ ‏برمتها‏ ‏دون‏ ‏تفسير [28]‏ .‏

‏ ‏وقد‏ ‏يظهر‏ ‏الرمز‏ ‏جزئيا‏ ‏بشكل‏ ‏متواضع‏ ‏فى ‏لمحة‏ ‏عابرة‏ ‏مثل‏ ‏رؤية‏ ‏عبد‏ ‏الفتاح “صورته‏ ‏على ‏ضوء‏ ‏البطارية‏ ‏الخافت‏ ‏جسما‏ ‏بلا‏ ‏رأس” (‏ص‏65) ‏ثم‏ ‏بحثه‏ ‏عنه‏ ‏داخل‏ ‏الدولاب‏ ‏وكذا رؤية “‏بدله‏ ‏المعلقة‏ ‏مشتبكة‏ ‏فى ‏معركة‏ ‏بالأيدى ‏والأرجل” (‏ص‏66) ‏بما‏ ‏يكاد‏ ‏يشير‏ ‏مباشرة‏ ‏الى ‏ذهاب‏ ‏وحدة‏ ‏العقل‏ ‏بالتفكك‏ ‏إلى ‏وحداته‏ ‏الأولية‏ (‏ذواته‏) ‏المتصارعة‏ ‏المتشابكة‏ ‏بلا‏ ‏رئيس‏ ‏أو‏ ‏رأس‏ ‏منظم‏.‏

وكذلك‏ ‏ما‏ ‏ذهب‏ ‏إليه‏ ‏وأعلنه‏ ‏من‏ ‏ترادف‏ ‏بين فقد‏ ‏البيت ‏وفقد‏ ‏العقل “‏أفقدت‏ ‏بيتى ‏أم‏ ‏فقدت‏ ‏عقلى” (‏ص127) ‏مما‏ ‏يحمل‏ ‏جرعة‏ ‏زائدة‏ ‏من “‏المباشرة‏”.‏

لكن‏ ‏الإلحاح‏ ‏على ‏الرمز‏ ‏بقدر‏ ‏مفرط‏ ‏من‏ ‏المباشرة‏ ‏قد‏ ‏يصل‏ ‏الى ‏صورة‏ ‏مرفوضة‏ ‏تماما‏ [29]  ‏مثلما‏ ‏أوْضَحَت‏ْْ ‏أضعف‏ ‏قصص‏ ‏المجموعة “‏قسمتى ‏و‏‏نصيبي‏”، ‏فشتان‏ ‏بين‏ ‏الصورة‏ ‏الرمزية‏ ‏لهذا‏ ‏الانقسام‏ ‏فى ‏الفكر‏ ‏و‏العقل‏ ‏دون‏ ‏بقية‏ ‏الجسد، ‏وبين‏ ‏التعدد‏ ‏الذى ‏ظهر‏ ‏فى “‏العين‏ ‏والساعة‏”، ‏وبدرجة‏ ‏أقل‏ ‏فى “‏الليلة‏ ‏المباركة‏” ‏أو “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏”، ‏لكن‏ ‏الجدير‏ ‏أن‏ ‏نحترم‏ ‏قدرة‏ ‏محفوظ‏ ‏على ‏تنبيهنا‏- ‏ولو‏ ‏برمز‏ ‏مباشر‏- ‏إلى ‏طبيعة‏ ‏جديدة‏ ‏لانقسام‏ ‏الكيان‏ ‏البشرى، ‏ليس بين‏ ‏عقل‏ ‏وعاطفة‏، ‏أو‏ ‏بين‏ ‏شر‏ ‏وخير، ‏أو‏ ‏بين‏ ‏ضمير ومذنب، ‏وإنما‏ ‏جعلها‏ ‏بين‏ ‏طبع‏ ‏عملى ‏انبساطى، “‏يفضل‏ ‏اللعب‏ ‏فوق‏ ‏السطح‏ ‏ومعاكسة‏ ‏السابلة‏ ‏والجيران‏” (‏ص‏92) ‏وطبع‏ ‏انطوائى ‏مفكر‏ ‏يحب‏ ‏أكثر‏ ‏فأكثر‏”‏مزيدا‏ ‏من‏ ‏القراءة‏ ‏والاطلاع‏”، ‏ويبدو‏ ‏أن‏ ‏تأثر‏ ‏محفوظ‏ ‏بيونج‏ [30]  ‏فى ‏هذه‏ ‏القصة‏ ‏كان‏ ‏له‏ ‏وضع‏ ‏خاص، ‏فقد‏ ‏رفض‏ ‏التوحد‏ ‏بالذوبان “‏ذوبان‏ ‏أحدكما‏ ‏فى ‏الآخر‏ ‏مرفوض” (‏ص‏94) ‏واجتهد‏ ‏فى ‏محاولة‏ ‏إلي‏”‏الوفاق‏” ‏بالحب‏ ‏بين‏ ‏النصفين‏ ‏وكأنه‏ ‏يعنى ‏تسويةً ‏ما،‏ ‏ولكنه‏ ‏لم‏ ‏يشر‏ ‏إلى ‏الأمل‏ ‏الأبعد‏ ‏فى ‏تكامل‏ ‏ولافى “‏بالتفرد” حسب لغة “يونج”‏individuation ‏وجعل‏ ‏القصة‏ ‏تستمر‏ ‏على ‏أنهما “‏نصفان‏” ‏وليسا‏ ‏وجهين‏ ‏أو‏ ‏تنظيمين‏ ‏أو‏ ‏بنيتين “‏فعاش‏ ‏كل‏ ‏منهما‏ ‏نصف‏ ‏حياة‏، ‏وتعلق‏ ‏بنصف‏ ‏أمل‏” (‏ص‏103).‏

‏وهذا‏ ‏أيضا‏ ‏من‏ ‏آثار‏ ‏تجزئة ‏الذات‏ ‏الى ‏أبعاضها‏ ‏دون‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏عمقها‏ ‏التركيبى ‏فى ‏شكل‏ ‏ذوات‏ (‏وليست‏ ‏أجزاءً‏ ‏أو‏ ‏أنصافاً‏) ‏متكاثفة‏ ‏متداخلة، ‏وبتقدم‏ ‏التباعد‏ ‏بين‏ ‏النصفيين‏ ‏يتحدد‏ ‏التنافر‏ ‏ويتعمق‏ ‏الشـــق‏ ‏النصفى ‏حتى ‏ينتهى ‏إلى ‏استقطاب‏ ‏مضيع ” ‏نحن‏ ‏مختلفان‏ ‏تماما” “‏فإنك‏ ‏ان‏ ‏اخترت‏ ‏الحكومة‏ ‏اخترت‏ ‏من‏ ‏فورى ‏المعارضة‏ ‏والعكس‏ ‏بالعكس ” (‏ص‏102).‏

وتمضى ‏القصة‏ ‏لتعلن‏ ‏أن‏ ‏القضاء‏ ‏على ‏أحدهما‏ ‏بالإلغاء “‏الموت‏ ‏فالتحنيط” ‏هو‏ ‏الكبت‏ ‏الغائر‏”‏موطن‏ ‏الحقيقة‏ ‏الباكية‏”(‏ص‏103) ‏فهو‏ ‏سيعوق‏ ‏النصف‏ ‏الحى ‏الباقى ‏ويهدده‏ ‏فيعيش” ‏تحت‏ ‏سماء‏ ‏ماجت‏ ‏بالغبار‏ ‏فلا‏ ‏زرقة‏ ‏ولا‏ ‏سحب‏ ‏ولا‏ ‏نجوم ” (‏ص‏104) ‏لا‏ ‏يفعل‏ ‏شيئاً-‏مهما‏ ‏فعل‏- ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏ينتظر‏ ‏الموت‏.‏

الرمزية‏ ‏هنا‏ ‏صارخة، ‏ولم‏ ‏تخفف‏ ‏منها‏ ‏محاولات‏ ‏التجديد‏ ‏فى ‏أبعاد‏ ‏الاستقطاب، ‏كذلك المباشرة‏ ‏مزعجة، ‏ويبدو‏ ‏هنا‏ ‏أن‏ ‏الوصاية‏ ‏الثقافية‏ ‏قد‏ ‏ثقلت‏ ‏بوزنها‏ ‏على ‏الحدس‏ ‏الفنى.‏

‏ ‏ولعل‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ ‏- ‏مع‏ ‏ذلك ‏-‏ فى ‏حفاظه‏ ‏على ‏واحدية‏ ‏النصف‏ ‏الأسفل‏ ‏بما‏ ‏يحمل‏ ‏من‏ ‏جنس،‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏تجاوز‏ ‏فرويد، ‏مثلما‏ ‏تجاوزه‏ ‏يونج، ‏وإن‏ ‏كانت إرادته الرمزية القحة قد أضعفت فى نهاية الأمر –بشكل ما-‏ ‏من‏ ‏إبداعية القصة، ‏لأن‏ ‏النشاط‏ ‏الجنسي‏-‏ عندى‏- ‏مرتبط‏ ‏نوعا‏ًً ‏وكما‏ًً ‏باختلاف‏ ‏البنية‏ ‏المقابلة‏ ‏للتعدد‏ ‏داخل‏ ‏الكيان‏ ‏البشرى، ‏فالجنس‏ ‏ليس‏ ‏مجرد‏ ‏آلة‏ ‏تحتيّة منفـذة‏ ‏تخدم‏ ‏الفكر‏ ‏السائد، ‏بل‏ ‏هو‏ ‏جزء‏ ‏لا‏ ‏يتجزأ‏ ‏من‏ ‏البنية “‏الفكرية‏ ‏الدافعية‏ الوجدانية ‏الجنسية‏ ‏فى ‏آن“. ‏والتعدد‏ ‏الذواتى، فى علاقته بالجنس، ‏يتضح‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏المجموعة‏. ‏وهو‏ ‏ليس‏ ‏غائباً‏ ‏عن‏ ‏محفوظ‏ ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏ثانوى، ‏ففى “‏العين‏ ‏والساعة”‏ ‏ظهر‏ ‏جلياً‏ ‏وقد‏ ‏أشرنا‏ ‏الى ‏ذلك‏ ‏قبلا، ‏وفى “‏رأيت‏ ‏فيما‏ ‏يرى ‏النائم‏” ‏يظهر‏ ‏فى ‏حلم‏ (6) ‏مباشرة‏: “‏ودق‏ ‏الباب‏ ‏دقا‏ ‏متتابعا، ‏ففتحته‏، ‏فخيل‏ ‏الى ‏أنى ‏أنظر‏ ‏فى ‏مرآة ” (‏ص‏151)، ‏وفى ‏حلم‏ (12) ‏نرى ‏التعدد‏ ‏فى ‏شكل‏ ‏أرقى ‏حيث‏ ‏كان‏ ‏من “‏جنس‏ ‏آخر” ‏صرخة‏ ‏أنثى ‏فيما‏ ‏بدا‏ ‏لى ” (‏ص‏164) ‏أى ‏أن‏ ‏الكيان‏ ‏الأنثوى ‏فى ‏الذكر‏ ‏استقل‏ ‏ثم‏ ‏واكب‏ ‏بعضهما‏ ‏البعض، ‏فبعد‏ ‏حوار‏ ‏شديد‏ ‏القصر‏ ‏يشتركان‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏التهمة‏ ‏ويمضيان‏ ‏معاً “‏كشهابين‏ ‏فى ‏ظلمة‏ ‏الليل‏”.

‏ ‏فإذا‏ ‏غامرنا‏ ‏بقراءة‏ ‏القصة‏ ‏الأخيرة‏ “رأيت فيما يرى النائم” ‏أيضا‏ ‏من‏ ‏بعد‏ ‏رمزى ‏باعتبارها ‏-‏ مرة‏ ‏أخرى‏- ‏مسيرة‏ ‏الحياة‏ ‏وقد‏ ‏تلاحقت‏ ‏فى ‏صور‏ ‏مرئية‏ ‏فى ‏نسيج‏ ‏هذا‏ ‏الإبداع‏ ‏المتميز‏ ‏لأمكننا‏ ‏القول‏ ‏دون‏ ‏جزم‏:‏

‏1- ‏تبدأ‏ ‏القصة‏ ‏من‏ ‏أحب‏ ‏نقط‏ ‏بدايات‏ ‏محفوظ‏ ‏إليه “‏الظلام‏ ‏المحيط‏” (‏قارن‏ ‏مثلا‏ ‏ظلام‏ ‏القبو‏ ‏فى ‏أهل‏ ‏الهوى) “‏ولكن‏ ‏وعيى ‏يرافق‏ ‏الظلام‏ ‏المحيط‏” (‏ص‏141) ‏الحلم‏ ‏الأول‏، ‏وتنتهى ‏غائصة‏ ‏فى ‏جذب‏ ‏يأسه‏ – ‏تحت‏ ‏مظلة‏ ‏سوداء‏ (‏قارن‏ ‏العباءة‏ ‏السوداء‏: ‏أهل‏ ‏الهوى) – “إننى ‏جالس‏ ‏تحت‏ ‏المظلة‏ ‏سوداء” (‏ص‏172)، ‏الحلم‏ ‏الأخير‏.‏

‏2-‏ وهى ‏تبدأ‏ ‏أيضا “‏شدتنى ‏بخيوط‏ ‏خفية لا تنقصف فانزلقت من الفراش وتبعتها ‏ومضت‏ ‏نحو‏ ‏الخارج” (‏ص‏141) ‏الحلم‏ ‏الأول‏: “‏وإننى ‏لن‏ ‏أحيد‏ ‏عن‏ ‏التطلع‏ ‏إلى ‏الأمام‏” (‏ص‏142) ‏نفس‏ ‏الحلم، “ليس‏ ‏معى ‏من‏ ‏الحوافز‏ ‏إلا‏ ‏الظمأ‏ ‏والشوق” (‏ص‏142) (‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏يكاد‏ ‏يترجم‏ ‏مباشرة‏ ‏الى ‏ما‏ ‏يقابله‏ ‏فى ‏الولادة‏ ‏بيولوجيا‏ًً ‏ونفسياً‏) وتنتهى ‏إلى: “‏أتسلى ‏بمشاهدة‏ ‏صندوق‏ ‏الدنيا” (‏ص‏172) ‏الحلم‏ ‏الأخير، ‏ثم “‏وأقبلت‏ ‏أنزع‏ ‏الأوسمة‏ ‏والهدايا‏ ‏من‏ ‏أركان‏ ‏جسدى” (‏ص‏173) ‏نفس‏ ‏الحلم، ‏وذلك‏ ‏استعدادا‏ ‏لانتظار‏ ‏الزائر‏ ‏المهم، ‏ثم‏ ‏إذا‏ ‏به‏ ‏هو‏ ‏الذى يشق‏ ‏لنفسه‏ ‏طريقا‏ ‏إلى ‏الخارج‏ ‏وقد‏ ‏خف‏ ‏وزنه‏ ‏دون‏ ‏حاجة‏ ‏الى ‏خدمات‏ ‏الزائر، ‏ليرتفع‏ ‏فى ‏الفضاء‏ ‏بسرعة‏ ‏متصاعدة، ‏فينعتق‏ ‏إلى ‏هناك‏ ‏حيث‏ ‏الوعد‏ ‏بمسرات‏ ‏تعجز‏ ‏عن‏ ‏وصفها‏ ‏الكلمات.

 ‏وما‏ ‏بين‏ ‏الولادة‏ ‏العنيفة‏ ‏والموت‏ ‏المنتظر‏ (‏فى ‏انتظار‏ ‏ملك‏ ‏الموت‏ ‏عزرائيل‏ ‏بهدوء‏ ‏مستسلم‏) ‏ثم‏ ‏الموت‏ ‏الاختيارى [31]  ‏أقول‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏الحلم‏ ‏الأول‏ ‏والحلم‏ ‏الأخير‏ ‏تمضى ‏الحياة‏ ‏فى ‏أطوارها‏ ‏شبه‏ ‏المعروفة‏ ‏والتى ‏التقطها‏ ‏الحدس‏ ‏الفنى ‏وأضاف‏ ‏اليها‏:‏

فنجد‏ ‏الحلم‏ ‏الثانى ‏وهو‏ ‏يعلن “‏المواجهة‏”، ‏وجها‏ ‏لوجه‏ ‏أمام‏ ‏أرض‏ ‏الواقع‏ ‏بتضخمها‏ ‏المتعملق‏ ‏وانفجارها‏ ‏المبهر، ‏وإرعابها‏ ‏دون‏ ‏التخلى، ‏حتى ‏الاستسلام‏ ‏لحوزتها “عدوت‏ ‏منها‏ ‏ولكنى ‏عدوت‏ ‏فى ‏مجالها‏ ‏وحضنها وقبضتها” (‏ص‏143)، ‏وتدور‏ ‏نفس‏ ‏الدوائر‏ ‏شبه‏ ‏مغلقة، ‏ولكن‏ ‏فى ‏حركة‏ ‏مرنة‏ ‏تذكـرنا‏ ‏برحلة‏ ‏الداخل‏ ‏والخارج “فلا‏ ‏منفذ‏ ‏للهرب، ‏ولا‏ ‏صبر‏ ‏على ‏التوقف‏ ‏والاستسلام” [32] (‏ص‏143) ‏وهو‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الاستسلام‏ ‏مثله‏ ‏مثل‏ ‏غيره‏ ‏ممن‏ ‏يعدون‏: “‏وتبين‏ ‏لى ‏أنى ‏لست‏ ‏الوحيد‏ ‏فى ‏المأزق، ‏وأن‏ ‏ملايين‏ ‏يلهثون‏ ‏من‏ ‏العدو‏” (‏ص‏143) ‏ولا‏ ‏يخفف‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏ذلك‏ ‏إلا‏ ‏الأمل‏ ‏فى ‏بعض‏ ‏الترويح‏ ‏الجماعى ‏الفنى ‏ولكن‏: “‏هل‏ ‏يطيب‏ ‏الغناء‏ ‏والمطرب‏ ‏يتخبط‏ ‏فى ‏القبضة‏”، ‏ومع‏ ‏انعدام‏ ‏الغناء‏ ‏الجماعى (‏حيث‏ ‏كل‏ ‏يغنى ‏على ‏ليلاه‏) ‏فقد‏ ‏بدت‏ ‏بداية‏ ‏الرحلة‏ ‏خليطا‏ًً ‏من‏ ‏الوحشية‏ ‏والجمال، ‏وهذه‏ ‏لمسة‏ ‏أخرى ‏تعلن‏ ‏روعة‏ ‏التناقض‏ ‏الواقعى ‏الداعى ‏لمكونات‏ ‏ولاف‏ ‏التكامل‏.‏

حلم‏3:

‏ولا‏ ‏يمكن‏ ‏ألا‏ ‏يتحرك‏ ‏الموقف‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المأزق‏ ‏شبه‏ ‏الدائرى، ‏ما‏ ‏دامت‏ ‏الحياة‏ ‏تسير‏، ‏وإذا‏ ‏بالانشقاق‏ ‏الأوّلى ‏يتم‏ ‏كمحصلة‏ ‏لحركة‏ ‏التقدم‏ ‏والتأخر‏ (‏آفة‏ ‏الحب‏ ‏الحياء‏)، ‏ويخطو‏ ‏النمو‏ ‏من‏ ‏الموقف‏ ‏الاكتئابى ‏الناتج‏ ‏عن‏ ‏ألم‏ ‏ضرورة‏ ‏اختراق‏ ‏الواقع، ‏إلى ‏العلاقة‏ ‏السطحية‏ ‏بالآخر‏ ‏التى ‏تخفف‏ ‏من‏ ‏حدة‏ ‏الآلام‏ ‏قليلا‏ ‏أو‏ ‏مؤقتا، ‏فمع‏ ‏اللقاء‏ ‏الودى ‏لرفيق‏ ‏الصبا‏ ‏يذهب‏ ‏الحزن،‏ ‏مؤقتا، ‏ليبدأ‏ ‏الامتحان‏ ‏الأكبر‏ ‏والتخبط‏ ‏المعرفى (‏الذى ‏سبقت‏ ‏الإشارة‏ ‏إليه‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الدراسة‏)، ‏ومع‏ ‏كل‏ ‏جرعة‏ ‏معرفة‏ ‏تطل‏ ‏الأحزان‏.‏

حلم‏4:

 ‏ولا‏ ‏يمكن‏ ‏تحمل‏ ‏جرعة‏ ‏المعرفة‏ ‏دفعة‏ ‏واحدة، ‏فنهرب‏ ‏الى ‏التخدير‏ ‏والثرثرة‏ (‏فوق‏ ‏النيل‏ ‏والتاريخ‏) [33]، ‏وحين‏ ‏تنتهى ‏الثرثرة‏ – ‏بعد‏ ‏تبين‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏شئ ‏قديم‏ ‏معاد-، “‏ثبت أن جميع‏ ‏الشكاوى ‏مسجلة‏ ‏على ‏حجر‏ ‏رشيد ” (‏ص‏147) ‏تلوح‏ ‏آمال‏ ‏الثراء‏ ‏كبديل‏ ‏اغترابى ‏آخر‏.‏

حلم‏ 5:

 ‏ويتأرجح‏ ‏البندول‏ ‏من‏ ‏أقصى ‏المثالية‏ ‏والزهد، ‏إلى ‏أقصى ‏البهلوانية‏ ‏والبحث‏ ‏عن‏ ‏دراهم‏ ‏تحت‏ ‏سحابة‏ ‏متحركة، ‏والممثل ‏”‏الإنسان‏” ‏واحد‏ ‏فى ‏الحالين، ‏والنهاية‏ ‏هي‏”‏الركض‏ ‏من‏” ‏وكذلك ” ‏الركض‏ ‏إلي‏” “‏هدف‏ ‏ما‏”.. ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏الرواية‏.

حلم‏ 6:

 ‏وفى ‏المواجهة‏ ‏التالية‏ [34]  ‏مع‏ ‏الشق‏ ‏الآخر، ‏تبدأ‏ ‏محنة‏ ‏محاولة‏ ‏معرفة‏ ‏الماضى (‏التاريخ‏ ‏الفردى ‏أو‏ ‏الجمعى ‏أو‏ ‏كليهما‏: ‏قارن‏ ‏بوجه‏ ‏خاص‏: ‏أهل‏ ‏الهوى)، ‏ويتجسد‏ ‏هذا‏ ‏التاريخ‏ ‏فى ‏ما‏ ‏هو‏ ‏الذات‏ ‏الأخرى ‏وقد‏ ‏تعرت، ‏لتطل‏ ‏أشباح‏ ‏الجريمة‏ ‏الأولى، ‏ولا‏ ‏ينقذ‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏التفكير‏ (‏والمواجهة‏) ‏إلا‏ ‏مواصلة “‏الجرى ‏معا‏” ‏فيما‏ ‏يشبه‏ ‏التسوية‏ ‏التسكينية، ‏فيختفى ‏الزمن‏ ‏إذ‏ ‏تغلق‏ ‏الدائرة‏ ‏بالركض “‏محلك‏ ‏سر‏”، “لا‏ ‏يوجد‏ ‏ليل‏ ‏ولا‏ ‏نهار، ‏ولكن‏ ‏يوجد‏ ‏الهواء‏ ‏والركض‏” (‏ص‏153)، ‏ويستمر‏ ‏العدو‏ ‏بالقصور‏ ‏الذاتى ‏حتى ‏بعد‏ ‏اختفاء “‏الآخر” المبرر‏ ‏للركض‏ ‏الواعد‏ ‏بالنجاة‏ (‏سواء‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏الآخر‏ ‏ذاتا‏ ‏داخلية‏ ‏أو ‏أملا‏ ‏خارجيا، ‏وهما‏ ‏واحد‏): وهو ‏اغتراب‏ ‏آخر‏ ‏بتسوية‏ ‏فاشلة‏ ‏معوقة‏ ‏للنمو‏.‏

حلم‏ 7:

 ‏ويظهر‏ ‏مهرب “‏فني‏” ‏أرقى ‏من‏ ‏الغناء‏ ‏المتعذر‏ ‏ونحن‏ ‏نتخبط‏ ‏فى ‏القبضة‏ (‏حلم‏2)، ‏وهو‏ ‏أكثر‏ ‏إغراء‏ ‏من “‏الركض‏” ‏معا‏ ‏فى ‏دائرة‏ ‏مغلقة، ‏فيمضى “‏الإنسان” ‏يفرط‏ ‏فى ‏الاهتمام‏ ‏بالطبيعة‏ ‏وشذاها‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏نتاجها‏ ‏اللاهث‏ ‏الغارق‏ ‏فى ‏الجمع‏ ‏والتكدس، ‏ومع‏ ‏الالتحام‏ ‏الكامل‏ ‏بالطبيعة‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏فنية‏ ‏بديعة‏ ‏ينعتق‏ ‏المطارد‏ -‏ولو‏ ‏مرحليا‏- ‏بتوحد‏ ‏نكوصى ‏ناجح‏.‏

حلم‏ 8:

 ‏ولكن‏ ‏هذا‏ ‏الحل‏ ‏لا‏ ‏يحتمل‏ ‏الاستمرار، ‏لأنه‏ ‏يستحيل‏ ‏على ‏الإنسان‏ ‏أن‏ ‏يحل‏ ‏مشكلة‏ ‏وجوده‏ ‏بأن‏ ‏يرتد “‏غصنا‏ًً” ‏متنازلاً‏ ‏عن‏ ‏بشريته‏ ‏الرائعة‏ ‏رغم‏ ‏تركيبها‏ ‏المتكاثف‏ ‏المعقد، ‏فهو‏ ‏يدفع‏ ‏الثمن‏ ‏بمزيد‏ ‏من‏ ‏تنازله‏ ‏عن‏ ‏ذاته‏ ‏فى ‏إمّعية‏ ‏بشعة، ‏تسير‏ ‏فى ‏زفة‏ ‏كل‏ ‏سلطان، ‏فتجعله‏ ‏نهباً‏ ‏للأحوال‏ ‏بلا‏ ‏حول، ‏ورغم‏ ‏أنه‏ ‏يدرك “بالحمق ” (‏والتبعية‏) (‏ص‏156، 158) ‏ما‏ ‏لم‏ ‏يدركه‏ ‏بغيره، ‏فإن‏ ‏العمى ‏يطيب‏ ‏له‏ ‏مثله‏ ‏مثل‏ ‏الآخرين‏ (‏زاوية‏ ‏العميان‏: ‏ص‏157).‏

حلم‏ 9:

 ‏ومع‏ ‏تقدم‏ ‏العمر‏ ‏تبدأ‏ ‏العزلة‏ ‏تلبس‏ ‏ثوب‏ ‏الحكمة‏ “‏المدينة‏ ‏خالية، ‏وكليلة‏ ‏ودمنة‏ ‏دستور‏ ‏المرحلة‏” ‏ويتولد‏ ‏منها‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏التسليم‏ ‏الإيجابى “‏فما‏ ‏أبالى ‏أطال‏ ‏الليل‏ ‏أم‏ ‏قصر” (‏ص‏16)، ‏ولكنه‏ ‏ليس‏ ‏بحل، ‏فالتعاسة‏ ‏قديمة‏ ‏ولكن‏: ‏ليرفل ‏-‏ولو‏ ‏مؤقتا‏- ‏فى ‏فندق ” ‏الرضا “.‏

حلم‏ 10:

 ‏وتعلن‏ ‏العزلة‏ ‏وتحتد‏ ‏فى ‏صحراء‏ ‏لا‏ ‏يحدها‏ ‏الأفق، ‏ومع‏ ‏زيادتها‏ ‏يتدفق‏ ‏الوعى ‏بتاريخ‏ ‏مماثل، ‏فإذا‏ ‏بأسير‏ ‏آخر‏ ‏للوحدة‏ ‏يعلن‏ ‏وجوده “أنا‏ ‏الخلاء” ‏ومع‏ ‏زيادة‏ ‏المعرفة‏ ‏الخاصة‏ (‏سيدنا‏ ‏الخضر‏) ‏تزداد‏ ‏الوحدة‏ ‏ظهورا‏ ‏وخاصة‏ ‏فى ‏مواجهة‏ ‏الأغراب، ‏فيدرك‏ ‏الهارب‏ ‏إليها‏… ‏أ‏لا‏ ‏صبر‏ ‏عليها‏.‏

حلم‏ 11:

 ‏ويتراجع‏ ‏الحل‏ ‏المغرى، ‏الحل‏ ‏بالحكمة‏ ‏فالرضا‏ ‏فالوحدة‏ ‏والعزلة، ‏ورغم‏ ‏عدم‏ ‏تبين‏ ‏الغاية‏ ‏المرجوة‏ ‏تبرق‏ ‏لحظة‏ ‏خاطفة‏ ‏كأنها‏ ‏القِبْلة‏ ‏الهادية [35] ‏المنيرة، ‏ولكن‏ ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏تنطفئ ‏بهجتها‏ ‏لتترك‏ ‏وراءها‏ ‏الحزن‏ ‏الحتمى، ‏ولكن‏ ‏يظهر‏ ‏وسط‏ ‏الانخداع‏ ‏اليائس‏ ‏بريق‏ ‏أمل “‏ما‏”.‏

حلم‏ 12:

 ‏ولا‏ ‏يرجى ‏تحقيق‏ ‏هذا‏ ‏الأمل‏ ‏إلا‏ ‏ببحث‏ ‏جديد “‏فى ‏الماضى‏” (‏هكذا‏ ‏دائما‏!) ‏فتظهر‏ ‏أوهام‏ ‏وشائعات‏ ‏التهمة‏ ‏الموجهة‏ ‏لوجودنا‏ (‏الفاكهة‏ ‏المحرمة- ‏المعرفة‏ ‏الخطرة‏ – ‏قتل‏ ‏الأخ‏ / ‏الآخر‏- ‏قتل‏ ‏الرب‏: ‏المسيح‏ – ‏الانفصال‏ ‏عن‏ ‏الكون‏.. ‏مما‏ ‏يتواتر‏ ‏عبر‏ ‏تاريخ‏ ‏الإنسان‏ ‏كما‏ ‏يتهم‏ ‏نفسه، ‏وكما‏ ‏يستوعبه‏ ‏محفوظ‏ ‏تماما‏..) ‏ليستمر‏ ‏السعى ‏مسوقا‏ ‏بحفز‏ ‏الهرب‏ ‏إلى ‏الخلاص‏ (‏وربما‏ ‏التكفير‏ ‏أو‏ ‏التطهير‏).‏

حلم‏ 13:

 ‏لم‏ ‏يظهر‏ ‏حتى ‏الآن‏ ‏حل‏ ‏يشير‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏المسيرة‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تتجه‏ ‏إلى ‏إرساء‏ ‏علاقة “‏بآخر‏” ‏مشارك‏ (‏وليس‏ ‏كمثل‏ ‏رفيق‏ ‏الصبا‏ ‏المؤقت‏ ‏فى ‏حلم‏ (3) ‏الذى ‏يبدو‏ ‏صاحبا‏ ‏من‏ ‏الداخل‏)، ‏الأمر‏ ‏الذى ‏يستلزم‏ ‏استخدام‏ ‏وظيفة‏ ‏الجنس‏ ‏فى ‏الحفز‏ ‏إلى ‏المخاطرة، ‏وبمجرد‏ ‏أن‏ ‏يطرح‏ ‏هذا‏ ‏الأمر‏ ‏فإنه‏ ‏يفشل‏ ‏حين‏ ‏تتركز‏ ‏العلاقة‏ ‏الجنسية‏ ‏فيما‏ ‏يشبه‏ ‏الأوهام‏ ‏الأوديبية‏ ‏ثم‏ ‏يتمخض‏ ‏الجنس‏ ‏تدريجياً‏ ‏عن‏ ‏التهام‏ ‏المرأة‏ (‏الأم‏) ‏جزءا‏ًً ‏جزءا‏ًً ‏ولا‏ ‏يبقى ‏إلا‏ ‏لسانها‏ ‏يعلن‏ ‏سبب‏ ‏فنائها‏: ‏الهرب‏ ‏من “‏الوحدة ” ‏بلا‏ ‏نجاح‏ ‏والسعى ‏الى “‏الحنان” ‏بلا‏ ‏تحقيق‏-‏قضية‏ ‏الأزل‏- “متى ‏سمعت‏ ‏هذه‏ ‏العبارة من قبل؟” (‏ص‏166).‏

حلم‏ 14:

 ‏ومرة‏ ‏أخرى، ‏وبعد‏ ‏أن‏ ‏تلتهم‏ ‏المرأة‏ ‏عضوا‏ ‏عضوا‏ ‏بما‏ ‏تمثله‏ ‏من‏ ‏أمومة‏ ‏وجنس‏ ‏معا، (‏إلا‏ ‏لسانها‏)، ‏تعود‏ ‏دورة‏ ‏النمو‏ ‏للنشاط‏ ‏إذ‏ ‏تدب‏ ‏الحياة‏ ‏شابة‏ ‏من‏ ‏جديد، ‏فيواصل‏ ‏الشاب‏ ‏السعى ‏وهو‏ ‏يتبع “‏نفسه‏” ‏فى ‏أمل‏ ‏متجدد‏، ‏ولكن‏ -‏مرة‏ ‏أخرى -‏ سرعان‏ ‏ما‏ ‏يخبو‏ ‏من‏ ‏الانهماك‏ ‏والاغتراب، ‏ومع‏ ‏ذلك، ‏فاليأس‏ ‏لا‏ ‏يحل‏ ‏كاملا‏ ‏إذ‏ ‏ما‏ ‏زال ” ‏هاتف‏ ‏الغيب‏ ‏يبشر‏ ‏بالعزاء ” (‏ص‏168).‏

حلم‏ 15:

 ‏ثَمَّ‏ ‏سعى ‏جديد، ‏ولكنه‏ ‏سعى ‏مباشر‏ ‏الى ‏معرفة ” ‏أخرى ” ‏تجمع‏ ‏بين‏ ‏الحكمة‏ ‏والرؤيا‏ ‏والحدس‏ ‏الأعمق، ‏ولكن‏ ‏الكشف‏ ‏المعرفى ‏يصدر‏ ‏من‏ ‏عالم‏ ‏آخر‏: ‏قديم‏ ‏حكيم، ‏وكأنه‏ ‏الحل‏ ‏الدينى ‏أو‏ ‏الصوفى ‏يتم‏ ‏على ‏حساب‏ ‏الذات‏ ‏المحدودة، ‏بل‏ ‏على ‏حساب‏ ‏الإرادة‏، ‏فالجريمة‏ ‏الأولى ‏تبدو‏ ‏وكأنها‏ ‏بلا‏ ‏غفران‏ ‏إلا‏ ‏بإعلان‏ ‏الاستسلام‏ ‏لقوة‏ ‏مجهولة، ‏أو‏ ‏معرفة‏ ‏غامضة، ‏أو‏ ‏تأثير‏ ‏قهرى.‏

حلم‏ 16:

 ‏ولا‏ ‏تعود‏ ‏الذات‏ ‏إلى ‏حدودها‏ ‏الضيقة‏ ‏بعد‏ ‏هذه‏ ‏الجرعات‏ ‏من‏ ‏الرؤية‏ ‏والتفتح‏ -رغم‏ ‏المضاعفات‏-‏ بل‏ ‏تنطلق‏ ‏لتفتح‏ ‏آفاقا‏ ‏جديدة‏ ‏نحو‏ ‏قوة‏ ‏خارقة‏ ‏وخلود “‏ما‏” [36]، ‏فتتوجه‏ ‏المسيرة‏ ‏نحو‏ ‏الآخرين، ‏لكنها‏ ‏لاتلبث‏-‏كالعادة‏-‏أن‏ ‏تنهك‏ ‏فترتد‏ ‏الى ‏الذات‏ ‏المحدودة “‏سعادتى ‏الشخصية‏” (‏المستحيلة‏ ‏ما‏ ‏دام‏ ‏ثمة‏ ‏آخرون‏)، ‏ويلزم‏ ‏الصراع‏ ‏فتبدأ‏ ‏المطاردة‏ ‏لتختفى ‏القوة‏ ‏ولا‏ ‏يبقى ‏إلا‏ ‏الجسد‏ ‏منتهكا‏ ‏بين‏ ‏أيدى ‏المطاردين، ‏ولكن‏: ‏لا‏ ‏يختفى ‏الأمل‏ ‏رغم‏ ‏كل‏ ‏شئ‏.

حلم‏ 17:

 ‏وأخيرا‏ ‏تأتى ‏النهاية‏ ‏بالموت‏ ‏الاستسلامى ‏شبه‏ ‏الإرادى (‏كما‏ ‏ذكرنا)، ‏ولا‏ ‏يطرح‏ ‏أصلا‏ ‏احتمال‏ ‏التكامل‏ ‏فالخلود، ‏ويظل‏ ‏الأمل‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏الموت‏ ‏فى “‏مسرات‏”، ‏وليس‏ ‏فى “‏تناسق‏ ‏الكمال‏”.‏

وبعد ..

فلابد‏ ‏من‏ ‏الاعتراف‏ ‏بالحرج‏ ‏أثناء‏ ‏محاولة‏ ‏تعرية‏ ‏هذا‏ ‏العمل‏ ‏العظيم‏ ‏على ‏هذه‏ ‏الصورة‏، ‏كذلك‏ ‏لابد‏ ‏من‏ ‏تكرار‏ ‏اعتراف‏ ‏مبدئى ‏باحتمال‏ ‏الخطأ، ‏ويظل‏ ‏النص‏ ‏المبدع‏ ‏ابتداء‏ ‏هو‏ ‏الأصل‏ ‏الصادق “‏حتى ‏لو‏ ‏صح‏ ‏التأويل‏ ‏وليس‏ ‏بسبب‏ ‏صدق‏ ‏التأويل‏”، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏لنا‏ ‏أن‏ ‏نضيف‏ ‏كلمة‏ ‏أخيرة‏ ‏فهى ‏تتعلق‏ ‏بما‏ ‏وصلنا‏ ‏من‏ ‏غلبة‏ ‏اليأس‏ ‏على ‏هذه‏ ‏المجموعة‏ ‏رغم‏ ‏إصرار‏ ‏الأمل، ‏وما‏ ‏طرحته‏ ‏القصة‏ ‏الرؤية‏ ‏من‏ ‏أمل‏ ‏المسرات‏ ‏النهائى ‏رغم‏ ‏أن‏ ‏المسيرة‏ ‏الحيوية‏ ‏ليست‏ ‏دائما‏ ‏نحو‏ ‏السرور، ‏وإنما‏ ‏هى ‏أساسا‏ ‏نحو‏ ‏التكامل، ‏ومع‏ ‏تسليمنا‏ ‏المؤقت‏ ‏بنتاج‏ ‏الوحدة‏ ‏والإنهاك‏ ‏من‏ ‏تراوح‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏استسلام‏ ‏اليأس‏ ‏وخدر‏ ‏السرور‏ ‏لا‏ ‏يجدر‏ ‏بنا‏ ‏أن‏ ‏نستبعد‏ ‏الكاتب‏ ‏والناقد‏ ‏من‏ ‏نفس‏ ‏المصير، ‏ولكن‏ ‏أيضا‏ ‏لا‏ ‏يجدر‏ ‏أن‏ ‏نستسلم‏ ‏له، ‏بل‏ ‏ولا‏ ‏نستطيع‏ ‏ذلك‏ ‏بعد‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏التحريك [37]‏.‏

خاتمة الفصل الأول:

من هذا المنطلق الذى بدأ منذ 27 عاما، رحت أقرأ أحلام فترة النقاهة حلما حلما (كما فعلت فى فقرات الأصداء)، تمهيدا لقراءة شاملة، مثل تلك التى قرأت بها “رأيت فيما يرى النائم”، وأيضا مثل الفصل الوحيد الذى ظهر من نقد الأصداء مشتملة “الطفولة: نبض متجدد دائم” [38].

 فى هذه القراءة الباكرة، وضعتُ سلسلة فروضى عن الحياة والمعرفة والكشف والتعدد والموت والخلود والعلاقات البشرية فى فرض شامل، متصل، يكاد يوازى محاولات محفوظ فى أولاد حارتنا، أو الحرافيش أو رحلة ابن فطومة، ثم إنى رحت أدعم هذا الفرض باستشهادات منتقاة من الأحلام الواحد تلو الآخر.. كما رأينا.

يبدو أن مثل ذلك هو ما كنت أهدف إليه من مشروع القراءة الشاملة سواء لأصداء السيرة أو لأحلام النقاهة، ولكن بعد أن أمهد لها بما أسميته: القراءة التشريحية، إلا أننى لم أستطع أن أواصل قراءة أحلام النقاهة تشريحيا وإلى درجة أقل تفسيرا رمزيا، – كما ذكرت فى المقدمة – وظلت المقاومة تتكثف داخلى حتى الحلم 52 مما أدى إلى ظهور التقاسيم.

أما ما يتطور إليه الموقف سواء فى بقية الدراسة الشاملة للأصداء، أو فى التوليف بين المنهجين فى الأحلام، فهذا ما لا أستطيع الجزم به حالا.

فلندعه يتطور كما يتطور مثل ما حدث وكان سببا فى ظهور ما هو “نص على نص” فيما أسميته “تقاسيم” على اللحن الأساسى (الفصل الثالث).

 

1- تفضل رئيس تحرير فصول أ.عز الدين اسماعيل، المجلد التاسع عدد 3-4 فبراير 1991 باعتبارى كذلك، وقد اكتشفت أسلوبى فى النقد وأنا أجيب عن أسئلة عن “شهادات النقاد” ونشرتها فى كتابى ” تبادل الأقنعة”. الهيئة العامة لقصور الثقافة- القاهرة، 2006م

2- القارئ العادى ناقدا: مجلة النقد الأدبى والدراسات الأدبية العدد (2) سنة 2005، ص ص (72 – 91).

3- ضبطت نفسى وقد قرأت نفس الحلم على فترات متباعدة بأكثر من طريقة كما سوف يأتى كعينة فى الفصل الثانى.

4- يحيى الرخاوى “أصداء الأصداء” المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة 2006.

5- وقد سجلت هذه المقاومة تحديدا أثناء النشر الأسبوعى فى موقعى الخاص www.rakhawy.org بتاريخ 6-3-2008.

6- يحيى الرخاوى فى “أحلام نجيب محفوظ تعد من قبيل المنامات أم هى أحلام يقظة”؟ مجلة إبداع العدد الأول – الثالث يناير (2002)، [مع قدر محدود من التحديث]

7- ‏‏ ‏يمكن‏ ‏الرجوع‏ ‏إلى ‏ما‏ ‏كتبته‏ ‏تفصيلا‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الشأن‏: (‏فصول‏ ‏العدد‏ ‏الأول‏ ‏المجلد‏ ‏الرابع‏ ‏أكتوبر‏- ‏ديسمبر‏ 1983 ‏إشكالة‏ ‏العلوم‏ ‏النفسية‏ ‏والنقد‏ ‏الأدبى وظهر أيضا فى حركية الوجود وتجليات الإبداع، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007‏.‏

8- نشر‏ ‏أولا‏ ‏فى ‏مجلة‏ ‏الإنسان‏ ‏والتطور، عدد أكتوبر،‏ ‏سنة‏ 1983‏ ثم‏ ‏فى ‏كتابى ‏”قراءات‏ ‏فى ‏نجيب‏ ‏محفوظ”‏ ‏الصادر من‏ ‏الهيئة العامة‏ ‏للكتاب‏ ‏‏ ‏سنة‏ 1991

9- الجدلية‏ ‏الحيوية‏، ‏ونبض‏ ‏الإبداع‏. انظر هامش (7)

10- أنظر هامش (7)

[11] – Consensual Validity

12- “محفوظ والناس والتاريخ فى عيد ميلاده التاسع والثمانين” الأهرام 10/12/2000

13- إن شئت انظر قراءة هذا الحلم فى الفصل الثانى ص 79

14- الاستشهاد بهذه الأحلام تم فى فترة باكرة قبل أن أقوم بدراستى الحالية 2007-2008، ويمكن الرجوع إلى التفاصيل اللاحقة فى الفصل الثانى

15 – نفس الهامش السابق.

16- مرة أخرى: يمكن‏ ‏الرجوع‏ ‏إلى ‏هامش رقم (7)

17 – أنظر حلم (10) وقراءته ص 102

18 – يحيى ‏الرخاوى “أصداء الأصداء” المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة 2006.‏

19 – يحيى ‏الرخاوى (‏قراءات‏ ‏فى ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏) ‏الهيئة‏ ‏العامة‏ ‏للكتاب،‏ ‏عام‏ 1991

20- لم أعرج إلى الأحلام فى ملحمة الحرافيش، وهى رائعة الدلالة، لأننى لم أتناولها فى دراستى الجزئية للملحمة (الهامش السابق)

21- يحيى الرخاوى: نقد “يقين العطش” تحت الطبع.

22- من قصيدة اللؤلؤة

صغيرة‏ ‏ومبدعة‏،‏ تنير‏ ‏قلبى ‏فى ‏ظلام‏ ‏الصومعْة‏،‏ ألمحُها‏، ‏أحسـُّـهـا‏، ‏ألمسُها‏، ‏أدسُّـها‏، ‏أذيـبها‏، ‏أذوب‏ ‏فيها‏، ‏وبهـا‏.

 ‏أكـونـها‏، ‏تكونـنى، ‏فأستكين‏ ‏فى ‏دعة‏.

‏ فى ‏دفـئها‏:‏ يذوب‏ ‏ثلجى ‏تمحى ‏مخاوفى،‏ فتبعد‏ ‏الغيلان‏ ‏تخـتـفى،

 أمد‏ ‏كفى ‏ألمس‏ ‏الأجنة‏ ‏النجوم‏، ‏فتحمل‏ ‏الرياح‏ ‏حبة‏ ‏اللقاح‏ ‏لؤلؤة‏، ‏من‏ ‏ظهر‏ ‏لؤلؤة،

 خبأتها‏ ‏عنهم‏ ‏جميعا‏ ‏فى ‏حنايا‏ ‏كبدى،‏ ألبستها‏ ‏الأسماء‏ ‏أقنعة‏:‏ ‏[‏النبض‏، ‏حسى، ‏لوعتى، ‏ الوهج‏، ‏فكرى، ‏منتهاى، ‏قبلتى‏]‏ تبسمت‏ ‏فى ‏سرها‏ تحسست‏ْْ ‏حبلَ‏ ‏الوريد‏ ‏كفُّها،

…..

 عبادها، يميل‏ ‏صوب‏ ‏ميلها، يغوص‏ ‏بعـد‏ ‏غربـها‏‏، ‏تمتد‏ ‏أذرع‏ ‏المصلوب‏ ‏فى ‏انتظار‏ ‏صـبحها‏.‏ ‏20-8-1981

23- يحيى الرخاوى، مجموعة قصص: رأيت فيما يرى النائم، “الإنسان‏ ‏والتطور‏” كتبت فى 1982 ونشرت فى ‏أكتوبر‏ 1983‏

24- يمكن‏ ‏أن‏ ‏نتبع‏ ‏هذا‏ ‏التزاوج‏ ‏فى ‏أعمال‏ ‏سابقة‏ ‏من‏ ‏أول‏ ‏أولاد‏ ‏حارتنا‏ ‏وحكاية‏ ‏بلا‏ ‏بداية‏ ‏ولا‏ ‏نهاية، ‏وحارة‏ ‏العشاق‏ ‏إلى ‏مجموعات‏ ‏قصصه‏ ‏القصيرة‏ ‏بعد‏ 67 ‏خاصة‏ ‏مثل‏ ‏خمارة‏ ‏القط‏ ‏الأسود‏ ‏وتحت‏ ‏المظلة‏ ‏وشهر‏ ‏العسل‏ ‏رافضين‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏التسمية‏ ‏الأسوأ‏ ‏باسم‏ ‘‏أدب‏ ‏اللامعقول‏’!!

25- يقابل‏ ‏ذلك‏ ‏مثلا‏ ‏فى “‏ليالى ‏ألف‏ ‏ليلة‏” : ‏إن‏ ‏يكن‏ ‏حلما‏ ‏فما‏ ‏له‏ ‏يمتلئ ‏به‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏اليقظة‏ ‏نفسها‏ ‏ص‏ (16)0‏

26- الأرقام هنا تشير إلى رقم الصفحة لمجموعة رأيت فيما يرى النائم ، مطبعة مصر سنة (1983)

27- يذهب‏ ‏أحد‏ ‏علماء‏ ‏النفس‏ (‏فرج‏ ‏أحمد‏ ‏فرج‏) ‏الى ‏أن‏ ‏القبو‏ ‏هو‏ ‏الرحم‏ ‏وأن‏ ‏البداية‏ ‏هى ‏الطفولة، ‏ولكنه‏ ‏يذهب‏- ‏فى ‏إصرار‏- ‏إلى ‏أن‏ ‏المسألة‏ ‏كلها‏ ‏هى ‏حكاية‏ ‏علاقة‏ ‏الرجل‏ ‏بالمرأة، ‏فنعمة‏ ‏الله‏ ‏الفنجرى ‏هى ‏المرأة‏ ‏الأم‏ ‏المقابلة‏ ‏لتخييل‏ ‏الأم‏Phantasmere (‏جابرييل‏ ‏ريبان‏)، ‏وأننا‏ ‏لسنا‏ ‏إلا‏ ‏أمام‏ “قصة‏ ‏حب” ‏بالمعنى ‏الشامل‏. (‏المرجع‏ ‏السابق‏ ‏ص‏ 13)0‏

28- هذا قريب جدا مما حدث لى بعد 27 عاما فى أثناء قراءتى – ناقدا – للواحد وخمسين حلما الأولى، وهو ما دعانى لأن أبدأ فى عزف التقاسيم على اللحن الأساسى الفصل الثالث.

29- شعرت‏ ‏بنفس‏ ‏درجة‏ ‏الرفض‏ ‏إزاء‏ ‏الرمز‏ ‏المباشر‏ ‏كما‏ ‏ورد‏ ‏فى‏ ‏قصة‏ ‏قصيرة‏ ‏نشرها‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏فى ‏إبداع‏ (‏مايو‏1983 ‏العدد‏ ‏الخامس‏/‏السنة‏ ‏الأولي‏4-6) ‏تحت‏ ‏عنوان‏ “الفأر‏ ‏النرويجي‏”

30- كارل‏ ‏جوستاف‏ ‏يونج Jung‏.

31- قرار‏ ‏الموت‏ ‏هنا‏ ‏ليس‏ ‏ضربا‏ ‏من‏ ‏الانتحار‏ ‏وإنما‏ ‏نهاية‏ ‏شبه‏ ‏إرادية‏ ‏لبرمجة‏ ‏فردية‏ ‏متعلقة‏ ‏بهدف‏ ‏ظاهر‏ ‏أو‏ ‏خفى، ‏فهو‏ ‏اختيار‏ ‏تتوقف‏ ‏بعده‏ ‏الحياة‏ ‏إذ‏ ‏حققت‏ ‏أغراضها‏ ‏فى ‏كيان‏ ‏بشرى ‏فردى ‏بذاته‏0‏

32- فكرة‏ ‏رحلة‏ ‏الداخل‏ ‏والخارج‏ ‏التى ‏قال‏ ‏بها‏ “‏جانترب‏” Guntrip ‏، وغيره‏ ‏تشير‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏مسيرة‏ ‏النمو‏ ‏ليست‏ ‏خطية‏ ‏مضطردة‏ ‏وإنما‏ ‏هى ‏نتاج‏ ‏محاولات‏‏ ‏لاقتحام‏ ‏مؤلم‏ ‏للعالم‏ ‏الخارجى، ‏فهى ‏تظهر‏ ‏وكأنها‏ ‏ذهاب‏ ‏وإياب‏ ‏مغلق، ‏وفى ‏الواقع‏-‏فى ‏الأحوال‏ ‏الطبيعية‏-‏هى ‏ليست كذلك‏ ‏تماماً نظراً لتغيّر‏ ‏موقع‏ ‏المحطات‏ ‏الأمامية، ‏والذى ‏يحتم‏ ‏هذا‏ ‏التقدم‏ ‏هو‏ ‏مأزق‏ ‏اللاعودة‏ (‏إلى ‏الرحم‏) ‏ودفع‏ ‏الحركة‏ ‏الحيوية‏ ‏فى ‏آن، ‏وهذا‏ ‏يكاد‏ ‏يكون‏ ‏الترجمة‏ ‏الأقرب‏ ‏لما‏ ‏أشار‏ ‏اليه‏ ‏محفوظ‏ ‏بحدسه‏ ‏أو‏ ‏علمه‏ هنا.

33- العلاقة‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏الحلم‏ ‏وبين‏ “‏ثرثرة‏ ‏فوق‏ ‏النيل‏” ‏علاقة‏ ‏مباشرة‏ ‏وخاصة‏ ‏مع‏ ‏الإشارة‏ ‏إلى ‏شطحات‏ ‏التاريخ‏ “كما‏ ‏يفعل‏ ‏قدماء‏ ‏المصريين” ‏حتى ‏عم‏ ‏عبده، ‏يبدو‏ ‏هو‏ ‏عم‏ ‏عبده‏ ‏خادم‏ ‏العوامة‏ ‏هناك‏

34- يتم‏ ‏النمو -‏ ‏كما‏ ‏يقول‏ ‏أوتورانك‏ ‏وكذلك إريك إريكسون‏ ‏وكاتب‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏فى ‏دورات‏ ‏مكررة‏ ‏مع‏ ‏فروق‏ ‏تفصيلية‏ ‏ونهايات‏ ‏متصاعدة، ‏وبذا‏ ‏فان‏ ‏الانشقاق‏ ‏والتعميم‏ ‏المرحليين‏ ‏يتبادلان‏ ‏مع‏ ‏المواجهة‏ ‏ومحاولة‏ ‏الولاف‏ ‏المرحليين‏ ‏أيضا‏… ‏وهكذا‏0‏

35- قارن‏ ‏هذه‏ ‏اللحظة‏ ‏بإشراقة‏ ‏عمر‏ ‏الحمزاوى ‏فى ‏الشحاذ، ‏ثم‏ ‏انطفائها، ‏وقارن‏ ‏أيضا‏ ‏مسار‏ ‏”التجربة‏ ‏الطارئة‏” ‏فى “من‏ ‏فضلك‏ ‏وإحسانك‏”‏

36- يمكن‏ ‏أن‏ ‏تقارن‏ ‏فى ‏مثل‏ ‏ذلك‏ -‏ مع‏ ‏الفارق‏- ‏جلال‏ ‏صاحب‏ ‏الجلالة‏ ‏فى ‏الحرافيش.

37- انتهى المقتطف من قراءة “رأيت فيما يرى النائم”، “قراءات فى نجيب محفوظ” – الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991.

38 – انظر هامش (4)

قراءة نقدية فى الأحلام الأولى (1 – 52)

 هذا هو الفصل الذى حاولت فيه اتباع نفس المنهج التقليدى الذى اتبعته فى قراءتى النقدية للأصداء [1]، وأعنى بذلك أن أقرأ الأحلام حلماً حلماً، باعتبار كل حلم عملاً قائماً بذاته، حتى أتمكن من أن أقوم لاحقاً (مما لم أكمله بعد فى دراستى للأصداء) بما أسميته  الدراسة الطولية، وربما يكون من الأنسبْ (أو من الممكن) ربط العملين (الأصداء والأحلام) ببعضهما لاحقا.

وقد مارست ذلك طوال اثنين وخمسين حلما حتى تجمعت المقاومة بدرجة معيقة، كما بينت فى الفصل الأول، فعدلت عنه، فكان الفصل الثالث كما جاء فى المقدمة العامة.

وقد تأكدت المقاومة فى الحلم (40) وأورد بعض ما كتبته آنذاك [2] دليلا على ذلك:

“لاحظت طوال ستة أشهر أن صعوبتى تتزايد باستمرار، ذلك أننى كلما تقدمت فى القراءة خشيت أن يستهوينى العثور على رمز هنا أو هناك فيطفو على حساب إعادة التشكيل نقدا، كذلك شعرت أننى بين الحين والحين أتلقى بعض الأحلام بفتور لايثير فىّ حاستى النقدية، وأفسر ذلك مرة بأن من حق المبدع (محفوظ) أن تتماوج حدة إبداعه لظرف أو لآخر، كما أن من حق الناقد (أنا) أن تخمد مسام تلقيه لبعض العمل، وأن يتعامل معه بنفس الصدق الفاتر الذى افترضه فى المبدع (ربما دون وجه حق)، أى أن يستعمل نفس الحق (أن تتراخى حاسته النقدية)، تبدّى هذا بعض الشئ فى حلم (39)، وقبل ذلك ألمحت إليه فى حلمىْ  (6، 11) وإلى درجة أقل (22) ثم حلم(41).

حاولت أن أبحث فيما يصلنى من بريد وتعليقات حول الأحلام بالذات عن ما يعيننى فى تذليل صعوبتى، أو تعديل وجهتى، أو ما يدفعنى أن أؤجل الأمر برمته إلى حين أقدر على القيام بالدراسة الطولية الجامعة، وجاءنى الرفض واضحا من معظم المعقبين، وطلب أغلبهم منى أن أواصل”.

كنت أرد على هذه الآراء أحيانا فى بريد الجمعة فى الموقع الخاص بى، وأستفيد من ذلك، لكن ليس أبدا إلى درجة أن أتخذ قرارا حاسما.

حلم (1)

أسوق دراجتى من ناحية إلى أخرى مدفوعا بالجوع باحثا عن مطعم مناسب لذوى الدخل المحدود، [3] ودائما أجدها مغلقة الأبواب، وحانت منى التفاتة إلى ساعة الميدانفرأيت أسفلها صديقى، فدعانى بإشارة من يده فملت بدراجتى نحوه واذا به على علم بحالى فاقترح علىّ أن أترك دراجتى معه ليسهل علىّ البحث، فنفذت اقتراحه وواصلت البحث وجوعى يشتد، وصادفنى فى طريقى مطعم العائلات، فبدافع من الجوع واليأس اتجهت نحوه على الرغم من علمى بارتفاع أسعاره، ورآنى صاحبه وهو يقف فى مدخله أمام ستارة مسدلة، فما كان منه إلا أن ازاح الستارة فبدت خرابة ملأى بالنفايات فى وضع البهو الفخم المعد للطعام، فقلت بانزعاج:

– ماذا جرى؟

فقال الرجل:

أسرع إلى كبابجى الشباب لعلك تدركه قبل أن يشطّب، ولم اضيع وقتا فرجعت الى ساعة الميدان، ولكننى لم أجد الدراجة أوالصديق.

يقال عن نجيب محفوظ  – شخصيا – إنه رجل تقليدى، عادى، ملتزم، هادئ، أُسَرِىّ، راضٍ، متكيف مع المؤسسات عموما، وفى نفس الوقت فإن المتابع لإبداعه لابد أن يلحظ موقفه الناقد الثائر المبدع وهو يعرّى، وقد يفكك، بل أحيانا يحطم أقدس المؤسسات التى تجمدت حتى أصبحت تؤدى عكس ما نشأت له [4] .

.. فى الحياة البشرية المعاصرة تبدو “المؤسسة الزواجية” من أهم المؤسسات الضرورية الصعبة، أو الحتمية الخطيرة. أغلب الأحياء الأخرى لا تضطر إليها بنفس الصورة التى آلت إليها عند الإنسان، ولأنها ضرورية حتى تاريخه، ولأن بدائلها فشلت – بصفة عامة- على المستوى العام، فالناس العاديون لا يقتربون من نقدها عادة، إلا بنكتة هنا، أو لمز هناك، وفى نفس الوقت يتواصل تخريبها من الداخل، إما بمواصلة العمى، أو بالهدم المعلن أو الكذب أو الخيانة.

 مثل كل المؤسسات الضرورية المرحلية (المؤسسات الدينية الجامدة – مؤسسات الدولة خصوصا “الديمقراطية” – الأخلاق الفوقية).. لا ينبغى الإقرار بسلامة وضع هذه المؤسسة الزواجية الحالى لمجرد أنه ليس هناك بديل مناسب، علينا أن نظل نستعملها، مهما كان نقصها ومهما عانينا من عيوبها، حتى نطورها أو نستبدلها مهما طال الزمن، حتى يتم ذلك نظل ننقدها ونعرّيها دون هوادة أو كلل.

وهنا يتجلى دور الإبداع الخلاّق.

القراءة:

هذا الحلم الأول يبدأ وهو يعلن أن الدافع الأساسى لسعى هذا الشاب كان الجوع، وأن الواقع الماثل كان “الدخل المحدود“، وأن النتيجة هى إعلان صعوبة إشباع هذا الجوع، وأن الزمن (ساعة الميدان) يقف بالمرصاد، فالسعى مع تزايد الجوع لا يمكن أن يمتد إلى مالا نهاية، وها هى عقارب الساعة تدور فى الميدان بلا توقف.

 تنازَلَ الشاب عن آلة بحثه – الدراجة – المفروض أنها أسرع من المشى- نتيجة لنصيحة صاحبه فزاد جوعه، وزاد بحثه، فلاحت له المؤسسة الزواجية “مطعم العائلات“، فأضيف إلى دافع الجوعدافع آخر هو اليأس: اليأس من ماذا؟ من العثور على مطعم آخر يشبع الجوع، وفى نفس الوقت يحترم الإمكانيات (الدخل المحدود)،

 مهما كانت حسابات الواقع تلوّح بالإحباط فإن دافع الجوع يُعمى عن تناسب القدرة مع الإمكانيات، فيندفع الشاب إلى المطعم الذى وجده مصادفة (مثلما تحدث أغلب الزيجات) ليكتشف ما لم يتوقعه بداخله.

 المفاجأة هنا أن محفوظ لم يدع الشاب هو الذى يكتشف أن المسألة كانت سرابا، فلو أن هذا الشاب كان قد استعبط أو نسى (من فرط جوعه) ودخل وأكل وشبع ثم عند الحساب لم يجد معه ثمن الأكل مثلاً، إذن لوجدنا أنفسنا أمام دراما مسطحة وقصة معادة تصلح لتزجية الوقت أو التندر على من يدخل مغامرة آمِلَةْ، ثم ينال نصيبه من السخرية أو العقاب أو الإحباط، هذا موقف محرج مضحك يمكن أن نشاهده فى فيلم للريحانى، أو مقلب يدبره عبد السلام النابلسى لاسماعيل يس، المسألة هنا أعمق وأعقد: إن الذى كشف المستور هو صاحب المطعم نفسه، وقد كشفه قبل دخول الشاب أصلاً، صاحب المطعم لم يخدع الشاب ويسمح له بالدخول حتى يكتشف بنفسه خراب المؤسسة، وأنها ليست إلا مقلب نفايات، بل لقد أزاح بنفسه الستارة، وكأنه يحذر الشاب ليس فقط مِنْ فكِرِه الآمِلْ فى “مطعم العائلات”، ولكن أيضا يحذره من حقيقة ما وراء جوعه.

 واقع المجتمعات المعاصرة، خصوصا التقليدية منها، لا تعلن هذه المخاطر هكذا، وحين حاول الثوار الاجتماعيون والعدميون والمثاليون إعلانها بوضوح صارخ كما شاع وذاع فى خمسينيات القرن الماضى (عقب الحرب العالمية الثانية) خرجت أعمال بَدَتْ ثورية انتهت إلى دعوة الهدم الصريح كما تتجلى –مثلاً- بشكل مباشر فى كتاب دافيد كوبر “موت العائلة”   Death of the Family  [5] وفى محاولات بعض جماعات الهيبيز، والكوميونات النكوصية، وتنويعات العلاقات المتعددة الحرة.

 هنا فى الحلم: بدا لى كشف الستارة، ومن قِبَلِ صاحب المطعم شخصيا بهذا الشكل، هو نوع من الصراحة الصارمة التى تعلن مسبقا ما ينتظر الجائع الحالم حتى العمى، إنذار لا شبهة فيه، إنذار ينبهه أن المؤسسة الزواجية “هكذا” غير قادرة على أن تشبع جوعه هذا، ليس فقط جوعه للجنس أو للحب أو لهدوان السر، ذلك أننا نلاحظ أن محفوظ قد ترك الأمر مفتوحا لكل الاحتمالات وهو يصف الشاب صديقه بأنه “عالم بحاله”، وليس بالضرورة عالم “بجوعه فقط”.

إذا كان هذا هو أمر “مطعم العائلات” بعد أن عرّاه صاحبه نفسه، فما البديل؟

لكن قبل أن ننتقل إلى الرد على السؤال (الذى ليس له رد) تعالوْا ننظر فى صورة تشكيلية ذات دلالة خاصة رسمها الحلم بإبداع خاص ذلك أن الستارة لم تتكشف عن مجرد خرابة بها نفايات بدلا من كونها مطعم تغرى واجهته بتخصصه للعائلات، إن تعبير “…. فبدت خرابة ملأى بالنفايات فى وضع البهو الفخم المعد للطعام” يحتاج إلى وقفة خاصة، فمطعم العائلات لا يتكشَّف عن مجرد خرابة حتى لو أكد أنها خرابة ملأى بالنفايات”، لكن محفوظ حدد أن النفايات مُرََتبة فى “وضع البهو الفخم” المعد للطعام!! كيف يمكن أن نقرأ ذلك؟

 أدعو القارئ أن يتصور معى هذا المنظر الذى، لم أستطع أن أتخيله شخصيا إلا حين تذكرت كيف كنا صغارا نلعب بيوتا نرسمها بأكملها على أرضية “الفراندة” بأن نرص الأحذية التالفة، والشماعات المكسورة والكراريس القديمة على الأرض، لنشكِّل منها الحجرات بما فيها من صالونات ومطابخ…..الخ. هكذا تجسد لى تعبير محفوظ كيف أن النفايات رسمت بشكل يرسم بهوا فخيما معدا للطعام.

عودة إلى التساؤل. هل ثَمَّ بديل؟

هذا الحلم الأول -على إيجازه- يضعنا فى نفس الموقف الذى نبهنا فيه “فى النشرة اليومية 3-9-2008  [6]  حيث أكدنا أن عدم وجود بديل لا يعنى التسليم بالواقع مهما كانت عيوبه، فالملاحَظْ أننا نتعامل مع صعوبات هذه المؤسسات (المؤسسة الزواجية –والديمقراطية- والتفسيرات الدينية….إلخ) بأنْ نكتفى بالرضا بها، ونمضى نبالغ فى تزيينها حتى التزييف، باعتبارها غاية المراد من رب العباد على طول المدى، فتصبح أسوأ باستمرار.

هنا فى الحلم: نجد أن الذى أوصى الشاب ببديلٍ محتمل مؤقت هو صاحب مطعم العائلات، وكأنه ينصح الشاب أن يعيش شبابه أولا، حتى لا يورطه الجوع –مجرد الجوع- إلى مطعم تتناقض لافتته مع ما وراء ستارته، (ظاهره، مع حقيقته) ليس هذا فقط، بل إنه يحذره – مثلما ألمحتُ سابقا– أن الزمن لا ينتظر، وأن الشباب “يمكن أن “يشطب” فى أى سن”، نلاحظ أيضا أن الشاب رجع إلى “ساعة الميدان” وليس إلى الميدان، للتأكيد على التنبيه إلى مرور الزمن فلمح الساعة كما كان الحال فى أول الحلم، استقبلتُ ذلك على أنها إشارة إلى مخاطر نتائج التأجيل أو التزييف أو العمى الحيسى.

 نهاية الحلم بعد ذلك مفتوحة  على صفحة وعى القارئ، هى لم تلجأ إلى التسطيح بأن ينبهنا النص إلى أنه “لا يصح أن نضيع شبابنا فى أحلام ليس عندنا إمكانيات تحقيقها”، فلو أن الشاب وجد دراجته وسأل صاحبه عن كبابجى الشباب فدلّه أو لم يدله على احتمالات مكانه لكانت نهاية إرشادية فاترة، أو لو أن النهاية ركزت على عقارب ساعة الميدان وأظهرت كيف أن الشاب لم يهمه غياب صديقه وعجلته، فراح يواصل السعى من جديد، إذن لكانت إشارة لنهاية أفضل قليلا لأنها مفتوحة، أما أن يقفل الحلم بهذا الحسم الغامض فهو يلقى بالنهاية فى مواجهة وعى القارئ يبدع منها ما يشاء.

****

نص الحلم (2)

دخلنا الشقة.. الفتاة فى المقدمة وأنا فى أثرها والبواب يتبعنا حاملاً الحقيبة، الفتاة على صلة بى مؤكدة وكأنها (ولكنها) [7] غير محددة. تركنا ترتيب الأشياء ودلفت إلى الشرفة المطلة على البحر سابحاً فى آفاقه غير المحدودة منتعشاً بهوائه الرطيب منتشياً بهديره المتقطع، وإذا بصرخة تنطلق من الداخل فهرعت نحوها فرأيت الفتاة منكمشة مذعورة والنار تشتعل فى أعلى الباب وقبل أن أفيق من الصدمة دخل رجل صلب الملامح كأنما قدت من صخر وبإشارة من يده انطفأت النار وتحول ذاهباً وهو يقول:

ربما انقطعت المياه بعض الوقت،

 وغمرنى الارتياح فلم أبال بشئ.

غادرت الحجرة قاصدا السوبر ماركت لأبتاع بعض التموين المناسب.. ولما رجعت وجدت باب الشقة مفتوحا والبواب واقفا فدخلت إلى الحجرة قلقا فوجدتها عارية إلا من بقجة منتفخة بالملابس ملقاة على الأرض وذراع بيجامتى يتدلى من فتحة فى رابطتها ولا أثر للفتاة فسألت:

ماذا جرى؟

فأجابنى البواب

– حضرتك أخطات الطريق وهذه ليست شقتك فأشرت إلى ذراع البيجاما وقلت:

– هذه بيجامتى

فقال الرجل بهدوء:

– يوجد من نوعها آلاف فى السوق

وملت إلى الاعتقاد بالخطأ متذكرا أنه توجد ثلاث عمارات متشابهة فى صف واحد وهبطت السلم بسرعة وفى الطريق رأيت الفتاة فى طرفه المفضى إلى ميدان مكتظ بالسيارات والبشر، فجريت نحوها حتى أدركها قبل أن تذوب فى الزحام.

القراءة:

الفتاة فى المقدمة، وهو فى أثرها، والبواب يتبعهما حاملا الحقيبة،

 دخل الجميع الشقة بهذا الترتيب،

لا يبدو فى الأمر أى احتمال أن يكون ثَمَّ نداءٌ من جانب الفتاة يجذبه إليها، كما كنا نسمع عن جذب النداهة للمارة على الترعة،

إلا أن الصلة مؤكدة، لكنها (كما قرأتُها) غير محددة،

 فضلتُ أن أتصور أنها “لم تتحدد بعد”.

حضرتنى هذه البداية بمثابة نفىٍ لأسطورة النداهة بعد أن  شوهتها العلاقات المعاصرة الفاترة الخالية من السحر والجذب الغامض، ذلك النداء السِّرى، المُغْرى، القوى، الواعد، برغم خطر المجهول، لابد وأن يختفى مع هذا التتابع المصفوف، برغم أن الفتاة فى المقدمة.

ومع ذلك فثم يقين بعلاقة ما، برغم غموضها. يقينٌ دون جذب أو وعود.

الجذب كان للراوى دون الفتاة وإلى الطبيعة، مهملاً أو متجاوزاً فتور نداء الفتاة الذى لم يظهر حتى الآن، الجذب كان إلى المطلق، إلى البحر “سابحا فى آفاقه غير المحدودة”، منتعشا بهوائه الرطيب“، هذا التجاوز إلى  المطلق كَشَفَ أكثر فأكثر فتور النداء الغائب إلى الأخرى (الآخر) تلك التى حلت محل النداهة، لتلغيها.

ظلت الفتاة فى الداخل بعيدا عن كلِّ من البحر وعنه، حتى أعلن الحريق انفصالها المذعور.

اجتمع الحريق فى معبر التواصل (أعلى الباب)، مع انطفائه بأمرٍ من ذلك التصلب الصخرى المتمثل فى الرجل صلب الملامح، والذى أطفأ الحريق بإشارة من يده، فاستغنى – ربما بتصلبه – عن ماء المحاياة الذى انقطع حتى قبل أن نحتاجه لإطفاء الحريق.

ينتهى الفصل الأول هذه النهاية التى سحبت صاحبنا من حواره مع المطلق، وفى نفس الوقت جمَّدت الحركة، ولوَّحت بزوال خطر التواصل مقابل انقطاع الماء والتصنيم، فهو الانشقاق النمطى الساكن الذى يتغذى باللامبالاة كأنها الراحة (وغمرنى الارتياح، فلم أبال بشىء)،

فإلى السوبر ماركت،

 ليعود، فلا يجد من نفسه المتميزة، إلاَّ آثاره التى لم تعد متميزة،

 هذا البحث عن معالم الذات التى تصبح بلا معالم خاصة (يوجد من نوعها آلاف فى السوق) يرجع فى سعيه للآخر، إلى بحثه الأول عن ذاته، ليست تلك التى كادت تذوب  إيجابيا فى المطلق (البحر سابحا فى آفاقه) والتى أَجْهَضَتْ ذوبانها صرخةُ مسِخ النداهة العاجزة الفاترة الفاشلة، ولكن ذاته المغتربة اللامبالية، الرتيبة التى عادت تتسوق فى السوبر ماركت، لتصبح مثلها مثل الآلاف التى فى السوق، بل ويصبح المحيط حيث العمارات متشابهة أيضا.

لكنها ليست النهاية، فطالما أن ثمة حياة، فثم نداء ونداء ونداهة، لكنها تبدو أكثر نشاطا، وأجمل وعداً وسط زحام الواقع بالبشر والسيارات، شوقا إلى آخرٍ حقيقى محاورٍ متوجه هذه المرة إلى شرفة أجمل، وبحر أكثر رحابة، وأوسع آفاقا.

 هذا الانجذاب إليه “معا”، تتابعا أو سحراً، أو انتشاراً هو ما يميز سعى الإنسان المتصل إلى الاستجابة لندّاهة لا تفصله عن المطلق، ولا تختفى فتبهت ذاته فتصبح بلا معالم مثلها مثل أى ذات، ملقاة فى شقة فى عمارة مثل العمارات،

 لكنها نداهة أخرى تسرى بين الناس، وسط الزحام، تظل تَعِدُ جاذبة وهى تنادى، وهو يتبعها،

لينتهى الحلم: لا هو يلحق  بها

ولا هى تختفى

لا هو يهملها إلى الشرفة حين يجذبه المطلق

ولا هى تنكمش من حريق فاصل، ينطفئ بأمر متصلب، جنبا إلى جنب مع انقطاع المياه

إن ما يحافظ على العلاقات البشرية الحقيقية، ليس تحقيق التواصل بقدر ما هو استمرار السعى إلى الآخر وسط الناس، مع الاحتفاظ بالمسافة تضيق لتتسع.

فإن كان ثَمَّ توجهٍ إلى المطلق، فليكن “معا إليه”.

وإلا

فالحريق، فالجمود، فاللاماء، فالضياع، فالنمطية

ها هى الحياة تُواصِلُ حفز سعينا إلى بعضنا البعض، وسط الزحام “إليه”.

****

الحلم‏ (3)

هذا سطح سفينة يتوسطه عامود مقيد به رجل يلتف حوله حبل من أعلى صدره حتى أسفل ساقيه وهو يحرك رأسه بعنف يمنة ويسرة ويهتف من أعماقه الجريحة

متى ينتهى هذا العذاب؟

وكان ثلاثتنا ينظرون إليه بإشفاق ويتبادلون النظر فى ذهول

وتساءل صوت:

من فعل بك ذلك؟

فأجاب الرجل المعذب ورأسه لا يكف عن الحركة

أنا الفاعل

لماذا؟

هو العقاب الذى أستحقه

عن أى ذنب؟

فصاح بغضب:

الجهل

فقلت له:

عهدنا بك ذو حلم وخبرة

جهلنا أن الغضب استعداد فى كل فرد

وارتفع صوته وهو يقول:

وجهلت أن أى أنسان لا يمكن أن يخلو من كرامة مهما يَهُن شأنه

وغَلَبنا الحزن والصمت.

القراءة:

نبدأ من الآخر أيضا:

(1) “الغضب استعداد فى كل فرد“،”

(2) أى إنسان لا يمكن أن يخلو من كرامة مهما يَهُن شأنه”.

 يبدو أن هذه البديهيات التى نتصور أنه لا جدال حولها، خاصة ونحن نرددها ليل نهار، ونتصور أننا بمجرد أن ننطقها قد حققناها، يبدو أن حلم محفوظ هنا ينبهنا إلى احتمال أننا فى حقيقة الأمر – ننساها- حتى لو ظللنا نرددها دون أن نختبرعمق وحقيقة ممارستها بتسطيحٍ أو تزييفٍ أو كذب.

أما أن الغضب استعداد فى كل فرد، فقد شغلتنى هذه المسألة طويلا حتى صغتها حديثا (2007) فى شكلها الأبسط فى صورة أغنية للأطفال [8] .

ثم إننى شُغِلْت قبل ذلك (1980) بما وراء هذا الغضب الإيجابى، حين رحت أدافع عن الوجه الإيجابى لغريزة العدوان التى عادة ما ننكر دورها الإيجابى خوفا من حضورها التحطيمى السلبى الأشهر[9].

الجهل ذنب خطير:

حين ننكر هذا الحق (حق الغضب) جهلاً أو تجاهلاً، ونتنكر- ضمنا- لإيجابيات هذه الغريزة (العدوان)، فنحن نختزل طبيعتنا البشرية فنستحق العقاب، أقسى العقاب، وهذا هو ما بلغنى مما يمثله هذا الرجل المقيد نفسه على عامود السفينة؟

هذا هو الجهل الأول.

الجهل الثانى (الذى يبدو أيضا أنه تجاهُل، فإنكارْ)، هو أن نخص الكرامة (التى أكرم الله بها كل خلقه)، بفئة دون أخرى، وسواء فهمنا كيف أن الكرامة نابعة أساسا من أن الله “كرم الإنسان”، من حيث هو إنسان، أو فهمناها بذاتها لذاتها بمعنى العزة والحرية والإباء، فإن جهلنا بها أو تخصيصها لفئة من البشر دون أخرى يترتب عليه ذنب آخر يستحق نفس العقاب، أو مضاعفته، وهو ما جاء فى هذا الحلم وأعلِنَ بعد صدمة إفاقة.

الذى يجهل (يتجاهل / يُنْكر) حق الغضب (مع أنه استعداد فى كل فرد)، كما يجهل (يتجاهل/ينكر) أن أى إنسان لا يمكن أن يخلو من كرامة، لابد أن يدفع الثمن؟

 وهو نفسه الذى يصدر الحكم على نفسه “كَفَى بِنَفْسِكَ اليِوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبٍا” (سورة الإسراء، الآية 14).

لكن: كيف يكون الجهل جريمة تستحق العقاب؟ أى ذنب اقترفه هذا الجاهل؟

كثيرا ما أكرر مثل ذلك على طلبتى حين أجد أن شركات الدواء قد أغلقت عقولهم إلا على ما يخدم أموالها، فى حين يُلقى المرضى فى وعينا من “المعرفة والمعانى” ما يعيننا على مساعدتهم ورؤية أنفسنا وإياهم، لكننى أجد مقاومة شديدة من طلبتى وزملائى لفهم أبسط هذه الرسائل، فأقول لهم: “إن الله سيحاسبنا على ما نعلم، وعلى ما رفضنا أن نعلمه، أو تجنَّبنَا أن نعلمه، ولو لاشعوريا، ما دامت قد أتيحت لنا فرصة تعلُّمُه، معرفته، إدراكه [10] .

العقاب:

طيب ما هو العقاب الذى نلحقه بأنفسنا إذا ما أذنبنا فى حق أنفسنا فعشنا أنقص مما خلقنا الله، بمعنى أدنى، وأقل، وأكثر تشويها؟

نقرأ الحلم

مسرح الحلم هو سطح سفينة، هل هى مقابل سفينة نوح؟ “صدمة الإفاقة” التى يحملها لنا الحلم، نحملها ونحن نركب الفلك لعلها تنقذنا من الاغتراب التخديرى الذى وصَلْنَا إليه على مستوى العالم.

بالصدفة البحتة بعد أن كتبتُ المسودة الأولى لنقد هذا الحلم وصلنى من زائرة (قارئة) كريمة تعليقا [11]  على معلومة جعلتنى أعيد تحديث نقد الحلم.

تقول هذه المعلومة “… طلب “هوشى منّهً” قائد الثورة الفيتنامية من رفاقة أن يربطوه بسارى مركب، ولا يفكوه مهما تأثروا بصراخه، حتى يتسنى له الكف عن تعاطى الأفيون“. هزتنى هذه المعلومة وأنا أربطها بحدس نجيب محفوظ الإبداعى برغم عكس الرسالة، ذلك أن “هوشى منّهً” يربط نفسه “ليفيق من المخدّر”، فى حين أن رجلنا هنا يربط نفسه “عقابا” على أنه استسلم لتخدير الاختزال والاغتراب وتشويه الفطرة.

ما وصلنى من تشكيل هذا الحلم أن نجيب محفوظ يبلغنا بهذا الحلم أنه:

مهما بدا العقل الفوقى حليما وحكيما، ومهما بدا يقظا متلفتا، فهو قاصر عن الإحاطة بكلية الوجود، لأنه أغلق بقية قنوات المعرفة بما فى ذلك “الحركة” و”الجسد”.

العلم المعرفى الأحدث (خاصة فى العشرين سنة الاخيرة)، يحاول تصحيح هذا الذى لحق بالوجود البشرى اختزالا واغترابا حتى التخدير، وذلك حين يذكرنا أن العواطف لها برامجها المعرفية، وأن الجسد (بما هو جسد) يشارك فى التفكير [12] كما يعلمنا متصوفونا ومتصوفو العالم – المبدعون لا الذاهلون – أهمية بقية قنوات المعرفة المشاركة مع (وليست البديلة عن) العقل المنطق الأحدث.

النتيجة!!

 هكذا يحدد هذا الحلم بصورة تشكيلية شديدة الإيجاز والتكثيف الأمور على الوجه التالى:

(1) إننا قيدنا وجودنا كله، حتى الشلل حين حلّ هذا الرأس المتلفِّت: العقل الفوقى، محل حركتنا الاستكشافية المعرفية (الإيمانية).

(2) إنه سواء كان التلفت إلى اليمين (أى يمين) أو إلى اليسار (أى يسار)، فالنتيجة واحدة والضياع واحد، والعقاب حتمى.

(3) إن هذا الاغتراب التخديرى المُعقْلَنْ إنما يجرحنا فى غور وجودنا إذ يختزلنا حتى تستغيث أعماقنا “متى ينتهى هذا العذاب”.

لكن مَنْ هؤلاء الثلاثة الذين ينظرون إليه باشفاق ويتبادلون النظر فى ذهول؟

خطرت ببالى عدة احتمالات لرقم “3” هنا، رفضت إثباتها جمعيا خوفا من التعسف، ومع ذلك احترمت أنهم ثلاثة (ليسوا واحدا) احتراما شديدا، دون تعليق، خاصة وأنه سيأتى ذكر الرقم 3(ثلاثة) فى الحلم “4” (ومن يدرى بعد ذلك).

أما هذا الصوت: الذى يتساءل: “من فعل بك ذلك؟

فقد يكون صوت أحد الثلاثة                

كما يمكن أن يكون صوت الزمن

أو صوت الشخص المقيد على السارى  (على نفسه بصيرة).                  

ننبه أيضا إلى أن إنزال العقاب ليس مرادفا للشعور بالذنب، العقاب هنا هو أن يعيش الإنسان ناقصا عاجزا برغم حدة انتباهه “فى المحل”.

ثم أن الرجل لم يكن مشدودا إلى صليب يتألم فوقه بل كان مقيدا بحبال عقله الأعلى لا أكثر.

هذا العقاب هنا يتمثل فى الحرمان من بقيه مناهل المعرفة من ناحية، سواء كانت المعرفة بالجسد أم بالحدس أم بالحر كة أم بالوجدان، كما يتمثل من ناحية أخرى فى العزلة والعجز والحركة البندولية بين اليمين واليسار.

هامش:

قبل أن أشير إلى خاتمة الحلم، وكيف وصلتْنى، أنبه إلى تعبير “وجهلنا أن الغضب استعداد فى كل فرد“… مقارنة بقوله: “جهلتُ أن الإنسان لايمكن أن يخلو من كرامة” وكأنه جعل الجهل “العام” (نحن) بإنكار “العدوان والإبداع”، هو الخلفية التى جعلته فرداَ، يميز البشر إلى “من عنده كرامة، ومن لا يستحقها”.

النهاية:

أرجو أن ينتبه قارئ الحلم لنهايته بدقة مناسبة، ذلك أن الحزن والصمت لم يكونا من مشاعر المحكوم عليه بالقيد والجمود، حتى لو شعر بالذنب، وعاقب نفسه هكذا، واعترف بجريمة الجهل. نهاية الحلم كانت حزن وصمت الجماعة “الثلاثة أو الثلاثة زائد الصوت أو الثلاثة زائد الصوت زائد الرجل المقيد، أو نحن جمعيا بنى البشر“.

حزننا هو لهذا الانقسام الذى بتر الوجود البشرى إلا من عقله الأعلى المتمنطق حتى لو اتصف بالحلم والخبرة. ربما يكون هذا هو الحزن الدافع الأقوى لتحمل غموض وضرورة العلاقة بالآخر فى آن.

أو لعله الحزن الذى هو التفاعل المناسب المصاحب لصدمة تعرية الحقيقة.

أما الصمت بعد هذه الرؤية فقد وصلنى على أنه ذلك الصمت المفعم بوعود اليقين وضرورة مواصلة السعى الممتد كدحاً إليه.

وبعـد

1- هل يمكن أن يقول تشكيلُ حلم بهذا التكثيف والإيجاز، كل ذلك؟

2- وهل لو عرضت هذه القراءة على مبدع الحلم –محفوظ نفسه-  يقبلها؟ 

3- وهل من حقى أن استقبل هذا الحلم/التشكيل المكثف بكل هذا التفصيل الناقد الصعب؟

الإجابة عن السؤال الأول هى: أن نعم،

 فإن لم يكن الحلم قد قاله فهذا هو ما حضرنى نقداً.

الإجابة عن السؤال الثانى هى: سواء قبلها المبدع الأول أم لم يقبلها، فهذا الأمر ليس من حقه، فالمبدع يبدع، ثم يأتى النقاد بما شاؤوا كيف وصلهم النص.

الإجابة عن السؤال الثالث هى: متضمنة فى الإجابة عن السؤالين السابقين

* * *

قراءة سابقة:

 اكتشفت أنه سبق أن قرأت هذا الحلم ناقدا فى عمل سابق بتاريخ 19/8/2005روزاليوسف، فضلت أن أثبته هنا كما هو، تأكيدا لطبيعة هذا العمل وكيف أن التلقى/النقد يتسق أو يختلف عند نفس الناقد فى مواقف وأوقات مختلفة.

يبدأ هذا الحلم باسم الإشارة “هذا.. سطح سفينة”، فيضعنا على الفور أمام الصورة التى يقدمها لنا، قبل وبعد الحكى، ثم هو يضعنا فى بؤرة “الآن”، فلا نملك إلا أن نشاهد التشكيل بكل أبعاده معا: المعذب المصلوب، فالمحيطون من الداخل والخارج (!).

شخوص التشكيل كُـثـْر، فبالإضافة للمعذب المصلوب نجد الثلاثة المذهولين شفقة، ثم الصوت، فالحاكى (الراوى)، ثم إن الموضوعات التى حضرت فى الصورة شديدة التنوع رائعة الإثارة، وهى تترجح بين الألم، والتكفير، والجهل (بالطبيعة البشرية)، والشعور بالذنب، والصبر والحزن، مع إلماحة إلى الحِلم والخبرة.

أما التقابلات والتناقضات المثيرة أيضا فهى عديدة منها: تواكُـب الصَّلب والتقييد مع الحركة التى لا تهدأ، ثم تواكُـب الشعور بالذنب فالتكفير مع اكتساب حدة البصيرة، كذلك تواكُـب الذهول مع الدهشة، وأخيرا الصبر مع الحزن.

ثمة اختراقات أخرى إبداعية صادمة تفاجئنا حين يقدم لنا محفوظ الجهل باعتباره رذيلة تستأهل هذا العقاب، وإن كان قد وصلتنى فرحة لاعتبار أن الجهل – اختياراً أو كسلاً – هو رذيلة بصفة عامة، إلا أن الحلم هنا حدد نوعا هاما من الجهل، وهوالجهل بطبيعتنا البشرية: سواء طبيعة الغضب، أم نبل الكرامة.

يغوص بنا هذا الحلم أيضا إلى مستوى رائع العمق حين يرينا أن المجروحة هى الأعماق (ويهتف من أعماقه الجريحة)، مع أن ظاهر الصورة يمكن أن يلفت أنظارنا إلى البحث عن آثار الجروح الناتجة، على اليدين والجسم مثلا، عن فرط الحركة مع حبكة القيد.

الأعماق جرحُها أكثر إيلاماً خاصة إذا واكبتها قيود كبلت صاحبها عن تصحيح ذنبه.

 نعود لنتساءل: من هؤلاء الثلاثة؟

ولماذا هو “صوت” هكذا “نكرة”؟

وهل الراوى هو أحد هؤلاء الثلاثة، أم هو عينٌ خارجية راصدة؟

وما العلاقة بين أن المصلوب صاح “بغضب” أن ذنبه هو الجهل، وانه جهلٌ بطبيعتنا الغضبية بالذات؟ ثم يلحق بعد ذلك: وأيضا بكرامتنا الإنسانية. هل اختيار محفوظ لتعبير “وصاح بغضب” هو لبيان أن المصلوب يطلق لغضبه العنان بعد أن اكتشف كيف تجاهله زمناً فاستحق ما يلقاه علماً بأنه هو صالب نفسه. هل هو مجرد شعور بالذنب فالتكفير؟ الأرجح عندى أنه ليس كذلك، زخم الحركة فى الحلم ينفى تجميد الموقف عند لوم النفس وعقابها تكفيرا. الحوارالغاضب والوعى المتجدد، ينبهنا أن المسألة هى إعلان نقلة تائبة، تحفز إلى الاعتراف بحقنا فى الغضب من جهة، كما نبهنا المصلوب:”جهلنا أن الغضب استعداد فى كل فرد”، وفى نفس الوقت: ممارسة التعبير الغاضب فى إعلان امتداد البصيرة إلى التمسك بالكرامة الإنسانية مهما بلغت الإهانة الظاهرة. هل يريد محفوظ أن يوصل لنا أن بصيرتنا فى “حقنا فى الغضب” وحسن استعمال هذا الحق هو الذى يمكن أن يحفظ كرامتنا، وأن إنكارنا هذا الحق، ومثله، يصيبنا بالعمى النفسى بما يستتبعه من ضياع الكرامة أو التنازل عنها؟

كل ذلك كشفٌ مكثف لطبيعة النفس البشرية وهو كشف معرفى إبداعى يتجاوز تناول الغضب كانفعال شارد يتخطى حدود الضبط والتحكم (مثلما يفعل سوء فهم بعض العلوم النفسية أحيانا). إن هذا الكشف يبلغنا كيف يتواكب “حق الغضب” مع ” الكرامة البشرية”. فلا يعود الغضب، رذيلة على طول الخط، ولا تعود “النفس المطمئنة” جدا هى غاية المراد، إلا وهى راجعة لتدخل فى عباد الله قبل أن تدخل جنته سبحانه وتعالى !!

ثم إنه يمكن أن نقرأ كل هؤلاء الشخوص باعتبارهم “ذوات الداخل”, وهى تمارس جدل النمو: هؤلاء الثلاثة المذهولون فى دهشة يمكن أن يكونوا تمثيلا لحالات الذات الثلاثة التى تقول بها نظرية التحليل التفاعلاتى Transactional analysis وليس التحليل الفرويدى، كل واحد منا هو “كثير فى واحد”، كل واحد منا يحمل ثلاث حالات للذات (هم ذوات فعلا) بصفة مبدئية: الذات الطفلية، والراشدة، والوالدية. هذه التقسيمة يساء فهمها عند العامة وبعض الخاصة حين يتوقفون عند التحليل التركيبى دون النظر فى جدلية النمو بين هذه الذوات الثلاثة إلى ما يسمى “الراشد المتكامل”، الذى لا يتحقق أبدا، وإن كان يتخلق إلى غايته طول الوقت، لأنه ” فى حالة تكوّن مستمر”.

نحن – كبشر ليس عندنا ذوات ثابتة تحدد ماهيتنا، لكننا نخلـّقنا تخليقا طول الوقت. نرى ملامح بعض ذلك فى هذا النص المحفوظى المكثف بما يمثله كل من: الصوت، المتململ، والبصيرة المستعادة، وأخيرا “فعلا: الصبر والصمت”. بلغنى الصمت هنا باعتباره لغة أخرى أعمق وأهم إذ هى تتصل بالزمن القادر على احتواء الحركة، دون أن تـُجهض بالإفراغ فى رموز متاحة (الكلام والتفكير المعقلن)، كما أن الحزن فى هذا السياق (وهو غير الاكتئاب) بلغنى أنه الحزن الحيوى الذى يعلن الوعى اليقظ بالسعى إلى عمل علاقة حقيقية مع “الآخر” برغم بصعوبتها الموضوعية، الأمر الذى يحافظ على الإنسان إنسانا، ومن ثم الكرامة !!

الحلم صورة حية. هو تشكيل آنىّ، وهو فى نفس الوقت حركة مستثارة مثيرة لأكثر من توجه معا، ثم هو تجاورٌ وتجاوز للزمن فى آن. هو ليس رموزا جاهزة، ولا مجرد تحقيق رغبة!

* * *

نص الحلم (4)

بهو مترامى الأركان متعدد الأبواب خال من كل شئ فوقف ثلاثتنا فى ركن مكنون، صاحباى يرفلان فى كامل حليتهما حتى رباط العنق على حين اكتفيت أنا بالجلباب المغربى ودون شعور بأى حرج لشدة الألفة التى تجمعنا، سمعت حركة، نظرت فرأيت رجلا لا أدرى من أين جاء فى ملابس رسمية توحى بأنه ممن يشرفون على الحفلات تلففت فى جلبابى وقلت لصاحبى:

أخاف أن تقام حفلة!

فقالا بالتتابع

لا أظن

لا أهمية لذلك..

وجدت حركة أخرى فنظرت فرأيت رجلين ماثلين للأول قد انضما إليه فزال كل شك وهربت إلى أقرب باب وفتحته وكأنى (ولكنى؟) وجدت وراءه سداً من جدار البهو فكررت المحاولة مع الأبواب جميعا وخاب مسعاى كالمرة الأولى رجعت إلى صاحبىّ واندسست بينهما كأنما أستتر بهما.

وطمأننى بعض الشئ أن الرجال الثلاثة لم يعيرونا أى التفات

 وتتابعت الحركات وانهمر سيل من المدعوين من كافة النواحى.

وأخذوا يملأون المكان دون أن ينظر نحونا أحد مركزين أبصارهم فى ناحية واحدة فلم نملك إلا أن نفعل فعلهم وبدا فجأة شخص جليل فى هيئة الزعامة فتعالت قعقعات الهتاف. وكلما تقدم الرجل خطوة اشتد الهتاف ولكنهم حذروه فى الوقت نفسه من السير نحو الباب الذى بدا أنه يقصده وقلت لصاحبى:

سيفتح الباب عن سد لا منفذ فيه.

وتقدم الزعيم وسط هتاف متصاعد وتحذير مستمر حتى فتح الباب ودخل مختفيا عن الأنظار.

قبل القراءة:

صعبٌ هذا الحلم

 (أحسن)

لا أريد أن أقرأه ناقدا

(من حقك)

من يقرؤه إذن؟

(أنت مالك – دعه يصل إلى أصحابه بدون نقد).

لكن محفوظ لم يكن ليوافق على ذلك:

لم يكن يوافق على أن تهمل أعماله تحت زعم أنها عصيّة على النقد.

لا يحيى النص إلا النقد، حتى لو لم يصب هدفه.

بعد هذا الحوار الداخلى، عدت أقلب الصفحات أتصفح أغلب الأحلام، وقررت أنه ليس لزاما علىّ أن أنقدها جميعها

عاد المحاور يحتج:

(ولماذا التعميم؟ ولماذا القرارات المسبقة أصلا؟).

القراءة:

أشرت فى قراءتى  للحلم “3”  كيف انتهى “بثلاثتهم” وهم ينظرون “وقد غلبهم الحزن والصمت”

هنا نقابل أيضا: ثلاثة، وثلاثة، (ليسوا هم بداهة، أو قد يكونون هم!) وجمهور غفير، وحركات ذات إيقاع!

الثلاثة الأُوَل: ينتمون إلى الناس

والثلاثة الآخرون:  ينظمون الحفل الغامض صاحبه ومناسبته معا

المسرح:

 بهو مترامى الأركان متعدد  الأبواب

موقع الثلاثة الأول: ركن مكنون

لماذا؟

أليسوا من المدعوين؟ أليسوا من أهل الدار؟ هل هو ركن الفرجة أم الانتظار؟

الملابس: اثنان من هؤلاء الثلاثة فى كامل حليتهما حتى رباط العنق، أما الراوى فهو يكتفى بالجلباب المغربى  (ولايتحرج من لباسه لشده الألفة التى تجمعه مع صاحبيه).

الحركة:

الحركات تنبثق على المسرح، وكأنها تتخلق فيه،

 حتى حركة الزعيم نرى نهايتها لكننا لا نرى بدايتها.

الحركة الأولى: “سمعت” حركة: (الحركة عادة تـُرى أكثر مما تسمع!) “ويظهر رجل”؟؟ (المشرف على تنظيم الحفل فى ملابسه الرسمية).

الحركة الثانية: “وجدت” حركة: (الحركة لم تسمع ولم ترَ هنا، لكنها “توجد”)، رجلان انضما إلى الرجل الأول مساعداه، ربما.

الحركة  الثالثة: الراوى يهرب إلى أقرب باب.

الحركة الرابعة: الراوى يرجع إلى صاحبيه بعد فشل محاولة الهرب ليندس فيهما، يختبىء بينهما / يستتر بهما (مِـنْ ماذا؟)

الحركة الخامسة: يظهر الشخص الجليل فى هيئة الزعامة

 الحركة السادسة: يسير الزعيم نحو الباب الذى كان مغلقا، ولكن الباب يثبت أنه ليس كذلك بالنسبة لهذا الزعيم.

 الحركة الأخيرة: يمضى الزعيم دون أن يلتفت إلى الجمهور حتى لرد التحية، يمضى نحو الباب المغلق ليفتح له دون غيره ويختفى فيه، وراءه.

التساؤل الأول: لماذا يخاف الراوى أن تقام حفلة؟ هل هو يخجل من اختلاف ملبسه  فى حفل يبدو أن الدخول فيه بالملابس الرسمية؟ لكنه وُجد هو وصاحبيه قبل أن يكون ثم حفل أصلا؟ ثم ما دلالة ملابسه المغربية الفضفاضة؟ هل هى الهوِيّةْ الخاصة يتمسك بها ولا يخجل منها، أم التخلف؟ أم البدائية؟ أم ماذا؟ (أو الجلابية اللى كان لابسها وهو نايم بيحلم)

وهل اختلاف الملبس هذا كاف أن يبرر هرب الراوى فور تيقنه من أن الحفل الذى كان يخشى أن  يقام هو سيقام فعلا فى البهو المترامى الأركان؟

ثم بدا لى أنه  هرب الخائف لا الرافض ولا الساخط،  هرب مذعوراً بلا مبرر. 

ثم يتبين لنا أن الحفل لزعيم لا يبالى بأتباعه المدعويين الذين توافدوا تباعا وهم الذين يبدو أنهم كانوا فى انتظاره منقذا أو قائدا، المهم أنه “الزعيم المنتظر“، هل هو المهدى المنتظر أم المسيخ الدجال؟

كل ذلك وعامة الشعب خاصة مع جوعهم إلى الساحر المنقذ القادم، يهتفون لأملهم الذى تحقق دون أن تتاح لهم فرصة أن يختبروه؟

لكن الزعيم (أو من هو فى هيئة الزعامة) منفصل عنهم، لا يشعر بهم أصلا فيمضى –بما فى رأسه مما لا نعرف– إلى هدفه المجهول، فتفتح له الأبواب الموصدة، التى تفصله أيضا عن الناس.

تحذير الجماهير له ألا يمضى إلى طريق مسدود  لم يصلنى على أنه  حرص عليه أن يصاب بالإحباط مثل الراوى، ولكنه بدا لى نوعا من محاولة  استبقائه بينهم، ربما: حتى يتيقنوا من ظهوره واقعا ماثلا، أو يتحققوا من دوره، هل هو المنقذ المنتظر أم المسيخ الدجال؟

لم نلاحظ فى الحلم استجابة الزعيم للهتاف، ولا تجاوبه مع الأبصار الشاخصة، ولا احترامه لتحذيرالجماهير حتى لو كان ذلك رغبة منهم فى استبقائه لما سبق ذكره،  الزعيم يمضى فى طريقه دون الناس،

ليختفى عن الأنظار قبل أن يقام حتى الحفل.

حضرتْنى صورتان وأنا أتأمل  هذا الاختفاء

صورة باب الهرب إلى سلم الحريق (كما فى الفنادق المؤمَّنة) من الباب الخلفى، وهى تُستعمل ليس فقد عند الحريق، وإنما عند الإنذار به أو توقعه،

أما الصورة الأخرى فقد حضرتنى بالمصادفة البحتة، وهى  صورة هرب “هرمان هسه” وهو يصعد إلى القطار الذى رسمه على حائط سجنه، تاركا الحراس وراءه وهو يختفى فى القطار مع الصورة فى النفق المظلم، ليترك الحراس “واقفين تغمرهم حيرة كبيرة”!

خيل إلى أن اختفاء الرجل “فى هيئة الزعامة”  يحمل المعنيين معا،  فهو هرب من حريق محتمل، حتى دون أن يحدث فعلا، وهو فى نفس الوقت هرب إلى حلم فى ذهنه بديلا عن واقع لم يخبره بما هو، وهذا غير هرب هرمان هسه من واقع اعتبره أقل واقعية من واقعه الإبداعى الذى يخلـّقه بنفسه.

…..

ثم إننا لم نعرف حتى انتهاء الحلم شيئاً كافياً عن تفاعل  الجماهير (المدعويين) إزاء سلوك هذا الذى هو “فى هيئة الزعامة”، والذى لم يظهر إلا ليختفى، حتى دون أن ينتبه لقعقعات هتافهم..

هل سنظل وقوفا ننتظر الزعيم التالى؟

 ومن يضمن أنه سوف يكون  زعيماً حقيقياً، وليس فقط “فى هيئة الزعامة”؟

وترك لنا محفوظ الحلم الإبداع مفتوحا، لنقرر نحن ماذا نفعل؟

هل سيخلع الراوى لباسه المغربى الفضفاض، ليرتدى الملابس الرسمية، ويختنق برباط العنق؟ فلا يخشى إقامة أى حفل، أيا كانت طبيعته أو دوافعه، أو صاحبه، ما دام ارتدى ما يرتديه الآخرون المتلزمون بالملابس الرسمية؟ 

هل سيجمع منظمو الحفل مناضدهم وكراسيهم وزينتهم بعد أن انتهى الحفل قبل أن يقام؟

هل ستفتح الأبواب المغلقة فى وجوه عامة الناس، أم ستظل مغلقة دونهم ولا يسمح لعبورها، أو الهرب منها، إلا للزعماء  الذين قد يثبت أنهم ليسوا إلا “فى هيئة الزعامة “؟

* * *

حلم (5)

أسير على غير هدى وبلا هدف، ولكن صادفتنى مفاجأة لم تخطر لى فى خاطرى فصرت كلما وضعت قدمى فى شارع انقلب الشارع سيركا.

اختفت جدرانه وأبنيته وسياراته والمارة وحل محل ذلك قبة هائلة بمقاعدها المتدرجة، وحبالها الممدُودة، وأراجيحها، وأقفاص حيواناتها، والممثلون والمبتكرون والرياضيون حتى البلياتشو، وشد ما دهشت وسررت وكدت أطير من الفرح، ولكن بالانتقال من شارع إلى شارع، وبتكرار المعجزة، مضى السرور يفتر، والضجر يزحف حتى ضقت بالمشى والرؤية وتاقت نفسى للرجوع إلى مسكنى.

ولكم فرحت حين لاح وجه الدنيا وآمنت بمجئ الفرح. وفتحت الباب فإذا بالبلياتشو يستقبلنى مقهقها.

القراءة:

.. ومن ذا الذى يسير على هدى؟ وبهدف محدد مسبقا؟ هذه كلها (الهدى، والهدف..الخ) أوهام نرسمها فى خطوط عامة، لعل وعسى أن نصدقها،

 حين كتبتُ عن الفطرة قلت إنها تتجلى واقعاً حركيا تشكيليا فى الحلم، أكثر بكثير مما تتجلى فى “واقع اليقظة”  [13] فى هذا الحلم يتبين لنا كيف أن الواقع الإبداعى يبلغنا هنا كم يصعب التمادى فى الوهم، فالحلم يعلن مباشرة أننا نسير على غير هدى، وبلا هدف.

يبدو أن السير على غير هدى فى الحلم هو القاعدة من حيث إنه الفطرة التى يحكمها “قانونها إليها” أكثر مما “يتحكم فيها هدف معلن من خارجها“. فما بالك فى الحلم الإبداع؟

المصادفة هى الأصل، ربما!!

يبدأ الحلم بـ: “صادفتنى مفاجأةلم تخطر لى فى خاطرى

 طبعا، وإلا فكيف تكون مفاجأة؟

المفاجأة هنا ليست فقط فى أن الراوى اكتشف أن الشوارع – المدينة – العالم – الحياة، ليست إلا سيركاً، ولكن فى أن الشوارع كانت شوارع بما هى كذلك، لكنها تنقلب سيركا بمجرد أن يضع قدمه فيها.

فالحياة إذن ليست مسرحا كبيرا، ولا هى سيركا عجائبيا فى ذاتها بذاتها، ولكننا نحن الذين نجعل منها ما هو كذلك، ونحن لا ننصب السيرك فى الشوارع، ولكننا ننصبه بديلا عنها، عن الشوارع وما بها، عن الواقع، لأن بقية الحلم تقول إن السيرك يحل محل الأبنية بجدرانها، بل ومحل السيارات والمارة،

هى المفاجأة، وهى تظل مفاجأة ماظلت مُدْهِشة مع أننا نحن الذين نصنعها بمجرد أن نضع أقدامنا فيها، لكن – مثل أى مفاجأة – إذا ما تكررت تتراجع الدهشة، فتفتُرُ الفرحة، ويظهر الضجر، وهو ما دعا الراوى للرجوع إلى مسكنه، لكنه عند عودته منسحبا لم يجد البيت قد تحول سيركا مثل الشوارع، لكنه وجد فى استقباله البلياتشو (ممثل السيرك)، الذى بدا وكأنه يعلنه أن ما أدهشه فى الخارج هو نابعٌ من ذاته أصلا، وبالتالى لماذا الدهشة فالضجر؟ بل إن البلياتشو بدا مرحبا بعودة صاحبه:  فإذا بالبلياتشو “يستقبلنى مقهقهاً” (وإن كنت لا أنفى احتمال مسحة من السخرية أو العتاب)

هل هذا يعنى أننا إذا أردنا أن نلعب “لعبة الحياة: بإعادة تخليقها” فعلينا أن نحرص على التجديد وليس مجرد إعادة الألعاب؟ وأنه لا يكون التجديد أصيلا إلا بالبدء بأن نقبل هذا البلياتشو داخلنا فهو الأصل، بدلا من أن ننتظر أو نفتعل التغيير خارجنا؟

 إن المُجَدِّد فى لعبة الحياة هو القادر على المشاركة بما هو – بلياتشو مقهقهه من الداخل- فى السيرك الكبير الجميل فى الخارج، شريطة ألا يتكرر حتى نملّ؟

ربما.

حين يسير الواحد منا فى الحياة يخلّق الألعاب، ويندهش للتحولات، ثم تتكرر المسألة حتى تفتر، فإنه قد يتعب من المشى، ويمل الرؤية، محفوظ هنا فى حلمه يقرر ذلك، إنه “يضيق بالمشى والرؤية” معا، فهو لم يتعب ولم يمل، لكنه ضاق بهما:

المشى وصلنى باعتباره مواصلة السعى فى الحياة، أما الرؤية فقد وصلتنى فى صورة تجدد الكشف،

 لكن الحلم هنا يقول إن تكرار النص – كما هو- تكرار ألعاب السيرك، يُفْقِدُ المشى صفة السعى، ويفقد الرؤية صفة الكشف، فمن ذا لا يضيق بما يتكرر هكذا؟

الرجوع إلى المسكن يمكن أن يقابل التراجع عن السعى، وهو نكوص من حيث المبدأ،

لكن النكوص لايكون سلْباً إلا إذا كان نهاية المطاف، أما إن كان “حركة الذراع الراجعة“، فهو بداية الدورة التالية، ولو فى دورات النوم واليقظة، شريطة أن نبدأ بالبلياتشو داخلنا،

هكذا وصلتنى فرحة الراوى وكيف سبقت ظهور البلياتشو، وهى فرحة تولّد فرحة “فَرِحْتُ.. وآمنت بمجئ الفرح”، ثم يظهر البلياتشو مستقبلا مقهقهاً تأكيداً لرسالة أن “وجه الدنيايشرق من داخلنا،وهو الذى يخلق الشارع فالشارع سيركاً فسيركاً، شريطة ألا يحل الخارج محل الداخل، وألا يتكرر بما هو، دون الرجوع إلى الداخل، لتشرق الدنيا ويقهقه البلياتشو من جديد، وهكذا دائما أبداً.

* * *

نص الحلم (6)

رن جرس التليفون وقال المتكلم:

الشيخ محرم أستاذك يتكلم

فقلت بأدب وإجلال:

أهلا أستاذى وسهلا…

– إنى قادم لزيارتك.

على الرحب والسعة

لم تمسنى أية دهشة، على الرغم من أننى شاركت فى تشييع جنازته منذ حوالى ستين عاما، وتتابعت علىّ ذكريات لاتنسى عن أستاذى القديم فى اللغة فى معاملة التلاميذ، وجاء الشيخ بجبته وقفطانه الزاهيين وعمته المقلوظة وقال دون مقدمات: هناك عايشت العديد من الرواة والعلماء، ومِنْ حوارى معهم عرفت أن بعض الدروس التى كنت ألقيها عليكم تحتاج إلى تصحيحات فدونت التصحيحات فى الورقة وجئتك بها.

 قال ذلك ثم وضع لفافة من الورق على الخوان وذهب.

القراءة:

… تابعت نجيب محفوظ وهو قادر على أن يرفع الحاجز بين الموت والحياة بسهولة ويسر فى أكثر من موقف شخصى، وأكثر من موقع إبداعى مثلاً فى “ليالى ألف ليلة“، “ورأيت فيما يرى النائم“، حتى “ملحمة الحرافيش“، وغيرها[14]

 وباعتبار أن الفرض الذى لاح لى مؤخّرا وأعايشه حاليا لإكماله يقول: إن الموت هو نقلة الوعى الشخصى إلى الوعى الكونى ليكمل المسيرة إلى وجه الحق سبحانه وتعالى، فإن هذه النقلة تصبح سَلسِةْ بقدر ما يكون الإنسان قد سعى فى نفس الاتجاه: من الذات إلى المطلق إلى وجه الله، أثناء حياته، وعباداته، ونسكه، وإبداعه، من هنا يمكن رفع الحاجز بين الموت والحياة بقدر جدية وكدح مشوار الإنسان فى الاتجاه الصحيح.

لكل ذلك لم أتعجب من قدرة محفوظ على رفع هذا الحاجز والتنقل بين الموت والحياة بسهولة فى كل أحواله، فما بالك فى إبداعه أحلامه؟

 من هنا نفهم انعدام الدهشة فى هذا الحلم والراوى يرى/ يسمع صوت أستاذه فى الهاتف وهو يستأذن للقدوم لزيارته، بعد أن شيع جنازته من حوالى ستين عاما.

الزمن هنا أيضا اخُتِزلَ بنعومة حتى يمكن أن نقرأ هذه الستين وحدة بأى تمييز (عاما،  شهراً، أسبوعا، أو كما شئت)، هو أستاذ، وأستاذ فى اللغة وليس بالضروة اللغة العربية، وليس معنى أن يكون الأستاذ “محرم” فى الحلم قد جاء بجبته وقفطانه الزاهين أنه أستاذ العربى والدين، وإن كان هذا هو الأرجح.

أما ما قاله الأستاذ محرم، فلم أجد فيه جديداً: فهو دعوة مباشرة (وساذجة) لمراجعة كل الدروس التى تُلْقَى علينا وبالذات الدروس سابقة التجهيز،

الجديد فى الحلم ربما هو فى التنبيه على أننا: إذا كنا أجبن من أن نختبر المعلومات – كل المعلومات– التى تصلنا بالمراجعة ونحن أحياء، فهذا إثم سوف يحاسبنا الله عليه، وها هو شاهد على نفسه، يأتى إلينا وهو يراجع نفسه بعد أن انتقل وعيه إلى الوعى الكونى إلى وجه الحق سبحانه وتعالى، وهو على نفسه بصيرة، لم تنفعه معاذيره، فاكتفى بنفسه عليه حسيبا، فيقرر أن يعترف ويرجع ليصحح ما كان ينبغى أن يكتشفه حيا، فهو –برحمةِ ربنا- أعطى الفرصة أن يعود، وذلك حين اكتشف أنه من الأمانة أن يصحح دروسه القديمة، وأن يبلّغ هذا التصحيح الواجب لمن اتبعوه ثقة فيه، بل إنه ربما فعل ذلك بدلا من أن يتبرأ من الذين اتبعوه دون أن يُعمِلُوا النقد فيما قاله لأنه يعلم أنْ ليس لهم كرّة ليتبرأوا منه لو أنه تبرأ منهم، فعاد يبرئ ذمته، وربما استشعر أنه بتراجعه هذا سوف ينال غفران ربنا أكثر فأكثر مادام قد صحح غلطته، وعاد بالتعديلات الواجبة، يبلغها للذين اتَّبَعوا

(ملاحظة: لم أتوقف كثيرا عند اسم “محرم” لأربطه بالحلال والحرام، فلعل محفوظ قد تجاوز مثل ذلك برغم سطحية المغزى نسبيا على أهميته).

بقيت بعد ذلك مسألتان.

أولاً: إننى خشيت أن يتوقف “المتلقى” عند الورقة التى تركها الشيخ على الخوان وفيها ما فيها من التعديلات اللازمة ويتصور أن غاية المراد هو: مجرد تصحيح القديم عن طريق نفس الأستاذ بعد أن عايش العديد من الرواة، والعلماء وحاورهم، وأن الأستاذ هو الذى عليه أن يقوم بتصحيح ما وصلنا باستمرار.

ثانياً: خشيت أيضا أن يغفل المتلقى كلمة “بعض” التى حرص محفوظ (برغم صعوباته) ألا ينساها (عرفت أن بعض الدروس…  تحتاج إلى تصحيحات)

………..

غامرتُ – شخصيا- أن أكمل الحلم من عندى هكذا،

 “…فقمت وفتحت اللفافة، وإذا بها أوراق مرقَّمة بيضاء من غير سوء”.

وتصورت أن الحلم بهذه النهاية  المقترحة يدعونا أن نتحمل مسئوليتنا فنقوم نحن باستمرار بتصحيح ما يصلنا أولا بأول، ولا ننتظر الشيخ محرم مهما حسنت نيته واعترف بخطئه

هذا ليس مأخذا على الحلم، إن لمحفوظ أن يقف حيث أراد، ثم شطح بى الخيال قائلا:

هذا،

وقد أبلغنى شيخى محفوظ أمس هاتفيا أنه بعد أن ناقش الأمر مع الشيخ محرم، وافقا على السماح لى بما فعلتُ على مسئوليتى [15].

* * *

الحلم (7)

يا‏‏له‏ ‏من‏ ‏ميدان‏ ‏مترامى ‏الاتساع‏ ‏مكتظ‏ ‏بالخلق‏ ‏والسيارات‏ ‏وقفت‏ ‏على ‏طوار‏ ‏المحطة‏ ‏أنتظر‏ ‏مقدم‏ ‏الترام‏ ‏رقم‏ 3 ‏والوقت‏ ‏قارب‏ ‏المغيب،‏ ‏أريد‏ ‏العودة‏ ‏إلى ‏بيتى ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏ينتظرنى ‏أحد،‏ ‏ويهبط‏ ‏المساء‏ ‏وتغلب‏ ‏الظلام‏ ‏على ‏أضواء‏ ‏المصابيح‏ ‏المتباعدة‏ ‏وشعرت‏ ‏بوحشة‏ ‏وتساءلت‏ ‏عن‏ ‏آخر‏ ‏الترام‏ 3، ‏وخفتّ‏ ‏حركة‏ ‏الميدان‏ ‏وقلَّ‏ ‏مرور‏ ‏السابلة،‏ ‏حتى ‏كدت‏ ‏أترك‏ ‏وحيدا‏ ‏فى ‏المحطة‏ ‏فى ‏ميدان‏ ‏خال‏ ‏انتظر‏ ‏تراما‏ ‏لا‏ ‏يجئ‏، ‏وسمعت‏ ‏صوتا‏ ‏خفيضا‏ ‏فنظرت‏ ‏فرأيت‏ ‏على ‏مبعدة‏ ‏يسيرة‏ ‏فتاة‏ ‏ينطق‏ ‏مظهرها‏ ‏بأنها‏ ‏من‏ ‏بنات‏ ‏الليل‏ ‏فازداد‏ ‏شعورى ‏بالوحشة‏ ‏واليأس‏ ‏وسألتنى :‏

‏- ‏أليست‏ ‏محطة‏ ‏الترام‏ ‏رقم‏ 3‏؟

فأجبت‏ ‏بالإيجاب‏ ‏وفكرت‏ ‏فى ‏مغادرة‏ ‏المحطة‏ ‏وإذا‏ ‏بالترام‏ ‏رقم‏ 3 ‏يقترب‏ ‏فى ‏هدوء‏ ‏ولا‏ ‏أحد‏ ‏فيه‏ ‏سوى ‏السائق‏ ‏وقاطع‏ ‏التذاكر‏ ‏وشئ‏ ‏من‏ ‏داخلى ‏دعانى ‏إلى ‏عدم‏ ‏الركوب‏ ‏فوليت‏ ‏الترام‏ ‏ظهرى، ‏ولبثت‏ ‏على ‏حالى ‏حتى ‏غادر‏ ‏الترام‏ ‏المحطة‏، ‏ونظرت‏ ‏فرأيت‏ ‏الفتاة‏ ‏بموقفها‏، ‏ولما‏ ‏شعرت‏ ‏بعينى ‏ابتسمت‏ ‏وسارت‏ ‏نحو‏ ‏أقرب‏ ‏منعطف،‏ ‏فتبعتها‏ ‏على ‏الأثر‏..‏

القراءة:

المسرح هذه المرة ميدان مزدحم بالناس (الخلْق) والسيارات.

 والرقم 3 يعود من جديد، لكنه هنا رقم الترام لا عدد الأشخاص [16] والراوى ينتظر الترام ليعود إلى بيته الخالى ممن ينتظره (فلماذا يرجع؟ أو: ربما  لهذا هو ليس حريصاً بالضرورة على أن يسارع بالرجوع).

الوقت يمضى، والظلام يعم، والوحشة تزحف، والميدان يتناقص شاغلوه، وهو يريد أن يعود حتى لو لم يكن ينتظره فى بيته إلا الوحدة، لكن يبدو أن خاطراً يخايله أن الوحدة داخل جدران بيته أرحم من الوحدة فى ميدان عام، خاصة وأن الميدان نفسه بدا يعلن بدوره خواءه من الناس “وخفّت  حركة الميدان، وقلّ مرور السابلة، كدت أترك وحيداً فى ميدان خال

الانتظار يطول، والترام لا يجئ.

الانتظار هو الذى يمد الحاضر إلى المستقبل بشكل ما، ومع ذلك فقد يتجسد عادة فى وعينا باعتباره انتظاراً لشخصٍ ما، لحدٍث ما لنقلةٍ ما فكرة الانتظار هى فكرة كامنة فى التركيب البشرى بصفة أساسية [17].

التى حضرت، أو أحضرها الانتظار، هى من بنات الليل، وبدلاً من أن يستقبلها الراوى على أنها “فرصة ما“، وقد حلّ الظلام، ازداد شعوره بالوحشة والناس، ليس هذا التواصل المأجور هو الذى يكسر وحدته فى الميدان.  ولاهو بديل عن وحدته فى بيته حيث لا ينتظره أحد.

حركت البنت شيئاً ما بداخله، ليس هكذا تنكسر وحدته، يبدو أن هذا الشىء الذى تحرك بحضورها، هو هو  الذى حركه فى الاتجاه المضاد ليغادر المحطة، هو لعبة – آلية: “الكرّ والفرّ” على مدى حركية التواصل البشرى.

يلوح الترام فى الأفق ليعرّى موقفه أكثر،

يحضر الترام- بعد طول انتظار- لكنه، يحضر خالياً من البشر،

 يحضر ليعلن وحدة جديدة.

 الميدان خالٍ، والترام خالٍ: وليس هناك من ينتظره فى البيت

وظهور البنت – بنت الليل–  لم يزده إلا وحشة..”فازداد شعورى بالوحشة”

فما جدوى أى شئ؟

ما جدوى الانتظار، وما جدوى ركوب ترام خال من البشر،  ترام لم يتميز إلا برقمه، فعْلا ما جدوى أى شىء؟

فليذهب الترام

وليذهب هو أيضاً:

لكنه لم يذهب.

بل أرسل الدعوة إلى الفتاة، (ولماّ شعرت بعينى، ابتسمت)، فمضى  وراءها ضد عزوفه الأوّلى عنها، وضد وحشته البادئة من قدومها.

هل هو تسليم أن هذا النوع من التواصل العملى الوقتى الصفقاتى هو المتاح؟

 هل يعود من جديد ينتظر الترام رقم ثلاثة أو ثلاثمائة؟

بطائل أو بغير طائل؟

 لم يقدم الحلم إجابات وتركنا نتساءل عن وجهتهما، ومصير وحدة الراوى، ودور الفتاة.

تركنا نتساءل عن مدى انتظارنا لما لا يكون

تركنا بعد أن تحرّك فينا كلّ من الانتظار، والأمل، والوحشة، والحيرة…

هل نكف عن انتظار مالا يأتى..؟

أم نتبع الموجود بغير طائل واعد؟

أنت وما ترى.

* * *

نص الحلم (8)

عندما أقبلت على مسكنى وجدت الباب مفتوحا على ضلفتيه على غير عادة وجاءتنى من الداخل ضوضاء وأصداء كلام.

دق قلبى متوقعا شرا، ورأيت من أحبابى ابتسامات مشفقة، وسرعان ما عرفت كل شئ، خلت الشقة من الأثاث الذى كوم فى ناحية داخل المكان.. عمال من متفاوتى الأعمار، منهم من دهن الجدران ومنهم من يعجن المونه ومنهم من يحمل المياه.. وهكذا نفذت المكيدة فى أثناء غيابى وذهبت توسلاتى فى الهواء.

وهل أطيق هذا الانقلاب و أنا على تلك الحال من الإرهاق؟

وصحت بالعمال: من أذن لكم بذلك، ولكنهم استمروا فى عملهم دون أن يعيرونى أى اهتمام، وقهرنى الغضب فغادرت الشقة وأنا أشعر بأننى لن أرجع إليها مدى عمرى، وعند مدخل العمارة رأيت أمى مقبلة بعد رحيلها الطويل وبدت مستاءة، وغاضبة، وقالت لى

-أنت السبب فيما حصل!

فثار غضبى وصحت

– بل أنت السبب فيما حصل وما سوف يحصل

 وسرعان ما اختفت، ومضيتُ فى الهرب.

القراءة:

 يبدو أن منظر الباب المفتوح، والشقة الخالية، والأثاث المكوّم سوف يتكرر فى الأحلام بشكل متواتر. لولا نهاية هذا الحلم، أو قل لولا ثلثه الأخير، لاعتذرت عن قراءته ناقدا، لأنه وصل لى لأول وهلة أنه ليس حلما، فقد عشت مع شيخنا شخصيا بعض هذه التفاصيل، لكننى تراجعت، فقد سحبنى ثلثه الأخير إلى ما هو إبداع يتجاوز الواقع، وذلك حين أعلن الراوى الغضب فالهرب، ثم تظهر المفاجأة حين تظهر الأم وهو لم يغادر العمارة بعد، وكأننى أسمع بينهما العتاب حول شأن آخر غير ما أغضبه حتى خرج طريداً أو هارباً هكذا، لعله شأن قديم بينه وبين أمه، أم الراوى لا الكاتب(!)، وأن هذا الشئ القديم هو الأصل الذى ترتبت عليه كل الأحداث، حتى الآن، بل والأحداث القادمة أيضا، وما الحدث الأخير إلا رمز لما اختلفا حوله قديماً وحديثا”.

هو يحّملها مسئولية ما حدث وما سيحدث، وهى تذكّره بأنه المسئول، مهما كانت علاقتهما الخاصة هى الخلفية الأعمق لما حدث.

 فيصلنى أن كلاًّ منهما مسئول مسئولية ممتدة.

والنتيجة: أنها تختفى

وهو يمضى فى هربه،

فلا هى تختفى، لأنها ظهرت (وتظهر) بعد رحليها الطويل

ولا يبدو أن هربه سوف ينجح حتى لو كان قراره “ألا يرجع إلى الشقة مدى الحياة”.

* * *

الحلم (9)

على اريكة فى حديقة المنزل الصغيرة جلست أختى تتأمل ضفدعا يسبح فى القناة التى تروى الحديقة: وانتشيت بالنسيم الرقيق وعناقيد العنب المدلاة من التكعيبة.

وسألت أختى ماذا تنتظرين؟

وقبل أن تجيبنى قلت: من الأفضل أن نجلس فى الحجرة لنسمع الفونوغراف وتبادلنا نظرة اختيار، ثم انتقلنا إلى الحجرة وازداد الجو صمتا، وحتى النسيم لم يعد معنا ونظرت إلى أختى، فإذا بها قد تحولت إلى الممثلة السينمائية جريتا جاربو، وهى ممثلتى المفضلة وطرت من السعادة بغير أجنحة وملأ السرور جوانحى غير أن ذلك السحر لم يدم طويلا. وأردت أن أستعيد المعجزة السحرية مرة أخرى ولكن أختى رفضت الذهاب معى، فسألتها عن سبب الرفض فقالت:

– أمى

فقاطعتها قبل أن تتم عبارتها

– إنها لا تدرى

فقالت بيقين

إنها تدرى كل شئ

وشعرت بأن الحزن غشى كل شئ كأنه شابورة مفاجئة.

القراءة:

الاقتراب من هذه المنطقة حتى فى تشكيلة حلم، حتى من خلال  شطح الإبداع، هو أمر صعب دائماً، برغم أنه ضرورى، وما لم نتناول إشكالة العلاقة بالمحارم إبداعياً من منطلق التطور، قبل وبعد سجن المنظومة الأوديبة الفرويدية التأويلية، (دون رفضها كليةً) فقد تظل هذه المنطقة مخفية فى الظلام تحت رحمة الكبت من ناحية، والتفسيرات التقليدية المعادة من ناحية أخرى.

البداية بالضفدع، وصلتنى – متحيزا لفكرى التطورى- أنها تذكرة (حدْسية غير مقصودة) بالتطور، وهذا ما سمح لى أن أمر بمراحل طويلة طويلة بين الأحياء عموما، ثم مع الإنسان، قبل أن أصل إلى قراءة ما يسمى الآن “نحو الأسرة” [18]. نحن نعرف كيف أن “النحو” Grammar هو الذى يحدد “إعراب” وتشكيل موقع اللفظ فى الجملة، بما فى ذلك المسموح والممنوع (من الصرف وغير الصرف).بنفس القياس اصطلح الباحثون مؤخرا على اعتبار تنظيم موقع الفرد فى أسرته بمثابة “نحو” يضع التشكيل على الأفراد، ويقرر الجائز و”الممنوع”!

لابد وأن أذكر هنا أن لى اجتهادات متعددة فى إعادة النظر فى تفسير ما يسمى “عقدة أوديب” والتنظير البديل بغير ما جاء به فرويد، وأهمية هذا الحلم هنا – من ناحيتى شخصيا: علما ونقدا- أنه يدعم بعض ما ذهبتُ إليه فى مسألة العلاقات المحارمية مما لامجال للاستطراد إليه هنا/الآن.

  محفوظ تناول المسألة برقة مناسبة، فمن ناحية جعل النداء يأتى  من الراوى، لكنه عاد يثبت أن الاختيار كان متبادلا، وهذا بعض ماتناوله تنظيرى الخاص لتجاوز “نحو الأسرة”، وإن كان النداء الأغلب – فى خبرتى – يبدأ من الأم (لا شعوريا أكثر)، وفى نفس الوقت يكون الاختيار متبادلا فى النهاية، لاحظ التعبير شديد الكثافة والدلالة هنا: “وتبادلنا نظرة اختيار“.

محفوظ فى الحلم (الإبداع) بدا قادراً على أن يدور حول حكاية المحارم هذه حين أحلّ حليلةً محل مُحَرّمة، هكذا حلت جريتاجاربو محل الأخت، ثم أنه جعل الراوى يتجنب ذكر تفاصيل ما تمَّ بينهما حتى بعد هذا الإحلال، لكنه يعلن مصاحبات اللقاء ونتيجته: الفرحة مسحوراً بالنشوة، إلاّ أن هذا اللقاء الساحر لم يدم طويلا. ولم يذكر الحلم صراحة متى اختفت جريتاجاربو لتظهر الأخت من جديد.

 التى دعاها الراوى فى الجزء الثانى من الحلم كانت أخته وليست ممثلته المفضلة، دعاها بما هى، وليس كبديلتها، ليستعيد المعجزة السحرية، فترفض، دون أن يعلن أنها شاركته الجولة الأولى الساحرة، ثم ها هو الراوى يدعنا نستنتج ما نرى، وهو يعلن سبب الرفض: إنها الأم (وليس الأب) التى تعرف كل شئ.

توظيف الأم (وهى الأقل سلطة فى ثقافتنا) للرفض سمح لى أن أتمادى فى تدعيم فروضى الخاصة البديلة عن عقدة أوديب، والتى تشير إلى أن النداء المحارمى يبدأ من “لاشعور” الأم، وليسأساسا: من تنافس الإبن مع الأب عليها.

 هل سبب رفض الأم وخوف البنت هنا هو تطبيق “نحو الأسرة” الذى يحدد الممنوع من المتاح؟ أم أنه غيرةٌ ضمنية من الأم نحو الأخت؟ أم الاثنان معاً؟

الحزن الذى انتهى به الحلم له أكثر من قراءة، فهو لا يشير – عندى -أساسا إلى الشعور بالذنب (وإن كان لايستبعده) وإنما يبدو أنه نتج ابتداءً عن إحباط الرغبة المحارمية، حتى ولو تمت تحت ستار إبدالٍ سحرى.

ومع الحزن تنزل ستارة الوعى الظاهر (شابورة مفاجئة)

ليقوم الكبت بدوره الضرورى.

* * *

الحلم (10)

جمعتنا‏ ‏الصداقة‏ ‏والنشأة‏ ‏وتواعدنا‏ ‏فى ‏تلك‏ ‏الحارة‏ ‏وذيول‏ ‏الليل‏ ‏تهبط‏. لا‏ ‏هدف‏ ‏لنا‏ ‏إلا‏ ‏الانشراح‏ ‏باللقاء‏ ‏والاستسلام‏ ‏للمزاح‏ ‏والضحك‏ ‏على ‏طريقة‏ ‏القافية‏.‏

وتبادلنا‏ ‏النكات‏ ‏وأخذنا‏ ‏نتحول‏ ‏إلى ‏أشباح‏ ‏فى ‏الظلام‏، ‏وتعارفنا‏ ‏بأصواتنا‏ ‏ولم‏ ‏نكف‏ ‏عن‏ ‏المزاح‏ ‏والقافية‏ ‏وانطلقت‏ ‏قهقهاتنا‏ ‏ترج‏ ‏الجدران‏ ‏وتوقظ‏ ‏النيام‏. ‏الحارة‏ ‏متعرجة‏، ‏ونحن‏ ‏نتقارب‏ ‏حتى ‏لا‏ ‏نذوب‏ ‏فى ‏الظلمة‏، ‏وكلما‏ ‏تمادينا‏ ‏فى ‏الحيرة‏ ‏غالينا‏ ‏فى ‏الضحك‏، ‏وبدأنا‏ ‏نتساءل‏ ‏حتى ‏نجد‏ ‏خلاصنا‏ ‏فى ‏ميدان‏ ‏أو‏ ‏شارع‏ ‏كبير‏.‏

وذكّرنا‏ ‏أحدنا‏ ‏بأن‏ ‏الملكة‏ ‏الفرعونية‏ ‏التى ‏أرادت‏ ‏الانتقام‏ ‏من‏ ‏الكهنة‏ ‏الذين‏ ‏قتلوا‏ ‏زوجها‏ ‏دعتهم‏ ‏إلى ‏مكان‏ ‏يشبه‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏يغيطون‏ ‏فيه، ‏وسلطت‏ ‏عليهم‏ ‏المياه‏، ‏وما‏ ‏كاد‏ ‏يفرغ‏ ‏من‏ ‏حكايته‏ ‏حتى ‏هطلت السماء‏ ‏علينا‏ ‏بقوة‏ ‏غير‏ ‏معهودة،‏ ‏وأسكتنا‏ ‏الرعد‏ ‏ومضت‏ ‏المياه‏ ‏ترتفع‏ ‏حتى ‏غطت‏ ‏أقدامنا‏ ‏وزحفت‏ ‏على ‏سيقاننا‏ ‏وشعرنا‏ ‏بأننا‏ ‏نغرق‏ ‏تحت‏ ‏المطر‏، فى ‏ظلام‏ ‏الليل‏.

 ‏ونسينا‏ ‏نكاتنا‏ ‏وضحكاتنا‏ ‏ولم‏ ‏يعد‏ ‏لنا‏ ‏من‏ ‏أمل‏ ‏فى ‏الخلاص‏ ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏نطير‏ ‏فى ‏الفضاء‏.‏

القراءة:

هذا حلم  تشكيلىّ جميلٌ

 جذبتنى الصورة والحركة حتى كدت أنسى المحتوى المروى حكْيا لفظيا.

 حضرت فى وعيى النقدى صور من ليالى ألف ليلة لمحفوظ، ومن حكايات خرافية هانز كريسيتان أندرسون للأطفال، ومن حواديت طفولتى، هذا حلم مُبْدَعٌ طليق، بعكس الحلم “8” الذى وصلنى منذ البداية “علماً لا حلماً”!.

فى الحلم (الإبداع ) ينكسر حاجز الزمن، وقد شاهدنا كيف تلاشى الزمن فى حلم (6) حين تلاشى الحاجز بين الموت والحياة، واختصرت ستين عاماً، بين الدفن والعودة، إلى لحظة واحدة،

 هنا: الحلم يكسر حواجز أخرى كثيرة: بين الظاهر والخفى، بين الحاضر والتاريخ، ثم تتداخل فيما بينها: السماء والمياه والفضاء.

تتحول العواطف البشرية فى انسيابات مفاجئة وغير مفاجأة، ففى البداية ننتقل بين المزاح والضحك والسخرية، ثم يتراجع كل ذلك جزئيا – ليفسح مكانا للحيرة وتمنى الخلاص (برغم استمرار غلبة الضحك)، لينتهى التهيؤ الوجدانى إلى الصمت والخوف من الغرق والأمل فى خلاصٍ أقوى وأبعد من مجرد اللجوء إلى شارع متسع أو ميدان، خلاص بالطيران فى الفضاء.

 الزمن يتحول فى الحارة المتعرّجة  وذيول الليل تهبط، إلى زمن الفراعنة، فيحضر جبروت الملكة وهى تعاقب الكهنة، ليصبح التاريخ حاضرا ماثلا يهدد الثلة الحالمة الشاطحة الساخرة الفِرحَةْ، يهددها بالإغراق.

إلى هنا ونتوقف عن متابعة تشكيل الزمن، والنقلات، والحركة وكسر الحواجز لننتقل إلى المحتوى.

 لم أجد فى نفسى ضرورة لذلك محتمياً بتركيز “جاك لاكان” على الدال أكثر من المدلول، وأيضا اعتماداً على أن الصورة والحركة هما الأساس فى  طبيعة الحلم بما يسمح لنا أن نستنتج من الحركة والنقلات والتقلبات، تنقلب شخوص الحلم أشباحاً تتعارف بالأصوات، وتحتمى ببعضها حتى لاتذوب فى الظلمة، كل ذلك يسمح بتقديم الشكل على المحتوى، حتى تتأكد أهمية وأسبقية الدال على المدلول.

وبالرغم من كل ذلك فثمة إشارات موجزة من إيحاءات المحتوى فضلت أن أصوغها فى التساؤلات التالية:

  • هل الخلاص من لعبة التلاشى فى الظلام يكون إلى ميدان أو شارع كبير، أم العكس؟

 عندى أن فراغ واتساع الميادين هو الذى يدفع للاحتماء –حتى لعباً- بذيول الظلام، فى حارة ضيقة!!؟

 ثم:

  • هل الطيران فى الفضاء هو الذى يمكن أن يحمينا من الغرق فيما نحن فيه، بما فى ذلك قهر وإرهاب السلطات؟ أم أن ثم طريقاً آخر علينا أن نسلكه فى مواجهة القهر والطوفان معا؟

الحلم  – الإبداع – يكشفُ ولا يوصى،

 وعلينا نحن أن نتلقى ونتحمل مسئولية ما يصلنا.

وأخيراً:

وصلنى أنه لم يجمع بين أفراد هذه الثلة الظريفة إلا المرح والسخرية وحكى التاريخ، ولكن حين واجهوا القهر والخطر، لم أرهم – برغم ضمير الجمع – عصبة معاَ.

هذا حلم فيه من سحر الظلام، وعبث الصحبة، وألعاب الهرب، ما يؤكد أولوية الحركة والصورة فى إبداع الأحلام، قبل محتواها ورموزها.

كما أن فيه من الطلاقة والمراوغة وأحلام الهرب، ما يمكن أن يوقظ فينا الموقف المناسب لنكمل أو نراجع أو نتراجع.

* * *

حلم (11)

فى ظل نخلة على الشاطئ استلقت على ظهرها أمرأة فارعة الطول ريانة الجسد وكشفت عن صدرها ونادت. يزحف نحوها أطفال لا يحصرهم العد. وتزاحموا على ثدييها ورضعوا بشراهة غير معهودة، وكلما انتهت جماعة أقبلت أخرى وبدا أن الأمر أفلت زمامه وتمرد على كل تنظيم. وخيل إلىّ أن الحال تقتضى التنبيه أو الاستغاثة ولكن الناس يغطون فى النوم على شاطئ النيل. وحاولت النداء ولكن الصوت لم يخرج من فمى وأطبق على صدرى ضيق شديد. أما الأطفال والمرأة فقد تركوها جلدة على عظم ولما يئسوا من مزيد من اللبن راحوا ينهشون اللحم حتى تحولت بينهم إلى هيكل عظمى. وشعرت بأنه كان يجب على أن أفعل شيئا أن أكثر من النداء الذى لم يخرج من فمى وأذهلنى أن الأطفال بعد يأس من اللبن واللحم التحموا فى معركة وحشية فسالت دماؤهم وتخرقت لحومهم. ولمحنى بعض منهم فأقبلوا نحوى أنا لعمل المستحيل فى رحاب الرعب الشامل.

القراءة:

من السهل أن نقول إن هذه المرأة هى “مصر” [19]، ثم نقرأ الحلم وكأنه رمز صريح مباشر لمصر وما يفعله بها بعض أبنائها.

هل هذا يكفى؟

هل هذه المرأة هى هى “البقرة السودا النطاحة” التى ناح عليها الشيخ إمام منذ 1968 وهو يدندن كلمات أحمد فؤاد نجم:

“ناح النواح والنواحة

عالبقرة السودا النطاحة

والبقرة حالوب….حاحا

تحلب قنطار….حاحا

لكن مسلوب..….حاحا

من أهل الدار….حاحا ؟؟”

بل إن الرمز فى هذا الحلم أكثر وضوحا، فالنيل أكثر حضورا بنخيله  وطوله الفارع، وجسده الفيضان، (أعنى الريّان!!) والناس يغطون فى النوم على شاطئ النيل، ماذا يتبقى بعد ذلك لتكون هذه المرأة هى “هبة النيل”؟

هل هذا يكفى؟

هل يكون الإبداع إبداعا إذا اكتفى بوصف الحاضر رمزا، مهما بلغ إتقان التشكيل، وجمال التوليف؟

 ليس عندى مانع! ولكن:

دعونا نبحث فى بعض ما هو “قبل وبعد ذلك”:

أولا: المرأة هنا هى التى تنادى، وهى لم تنادِ أطفالها، هى تكشف عن صدرها وتنادى فقط، ربما هى إشارة إلى وفرة العطاء الذى فاض عنها فيضانا لا تريد بحكمتها أن ينتهى إلى البحر، فناسها أولى بعطائها، بل لعل النداء موجه لكل الناس. ينفتح العطاء ويغمر حين لا يتحدْد المُنَادَى (بفتح الدال) المرأة نادَت (فقط)، “كشفت عن صدرها ونادت” وهذا هو العطاء الأكرم.

 الأطفال – وليس الناس – هم الذين زحفوا نحوها وتزاحموا على ثدييها، بينما الناس كانوا “يغطون فى النوم على شاطئ النيل”، أطفال بلا حصر، مختلفو الهوية، ليسوا أطفالها بالضرورة، أما ناسها فهم نيام نيام!!.

أطفال فى جماعات تتلاحق

هل هم الحكام المصريون جيلا بعد جيل؟ الحكام منذ الفراعنة وقبلهم؟ على حساب الناس الغافلين!؟

هل هم الغزاة المستعمرون؟ حَمْلةْ بعد حَمْلةْ؟

فلماذا هؤلاء أو أولئك ظهروا  فى الصورة أطفالاً؟

ربما يتعلق ذلك بما سبق أن أشرت إليه عن أحد أوجه معالم الطفولة، أعنى  ضراوة الطفولة وقسوتها إذا هى انفصلت عن الفطرة المتكاملة فأصبحت البدائية لا الطفولة؟ [20]

هذا السعار المتتالى  جيلا بعد جيل، هو أقرب إلى سعار التكالب على السلطة، والاستقلال، والاستعمار جميعا

 وفى حالتنا هذه: هى سلطة بلا قانونٍ يردعها، بلا عدلٍ يزن تصرفها (الأمر أفلت زمامه وتمرد على كل تنظيم)

الأطفال هنا إذن يمثلون سعار عدم الأمان البدائى الذى قلت فيه يوماً:

“…..

من فرط الجوع التهم الطفلُ الطفلْ،

ملكنِىَ الخوفُ عليكمْ

 فإذا أطلقتُ سُعارى بعد فواتِ الوقتْ،

 فلقد ألتهم الواحد منكم تلو الآخر، دون شبع” [21]

ثانيا: حين يمتد الالتهام من الرضاعة إلى امتصاص وجود الأم المصدر، ثم نهش لحمها، حتى تصير هيكلاً عظمياً، إلى التقاتل بين القتلة المسعورين، فهو نذير ذو شقين: أولا أنهم بدلا من أن يرعوها احتراما لكرم ندائها دون تمييز، لتظل تفيض عليهم من جسدها الريان، غلبهم الجشع والجوع الذى لا يشبع، فذبحوا الدجاجة التى تبيض ذهبا،  ثم إن ذلك لم يروهم، فانقلبوا يتقاتلون حتى لاح لى أنهم انتهوا إلى أن يكونوا من أكلة لحوم البشر، لا أكثر.

هل كانوا كلهم كذلك؟

 الإجابة بالنفى، لأن الذى استغاث بالراوى كان “بعض منهم ” أقبلوا نحوه لعمل المستحيل.

دور الراوى هنا هكذا كشف لى عن دلالة مستقلة،

 فهو منذ البداية يشعر أن ما هكذا تكون الرضاعة، وما هكذا تكون الاستجابة لكرم نداء المرأة المعطاء،

وهو لايكتفى بهذا الحدس المتخوف، بل إنه يشعر بالحاجة إلى التكاتف لإجهاض هذه الجريمة المتمادية، وذلك حين خيل إليه – ومن البداية – “أن الحال تستدعى التنبيه أو الاستغاثة”،

ينتهى الحلم  -كما أشرنا- باستغاثة بعض الأطفال القتلة بالراوى نفسه “لعمل المستحيل”، لنتذكر أنه هو الذى همّ بالاستغاثة أول الحلم،

 لماذا كانت الاستغاثة بلا جدوى؟ لأنها جاءت بعد الأوان، انتهت البقرة، ولم يشبع الأطفال بل ازدادوا سعاراً وتقتيلا فى بعضهم البعض، حين يصل الأمر إلى مثل ذلك، لا يكون أمامنا إلا المستحيل.

ومع ذلك:

ربما يكون الحديث عن المستحيل – خاصة  فى رحاب هذا الرعب الشامل- هو دعوة لنجعله ممكناً،

 محفوظ لا يذكر المستحيل تيئيسا وإعجازا، هو يذكّرنا “بالاستحالة”، لنشحن أنفسنا لتجاوزها مهما بدا ذلك مستحيلا.

حلمٌ على حلمْ

هذه الفروق الرهيفة، تقلب هذا الحلم شيئا آخر غير التفسير الرمزى السياسى الجاهز، الموازى لقصيدة “أحمد فؤاد نجم” عن البقرة السودا النطاحة،

حين فاض بى الوجْد فى عيد ميلاده الثانى والتسعين، وتجلى فى الحلم شعرا، جاءنى فى نهاية القصيدة، رؤية للمستحيل الممكن، جاء على لسان محفوظ فى الحلم الشعر، رأىٌ يقول:  “المستحيل‏ ‏هو‏ ‏النبيلُ‏ ‏الممكنُ‏ ‏الآنَ‏ ‏بِنَـا” [22].

* * *

حلم‏ (12)  [23]

فى ‏الجو‏ ‏شئ‏ ‏مثير‏ ‏للأعصاب‏، ‏فهو‏ ‏من‏ ‏عدة‏ ‏نواح‏ ‏تبرز‏ ‏رؤوس‏ ‏وتختفى ‏بسرعة‏. ‏وجرت‏ ‏شائعة‏ ‏مثل‏ ‏الشهاب‏ ‏تنذر‏ ‏بوقوع‏ ‏الحرب‏. ‏وترددت‏ ‏كلمة‏ ‏الحرب‏ ‏على ‏الألسنة‏، ‏وعمت‏ ‏الحيرة‏ ‏والانزعاج‏ ‏ورأيت‏ ‏من‏ ‏يحمل‏ ‏تموينا‏ ‏لتخزينه‏. ‏وجعلت‏ ‏أتذكر‏ ‏تلك‏ ‏الأيام‏ ‏المكدرة‏، ‏هل‏ ‏نبقى ‏أم‏ ‏نهاجر؟‏ ‏ولكن‏ ‏إلى ‏أين؟‏ ‏ولذت‏ ‏بمقر‏ ‏المكان‏ ‏الآمن‏ ‏من‏ ‏الخطر‏ ‏وجاء‏ ‏رجل‏ ‏من‏ ‏الأمن‏ ‏وقال‏ ‏صراحة‏ ‏إن‏ ‏الدولة‏ ‏تريد‏ ‏أن‏ ‏تعرف‏ ‏طاقة‏ ‏الأسر‏ ‏على ‏إيواء‏ ‏من‏ ‏يحتاجون‏ ‏إلى ‏إيواء‏ ‏لاسمح‏ ‏الله‏. ‏وتضاعف‏ ‏الاضطراب‏ ‏وأعلنت‏ ‏أمى ‏وهى ‏تعيش‏ ‏وحدها‏ ‏فى ‏بيت‏ ‏كبير‏ ‏أنها‏ ‏على ‏استعداد‏ ‏لإيواء‏ ‏أسرة‏ ‏كاملة،‏ ‏أما‏ ‏أنا‏ ‏فوجدت‏ ‏أننا‏ ‏يمكن‏ ‏الاستغناء‏ ‏عن‏ ‏حجرة‏ ‏واحدة‏ ‏تسع‏ ‏لشخصين‏، ‏وأصبحت‏ ‏حذرا‏ًً ‏عند‏ ‏سماع‏ ‏أى ‏صوت‏ ‏أو‏ ‏الإجابة‏ ‏على ‏أى ‏سؤال،‏ ‏وطرق‏ ‏بابى ‏مخبر‏ ‏ودعانى ‏إلى ‏القسم‏ ‏ولما‏ ‏سألته‏ ‏عن‏ ‏سبب‏ ‏الاستدعاء‏ ‏أجاب‏ ‏بخشونة:‏ ‏إنه‏ ‏لايعرف‏ ‏وقطع‏ ‏حديثنا‏ ‏انطلاق‏ ‏صفارة‏ ‏الإنذار‏.

القراءة:

أدخل إلى أى حلم، وكأنى أدخل إلى امتحان ما، وأقرر قبل كل شئ أننى جاهز بشهادة الاعتذار عن حضور الامتحان أو تأجيله، هذا الشعور هو الذى يتيح لى حركة أوسع حين أجد صعوبة حقيقية فى قراءة حلمٍ ما، مثل هذا الحلم.

الصعوبة مثلت أمامى هائلة حين غمرنى تساؤل يقول:

أين مجال وساحة هذه الحرب؟

 ما هذا الجو الذى يحيط بها ويثير الأعصاب؟

هل هذه الحرب هى حرب فى الداخل أم فى الخارج؟

حضرتنى قراءتان،

نبدأ بالقراءة الأصعب: باعتبار أننا فى عالم الداخل، ذلك العالم “المثير للأعصاب”، والذى يصلنا غامضا بما يحتاج معه إلى رؤية مخترقةْ.

طبعا هى ليست على بال محفوظ واعيا، لكن الإبداع يخترق معلومات المبدع الجاهزة إلى ما يتجاوزها، بل إلى ما يتجاوز العلم نفسه، أضعف أعمال محفوظ – بالنسبة لى – وصلتنى حين يعيد صياغة بعض ما يبهره من نظريات علمية أو تاريخية أو فلسفية أو سياسية فى شكل إبداع روائى أو قصصى مثلما حدث فى “حارة العشاق” أو “نهاية أولاد حارتنا”، أو حتى “نهاية ملحمة الحرافيش” غير ذلك.

تلك الرؤوس التى تبرز وتختفى بسرعة، استقبلتها من منطق التحليل التركيبى[24] على أنها ما تحويه النفس من ذوات متعددة، الأمر الذى يختلف مع منظور فرويد عن اللاشعور وكيف أنه“فوضى مشحونة”،

 ذوات الداخل يمكن أن تمثلها تلك الرؤوس التى تطل وتختفى بسرعة، على مسار النمو.

إذا لم يتمكن الشخص من تنظيم ذواته المتعددة فى الداخل والخارج فى حركية جدلية متصاعدة واكتفى بطغيان الظاهر فهو الكبت القامع المثير للأعصاب، من ثم فهى الحرب داخلنا (الصراعات بين الذوات وليس فقط بين “الأنا” و”الهو” الفرويديين)،

رجل الأمن الذى ظهر بدا لى توليفا من الناضج (حالة “ذات” الواقع) والوالد (حالة “ذات” الوالد)، ومهمته هى الإحاطة بكل هذه الحركية واحتمالاتها، وضبط توقيت أدوراها، وتسكينها والتسكين من السكَنْ وليس من السكون).

هذه الإحاطة من هذه الذات الانضباطية لا تمنع ترتيبات الحرب بين الذوات المتنافسة والمتحفزة.

  الذى يحدث على مسار النمو هو أننا نستبعد بعض هذه الذوات بشكل مؤقت أو دائم: فى غيابات الذاكرة، أو سراديب الكبت تحت زعم (وأمل)  ترويضها أو تسكينها، وهى تظهر أو لا تظهر فى نشاطات الحلم، ترضى أو لا ترضى بالتخزين المؤقت أو الدائم تصوّرَا لأمنٍ شكلى يتحقق حسب قوة الكبت وكثافة تخزين الذكريات بعيدا عن ساحة الحرب.

هذا ما تصورته من فقرةورأيت‏ ‏من‏ ‏يحمل‏ ‏تموينا‏ ‏لتخزينه‏. ‏وجعلت‏ ‏أتذكر‏ ‏تلك‏ ‏الأيام‏ ‏المكدرة‏، ‏هل‏ ‏نبقى ‏أم‏ ‏نهاجر؟‏ ‏ولكن‏ ‏إلى ‏أين؟‏ ‏ولذت‏ ‏بمقر‏ ‏المكان‏ ‏الآمن‏ ‏من‏ ‏الخطر”،

 ولكن هل يوجد داخلنا مكان آمن من الخطر، والحرب دائرة، أو منذرة.

مرة أخرى رجل الأمن هنا ليس ذاتا داخلية مستقلة، وإنما هو أقرب إلى الذات الضابطة الظاهرة المحافظة على قوانين العلاقات والأداء، وترتيبات النظام، بما فى ذلك ترتيب التعاون والتسكين والتأمين للذوات القلقة والمهددة، وهى جاهزة للصراع فيما بينها.

الحل النمائى الأمثل الذى يمكن أن يحتوى هذا التعدد كما بدا هنا هو جدل كل الذوات معا مع احترام التباديل والتوافيق الممكنة والمتغيرة على مسار النمو، وهو ما يبدو أن الأم (الذات الناضجة للتكامل Integrated adult) التى هى ليست ذاتا جاهزة مشاركة فى الصراع أولعبة الظهور والاختفاء، بقدر ما هى ذات ضامة فى حالة تكوّن دائم always in the making، وهذا هو ما يجعلها على استعداد لإيواء الأسرة الكاملة (الأم)،

الحل التنظيمى المؤقت، وهو ما يمثله – عندى – موقف الراوى هو ليس إلا جانباً محدوداً من آليات التكيف، حين يقوم الكبت (الذات الكابتة) بالإزاحة والإخفاء فنحشر في حجرة واحدة شخصين فحسب (ربما  كعينة للباقيين على وشك الصراع وهذا هو ما قد يقابل الاستقطاب الفرويدى إلى: الهو والأنا الأعلى، وكلاهما لا شعورى).

الحذر عند سماع أى صوت أو الإجابة على أى سؤال يعلن أن الحل التنظيمى، قد يصلح لهدنة مؤقتة، أما أن ينقلب حلا دائماً، فالتهديد القادم من الداخل لا يهمد، هذا التوجس الحذر يعلن أن الذوات المستَبعَدة، حتى فى حجرات نائية، هى جاهزة للهرب، ومستعدة للانقضاض فى أى وقت، فهى الحرب.

الشعور بالذنب هو النتيجة الطبيعية للكبت غير المُبَرر حينا أو حذَراً أو تحسُّباً، وهو المعوق لحركية النمو، والمخبر هنا هو غير رجل الأمن فى البداية، بينما لا يعرف المدعو للمساءلة جريمته، لتنطلق صفارة الإنذار، فنتوقع هجمة من الداخل أو مزيد من الكبت.

وهذا هو نذيرها “صفارة الإنذار”.

وبعـد

هذه هى قراءة الحلم على مسرح الداخل

والآن

هل ثَمّ داع لقراءته من جديد على مسرح الواقع الخارجى؟

لماذا؟

حين دخلت امتحان هذا الحلم، تصورت أن علىّ أن أجيب على الأسئلة بلغتين حتى أضمن نجاحى بأيهما، وتصورت أن لغة الداخل هى لغة مشفَّرة لن يفك شفرتها إلا خبير،

لكننى حين أعدت تلقيها الآن شعرت أننى لست بحاجة إلى الإجابة باللغة الأخرى، الأسهل والأعم.

* * *

الحلم (13)

هذا هو المطار. جوه يموج بشتى الأصوات واللغات. وكن قد فرغن من جميع الاجراءات ووقفن ينتظرن. اقتربت منهن وقدمت إلى كل منهن وردة فى قرطاس فضى، وقلت:

– مع السلامة والدعاء بالتوفيق

فشكرننى باسمات وقالت إحداهن

– إنها بعثة شاقة ونجاحنا يحتاج إلى أعوام وأعوام.

فأدركت ما تعنى، وغمر الألم قلبى وتبادلنا نظرات وداع صامتة ولاحت لأعيننا مسرات الزمان الأول

وتحركت الطائرة وجعلت أتابعها بعينى حتى غيبها الأفق.

وحال عودتى الى بهو المطار لم أعد أذكر إلا رغبتى فى الاهتداء إلى مكتب البريد، وكأننى ماجئت إلا لهذا الغرض وحده. وسمعت صوتاً يهمس أنت تريد مكتب البريد؟ فنظرت نحوه ذاهلا فرأيت فتاة لم أرها من قبل فسألتها عن هويتها فقالت بجرأة:

– أنا بنت ريا. لعلك مازلت تذكر ريا وسكينة؟

فقلت وذهولى يشتد.

– إنها ذكرى مرعبة

فرفعت منكبيها وسارت وهى تقول:

– إن كنت تريد مكتب البريد فاتبعنى.

فتبعتها بعد تردد غاية فى العنف.

القراءة:

وَداع وديع، ووعد مؤلم، وانتظار جديد، ومتابعة غامضة.

 فى حلم “7”، كان الراوى ينتظر تراما خاليا، وتبع فتاة ليل لا تَعِدُ بكْسر وحدته، وإن كانت تلوّح بوقت زائط، أو تسكين مريح.

المسرح هنا مطار، وهو يشير إلى الإقلاع بقدر ما يشير إلى الهبوط، لكن جميع الراحلات ينتظرن، وهو أيضا ينتظر، هن ينتظرن الإقلاع، وهو ينتظر – كما اكتشف لاحقا أن هذا هو السبب الحقيقى لقدومه -: ينتظر “رسالةٌ ما من مكتب البريد“،

السماح ظاهر فى طقوس الوداع بالزهور لكل واحدة دون استثناء، وذلك رغم آلام الفراق، وذكرى المسرات-كان ثَمَّ هاجس يطمئن أن هذا الوداع ليس هجرا بقدر ما هو وعدٌ بلقاء ما، بشكل ما، فى وقت ما، حتى لو طال الزمن لسنوات.

لكن الأمر لم يكن تماما كذلك، فالألم جاهز، وذكرى مسرات الزمان الأول تلوح فتزيده حدة، وتفتح نوافذ الأشواق “للآتى”.

وسط كل ذلك هو يدعو لهن – متألما- بالتوفيق.

التوفيق إلى ماذا؟ (فى مهمة، قد تكلل بالنجاح)

الوصل عن بعدٍ محتمل، ثم وعُدٌ غير معلن بلقاء قادم، كل هذا يعود بنا من جديد إلى “برنامج الذهاب والعودة”، أساس العلاقات البشرية، حركية النمو والتواصل:

مع السماح بالرحيل يبزغ ألم الحاجة إلى الوصل، بمن سافر، وبالمجهول، وبالآتى، مهما طال الزمن، فيتجلى الانتظار (كل من انفصل عن أصله يطلب أيام وصله).

حين عاد إلى بهو المطار بعد رحيل الطائرة تأكد له أن حضوره المطار لم يكن للوداع أو التوديع، ولكن كان لرغبته فى الوصْل، (الاهتداء إلى صندوق البريد)، حالةٌ متجددة من اليقظة والتوقع، تسمى “الانتظار” الممتد دهِشا.

الانتظار يفتح ذراعيه لمجهول أكثر غموضاً، لكنه يبدو أنه الأهم.

الفتاة التى ظهرت كأنها الرسول الذى يربط بين الرحيل وبين الانتظار تعلن بصوتها الهامس أنها همزة الوصل، وأنها تعرف حاجته، كما تعرف السبيل إليها.

هى ليست نقيض الراحلات تماما، هى ليست ريَّا لكنها ابنتها.

وهى ليست فتاة الهوى على محطة الترام 3 (حلم 7)،

ومع ذلك فهى الدليل إلى مكان الوعد الغامض: مكتب البريد.

التنقل من هذا الوعد الأول الذى أعلنه السماح بالرحيل برغم ألم الفراق، إلى التهديد الخفى بذكرى مفاجآت القتل للسرقة هو من طبيعة حركية النمو برغم ظاهر التناقض.

نحن لا نستبدل أمانا بأمان وإلا كان نموا ماسخاًَ فاتراً، نحن نستبدل أمانا واعداً بانتظار غامض، يتفجر منه احتمال خطر مخيف. مجرد احتمال، لأن ابنة ريا قد تكون امتدادا لريا، لما تمثله ريا، وقد لا تكون، لكن الرعب امتلكه لمجرد ذكر الاسم.

ثم إنه رضى أن يتبعها بعد تردد غاية فى العنف (لاحظ كيف يكون التردد عنيفا مع أن التردد يصحبه عادة، أوينتج غالبا من، خورِ وعجز عن اتخاذ قرارٍ ما)

لا يحول تردده هذا دون اتباعها بعد أن أكدت واثقة من أنها تعرف مكتب البريد.

ما العلاقة بين ابنة ريا وبين تلك الراحلة التى قالت له إنها بعثة شاقة؟

إن البصيرة بوعورة الرحلة (بعثة شاقة)، وفى نفس الوقت إعلان حتم الانتظار الحذر، لا يبرران العزوف عن المغامرة.

قد تكون هذه المرشدة – مرة أخرى – التى هى ليست ريا، بل ابنتها – هى معبر الوصْل بين الحاضر والآتى بعد الرحيل الطيب: المؤلم، مهما طال الزمن.

هل يقول لنا الحلم شيئا عن طبيعة نقلات النمو، وضرورة استيعاب الواقع، مع اليقين بتحرك الزمن من ريا إلى ابنتها، وتحمل الانفصال الواعد المؤلم، جنبا إلى جنب مع التردد البالغ فى العنف، وتوقع المجهول تحت مظلة الرعب؟

يظل المسرح كله فى المطار حتى النهاية، وكأنه يذكرنا أننا نعيش دائما على “الحافة” بين السماء والأرض، بين الوعد والانتظار، بين الخوف من المجهول واتباعه.

بدأ حلم (2) والراوى يتبع الفتاة إلى الشقة، وانتهى وهو يجرى نحوها قبل أن تذوب فى الزحام وسط البشر.

أما حلم (7) فقد انتهى والراوى يسير فى إثر فتاة محطة الترام (دون تردد)،

لكنه هنا يتبع الفتاة بعد تردد فى غاية العنف،

هل ستسعفنا الأحلام بعد ذلك بما قد يفسر تكرار ظهور هذه الفتاة وتلك المتابعة؟

أتوقع ذلك، لكننى لا أعد بالبحث مسبقاً خشية أن أتوقف[25]

* * *

 الحلم (14)

تريضت‏ ‏على ‏الشاطئ‏ ‏الأخضر‏ ‏للنيل‏. ‏الليلة‏ ‏ندية‏ ‏والمناجاة‏ ‏بين‏ ‏القمر‏ ‏ومياه‏ ‏النهر‏ ‏مستمرة‏ ‏تشع‏ ‏منها‏ ‏الأضواء‏. ‏هامت‏ ‏روحى ‏حول‏ ‏أركان‏ ‏العباسية‏ ‏المفعمة‏ ‏بالياسمين‏ ‏والحب‏. ‏ووجدت‏ ‏نفسى ‏تردد‏ ‏السؤال‏ ‏الذى ‏يراودها‏ ‏بين‏ ‏حين‏ ‏وآخر‏. ‏لماذا‏ ‏لم‏ ‏تزرنى ‏فى ‏المنام‏ ‏ولو‏ ‏مرة‏ ‏واحدة‏ ‏منذ‏ ‏رحلتْ؟‏ ‏على ‏الأقل‏ ‏لأتأكد‏ ‏من‏ ‏أنها‏ ‏كانت‏ ‏حقيقة‏ ‏وليست‏ ‏وهما‏ ‏من‏ ‏أوهام‏ ‏المراهقة‏. ‏وهل‏ ‏الصورة‏ ‏التى ‏طبعت‏ ‏فى ‏خيالى ‏هى ‏الصورة‏ ‏الحقيقية‏ ‏للأصل؟

وإذا‏ ‏بصوت‏ ‏موسيقى ‏يترامى ‏إلىّ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏الشارع‏ ‏المظلم‏. ‏صارت‏ ‏أشباحا‏ ‏ثم‏ ‏تجلت‏ ‏مع‏ ‏ضوء‏ ‏أول‏ ‏مصباح‏ ‏صادفها‏ ‏فى ‏طريقها‏ ‏أدهشنى ‏أنها‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏غريبة‏ ‏على، هى ‏الموسيقى ‏النحاسية‏ ‏التى ‏كثيراً‏ ‏ما‏ ‏استمعت‏ ‏إليها‏ ‏فى ‏صباى ‏ورأيتها‏ ‏تتقدم‏ ‏بعض‏ ‏الجنازات‏، ‏وهذا‏ ‏اللحن‏ ‏أكاد‏ ‏أحفظه‏ ‏حفظا‏، ‏أما‏ ‏المصادفة‏ ‏السعيدة‏ ‏غير‏ ‏المتوقعة‏ ‏فهى ‏أن‏ ‏حبيبتى ‏الراحلة‏ ‏تسير‏ ‏وراء‏ ‏الفرقة‏. ‏هى ‏هى ‏بطلعتها‏ ‏البهية‏ ‏ومشيتها‏ ‏السنية‏ ‏وملامحها‏ ‏الأنيقة‏، ‏أخيرا‏ًً ‏تكرمتْ‏ ‏بزيارتى ‏وتركت‏ ‏الفرقة‏ ‏الجنائزية‏ ‏تسير‏ ‏ووقفت‏ ‏قبالتى ‏لتؤكد‏ ‏لى ‏أن‏ ‏العمر‏ ‏لم‏ ‏يضع‏ ‏هدراً‏، ‏وقمت‏ ‏واقفا‏ ‏منبهرا‏ًً ‏وتطلعت‏ ‏إليها‏ ‏بكل‏ ‏قوة‏ ‏روحى. ‏وقلت‏ ‏لنفسى‏ ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏فرصة‏ ‏لا‏ ‏تتكرر‏ ‏لألمس‏ ‏حبيبة‏ ‏القلب‏. ‏

وتقدمت‏ ‏خطوة‏ ‏وأحطتها‏ ‏بذراعى ‏ولكنى ‏سمعت‏ ‏طقطقة‏ ‏شئ‏ ‏يتكسر‏ ‏وأيقنت‏ ‏أن‏ ‏الفستان‏ ‏ينسدل‏ ‏على ‏فراغ‏. ‏وسرعان‏ ‏ما‏ ‏هوى ‏الرأس‏ ‏البديع‏ ‏إلى ‏الأرض‏ ‏وتدحرج‏ ‏إلى ‏النهر‏ ‏وحملته‏ ‏الأمواج‏ ‏مثل‏ ‏ورد‏ ‏النيل‏ ‏تاركة‏ ‏إياى ‏فى ‏حسرة‏ ‏أبدية‏. ‏

القراءة:

قفزة أخرى فوق الحاجز يين واقع اليقظة، وواقع الحلم،

وفى نفس الوقت هى قفزة فوق الحدود بين الحياة والموت، ثم إن ثمة تداخلات موازية: بين الخيال والحقيقة، وأيضا بين الامتلاء بالحب والضياع فى الفراغ..!!

محفوظ هنا يستدل على الحقيقة من الحلم “لماذا لم تزرنى فى المنام….. لأتاكد أنها كانت حقيقة؟

 ذلك أنه يجعل الحلم هنا هو المقياس الذى يقيس به مطابقة صورتها على الأصل!! (إن كان هناك أصل).

وصول صوت الموسيقى قبل التيقن من طبيعتها استجلب الماضى مفتوحاً للأنغام (ربما أنغام المراهقة بالذات)، ثم تتعين الأنغام فى أشباح، لا تتحدد معالمها إلا فى نور مصباح بالصدفة، يتعرى الموقف أكثر حين تتحدد الموسيقى فى هذا اللحن الجنائزى، لكن متى كانت جنازاتنا العادية يصاحبها الموسيقى ويتقدمها العازفون؟ ومتى كانت تعزف لحناً يُحفظ؟ فنتذكره.

لم تستجلب الموسيقى الجنائزية أية ذكريات حزينة: لا ذكريات الموت ولا ذكريات الفراق، لعلنا لاحظنا فى الفقرة الأولى كيف أن السؤال كان حول عدم زيارة المحبوبة (الحقيقية أو المتوهمة) له منذ رحلت. هو لم يقل إن كان هذا الرحيل هو إلى بلد آخر أو إلى عالم آخر. أقول لم تستجلب هذه الموسيقى الحزن أو الأسى أو الحنين، بل جاءت “بالمفاجأة السعيدة”.

هذه المفاجأة قد تقتصر على أن الحبيبة عادت بعد طول غياب، وقد تمتد إلى أنها ليست هى التى بداخل النعش، فهى تسير وراء الفرقة بين المشيعين، هى لم تَمُتْ إذن.

هذه المفاجأة لم تتجلَّ حلماً، حضر المنظر وهو ينتظر يقظاً مشتاقا إلى محبوبته، يتمنى أن تزوره حتى ولو فى الحلم، حل المنظر المحكى فى بؤرة واقعٍ حلمىٍّ أكثر إغرابا من الحلم.

الحبيبة تركت المشيعين والجنازة والموسيقى والميت ووقفت قبالته ترد على تساؤلاته: أنها موجوده لم تمت، أنها لم تنسَهْ، وأنها هاهى قد عادت إليه.

قوة روحه جعلتها أوقع من الواقع، ومع ذلك فاللمس هو الحد الفاصل (نحن نعرف كيف يقرص الواحد منا نفسه ليتأكد أن ما هو فيه: علم لا حلم).

لماذا افترض من البداية أنها فرصة لن تتكرر؟

إن كانت قد عادت، حتى لو كان حلما، فلماذا لا يتكرر؟

وإن كانت ليست هى التى داخل النعش وإنما هى تسير بين المشيعين، فلماذا لا يتكرر اللقاء؟

ثم إن قوة روحه هى التى ربطته بها، فكيف لا تتكرر الفرصة؟

لعله عرف أنها فرصة لن تتكرر لأنها لم تكن موجودة أصلا.

حتى الهيكل العظمى الذى طقطق لم يكن إلا فراغا: الرأس البديع الذى هوى كان رأساً وليس جمجمة، وقد تعرف عليها من خلاله (هى هى بطلعتها البهية.. وملامحها الأنيقة).

أما ما تحت الرأس، ما ينسدل عليه الفستان، فلم يكن إلا الفراغ حتى لو طقطق داخله ما يمكن أن يكون هيكلا عظميا هشاً.

هذا الرأس البديع – وليس الجمجمة – هو الذى هوى إلى النهر.

هل هو نفس نهر البداية؟

البداية كانت مياه النهر تشع منها الأضواء وهو يتريض على شاطئه الأخضر.

أما نهر النهاية فقد توارى خلف ستائر ورد النيل، لتغوص فيه رأس الحبيبة بلا رجعة.

الحسرة الأبدية هنا لها أوجه متعددة، تثير تساؤلات مقابلة:

هل هى حسرة أنها لم توجد أبدا إلا فى خياله؟

أم حسرة أنها عادت لتثبت أنها كانت حقيقة، ثم تختفى؟

أم حسرة للتيقن من جوعه الذى لا يرويه خيال ولا حقيقة؟

أم كل ذلك معا؟

لعله كل ذلك معا

* * *

قراءة سابقة:

سبق أيضا أن قرأت هذا الحلم ناقدا بتاريخ 30/9/2005، روزاليوسف فقررت أن أثبت القراءة الأولى لنفس الأسباب (هامش 12) فى هذا الفصل.

أولا:

هذا الذى يتريض على الشاطئ، حضرنا مستيقظاً يتذكر، كان يتساءل عن الحبيبة ولماذا لم تزره “فى المنام ولو مرة واحدة”؟  أثير احتمال من البداية أن هذه الحبيبة لم تكن واقعا أصلاً، يقول النص: ” على الأقل لأتأكد من أنها كانت حقيقة وليست وهما”؟ ثم يشككنا النص فى الصورة التى طبعت فى خيال الراوى، على احتمال أنها ليست الصورة الحقيقية كذلك. تردد كل ذلك بعد أن رحلت الحبيبة الحقيقية أو المتصورة: هل ماتت أم أنها اختفت مرحليا: من الذاكرة أو الحلم أو الخيال؟ هذه الزيارة المحتملة فى المنام بدت وكأنها هى الحَكَـم فى تحديد الحد الفاصل بين وجود الحبيبة أصلا من عدمه، ناهيك عن رحيلها، كما جعلها النص أيضا الحكم الذى سيحكم على مطابقة زائرة المنام مع أصلٍ مشكوكٍ فيه، وعلى صورة ربما مصنوعة من البداية!!!

إلى هذا الحد داخَلَ هذا النص بين مستويات الحلم، واليقظة، والأصل، والصورة، والواقع، والخيال. ويا ليته توقف عند هذا المستوى، نكمل معا :

تترامى إليه أصوات تنقلب إلى أشباح (وليست أشباحاً تصدر أصواتاً)، وهى أصوات مألوفة، لكنها جنائزية دون حزن كئيب. هذه الاحتفالية الجنائزية عادة ما تتقدم نعشاً لا شخصاً حياً، لكنها هنا تتقدم الحبيبة بلحمها ودمها “هى هى بطلعتها البهية، ومشيتها السنية، وملامحها الأنيقة”

يبدو أن إبداع النص يحاول أن يؤكد للراوى أن الحبيبة كانت (ومازالت) حقيقة ماثلة وهاهى تسير خلف فرقة موسيقية جنائزية، وقد جاءت..”..لتؤكد لى أن العمر لم يضع هدراً”.

المعنى المباشر هو أن الراوى عاش التجربة فعلاً, وسعد بها، وأن هذه التجربة لم تكن أبداً أوهاماً، وأن حبيبته هى حبيبته، وأنها أخيرا تعطفت عليه وزارته، وإن كانت فى ظرف غير مألوف للقاء الأحبة، فهى تسير وراء فرقة الموسيقى الجنائزية

تنتقل الحركة والراوى يتقدم إلى محبوبته بكل قوة وثقة، لكننا نلاحظ أن تلك القوة كانت “قوة روحه”، فننتبه (أو نتذكر) أنه منذ البداية أقر أن روحه هى التى كانت تهيم: “هامت روحى حول أركان العباسية المفعمة بالياسمين والحب” , ومع ذلك، فإن مطلب الروح الأخير كان حسيا وباللمس للتحقق من الواقع ماثلا عيانيا “…‏ ‏وتطلعت‏ ‏إليها‏ ‏بكل‏ ‏قوة‏ ‏روحى. ‏وقلت‏ ‏لنفسى‏ ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏فرصة‏ ‏لا‏ ‏تتكرر‏ – ‏لألمس‏ ‏حبيبة‏ ‏القلب‏” ‏.

المفاجأة الأخيرة هى أن الحبيبة لم تكن إلا هيكلها العظمى المخفى وراء صورتها بطلعتها البهية ومشيتها السنية، وياليته هيكل عظمى متماسك، بل تجسيد فراغ هش لم يحتمل مجرد التفاف ذراعى الحبيب حوله “….وتقدمت‏ ‏خطوة‏ ‏وأحطتها‏ ‏بذراعى ‏ولكنى ‏سمعت‏ ‏طقطقة‏ ‏شئ‏ ‏يتكسر‏ ‏وأيقنت‏ ‏أن‏ ‏الفستان‏ ‏ينسدل‏ ‏على ‏فراغ”

هكذا نجد أنفسنا فى نهاية النهاية أمام وهم الأوهام “…. ‏وسرعان‏ ‏ما‏ ‏هوى ‏الرأس‏ ‏البديع‏ ‏إلى ‏الأرض‏ ‏وتدحرج‏ ‏إلى ‏النهر‏ ‏وحملته‏ ‏الأمواج‏ ‏مثل‏ ‏ورد‏ ‏النيل”

رحيل آخر أخير، لعله الرحيل الحقيقى، ‏ الذى لا عودة بعده لخيال، أو لحقيقة ملتبسة، أو لحقيقة أصلية، أو لصورة هى هى، أو كأنها هى. هذا هو الرحيل العدم الذى يمسح الخيال مع الحقيقة مع الحلم مع الواقع ويساوى بينها جميعاً، هو النهاية الباعثة على الحسرة الممتدة، “‏تاركة‏ ‏إياه :” ‏فى ‏حسرة‏ ‏أبدية.” لكن أبداً، حتى هذا الرحيل، هو ذخيرة الداخل!

وبعد

نتذكر أن أحلام فترة النقاهة ليست إلا إبداعاً أصيلاً، وأن العنوان (أحلام) لا يلزمنا أن نتعامل مع النص إلا بصفته إبداعاً متميزاً لا حلماً مروياً. هذ النص –كما قرأناه– يظهر لنا بشكل جلى أكيد : كيف أن الخيال هو واقع آخر، وأن الموت هو وعى آخر، وأن العودة هى غياب آخر، وأن الواقع هو خيال آخر. ليس معنى ذلك أن ثمة دعوة لتداخل مخل يسمح لكل شىء أن يكون ضده باستسهال غبى، لكن الدعوة هى إلى رفض الانحباس فى سجن ما نسميه واقعاً.

هى دعوة لإعادة النظر فى مدى واقعية الواقع المزعومة، وفى نفس الوقت هى دعوة لاحترام مستويات أخرى من الواقع لا نسميها كذلك، ثم التحرك بينها بأكبر قدر من الإبداع، لتظل الكينونة الجدلية الحقيقية تتخلق باستمرار.

* * *

الحلم (15)

بهو‏ ‏رُصّت‏ ‏على ‏جوانبه‏ ‏المكاتب‏.. ‏إنه‏ ‏مصلحة‏ ‏حكومية‏ ‏أو‏ ‏مؤسسة‏ ‏تجارية‏ ‏والموظفون‏ ‏بين‏ ‏السكون‏ ‏وراء‏ ‏مكاتبهم‏ ‏أو‏ ‏الحركة‏ ‏بين‏ ‏المكاتب‏.‏

وهم‏ ‏خليط‏ ‏من‏ ‏الجنسين‏ ‏والتعاون‏ ‏فى ‏العمل‏ ‏واضح‏ ‏والغزل‏ ‏الخفيف‏ ‏غير‏ ‏خاف‏. ‏وأنا‏ ‏فيما‏ ‏بدا‏ ‏من‏ ‏الموظفين‏ ‏الجدد‏ ‏ومرتبى ‏على ‏قد‏ ‏حاله‏ ‏وشعورى ‏بذلك‏ ‏عميق‏، ‏ولكنه‏ ‏لم‏ ‏يمنعنى ‏من‏ ‏طلب‏ ‏يد‏ ‏فتاة‏ ‏جميلة‏ ‏وهى ‏كموظفة‏ ‏أقدم‏ ‏وأعلى‏. ‏والحق‏ ‏أنها‏ ‏شكرتنى ‏ولكنها‏ ‏اعتذرت‏ ‏عن‏ ‏عدم‏ ‏الاستجابة‏ ‏لطلبى ‏قائلة‏:‏

‏- ‏لا‏ ‏نملك‏ ‏ما‏ ‏يهيئ‏ ‏لنا‏ ‏حياة‏ ‏سعيدة

‏ ‏وتلقيت‏ ‏بذلك‏ ‏طعنة‏ ‏نفذت‏ ‏إلى ‏صميم‏ ‏وجدانى‏.‏

ومن‏ ‏يومها‏ ‏تحسبت‏ ‏مفاتحة‏ ‏أى ‏زميلة‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏الشأن‏ ‏على ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏إعجابى ‏بأكثر‏ ‏من‏ ‏واحدة‏. ‏وعانيت‏ ‏مر‏ ‏المعاناة‏ ‏من‏ ‏العزلة‏ ‏والكآبة‏.. ‏وألحقت‏ ‏بالخدمة‏ ‏فتاة‏ ‏جديدة‏ ‏فوجدت‏ ‏نفسى ‏فى ‏مكانة‏ ‏أعلى ‏لأول‏ ‏مرة‏. ‏فأنا‏ ‏مراجع‏ ‏وهى ‏كاتبة‏ ‏على ‏الآلة‏ ‏الكاتبة‏. ‏ومرتبى ‏ضعف‏ ‏مرتبها‏ ‏إلا‏ ‏أنها‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏جميلة‏ ‏بل‏ ‏الأدهى ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏أنى ‏سمعت‏ ‏همساً‏ ‏يدور‏ ‏حول‏ ‏سلوكها‏، ‏وبدافع‏ ‏من‏ ‏اليأس‏ ‏قررت‏ ‏الخروج‏ ‏من‏ ‏عزلتى ‏فداعبتها‏ ‏فإذا‏ ‏بها‏ ‏تداعبنى ‏ومن‏ ‏شدة‏ ‏فرحى ‏فقدت‏ ‏وعيى ‏وطلبت‏ ‏يدها‏، ‏وقالت‏ ‏لى:‏

‏- ‏آسفة‏!‏

فلم‏ ‏أصدق‏ ‏أذنى ‏وقلت‏ ‏وأنا‏ ‏أتهاوى

‏- ‏مرتبى ‏لا‏ ‏بأس‏ ‏به‏ ‏بالإضافة‏ ‏إلى ‏مرتبك

فقالت‏ ‏بجدية‏:‏

‏- ‏المال‏ ‏لا‏ ‏يهمني

وهممت‏ ‏أن‏ ‏أسالها‏ ‏عما‏ ‏يهمها‏ ‏حقا‏ ‏ولكنها‏ ‏ذهبت‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏أنطق‏.‏

القراءة:

هذا الشعور الأساسى فى الوجود، أن تكون مقبولا، أن تريدك “أنت” أخرى،

 أن تسمح لك أن تكون رجلها،

 هذا هو صك الاعتراف بوجودك من عدمه،

 دع كل ما بعد ذلك جانبا:

 البدء أن تكون مقبولا، مرغوبا فيك.                   

منعت نفسى أن أسمح “لعثمان بيومى” (حضرة المحترم) أن يتسحب إلى قراءتى لهذا الحلم، الفروق بلا حصر، لكن هناك ما أحضر عثمان إلى الساحة، فطردتُه،

 القبول اعترافٌ بوجودك، تخليقٌ لك، يأتى بعد ذلك الحب أو الجنس أو الزواج على أرضية هذا القبول،

 يبدأ الاعتراف بك من قِبلَ “الأم”، وقد ينتهى به، وقد يتطور منه،

 الواضح فى هذا الحلم أن المرأة هى السيد، هى التى بيدها القبول والرفض،

 الأم هى أول من يُنْتدب للموافقة على حضور ابنها إلى هذا العالم،

 ومع أنها هى التى سمحت لطفلها أن يغادرها، أن يخرج منها، لينطلق إلى العالَمْ حيث ينتظره غيرها منهم ومنهن، إلا أن موافقتها بقبول وجوده خارجها معها، ثم خارجها بعيدا عنها، هى خطوة لا غنى عنها.

دعَ جانبا دور الرجل – فيما بعد – فهو دور خادع مخادع إذ يتصور أن الأمر بيده لمجرد أنه – غالبا – هو الذى يتقدم بالطلب

 الأهم هو: “من التى تقبل”؟ وهل تقبل؟

…………

المسرح فى الحلم تقليدى هادئ هامس: العمل نمطى رتيب، بلا حركة حقيقية، العقول ساكنة وراء المكاتب، أما الحركة فتبدو حركة “سيرا فى المحل”: بين المكاتب.

وبرغم ذلك فالرسائل الخفيفة تتبادل بين الجنسين: فواتح كلام، أو لتزجية الوقت.

الراوى يحسبها بالقلم والمسطرة هى: “موظفة” أقدم وأعلى (نستنتج نحن أنها أكبر سناً)، لكنه يُقْدم، فترد عليه بالقلم والمسطرة أيضا: “لانملك” ما “يهيئ” لنا حياة “سعيدة”

فمن أين الطعنة، وفى صميم الوجدان؟

المتقدم مطمئن للنتيجة، وهو يعرف موقعه منها، فهى أقدم ليس فقط وظيفيا، وإنما، ربما، اجتماعيا، كما بلغنى من بقية الحلم، وربما من كلمة “أعلى”، فالرفض وارد، والأسباب موضوعية واضحة، فلماذا ينتهى المشهد بالطعن، وفى صميم الوجدان؟ (الوجود!)

الطعنة تأتى من عمق رسالة “الرد”، وليس من مجرد الرفض: إنه غير مرغوب فيه، غير مقبول = غير موجود!! وكأنها بهذا الرفض قد انتزعت هوية وجوده من جذورها.

…………

ها هو يعيد حساباته ليتجنب كل أسباب الرفض الظاهرة السابقة، دون الغوص إلى الأسباب الحقيقية، (مع أنه يعرفها، غالبا، لا شعوريا على الأقل)،

 الفتاة الثانية تبدو نقيض الأولى، هو يتغاضى عن كل شئ حتى يتجنب الرفض، جمال متوسط، درجة وظيفتها أدنى، تعيينها أحدث، ثم ماذا يهمه عن الهمس حول سلوكها.

التقدم هذه المرة كان بدافع اليأس، اليأس من ماذا؟ اليأس من جدوى الانسحاب النهائى إلى قوقعته، اليأس من التنازل عن حقه فى الوجود.

 هاهو يكسر قوقعته، يخرج من عزلته مرة أخرى، ويبدأ بالمداعبة، (وليس مباشرة بطلب يدها)، فتستجيب (فإذا بها تداعبنى)، إذن فثم قبولُ مبدئى.

 ما لاح من قبول مبدئى هذه المرة يجعل الطعنة أقسى، حتى بعد أن “جاء على نفسه” جوابها جاء ببساطة أنها “آسفة”.

 الرفض فى المرة الأولى، كانت أسبابه ظاهرة وعملية، كما قلنا.

 الرفض هذه المرة هو رفض آخر، أقسى وأمرّ، هو رفض له شخصيا، رفض له رجلاً، هل كان رد المداعبة ترضية خاطر؟ أو موافقة موقوتة مرتبطة بالهمس حول سلوكها؟ ربما؟

 أما أَنْ تقبله رجلها، الآن، ثم دائماً؟ فهذا أمر آخر.

الطعنة هذه المرة فى الصميم، فى بؤرة وجوده تماما.

 ما أن لاح له احتمال أنه مرغوب فيه (فإذا بها تداعبنى) حتى فقد وعيه

وفى غمرة نشوة احتمال القبول إذا بالصفعة تصقعه أنه “ليس هو الذى…”، ليس أنت.

“لستَ أنت!

 أنت لست مرغوبا فيك أصلاً”.

ما الذى ينقصه ليكون مرغوبا فيه؟

ماذا فعل حتى لا تعترف الواحدة تلو الأخرى بوجوده؟

 ماذا عليه أن يفعل؟

هل اعترفت به أمّه أصلا؟

 هل اعترف به أحد؟

 هل اعترف هو بنفسه، لنفسه؟

هل كان عليه أن يعدل من البداية عن المحاولة الأولى؟

هل كان مطلوبا منه ألا يتنازل عن نقائص الثانية وما شاع عنها؟

هل كان عليه أن يحجم عن أية محاولة من الأساس؟

هل كان عليه ألا يصدق أنها بادلته المداعبة؟ إلا من باب المجاملة، أو استجابة موقوتة متسقة مع الهمس حول سلوكها.

المال لا يهمها.

ما الذى يهمها؟

ما الذى يهم؟

هل يعود إلى قوقعته؟

إلى كهفه؟

لكن‏ ‏بالله‏ ‏عليكم‏: ‏ماذا‏ ‏يغرينى ‏فى ‏جوف‏ ‏الكهف، ‏

وصقيع‏ ‏الوحدة‏ ‏يعنى ‏الموت؟‏ ‏

لكن‏ ‏الموت‏ ‏الواحد‏:… ‏أمر‏ ‏حتمى ‏ومقدر،

‏أما‏ ‏فى ‏بستان‏ ‏الحب، ‏

فالخطر‏ ‏الأكبر‏ ‏

أن‏ ‏تنسونى ‏فى ‏الظل، ‏

ألا‏ ‏يغمرنى ‏دفء‏ ‏الشمس‏ ‏

أو‏ ‏يأكل‏ ‏برعم‏ ‏روحى ‏دود‏ ‏الخوف‏. ‏

فتموت‏ ‏الوردة‏ ‏فى ‏الكفن‏ ‏الأخضر، ‏

             لم‏ ‏تتفتح‏ ‏

و‏الشمس‏ ‏تعانق‏ ‏من‏ ‏حولى ‏كل‏ ‏الأزهار،‏

هذا‏ ‏موت‏ ‏أبشع‏، ‏

لا‏.. ‏

لا‏ ‏تقتربوا‏ ‏أكثر، ‏

جلدى ‏بالمقلوب‏ ‏

والقوقعةُ‏ ‏المسحور‏ة ‏

تحمينى ‏منكم[26]

وهو يدور حول مثل هذا الموقف بشكلٍ ما!

* * *

الحلم (16)

هنأنى ‏الطبيب‏ ‏المساعد‏ ‏على ‏نجاح‏ ‏العملية‏.. ‏عقب‏ ‏إفاقتى ‏من‏ ‏التخدير‏ ‏أشعر‏ ‏بارتياح‏ ‏عميق‏ ‏وبسعادة‏ ‏النجاة‏ ‏الصافية‏. ‏دخلت‏ ‏الحجرة‏ ‏فجاءت‏ ‏الممرضة‏ ‏بكرسى ‏وجلست‏ ‏مقتربة‏ ‏برأسها‏ ‏من‏ ‏رأسى‏. ‏تأملتنى مليا ثم قالت لى بهدوء شديد:

– طالما كانت أمنيتى ‏أن‏ ‏أراك‏ ‏راقدا‏ ‏بلا‏ ‏حول‏ ‏ولا‏ ‏قوة‏!‏

قالت‏ ‏باحتقار‏ ‏وحقد

‏- ‏جاء‏ ‏وقت‏ ‏الانتقام

وقامت‏ ‏وغادرت‏ ‏الحجرة‏ ‏تاركة‏ ‏إياى ‏فى ‏دوامة‏ ‏من‏ ‏الحيرة‏ ‏والقلق‏ ‏والخوف‏، ‏كيف‏ ‏تتصور‏ ‏تلك‏ ‏المرأة‏ ‏أننى ‏أسأت‏ ‏إليها‏ ‏على ‏حين‏ ‏أننى ‏أراها‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏ ‏فى ‏حياتى، ‏وجاء‏ ‏الطبيب‏ ‏الجراح‏ ‏ليلقى ‏على ‏نظرة‏ ‏فتشبثت‏ ‏به‏ ‏قائلا‏:‏

‏- ‏أدركنى ‏يا‏ ‏دكتور‏ ‏فإن‏ ‏حياتى ‏فى ‏خطر‏!‏

فأصغى ‏إلىّ ‏وأنا‏ ‏أقص‏ ‏عليه‏ ‏ما‏ ‏جرى‏. ‏وأمر‏ ‏بعرض‏ ‏الممرضات‏ ‏المكلفات‏ ‏بالخدمة‏ ‏فى ‏العنبر‏ ‏على ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أعثر‏ ‏على ‏الممرضة‏ ‏بينهن

وغادرنى ‏الدكتور‏ ‏وهو‏ ‏يقول‏:‏

‏- ‘‏أنت‏ ‏هنا‏ ‏فى ‏كامل‏ ‏الرعاية‏’‏

ولكن‏ ‏صورة‏ ‏الممرضة‏ ‏لم‏ ‏تفارقنى

ولم‏ ‏تغب‏ ‏عنى ‏الوساوس‏.

‏وكل‏ ‏من‏ ‏دخل‏ ‏الحجرة‏ ‏نظر‏ ‏إلىّ ‏بغرابة‏ ‏كأننى ‏أصبحت‏ ‏موضع‏ ‏تساؤل‏ ‏وشك‏. ‏وتراءى ‏أمام‏ ‏عينى ‏طريق‏ ‏طويل‏‏ ‏ملئ‏ ‏بالمتاعب‏.

القراءة:

أهى عملية قيصرية؟

 ليس تماما،

 لكنها الولادة.

لا مفر هنا من استطراد لعرض موجز للأسس المبدئية لنظرية العلاقة بالموضوع Object Relation Theory (المدرسة التحليلية الإنجليزية، ما بعد فرويد – ميلانى كلاين – فيربيرن-جانترب)، مع التحذير المبدئى من أن نقرأ كلمات بارنوى Paranoid، أو اكتئابى Depressive، أو شبه فصامى Schizoid (شيزيدى) على أنها تشير إلى، أو تدل على، أية أمراض، إنها الألفاظ التى ارتضت هذه المدرسة أن تستعملها لوصف مراحل النمو “العادية” عند كل البشر.

نجيب محفوظ لم يقرأ التطورات الأحدث فالأحدث فى التحليل النفسى والمدارس النفسية، وهذا أفضل، هو يكتشفها أعمق وأروع، ويعلمنا ماهيتنا متأصلة انطلاقا من إبداعه (أبعد من ديستويفسكى لأسباب ربما أذكرها فيما بعد).

أعرف عنه احترامه لفرويد، وقد شاهدت تأثير فرويد فى بعض كتاباته هنا وهناك، واعترضت على المباشرة والرمزية فى بعضها، ومع أنه (نجيب محفوظ) غاص إلى ما غاص إليه كارل يونج، إلا أنى رصدته قد غاص بحدسه على حسابه دون تأثر مباشر بيونج، مع أنهما وصلا – تقريباً– إلى ذات القاع،  مثلا فى “ليالى ألف ليلة”.

– حين أصدرنا أول عدد من مجلة الإنسان والتطور أرسلنا إلى كل من وثقنا فى رأيه نطلب توجيها ونقدا، لم يرد علينا سوى أربعة كان نجيب محفوظ أحدهم، جاء فى رد نجيب محفوظ ما يلى:

 

السيد‏ ‏الاستاذ‏ / رئيس التحرير

تحية‏ ‏طيبة‏ ‏وبعد

فقد‏ ‏اطلعت‏ ‏على ‏مجلتكم‏ ‏فكانت‏ ‏سبيلى – ‏مشكورة‏ – ‏إلى ‏تصور‏ ‏جديد‏ ‏لعلم‏ ‏النفس‏ ‏يماشى ‏تطلع‏ ‏الإنسان‏ ‏المنهك‏ ‏المعاصر‏ ‏إلى ‏التوازن‏ ‏والقيم‏ ‏والإيمان‏, ‏وثق‏ ‏من‏ ‏أننى أتمنى ‏لها‏ ‏الاستمرار‏ ‏والنجاح‏, ‏وكانت‏ ‏أول‏ ‏نتيجة‏ ‏لاطلاعى ‏عليها‏ ‏الاسراع‏ ‏فى ‏اقتناء‏ ‏أحد‏ ‏مراجعها المتاحة‏ ‏وهى‏: ‏علم‏ ‏النفس‏ ‏الانساني

ولا‏ ‏أشك‏ ‏فى ‏أنها‏ ‏تحوى ‏جديدا

كما‏ ‏أعتبرها‏ ‏مجلة‏ ‏علمية‏ ‏ثقافية

كما‏ ‏أعتبرها‏ ‏نفحة‏ ‏حياة‏ ‏طيبة‏ ‏فى ‏الركود‏ ‏الخانق

                  وفقكم‏ ‏الله‏ ‏ودمتم‏ ‏للمخلص

  نجيب‏ ‏محفوظ

24/1/1980

 هكذا كانت روعة متابعته وتشجيعه لكل جديد فى علم النفس وغيره، هكذا كان تشجيعه لكل محاولة جديدة، ولم أكن أعرفه آنذاك، إلا قارئا عاديا لأعماله!! ولو كان عرف عن مدرسة العلاقة بالموضوع التى أقدمها الآن لكان أحاط بها أحسن منى.

هذه المدرسة التى أقدمها حاليا ترتب مراحل النمو العادى تدرّجا من مرحلة إلى مرحلة، تسمى كل مرحلة “موقفا”، وهى ترجع هذه المواقف إلى علاقة الطفل بأمه:

1- نبدأ بالطفل فى بطن أمه وعقب الولادة مباشرة حيث ليس له علاقة بأى آخر كموضوع أصلا، وتسمى هذه المرحلة الموقف الشيزيدى Schizoid position[27]  

 2- ثم بعد الولادة بقليل جدا يبدأ  الطفل التعرف على الموضوع (بدءا بأمه) حيث يغلب التوجس والحذر، ويكون أسلوبه فى التعامل مع أى آخر هو “الكر والفر” باعتبار الموضوع هو مصدر خطر فقط، إنه العدو الذى يهدد وجوده، وعليه أن يدافع عن نفسه تجاهه، وأن يتقى شره، وتسمى هذه المرحلة الموقف البارنوى Paranoid

3- ثم يأتى الموقف الثالث حين يتبين الطفل أن الموضوع الذى كان يعتبره الطفل خطرا هو هو مصدر الحياة (الرضاعة) والدفء (الحضن) والحنان (العلاقة)، لكنه فى نفس الوقت مصدر خطر أيضا، لكنه خطر من نوع آخر، الخطر فى هذا الموقف الثالث يأتى من التهديد بالهجر، ومن ثم الموت جوعاً وضياعاً.

 إذا تهدد الطفل من مصدر الحياة الأساسى بأن ثم احتمال للترك أو الهجر فإنه يستعد للانقضاض عليه للاحتفاظ به، فيخاف عليه، ويتقدم إليه، ويحتاجه، ويرفضه، ويكرر ذلك، وهذا هو ألم الاكتئاب الدافع للنضج إذا استمرت مسيرة النمو فى الاتجاه الصحيح.

 “الموضوع” هنا فى الموقف الاكتئابى حقيقى، وبعيد، وقريب، وفى المتناول، ويهدد بالاختفاء فى نفس الوقت، ذلك لأنه موضوع مُحبّ وخطر فى آن واحد.

……

أعرف أننى أطلت، لكننى شعرت أن تقديم هذه المدرسة، ولو بهذا الإيجاز، هو ضرورة مبدئية ونحن بعد فى حلم 16، ذلك لأن أسس هذه المدرسة هى من الأساسيات التى يتمحور حولها فكرى النظرى، والتطبيبى والنقدى أحياناً،

 فمثلا كانت هى الأساس الجوهرى فى نقدى لكل من يقين العطش لإدوارد الخراط، واسم آخر للظل لحسنى حسن. [28]

قراءة الحلم

يبدأ الحلم بإخطارنا أننا فى الموقف الشيزيدى الحالم الناعم تحديدا، قرأت ذلك باعتباره أننا فى مرحلة قبل ظهور الوعى الذاتى، نحن داخل الرحم حيث لا موضوع، يمتد هذا الوضع إلى ما بعد الخروج من الرحم مباشرة، لم أستنتج ذلك من بداية الحلم فقط، وإنما من فقرة فى أصداء السيرة الذاتية.

نتوقف هنا لنقرأ بعض فقرة “99” فى الأصداء

…. تحية للعمر الطويل الذى أمضيته فى الأمان والغبطة. تحية لمتعة الحياة فى بحر الحنان”.

“من خواطر جنين فى نهاية شهره التاسع”

هنا فى هذا الحلم يمتد “بحر الحنان” بما يمثله “التخدير” إلى ما بعد الولادة (العملية)، الفرق هو أن هذا التخدير يحقق ما أسماه هنا “ارتياح عميق وسعادة النجاة الصافية” هذه هى الجنة قبل الوعى بالوعى، ومواجهة الآخر الموضوعى.

 يشير الحلم هنا تحديدا إلى امتداد هذا الموقف إلى ما بعد الولادة (على خلاف الأصداء)، وهو الموقف الشيزيدى الذى يمتد فعلاً أياماً أو أسابيع بعد الولادة.

ينقلنا الحلم بعد ذك مباشرة  إلى الموقف التالى:

 تظهر الممرضة وتقترب مثلما يقترب وجه الأم من الطفل،

 أول عاطفة يشعر بها الطفل تسمى البَهرْ Orientation  حين تقع عيناه على أول وجه آدمى (وجه أمه عادة)،

 بمجرد أن يتبين العقل أن ثمّ آخر – بعد دهشة البهر- يتحقق من أن هذا الكيان الآخر هو غير كيانه “لا أنا” “”not me موجود فى الدنيا، فى العالم، فنجد أنفسنا فى الموقف البارنوى يعيش الطفل موقف المطاردة والكر والفر والاتهام دون جريرة.

إعلان نية هذا الآخر فى الانتقام هو مجرد شكل من أشكال توضيح أن الآخر عدو بلا أدنى شك، وأن الثأر قديم قدم الخروج من الجنة (الرحم).

المهم هو أن هذا الموقف البارنوى يعلن أن كل من هو “ليس أنا” هو خطر علىّ أنا.

استقبالنا التخدير هنا على أنه مرحلة ما قبل الوعى، يجعل الاستنقاذ بالطبيب (أدركنى يا دكتور فإن حياتى فى خطر) بمثابة إعلان للرغبة فى التنازل عن الوعى البازغ، بمعنى أنه إعلان الرغبة فى العودة إلى المرحلة السابقة (التخدير- الرحم) وهذا من آليات النمو فيما يسمى برنامج الدخول والخروج: in – and – out program  (مما يحتاج لتفصيل لاحق).

التطمين الذى منحه الطبيب (لم يذكر هنا المساعد) قد يكون إعلانا لبداية النقلة إلى الموقف الاكتئابى حين يصبح الآخر مصدرا للطمأنية، لكن دون ضمان طمأنينة دائمة، بل مع وجود تهديد بالهجر، الترك، وهذا ما يشير إليه استنقاذ الكيان المهدَّدْ بالجانب الحانى واهب الحياة  الجراح الكبير، لكن فى نفس الوقت مع الوعى بالمخاطر بنفس الدرجة.

 من هذا يمكن أن نلمح  بزوغ مرحلة الانتقال إلى الموقف الاكتئابى (لم يظهر بعد)

اختفاء وجه الممرضة الخطرة، واستبداله بممرضات عاديات مكلفات بالخدمة، قد يشير إلى أن الخطر ليس واقعا بقدر ما هو “مصنوع” انطلاقا من الموقف البارنوى.

هكذا أصبحنا فى بداية الطريق الطويل الملئ بالمتاعب،

 هى رحلة الحياة بكل ما بها، وما تطلبه وما تعد به.

عودة مرة أخرى إلى نفس الصدى فقرة (99) لنتأكد من القراءة، نسمعه وهو يقول:

…. ‏دع‏ ‏عنك‏ ‏ترهات‏ ‏الانتقال‏ ‏إلى ‏حياة‏ ‏أخرى، ‏كيف‏ ‏ولماذا‏ ‏وأى ‏حكمة‏ ‏تبرر‏ ‏وجودها‏، ‏أما‏ ‏المعقول‏ ‏حقا‏ًً ‏فهو‏ ‏ما‏ ‏يحزن‏ ‏له‏ ‏قلبى.

(من ذكريات جنين فى الشهر التاسع)

* * *

الحلم (17)

تواصلت أحياء الجمالية والعباسية وأنا أسير وكأننى أسير فى مكان واحد. وخيل إلىّ أن شخصا يتبعنى، فالتفت خلفى ولكن الأمطار هطلت بقوة لم نشهدها منذ سنين ورجعت إلى مسكنى مهرولاً. وشرعت أخلع ملابسى ولكن شعوراً غريباً اجتاحنى بأن شخصاً غريباً مختف فى المسكن، واستفزنى استهتاره، فصحت به أن يسلم نفسه وفتح باب حجرة الاستقبال، وبرز رجل لم أر مثيلاً فى مساحته وقوته وقال بهدوء وسخرية “سلم أنت نفسك”.

وملكنى إحساس بالعجز والخوف وأيقنت أن ضربة واحدة من يده كفيلة بسحقى تماماً أما هو فأمرنى بتسليمه محفظتى ومعطفى وكان المعطف يهمنى أكثر ولكنى لم أتردد إلا قليلاً وسلمته المعطف والمحفظة.. ودفعنى فألقانى أرضاً. ولما قمت كان قد اختفى وتساءلت هل أنادى وأستغيث

ولكن ما حدث مهين ومخجل وسيجعلنى نادرة ونكتة فلم أفعل.

وفكرت فى الذهاب إلى القسم ولكن ضابط المباحث كان من أصحابى وستذاع الفضيحة بطريقة أو بأخرى

وقررت الصمت ولكنى لم أسلم من الوساوس.

وخفت أن أقابل اللص فى مكان ما وهو يسير هانئا بمعطفى، ونقودى.

القراءة:

هل يا ترى الدنيا كانت انقلبت إلى عالم الداخل عند نجيب محفوظ،  بعد أن أغلقت نوافذ وبوابات الخارج، إلا من صياح وظلال محبيه ومريديه وهى تعلو لتخترق ستائر الحواس السميكة؟ هل أصبح بيته هو داخل ذاته، وناسه – مادة إبداعه- هم تشكيلات عالمه الداخلى أساسا؟ هل هذا هو ما يستدرجنى إلى قراءة معظم أحلامه داخل الذات أكثر منها خارجها، فأرى المنزل هو الرحم بشكل متكرر، وأرى تعدد الذوات بدلا من واقع الشخوص..؟

يتكرر الرجوع إلى “المنزل” حتى الآن بشكل قد يشير إلى اتجاه حركة غالبة فى كثير من الأحلام ربما نعود لرصدها حين تكتمل الدراسة.

حتى الآن، وبداية من الحلم الثالث نتابع حركية “الرجوع” “الحنين” باستمرار: فى “حلم (2)” رجع الراوى إلى شقته وأخطأ فيها، ثم فى “حلم (5)” رجع إلى مسكنه بعد أن ضاق بسيرك الخارجوتاقت نفسى للرجوع إلى مسكنى فإذا بالبلياتشو يستقبله مقهقها، وفى “حلم (7)” كانت غايته البادئة “أريد العودة إلى بيتى على الرغم من أنه لا ينتظرنى أحد”، وفى “حلم (8)” برغم أنه غادرالشقة هربا من امتلائها دهانا وربكة حتى الشعور بالطرد، راح يقول لنفسه وهو يغادرها، “.. وأنا أشعر بأننى لن أرجع إليها مدى عمرى”، هذا الشعور نفسه هو حنين إلى البيت وأسف على تركه.

 فى بداية هذا الحلم الحالى نراه يرجع إلى بيته مهرولا احتماء من أمطار شديدة هطلت على أحياء تواصلت حتى تداخل المكان فى بعضه البعض. لم يؤمّنه أبداً – حتى الآن – هذا الرجوع، أو الرغبة فى الرجوع، أو الحسرة على احتمال عدم الرجوع

 البيت يلوّح، ينادى باعتباره ملاذا واعدا،

 لكنه فى نفس الوقت يتبين أنه: إما خالٍ أو غريب، أو مفقود، أو مختنق بالفوضى.

 هنا  – فى هذا الحلم – كان البيت “محتلا”: “لكن شعورا غريبا اجتاحتى بأن شخصا غريبا مختفٍ فى المسكن”.

البيت هنا – كما فى كثير من الأحلام وقد أوضحنا ذلك- هو الداخل، أعنى النفس من الداخل، أو النوم، أو النزوع للرجوع إلى الرحم – كما ذكرنا حالاً– وأى من ذلك إنما يمثل أحد ذراعَىْ“برنامج رحلة الذهاب والعودة”، أحد قواعد حركية النمو، وله تجليات مختلفة أهمها النوم، دعاء النوم فى الإسلام  يقول بأن النوم “مشروع موت صغير”، وأن الاستيقاظ هو البعث منه، [29] وهو متروك بين يدى الله، هذه الحركية تجعل النوم قبرا مؤقتاً، والقبر هو الرحم أيضا.

العودة إلى الداخل (الذات/البيت/الرحم) تتم باعتبارها ملاذنا ومأوانا ومأمننا الذى يمكننا أن نلملم فيه أنفسنا ونعيد ترتيب ذواتنا لنقوم من جديد، هذا الداخل الذى نتصور أنه ينتظرنا فاتحاً ذراعيه ليس خاليا، الحقيقة أننا لسنا إلا واجهة لمن يشغله فعلا دون استئذاننا.

نحن نعرف بعض ساكنيه ولا نعرف أغلبهم،

 الرجل الذى كان يحتل المنزل لم يكن غريبا إلا لأن صاحبنا يكتشفه لأول مرة كما يكتشف أنه الأقوى، وأنه الأصل، وأنه قادر ان يستولى على كل شئ، بل وأن به من الجسارة مايسمح له أن يعلن فضيحة ضعف وخيبة هذا الذى ظن أنه صاحب البيت، وأنه قادر على طرد مَنْ سواه، مع أنه هو فى النهاية الضحية التى سُرِقَتْ، فالأفضل أن يكتم على الخبر، وأن يواصل الحياة بظاهره، لكن حتى ظاهره وهو ما يهمه أكثر (وكان المعطف يهمنى أكثر) سُرِقَ منه.

 مع رفع الغطاء عن الداخل تتحول الأحوال: فيسير بين الناس كأنه هو، مع أنه ليس تماما كذلك، ليس كما كان قبل أن يحدث ما حدث.

يبدو أنه حتى الرقيب الذى عليه أن يطبق القانون، (ضابط المباحث) أصبح مصدر تهديد لاحتمال أن يبوح بالسر، فيعرف الناس أن ذلك “الظاهر” لم يكن إلا معطفاً أو قناعاً بلا حول ولا قوة.

وآه لو اكتشف الناس أن الآخر شبهه تماما، أنه هو، فماذا يتبقى منه، بل آه لو اكتشف هو أنه ليس هو، لو قابل الآخر يسير هانئا بمعطفه ونقوده! وأنه حتى بعد أن انهزم، ليس متفردا حتى بقناعه!! (معطفه) وأنه لا يملك من أمره شيئا (نقوده).

 

* * *

الحلم (18)

.. وتم مجلسنا على الجانبين فى القارب البخارى بدا كل واحد وحده لا علاقة له بالآخرين، وجاء الملاح ودار الموتور. الملاح فتاة جميلة، ارتعش لمرآها قلبى. أطلت من النافذة وأنا واقف تحت الشجرة وكان الوقت بين الصبا ومطلع الشباب، وركزت عينى رأسى فى رأسها النبيل وهى تمرق بنا فى النهر، وتتناغم خفقات قلبى مع دفقات النسيم وفكرت أن أسير إليها لأرى كيف يكون استقبالها لى.

لكنى وجدت نفسى فى شارع شعبى لعله الغورية وهو مكتظ بالخلق فى مولد الحسين ولمحتها تشق طريقها بصعوبة عند إحدى المنعطفات فصممت على اللحاق بها.

وحيا فريق من المنشدين الحسين الشهيد.

وسرعان ما رجعت الى مجلسى فى القارب وكان قد توغل فى النهر شوطاً طويلاً.. ونظرت إلى مكان القيادة فرأيت ملاحاً عجوزاً متجهم الوجه. ونظرت حولى لأسأل عن الجميلة الغائبة ولكنى لم أر إلا مقاعد خالية.

وقمت لاسأل العجوز عن الجميلة الغائبة.

القراءة:

لاحظنا -حتى الآن – كيف تتكسر الحواجز باستمرار فى هذه الأحلام، كسرت حتى الآن حواجز الزمن (الماضى والحاضر) “حلم (2)” كسر الحاجز بين الموت والحياة، “حلم (14)” بين الحاضر والغائب، “حلم (13)” بين الخيال والواقع، “حلم (5)” فى هذا الحلم ينكسر الحاجز بين الماء واليابسة، بين النهر والحارة، بين “القارب البخارى تقوده  الملاحة الجميلة”، وشارع الغورية

لكن قبل ذلك، قبل أن يجد نفسه فى شارع الغورية (غالبا) وهو بعد فى القارب كانت الملاحة (فى نفس الوقت) تطل عليه من النافذة وهو تحت الشجرة، ثم يحدد أننا فى بدايات رحلة الحياة بين الصبا ومطلع الشباب، وليس فى بداية النهار أو بداية دخول الليل مثلا، (خلّ بالك) وهى فى نفس الوقت تمرق به فى حين أنه يسير إليها، قد يكون سيره فى المركب يعنى أنه يعبر على سطحه إلى مركز القيادة حيث الملاحة، أو يكون سيره فى الشارع استجابة لنداء طلّتها من النافذة، برغم أنها تمرق بهم النهر فى نفس الوقت.

فى الشارع الشعبى فى الغورية تلوح له الملاحة الجميلة أيضا.

فتاته –حتى الآن– تلوح له فيتبعها حلم (2) تنظر إليه فيلحقها حلم (7) تختفى منه فيبحث عنها حلم (2)، هنا أيضا: فى شارع لعله بالغورية، يلمحها، فيصمم على اللحاق بها.

(تحية الحسين الشهيد ليست بالضرورة إشارة إلى موته عطشا (إليها)، ولكن يمكن أن تكون كذلك).

مع الرجوع إلى إزالة هذه الحواجز نجد الراوى  فى القارب من جديد، بعد أن ضاعت منه الملاحة الجميلة، وكأنه لم يترك القارب (الرحم أيضا) إلا ليفقدها، حل محلها ملاح عجوز،

هكذا ضاع العمر دون أن يولد بعد،

هو مازال فى القارب الذى كان الرحم، وهو هو القبر،

 كان رحما يعِدُ بالولادة حين كانت الأم هى التى تقوده، مع وجود آخرين على الجانبين فى المركب، إلا أنهم كانوا كل واحد منغلق على نفسه ولا علاقة له بالآخرين، – الموقف الشيزيدى – (أنظر حلم 16).

ثم نجد المركب فى النهاية يقودها عجوز وقد عادت خاوية، وقد أصبحت الرحم القبر.

وكأن الراوى فشل فى رحلة الحياة حين عجز أن يمارس حركية العلاقة بالآخر، (بالموضوع) على الرغم مما لاح له من وعود.

يظل النداء قائما، والحياة مشروعا، والجميلة واعدة لكنها اختفت لتظل دائما أمنية فى الصدر.

وقمت لأسال العجوز عن الجميلة الغائبة.

* * *

الحلم (19)

انبهرت بالشقة الجديدة بعد تسلمها، ففحصت كل موضع بنظراتى، امتلأت جوانحى بالسعادة وقلت لنفسى من الآن يحق لى أن اشغل وظيفة، وعلىّ أن أسعى إليها دون تأخير.

وذهبت الى السوق، المكان واسع المساحة، مسور بسور من البناء المتين، وأظهرت أوراق ملكية الشقة فسمحوا لى بالدخول.

المكان مكتظ بالخلق، لمحت وجوها أحببتها كثيرا ولكنهن جميعاً كن متأبطات أذرع رجالهن، وذهبت إلى النافذة المقصودة وقدمت أوراقى وفى مقدمتها أوراق ملكية الشقة الجديدة، وفحصها الرجل وسجلها وقال لى: “لا توجد الآن وظائف خالية، وسوف نتصل بك، فى الوقت المناسب”.

شعرت بخيبة أمل وشعرت بأننى سأنتظر طويلاً ورجعت مخترقاً الجموع ومتأملاً بعجلة الوجوه الجميلة التى أحببتها فى الماضى، ولبثت فى الشقة وحدى، وفى الطريق سمعت رجلاً يقول بصوت جهير “لا معنى لأن يملك شخص شقة دون أن يشغل وظيفة.. الأولى أن يتركها لغيره ممن يحظون بفرص أكثر لشغل وظيفة”.. وكأنه يعنينى بقوله، وما دامت الفكرة وجدت فقد تتحول إلى واقع.

وساورنى الشك والهم، وانتظرت ما يخبئه الغد بعين قلقة مؤرقة.

القراءة:

المكان” – “الهُوية” – “الحركة” – “الذات“،

 هذه الرباعية المفتوحة هى من أهم ما يشكل لوحات هذه الأحلام/الإبداع حتى الآن.

 الشقة هنا[30] بدت بمثابة بداية الاعتراف بأنه قد أُفِسحَ له مكان فى هذه الدنيا، بأنه قد “تواجد”، بأنه قد تم الاعتراف له بوجوده، ومن ثَمَّ فليبدأ الرحلة إلى العالم الخارجى.

لا يمكن أن يظل هذا الوجود “السعيد” حبيس الشقة مهما كانت جميلة، عليه أن ينطلق من هذه البداية الطيبة المرحّبَةْ إلى العالم! إلى الناس، مازال الاعتراف صادقاً مرحباً حتى خارج الشقة (السوق المكان واسع المساحة) فالحركة فيه ممكنة وطليقة، وفى نفس الوقت آليات الدفاعات جاهزة وقادرة (السوق مسوّر بسورٍ متين) [31]  

سُمِح له بالدخول ليبدأ رحلة “العلاقة بالآخر”، “بالآخرين” التى بدأت بقدر آخر من السماح كاد يكمل ما بلغه من شقته الجميلة.

فى جملة واحدة، مع الانتباه إلى الضمير المتصل فى: “لكنّهن“، و”أنهن“، يمكن أن ننتبه إلى أن الوجوه التى أحبها كثيرا كانت لأخريات مشغولات بغيره، لم تنتبه إحداهن إليه أصلاً، فكل واحدة متأبطة ذراع رجلها.

لا يكفى أن “توجد“، ولا أن يُسمح لك بالدخول، حتى “تكون“، “تفعل“، تُنِجْز، تقوم بدورٍ ما فى الحياة (وظيفة)، دور يؤكد وجودك.

ثمة إشارة هنا تشير إلى كيف أنه لو وجدت “أخرى” تتأبط ذراعك فإنه يمكن أن يُعترف بك من جديد، الأخرى تبدأ من الأم فى الخارج، لتتكرر باستمرار، إلى ما يؤكد الوجود مجدداً، ومن ثَمَّ تستطيع أنت أن تستمر، وأنت تقوم بـ “دورك” الواعد (الوظيفة).

هنا نرجع إلى السؤال الأشهر:

هل نحن “نفعل” “فنوجد“؟

 أم أننا نوجد فنأخذ الفرصة أن نفعل فيتحقق وجودنا، ففرصة أخرى، وهكذا؟

 واجهنا الحلم هنا بأن الاعتراف بهذا الوجود البدْئى مهما كان مرحَّبا به، يمكن أن يصبح بلا قيمة إذا لم يؤدِّ إلى فعلٍ بنّاء، (وظيفة) مع رفيقةٍ مصاحبة.

إذّن من يتصور منّا أن مجرد الاعتراف بوجوده (الشقة الجميلة، والسماح له بالدخول إلى السوق)، هو مبرر كاف لأن يكون له “دوره”، هو مخدوع، ومن ثَمَّ هو مهدد بالطرد من الوجود، ما ظل وحيداً، عاجزا عن التواصل أو محروماً منه، ولا يبقى له إلا التأمل فى ذكريات وجوه جميلة أحبّها فى الماضى، فقط، فيرتد إلى وحدته (ولبثتُ فى الشقة وحدى).

إن الذى يؤكد الوجود هو التواصل، ومِنْ ثَمَّ “الفعل“.

يتحرك “وجود” الواحد منّا بعد الإقرار المبدئى حين يجد من تتأبط ذراعه، ثم يعثر على وظيفة. (دور)

وحتى لو لم يُعترف ابتداء بوجوده (الشقة)، فإن ممارسة الفعل (متأبطا ذراع من يحب إلى الوظيفة: دوره الفاعل فى الحياة) هو السبيل أن يوجد وهو يخلِّق هويته بتجدّد متصل.

وبعد

فإذا كان الحلم قد نبه مباشرة إلا أنه لا معنى “للإقرار بالوجود دون فرصة الفعل فى حضور آخر، أو عبْر حضور آخر، فإنه قد أكد أيضا أن من لا يجد له دور، فعليه أن ينسحب أو يقبل أن يُسحب منه الاعتراف بوجوده [32]  

* * *

الحلم (20)

خرجنا باحثين عن مكان طيب نمضى فيه بعض الوقت. ونظرنا إلى الهلال ثم تبادلنا النظر. ورأيت على ضوء المصباح رجلا عملاقا لم تر العين مثله أرسل عموداً لا مثيل لطوله نحو الهلال حتى بلغ طرفه. وراح بحركة ماهرة يفرد طيات نوره حتى استوى بدراً وسمعنا أصوات تهليل فهللنا معها وقلت إنه لم يحدث مثل هذا من قبل فصدقت على قولى، وانساب النور على الكون رفعنى على سطح الماء فهتفت “ليلة قمرية” فقلت “القارب يدعونا” وركبنا ونحن فى غاية السرور، وغنى الملاح “رايداك والنبى رايداك”، واسكرنا الفرح فاقترحت أن نسبح حول القارب وخلعنا ملابسنا ووثبنا إلى الماء وسبحنا ونحن فى غاية الامتنان ولكن القمر تراجع فجأة إلى الهلال واختفى الهلال.. انزعجنا انزعاجا لم نعرف مثله من قبل، ولكننى شعرت بأنه يجب مراجعة الموقف بما يتطلبه من جدية فقلت ونحن غارقان فى الظلام “لنسبح نحو القارب” فقالت “وإذا ضللنا الطريق”؟ فقلت: “نستطيع أن نسبح حتى الشاطئ” فقالت: “سنكون عاريين على الشاطئ” فقلت: فليؤجل التفكير فى ذلك.

القراءة:

الحركة هنا تمتد إلى حوار فاعل بين الإنسان والكون، يتكرر الإقرار بالدهشة والتنبيه للغرابة منذ “البداية” إلى النهاية: العملاق “لم تر العين مثله”، وفرد طيات النور لتشكيل الكون “لم يحدث مثل هذا من قبل” وحتى الانزعاج من تقلب الأحوال لم يعرف مثله من قبل (انزعجنا انزعاجاً لم نعرف مثله من قبل)…

هذا حلم به تقرير مباشر لحجم الدهشة لأحداث الخارج والداخل معاً، وهو يستأهل ذلك.

المكان يتداخل بعضه فى بعضه، ليس فقط بين النهر والشارع (مثل حلم 18) ولكن من عمقٍ ماَ إلى/على “سطح الماء” إلى السماء.

 الذى يرفع هنا هو النور الذى انساب من معجزة فرد طيات عامود النور لينقلب الهلال بدرا بفعل الإنسان فى الكون.

هكذا بدا لى أن ثمة تذكرة لكى يستعيد الإنسان دوره فى الحوار مع الكون [33]  وصلنى أن ثمة محاولة لإظهار كيف يمكن أن يتصالح الإنسان مع الكون فاعلاً، ثم تتأكد المسألة من خلال أنها ليست إرادة تعْملق، بل رغبة طيبة، فى جوٍّ زائط “رايداك والنبى رايداك”

 فَرحةٌ نشطة، وسباحةٌ واثقة.

لكن الدورة دوارة، فهذه القدرة ليست ثابتة ولا مطلقة، وهى قدرة مؤقتة إما بطبيعتها وإما بقانون الايقاع الحيوى (دورات النور والظلام) ونبض النوم واليقظة.

 الظلام هنا ليس نقيض النور، وإنما هو يبدو الوجه الآخر له مكملاً للدورة، ذلك أن الثقة فى النجاة وتغيير الاتجاه مازالت واردة وواعدة.

 (الظلام ربما يكون هو إطار الحلم الذى يحدث أثناؤه النشاط الدورى فى الإيقاع الحيوى).

فى الحلم نتعرى، لكن مع الاحتفاظ بالقدرة على إعادة التنظيم.

 التهديد المرعب أن يمتد هذا التعرى إلى اليقظة (فهو الجنون).

 لكنه احتمال بعيد.

حتى لو حدث، فإن له تناولاً مناسباً،

 “فليُؤجل التفكير فى ذلك”.

* * *

الحلم (21)

الشارع الجانبى لا يخلو من مارة وأناس فى الشرفات، والسيدة تسير على مهل وتقف أحيانا أمام معارض الأزياء.

يتعرض لها أربعة شبان دون العشرين، تتجهم فى وجوههم وتبتعد عن طريقهم، ينقضون عليها ويعبثون بها، تقاوم والناس تتفرج دون أى مبادرة… الشبان يمزقون ثوبها ويعرون أجزاء من جسدها. السيدة تصوت مستغيثة، راقبت ما حدث فتوقفت عن السير وملكنى الارتياع والاشمئزاز ووددت أن أفعل شيئا أو أن يفعله غيرى ولكن لم يحدث شئ، وبعد أن تمت المأساة وفر الجناة.. جاءت الشرطة. وتغير المكان فوجدت نفسى مع آخرين أمام مكتب الضابط، واتفقت أقوالنا، ولما سئلنا عما فعلناه كان الجواب بالسلب. وشعرت بخجل وقهر، وكانت يدى ترتجف وهى توقع بالإمضاء على المحضر.

القراءة:

السلبية اشتراك فى الجريمة.

وتعم لعنتها حين تصبح هى السمة المشتركة بين الجميع:

الناس فى الشرفات، وفى الشوارع، تتفرج دون أية مبادرة، والعبث جار يكاد يصل إلى جريمة اغتصاب.

أن تقاوم المنكر بقلبك – الذى هو أضعف الايمان- هو إثم خفى مادمت تستطيع غير ذلك، فما بالك إذا برأت نفسك بإنكار التهمة، وأيضا كتمت الشهادة؟

وصلنى الجواب “بالسلب” أمام الضابط – برغم أن السؤال كان “عّما فعلناه”- على عدة مستويات:

الأول: أنهم لم يفعلوا شيئا إزاء ما رأوا، وهنا يكون الضابط هو “ضابط” الداخل.

والثانى: أنهم أنكروا أن الشبان الأربعة بالذات فعلوا ما فعلوا (ليبرروا أنهم بدورهم لم يفعلوا شيئا) ونفهم من هنا كتم الشهادة ومن ثّمَّ الِخْزى

والثالث: أنهم أنكروا رؤيتهم شيئاً من أصله.

وكل ذلك سلبٌ قبيحٌ وسلبية هروبية

وبعـد

يظل داخلنا الحقيقى رافضاً الإيذاء، وخاصة إيذاء البرىء الأضعف، كما يظل رافضا الإهانة والقهر، لمن لا تملك ردا أو حماية لنفسها، ومن هنا الخجل من موقف الفرجة والسلبية والنية المُجهضَةْ. (وشعرت بخجل وقهر)،

 هذا عن الخجل،

فمن أين القهر؟

الأرجح أن القهر أتى للراوى من داخله، وهو الذى منعه أن يبادر بالاستجابة لاستغاثة الأضعف، وهو هو الذى منعه أن يدلى بشهادة حق، أو أن يعترف بتقاعسه.

هذا القهر الداخلى وغدٌ جبان.

هو نتيجة التقمص بالقاهر الخارجى (الوالد القامِعْ – أو السلطات، أو الحكومة، أوالقرش، أو”السلامة أولا”، أو كل ذلك).

حين ينقلب القهر الخارجى داخلياً تصبح المصيبة ألعن، بل وتكون المسئولية أكبر حتى لو كنا ضحايا للقهر الخارجى أساسا، وبدايةً.

لم يبق للراوى ما يعبّر به عن تقاعسه وخيبته إلا يدان ترتعشان وهو يوقع على المحضر، وكأنهما هما كل ما أمكنه الإعلان من خلالهما عن رغبة مهزوزة فى “عدم التوقيع”.. على ما يثبت به سلبيته وجبنه وتخليّه، لكنه وقَّعْ!

فما فائدة الرعشة والخزى؟.

بل ما فائدة الارتياع والاشمئزاز فى البداية؟.

وما فائدة حسن النية والإزاحة (وودت أن أفعل شيئا، أو يفعله غيرى)، هذه مشاعر مشلولة، ربما يكون غيابها أشرف.

 أما حكاية “أو يفعله غيرى” فهى تأكيد للموقف السلبى، حيث لا مفر من اعتبار رفع الظلم والحيلولة دون أذى الأضعف بمثابة فرض لا مفر من القيام به إلزاما، خاصة إذا تخلى الجميع هكذا.

مرة أخرى تجنبت اختزال السيدة إلى “مصر”،

والشباب إلى الفساد،

والمارة والناس فى الشرفات إلى الشعب المصرى.

لكن هذا وارد.

* * *

الحلم (22)

كنا فى حجرة المكتب مشغولين ونظر إلى وجهى وقال: إنك مشغول البال، فقلت له بإيجاز وإعياء: “الدواء”….، فقال أفهم ذلك وأقدره وأحمد الله الذى نجانى من مخالبه، فسألته كيف نجا مما لا نجاة منه؟ فقال “لى صديق له أخ صيدلى فلما عرف شكواى أكد لى أنه يملك الحل.. وعرف منى الأدوية اللازمة لى ولأسرتى شهريا وعرضها على أخيه الصيدلى فجاءنا بمثيل لها بأقل من عشر الثمن.

فسألته عن مدى الخطورة فى العملية فطمأننى وحدثنى طويلا عن أساليب شركات الأدوية حتى أذهلنى وأزعجنى، ولم أتردد فكتبت له قائمة بالأدوية اللازمة لى شهريا وأنا أشعر بارتياح عميق. وإذا به يقول لى “ولكنى أريد منك خدمة فى مقابل ذلك فأبديت استعدادى لأداء ما يطلب. فقال “أنا يزعجنى الهجوم على الروتين الحكومى والبيروقراطية، وتأثر الحكومة بما يقال وبما يكتب، وأريد منك أن تكرس قلمك للدفاع عن الروتين والبيروقراطية” فدهشت وسألته عن سر حماسه لما أجمع الناس على نقده ورفضه فقال غاضبا: “يا أخى ما قيمة الموظف أمام الجمهور من غير الروتين والبيروقراطية”.

ودار رأسى حيرة بين الأدوية والروتين.

القراءة:

بدأت – كعادتى– وأنا أحاول أن أتجاوز ترميز مسألة الدواء، والأخ الصيدلى وعُشر الثمن، وأنها تعرية لنظام يحل مشاكله العاجلة برشاوى التسهيلات الخصوصية (مثل توقيعات الوزراء لأعضاء مجلس الشعب) ويشترى الأقلام الناقدة، لتخفف من حدتها، وهو يدعوها إلى التغاضى عن الفساد والفاسدين تحت عنوان أهمية النظام وحتم الروتين.

فضلت بدلا من ذلك أن أحكى بعض ما يحضرنى من واقعٍ عايشته مع شيخنا الجليل يمكن أن يتخلق من بعض بعضه هذا الحلم/الإبداع بشكل ما، ولو أن ما سوف أذكره به جرعة شخصية أقلقتنى، قليلاً.

كانت قضية دور شركات الدواء العالمية فيما يجرى فى العالم، وليس فقط فى  الطب، هى موضوع حديث متكرر جدا فيما بيننا أثناء مناقشاتى مع شيخنا سواء فى جلسات الحرافيش أم غيرها، وكنت دائماً أبين له أربعة أمور عن هذه الشركات، وكان عادة يتعجب لها حتى لا يكاد يصدقها، وكأنه يفضل أن يستبعدها، وحين قرأت هذا الحلم/الإبداع حين ظهوره فى نصف الدنيا، داعبته مذكّرا إياه بموقفه المتحفظ تجاه ما أقول وأكرر، وكأن داخله المبدع اقتنع أكثر من ظاهره الطيب، هذه الأمور الأربعة هى: الأول: تدخل هذه الشركات (برغم أنها للأدوية) فى السياسة (حتى الحرب)، والثانى: شراؤها العلماء – ربما دون أن يدروا–  ليقوموا بترويج علم زائف متحيز لصالح أدوية حديثة تبلع أثمانها عشرات ومئات أضعاف الأدوية القديمة الأرخص تحت زعم المبالغة فى الأعراض الجانبية لهذه الأدوية الأرخص، والثالث: أن تكلفة المادة الخام لا تتعدى قروشا زهيدة ومع ذلك تباع العقاقير بمئات الجنيهات، والرابع: ما يجرى من ألاعيب وأشكال الرشوة المحلية والعالمية المباشرة وغير المباشرة للأطباء والمسئولين عن التسويق لشراء وكتابة أدوية دون غيرها.

 لم أستبعد هذه الخلفية أن تطل فى هذا الحلم سواء بما نستنتجه من حكاية “عُشر الثمن”، أو من “دور الاخ الصيدلى” الذى وصلنى أنه يمثل كلا من الشركات أو العلاقات الخاصة بمسئولى الحكومة، وهما واحد فى النهاية.

هذه الشركات والحكومات، تحكمها أنظمة قهرية قوية ثابتة تبدو أنها لا ينفذ منها ماء الحياء أو العدل أو المسئولية أو العلم بالمعنى الأخلاقى والحقيقى، لكنها تبدو متماسكة وضرورية، تبرر وجودها عادة “بضرورات الواقع” ومستلزمات “الأمان”. ولعل هذا هو ما يقابل الروتين والبيروقراطية فى الحلم.

هل كان حديثنا المتكرر هذا موجوداً فى خلفية قريبة أو بعيدة من إبداع هذا الحلم؟

لست أدرى.

 لا هو، ولا أنا، ولا أحد يستطيع أن يجزمْ.

………………..

أما عن ارتباط قيمة، (وجود/كيان) “الموظف” بالدفاع عن الروتين. وعن البيروقراطية (ربما حتى التقديس)، فقد استطعت – مرة ثانية –  أن أبعد شبح “حضرة المحترم”، “عثمان بيومى”، برغم أنه كان بعيداً منذ البداية.

* * *

الحلم (23)

أسير فى الشارع وأنا على بينة من كل مكان فيه، فهو عملى ونزهتى، وأصحابى وأحبائى، أحيى هذا وأصافح ذاك، غير أنى لاحظت أن رجلاً يتعدانى بمسافة غير طويلة وغير قصيرة، وبين كل حين وآخر يلتفت وراءه كأنما ليطمئن إلى أنى أتقدم وراءه. لعلى لم أكن أراه لأول مرة، ولكن على وجه اليقين لا تربطنى به معرفة أو مودة، وضايقنى أمره فاستفزنى إلى التحدى.. أوسعت الخطى فأوسع خطاه، أدركت أنه يبيت أمرا فازددت تحديا، ولكن دعانى صديق إلى شأن من شئوننا فملت إلى دكانه وانهمكت فى الحديث فنسيت الرجل وأنهيت مهمتى بعد الأصيل فودعته ومضيت فى طريق سكنى، وتذكرت الرجل، فالتفتُّ خلفى فرأيته يتبعنى على نفس طبيعته.. تملكنى الانفعال، وكان بوسعى أن أقف لأرى ماذا يفعل ولكنى بالعكس وجدت نفسى أسرع وكأنى أهرب منه، وأخذ يساورنى القلق وأتساءل عما يريد. ولما لاح لى مسكنى شعرت بالارتياح وفتحته ودخلت دون أن أنظر خلفى، ووجدت البيت خاليا فاتجهت نحو غرفة نومى ولكنى توقفت بإزاء شعور غريب يوحى إلىّ بأن الرجل فى داخل الحجرة.

القراءة:

علاقة محفوظ بالشارع والحارة وناسهما، ربما هى أوثق وأدق من علاقته بالبيت والقهوة والثلة، الشارع هو الناس، ناسُه بحق، وهو يحفظه، يحفظهم “صمًّا”، وأنا على بينة من كل مكان فيه،فهو عملى ونزهتى وأصحابى وأحبائى، أحيى هذا، وأصافح ذاك”، وبرغم كل هذه الألفة، وهذا الود لم يمنعه ذلك أن ينشق إيجاباً، وظاهرة الانشقاق ليست عرضاً نفْسيا كما يحب بعض النفسيين أن يحتكروها لوصف بعض المرضى، هى حركية دالة ومهمة، خاصة إذا تمت تحت إنارة ضوء نسبى من الوعى الفائق.

 المريض، قد يشكو من مثل هذه المتابعة، من شخوص داخله يسقطهم عادة خارجه، لكن المبدع، (والصحيح بإيجابية) قد يعايش مثل هذه المتابعة، إذْ هو قادر على أن يسمح بالتفكك كخطوة تمهيدية، حتى يتجمع من جديد فى إبداع ذاته تشكيلا ناميا، أو فى انتاج إبداعه عملاً أصيلا.

فى الوعى الشعبى قد يرتبط مثل هذا الشعور (بشخص ما حاضر بالجوار والمَاحول) بما يسمى “القرين”.

فى الحلم والإبداع، والحلم/الإبداع (هنا)، قد تتجسّد هذه الظاهرة تشكيلا دالا دون أن تكون عرََضاً مرضياً، تتشكل فى لوحة دالة مثلما هنا فى هذه اللوحة المحفوظية.

يبدأ الحلم بنوع من “الجذب” لا “المتابعة“.

الرجل فى الأمام، والراوى هو الذى يسير خلفه، وكأنه يقوده، يتتبعه بشكل مقلوب، اليقين بعدم وجود معرفة أو مودة، لا ينفى بل لعله يثبت أنه هو هو، الداخل مسقطاً، الراوى يلجأ إلى فاصل من التواصل الدافئ والتوقف المؤتنس للهرب من هذا الآخر الغريب القريب “دعانى صديق…. فملت إلى دُكانه وانهمكت فى الحديث فنسيت الرجل” الخ…،

 بعد هذا الفاصل الذى امتد حتى الأصيل تعود حركة بسط الإيقاع (بالانشقاق)، فتعود المتابعة لكن ينتقل الشخص (أو الشبح أو الشعور المجسد أو القرين) إلى مكان المتابعة الطبيعى، فهو يسير الآن خلف الراوى هذه المرة وهو يحتفظ – على ما يبدو – بنفس المسافة.

يلوح الحل، لكى يتجمع الراوى “واحداً” (كفى هذا) – كما بدا فى أحلام سابقة – فى الدعوة إلى العودة إلى البيت الملاذ (السكن/الرحم/النوم).

لكن البيت – كما تكرر أيضا من قبل- يثبت أنه لا ونيس فيه، على عكس ما راوده من أمل “ووجدت البيت خاليا”.

وحين يخطو خطوة أخرى إلى الداخل إلى النوم (حجرة النوم)، لا يجد الونيس أيضا، بل ريح هذا “الآخر” الغامض.

ينتهى الحلم حين يتحول هذا الآخر “الشعور المتعين رجلا”، (يتقدم أو يتبع)، يتحول إلى شعور عام غامض محيط.

هذا وارد، حين ينتهى دور التفكك (الإنشقاق الإيجابى المؤقت) إلى ما يسمى “المعرفة الهشة” Amorphous Cognition التى هى الخطوة الحامل لأجنة إبدٍاع ما.

هكذا نتعلم من هذا الحلم – وعموما – أبجدية أخرى من بعد آخر عن النفس وتعددها، وحركيتها، وإيقاعها، وعن علاقة هذا الشعور “المحيطى” الذى انتهى به الحلم، والذى برغم هلاميته التى توحى ولا تحدد، تتخلق منه الشخوص والموضوعات فى الإبداع، حين يتشكل فى “الجديد الأصيل”.

* * *

الحلم (24)

قررت إصلاح شقتى بالإسكندرية بعد غياب ليس بالقصير، وجاء العمال وفى مقدمتهم المعلم وبدأ العمل بنشاط ملحوظ، وحانت منى التفاتة إلى شاب منهم فشعرت بأننى لا أراه لأول مرة، وسرت فى جسدى قشعريرة عندما تذكرت أننى رأيته يوما فى شارع جانبى يهاجم سيدة ويخطف حقيبتها ويلوذ بالفرار، ولكنى لم أكن على يقين وسألت المعلم عن مدى ثقته بالشاب دون ان أشعر الشاب بذلك فقال لى المعلم:

– إنه مضمون كالجنيه الذهب، فهو ابنى وتربية يدى، واستقر قلبى إلى حين، وكلما وقع بصرى على الشاب انقبض صدرى، وطلبا للأمان فتحت إحدى النوافذ المطلة على الشارع الذى يعمل فيه كثيرون ممن أعرفهم ويعرفوننى ولكنى رأيت حارة الجراج التى تطل عليها شقتى بالقاهرة فعجبت لذلك وازداد انقباضى، وجرى الوقت واقترب المساء فطالبتهم بإنهاء عمل اليوم قبل المساء لعلمى بأن الكهرباء مقطوعة بسبب طول غيابى عن الشقة.

فقال الشاب: “لا تقلق.. معى شمعة”.. فساورنى شك بأن الفرصة ستكون متاحة لنهب ما خف وزنه وبحثت عن المعلم فقيل لى أنه دخل الحمام وانتظرت خروجه وقلبى يتزايد، وتصورت أن غيابه فى الحمام مؤامرة، وأننى وحيد فى وسط عصابة، وناديت على المعلم ونذر المساء تتسلل إلى الشقة.

القراءة:

التداخل التنقل يتم هنا بين مكانين على بعد أكثر من مائتى كيلو متر، شقة الاسكندرية بعد غياب، يفتح شباكها على حارة الجراج التى تطل عليها شقة القاهرة، هذا التكثيف للزمان والمكان يتواتر أكثر فأكثر فى إبداع الأحلام، ومن فرط تكرار ذلك، وصلنى أنه قد يبعث رسالة للمتلقى ليحذق “الحركة” و”التداخل” و”الكلية معاً”، هذه الآليات تبدو لى أنها أصل فى التركيب البشرى قبل أن نختزله إلى ما نعرف عن ظاهره،

 شقة الاسكندرية كانت مهجورة لفترة (بعد غياب ليس بالقصير) أما شقة القاهرة فهى إلف مألوف.

 أما لماذا نتج عن اكتشاف هذا التداخل والتكثيف العجب وزيادة الانقباض، فلعل ذلك إشارة إلى أن إصلاح الشقة الذى بدأ به الحلم ليس إصلاحاً يحقق النقلة والتجديد، فالقديم المألوف يفرض نفسه بديلا عن الإصلاح المهزوز، الذى بدا أنه لا يعدو أن يكون أملاً لا أكثر، ومع ذلك فالقديم لم ينجح فى تخفيف الانقباض بل زادهُ.

السيدة موضوع الهجوم والاعتداء من ذلك الشاب المشتبه فيه، المزعجة رؤيته، المشكوك فى أمانته، الخاطف لحاجة غيره، قد تذكرنا بالسيدة التى اعتدى عليها الشبان الأربعة فى حلم “21”، لكنها هنا ليست عابرة طريق ولا هى موضوع اقتحام يلوح باغتصاب، إنها عابرة طريق، موضوع سرقة ما (خطف حقيبة)، ومع ذلك فقد تكون ذات دلالة مشتركة فى الحلمين.

 من هو هذا الشاب اللص الغامض؟ هل هو رمز أهل ثقة الرئيس “المعلم”؟ ولهذا هو “مضمون كالجنيه الذهب”، وهو “ابنه وتربية يده”. (لست واثقا إن كانت حكاية التوريث كانت قد أثيرت فى الواقع بهذا الحجم أيامها أم لا).

المسألة إذن ليست توجسا موجها تجاه فرد واحد له سابقة ما، يبدو أنها عصابة مترابطة تحت لافتة التجديد والإصلاح (الدولة)، التغطية على اللص تتم من قبل السلطة الأعلى بوضوح بإعلان أنه “مضمون مثل الجنيه الدهب”.

ويحل الظلام (بلغة السياسة الأحدث: تنعدم الشفافية أكثر فأكثر)، ولأن صاحب الشقة موضوع التجديد والإصلاح الوهمى كان غائبا عنها طوال تلك المدة، فهو لم يشارك فى مواصلة تعهد نظافتها وصيانتها وإصلاحها بنفسه أولا بأول، فليدفع الثمن بالمضى فى الظلام الآن مهددا بالسرقة.

أين الرئيس “المعلم” نستنقذ به من الجارى، أو يؤمننا ضد السرقة والخطف؟

 دخل الحمام…

 مهمة خارجية، تأجيل المواجهة، خطاب رسمّى بالنيابة؟

المعلم هنا دخل الحمام”، ولا أمل فى خروجه قريبا…

 “وتصورت أن غيابه فى الحمام مؤامرة”،

فهى العصابة، وهو الغياب، وهو النداء بلا طائل، وهو المساء الظلام، وهى المسئولية على الجميع بدءاً بغياب صاحب الشأن عن شقته، وإهماله لها، امتدادا إلى الظلام، تحت مظلة الفساد التآمرى، واختفاء المعلم الرئيس.

وبعد

أعترف أننى فشلت هذه المرة أيضا أن استبعد اختزال الحلم إلى أحوال البلد

 ولو صح ما حضرنى، رغما عنى، فإننى أميل إلى رفض أن يوظف الإبداع فى شجب الفساد الجارى، ذلك أن شجب الفساد والتآمر علينا أصبح أمرا لا يحتاج – حاليا – إلى مثل هذا التحايل، بمثل هذا الإبداع.

ومن ناحية أخرى أشعر أننى بقراءتى الحلم كذلك، ربما كنت أستسهل.

لكن بينى وبينك:

الصورة المبْدَعَة حلما: جميلة ودالة أكثر من مائة مقال صارخ.

* * *

الحلم (25)

رأيتها‏ ‏فى ‏الحجرة‏ ‏معى، ‏ولا‏ ‏أحد‏ ‏معنا‏، ‏فرقص‏ ‏قلبى ‏طربا‏ ‏وسعادة‏، ‏وكنت‏ ‏أعلم‏ ‏أن‏ ‏سعادتى ‏قصيرة‏، ‏وأنه‏ ‏لن‏ ‏يلبث‏ ‏أن‏ ‏يفتح‏ ‏الباب‏ ‏ويجئ‏ ‏أحد‏.. ‏وأردت‏ ‏أن‏ ‏أقول‏ ‏لها‏ ‏إن‏ ‏جميع‏ ‏الشروط‏ ‏التى ‏أبلغت‏ ‏بها‏ ‏على ‏العين‏ ‏والرأس‏، ‏ولكن‏ ‏تلزمنى ‏فترة‏ ‏من‏ ‏الزمن‏ ‏ولكنى ‏فتنت‏ ‏بوجودها‏ ‏فلم‏ ‏أقل‏ ‏شيئا‏، ‏وناديت‏ ‏رغبتى ‏فخطوت‏ ‏نحوها‏ ‏خطوتين‏، ‏لكن‏ ‏الباب‏ ‏فتح‏ ‏ودخل‏ ‏الأستاذ‏ ‏وقال‏ ‏بحدة‏ ‏إنك‏ ‏لا‏ ‏تفهم‏ ‏معنى ‏الوقت‏ ‏واقتلعت‏ ‏نفسى، ‏وتبعته‏ ‏إلى ‏معهده‏ ‏القائم‏ ‏قبالة‏ ‏عمارتنا‏، ‏وهناك‏ ‏قال‏ ‏لى “‏أنت‏ ‏فى ‏حاجة‏ ‏إلى ‏العمل‏ ‏عشر‏ ‏ساعات‏ ‏يوميا‏ ‏حتى ‏تتقن‏ ‏العزف‏”. ‏ودعانى ‏للجلوس‏ ‏أمام‏ ‏البيانو‏ ‏فبدأت‏ ‏التمرين‏ ‏وقلبى ‏يحوم‏ ‏فى ‏حجرتى، ‏وسرعان‏ ‏ما‏ ‏انهمكت‏ ‏فى ‏العمل‏. ‏وعندما‏ ‏سمح‏ ‏لى ‏بالذهاب‏ ‏كان‏ ‏المساء‏ ‏يهبط‏ ‏بجلاله‏. ‏وبادرت‏ ‏أعبر‏ ‏الطريق‏ ‏على ‏عجل‏. ‏ولكن‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏ثمة‏ ‏أمل‏ ‏فى ‏أن‏ ‏تنتظرنى ‏مدة‏ ‏غيابى‏. ‏وإذا‏ ‏برجل‏ ‏صينى ‏طويل‏ ‏اللحية‏ ‏بسام‏ ‏الوجه‏ ‏يعترض‏ ‏سبيلى ‏ويقول‏: ‏كنت‏ ‏فى ‏المعهد‏ ‏وأنت‏ ‏تعزف‏، ‏ولا‏ ‏شك‏ ‏عندى ‏أنه‏ ‏ينتظرك‏ ‏مستقبل‏ ‏رائع‏ ‏وانحنى ‏لى ‏وذهب‏ ‏وواصلت‏ ‏سيرى ‏وأنا‏ ‏مشفق‏ ‏مما‏ ‏ينتظرنى ‏فى ‏مسكنى ‏من‏ ‏وحشة‏.‏

القراءة:

‏‏الحجرة‏ ‏هنا‏ ‏هى ‏المشهد‏ ‏الأول‏ ‏الذى ‏جمعه‏ ‏معها‏ ‏وحدهما‏،[34] ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏يعلن‏ ‏فرحته‏، ‏أو‏ ‏يرصدها‏، ‏قفز‏ ‏إليه‏ ‏الزمن‏ ‏يشكك‏ ‏فى ‏الاستمرار‏. ‏

منذ‏ ‏البداية‏، ‏قبل‏ ‏ومع‏ ‏الفرحة‏، ‏لاح‏ ‏له‏ ‏التهديد‏ ‏بالفراق‏ “…‏كنت‏ ‏أعلم‏ ‏أن‏ ‏سعادتى ‏قصيرة‏، ‏وأنه‏ ‏لن‏ ‏يلبث‏ ‏أن‏ ‏يفتح‏ ‏الباب“. ‏الزمن‏ ‏الملاحِقُ‏ ‏هنا‏ “‏لن‏ ‏يلبث” ‏أن‏ ‏يكسر‏ ‏خصوصية‏ ‏المكان‏ ‏بفتح‏ ‏الباب‏، ‏فيختفى ‏وتختفى ‏معه‏ ‏رقصة‏ ‏القلب‏ ‏وسعادة‏ ‏اللقاء‏.

هل كشفت لهفته وعجلته لاقتناص فرصة انفرادهما، عن احتمال كذب قبوله شروطها، ولو مناورة لا شعورية؟

وهل تلك الفترة من الزمن التى قال إنها تلزمه للاستجابة لشروطها كانت بلا فحوى موضوعية، لأنه، كما سيقول الاستاذ حالا لا يعرف معنى الوقت؟

‏الزمن هنا يظهر فى أشكال مختلفة، الزمن الخطّى التتابعى ‏حين‏ ‏يقترن‏ ‏قبوله‏ ‏شروطها‏ ‏بضرورة‏ ‏الانتظار‏ “‏فترة‏ ‏من‏ ‏الزمن“. و‏الزمن‏ ‏اللاهث طلبا للذة، والقرب، المترقب للنهاية، “..وكنت أعلم‏ ‏أن‏ ‏سعادتى ‏قصيرة” والزمن الملئ بما يستحقه “أنت لا تفهم معنى الوقت”.

 ‏من‏ ‏فرط‏ ‏حرصه‏ ‏وفتنته‏ ‏بوجودها‏ ‏حالا لم ينتظر، بل‏ “‏نادى ‏رغبته” وليس اقترب بنفسه وحبه وكله منها،

كيف‏ ‏ينادى ‏الواحد‏ ‏رغبته؟‏

 ‏يقولها‏ ‏محفوظ‏ ‏هكذا‏ ‏ببساطة‏ ‏وكأنها‏ (‏الرغبة‏) ‏كانت‏ ‏تنتظر‏، ‏فى ‏حجرة‏ ‏مجاورة‏‏.

‏وبدلا‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تستجيب‏ ‏الرغبة‏ ‏لندائه‏ ‏يدخل‏ ‏الأستاذ‏ ‏وهو‏ ‏يحمل‏ ‏معه‏ ‏المعنى الآخر‏ ‏لما‏ ‏هو‏ “‏زمن”. ‏يؤنبه‏ ‏الأستاذ‏ ‏مباشرة‏ ‏على ‏ضياع‏ ‏الوقت‏ “‏أنت‏ ‏لا‏ ‏تفهم‏ ‏معنى ‏الوقت” ‏وكما‏ ‏نادى ‏الراوى ‏رغبته‏ ‏وكأنه‏ ‏ينادى ‏الحاجب‏، “‏اقتلع‏ ‏نفسه” ‏(كلها هذه المرة وليس مجرد رغبته فى تعلم مهارة)‏، ‏وتبع‏ ‏الأستاذ‏ ‏إلى ‏الجانب‏ ‏الآخر‏ “‏قبالة‏ ‏عمارتنا”.

نلاحظ‏ ‏هنا‏، ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏نستطرد‏، ‏قدرة‏ ‏محفوظ‏ ‏على ‏التجول‏ ‏بين‏ ‏حالات‏ ‏ذاته‏ (‏ذواته، منظومات وعيه‏)، ‏فاختياره‏ ‏لتعبيرىْ “‏ناديت‏ ‏رغبتي” ‏و‏”‏اقتلعت‏ ‏نفسى” قد ‏يشير‏ ‏إلى ‏ذات‏ ‏محورية‏ Axon Self ‏ (مستعيرين‏ ‏أبجدية‏ ‏ساندور‏ ‏رادو‏(Sandor Rado ‏ وهى ‏الذات‏ ‏التى ‏تتمحور‏ ‏حولها‏ ‏الكيانات‏ “‏الذوات” ‏الأخرى ‏الداخلية)‏. ‏الرغبة‏ ‏هنا‏ ‏تبدو‏ ‏مشخصنة‏ ‏فى “‏ذات” ‏وليست‏ ‏مجرد‏ ‏عاطفة‏.‏

المهم‏ ‏أن الراوى‏ ‏ما‏ ‏إن‏ ‏اقتلع‏ ‏نفسه‏ ‏وتبع‏ ‏أستاذه‏ ‏حتى ‏وجد‏ ‏نفسه‏ ‏فى ‏حال‏ ‏آخر‏ ‏تماما‏ًً، ‏لا‏ ‏هو‏ ‏الحال‏ ‏الذى ‏رقص‏ ‏قلبه‏ ‏فرحا‏ ‏بصاحبته‏، ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏الحال‏ ‏الذى ‏يحتمل أنه ناورها به وهو‏ ‏يعلن‏ ‏قبوله‏ ‏شروطها، ‏هو ‏حال‏ ‏الابن‏ ‏المطيع‏، ‏أو‏ ‏الطالب‏ ‏النجيب‏ ‏المجتهد‏. إذ يبدو أنه أبدى‏ ‏هنا‏ ‏استجابة‏ ‏طيبة‏ ‏لحرص‏ ‏أستاذه‏ ‏على ‏تنبيهه‏ ‏لمعنى ‏الوقت‏، ‏ثم‏ ‏مبادرته‏ ‏بالتدريب‏ ‏الجاد‏ ‏على ‏دروس‏ ‏البيانو‏ (‏وليس‏ ‏حثه‏ ‏على ‏حفظ‏ ‏جدول‏ ‏الضرب‏ ‏مثلا‏):

‏من‏ ‏هذا‏ ‏المنطلق‏ ‏بدأ‏ ‏التدريب‏ ‏على ‏الفور‏ ‏باجتهاد‏ ‏شهد‏ ‏له‏ ‏الحكيم‏ ‏الصينى ‏فيما‏ ‏بعد‏.

‏إن‏ ‏البديل‏ ‏هنا‏ ‏كان‏ ‏ملء‏ ‏الوقت‏ ‏بتدريب‏ ‏مهارات‏ ‏إبداعه‏، ‏لم‏ ‏يُـنسه‏ ‏هذا‏ ‏البديل‏ ‏نبض‏ ‏قلبه‏ ‏فى ‏حجرة‏ ‏اللقاء‏ ‏الطروب‏، ‏لكن‏ ‏هذا‏ ‏الشوق‏ ‏بدا‏ هذه المرة ‏وكأنه‏ ‏حافز‏ ‏لمواصلة‏ ‏التدريب‏، ‏وليس‏ ‏لهفة على اقتناص لذة عمرها قصير‏، وهى اللذة التى تحققها رغبة يناديها من الحجرة المجاورة.‏

لكن‏ ‏الحسبة‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏سهلة‏، ‏فبالرغم‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏يمارس‏ ‏ما‏ ‏رضى ‏أن‏ ‏يستوعب‏ ‏طاقة‏ ‏وجدانه‏، ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏ما‏ ‏يؤكد‏ ‏تفوقه‏ ‏أو‏ ‏نجاحه‏، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏قلبه‏ ‏ظل‏ ‏يحوم‏ ‏حول‏ ‏حجرة‏ ‏اللقاء‏. ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏التدريب‏ ‏على ‏البيانو‏ (‏الإبداع‏ ‏المثابر‏ ‏الذى ‏اشتهر‏ ‏به‏ ‏شخص‏ ‏محفوظ‏ ‏بالذات‏) ‏يمكن‏ – ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏ – ‏أن‏ ‏يحتوى ‏الجمال‏ ‏ويطرب‏ ‏له‏ ‏القلب‏ ‏والعقل‏ ‏معا‏، ‏لكن‏ ‏صحيح‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏القلب‏ ‏الطفل‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏ينتظر‏ ‏حتى ‏تنصقل‏ ‏العواطف‏ ‏وتشحذ‏ ‏الأدوات‏ ‏لتحتوى ‏نبضاته‏ ‏إيقاع‏ ‏الإبداع‏، ‏فيستغنى ‏به‏ ‏عن‏ ‏جوعه‏ ‏العاطفى، ‏ولو مؤقتا، فهذا هو قلبه مازال معلقاً – بالحجرة ومن بها‏. ‏

‏ ‏لكن دخيلاً يلبس ثوب‏ ‏الحكمة‏ ‏فى ‏صورة‏ ‏الرجل‏ ‏الصينى ‏طويل‏ ‏اللحية بسام الوجه‏ ‏يحتل الصورة ليبارك‏ ‏اجتهاده‏ ‏ويطمئنه‏ ‏على ‏مستقبله‏. ‏

هل‏ ‏يكفى ‏تشجيع‏ ‏هذا‏ ‏الحكيم‏ (‏الصينى‏) ‏وتنبؤه‏ ‏له‏ ‏بالتفوق‏ ‏أن‏ ‏يحققا‏ ‏التوازن‏ ‏الذى ‏يحتوى ‏جوعه‏ ‏العاطفى ‏الرقيق؟‏ ‏

لا‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏الأمر‏ ‏كذلك‏. ‏

فمع‏ ‏هذا‏ ‏الإنجاز‏ ‏الواعد‏، ‏يرجع‏ ‏الراوى ‏إلى ‏نفسه‏ ‏ليواصل‏ ‏سيره‏ ‏إلى ‏مسكنه‏ (‏لا‏ ‏إلى ‏حجرتهما‏-‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏ما يشير إلى ‏أن‏ ‏حجرة‏ ‏اللقاء‏ ‏كانت‏ ‏إحدى ‏حجرات‏ ‏مسكنه‏)، ‏يرجع‏ ‏وهو‏ ‏منغمر‏ ‏ببصيرة‏ ‏النضج‏، ‏راض‏ ‏عن‏ ‏الثمن‏ ‏الذى ‏دفعه‏ ‏فى ‏تحقيق‏ ‏الولاف‏ ‏الصعب‏، ‏متقبل‏ ‏لما‏ ‏ينتظره‏ ‏من‏ ‏وحدة محتملة‏، ‏فهو‏ ‏الذى ‏اختارها‏ ‏فى ‏نهاية‏ ‏النهاية‏ ‏حين‏ ‏رضى ‏أن‏ ‏يجعل‏ ‏للوقت‏ ‏معنى ‏بأن‏ ‏يصقل‏ ‏أدوات‏ ‏الإبداع‏ ‏الواعدة‏ ‏باحتواء‏ ‏دفق‏ ‏عواطف‏ ‏طفولته‏ ‏الجائعة‏، ‏وتشكيل‏ ‏إيقاع‏ ‏نبضات‏ ‏وجدانه‏ ‏الغض‏ ‏فى ‏ضربات‏ ‏البيانو‏ ‏وهو‏ ‏يعزف‏.

كل‏ ‏ذلك‏ ‏على ‏حساب‏ ‏عاطفته‏ ‏الجياشة‏ ‏الجائعة‏، ‏فليكن‏ ‏انتظار‏ ‏الوحشة‏ ‏هو‏ ‏الثمن‏.

‏لينتهى ‏الحلم‏ ‏وهو‏ ‏يمضى ‏فرحا‏ ‏بإنجازه‏، ‏متقبلا‏ًً ‏للوحشة‏ (‏ولو‏ ‏مؤقتا‏).‏

مازالت العودة إلى المنزل (الأصل/الرحم/القبر/الذات القابعة هناك) تلوح بأن المنزل هو الوعد بالحماية بأنه الملاذ.

ومازال المنزل موحشا لأنه بلا ناس، فلا أمان!

* * *

الحلم (26)

جمعنا‏ ‏مقهى ‏بلدى، ‏وقص‏ ‏علينا‏ ‏صاحبى ‏قصة‏ ‏بوليسية‏ ‏من‏ ‏تأليفه‏.. ‏وقبيل‏ ‏الختام‏ ‏دعانا‏ ‏إلى ‏الكشف‏ ‏عن‏ ‏القاتل‏. ‏ومن‏ يفز‏ ‏يُعفى ‏مِن[35] دفع‏ ‏ثمن‏ ‏طلبه‏، ‏ووفقت‏ ‏إلى ‏الإجابة‏ ‏الصحيحة‏ ‏وسعدت‏ ‏بذلك‏ ‏غاية‏ ‏السعادة‏. ‏وبعد‏ ‏ساعة‏ ‏استأذنت‏ ‏فى ‏العودة‏ ‏إلى ‏بيتى. ‏ولانشغالى ‏بنجاحى ‏تهت‏ ‏فسرت‏ ‏فى ‏طرق‏ ‏حتى ‏وجدت‏ ‏نفسى ‏أخيرا‏ ‏أمام‏ ‏المقهى ‏مما‏ ‏أثار‏ ‏ضحك‏ ‏الجميع‏، ‏وتطوع‏ ‏أحدهم‏ ‏فأوصلنى ‏إلى ‏بيتى ‏وودعنى ‏وانصرف‏.

‏وبيتى ‏مكون‏ ‏من‏ ‏طابق‏ ‏واحد‏ ‏وحديقة‏ ‏صغيرة‏ ‏وشرعت‏ ‏فى ‏خلع‏ ‏ملابسى ‏ولما‏ ‏صرت‏ ‏بملابسى ‏الداخلية‏ ‏لاحظت‏ ‏أن‏ ‏خطا‏ ‏من‏ ‏التراب‏ ‏يتساقط‏ ‏من‏ ‏أحد‏ ‏أركان‏ ‏الغرفة‏.. ‏وكان‏ ‏هذا‏ ‏المنظر‏ ‏قد‏ ‏ورد‏ ‏فى ‏القصة‏ ‏التى ‏ألفها‏ ‏صاحبنا‏ ‏وكان‏ ‏نذيرا‏ ‏بسقوط‏ ‏البيت‏ ‏على ‏من‏ ‏فيه‏ ‏فبكيت‏ ‏أن‏ ‏بيتى ‏الصغير‏ ‏سينقض‏ ‏فوق‏ ‏رأسى. ‏وملكنى ‏الفزع‏ ‏فغادرت‏ ‏البيت‏ ‏بسرعة‏ ‏ولهوجة‏ ‏واستزادة‏ ‏فى ‏الأمان‏ ‏انطلقت‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏البيت‏ ‏بأقصى ‏سرعة‏ ‏فى ‏الهواء‏ ‏الطلق‏.‏

القراءة:

المكان‏ ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏هو‏ ‏مقهى ‏بلدى (‏لاحظ‏ -مرة أخرى- ‏البداية‏ ‏بتحديد‏ ‏المكان‏ كما ‏فى ‏أغلب الأحلام‏) ‏الحلم يبدأ‏ ‏بقصة‏ ‏بوليسية‏ ‏يحكيها‏ ‏مؤلفها‏ (‏يبدو‏ ‏أنه‏ ‏ألفها‏ ‏لتوه‏) ‏وهو‏ ‏أحد‏ ‏الأصدقاء،‏ ‏فنستنتج‏ ‏أنها‏ ‏قصة‏ ‏سطحية‏ ‏للتسلية‏، ‏وينجح‏ ‏الراوى ‏فى ‏حل‏ ‏اللغز‏ (‏من‏ ‏القاتل‏)، ‏ومع‏ ‏أن‏ ‏الجائزة‏ ‏تبدو‏ ‏تافهة‏ (‏ثمن‏ ‏ما‏ ‏شُرب‏) ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏نشوة‏ ‏النجاح‏ ‏فى ‏ذاتها‏ ‏كانت‏ ‏غامرة‏ ‏حتى ‏أسكرته‏ ‏فكاد‏ ‏يفقد‏ ‏وعيه‏ ‏وتاه‏ ‏عن‏ ‏بيته‏ ‏ودار‏ ‏حول‏ ‏نفسه‏ ‏حتى ‏عاد‏ ‏إليهم‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏المكان‏ ‏مما‏ ‏اضطر‏ ‏أحد‏ ‏أصحابه‏ ‏أن‏ ‏يوصله‏ ‏إلى ‏بيته‏. ‏

نكتشف‏ ‏من‏ ‏البداية‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏نشوة‏ ‏النجاح‏ ‏الذاهلة‏ ‏هذه‏ ‏لا‏ ‏تتناسب‏ ‏مع‏ ‏حقيقة‏ ‏المكسب‏ (‏ثمن‏ ‏المشاريب‏)، ‏ومع‏ ‏ذلك‏، ‏فالنجاح‏ ‏هو‏ ‏النجاح‏، ‏والتنافس‏ ‏هو‏ ‏التنافس‏، ‏والجوائز‏ ‏هى ‏الجوائز‏، ‏والنشوة‏ ‏هى ‏النشوة‏ ‏حتى ‏الذهول‏. ‏

حين‏ ‏يعو‏‏د‏ ‏صاحبنا‏ ‏إلى ‏نفسه‏ (‏بيته‏) ‏ويتعرى ‏إلا‏ ‏قليلا‏ (‏بقيت‏ ‏الملابس‏ ‏الداخلية‏) ‏ينقلب‏ ‏الخيال‏ ‏إلى ‏واقع‏ ‏حتى ‏تكاد‏ ‏القصة‏ – ‏على ‏تفاهتها‏ – ‏تصبح‏ ‏حقيقة‏. ‏

هنا‏ ‏يقفز‏ ‏إلينا‏ ‏سؤال‏ ‏آخر‏ ‏غير‏ ‏سؤال‏ ‏القصة‏ ‏اللغز‏، ‏سؤال‏ ‏يقول‏ “‏من‏ ‏القتيل؟” (‏لا‏ ‏من‏ ‏القاتل؟‏). ‏التعرى ‏بعد‏ ‏ذهول‏ ‏الفوز‏ ‏على ‏تفاهة‏ ‏الجائزة‏ ‏أمكن‏ ‏أن‏ ‏ينبه‏ ‏الراوى ‏أنه‏: ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏شخصه‏ ‏بهذه‏ ‏الهشاشة‏، ‏تسكره‏ ‏نشوة‏ ‏فوز‏ ‏لا‏ ‏قيمة‏ ‏له‏، ‏فهو‏ ‏مقتول‏ ‏بأى ‏فوز‏ ‏تافه قد‏ ‏يغرقه‏ ‏فى ‏اغترابه‏ ‏حتى ‏الذهول‏.‏

هكذا‏ ‏فجأة‏ ‏يضعنا‏ ‏محفوظ‏ ‏أمام‏ ‏التساؤل‏ ‏عن‏ ‏معنى ‏النجاح‏ ‏ومعنى ‏التنافس‏، ‏ومعنى ‏الفوز‏. ‏يعلن‏ ‏محفوظ‏ ‏أن‏ ‏تمثيلية‏ ‏النجاح‏ ‏التى ‏نمثلها‏ ‏جميعا‏ ‏قد لا تكون – فى نهاية النهاية- إلا ‏دوامة‏ ‏فراغ‏، ‏وأن‏ ‏سعار‏ ‏الفوز‏ التنافسى ‏الذى ‏يسكرنا‏ ‏برغم‏ ‏تفاهة‏ ‏الجائزة‏ ‏هو‏ ‏الضياع‏ ‏ذاته‏.

‏إن‏ ‏الراوى ‏برغم‏ ‏فوزه‏ ‏بمكافأة‏ ‏حل‏ ‏اللغز،‏ ‏هو‏ ‏هو‏ ‏المتمايل فى سُكْر النجاح حتى التيه. ‏وهو‏ – ‏برغم‏ ‏فوزه‏، ‏أو‏ ‏حتى ‏بسبب‏ ‏فوزه‏ ‏هذا‏ ‏ـ‏ ‏يواجه‏ ‏انهيار‏ ‏وجوده‏ ‏الهش‏ ‏الذى ‏يعلنه‏ ‏تساقط‏ ‏التراب‏ ‏من‏ ‏أحد‏ ‏أركان‏ ‏الغرفة‏.‏ ‏لم يحمِه الفوز من التهديد بانهيار‏ ‏وجودٍ‏ ‏كان‏ ‏هشا‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏، ‏ولم‏ ‏ينتبه‏ ‏صاحبه‏ ‏إلى ‏هشاشته‏ ‏إلا‏ ‏حين‏ ‏غمره‏ ‏ذهوله‏ ‏بفوزه‏ ‏الخائب‏، ‏إذْ فوجئ بأن البيت الصغير المنعزل، على وشك الانهيار بلا سبب ظاهر إلا هشاشة بنيانه.

لكن‏ ‏هل‏ ‏ثم‏ ‏سبيل‏ ‏إلى ‏الإصلاح‏ ‏أو‏ ‏التعديل‏ ‏أو‏ ‏الإفاقة‏ ‏أو‏ ‏البدء‏ ‏من‏ ‏جديد؟‏ ‏

يترك‏ ‏محفوظ‏ ‏النهاية‏ ‏مفتوحة‏، ‏

يترك‏ ‏صاحبنا‏ ‏وهو‏ ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏الأمان‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏تيقن‏ ‏من‏ ‏قرب‏ ‏انهيار‏ ‏وجوده‏ (‏بيته‏ ‏الصغير‏)، ‏راح‏ ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏الأمان‏ ‏فى الخارج هذه المرة.

‏ ‏فهو‏ ‏يعدو‏ ‏بعيدا‏ًً ‏عن‏ ‏بيته لا إلى بيته‏.

 ‏يجرى ‏بأقصى ‏سرعة‏ ‏فى ‏الهواء‏ ‏الطلق‏، ‏يجرى ‏من‏ ‏نفسه‏ (‏‏بيته الصغير المنعزل)‏ ‏إلى نفسه، (المشروع الأقرب إلى أصلها، إلى الطبيعة إلى الهواء الطلق‏) ‏

ولكن هذا‏ ‏الهواء‏ ‏الطلق‏ ‏لا‏ ‏يعد‏ ‏بشيء‏ ‏إلا‏ ‏مواصلة‏ ‏الجرى.‏

وقد أشرنا إلى تكرار مثل هذا التوجه “إلى البيت”، ولكنه لم يكن هنا تلقائيا بل بمساعدة صديق‏.

فى ‏الحلم‏ ‏السابق‏ ‏توجه‏ ‏الراوى ‏إلى ‏بيته‏ ‏وهو‏ ‏يستشعر‏ ‏ما‏ ‏ينتظره‏ ‏من‏ ‏وحشة‏، ‏لكنه‏ ‏توجه‏ ‏مسئولا‏‏، ‏مبدعا‏، ‏ماهرا‏ًً (‏عازفا‏ ‏للبيانو‏) ‏رغم‏ ‏الوحدة.

‏‏‏الراوى ‏هنا يهرب‏ ‏من‏ ‏بيته‏ ذى الطابق الواحد (الوحدة)، وذى الحديقة الصغيرة (لا مكان لآخر)، وهو بذلك يعلن أن البيت الصغير، لا يفى بأى مما يمكن أن يعد به، وأنه مهدد بالسقوط، برغم هدوئه وبعده وعزلته (أو بسببها).

الهرب هنا من البيت إلى الهواء الطلق (ربما الطبيعة والناس والمساحة والحركة والحرية) يصبح هو الأمان هذه المرة.

(راجع ما سبق ذكره فى أكثر من حلم وأكثر من يومية عن برنامج الذهاب والعودة: الدخول والخروج).

* * *

الحلم (27)

فى ‏سفينة‏ ‏عابرة‏ ‏للمحيط‏ ‏أجناس‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏لون‏ ‏ولغات‏ ‏شتى. ‏وكنا‏ ‏نتوقع‏ ‏هبوب‏ ‏ريح‏ ‏وهبت‏ ‏الريح‏ ‏واختفى ‏الأفق‏ ‏خلف‏ ‏الأمواج‏ ‏الغاضبة ‏إنى ‏ذعرت‏ ‏ولكن‏ ‏أحدا‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يعنى ‏بأحد‏. ‏وقال‏ ‏لى ‏خاطر‏ ‏إننى ‏وحيد‏ ‏فى ‏أعماق‏ ‏المحيط‏. ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏نجاة‏ ‏من‏ ‏الهول‏ ‏المحيط‏ ‏إلا‏ ‏بأن‏ ‏يكون‏ ‏الأمر‏ ‏كابوسا‏ًً ‏وينقشع‏ ‏بيقظة‏ ‏دافئة‏ ‏بالسرور‏. ‏والريح‏ ‏تشتد‏ ‏والسفينة‏ ‏كرة‏ ‏تتقاذفها‏ ‏الأمواج‏. ‏وظهر‏ ‏أمامى ‏فجأة‏ ‏حمزة ‏أفندى ‏مدرس‏ ‏الحساب‏ ‏بخيرزانته‏ ‏وحدجنى ‏بنظرة‏ ‏متسائلة‏ ‏عن‏ ‏الواجب‏. ‏كان‏ ‏الإهمال‏ ‏الواحد‏ ‏بعشرة‏ ‏خيرزانات‏ ‏تكوى ‏الأصابع‏ ‏كيا‏. ‏وازددت‏ ‏كرهاً‏ ‏من‏ ‏ذكريات‏ ‏تلك‏ ‏الأيام‏. (وقال‏ ‏لى ‏الرجل‏ ‏سوف‏ ‏تكتب (…………….) ‏وهممت‏ ‏بدق‏ ‏عنقه‏ ‏ولكنى ‏خفت‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏أى ‏خطأ‏ ‏سببا‏ ‏فى ‏هلاكى ‏فسكت‏ ‏على ‏الذل‏ ‏وتجرعته‏ ‏رغم‏ ‏جفاف‏ ‏ريقى. ‏ورأيت‏ ‏حبيبتى ‏فهرعت‏ ‏نحوها‏ ‏أشق‏ ‏طريقا‏ًً ‏بين‏ ‏عشرات‏ ‏المذهولين‏. ‏ولكنها‏ ‏لم‏ ‏تعرفنى ‏وتولت‏ ‏عنى ‏وهى ‏تلعن‏ ‏ساخطة‏ ‏وجرت‏ ‏نحو‏ ‏حافة‏ ‏السفينة‏ ‏ورمت‏ ‏بنفسها‏ ‏فى ‏العاصفة‏ ‏واعتقدت‏ ‏أنها‏ ‏تبين‏ ‏لى ‏طريق‏ ‏الخلاص‏ ‏فجريت‏ ‏متعثرا‏ ‏نحو‏ ‏حافة‏ ‏السفينة‏ ‏ولكن‏ ‏مدرس‏ ‏الحساب‏ ‏القديم‏ ‏اعترض‏ ‏سبيلى ‏ملوحا‏ًً ‏بعصاه‏.‏

القراءة:

المكان الحركة، الحركة المكان، السفينة عابرة للمحيط هنا تجمع بين هذا وذاك، لم يصلنى أنها سفينة نوح المعاصرة برغم أنها تحمل أجناساً من ألون ولغات شتى، ربما هى أرضنا البائسة وسط الكون المضطرب، أو لعلها الحياة كما آلت إليه أخيرا، حيث لا يعنى أحد  بآخر، فهى الوحدة من جديد (وقال لى خاطر أننى وحيد فى أعماق المحيط).

 المكان‏ ‏هنا يسمح‏ ‏بالتجمع‏ ‏والتجمهر‏ ‏والانتقال‏، ‏لكنه‏ ‏مَحُوط‏ ‏بالمحيط‏، ‏فلا‏ ‏مجال‏ ‏للهرب‏ ‏إلى ‏المنزل‏ ‏مع الأمل فى الأمان، أو المفاجأة بالوحشة، أو غير ذلك مما سبق أن لاحظنا، كما أنه ليس ثم‏ مهربا ‏إلى ‏الهواء‏ ‏الطلق‏ ‏قبل‏ ‏انهيار‏ ‏البيت‏ ‏الصغير‏ (‏نهاية‏ ‏الحلمين‏ 25،26).

 ‏وكما‏ ‏بدأ‏ ‏حلم‏ (25) ‏بتوقع‏ ‏قصر‏ ‏عمر‏ ‏السعادة‏، ‏يبدأ‏ ‏هذا‏ ‏الحلم‏ ‏بتوقع‏ ‏العاصفة‏، “وكنا‏ ‏نتوقع‏ ‏هبوب‏ ‏الريح‏، ‏وهبت‏ ‏الريح‏” (‏لاحظ‏ ‏اختفاء‏ ‏أى ‏برهة‏ ‏زمنية‏ ‏بين‏ ‏التوقع‏ ‏والواقع‏).‏

كما أشرنا: مع‏ ‏أن‏ ‏السفينة‏ ‏بها‏ ‏أجناس‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏لون‏ ‏ولغات‏ ‏شتى، ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏الراوى ‏يشعر‏ ‏بالوحدة‏ ” ‏وقال‏ ‏لى ‏خاطر‏ ‏إننى ‏وحيد‏”.

 ‏بدا لى أن هذا‏ ‏الخاطر‏ بالشعور بالوحدة، هو الذى انتقل‏ بالسفينة فجأة‏ ‏إلى ‏أعماق‏ ‏المحيط‏. ‏فتمنى صاحبنا ‏بأن‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏الذى ‏يعيشه‏ ‏كابوسا‏.

 ‏بدت‏ ‏لى هذه‏ ‏الأمنية‏ ‏-كالعادة- ‏وكأنها‏ ‏جذب‏ ‏العودة‏ ‏إلى ‏الرحم‏ ‏الحانى ‏هربا‏ًً ‏من‏ ‏احتمال‏ ‏الغرق‏ ‏فى ‏المحيط‏ ‏الهادر‏ على السطح، ‏إنها‏ ‏أمنية‏ ‏نكوصية‏ ‏واضحة‏ تتكرر حتى الآن. ‏ثم إننا لو‏ ‏أحسنا‏ ‏قراءة‏ ‏تعبير‏ “‏يقظة‏ ‏دافئة‏ ‏بالسرور‏” هنا ‏للاحظنا أنه‏ ‏تعبير‏ ‏نادر‏. ‏اليقظة‏ ‏عادة‏ ‏تكون‏ ‏نقلة‏ ‏من‏ ‏الدفء‏ ‏إلى ‏النشاط‏، ‏من‏ ‏سكينة‏ ‏النوم‏ ‏إلى ‏دفع‏ ‏الحركة‏، ‏لكن‏ ‏هذا‏ ‏التعبير‏ ‏الذى ‏يصف‏ ‏اليقظة هنا‏ ‏بأنها‏ “‏دافئة‏ ‏بالسرور‏” ‏لم‏ ‏يحُضر‏ ‏إلى ‏قراءتى ‏إلا‏ ‏خدر‏ ‏الإحاطة‏ ‏بالسائل‏ ‏الأمنيتونى ‏داخل‏ ‏الرحم‏ ‏والجنين‏ ‏ما‏زال‏ “‏يبلبط‏” ‏فى ‏الداخل‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏العواصف‏ ‏والأنواء‏.

 ‏لم‏ ‏يدم‏ ‏هذا‏ ‏الخاطر‏ ‏الهروبى ‏طويلا‏ ‏وحل‏ ‏محله‏ ‏واقع‏ ‏بارد قاس بظهور حمزة أفندى معلم الحساب، وهو لا يقارن – إلا من حيث الحركة – بظهور معلم البيانو فى حلم (25).

 ‏المعلم‏ ‏هنا‏ ‏من‏ ‏نوع‏ ‏آخر‏ “‏مدرس‏ ‏حساب‏ ‏قديم‏”. بخيزرانته العمياء، ‏هذا‏ ‏المدرس‏ ‏لا‏ ‏يسأل‏ ‏أو‏ ‏يتساءل‏ ‏عن‏: “‏معنى ‏الوقت‏” ‏مثل‏ ‏أستاذ‏ ‏البيانو‏ (‏حلم‏ 25)، ‏وهو‏ ‏لا‏ ‏يدعو‏ ‏فى ‏حزم‏ ‏إلى ‏تدريب‏ ‏على ‏مهارة‏ (‏البيانو‏). ‏هو‏ ‏مدرس‏ ‏جاف‏ ‏لا‏ ‏يتكلم‏ ‏إلا‏ ‏بلغة‏ ‏الواجب‏، ‏وهو جاهز فى مواجهة أى إهمال‏، ‏وليس‏ ‏عنده‏ ‏إلا ‏الخيزرانة‏ ‏لا‏ ‏أكثر‏ ‏ولا‏ ‏أقل‏، ‏فكانت‏ ‏استجابة‏ ‏الراوى ‏هى ‏الرغبة‏ ‏فى ‏قتله‏. ‏وحين‏ ‏تبين‏ ‏عجزه‏، ‏استشعر‏ ‏الذل‏ ‏وابتلعه‏ ‏وهو‏ ‏خائف‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يضبطوه‏ ‏متلبسا‏ ‏بالشروع‏ ‏فى ‏القتل‏، ‏ثم‏ ‏إن الوعى بخاطر القتل‏ ‏هكذا، جعله يرتد‏ ‏إلى ‏ذاته‏، ‏فهو‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏الهلاك‏. ‏

مازلنا‏ ‏فى ‏السفينة‏، ‏ومازالت‏ ‏العاصفة‏ ‏تحيط‏ ‏بها‏، ‏ فهى قد طفت إلى السطح، وظهور‏ ‏معلم‏ ‏الحساب‏ (‏الأب‏ ‏القاهر‏ ‏الجاف‏) كان بصيغة إجبارية “سوف تكتب”، وهى أقسى من صيغة الأمر، كأنه أمر مفروغ منه، لو أنه أَمَرَهُ أن يكتب، “أُكْتُبْ” إذن لكان ثمَّ اختيار، أما هكذا “سوف تكتب” فهى صيغة أكثر سحقا، والرد على مثل هذا القهر هو القتل، قتل الوالد أمر طبيعى (ديستويفسكى: كارامازوف، ومن منا لم يفكر فى قتل والده؟)، لكن لابد من ضمان أن القتل سيتم مائة فى المائة، أما إذا كان فى الأمر احتمال فشل القتل ولو 1 % فهو الهلاك، أما الرجوع عن القتل فهو الذل والقهر، (وازددت‏ ‏كرهاً‏ ‏من‏ ‏ذكريات‏ ‏تلك‏ ‏الأيام‏)‏

‏الأرجح أن الحبيبة‏ ‏التى ‏ظهرت‏ ‏هنا هى من نسج خيال الراوى، وهى لا تعرفه‏ أصلاً. ‏هو‏ ‏الذى ‏جسّدها‏،‏ ‏ثم‏ ‏راح‏ ‏يشق‏ ‏طريقه‏ ‏إليها‏، الأخطر أنها تولّت وهى تلعن ساخطة، نتذكر الرفض الذى عاناه صاحبنا فى حلم (15) كان رفضاً غامضا من أكثر من واحدة (زميلة) حقيقية (على أرض، – مكتب – الواقع)، الرفض هنا يبدو أقسى حتى لو كانت الحبيبة من صنع الخيال، ذلك لأنها: أولالم تتعرف عليه أصلاً، لقد أنكرته ابتداء، وثانيا: لأن هربها كان نافراً فى المجهول بلا وعد، هى هنا فضلت الموت عن أن تكون له أو معه، فليكن هذا هو هو خلاصه، فمن ناحية: بما أنه لم يلحقها هنا (وهى حتى لم تقبله أصلا) فلعله يلقاها هناك، ومن ناحية أخرى، فهو الخلاص من الذل والقهر.

‏الفتاة تولت‏ ‏وهى ‏تلعن‏ ‏ساخطة‏ (‏لم‏ ‏يقل‏ ‏تلعن‏ ‏من‏)، ‏ثم‏ ‏إنها‏ ‏اختفت‏ وهو يشق طريقه بين الذاهلين، ذاهلين من ماذا؟، عن ماذا؟ عما آلت إليه حال الفرقة بين الناس “أحد لم يكن يعنى بأحد”؟

 وهكذا ‏‏رمت‏ الفتاة ‏نفسها‏ ‏فى ‏العاصفة‏ (‏لم‏ ‏يقل‏ ‏فى ‏المحيط‏)، ‏فكاد‏ ‏يتبعها‏ ‏وهو‏ ‏يتصور‏ ‏أنها‏ ‏بفعلتها‏ ‏تلك‏ ‏إنما‏ ‏تشير‏ ‏إليه‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الحل‏: الخلاص ‏بإفناء‏ ‏الذات‏.‏

الذى منعه من تنفيذ هذا الحل الانتحارى الغامض كان هو هو مدرس الحساب، الذى نلاحظ هنا أيضا أنه كان ثنائى الدور والدلالة، فمن ناحية هو أنقذ حياته، لكنه فى نفس الوقت هو الذى حال دونه وحبيبته.

 ثَمّ تساؤل أخير يقول:

 هل السلطة التى تفرض وتقهر، هى هى السلطة التى تحول دون نزوات الخيال وأوهام الخلاص بالعدم؟

يجوز….

* * *

الحلم (28)

تتحلق‏ ‏المستديرة‏ ‏والنقود‏ ‏تذهب‏ ‏وتجئ‏ ‏أما‏ ‏الفتاة‏ ‏فكانت‏ ‏تقوم‏ ‏بالخدمة‏ ‏وتقديم‏ ‏المشروبات‏ ‏وأحيانا‏ ‏السندوتشات‏. ‏وابتسم‏ ‏لى ‏الحظ‏ ‏فربحت‏ ‏عددا‏ ‏من‏ ‏الجنيهات‏ ‏يعد‏ ‏كبيرا‏ ‏فى ‏مجالنا‏ ‏المحدود‏ ‏وشعرت‏ ‏بدوار‏ ‏خفيف‏ ‏فأعلنت‏ ‏أننى ‏سأنسحب‏، ‏وعلى‏ ‏أن‏ ‏أحدا‏ ‏لم‏ ‏يصدق‏ ‏عذرى ‏إلا‏ ‏أننى ‏انسحبت‏ ‏وعند‏ ‏ذلك‏ ‏اتهم‏ ‏أحد‏ ‏اللاعبين‏ ‏الفتاة‏ ‏بأنها‏ ‏كانت‏ ‏تكشف‏ ‏لى ‏خفية‏ ‏عن‏ ‏بعض‏ ‏أوراق‏ ‏اللعب‏ ‏فغضبت‏ ‏الفتاة‏ ‏كما‏ ‏غضبت‏ ‏أنا‏ ‏احتجاجا‏ ‏على ‏التهمة‏ ‏البطالة‏ ‏وقام‏ ‏الرجل‏ ‏ومعه‏ ‏آخران‏ ‏ونزعوا‏ ‏ثياب‏ ‏الفتاة‏ ‏حتى ‏تبدت‏ ‏عارية‏ ‏وهى ‏تصرخ‏ ‏وتهدد‏ ‏بإبلاغ‏ ‏الشرطة‏ ‏عن‏ ‏الشقة‏ ‏التى ‏تدار‏ ‏للمقامرة‏ ‏وغيرها‏ ‏من‏ ‏المحرمات‏ ‏فسرعان‏ ‏ما‏ ‏عاد‏ ‏كل‏ ‏إلى ‏مجلسه‏ ‏وساعدت‏ ‏الفتاة‏ ‏على ‏ارتداء‏ ‏ملابسها‏ ‏وغادرت‏ ‏المكان‏ ‏إلى ‏مسكنى ‏القريب‏.‏

وجلست‏ ‏أستريح‏ ‏فإذا‏ ‏بالفتاة‏ ‏تحضر‏ ‏وأخبرتنى ‏أن‏ ‏المجموعة‏ ‏غاضبة‏ ‏وزادها‏ ‏السكر‏ ‏غضبا‏ ‏وتهدد‏ ‏باقتحام‏ ‏مسكنى ‏وإشعال‏ ‏فضحية‏ ‏فى ‏الحى ‏كله‏ ‏ونصحتنى ‏أن‏ ‏أرد‏ ‏ما‏ ‏ربحته‏ ‏حلا‏ ‏للمشكلة‏ ‏ولكنى ‏قلت‏ ‏لها‏ ‏أنهم‏ ‏سيعتبرون‏ ‏ذلك‏ ‏اعترافا‏ ‏بجريمة‏ ‏لم‏ ‏نرتكبها‏، ‏فقالت‏ ‏إن‏ ‏ذلك‏ ‏أهون‏ ‏مما‏ ‏يعتزمون‏ ‏ارتكابه‏ ‏وأذعنت‏ ‏لرأيها‏ ‏وسلمتها‏ ‏النقود‏ ‏وذهبت‏ ‏بها‏.‏

وعاد‏ ‏الهدوء‏ ‏لليل‏ ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أزل‏ ‏أتوقع‏ ‏فضيحة‏ ‏أو‏ ‏شرا‏ًً ‏من‏ ‏ذلك‏.‏

القراءة:

ظهور “الفتاة” (أية فتاة) أو حضورها يتكرر فى الأحلام حتى الآن بتنويعات مختلفة، يمكن أن نجمعها لاحقا للمقارنة فى الدراسة الطولية، مثلا الفتاة هنا أشبه بالوسيط أو الشريك فى شىء ما، وهى غير الفتيات اللاتى ظهرن حتى الآن حلم 2، كان الراوى يتبع الفتاة ثم انتهى وهو يبحث عنها، وحلم 7 حين سار فى أثر فتاة الترام حلم 3، وكانت الفتاة هى أخته وأشياء أخرى فى حلم 9، وهى غير صاحبته فى الحجرة فى حلم 10،  وأيضا ليست مثل بنت ريا فى حلم 13، أما هنا فهى معه وهو معها دون علاقة خاصة، فلا يلوح فى الأفق أى رفض له مثلما حدث مع فتاتىْ حلم 15، وهى غير الفتاة الربان حلم 18، وغير فتاة القمر والقارب حلم 20، وغير فتاة الوعد والشروط حلم 25، هى فتاة تظهر فى الصورة بذاتها، تشاركه سحق القهر، واستسلام الذل، لا أكثر.

إنكار ضربة الحظ إلا لأحد أفراد الثلة الخاصة هو مبدأ يرتبط بتحيز الثللية الذى يلفظ الدخيل ويرفض حتى عدْل الأقدار، غير مسموح لغريب عن الثلة بالقنص والهرب بالغنيمة حتى لو التزم القواعد الظاهرة، الفتاة هنا شريكة فى شهادة العدل، وهذه جريمة فى ذاتها بقانون الثللية، فهى تستحق عليها العقاب.

عودة الراوى إلى المنزل هنا لم تكن هربا أو طلبا للأمان كما لاحظنا فى الأحلام حتى الآن، وإنما هى حق مشروع لمن يكسب ويريد أن يتوقف وأن يحتفظ بما كسب، لكنها جريمة فى عرف الثلة.

لماذا لم ينقضوا عليه هو دونها؟

 هل كانوا يتشطرون على الأضعف الذى يحتمى بقانون اللعبة، أما هى، فهى ليست إلا خادمة أو ساعية؟

 الهرب هنا والنذالة تراجُعاً يؤيد التهمة ولا ينفيها، لذلك هو لم يتراجع أو يستذل، فهى الشهامة كما تبدو لأول وهلة.

سكرت المجموعة، وتهيجت وهددت، هو يعلم أن التراجع والانصياع إلى الابتزاز بأن يُرجع النقود ليس إلا سلبية جديدة وهزيمة تلغى كل ما همَّ به، أو بدا منه، من شهامة سابقة، حين كان يساعد الفتاة و يحاول أن يسترها أو يحميها..،

 ومع ذلك، فإن هذه المقاومة والدفاع عن السمعة (لا الكرامة) سرعان ما تراجعت هى الأخرى فانهزم وسلمّ النقود.

هل هى دعوة إلى الهزيمة؟

بل هى تعرية للهزيمة.

إن من يتنازل عن حقه، وعن شهامته، لن يتمتع إلا بهدوء كاذب، وسوف يظل مهددا بفضيحةٍ ما،

 والأرجح أن يكون التهديد من داخله،

 لأنه تنازل.

* * *

الحلم (29)

المكان‏ ‏جديد‏ ‏لم‏ ‏أره‏ ‏من‏ ‏قبل‏. ‏لعله‏ ‏بهو‏ ‏فى ‏فندق‏ ‏وقد‏ ‏جلس‏ ‏الحرافيش‏ ‏حول‏ ‏مائدة‏. ‏وكانوا‏ ‏يناقشوننى ‏حول‏ ‏اختيار‏ ‏أحسن‏ ‏كاتبة‏ ‏فى ‏مسابقة‏ ‏ذات‏ ‏شأن‏، ‏وبدا‏ ‏واضحا‏ًً ‏أن‏ ‏الكاتبة‏ ‏التى ‏رشحتها‏ ‏لم‏ ‏تحز‏ ‏أى ‏قبول‏. ‏قالوا‏ ‏إن‏ ‏ثقافتها‏ ‏سطحية‏. ‏وإن‏ ‏سلوكها‏ ‏غاية‏ ‏فى ‏السوء‏ ‏وعبثا‏ًً ‏حاولت‏ ‏الدفاع،‏ ‏ولاحظت‏ ‏أنهم‏ ‏ينظرون‏ ‏إلى ‏بتجهم‏ ‏غير‏ ‏معهود‏ ‏وكأنهم‏ ‏نسوا‏ ‏عشرة‏ ‏العمر‏. ‏وتحركت‏ ‏لمغادرة‏ ‏البهو‏ ‏فلم‏ ‏يتحرك‏ ‏منهم‏ ‏أحد‏ ‏وأعرضوا‏ ‏عنى ‏بغضب‏ ‏شديد‏، ‏سرت‏ ‏نحو‏ ‏المصعد‏ ‏ودخلت‏ ‏وأنا‏ ‏أكاد‏ ‏أبكى. ‏وانتبهت‏ ‏إلى ‏أنه‏ ‏توجد‏ ‏معى ‏امرأة‏ ‏فى ‏ملابس‏ ‏الرجال‏ ‏ذات‏ ‏وجه‏ ‏صارم‏. ‏قالت‏ ‏إنها‏ ‏تسخر‏ ‏بما‏ ‏يسمونه‏ ‏صداقة‏ ‏وإن‏ ‏المعاملة‏ ‏بين‏ ‏البشر‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏تتغير‏ ‏من‏ ‏أساسها‏. ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏أفكر‏ ‏فيما‏ ‏تعنيه‏ ‏استخرجت‏ ‏مسدسا‏ ‏من‏ ‏جيبها‏ ‏ووجهته‏ ‏إلى ‏مطالبة‏ ‏إياى ‏بالنقود‏ ‏التى ‏معى. ‏وتم‏ ‏كل‏ ‏شئ‏ ‏بسرعة‏ ‏ولما‏ ‏وقف‏ ‏المصعد‏ ‏وفتح‏ ‏بابه‏ ‏أمرتنى ‏بالخروج‏. ‏وهبط‏ ‏المصعد‏ ‏ووجدتنى ‏فى ‏طرقة‏ ‏مظلمة‏ ‏وقهرنى ‏شعور‏ ‏بأننى ‏فقدت‏ ‏أصدقائى ‏وأن‏ ‏حوادث‏ ‏كالتى ‏وقعت‏ ‏لى ‏فى ‏المصعد‏ ‏تتربص‏ ‏بى ‏هنا‏ ‏أو‏ ‏هناك‏.

القراءة:

لا يستعمل نجيب محفوظ لفظة “الحرافيش” هكذا مباشرة إلا نادرا. وثلة الحرافيش الحقيقية هى قديمة قدم نشأتها، لكن المكان هنا – كما لاحظنا – جديد لم يره الراوى من قبل، فهو الإبداع.

محفوظ حين يستعمل هذا الاسم العزيز، والذى شرفتُ بالانتماء إليه ولو فى الوقت بدل الضائع، لا تكون له علاقة بالحرافيش الحقيقيين على أرض الواقع، كما كان الحال فى إطلاق نفس الاسم على رائعته: ملحمة الحرافيش، دون ربط أيضاً.

وبرغم ذلك، فبداية الحلم تقترب قليلا أو كثيرا مما يدور فى محيط عدد من المثقفين الذين كانوا يحضرون مؤخرا مجالسه اليومية التى هى ليست حرفوشية إلا الخميس.

حاجة محفوظ –كبداية- (أو الراوى) إلى رضا المثقفين المحيطين به عن سلوكه ليست خافيه فى هذا الحلم، وإن كانت لا تغير رأيه، ولا تمنعه من الانصراف معتزاً محتجّاً.

بعد تجهمهم وغضبهم، قرر أن ينصرف وهو يشعر بالرفض ويكاد يبكى ويتحسر على عشرة العمر، مما يشير إلى الحاجة إلى مثل هذه الموافقة بشكل أو بآخر، هى حاجة إنسانية أساسية لا يستغنى عنها أى بشر مهما نال من تقدير عام أو خاص، رسمى أو شعبى.

العلاقة بين المرأة التى رشحها صاحبنا للفوز بالجائزة الأدبية، وبين المرأة التى فى المصعد غير واضحة. الراوى دافع عن الأولى برغم سطحيتها وما يشاع عنها، وتحمل فى سبيل ذلك نظراتهم وغضبهم برغم عشرة العمر، امرأة المصعد بدت لى أنها هى هى امرأة الجائزة وقد ظهرت على حقيقتها، مسترجلة مقتحمة.

هو (الراوى من عمق آخر) أيضا يبدو أنه تعرّى أمام نفسه، وربما اكتشف أن الثلة التى اعترضت على رأيه قد التقطت صفقة لا شعورية كانت تجرى داخله دون أن يدرى (نحن لم نعد نتكلم عن محفوظ الحقيقى، بل عن الراوى الذى تقمصه فى الحلم)، المرأة لا توافق على عرض الصداقة الغامض، فنتصور أنه الإباء والحذر، وهى حين تعلن سخريتها من الصداقة بحثا عن قواعد أخرى للعلاقات بين البشر، ربما يخطر لنا أنها تشير إلى مستوى من العلاقات أكثر صدقا وعمقا ومسئولية، لكننا نفاجأ بأنها تمارس معاملة بين البشر من نوع آخر، وهى الاقتحام (الذى ننكره –ظلماً- على المرأة)، والسلب قسراً (السرقة بالاكراه).

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد،  بل تواصل القهر والإرهاب وهى تأمره بالخروج أمامها من المصعد، ولم يكن ناقصا إلا أن يرفع ذراعيه إلى أعلى مستسلماً.

ها هو يستسلم فعلا لمصيره هذا ويمضى فى سرداب الظلام.

هذا الحلم- هكذا- ينبهنا إلى حقيقة هامة فى تسلسل حركية الإبداع، قد تغيب عن كثير من النقاد: إنه مهما كانت بدايات الإبداع مستثارة من واقع ما، كلمةٍ ما، مناقشةٍ ما، حادثٍ وقع للمبدع، أو وقع أمام المبدع، أو حُكِىَ له، وأيضاً مهما كانت البداية مستثارة من شعور عابر عاشه المبدع، أو انتبه إليه فاستثمره – كبداية – فإن تواصل عملية الإبداع لا يعنى، ولا يلزم أن يظل الشخص المثير لحركية الإبداع هو هو، يترتب على ذلك أن نفس الشخص قد يكون جمّاع عدة أشخاص فى تلاحق غير خطىّ، فيبدأ – كما هنا – بالاعتداد بالاختلاف فى الرأى ضد أغلب الرأى السائد، ثم ينقلب إلى شخص محتج غاضب منسحب، ثم ينقلب إلى شخص ثالث يبزغ من داخله أو يحل محله وهو الشخص الذى يرجو أن يعقد صفقة آمِلة من وراء ذاته الظاهرة، وكأنه محكِّم من الذين يتعاملون مع النقد والجوائز من خلال الصفقات، إعلان فشل صفقة هذا الأخير مع امرأة المصعد يبين كيف أنه لم يََعُدْ هو هو الذى بدأ بإعلان الاختلاف والتمسك والرأى

وأخيرا، فلعلنا نلاحظ كيف أن الجزاء كان قاسيا، فالصداقة رُفضت، والإذلال تمّ، والاذعان عرّى، والطرد أهانْ. كل ذلك على افتراض أن هذا الشخص الذى خسر كل شئ ليس هو هو البادى، حتى لو كان الأخير نابعاً من داخل داخله كجزء من الطبيعة البشرية التى علينا أن نعترف بها لنسيطر عليها ونروضها ونحن نحركها فى اتجاه التآلف بها، حتى لا نضطر أن نتعامل معها بالمبالغة فى الإنكار أو المحو أو ادعاء عكسها.

* * *

الحلم (30)

هذا‏ ‏بيتنا‏ ‏بالعباسية‏، ‏أدخل‏ ‏الصالة‏ ‏أمى ‏تذهب‏ ‏إلى ‏المدخل‏ ‏وأختى ‏تجئ‏ ‏فتقف‏ ‏لحظات‏ ‏ثم‏ ‏تلحق‏ ‏بأمها‏، ‏لم‏ ‏نتبادل‏ ‏السلام‏ ‏ولكنى ‏أعلنت‏ ‏عن‏ ‏جوعى ‏الشديد‏ ‏بصوت‏ ‏مسموع،‏ ‏لم‏ ‏يرد‏ ‏أحد‏ ‏فكررت‏ ‏الطلب‏ ‏وسمعت‏ ‏أصواتاً‏ ‏فى ‏الحجرة‏ ‏المطلة‏ ‏على ‏الحقل‏ ‏فذهبت‏ ‏إليها‏ ‏فوجدت‏ ‏أخى ‏الأكبر‏ ‏يجلس‏ ‏صامتا‏ًً ‏ويتربع‏ ‏أمامه‏ ‏على ‏الكنبة‏ ‏شيخ‏ ‏الأزهر،‏ ‏وقال‏ ‏الشيخ‏ ‏كلاما‏ًً ‏جميلاً،‏ ‏ولما‏ ‏انتهى ‏قلت‏ ‏له‏ ‏أنى ‏جائع‏ ‏فقال‏ ‏لى ‏أن‏ ‏أحدا‏ ‏لم‏ ‏يقدم‏ ‏له‏ ‏القهوة‏ ‏ولا‏ ‏حتى ‏قدح‏ ‏ماء،‏ ‏فغادرت‏ ‏الحجرة‏ ‏وقلت‏ ‏بصوت‏ ‏تسمعه‏ ‏أمى ‏وأختى ‏أن‏ ‏يقدما‏ ‏القهوة‏ ‏لفضيلة‏ ‏الشيخ‏ ‏وأن‏ ‏يحضرا‏ ‏لى ‏طعاما‏ ‏ولو‏ ‏قطعة‏ ‏خبز‏ ‏وجبنة‏ ‏ـ‏ ‏ولم‏ ‏أتلق‏ ‏إلا‏ ‏الصمت‏ ‏غير‏ ‏أنى ‏سمعت‏ ‏حركة‏ ‏فى ‏الحجرة‏ ‏المطلة‏ ‏على ‏الفناء‏ ‏فأسرعت‏ ‏إليها‏ ‏وذكرت‏ ‏أنها‏ ‏حجرتى ‏وفيها‏ ‏الفونوغراف‏ ‏والأسطوانات‏ ‏التى ‏أحببتها‏ ‏فوجدت‏ ‏بنت‏ ‏الجيران‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏تزورنى ‏لتستعير‏ ‏بعض‏ ‏اسطوانات‏ ‏سيد‏ ‏دوريش‏ ‏خصوصا‏ًً ‏اسطوانة‏ “‏أنا‏ ‏عشقت”‏ ‏وكانت‏ ‏تبحث‏ ‏عن‏ ‏إبرة‏ ‏لتسمع‏ ‏أسطوانة‏ ‏فقلت‏ ‏لها‏ ‏إنى ‏جائع‏، ‏فقالت‏ ‏لى ‏أنها‏ ‏جائعة‏ ‏أيضا‏. ‏وغلبنى ‏الجوع‏ ‏فغادرت‏ ‏الحجرة‏ ‏وصحت‏ ‏طالبا‏ ‏لقمة،‏ ‏ولما‏ ‏لم‏ ‏أجد‏ ‏أى ‏شئ‏، ‏غادرت‏ ‏البيت‏ ‏وقد حل المساء‏، ‏يظل‏ ‏الطريق‏ ‏خال‏ ‏وخفت‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏المحال‏ ‏قد‏ ‏أغلقت‏ ‏ولكنى ‏اتجهت‏ ‏نحو‏ ‏المخبز‏ ‏منهوك‏ ‏القوى ‏من‏ ‏الجوع‏ ‏وثمة‏ ‏أمل‏ ‏يراودنى‏.‏

 القراءة:

هذا الحلم يتكلم عن الجوع، وهو جوع متعدد التجليات، شامل للجميع: هو جوع إلى “الآخر” إلى الشوفان، إلى “الاعتراف” إلى التناغم الامتداد مع كون أعظم، وباختصار إلى الحياة، فهو فى عمقه “الجوع دون تحديد”.

كل مظاهر الجوع –فى الحلم – من كل الأطراف وبكل الأنواع، ليست إلا ترجمة لجوع أساسى يعبر عنه الراوى بما تيسر حسب الحال والمقام.

بدأ الراوى بإعلان جوعه لأمه وأخته بلهفة شغلته حتى عن أن يتبادل معهما السلام.

ثم انتقل من محيط الأسرة الحميمة (الأم والأخت) إلى وصلة مع آخرين خارج نطاقها، هذه الوصلة كادت تمثل الجوع إلى التجاوز إلى ما بعد الناس الأقربين، فإن لم يرتوِ من الأسرة فليرتوِ من كلام شيخ الأزهر الجميل.

لكن الشيخ نفسه كان جائعا وعبر عن ذلك برقة بطريقة غير مباشرة بأن نبه إلى عدم تقديم القهوة، فينتهزها الراوى ليطلب لنفسه ولو قطعة خبز وجبن.

ثم يتحرك جوع من نوع آخر، حين تنتقل الحاجة من داخل الأسرة ورمز الدين، إلى الأمل فى التواصل، التعاطف مع “الآخر” (الأخرى) فى الحب “أنا عشقت”،

 تحضير بنت الجيران إلى داخل الحجرة يبدو وكأنه وعْد بالاستجابة للجوع الجديد،

 لكن الفتاة بدورها جائعة، وكأن جوع كل منهما لا يمكن أن يروى جوع الآخر، إذا ما ألح كل منهما بجوعه معاً فى نفس اللحظة.

 البيت (الأهل والزوار، الشيخ، والفتاة) بكل من فيه لم يرو جوعه، فلينطلق إلى خارجه، إلى الشارع إلى الناس، لكن الطريق خال (من الناس)، ومازال الجوع ملحاً، فليحتفظ بالأمل فى أن يشبع من مصدر عام، من مخبزٍ ما، لا يعرفه، وهو ليس متأكدا من أنه سيجد فيه ما يشبعه.

ثم هى النهاية المفتوحة كالعادة.

…….

قبل أن أغلق ملف الجوع فى هذا الحلم خطرت ببالى صورة جريتا جاربو، التى ظهرت فى حلم (9) حين تحولت الأخت فيه إلى جريتا جاربو، وحين طلب الراوى من أخته أن يستعيدا المعجزة رفضت، بسبب الأم، التى “تدرى كل شئ”.

هل يسمح هذا الربط أن نلتقط بداية الحلم خاصة أن المكان هو “بيتنا بالعباسية”، نلتقط إشارة إلى أن هذا هو “الجوع الأساسى” قبل أن يتميز.

بدأ الحلم هنا بالأم والأخت أيضا، وفى حين أنه لم يفرق هناك (حلم 9) بين الممنوع والمسموح، ربما لأنه لم يكن قد تعلم بعد ما يسمى “القواعد النحوية للأسرة””Grammar of the family“نجده هنا يبدأ مستثاراً من الأم والأخت حاضرتين لمجرد تحريك الجوع، لكنه ومن البداية يتوجه بعيدا عنهما، ويظل جوعاً متنوع التجليات، دائم البحث طلبا للارتواء ليس بالجنس تحديدا، بقدر ما هو الجوع الأساسى من أول الجوع الحسى إلى لقمةٍ وجبن، مرورا بالمعرفة إلى عموم الناس.

* * *

حلم‏ (31)

أمتطى ‏حماراً‏ ‏يسير‏ ‏بى ‏وسط‏ ‏الحقول‏ ‏خطوات‏ ‏رتيبة‏ ‏وأنا‏ ‏خال‏ ‏من‏ ‏المشاعر‏ ‏تحت‏ ‏أشعة‏ ‏شمس‏ ‏الخريف‏ ‏وترامى ‏إلينا‏ ‏نباح‏ ‏كلب‏ ‏فتوقف‏ ‏الحمار‏ ‏فنخسته‏ ‏بكعبى ‏فعاد‏ ‏إلى ‏السير‏ ‏ويعود‏ ‏النباح‏ ‏ ‏فأحدد‏ ‏بصرى ‏لأرى ‏الرجل‏ ‏الذى ‏أقصده‏. ‏وظهرت‏ ‏امرأة‏ ‏محاطة‏ ‏بالعديد‏ ‏من‏ ‏الكلاب‏ ‏فهتفت‏ْْ ‏فيها‏ ‏لتكف‏ ‏عن‏ ‏النباح‏ ‏فأذعنت‏ ‏لها‏، ‏فسلمتُ، ‏وقلت‏ ‏إنى ‏قادم‏ ‏لمقابلة‏ ‏الشيخ‏ ‏بناء‏ ‏على ‏خطابين‏ ‏متبادلين‏. ‏قالت‏ ‏المرأة‏ ‏إنها‏ ‏صاحبة‏ ‏الأمر‏ ‏الأخير‏ ‏وأنها‏ ‏تستطيع‏ ‏أن‏ ‏تقدم‏ ‏الخدمات‏ ‏المطلوبة‏ ‏كما‏ ‏تستطيع‏ ‏أن‏ ‏تفنى ‏من‏ ‏تشاء‏ ‏إن‏ ‏حرضت‏ ‏عليه‏ ‏الكلاب‏.‏

فقلت‏ ‏إننى ‏جئت‏ ‏للسلام‏ ‏لا‏ ‏للحرب‏ ‏وإنى ‏أريد‏ ‏عملا‏ًً. ‏وأشارت‏ ‏إلى ‏فنزلت‏ ‏عن‏ ‏ظهر‏ ‏الحمار‏ ‏ووقفت‏ ‏أمامها‏ ‏فى ‏خشوع‏ ‏وسارت‏ ‏وتبعتها‏ ‏ومن‏ ‏خلفى ‏الحمار‏ ‏تحيط‏ ‏بنا‏ ‏الكلاب‏ ‏ووقفت‏ ‏أمام‏ ‏مبنى ‏صغير‏ ‏فتوقف‏ ‏الركب‏ ‏كله‏ ‏وأمرتنى ‏بالدخول‏ ‏فدخلت‏ ‏وقالت‏ ‏لى ‏أن‏ ‏أنتظر‏ ‏فى ‏الداخل‏ ‏وحذرتنى ‏من‏ ‏الخروج‏ ‏إلى ‏الكلاب‏ ‏التى ‏لا‏ ‏ترحم‏ ‏فسألتها‏ ‏حتى ‏متى ‏ألبى. ‏وماذا‏ ‏عن‏ ‏العمل‏. ‏وأن‏ ‏الشيخ‏ ‏وعدنى ‏خيراً‏ ‏ولكنها‏ ‏لم‏ ‏تحفل‏ ‏بكلامى ‏وامتطت‏ ‏الحمار‏ ‏وذهبت‏ ‏تاركة‏ ‏الكلاب‏ ‏حول‏ ‏المبنى. ‏وكانت‏ ‏ترسل‏ ‏إلى ‏باحتياجاتى ‏مع‏ ‏رجال‏ ‏أشداء‏ ‏ولكنهم‏ ‏لا‏ ‏ينبسون‏ ‏بكلمة‏ ‏وأفكر‏ ‏أحيانا‏ ‏فى ‏الدخول‏ ‏مع‏ ‏الكلاب‏ ‏فى ‏معركة‏ ‏حياة‏ ‏أو‏ ‏موت‏. ‏ولكن‏ ‏يتغلب‏ ‏الأمل‏ ‏فأنتظر‏.‏

القراءة:

لأول مرة يظهر الحمار فى أحلام النقاهة، (وهو نادرا ما يظهر فى أعمال محفوظ عامة).

نجيب محفوظ قاهرى حتى النخاع،

لم أشاهد مسلسل حكاية بلا بداية ولا نهاية، ولكنهم حكوا لى أنه انقلبت بعض أحداثه لتدور فى الريف المصرى، وحين أخبروا الأستاذ عن ذلك ضحك ضحكته الجليلة، ولم يعقب.

الحمار الذى ظهر هنا لم أستطع أن أتبين دلالته، تذكرت للتو أن الحمير والكارو فى القاهرة كانت وسائل مواصلات ونقل حيث نشأ محفوظ وعاش ردحاً من عمره، ظهور الحمار هنا سواء كان قاهريا أو منوفياًّ، وصلنى منه – بعد الانتهاء من قراءة الحلم عدة مرات- دلالات رفضتُ أن أثبتها إلا بالإشارة من بعيد، من بينها الصبر، والبطء، والتحمل، واحتمال المهانة بغير وجه حق، والحكمة حين يستنطقه توفيق الحكيم وغيره، ثم اتهامه ظلماً بالغباء، ولم أجدنى متحمسا لأى منها، ولا رافضاً لأى منها.

الخطوات رتيبة هادئة لكن المشاعر غائبة، الأقرب أن المشاعر غابت لغموض الموقف، وخطر التوجه، وطول الصبر، وألعاب التأجيل والتسويف.

 هل المرأة هى جولدا مائير أو كونداليزا رايس، أحسب أنها الأولى، وبرغم أنه هو الذى ذهب بحماره إليها، صابرا وهو يخلى نفسه من مشاعر قد تعوق رحلته، برغم ذلك لم تعطه المرأة الأمان، بل تنكرت للاتصالات السابقة، وأفهمته أن الأمر كله بيدها هى، مدعومة بكلابها المفترسة.

أعلن نيته بوضوح وهو يكتم ألمه، السلام لا الحرب، حتى ولو أدى الأمر إلى أن يكون تابعا، عاملا عندها، أو عند من تشاء، لكنه برغم “خشوعه”، وتبعيته، لم يجد العمل الموعود لا عندها، ولا بأمرها، وأصبح انتظاره بالداخل هو السجن ذاته، وانتزعت منه حتى وسيلة الرجوع (أو التراجع) لأنها “امتطت الحمار وذهبت”.

لم تحفل المرأة بوعد الشيخ، سواء كان كسينجر أو بوش، أو كل من يعد كذبا بما لا يملك، أما الكلاب الجاهزة للحرب والإفناء فهى تتربص بالخارج طول الوقت. وهى تنتظر إشارة منها مع أنه جاء للسلام مطيعا يطلب العمل بعد أن صدّق وعود الشيخ.

فهو سجينٌ داخل قراره، طريق اللاعودة.

ها هو الفتات يُلقى إليه بواسطة رجال أشداء لا ينبسون بكلمة، وهل عاد ثّمّ مجال للكلام؟ والكلاب تتحلق حول محبسه جاهزة للانقضاض والافتراس.

أعزلٌ، معوق، غير مسموح له إلا بالتفكير – أحيانا – فى معركة حياة أو موت، مع الكلاب!

يتغلب الأمل،

أى أمل وهو فى هذا الموقف؟

فينتظر،

ماذا ينتظر؟

 إلى متى؟

برغم موقف محفوظ الواقعى المتألم المعلن وهو يقبل السلام واقعا مرّا لنبدأ من حيث نحن، إلا أن هذا الحلم يجعلنا نتساءل:

 هل كان داخل داخله يرى عمق الموقف الحقيقى الأكثر إيلاما بهذا الوضوح، فيكْمن حتى يظهر هكذا فى هذا الحلم الابداع، بعد طول هذه السنين؟

جائز!

وجائزٌ: لا!!!

* * *

حلم‏ (32)

حدثنى ‏الزميل‏ ‏القديم‏ ‏إنه‏ ‏ذاهب‏ ‏للعمل‏ ‏فى ‏اليمن‏ ‏وقال‏ ‏لى ‏إن‏ ‏ثمة‏ ‏كلاما‏ ‏يدور‏ ‏حول‏ ‏دعوتى ‏للعمل‏ ‏فى ‏اليمن‏ ‏وحثنى ‏على ‏القبول‏ ‏فوعدت‏ ‏بالتفكير‏ ‏فى ‏الموضوع‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏أبدى ‏أى ‏حماس‏ ‏له‏. ‏وفى ‏البيت‏ ‏الذى ‏أعيش‏ ‏فيه‏ ‏وحيداً‏ ‏مع‏ ‏كلبتى ‏فكرت‏ ‏فى ‏الأمر‏ ‏على ‏غير‏ ‏المتوقع‏. ‏وشجعنى ‏على ‏ذلك‏ ‏نفورى ‏من‏ ‏كلبتى ‏الذى ‏تولّد‏ ‏منذ‏ ‏أخذ‏ ‏وجهها‏ ‏يتغير‏ ‏ويتخذ‏ ‏صورة‏ ‏وجه‏ ‏إنسان‏. ‏كانت‏ ‏وهى ‏كلبة‏ ‏خالصة‏ ‏جذابة‏ ‏ومسلية‏ ‏أما‏ ‏بعد‏ ‏التغيير‏ ‏المذهل‏ ‏فلم‏ ‏تعد‏ ‏كلبة‏ ‏ولا‏ ‏بلغت‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏إنسانا‏ًً، ‏وسرعان‏ ‏ما‏ ‏أجد‏ ‏نفسى ‏فى ‏حجرة‏ ‏مكتبى ‏فى ‏اليمن‏ ‏وسكرتيرى ‏الخاص‏ ‏واقف‏ ‏بين‏ ‏يدى، ‏وكانت‏ ‏الحرارة‏ ‏شديدة‏، ‏فسألت‏ ‏السكرتير‏ ‏عن‏ ‏حال‏ ‏الجو‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏البلد‏ ‏فقال‏ ‏لى ‏إنه‏ ‏دافئ‏ ‏شتاء‏ ‏وشديد‏ ‏الحرارة‏ ‏بقية‏ ‏فصول‏ ‏السنة‏ ‏ولكن‏ ‏المبنى ‏مرتفع‏ ‏جدا‏ًً ‏وكلما‏ ‏ارتفع‏ ‏تحسن‏ ‏الجو‏ ‏وأنه‏ ‏ما‏ ‏على ‏كلما‏ ‏ضقت‏ ‏بالجو إلا‏ ‏أن‏ ‏أكتب‏ ‏التماسا‏ًً ‏للمدير‏ ‏للنقل‏ ‏إلى ‏طابق‏ ‏أعلى. ‏سررت‏ ‏بعد‏ ‏اكتئاب‏ ‏وقمت‏ ‏إلى ‏النافذة‏ ‏ونظرت‏ ‏إلى ‏أعلى ‏فرأيت‏ ‏المبنى ‏عظيم‏ ‏الارتفاع‏ ‏حتى ‏خيل‏ ‏إلى ‏أنه‏ ‏يلامس‏ ‏السماء‏.‏

ورأيت‏ ‏رؤوسا‏ ‏تطل‏ ‏من‏ ‏النوافذ‏ ‏العالية‏ ‏فارتعش‏ ‏قلبى ‏لرؤيتها‏ ‏إذ‏ ‏رأيت‏ ‏فيها‏ ‏وجوه ‏أحبة‏ ‏الزمان‏ ‏الأول‏. ‏سررت‏ ‏سرورا‏ًً ‏لا‏ ‏مزيد‏ ‏عليه‏ ‏وحمدت‏ ‏الله‏ ‏على ‏قبولى ‏الدعوة‏ ‏للعمل‏ ‏فى ‏اليمن‏ ‏السعيد‏.‏

القراءة:

اليمن هنا ليس بلداً، هو اليمن السعيد.

نجيب محفوظ لم يسافر فى حياته، على ما أذكر، إلا إلى اليمن وأظن إلى يوغسلافيا، ثم للعملية الجراحية فى الشريان الأورطى فى المملكة المتحدة.

 الدعوة هنا هى إلى الأمل/الحلم السعيد المتطاولة بنيانه حتى تلامس السماء،

 هى نزوع فرار من هذه الدنيا المعتوهة بعد أن رقص إنسانها على السلم، فلا هو ظل حيوانا خالصا مروَّضاً (جذاباً، ومسليا)، ولا هو أكمل مسيرته إلى بشرية تليق بإنسانيته “لم تعد كلبة ولا بلغت أن تكون إنساناً”.

هذا المسخ المعاصر الشبيه بالإنسان البشع أصبح منفّراً وطارداً، وباعثاً للفرار من هذه الحياة المشوهة البشعة الخالية من الحياة.

 الحرارة الشديدة فى الصيف لم تصلنى منها ريح جهنم،

الأمل فى الارتفاع دورا بعد دور حتى يلامس السماء، وصلنى باعتباره هربا آمِلاً، إلى الفوق.

كان عليه كلما ضاق به الحال أن يقدم التماساً للتصعيد، ليتحقق حلمه الهروبى، الآمِل، بسرور لا مزيد عليه، إذْ سيلتقى فى النهاية بأحبة الزمان الأول.

فهو فى اليمن السعيد،

 ها هو يتخلص من الحياة المسخ التى تركها وراءه، ومن الحر المتربص صيفا، ومن الملل، إذْ يترقى بالتدريج صعودًا حتى يلتقى بهم “هناك”.

تحت رحمته وفى رحابه،

فى جنة اليمن السعيد.

لكن:

هل هذا هو الحل؟

الحلول ليست مهمة المبدع على أية حال!

* * *

الحلم (33)

ماذا‏ ‏حل‏ ‏بالشارع‏ ‏بل‏ ‏بالحى ‏كله؟‏.. ‏على ‏ذاك‏ ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏أتوقع‏ ‏خيرا‏ ‏فيما‏ ‏أرى‏.‏

الحى ‏كله‏ ‏كأنما‏ ‏هرم‏ ‏به‏ ‏العمر‏ ‏فذهب‏ ‏رونقه‏ ‏وتناثرت‏ ‏القمامة‏ ‏هنا‏ ‏وهناك‏ ‏وصادفنى ‏أحد‏ ‏العاملين‏ ‏فسألته‏:‏

‏- ‏ماذا‏ ‏جرى؟

فأجاب‏ ‏وهو‏ ‏يبتسم‏:‏

‏- ‏البقاء‏ ‏لله‏ ‏وحده‏، ‏وسبحان‏ ‏مغير‏ ‏الأحوال‏.‏

وقصدت‏ ‏مسكن‏ ‏صديقى ‏متوقعاً‏ ‏أن‏ ‏يحيق‏ ‏به‏ ‏ما‏ ‏حاق‏ ‏بالحى ‏كله‏ ‏أو‏ ‏أكثر‏، ‏ولا‏ ‏أنكر‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏وساطتى ‏للحصول‏ ‏على ‏بعض‏ ‏الأدوية‏ ‏الضرورية‏ ‏من‏ ‏الخارج‏ ‏كما‏ ‏كانت‏ ‏مكالمة‏ ‏تليفونية‏ ‏منه‏ ‏تحل‏ ‏أعصى ‏المشكلات‏ ‏فى ‏المصالح‏ ‏الحكومية‏، ‏وجدته‏ ‏كاسف‏ ‏البال‏ ‏لا‏ ‏يأمل‏ ‏خيرا‏ًً ‏فى ‏شئ‏.. ‏فعزيته‏ ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏إنه‏ ‏صاحب‏ ‏مهنة‏ ‏على ‏أى ‏حال‏.‏

فقال‏ ‏متهكما‏ًً:‏

‏- ‏ستثبت‏ ‏لك‏ ‏الأيام‏ ‏أننا‏ ‏لسنا‏ ‏أسوأ‏ ‏من‏ ‏غيرنا‏.‏

وساءلت‏ ‏نفسى ‏ترى ‏هل‏ ‏يوجد‏ ‏حقا‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏أسوأ‏، ‏وسرعان‏ ‏ما‏ ‏حضر‏ ‏نفر‏ ‏من‏ ‏الشبان‏ ‏والشابات‏، ‏ومع‏ ‏كل‏ًٍّ ‏حقيبته‏ ‏ملأها‏ ‏بأشيائه‏ ‏المودعة‏ ‏فى ‏الشقة‏ ‏مثل‏ ‏البيجامات‏ ‏والملابس‏ ‏الداخلية‏ ‏والقمصان‏ ‏النسائية‏ ‏الفاتنة‏ ‏وداهنة‏ ‏وروائح‏ ‏عطرية‏.‏

وحمل‏ ‏كل‏ ‏حقيبته‏ ‏وذهب‏.. ‏نطق‏ ‏كل‏ ‏شئ‏ ‏بما‏ ‏كانت‏ ‏تؤديه‏ ‏شقته‏ ‏من‏ ‏خدمات‏ ‏كما‏ ‏فطن‏ بتدهوره‏.. ‏وتساءلت‏ ‏فى ‏نفسى.. ‏ترى ‏هل‏ ‏كان‏ ‏ينعم‏ ‏بالفخر،‏ ‏أو‏ ‏أنه‏ ‏تجرع‏ ‏المذلة‏ ‏والقهر‏؟

القراءة:

هل هى مصر مرة أخرى؟

هل شاخت مصر حتى هجرها أبناؤها؟

وحتى الأدوية (قارن حلم 22) يحضرها صديق من الخارج (هل هى توصيات البنك الدولى)؟

المحادثة مع الصديق نفسها فيها شىء يحتاج وقفة، فالصديق صاحب مهنة، وهو أيضا يحسن الاتصال بالجهات الحكومية ويعرف طريق التسهيلات والتشهيلات، وفى نفس الوقت هو يائس ساخر، (ستثبت لك الأيام أننا لسنا أسوأ من غيرنا) فمن يا ترى يمكن أن يحتفظ بالأمل إذن؟

تكتمل الصورة الميئسة بهجرة جماعية ومِنْ مَنْ؟ من الشباب والشابات، أمل المستقبل.

أعرف أن نجيب محفوظ متفائل بعناد ليس له حد،  فهل كان ذلك فى وعيه الظاهر فقط؟ هل تغطية الأمور بهذه القشرة السمحة المتفائلة هى التى تسمح لإبداعه أن يقول ما هو أرسخ وأكثر إيلاما، لأنه الأقرب إلى الواقع؟ (قارن حلم 31 وموقفه المعلن من السلام مقابل موقفه الأعمق فى الحلم).

ثم ماذا يعنى هذا التساؤل الأخير؟ هل هو كسر لحاجز الزمن فيتكلم عن المستقبل بصيغة الماضى؟ وصلنى أنه بعد الوداع الهادئ والذكرى الطيبة المؤلمة (أذكروا محاسن من هرم منكم، وأيضا مرضاكم، وربما بعد قليل : موتاكم) بعد أن يتذكر كل واحد ما أدته له شقته من خدمات، لم تمنع تدهوره (كما فطنِ بتدهوره).

هذه الهجرة الجماعية إلى المجهول، هل ستنتهى بالفخر إذْ تحقق الآمال، أم أنها المذلة والهوان؟.

لكنه صاغها كأنها ماضٍ حدث: (فطِن كل منهم بتدهوره)، فما هى نتيجة هذه القصة؟ تركها محفوظ مفتوحة:

هل كان ينعم بالفخر؟ أو تجرع المذلة والهوان؟

حاولت أن أتصور أنه يعنى الماضى، وأن كل واحد من هؤلاء الشبان عاش فى شقته (وطنه) محباً، وهو يأمل أن يفخر بانتمائه له، وهو ما يفسر الذكرى الطيبة، لكنه للأسف لم ينل منه إلا المذلة والقهر، فجمع أشياءه ورحل. لكنه رحل وهو أيضا لا يعرف إجابة لنفس السؤال، هل ما ينتظره هناك هو مدعاة للفخر أم مجلبة لنوع آخر من المذلة والهوان؟

هل يصل تكثيف الإبداع أن يقرر زمن الماضى وهو يعنى الإشارة إلى المستقبل؟

فى رأيى أن إبداع محفوظ يقدر على ذلك.

* * *

الحلم‏ (34)

عند‏ ‏منعطف‏ ‏من‏ ‏منعطفات‏ ‏الحارة‏، ‏رأيت‏ ‏أمامى ‏الصديقين‏ ‏الشقيقين‏ ‏اللذين‏ ‏طال‏ ‏غيابهما‏ ‏وأحزننى ‏غاية‏ ‏الحزن‏، ‏وبهتنا‏ ‏ثم‏ ‏فتحت‏ ‏الأذرع‏ ‏وكان‏ ‏العناق‏ ‏الحار‏، ‏وتذاكرنا‏ ‏الأحزان و‏‏الأفراح‏ ‏والليالى ‏الملاح‏،  ‏وطلبا‏ ‏منى ‏زيارة‏ ‏سكنى ‏فمضيت‏ ‏بهما ‏إليه‏ ‏على ‏بعد‏ ‏أمتار‏، ‏وتفحصاه‏ ‏حجرة‏ ‏بعد‏ ‏حجرة‏ ‏وضحكا‏ ‏طويلا‏ًً ‏كعادتهما‏ ‏ثم‏ ‏أعربا‏ ‏عن‏ ‏أسفهما‏ ‏لبساطة‏ ‏المأوى، ‏ثم‏ ‏سخرا‏ ‏منى ‏بلسانيهما‏ ‏اللاذعين‏ ‏الجذابين‏. ‏وسألانى ‏عن‏ ‏عملى ‏الذى ‏أعيش‏ ‏منه‏، ‏فأجبت‏ ‏بأننى ‏عازف‏ ‏رباب‏ ‏وأتغنى ‏بعذابات‏ ‏الحياة‏ ‏وغدر‏ ‏الدهر‏، ‏وعزفت‏ ‏لهما‏ ‏وغنيت‏ ‏فقالا‏ ‏إنها‏ ‏حياة‏ ‏أشبه‏ ‏بالتسول‏ ‏ولذلك‏ ‏فهما‏ ‏لا‏ ‏يدهشان‏ ‏لما‏ ‏يبدو‏ ‏فى ‏وجهى ‏من‏ ‏آثار‏ ‏الضعف‏ ‏والبؤس‏ ‏وقالا‏ ‏لى ‏أنهما‏ ‏بحثا‏ ‏عنى ‏طويلا‏ ‏حتى ‏عثرا‏ ‏على، ‏وتبين‏ ‏لهما‏ ‏أن‏ ‏قلقهما‏ ‏على ‏كان‏ ‏فى ‏محله‏ ‏وأنهما‏ ‏يبشرانى‏ ‏بالفرج‏.. ‏حمدت‏ ‏الله‏ ‏على ‏ذلك‏ ‏ولكن‏ ‏ما‏ ‏الذى ‏يبشراننى ‏به‏ ‏قالا‏ ‏ستهاجر‏ ‏معنا‏ ‏إلى ‏المكان‏ ‏الجميل‏ ‏والرزق‏ ‏الوفير‏، ‏فسألت‏ ‏كيف‏ ‏يتيسر‏ ‏لى ‏ذلك‏ ‏فقالا‏ ‏إنهما‏ – ‏كما‏ ‏أعلم‏ – ‏يمتان‏ ‏بصلة‏ ‏لأصحاب‏ ‏النفوذ‏ ‏ولا‏ ‏خير‏ ‏يجئ‏ ‏إلا‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏أصحاب‏ ‏النفوذ‏.‏

وتأبطا‏ ‏ذراعى ‏وسارا‏ ‏بى ‏إلى ‏الخارج‏، ‏حتى ‏بلغنا‏ ‏أحد‏ ‏الرجال‏ ‏العظام‏ ‏شكلا‏ًً ‏وموضوعا‏ًً، ‏واستمع‏ ‏للحكاية‏ ‏بوجه‏ ‏محايد‏، ‏وقال‏ ‏لى ‏إن‏ ‏الهجرة‏ ‏تحتاج‏ ‏لهمة‏ ‏عالية‏ ‏وصبر طويل‏، ‏فوعدنى ‏خيرا‏ًً ‏وقال‏ ‏الصديقان‏، ‏إنهما‏ ‏يطمئنانى.. ‏فقال‏:‏

‏- ‏انتظرونى ‏عند‏ ‏الجامع‏ ‏على ‏طلوع‏ ‏الفجر‏.‏

القراءة:

هذا هو الحلم الثالث على الأقل الذى يذكر فيه أنه لا حل ولا فرج إلا من خلال أصحاب النفوذ، أو من له نفوذ عند أصحاب النفوذ، (حلم الأدوية الأول (حلم 22) وكذلك (حلم 33: الحلم السابق)، فى هذا الحلم السابق (33) لم تعلن الهجرة بشكل مباشر، لكن الشبان جمعوا أشياءهم وودعوا شققهم الهرمة، وقد فطن كل منهم “إلى تدهوره”، فلم يكن أمامهم إلا أن يغامروا إما إلى الفخر المزعوم، أو الهوان غالبا، لم يقل لنا محفوظ فى الحلم السابق أنهم هاجروا، ولكنه تكلم عن احتمالات الذل والهوان بصيغة الماضى الذى قد يمتد إلى المستقبل. الهجرة هنا فى هذا الحلم كانت صريحة، وبدا أنها هى الحل، وأنها تحتاج – أيضا- إلى همة عالية وصبر طويل (على الهوان غالبا)، والأهم أنها تحتاج إلى توصية وترتيب من “رجل عظيم”، كما أنها جاءت اقتراحا صريحا من أصدقاء قدامى.

وصلنى –أيضا – من نهاية الحلم احتمال أن هجرتهم هى إلى الآخرة! أشفق العائدان على صاحبهما من حياة أشبه بالتسول، ومع ذلك فنحن لم نلاحظ مثل ذلك عليه وهو يعزف على ربابته يتغنى بعذابات الحياة وغدر الدهر، ومع بساطة مسكنه وظاهر عوزه إلا أننا-أيضا- لم نلحظ عليه سخطاً أو يأساً مثل الحلم السابق.

نهاية الحلم أيضا هنا لم تحسم الموقف، فهى تعد وتؤجل، حتى لو كانت بتوصية أحد الرجال العظماء. هى نهاية مفتوحة ربما إلى الآخرة، (انتظرونى عند الجامع على طلوع الفجر)

هل ثم احتمال أن يكون المكان الجميل الذى وعده به الصديقان حيث  الرزق الوفير هو الجنة التى يحلم بها البؤساء؟

فى الحلم السابق (33) لاحت الهجرة أرضية، ربما إلى أوربا أو الخليج، حيث ينتظر المهاجر ما تيسر من الذل والمهانة، (برغم الأمل فى الفخر والاحترام)، لكن الهجرة هنا ارتبطت بالانتظار عند المسجد على طلول الفجر، الأمل يمتد عند البؤساء الراضين الذين يتغنون بعذابات الحياة وغدر الدهر، ولا يقلّبهم إلا تحريك واعد من أصدقاء قدامى قادمين من المجهول، فى انتظار التعويض فى الحياة الآخرة. هل هذا هو فجرهم القادم؟ ربما!.

مرة أخرى، تفاؤل نجيب محفوظ، وضحكته المجلجلة، حتى بعد أن أصابه ما أصابه، يقولان غير ذلك، يقولان عكس ذلك.

هذا الاحتمال الذى طرحناه فى حلم (31) (الحرب والسلام) لو صحّ هناك فقد يصح هنا، وفى الحلم السابق أيضا.

ياه، كيف أخفيتَ عنّا كل هذا الألم، وأيضا كل هذا التشاؤم الذى لا نعرفه عنك يا شيخنا؟

بل ربما يكون التساؤل الأكثر صدقا هو :

كيف أخفيتَ عن نفسك – يا شيخنا- هذه الرؤية الموجعة الصادقة؟

ياه !! ‏

ملحوظة: هل هناك علاقة بين الوعد بالراحة فى هذا المكان الجميل والرزق الوفير، وبين اليمن “السعيد” حيث التصعيد طابقاً بعد طابق حتى يلامس السماء؟.

يجوز!!.

(وقد يتضح الأمر أكثر حين نرجع إلى الدراسة الطولية بعد الانتهاء من هذه الدراسة حلما حلما، لو كان فى العمر بقية).

* * *

الحلم (35)

فى ‏بيت‏ ‏العباسية‏ ‏ونحن‏ ‏نأوى ‏إلى ‏أسرتنا‏ ‏للنوم‏ ‏أيقظنى ‏صوت‏ ‏ابن‏ ‏أخى ‏وهو‏ ‏يصيح‏ ‏حريق‏ ‏فى ‏السقف‏، ‏ونهضت‏ ‏فزعا‏ًً ‏وجاء‏ ‏ابن‏ ‏أخى ‏بالسلم‏ ‏الخشبى ‏وأقمناه‏ ‏فى ‏الصالة‏ ‏وصعد‏ ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏منا‏ ‏على ‏جانب‏ ‏حاملاً‏ ‏ما‏ ‏استطاع‏ ‏حمله‏ ‏من‏ ‏الماء‏ ‏وأخذ‏ ‏يرشه‏ ‏على ‏النار‏ ‏السارية‏ ‏بين‏ ‏الأركان‏ ‏واقتحمت‏ ‏حجرة‏ ‏أختى ‏وأيقظتها‏ ‏من‏ ‏نومها‏ ‏العميق‏ ‏ومن‏ ‏عجب‏ ‏أنها‏ ‏قامت‏ ‏متكاسلة‏ ‏ومتشاكية‏ ‏من‏ ‏أننا‏ ‏لا‏ ‏نتركها‏ ‏أبدا‏ًً ‏تنعم‏ ‏بالنوم‏ ‏وعلى ‏أى ‏حال‏ ‏ساعدتنا‏ ‏بملء‏ ‏الأوعية‏ ‏بالماء‏ ‏حتى ‏سيطرنا‏ ‏على ‏النار‏ ‏وأخمدناها‏. ‏وبدأنا‏ ‏نحقق‏ ‏فى ‏الأمر‏ ‏ولكن‏ ‏رجال‏ ‏المطافئ‏ ‏حضروا‏ ‏على ‏أثر‏ ‏استدعاء‏ ‏الجيران‏ ‏لهم‏ ‏وتأكدوا‏ ‏من‏ ‏خمود‏ ‏النار‏ ‏وفتحوا‏ ‏الشرفات‏ ‏وتفقدوا‏ ‏الأثاث‏ ‏الموجود‏ ‏بها‏ ‏وانتهى ‏الحريق‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏أفحمنا‏ ‏فزعا‏. ‏وعندما‏ ‏جلسنا‏ ‏نستعيد‏ ‏بعض‏ ‏هدوئنا‏ ‏دق‏ ‏جرس‏ ‏التليفون‏ ‏ويلاحظ‏ ‏هنا‏ ‏تداخل‏ ‏الزمان‏ ‏والمكان‏ ‏إذ‏ ‏أن‏ ‏بيت‏ ‏العباسية‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏به‏ ‏تليفون‏ ‏وهكذا‏ ‏أصبحنا‏ ‏فى ‏مسكن‏ ‏آخر‏ ‏مع‏ ‏أناس‏ ‏آخرين‏ ‏دق‏ ‏جرس‏ ‏التليفون‏ ‏وكان‏ ‏المتحدث‏ ‏صاحب‏ ‏العمارة‏ ‏التى ‏أستأجرنا‏ ‏بها‏ ‏شقة‏ ‏فى ‏الإسكندرية‏ ‏ودعانا‏ ‏الرجل‏ ‏إلى ‏الإسكندرية‏ ‏دون‏ ‏ابطاء‏ ‏وأنه‏ ‏شبت‏ ‏النار‏ ‏داخل‏ ‏الشقة‏ ‏وطمأننا‏ ‏أنه‏ ‏استدعى ‏المطافئ‏ ‏فأخمدوا‏ ‏النار‏ ‏ولكن‏ ‏حضورنا‏ ‏ضرورى ‏بطبيعة‏ ‏الحال‏ ‏وفى ‏الحال‏ ‏ارتدينا‏ ‏ملابسنا‏ ‏أنا‏ ‏وزوجتى ‏وأسرعنا‏ ‏إلى ‏محطة‏ ‏الباص‏ ‏الصحرواى ‏وكنا‏ ‏فى ‏غاية‏ ‏الكدر‏ ‏والإنزعاج‏ ‏حتى ‏أننى ‏اقترحت‏ ‏على ‏زوجتى ‏إخلاء‏ ‏الشقة‏ ‏وتسليمها‏ ‏لصاحبها‏ خاصة ‏وأنها‏ ‏تعرضت‏ ‏إلى ‏محاولة‏ ‏سرقة‏ ‏قبل‏ ‏ذلك‏ ‏ولكنها‏ ‏قالت‏ ‏لى ‏انتظر‏ ‏حتى ‏نرى ‏ماذا‏ ‏ضاع‏ ‏منها‏ ‏وماذا‏ ‏بقى.‏

القراءة:

عودة إلى العباسية والاسكندرية معا، وتداخل جديد فى المكان بالذات بين بيتى العباسية والإسكندرية (راجع حلم 24)، وهما موقعان لهما مكانة خاصة عند شيخنا، العباسية بذكرياتها العاطرة الحاضرة، وشقة الإسكندرية القديمة بالمنشية التى سمعته يحكى كيف كان يحمل همّ نظافتها قبل شد الرحال إليها كل صيف، وذلك حين عرضت عليه شراء شقة بجوارى على البحر فى بلاج السراى أبو هيف بثمن متواضع، وبالرغم من اقتناع زوجته الفاضلة بالفكرة، إلا أنه أصر على الرفض، وعلل ذلك بأنه لا يريد حمل همّ نظافتها وصيانتها –أيضا- بما لا يطيق، العباسية هى الأصل، والإسكندرية هى حركة الصيف وتوفيق الحكيم (بترو) والنحاس باشا يتمشى، فينخلع قلبه حبا لرؤيته على الكورنيش…الخ

حرمته الظروف الأخيرة وقبل الأخيرة من روتينه السنوى الرائع بالذهاب إلى الاسكندرية، كما دفعته ظروف الدنيا والقدرة وتغير الأحوالْ إلى الانتقال إلى ما هو أحسن – شكلاً- من شقة العباسية، لكن يظل المكانين هما المكانان ماثلين فى وعيه، مضافة إليهما روائح بصمات القدم، والأصل، والخوف عليهما من مخاطر السرقة والاستيلاء (حلم 24)، أو الدمار (الحريق هنا).

المكان الثانى هنا الذى أعلن تداخل المكان والزمان ليس فى الاسكندرية، كل ما يميزه هو أن به تليفون لم يكن فى العباسية، ويبدو أن هذا المكان يقع فى القاهرة، ليس به حريق ولا ابن أخ ولا أخت، هو مكان هادئ بلا مجتمع حيوى محيط، لم أستشعر فيه رائحة المكان الأول، ولا حتى رائحة الحريق، مكان هادئ بلا حركة ولا نبض للبشر الحقيقيين، صحيح أنه “أحدث” بدليل التليفون، لكن التليفون لا يفيد إلا للتواصل عن بعد، وأى تواصل؟ هذه هى الأخبار السيئة تصل عبر هذا التليفون بالذات، ومن الإسكندرية.

حريق العباسية حضره بنفسه، أما حريق الإسكندرية فقد أبلغ عنه بعد انتهائه، وماذا ينفع الذهاب إليها ليروا ما ضاع وما تبقى، فلتنقطع الصلة بالإسكندرية أيضاً، ومن ثم الاقتراح بإخلاء الشقة، وقفل باب حمل همها، لكن يبدو أن الزوجة تظل تحتفظ بالأمل، أما هو فيبدو أنه يريد أن يتخلص منه (من الأمل) أكثر من رغبته فى التخلص من الشقة.

لا أحد يعرف ماذا تبقى من أى شئ؟ بعد أى شئ؟

ويظل الكدر والانزعاج يعلنان رفض المفاجآت والتعرض للسرقة والدمار من جديد.

لماذا وسط الحلم تماما، يثبت محفوظ بالكلمات أنه “يلاحظُ هنا تداخل الزمان والمكان“؟

رفضت ذلك لأول وهلة، فهذه رؤية لاحقة، من حق الناقد أن يكتشفها ويعلق عليها، كما سبق أن وصلنى فى أحلام (18، 24)، وما قد يأتى بعد، فتساءلت: هل قفزتْ منه آلية الإبداع فأثبتها داخل النص دون قصد؟ لا أعتقد أن مثل هذا يحدث هكذا من مبدع بلغ من سلاسة الطلاقة وإتقان الصنعة ما بلغه هذا العملاق.

هل هو بمثابة إحضار العين المراقِبة للحلم داخل الحلم، مثلما يعلم الحالم وهو يحلم أنه فى حلم؟

ربما.

لكننى أعترف – برغم تحفظى هذا – أن هذه الجملة الدخيلة لم تزعجنى، بل آنستنى بشكل مباشر.

لا أعرف لماذا؟

هذا الحلم يُظهر جانباً آخر من عالم محفوظ الداخلى، يقابل ولا يتناقض مع ظاهره الآمِل المتفائل: التهديد بالحريق فالخراب، والتراجع عن الأمل والإصلاح.

 لكن هذا الداخل هكذا ربما هو هو الذى يزيده إصراراً على مواصلة الإبداع والتنوير، وعلى التمسك بالحياة وقبول التحدى أيا كان المتبقى من واقع هذا الواقع المدمر بلا  توانٍ

ظهور الأخت هنا للمرة الثالثة حتى الآن، كان ظهورا أثار عندى احتمالات غامضة، الأخت برغم انزعاجها من الإيقاظ القسرى الذى فرض عليها، سارعت بالمشاركة فى إخماد الحريق بلا تهاون.

لماذا أظهر محفوظ الأخت بهذه الصورة الناعمة الناعسة المقاومة، لتنتقل الصورة إلى الإسهام الإيجابى الطيب؟

ألهذا علاقة ما بما ذكرناه فى “حلم 9″، و”حلم 30″؟

ربما.

* * *

الحلم‏ (36)

جمعنا‏ ‏بهو‏ ‏ما‏. ‏ثمة‏ ‏وجوه‏ ‏أراها‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏ ‏ووجوه‏ ‏أعرفها‏ ‏جيدا‏ًً ‏من‏ ‏الزملاء‏. ‏وكنا‏ ‏ننتظر‏ ‏إعلان‏ ‏نتيجة‏ ‏يا‏ ‏نصيب‏. ‏وأعلنت‏ ‏النتيجة‏ ‏وكنت‏ ‏الرابح‏ ‏وكانت‏ ‏الجائزة‏ ‏فيلا‏ ‏حديثة‏ ‏وحصل‏ ‏زياط‏ ‏وتعليقات‏ ‏وتهانى. لم‏ ‏تستطع‏ ‏وجوه‏ ‏كثيرة‏ ‏أن‏ ‏تخفى ‏كمدها‏. ‏وقال‏ ‏لى ‏كثيرون‏ ‏إنه‏ ‏فوز‏ ‏ولكنه‏ ‏خازوق‏ ‏من‏ ‏أين‏ ‏لك‏ ‏المال‏ ‏لتأثيثها‏ ‏وتوفير‏ ‏الخدم‏ ‏اللازمين‏ ‏لها‏ ‏واستهلاكات‏ ‏الماء‏ ‏والكهرباء‏ ‏وخدمة‏ ‏حوض‏ ‏السباحة‏ ‏والتكييف‏ ‏الخ‏.‏

الحق‏ ‏أن‏ الحلم ‏ ‏مازال‏ ‏حلما‏ًً ‏وها‏ ‏أنا‏ ‏أتفقد‏ ‏الفيلا‏ ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏تقريبا‏ًً ‏وأرجع‏ ‏بالخيبة‏ ‏والحسرات‏. ‏واستغل‏ ‏أناس‏ ‏قلة‏ ‏خبرتى ‏وأقنعونى ‏ببيعها‏ ‏واشتروها‏ ‏بثمن‏ ‏فرحت‏ ‏به‏ ‏ساعات‏ ‏حتى ‏تبين‏ ‏لى ‏أننى ‏خدعت‏ ‏وسرقت‏.‏

وحدث‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏الوقت‏ ‏أن‏ ‏خلت‏ ‏وظيفة‏ ‏مدير‏ ‏عام‏ ‏وكثر‏ ‏التزاحم‏ ‏حولها‏ ‏والمرشحون‏ ‏وبطاقات‏ ‏ذوى ‏النفوذ‏ ‏وقابلت‏ ‏الوزير‏ ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏إننى ‏لا‏ ‏وسيط‏ ‏لى ‏سواه‏ ‏ولكنه‏ ‏قال‏ ‏لى ‏إنك‏ ‏لم‏ ‏تستطع‏ ‏أن‏ ‏تحافظ‏ ‏على ‏مالك‏ ‏الخاص‏ ‏فكيف‏ أ‏أتمنك‏ ‏على ‏المال‏ ‏العام‏.‏

وصرت‏ ‏نادرة‏ ‏ومثالا‏ًً ‏فطلبت‏ ‏ضم‏ ‏المدة‏ ‏الباقية‏ ‏لى ‏فى ‏الخدمة‏ ‏إلى ‏خدمتى ‏وإحالتى ‏إلى ‏المعاش‏ ‏وأخيرا‏ ‏وجدت‏ ‏الطمأنينة‏ ‏فى ‏موضع‏ ‏لا‏ ‏يتطلع‏ ‏إليه‏ ‏طماع‏ ‏ولا‏ ‏ينظر‏ ‏إليه‏ ‏ذوو‏ ‏الطموح‏.‏

القراءة:

البهو هنا يجمع الغائب بالحاضر، الجديد بالقديم، (قارن استعمال البهو المترامى الأركان المتعدد الأبواب حلم 4) هو مهبط الحظ ورضا القدر، هذه المرة لم تكن مكسبا فى مائدة المقامرة، حلم (28) ولكنه كان حظا صِرْفاً.

بدا لى أن هذا الفوز “الخازوق” هو الحياة ذاتها، من لا يستطيع أن يملأها بما تستأهلها، من يفرط فيها قبل أن يبدأها، سوف تنزع منه وكأنه لم يدخلها.

لا أحد يعيش ليحقق ما يريد قبل أن يعيش أصلاً.

لا أحد يحصل على ما يريد إلا بعد أن “يوجد هو”.

إذا كان هو قد فرط فى حياته، فعجز أن يرعاها بحقها، ويعمّرها بما يلزمها فهو ليس أهلاً لها، وليس جديراً بأن يكون له دور فى حياة الناس.

المال العام هنا يمكن أن يكون دور الواحد منا لناسه: فردا فى مجتمع، أو حتى فردا فى نوع.

الانتهاء وبهذه الطمأنينة فى موضع لا يتطلع إليه طماع ولا ينظر إليه ذوو الطموح”، وصلنى على أنه القبر.

ها هو يعلن نهايته انسحاباً من حياة لم تبدأ أصلاً.

لم يقدّرها صاحبها حق قدرها لأنه عجز أن يملأها بحقها، فيكون كائنا يستحقها، حياة لم يستطع أن يعيشها له، فكيف تسهم فى إثراء حياة آخرين.

فانسحب إلى قبر يغرى بالطمأنينة العدم.

“ما عاشَ مَنْ لم يولَدِ”

فى قراءتى حلم (19) كتبت

“لا يكفى أن “توجد“، ولا أن يُسمح لك بالدخول، حتى “تكون” “تفعل“، تُنِجْز، تقوم بدورٍ ما فى الحياة يؤكد وجودك”.

ثم

“إنّ من يتصور منّا أن مجرد الاعتراف بوجوده (الشقة الجميلة، والسماح له بالدخول إلى السوق)، هو مبرر كاف لأن يكون له “دوره”، هو مخدوع، ومن ثَمَّ هو مهدد بالطرد من الوجود”.

وأنهيته قائلا:

“من لا يجد له دور، فعليه أن ينسحب أو يقبل أن يُسحب منه الاعتراف بوجوده

هل ثمة علاقة؟!

كذلك قلت فى قراءتى  حلم (18):

هكذا ضاع العمر دون أن يولد بعد،

هو مازال فى القارب الذى كان الرحم، وهو هو القبر

وأخيرا

حضرنى هذا الشطر حالا، وهو نهاية قصيدة كتبتها بعد زيارتى لأبى سمبل وتأملى وجه رمسيس تتعامدْ عليه الشمس، هذه النهاية تقول:

حَبَكَ‏ ‏الوليدُ‏ ‏دثاره‏: ‏كفَنَا‏،‏

وبلا‏ ‏رثاءٍ‏ ‏وسّدوه‏ ‏لحدَه‏ُ:… ‏مَهْدَا‏.‏

كتبوا‏ ‏عليه‏ ‏بلا‏ ‏دموعْ‏:‏

ما‏ ‏عاشَ‏ ‏مَنْ‏ ‏لَمْ‏ ‏يولدِ‏.

ولكن إليكم القصيدة كلها:

موت‏ ‏الفخر

‏-1-‏

يا‏ ‏جدَّنا‏ ‏المصلوب‏ ‏زهواً‏ ‏يحصدُ‏ ‏الزمنْ‏،‏

قد‏ ‏صار‏ ‏محظوراً‏ ‏علينا‏ ‏ننقشُ‏ ‏القلوب‏ََ

‏فوق‏ ‏هاماتِ‏ ‏الحجرْ‏.‏

ما‏ ‏عاد‏ ‏يـَجـْـرُؤ‏ ‏وَعْيُنا‏ ‏أن‏ ‏يفتخرْ‏: ‏أنَّا‏ ‏بشرْ‏.‏

‏”..‏فى ‏البدءِ‏ ‏قَاَل‏ ‏أو‏ ‏فعلْ‏،‏

بصما‏ًً ‏على ‏وجه‏ ‏الزمنْ‏، ‏

إذ‏ ‏ينـِسـجُ‏ ‏الفعلُ‏ ‏القدرْ”

فى ‏عـَصـْـرِنا‏ ‏هـَذَا‏ ‏أَيـَا‏ ‏جدّى ‏العزيزْ‏،‏

لا‏ ‏تطلُعُ‏ ‏الشموسُ‏ ‏دُونَ‏ ‏إذنْ‏.‏

لا‏ ‏يُستباحُ‏ ‏للكلاب‏ ‏الآثمهْ‏ -‏أمثاِلنا‏- ‏

أن‏ ‏تسكنَ‏ ‏العرينْ‏ ‏

‏-2-‏

فرعونُ‏ ‏هذا‏ ‏العـَصْــرِ‏ ‏ثعلبْ‏،‏

أخفى ‏المشـانـِقَ‏ ‏بين‏ ‏ثنياتِ‏ ‏التماوتِ‏ ‏والعفنْ‏.‏

فى ‏زعم‏َ ‏حبَّ ‏العْدلِ‏ ‏لوّح‏ََ ‏بالتلاشى ‏فى ‏الأملْ‏.

-3-‏

حَبَكَ‏ ‏الوليدُ‏ ‏دثاره‏: ‏كفَنَا‏،‏

وبلا‏ ‏رثاءٍ‏ ‏وسّدوه‏ ‏لحدَه‏ُ:… ‏مَهْدَا‏.‏

كتبوا‏ ‏عليه‏ ‏بلا‏ ‏دموعْ‏:‏

ما‏ ‏عاشَ‏ ‏مَنْ‏ ‏لَمْ‏ ‏يولدِ‏.

أسوان أبو سنبل‏: 23/1/1981‏

* * *

حلم‏ (37)

المحمل‏ ‏يتمايل‏ ‏فوق‏ ‏الجمل‏ ‏المزين‏ ‏بالألوان‏ ‏والورود‏. ‏أمامه‏ ‏رجل‏ ‏يغرس‏ ‏فى ‏فيه‏ ‏عامودا‏ ‏ذا‏ ‏رأس‏ ‏تدلى ‏منها‏ ‏شراشيب‏ ‏ورأس‏ ‏الجمل‏ ‏فى ‏مستوى ‏أول‏ ‏طابق‏ ‏من‏ ‏بيت‏ ‏أطل‏ ‏أنا‏ ‏من‏ ‏نافذته‏ ‏وتلاقت‏ ‏عينى ‏مع‏ ‏عين‏ ‏الجمل‏ ‏فقرأت‏ ‏فيها‏ ‏ابتسامة‏ ‏وغمزة‏ ‏وحلت‏ ‏لى ‏البركة‏ ‏فطرت‏ ‏من‏ ‏موقعى ‏وراء‏ ‏النافذة‏ ‏ودرت‏ ‏حول‏ ‏رأس‏ ‏الجمل‏ ‏بجلبابى ‏وشعرى ‏المنفوش‏ ‏وكبر‏ ‏الناس‏ ‏وهللوا‏ ‏وزهللو‏ا ‏لوقوع‏ ‏المعجزة‏ ‏وتماديت‏ ‏أنا‏ ‏فارتفعت‏ ‏فى ‏الجو‏ ‏وتراجعت‏ ‏نحو‏ ‏سطح‏ ‏بيتى ‏وهبطت‏. ‏وبعد‏ ‏مرور‏ ‏المحمل‏ ‏تجمع‏ ‏الناس‏ ‏أمام‏ ‏البيت‏ ‏يريدون‏ ‏مشاهدة‏ ‏الإنسان‏ ‏الطائر‏. ‏وإذا‏ ‏بهم‏ ‏يتحولون‏ ‏فجأة‏ ‏من‏ ‏الإعجاب‏ ‏إلى ‏الخوف‏ ‏والحذر‏ ‏وقالوا‏ ‏إن‏ ‏روحا‏ ‏شريرة‏ ‏حلت‏ ‏بالشخص‏ ‏الطائر‏ ‏وأن‏ ‏طيرانه‏ ‏حول‏ ‏رأس‏ ‏الجمل‏ ‏نذير‏ ‏شؤم‏ ‏للناس‏ ‏جميعا‏ ‏وإنه‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏يبرأ‏ ‏من‏ ‏الشيطان‏ ‏وذلك‏ ‏بجلده‏ ‏حتى ‏يتطهر‏ ‏تماما‏ ‏فإذا‏ ‏رفض‏ ‏الدواء‏ ‏عرض‏ ‏نفسه‏ ‏للعقاب‏ ‏المناسب‏ ‏وهو‏ ‏القتل‏، ‏وركب‏ ‏الرعب‏ ‏الشاب‏ ‏وأسرته‏ ‏واستنجدت‏ ‏الأسرة‏ ‏بالشرطة‏ ‏واشترط‏ ‏المأمور‏ ‏أن‏ ‏يرى ‏المعجزة‏ ‏وهى ‏تحدث‏ ‏أمام‏ ‏عينيه‏ ‏وذهب‏ ‏إلى ‏البيت‏ ‏ورأى ‏المعجزة‏ ‏وبهر‏ ‏بها‏ ‏حقا‏ ‏ولكنه‏ ‏وجد‏ ‏نفسه‏ ‏بين‏ ‏رأيين‏. ‏الأسرة‏ ‏تقول‏ ‏إنها‏ ‏كرامة‏ ‏من‏ ‏كرامات‏ ‏الأولياء‏ ‏والناس‏ ‏تؤكد‏ ‏أنه‏ ‏عبث‏ ‏من‏ ‏الشيطان‏ ‏ونذير‏ ‏شر‏.‏

وأخيرا‏ ‏قرر‏ ‏المأمور‏ ‏أن‏ ‏يضع‏ ‏الشاب‏ ‏فى ‏السجن‏ ‏حتى ‏ينسى ‏الموضوع‏ ‏برمته‏.

القراءة:

  أحلام الطيران (!!) هذه إحداها، كيف عرف نجيب محفوظ نظام الحلم بكل هذه الدقة؟ وكأنه يعلّم فرويد أن الحلم إبداع أصلاً، علاقة نجيب محفوظ بفرويد علاقة جميلة بها اعتراف – معتاد منه- بفضل كل من أضاف رؤية جديدة للمسيرة البشرية، كان عادة ما يدافع عنه إذا ألمحت لبعض اختلافى معه (مع فرويد) أو قمت بنقده بقسوة، مع كل احترامى لعطاء هذا العبقرى الفذ.

المهم أحلام الطيران بالذات عند فرويد هى رموز جنسية عادة، مع أن أحلامى شخصيا بالطيران لا أشعر فيها إلا بذلك الانسياب الحقيقى، والقدرة على التحكم فى تحركات جسمى بالذات فى كل الاتجاهات، منتصراً على الجاذبية الأرضية ودون أدنى حركة من أطرافى جميعا، أشعر معها أننى اتجه إليه بعد أن تخلصت من الأرض، وليس من الجسد.

وصلنى من هذا الحلم المرتبط بكسوة المحمل ما يؤكد أحلامى أكثر من تفسيرات فرويد.

البداية هنا كانت حين التقت عينا الحالم بعيون الجمل، ثَمَّ نداء (بابتسامة وغمزة) فتحل البركة فالطيران. النافذة فى الدور الأول، والقفز منها للمشاركة، أو استجابة لنداء عيون الجمل أسهل وأقرب، لكن بدلاً من ذلك، حلّت المعجزة ليطير منسابا يدور حول رأس الجمل، يدور أو “يطوف”، ربما.

هذه الوصلة الحميمة بالأصل، بالإضافة إلى أنه جمل وليس قردا، ربما هى التى سمحت بالانطلاق إلى سعى الوصل ضدّ جذب الطين.

الناس الذين رضوا بأن تنتهى حياتهم عند هامة رؤوسهم – عقولهم- يخافون ما لايعرفون فيرفضونه، فهو الشيطان ولا حل إلا بجَلدْ من تلبّسه، حتى يتطهر، وإلاّ فهو القتل.

فماذا تفعل السلطة؟ سلطة العقل، أو سلطة المؤسسة، أو سلطة القهر؟

هل تصدق الأسرة التى تدعم حق الإنسان فى التصعيد إلى الوصل، بعد استلام رسالة الأصل؟ أم تخشى العامة المتشكلين بكل العادى جدا، ضد أى تجاوز.

الحل الذى انتهى به الحلم يعلن ميوعة السلطة الجديدة وعجزها أن تحسم الأمر بين “الأصل الوصل” فى ناحية، و”الإنكار الجمود” فى ناحية أخرى.

الحل الهروبى الذى لجأتْ إليه هى أن تغلق هذه الملفات كلها دون حسم لتدع ما للأسرة للأسرة، وما للناس للناس،

 هذه تَأمَل، وهؤلاء أجبن من أن يسمحوا،

 وليُسْجن الإنسان حيث توقف.

وليمارس ما يشاء فى سرّه

حتى ينسى الجميع “الموضوع” برمته،

فهل ينسى الفتى الطائر؟

وهل يمكن أن ننسى دون أن نضيع؟

وهل نضيع إلا لأننا ننسى؟

خوفاً من الناس

وخوفاً من السلطة المنشقة

وخوفاً من أنفسنا

فهو السجن

سجن الفكر الطليق،

سجن الحس الطائر

سجن الروح،

سجِن العقل الآخر.

هل هذا هو الحل؟

أم أننا سوف نقبل التحدى “إليه”، ونستجيب للنداء ونطوف حول رأس الجمل!؟

* * *

حلم‏ (38)

فى ‏حجرتى ‏جالس‏ ‏أستمع‏ ‏إلى ‏أغنية‏ ‏يذيعها‏ ‏الفوغراف‏، ‏دخلت‏ ‏من‏ ‏الباب‏ ‏المفتوح‏ ‏فتاة‏ ‏فى ‏العشرين‏ ‏جميلة‏ ‏ورشيقة‏ ‏ومثيرة‏. ‏اكتسحتنى ‏دهشة‏ ‏ورغبة‏ ‏فقمت‏ ‏من‏ ‏مجلسى ‏واتجهت‏ ‏نحوها‏ ‏حتى ‏وقفت‏ ‏قبالتها‏. ‏وبهدوء‏ ‏مدت‏ ‏يدها‏ ‏بخطاب‏ ‏فتناولته‏ ‏ونظرت‏ ‏فيه‏ ‏ثم‏ ‏رددته‏ ‏إليها‏ ‏وأنا‏ ‏أقول‏ ‏لها‏ ‏إننى ‏لا‏ ‏أستطيع‏ ‏القراءة‏ ‏لضعف‏ ‏بصرى ‏وطلبت‏ ‏منها‏ ‏أن‏ ‏تقرأه‏ ‏هى ‏ولكنها‏ ‏اعتذرت‏ ‏بأنها‏ ‏لا‏ ‏تقرأ‏ ‏ولا‏ ‏تكتب‏ ‏وأن‏ ‏والدها‏ ‏كتبه‏ ‏للأمير‏ ‏المسطر‏ ‏اسمه‏ ‏على ‏الظرف‏ ‏ووصاها‏ ‏والدها‏ ‏قبل‏ ‏وفاته‏ ‏بأن‏ ‏تجيئنى ‏بالخطاب‏ ‏لأحمله‏ ‏إلى ‏الأمير‏، ‏وقلت‏ ‏لها‏ ‏ودهشتى ‏تتزايد‏ ‏إننى ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏الأمير‏ ‏ولا‏ ‏أى ‏أمير‏ ‏غيره‏ ‏وساورنى ‏الارتياب‏ ‏من‏ ‏ناحيتها‏ ‏وحاولت‏ ‏تغيير‏ ‏الموضوع‏ ‏ولكنها‏ ‏ذهبت‏.

وعندما‏ ‏كنت‏ ‏أعبر‏ ‏جسر‏ ‏قصر‏ ‏النيل‏ ‏فى ‏طريقى ‏إلى ‏عملى ‏ظهرت‏ ‏لى ‏عند‏ ‏نهايته‏ ‏فتجاهلتها‏ ‏ولكنها‏ ‏تبعتنى ‏مسافة‏ ‏غير‏ ‏قصيرة‏.‏

‏ ‏وعندما‏ ‏عدت‏ ‏إلى ‏مسكنى ‏وجدتها‏ ‏مستقرة‏. ‏حذرتها‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تعود‏ ‏إلى ‏موضوع‏ ‏الخطاب‏ ‏والأمير‏. ‏ومر‏ ‏وقت‏ ‏طيب‏ ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أخل‏ ‏من‏ ‏الوساوس‏. ‏والظاهر‏ ‏أنها‏ ‏لم‏ ‏تخل‏ ‏كذلك‏ ‏من‏ ‏مخاوف‏. ‏وكان‏ ‏واضحا‏ ‏أننا‏ ‏نريد‏ ‏الهرب‏ ‏بطريقة‏ ‏أو‏ ‏بأخرى‏.‏

القراءة:

هذه الفتاة!

ليست هى هى، لكنها يمكن أن تكون هى هَىَ

من أول (حلم 2) تلك الفتاة التى كانت فى المقدمة وهو يتبعها إلى السكن لينتهى الحلم وهو يبحث عنها فى السوق، ثم إلى أخته والفونوجراف فى حلم (9) التى انقلبت إلى جريتا جاربو، لينتهى الحلم وهى ترفض لأن أمها تدرى كل شئ، مرورا بفتاه الترام حلم (7) مع أنها أبعد من هذه وتلك إلا فى نداء الأعين والمتابعة، ثم بنت ريا فى المطار (حلم 13). أما حلم (25) فهو الأقرب تذكرة بما ظهر عنده من رغبة فى هذا الحلم الحالى، ثم خذ عندك فتاة صالة الميسر (حلم 28).

 غالبا سوف يكون “لهذه الفتاة”، التى ليست بالضرورة هى هى شأن فى الدراسة الجامعة.

 الملاحظ فى معظم توجهات ظهور واختفاء هذه الفتاة هو أن تقفر “رغبة” ما، ثم يتكرر الظهور والاختفاء، ويجرى البحث أو المتابعة، وهو يمضى معها عادة وقتا طيبا غامضا بين الحين والحين تلحقه الوساوس أو المخاوف أو الأحزان، حتى فتاة القارب، يمكن أن تكون إحدى تجلياتها (حلم20).

بمجرد ظهور فتاة حلمنا الحالى اكتسحته رغبة ودهشة، ربما كالعادة، لكن الفتاة لبست فى هذا اللقاء الأول دور الرسول حامل الرسالة إلى مجهول (أمير)، لا أكثر.

هل كانت حجته بضعف البصر هذه حجة يتحايل بها حتى يُبقى الفتاة فترة أطول، مهما قَصُرَت؟ ربما

 إلا أن حجتها جاءت أقوى من تعلله بعجزه الحقيقى أو المدَّعى: أنها لا تقرأ ولا تكتب.

من هو الأمير؟

ومن هى الفتاة، خصوصا وأنها ظهرت من جديد، عند نهاية الجسر، لماذا تجاهلها؟ وأين ذهب حب الاستطلاع المتوقع عندما ظهرت من جديد على الجسر؟ ولماذا كان يتجاهلها وهو يخشى موضوع الرسالة والأمير؟

حضرتنى مقاطع من أغان متفرقة… “بابا جَىّ ورايا”، “حرّج علىّ بابا ماروحشى السينما” ثم “عندك عمى قولّه عليه” ورفضْتها جميعا،

الفتاة هى التى تبعته هذه المرة على الجسر

قارن بين بحثه عن الفتاة وملاحقتها (حلم 2) وبين الفتاة هنا وهى تتبعه “مسافة غير قصيرة”.

مثل هذه المتابعة الخلفية أو الجاذبية الأمامية تكررت أيضا فى الأحلام حتى لو كانت من رجل (حلم 24)

أيضا كان المسكن يفاجئنا فى الأحلام حتى الآن إما بالفراغ والوحشة، وإما بظهور شخص فيه عند العودة إليه، شخص لم نتوقعه أو كنا تركناه خارجه (حلم5)

 هنا أيضا هو وجدها مستقرة فى المسكن،

 فنربط بين ظهور “الرغبة” و”الدهشة” فى بداية لقائهما وبين الوقت الطيب الذى أمضياه معا، لكن الوساوس تقول:

فيم أمضيا الوقت الطيب؟

هذا ما تكرر فى حلم (2) مثلا وغيره؟؟

 وهو بعض ما أشرنا إليه فى البداية.

هذه المرة هما لايفترقان، بل يخططان للهرب معاً.

 مِنْ مَنْ؟

من الأمير؟؟

من الوساوس؟؟

من الرسالة؟؟

المهم أنهما سويا، يخططان سويا،

للهرب معا.

* * *

حلم‏ (39)

دخلت‏ ‏حجرة‏ ‏الوزير‏ ‏ومعى ‏بيان‏ ‏مكتوب‏ ‏على ‏الآلة‏ ‏الكاتبة‏ ‏بأسماء‏ ‏الموظفين‏ ‏المرشحين‏ ‏للترقية‏. ‏اسمى ‏بينهم‏ ‏وواضح أن الوزير‏ ‏يخصنى ‏بالرعاية‏.‏

وقع‏ ‏الوزير‏ ‏البيان‏ ‏فى ‏أعلاه‏ ‏وذهبت‏ ‏به‏ ‏إلى ‏إدارة‏ ‏المستخدمين‏ ‏لتنفيذه‏. ‏اتجهت‏ ‏إلى ‏الموظف‏ ‏المختص‏ ‏وكانت‏ ‏فتاة‏ ‏شابة‏ ‏وجميلة‏. ‏نظرت‏ ‏فى ‏البيان‏ ‏ولاحظت‏ ‏أن‏ ‏الوزير‏ ‏وضع‏ ‏إمضاءه‏ ‏فى ‏أعلاه‏ ‏وأنه‏ كان ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏يضعه‏ ‏فى ‏أسفله‏. ‏وإلا‏ ‏فإنها‏ ‏لن‏ ‏تستطيع‏ ‏تنفيذ‏ ‏أمر‏ ‏الترقية‏‏ ‏على ‏الموظفين‏ ‏المسجلين‏ ‏فى ‏أعلاه‏، ‏اغتظت‏ ‏وشكوت‏ ‏ما‏ ‏نلاقى ‏من‏ ‏الروتين‏ ‏ولكنها‏ ‏أصرت‏ ‏على ‏موقفها‏ ‏فحملت‏ ‏البيان‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏إلى ‏الوزير‏ ‏فوقع‏ ‏اسمه‏ ‏فى ‏الموضع‏ ‏الصحيح‏ ‏وهو‏ ‏يضحك‏. ‏ورجعت‏ ‏إلى ‏الفتاة‏ ‏وسلمتها‏ ‏البيان‏. ‏وكانت‏ ‏تجلس‏ ‏على ‏يمين‏ ‏مكتبها‏ ‏موظفة‏ ‏صديقة‏ ‏معروفة‏ ‏بالمرح‏ ‏فدافعت‏ ‏عن‏ ‏تصرف‏ ‏زميلتها‏ ‏قائلة‏ ‏إنها‏ ‏تضن‏ ‏بالترقية‏ ‏على ‏الموظفين‏ ‏العزاب‏ ‏وترى ‏أن‏ ‏المتزوجين‏ ‏أولى ‏بها‏. ‏وتظاهرت‏ ‏الموظفة‏ ‏بأنها‏ ‏تضايقت‏ ‏من‏ ‏إذاعة‏ ‏هذا‏ ا‏لسر‏ ‏ولما قابلتنى ‏الموظفة‏ ‏المرحة‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏سألتنى ‏عن‏ ‏رأيى ‏فى ‏موظفة‏ ‏المستخدمين‏ ‏فصارحتها‏ ‏بأنها‏ ‏أعجبتنى ‏فاقترحت‏ ‏أن‏ ‏تبلغها‏ ‏بإعجابى ‏كمقدمة‏ ‏لجمع‏ ‏رأسين‏ ‏فى ‏الحلال‏. ‏فطلبت‏ ‏مهلة‏ ‏للتفكير‏ ‏فقالت‏ ‏إننى ‏لم‏ ‏أعد‏ ‏شابا‏ ‏وأن‏ ‏عمرى ‏يضيع‏ ‏فى ‏التفكير‏ ‏وأصرت‏ ‏على ‏إبلاغها‏ ‏واستسلمت‏ ‏فلم‏ ‏أرفض‏.‏

القراءة:

لم يصلنى من هذا الحلم إلا دافع – بلا مبرر- لمقارنة المفارقة بين الرفض الذى لقيه الراوى فى (حلم15) من زملتيه الواحدة تلو الأخرى. الأولى التى اعتذرت بسبب أنه “لا نملك ما يهيئ لنا حياة سعيدة” والثانية: دون إبداء أسباب برغم تواضع وظيفتها، وأيضا ما شاب سمعتها، وكيف طُعِنَ المتقدم من خلال الرفض تلو الرفض، قفزت إلىّ هذه الصورة لتقابل بين التحايل هنا لتزويج هذا “الآخر”، ثم تراجعتُ ورجّحت أنه لاعلاقة بين هذا وذاك، أو ربما تتاح الفرصة لذلك فى الدراسة الجامعة.

ثم إن الأحداث قد بدت لى هنا أسطح وأكثر مباشرة فى نفس الوقت، حتى تكاد تخلو من أى جديد “أحداثى” أو “تشكيلى”.

إمضاء الوزير أعلى الصفحة ثم تراجعه وصلتنى كعبثية لم أستسغها، ولم أجد ما يبررها، استبعدتُ اشتراكه الخفى التمهيدى فى محاولة جمع الرأسين فى الحلال، فهو وزير وليس وكيل إدارة، أو رئيسة مكتب!!

كذلك لم أجد أن موظفة المستخدمين الشابة كانت متعنتة أصلا حتى نبحث عن سبب لهذا التعنت، فنجده فى محاولة إغاظة أو تعطيل ترقية العزاب، أو جر شكلهم ربما “يتقدم” أحدهم!! التوقيع فعلاً كان فى غير محله، ولو أجازته موظفة المستخدمين ببساطة، لأوخذت.

ينتهى الحلم بنفس الفتور حين يكرر كلمتين مترادفتين – تقريبا –  بلا مبرر “واستسلمت فلم أرفض”، فعدم الرفض هو خلفية للاستسلام على أية حال.

ألا يحق لى أن أرفض هذا الحلم انتظاراً للدراسة الجامعة؟

قلت من البداية أن من حق الناقد أن يرفض ما لا يصل إليه، أو يتحفظ عليه، أو أن يمتنع عن نقده ويتركه لغيره، وقبل ذلك من حق المبدع أن تهبط منه أحيانا حركية الإبداع بين الحين والحين، وهو قد لا ينتبه إلى ذلك.

لكن أظل أؤجل الحكم النهائى حتى الدراسة الجامعة

لعل وعسى.

ردًّا على ما جاءنى تعقيباً على قراءتى لهذا الحلم فى بريد موقعى تنبهت إلى فكرة جيدة يرجع الفضل لصاحبتها[36]  ورأيت إثبات ردّى عليها:

أعترف أنه قد غاب عنى هذا “السيم” (الشفرة) المحتمل بين الوزير وموظفة المستخدمين، وأشهد أن هذه الرؤية النقدية قد جعلت الحلم أكثر حيوية وحضوراً، وليس فقط أقل فتوراً، إذن فسيادة الوزير الذى لم يصلنى من هيبة منصبه إلا استبعاد أن يشارك فى “جمع رأسين فى الحلال”- كان “يلاعب” البنيّة، وأنا لا أدرى، ثم جاء هذا “النقد على النقد” ليكشف لنا كيف أن الأمر بلغ أن يُستعمل هذا الموظف “الدُغُفّ” رائحاً غادياً، يوصل الرسائل ليستسلم فى النهاية إلى ما لا يعرف.

فجأة أطل علىّ وجه “محجوب عبد الدايم” من “القاهرة الجديدة” وتصورت أن هذا الأفندى الذى قبل الخطوبة بقوله: “استسلمت ولم أرفض”، تصورت أنه قد ينتهى به الحال إلى دور محجوب عبد الدايم بعد أن يتزوج حضرته من هذه الموظفة الناصحة، بتزكية زميلتها المرحة.

أم يا تُرى سوف تتأبى عليه هذه الذكّية الواعية، وعلى الوزير معاً، وهما وجهان لعملة واحدة، وتَثْبت أكثر فأكثر فى مواجهة “ريالة” الرجال، فى مقابل تفاهتهم؟

 كل هذا لم يرد على بالى ناقداً ابتداءً،

لكنه وصلنى من هذا “النقد على النقد” هكذا.

* * *

حلم‏ (40)

قبيل‏ ‏المساء وأنا‏ ‏عائد‏ ‏إلى ‏بيتى ‏متدثرا‏ ‏بالمعطف‏ ‏والكوفية‏ ‏اعترض‏ ‏سبيلى ‏صبى ‏وصبية‏ ‏غاية‏ ‏فى ‏الجمال‏ ‏والتعاسة‏ ‏وطلبا‏ ‏منى ‏ما‏ ‏أجود‏ ‏به‏ ‏لوجه‏ ‏الله‏ ‏وبحثت‏ ‏فى ‏جيبى ‏عن‏ ‏فكة‏ ‏فلم‏ ‏أجد‏ ‏فأخرجت‏ ‏ورقة‏ ‏من‏ ‏ذات‏ ‏الجنيهات‏ ‏الخمسة‏ ‏وطلبت‏ ‏من‏ ‏الصبى ‏أن‏ ‏يذهب‏ ‏الى ‏أقرب‏ ‏كشك‏ ‏ويشترى ‏لى ‏قطعة‏ ‏شيكولاتة‏ ‏ويجيئنى ‏بالباقى. ‏وما‏ ‏غاب‏ ‏الصبى ‏عن‏ ‏عينى ‏حتى ‏بكت‏ ‏الصبية‏ ‏واعترفت‏ ‏لى ‏بأن‏ ‏أخاها‏ ‏يعاملها‏ ‏بغضب‏ ‏شديد‏ ‏ويدفعها‏ ‏لارتكاب‏ ‏الأخطاء‏ ‏فهى ‏تزداد‏ ‏كل‏ ‏يوم‏ ‏انحرافات‏ ‏وشرا‏ ‏وتدعو‏ ‏الله‏ ‏أن‏ ‏ينقذها‏ ‏مما‏ ‏تعانى. ‏تأثرت‏ ‏وتحيرت‏. ‏ثم‏ ‏عرفت‏ ‏أن‏ ‏الصبى ‏لن‏ ‏يعود‏ ‏وأدركت‏ ‏مدى ‏حماقتى ‏لما‏ ‏أوليته‏ ‏من‏ ‏ثقة‏ ‏وتذكرت‏ ‏كيف‏ ‏يتهمنى ‏أهلى بالطيبة والغفلة ولكنى لم أترك له أخته وأخذتها إلى بيتى لتبدأ حياة جديدة مع أهلى. ‏وتحسنت‏ ‏أحوالها‏ ‏وبدت‏ ‏وكأنها‏ ‏من‏ ‏الأسرة‏ ‏لا شغالة ‏لها‏.‏

وذات‏ ‏يوم‏ ‏جاء‏ ‏لى ‏شرطى ‏ومعه‏ ‏الصبى ‏الأخ‏ ‏ولما‏ ‏رأى ‏أخته‏ ‏أمسك‏ ‏بها‏. ‏وعلمت‏ ‏أنى ‏مطلوب‏ ‏فى ‏القسم‏ ‏وهناك‏ ‏وجُهت‏ ‏إلىّ ‏تهمة‏ ‏اغتصاب‏ ‏البنت‏ ‏والاحتفاظ‏ ‏بها‏ ‏فى ‏بيتى ‏بالقوة‏ ‏وذهلت‏ ‏أمام‏ ‏ما‏ ‏يوجه‏ ‏إلى ‏وطلبت‏ ‏من‏ ‏البنت‏ ‏أن‏ ‏تتكلم‏ ‏فبكت‏ ‏ووجهت‏ ‏إلى ‏من‏ ‏الكبائر‏ ‏ما‏ ‏لم‏ ‏يخطر‏ ‏لى ‏على ‏بال‏. ‏وكان‏ ‏المحضر‏ ‏يسجل‏ ‏كل‏ ‏كلمة‏ ‏والدنيا‏ ‏تسود‏ ‏فى ‏عينى ‏وعلى ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏إيمانى ‏الراسخ‏ ‏فلم‏ ‏تغب‏ ‏عنى ‏خطورة‏ ‏الموقف‏.‏

القراءة:

كم مرة – حتى الآن – اتهم الراوى (الحالم/المبدع) أو استهدُف للأذى أو للانتقام وهو برئ؟ خذ عندك مثلا: حلم “16” “جاء وقت الانتقام” ولم تكن ثمة جريمة تستحق الانتقام، أو حلم “28” وهو يذعن لتسليم نقود لم يسرقها، توقيا لما هو أسوأ، أو حلم “37” وهو يسجن لحسم خلاف لم يشترك فيه أصلاً بعد أن حقق معجزة الطيران، كل هذا إنما يَعِدُ بمادة طيبة قد تثرى القراءة الجامعة لاحقاً.

تنكّر الصبية هنا لهذه الرعاية الأبوية هو الأكثر إيلاما من اتهامات أخيها.

الصبية فى أول الحلم وُصِفت بأنها “فى غاية الجمال والتعاسة“. (كذلك وُصف أخوها!!) هل الجمع بين الجمال والتعاسة يفسر من قريب أو بعيد موقفها فى النهاية؟ هل هى تعيسة لأن جمالها الأخّاذ لم يشفع لها عند القدر أن تعيش حياة كريمة مستورة فى بيت أسرة تضمها وترعاها؟ هل هذا هو سبب تراكم الحقد بالانتقام الذى ظهر مؤخرا، حين وجدت نفسها فى أسرة ليست أسرتها، مهما تصور راعيها وحاضنها ومنقذها أنها “..كأنها من الأسرة لا شغالة لها“.

إن تصوره هذا لا يلزمها بقبوله، ولا بالتعهد برد جميله، وهو أيضا لا يلزم مشاعرها الداخلية أن يعاد تشكيلها إيجابياً فى اتجاه الأخلاق الحميدة!! ثم إنه ربما وصلتها هذه الفرصة الكريمة بشكل لا يخطر على بال راعيها، فقد أتاحت لها مقارنة صعبة بين ظروفها التى اضطرتها لهذا التسول، وبين بنات الأسرة التى تخدمها، واللاتى ربما كنَّ أقل منها جمالا، وكلما زِدْن عطفاً عليها تكاثر الحقد أكثر فأكثر!. (فبقدر شعورى بحنانك، سوف يكون هجومى لأشوّه كل الصدق وكل الحب) [37]

فى مثل هذه الأحوال يكون الانتقام من صاحب الفضل هو رد الفعْل الغريب، بالإضافة إلى احتمال آخر هو أنه ربما يحمل لوماً خفيا له أنْ عرّضها لمثل هذه المقارنة المؤلمة.

عموما، هذا تأويل لا ينقذ الحلم إلا قليلاً،

لكن الجمع بين الجمال والتعاسة فى هذه اللمحة وصلنى بشكل جيد.

وربما يتضح الأمر أكثر فى الدراسة الجامعة.

* * *

حلم‏ (41)

قال‏ ‏لى ‏السمسار‏: ‏لا‏ ‏تضجر‏ ‏ولا‏ ‏تيأس‏ ‏يلزمك‏ ‏الصبر‏ ‏الجميل‏. ‏وكنت‏ ‏أعرف‏ ‏أنه‏ ‏على ‏علم‏ ‏بسر‏ ‏قلقى. ‏وأننى ‏مهدد‏ ‏بأن‏ ‏أفقد‏ ‏المأوى ‏وأجد‏ ‏نفسى ‏فى ‏الطريق‏. ‏قلت‏ ‏له‏ ‏بأننى ‏رأيت‏ ‏من‏ ‏المساكن‏ ‏عدد‏ ‏شعر‏ ‏رأسى، ‏ولكن‏ ‏الأسعار‏ ‏دائما‏ ‏فوق‏ ‏قدرتى. ‏وما‏ ‏هذه‏ ‏المساكن‏ ‏الخيالية‏ ‏التى ‏يقدر‏ ‏ثمن‏ ‏الشقة‏ ‏فيها‏ ‏بالمليون‏. ‏والعجيب‏ ‏أنه‏ ‏أكد‏ ‏لى ‏أن‏ ‏أربع‏ ‏زميلات‏ ‏لى ‏يملكن‏ ‏شققا‏ًً ‏فى ‏هذه‏ ‏المساكن‏ ‏الخيالية‏. ‏وغبطهن‏ ‏على ‏قدراتهن‏ ‏الخارقة،‏ ‏وقال ‏لى ‏الرجل‏ ‏إن‏ ‏الأمل‏ ‏الأخير‏ ‏فى ‏عمارة‏ ‏الحاج‏ ‏على ‏بحى ‏الحسين‏ ‏وأن‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏ننتظر‏ ‏عودته‏ ‏من‏ ‏الحج‏ ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏إننى ‏أذكره‏ ‏من‏ ‏أيام‏ ‏إقامتنا‏ ‏فى ‏الحى ‏العتيق‏ ‏وإننى ‏كنت‏ ‏أشترى ‏منه‏ ‏الفول‏ ‏أحياناً‏ ‏بنفسى ‏فضحك‏ ‏الرجل‏ ‏وقال‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏يقوله‏ ‏الكثيرون‏ ‏ممن‏ ‏يرجون‏ ‏امتلاك‏ ‏شقة‏ ‏فى ‏عمارته‏ ‏الجديدة‏.‏

قلت‏ ‏بخوف‏: ‏إنه‏ ‏الأمل‏ ‏الأخير‏.‏

فقال‏ ‏بلهجة‏ ‏مشجعة‏ ‘عليك‏ ‏بالصبر‏ ‏الجميل‏’.‏

القراءة:

نهاية هذا الحلم تغرى بأنها نهاية مفتوحة، لكنها ليست كذلك، فقد بدأ بالتوصية بالصبر الجميل، وانتهى بالتوصية بالصبر الجميل، وكأنه أغلق الدائرة، لقد خيل إلى فى البداية أن هذه النهاية بهذه التوصية تفتح باب أملٍ ما، لكننى تراجعت كما أشرت.

 تواترت النهايات المفتوحة فى الأحلام/الإبداع أكثر من توقعاتى حتى أننى شعرت أننى أصالح نهايات محفوظ بشكل أو بآخر، فكم تحفظت عليها وحاورته بشأنها، ليتقبل – كعادته – اعتراضاتى بطيبته الحانية التى لم أكن أتبين حقيقة ما تعنيه، هل هو يقبل رأيى؟ أم أنه يطيّب خاطرى مثل عادته مع معظم الناس!؟ حتى ملحمة الحرافيش، أعظم أعماله قاطبة (أيضا هى كذلك من وجهة نظره شخصياً)، اعترضتُ على نهايتها فى نقدى المنشور، وشرحت له وجهة نظرى تفصيلا فى حديثى معه، وكيف أننى متحفظ على تلك النهاية العالية الصوت (بالتوت والنبوت). ثم إننى اعترضت أكثر على عرفة وهو يأمل فى إحياء الجبلاوى فى نهاية “أولاد حارتنا”.

النهايات فى الأحلام هنا عموما – بدت لى- مفتوحة أكثر مما كنت أتوقع.

لم أجد فى متن هذا الحلم –أيضاً– ما يشدنى إليه، حتى التلميح إلى قدرات الزميلات الخارقة للحصول على ثمن شققهم التى يقدر ثمن الواحدة فيها بالمليون، حتى هذا التلميح لم أجد فيه ما يثير، ولا شدّنى الغمز العابر لأصْل الحاج (“بائع الفول” سابقا)، وكيف أصبح مالكاً لكل تلك الملايين، وأنه ربما اتبع السنة الجديدة بالحج كل عام تكفيرا عن ما جمع، وتمهيداً لما سيجمع، ليبنى مزيدا من العمارات المليونية.

 العلاقات الحميمية القديمة لا قيمة لها مع مثل هذا الحاج، خصوصا وأن الكثيرين يزعمونها هذا حاجُ كما ينبغى أن يكون الحج التجارى الحديث، وهو يعلم لمن يبيع شقته ممن يستطعن جمع المليون على المليون، وهن بعد زميلات لموظف متوسط.

كما قلنا: يبدأ الحلم بنصيحة السمسار “لا تضجر ولا تيأس يلزمك الصبر الجميل“.

وينتهى وهو يقول له بلهجة مشجعة نفس الألفاظ “عليك بالصبر الجميل

وهكذا تغلق الدائرة على صبر ليس له نهاية.

كيف يكون الصبر جميلا داخل دائرة مغلقة هكذا؟!

* * *

حلم‏ (42)

السفينة‏ ‏تشق‏ ‏طريقها‏ ‏بين‏ ‏أمواج‏ ‏النيل‏ ‏الرزينة‏. ‏نحن‏ ‏جلوس‏ ‏على ‏صورة‏ ‏دائرة‏ ‏يقف‏ ‏فى ‏مركزها‏ ‏الأستاذ‏. ‏وضح‏ ‏أننا‏ ‏نؤدى ‏الامتحان‏ ‏النهائى‏. ‏وكان‏ ‏مستوى ‏الإجابات‏ ‏ممتازاً‏. ‏وتفرقنا‏ ‏نشرب‏ ‏الشاى ‏ونأكل‏ ‏الجاتوه‏. ‏وتسلمنا‏ ‏شهادات‏ ‏النجاح‏ ‏وعند‏ ‏المرسى ‏وقفت‏ ‏السفينة‏ ‏وغادرناها،‏ ‏وكل‏ ‏يحمل‏ ‏شهادته‏ ‏فى ‏مظروف‏ ‏كبير‏. ‏وو‏جدت‏ ‏نفسى ‏أسير‏ ‏فى ‏شارع‏ ‏عريض‏ ‏خال‏ ‏من‏ ‏المبانى ‏ومن‏ ‏المارة‏ ‏ولاح‏ ‏لى ‏مسجد‏ ‏يقوم‏ ‏وحيداً‏ ‏فاتجهت‏ ‏نحوه‏ ‏لأصلى ‏وأرتاح‏ ‏قليلا‏ًً، ‏ولكن‏ ‏تبين‏ ‏لى ‏حال‏ ‏دخولى ‏أنه‏ ‏بيت‏ ‏قديم،‏ ‏هممت‏ ‏بالرجوع‏، ‏ولكن‏ ‏جماعة‏ ‏من‏ ‏قطاع‏ ‏الطريق‏ ‏أحاطوا‏ ‏بى ‏وأخذوا‏ ‏الشهادة‏ ‏والساعة‏ ‏والمحفظة‏، ‏وانهالوا‏ ‏على ‏ضربا‏ًً ‏ثم‏ ‏اختفوا‏ ‏فى ‏أرجاء‏ ‏البيت‏.‏

خرجت‏ ‏إلى ‏الطريق‏ ‏وأنا‏ ‏لا‏ ‏أصدق‏ ‏بالنجاة‏. ‏وبعد‏ ‏مسيرة‏ ‏يسيرة‏ ‏صادفتنى ‏دورية‏ ‏من‏ ‏الشرطة‏ ‏فهرعت‏ ‏إليهم‏ ‏وحكيت‏ ‏لقائدهم‏ ‏ما‏ ‏وقع‏ ‏لى‏.‏

وسرنا‏ ‏جميعا‏ ‏نحو‏ ‏بيت‏ ‏اللصوص‏، ‏واندفعوا‏ ‏داخلين‏ ‏شاهرى ‏أسلحتهم‏ ‏ولكننا‏ ‏وجدنا‏ ‏أنفسنا‏ ‏فى ‏مسجد‏ ‏والناس‏ ‏يصلون‏ ‏وراء‏ ‏الإمام‏. ‏وحصل‏ ‏ذهول‏ ‏وتراجعنا‏ ‏مسرعين‏ ‏وأمر‏ ‏قائد‏ ‏الدورية‏ ‏بإلقاء‏ ‏القبض‏ ‏على. ‏وجعلت‏ ‏أؤكد‏ ‏ما‏ ‏وقع‏ ‏لى ‏وأقسم‏ ‏بأغلظ‏ ‏الأيمان‏ ‏ولكن‏ ‏وضح‏ ‏لى ‏أنهم‏ ‏أخذوا‏ ‏يشكون‏ ‏فى ‏عقلى ‏على ‏أنى ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏دونهم‏ ‏حيرة‏ ‏وذهولا‏.‏

القراءة:

تمهيدا للقراءة الجامعة أصبح الربط مغريا بدءًا من بضعة أحلام مضت، الأمر الذى يعد بقراءة تعيد تشكيل العمل مشتملا. هنا يلوح الربط بين النيل والنهر، بين قارب وسفينة، بين ملاّح وملاّح،

النيل هنا يلبس ثوبا مختلفاً عما ظهر به من قبل.

الأمواج هنا رزينة، مقارنة بحلم (20) حين كان القارب يدعوهما وهما يسبحان حوله ويغنى الملاّح “رايداك والنبى رايداك”.

 جميل أن توصف الأمواج هنا بالرزانة، هل هذه السفينة هى الرحم وقد عاد للظهور أيضا، يمثل الإحاطة والأمان لحين إتمام الإعداد لمغادرته “وقفت السفينة، وغادرناها كل يحمل شهادته”.

لعل أهم ما فى ذلك المظروف كان شهادة “الاعتراف بقدومنا” وبه تسجيل الاسم، والتاريخ، والديانة التى يختارها لنا أهلنا برزانة وثقة، أليست تلك الشهادة التى يحملها كل منا فى مظروف كبير به كل ما ورثنا جينيا، مضافا إليه ما أثبته أهلنا فى أوراقنا، إلا تحديداً للخطوط العامة التى علينا ألا نتعدّاها.

أليس هذا التحديد المبدئى هو الذى قد يحرمنا من الالتحام مع المختلفين عن ديننا؟ فبمجرد أن ننزل إلى الشارع (الواقع الحى) تخلو الحياة منهم، وكأننا نلغيهم مهما زعمنا التحاور معهم، (شارع عريض خالٍ من المبانى ومن المارة). إن هذا الإلغاء للآخرين المختلفين لا يؤدى إلا إلى تراث بالٍ لا يجلب الراحة، ولا حتى يدعم الهوية المثبتة أو يحمى بقية محتويات المظروف من النهب، مع أنه لاح مسجدّاً “وحيداً” من بعيد.

 ها هو صاحبنا يكتشف أن مثل هذا التوصيف المرصود فى الشهادة داخل المظروف الكبير إذا لم يكن مجرد بداية طيبة، نحو الكدح إليه “معا”، فإننا نكون قد انفصلنا عن الحاضر إلى جمود قديم، وبالتالى يصبح كل ما تصورنا أننا نمتلكه عرضة للنهب من قاطع طريقنا “إليه” حتى ونحن داخل بيت التراث العتيق (قرأت كلمة الطريق بهذا المعنى الصوفى) هذا ما حدث له وهو يهم بالعدول عن الدخول للمسجد الوحيد البعيد المهجور القديم،

حين نكتفى أن تكون مرجعيتنا الأساسية أو الوحيدة هى “بيت قديم” وليس منارة مشعة (نور على نور) تصبح هويتنا عرضة للنهب نتيجة حرماننا من الجهاد الأكبر، من السعى إليه، وها نحن أولاء نفقد حتى الهوية الجاهزة (المظروف) بعد أن يقطعوا علينا “الطريق”.

المسجد الآخر الذى لاح من جديد، هو غير المسجد الأول (البيت القديم)، وهو كان قابعا وراء واجهة منزل اللصوص، ولم يتكشف للراوى أو للشرطة أنه كذلك، إلا وهم بداخله، وهم يندفعون إليه شاهرى السلاح، والناس يصلون وراء الإمام؟

بدا لى هذا المسجد الآخر أنه الوجه الآخر لسلطة دينية أحدث، سرقت واحتكرت أيضا تحديد الهوية والمسار.

المسجد الأول تبين عن بيت قديم، وبيت اللصوص انقلب مسجدا، له إمام ووراءه مصلون، لم يمنعوا أن تنقلب الشرطة (السلطة الثالثة) التى استنقذ بها إلى سلطة ظالمة تقبض على المجنى عليه، وهو برئ بلا هوية.

النقلات الأربع من رحم السفينة، إلى شارع نُفِىَ منه من ليسوا كذلك، نحو سلطة تراثية، لا تحمى من إغارة قطاع الطرق، إلى سلطة دينية تقليدية غائبة لا تؤم إلا أتباعها، ولا يهمها أن تكمن قابعة وراء واجهة بيت اللصوص، إلى سلطة مدنية تنقلب من خدمة البشر وحماية المجنى عليهم إلى القبض عليهم متهمين دون جريرة.

 كل هذه النقلات إنما تعلن التربص بالإنسان المبرمج دون جريرة، الإنسان الذى لم يستطع أن يحتفظ بهوية لم يخترها، والذى لم يحمِهِ من السرقة أن يلجأ إلى بيت قديم لاح له مسجداً، ولا حتى إلى بيت اللصوص الذى وجده أيضا مسجداً به إمام لا يرى إلا من يصلى خلفه.

فإذا استنقذنا بمن نتصور أنه يمكن أن ينقذنا انقلب علينا وصرنا المتهمين، ولا أحد يسمع لنا.

إن من يريد أن يتحرك بعيدا عن أى من هذا يلقى جزاءه،

يلقى القبض عليه، وهو المجنى عليه،

 ولا يُسمع له،

النتيجة الطبيعية لكل ذلك هى الحيرة والذهول أو الاتهام بالجنون،

 أو كل ذلك.

* * *

حلم‏ (43)

ليلة‏ ‏زفاف‏ ‏ابن‏ ‏عمى ‏تقام‏ ‏فى ‏بيتنا‏ ‏بالعباسية‏ ‏بين‏ ‏الطبل‏ ‏والأغانى‏. ‏يتقدم‏ ‏ابن‏ ‏عمى ‏تتأبط‏ ‏ذراعه‏ ‏عروسه‏ ‏فى ‏حلة‏ ‏العرس‏. ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏يصعدا‏ ‏السلم‏ ‏إلى ‏الداخل‏ ‏يعترضهما‏ ‏مفتش‏ ‏الشرطة‏. ‏ذهلنا‏ ‏وتساءلنا‏ ‏عما‏ ‏وراء‏ ‏ذلك‏. ‏انقض‏ ‏المفتش‏ ‏على ‏العروس‏ ‏فتفحص‏ ‏وجهها‏ ‏وأخذ‏ ‏بصمتها‏ ‏على ‏لوح‏ ‏صغير‏ ‏وفحصه ‏بمنظار‏ ‏مكبر‏ ‏وألقى ‏القبض‏ ‏عليها‏ ‏وسار‏ ‏بها‏ ‏إلى ‏سيارة‏ ‏الشرطة‏، ‏وأدرك‏ ‏الجميع‏ ‏ما‏ ‏يعنيه‏ ‏ذلك‏

‏وأقبلوا‏ ‏على ‏ابن‏ ‏عمى ‏يواسونه‏ ‏ويحمدون‏ ‏الله‏ ‏الذى ‏نجاه‏ ‏من‏ ‏شر‏ ‏أوشك‏ ‏أن‏ ‏يطوقه‏،

‏ورغم‏ ‏ذلك‏ ‏فقد‏ ‏مضى ‏الشاب‏ ‏وهو‏ ‏يبكى ‏وقررت‏ ‏أن‏ ‏أمضى ‏الليلة‏ ‏فى ‏بيت‏ ‏العباسية‏ ‏مع‏ ‏أهلى ‏ولكنى ‏اكتشفت‏ ‏أن‏ ‏جميع‏ ‏مصابيحه‏ ‏الكهربائية‏ ‏معطلة‏. ‏

فسألت‏ ‏أختى ‏كيف‏ ‏يعيشون‏ ‏فى ‏الظلام‏. ‏واكتشفت‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏جدرانه‏ ‏تحتاج‏ ‏إلى ‏ترميم‏ ‏ودهان‏ ‏وضقت‏ ‏بالمكان‏ ‏ونويت‏ ‏أن‏ ‏أصلحه‏، ‏وأعيده‏ ‏إلى ‏رونقه‏ ‏القديم‏.

القراءة:

نبدأ من الآخر وهو يسأل أخته “كيف يعيشون فى الظلام”؟

تُرى أى ظلام؟

ظلام أنهم ليسوا على دراية بسذاجة ابن العم الذى كاد يشوه سمعة الأسرة وهو لا يميز من يناسبها من مصاهرة؟ أم ظلام عدم احترامهم لمشاعر شاب اختار، وانكسر فى ليلة عرسه، ولم يصلهم معنى بكائه من أثر الفضيحة، أو ربما من لوعته لفقد العروس، أو من شعوره باحتمال الظلم.

هل منظومة القيم الظلامية هذه هى كذلك لأنها لا ترى إلا ظاهر الظاهر دون أن تتيح الفرصة لرأى آخر أو رؤية مختلفة فهى تحتاج إلى ترميم؟ وهل يا ترى يكفى الترميم أم سيكون دهانا يخفى الشقوق لينسى الجميع الفضيحة “وكأن الذى جرى ما كان”؟

لاحت لى علاقة ما بين الترميم هنا، وبين ما جرى فى حلم (8) الذى انتهى بحوار بينه وبين أمه حين التقاها وقد خرج من البيت وقرر ألا يعود إليه مدى الحياة، وقالت له

– انت السبب فيما حصل

فثأر غضبه وصاح

– بل أنتِ السبب فى كل ما حصل

ثم راح يمضى فى الهرب؟

الفرق هنا هو أنه حين ضاق بالمكان، والظلام لم يهرب، بل قرر أن يصلحه ويعود به إلى رونقه القديم.

هل هذا الرونق القديم هو “من كان منكم بلا خطيئه؟، أم أنه قيمة “العدل والاحترام”؟

أم كلاها،

أم هو مجرد مزيد من طلاء لامع على جدران متآكلة؟

ثم من أدرانا أن البوليس كان على حق فيما فعل؟

من أدرانا أن من تقبض عليه الحكومة هو مجرم، وهو لم يحاكم بعد؟

لم يظهر فى الحلم ما يشير إلى أى دليل على موضوعية مثل هذه الإجراءات التى بررت أن ينتزعوا العروس هكذا من عريسها فى ليلتهما، وهم فى مرحلة أخذ البصمات، ومن ذا يستطيع أن يتحقق من تطابق البصمات بالنظر بمنظار مكبر وكأن البصمة الأخرى قد انطبعت فى ذاكرته؟ إذن هم لم يتحققوا يقينا بعد مما إذا كانت بصمات العروس ستطابق من يشتبهون فيها أم لا

إلى متى نعيش فى هذا الظلام؟

* * *

حلم (44)

وجدت‏ ‏نفسى ‏جالسا‏ ‏أمام‏ ‏مكتب‏ ‏وزير‏ ‏الداخلية‏. ‏منذ‏ ‏أيام‏ ‏قلائل‏ ‏كان‏ ‏زميلى ‏فى ‏الجريدة‏، ‏وكان‏ ‏اختياره‏ ‏وزيرا‏ ‏للداخلية‏ ‏مفاجأة‏، ‏وانتهزت‏ ‏الفرصة‏ ‏وطلبت‏ ‏مقابلته‏ ‏فاستقبلنى ‏بمودة‏ ‏وترحاب‏ ‏وعرضت‏ ‏عليه‏ ‏مطلبى ‏وهو‏ ‏توصية‏ ‏لرجل‏ ‏أعمال‏ ‏معروف‏ ‏بصداقته‏ ‏له،‏ ‏لأُختار‏ ‏فى ‏وظيفة‏ ‏معينة‏ ‏فى ‏شركة‏ ‏من‏ ‏شركاته‏. ‏وكتب‏ ‏بخط‏ ‏يده‏ ‏التوصية‏ ‏المطلوبة‏ ‏وانتهت‏ ‏المقابلة‏ ‏على ‏أحسن‏ ‏حال‏.

‏وفى ‏مساء‏ ‏اليوم‏ ‏نفسه‏ ‏وأنا‏ ‏أمشى ‏على ‏شاطئ‏ ‏النيل‏ ‏اعترضنى ‏رجل‏ ‏ممن‏ ‏تسمع‏ ‏عنهم‏ ‏فى ‏الصحف‏، ‏وأشهر‏ ‏على ‏سلاحا‏ ‏وسلب‏ ‏منى ‏نقودى‏. ‏كانت‏ ‏فى ‏حدود‏ ‏خمسين‏ ‏جنيها‏.‏

رجعت‏ ‏إلى ‏منزلى ‏مضطربا‏ ‏ولكنى ‏لم‏ ‏اتخذ‏ ‏أى ‏إجراء‏ ‏يؤثر‏ ‏فى ‏الميعاد‏ ‏الذى ‏حدده‏ ‏لى ‏رجل‏ ‏الأعمال‏، ‏وعند‏ ‏الضحى ‏كنت‏ ‏فى ‏مكتبه،‏ ‏وبعد‏ ‏دقائق‏ ‏سمح‏ ‏لى ‏بالدخول‏‏ ‏وقدمت‏ ‏التوصية‏‏، ولكنى ‏تجمدت‏ ‏فى ‏موقفى ‏لحظة‏ ‏غاية‏ ‏فى ‏الحرج‏. ‏قلت‏ ‏فى ‏نفسى “رباه‏.. ‏إنه‏ ‏اللص‏ ‏الذى ‏سرقنى ‏أو‏ ‏أخوه‏ ‏التوأم‏”.

‏ودارت‏ ‏بى ‏الأرض‏.‏       

القراءة:

التكثيف هنا أصعب وأعمق، فالبداية تقول إن الوزيرالحالى ليس إلا صحفى زميل سابق، والنقلة من الصحفى إلى الوزير نادرة، لكنها محتملة (راجع تاريخنا السياسى الأحدث). النقلة هنا أكثر دلالة، لأن هذا الصحفى الحريف لم يعين وزيرا للإعلام أو للثقافة، وإنما وزيرا للداخلية، هكذا “خبط لزق”، ترى ماذا كان عمله الحقيقى فى الصحافة حتى يعين وزيرا للداخلية؟

من هذين الموقعين: الصحفى الجاهز لوزارة الداخلية، فوزير الداخلية ذو الاتصالات برجال الأعمال “الذين هم”، نتذكر وظيفتى السكرتير البرلمانى فى الصدى (السالف التصدير به)، وما ذكرناه عن الوظيفة الظاهرة والوظيفة الخفية، ثم تنتقل بنا الصورة حتى نفاجأ- مثل طالب الوظيفة- أن قاطع الطريق الذى استولى، وبالسلاح، على كل ما يحمله هذا المسكين (خمسون جنيها سنة 2005) هو هو رجل الأعمال الموصى له بالتزكية [38]

* * *

حلم‏ (45)

على ‏سطح‏ ‏البحيرة‏ ‏ينطلق‏ ‏قاربى ‏البخارى ‏وذاك‏ ‏قارب‏ ‏آخر‏ ‏يتبعنى ‏أو‏ ‏هكذا‏ ‏خيل‏ ‏إلى، ‏وأسرع‏ ‏فيسرع‏ ‏وساورنى ‏القلق‏. ‏ولكن‏ ‏لماذا‏ ‏يتبعنى؟

ووجدتنى ‏أقترب‏ ‏من‏ ‏مرسى ‏فخم‏ ‏فرسوت‏ ‏وصعدت‏ ‏سلما‏ًً ‏إلى ‏شرفة‏ ‏واسعة‏ ‏وعرفت‏ ‏أنها‏ ‏تتبع‏ ‏السفارة‏ ‏الروسية، ‏وكانت‏ ‏الشرفة‏ ‏مليئة‏ ‏بالمعزين‏ ‏الذين‏ ‏جاءوا‏ ‏يعزون‏ ‏فى ‏وفاة‏ ‏فقيدة‏ ‏عزيزة‏.‏

وسلمت‏ ‏على ‏السفير‏ ‏وجلست‏ ‏أسمع‏ ‏ما‏ ‏يقال‏ ‏عن‏ ‏الفقيدة‏. ‏وأنظر‏ ‏إلى ‏البحيرة‏ ‏فلا‏ ‏أرى ‏أثرا‏ ‏للقارب‏ ‏الآخر‏ ‏فاطمأن‏ ‏قلبى‏.‏

وقمت‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏المناسب‏ ‏إلى ‏قاربى ‏وانطلق‏ ‏بى ‏فى ‏اتجاه‏ ‏الشاطئ‏ ‏الآخر‏ ‏ونظرت‏ ‏خلفى ‏فرأيت‏ ‏القارب‏ ‏الغريب‏ ‏وهو‏ ‏ينطلق‏ ‏ورائى ‏وكنت‏ ‏بلغت‏ ‏وسط‏ ‏البحيرة‏ ‏فرأيت‏ ‏من‏ ‏الأفضل‏ ‏أن‏ ‏أسير‏ ‏إلى ‏الشاطئ‏ ‏عن‏ ‏الرجوع‏ ‏إلى ‏السفارة‏ ‏وقلت‏ ‏أنه‏ ‏عند‏ ‏الشاطئ‏ ‏يتضح‏ ‏حقيقة‏ ‏الموقف‏ ‏المواجهة‏ ‏بكل‏ ‏قوة‏.‏

القراءة:

هى البحيرة هذه المرة،  ليست البحر ولا النيل كما كان الأمر فى خلفية أحلام أخرى كثيرة (مثلا 21، 11، 44…الخ)، وصلتنى حركية هذا الحلم باعتبارها إحدى تشكيلات المطاردات التى أصبحت ملمحا متكررا فى أحلام النقاهة بصفة عامة، تنوعت المطاردات بكل الأشكال ولم تقتصر على من يَتْبَعُهُ، بل امتدت إلى من يَتَقَدمه (حلم 23، يسبقه لكنه يسحبه إليه، وهو يضمر أمراً)

تحضرنى هذه الصور هكذا لتعلن أن ثم “آخر بداخلنا” مُسقطا يواكبنا ليعلن حركية قدرنا الجدلى الرائع، ليس بالضرورة أن يكون هذا الآخر هو الذات الطفليه داخلنا، أو ذات الوالد، أو حتى القرين، لكنه مجرد “آخر”، هو أيضا ليس الضمير، لم يكن كذلك أبداً.

هو ذلك “الحضور الآخر”، هو إعلان الازدواج أو التعدد، فليكن النقيض، أو المراقب، أو البديل، أو ما ليس “كذلك” والسلام.

المهم أنه “آخر”

بدا لى أن هذا هو ما عبر عنه الحلم هنا بهذا الزورق الآخر.

فقيدة السفارة الروسية هى فقيدة عزيزة، لكن موتها ليس نهاية المطاف.

كانت الشيوعية: العدل، الناس، اللااغتراب، كانت أمل أى إنسان لم يتنازل عن وعيه، أو لم يُسرق منه وعيه، لاحت أملاً لكل عاقلٍ لتحقيق العدل وكسر الاغتراب وشل السلطة المسيطرة على أقدار البشر لمجرد أنها سلطة، لكن حين اختُبر تحقيق هذا الأمل وانقلب حلماً يوتوبياً روسياً شموليا واختُبِر على سطح الأرض فى شكل حكومةٍ وناسٍ وشهواتٍ وضعفٍ بشرى، مات الحلم الطوبائىّ،

لكن ليس معنى هذا أن يموت الأمل،                   

هل كان حلماً اختفى بالاستيقاظ؟ أم كان حَمْلاً نزل قبل أن يكتمل؟ أى أنه أُجهض؟

أم أنه كان حملاً خارج رحمه الطبيعى فلم ينته بولادة طبيعية؟

مات الحلم ولم يمت الأمل فى العدل،

فنُصب السرادق فى السفارة الروسية (وليس فى كل الدنيا) وتقبل محبو الميت العزاء، فى سرادق موته، وليس فى محافل احتمالات ولادته من جديد.

وَجَبَ العزاء

لكن لم ينته التاريخ

العزاء فى ماذا؟

فى التجربة الروسية التى تمثل التطبيق العاجز أو التطبيق الناقص أو التطبيق قبل الأوان، وليس العزاء فى جنين العدل مهما تأجلت الولادة.

كانت العزيزة الفقيدة تثير صراعاً جيداً أنَّ ثم حلاً آخر فى نظام آخر، ومن ثم يحضرنا الصراع الذى يتخلّق منه الجانب الآخر (القارب الآخر) ليتابع المسار فى تحفز للانقضاض، أو فى شغف لمعرفة النتيجة، لكن حين تعلن النتيجة أن العزيزة ماتت، ولو فى هذا الموقع فقط، فى هذه المرحلة فقط فإن الصراع يتراجع ولا يتوقف نهائيا، لا يبقى فى هذه الوقفة المؤقتة إلا واجب العزاء، وبالتالى يختفى الزورق الآخر، ويعلن أمثال فوكوياما نهاية التاريخ.

التاريخ لم ينته، والنقيض ليس هو الحل مهما تأكدنا من موت العزيزة “النسخة الروسية”.

لابد من مراجعة لا تراجعاً.

ها هو الإنسان يتوجه إلى الشاطئ فيظهر الصراع من جديد.

الإنسان وهو يسعى للعدل لا يقبل أن ينتهى لاجئا ساكنا فى المرسى الفخم لأى سفارة، وهو يرجع لا يتراجع ليبدأ آملا فى اشتراكية أخرى، وعدل حقيقى آخر.

من حق الناس أن تحافظ على حياتها على حركتها، على تعددها، على جدلها، على حلمها، على قيامها أبداً بعد سقوطها.

الراوى لم يخَفْ من المطاردة الجديدة، التى تعلن حيوية التناقض، والأمل فى جدلٍ خلاّق وهو لم ينتكس إلى التجربة الفاشلة (الرجوع إلى السفارة) بل هو مضى يواصل سعيه الدؤوب إلى الشاطئ الآخر محتفظا بأمله، مهما كانت حدة المطاردة تغريه بالرجوع والتخلى عن الصراع، والرجوع عن إعادة المحاولة.

لا مفر من احتمالات جديدة، وتجارب جديدة، تثبت أن العزيزة التى ماتت هى تجربة واحدة، وليست الفكرة الأصل الواعدة.

إذا لم يكن الأمل قد تحقق من خلال هذه المحاولة أو تلك (النموذج الروسى) فماتت عينة محدودة من المنظومة العزيزة مبتسرة، ماتت قبل أن تكتمل، فليكن الوصول إلى الشاطئ من جديد هو إعلان الحق فى المحافظة على الأمل فى مواصلة السعى فى اتجاه آخر وآخر وآخر.

هذا الشاطئ “الآخر” لا يعلن نهاية الحركة، لكنه ربما يعلن تحديدا أننا لابد أن ننطلق من أرض الواقع ونحن نعاود البداية، رافضين التسليم لأحد الجانبين.

الزعم بنهاية التاريخ هو بمثابة إعلان موت التاريخ.

التاريخ لا يموت،

وإنما يتجدد وهو يتعلم من أخطائه.

* * *

حلم‏ (46)

جمعتنا‏ ‏حديقة‏. ‏درج‏ ‏صاحبنا‏ ‏يغنى ‏ونحن‏ ‏نسمع‏ ‏ونطرب‏ ‏ويعلو‏ ‏منا‏ ‏هتاف‏ ‏الوجد‏ ‏والاستحسان‏. ‏وأزعجنا‏ ‏العباد‏ ‏فشكونا‏ ‏إلى ‏الشرطة‏. ‏ورأينا‏ ‏الشرطة‏ ‏قادمة‏ ‏فتفرقنا‏ ‏لائذين‏ ‏بالفرار‏. ‏جريت‏ ‏فى ‏الاتجاه‏ ‏الذى ‏اتفق‏ ‏وكلما‏ ‏نظرت‏ ‏خلفى ‏رأيت‏ ‏الشرطى ‏يجرى ‏فى ‏إثرى ‏بكل‏ ‏قوة‏ ‏وإصرار‏، ‏وظهر‏ ‏لى ‏شخص‏ ‏يجرى ‏أمامى ‏وكأنه‏ ‏يفر‏ ‏منى‏. ‏من‏ ‏يكون‏ ‏ذلك‏ ‏الشخص؟‏ ‏ذكرتنى ‏رشاقته‏ ‏وجميل‏ ‏قوامه‏ ‏بالحبيبة‏. ‏وهكذا‏ ‏صعدنا‏ ‏البرج‏ ‏وفوق‏ ‏سطحه‏ ‏منتنى ‏النفس‏ ‏باحتضان‏ ‏حبيبتى ‏ولكنها‏ ‏تخطت‏ ‏السور‏ ‏وهوت‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏العلو‏ ‏الشاهق‏ ‏إلى ‏الأرض‏. ‏فقدت‏ ‏عقلى ‏وزاد‏ ‏من‏ ‏تعاستى ‏اقتراب‏ ‏الشرطى ‏فوثبت‏ ‏من‏ ‏فوق‏ ‏السور‏ ‏وراء‏ ‏حبيبتى ‏توقعت‏ ‏أفظع‏ ‏ألم‏ ‏وكان‏ ‏لارتطامى ‏بالإرض‏ ‏دوى ‏مثل‏ ‏قنبلة‏ ‏لكنى ‏لم‏ ‏أشعر‏ ‏بأى ‏ألم‏. ‏وقمت‏ ‏واقفا‏ ‏فى ‏تمام‏ ‏الصحة‏. ‏تلفت‏ ‏فلم‏ ‏أجد‏ ‏لحبيبتى ‏أثرا‏ ‏ونظرت‏ ‏إلى ‏أعلى ‏البرج‏ ‏فرأيت‏ ‏الشرطى ‏يطل‏ ‏علينا‏ ‏وهو‏ ‏يغرق‏ ‏فى ‏الضحك‏.

القراءة:

يبدأ الحلم بهذه البهجة “الطفلية” الزائطة بلا حدود، تلك التى يمكن ألا تكون مقبولة حين تصبح مصدر كل هذا الإزعاج الذى يبرر حضور سلطة أبوية حازمة جاهزة للملاحقة للعقاب أو الضبط والربط.

الهرب من مثل هذه السلطة الوالدية لا يكون بالأمل فى الاختباء فى حضن حبيب مهما أغرتنا وعودة.

المطاردة هنا مزدوجة:  النداء من الأمام (الحبيبة الندّاهة)

والملاحقة من خلف (السلطة)، (قارن الملاحقة الجذب فى حلم 23)

هما ضلعان يكملان بعضهما فى نفس الاتجاه. لكن أى اتجاه؟

الصعود وراء الحبيبة هنا بدا لى تسلقا لبرج الخيال الآمِلْ، فى أمان جاهز، أكثر منه طلبا لعلاقة أرضيّة صَعبة ورائعة.

تختفى الحبيبة هنا أيضا ربما مثلما اختفت فى العاصفة، (حلم 27)

أو حتى مثل تلك التى تكشفت عن هيكل هش تحطم فى حضنه، (حلم14)

وإلى درجة أقل مثل اختفاء الحبيبة فى الزحام (حلم 2).

أو حتى مثل اختفاء قائدة الزورق فى النهر (حلم 18).

الإحباط الذى يلى هذا الاختفاء يختلف حسب كل موقف.

المفاجأة هنا كانت فى تفاصيل خبرة السقوط من شاهق وراء الحبيبة النداهة، سقوط بلا ألم برغم مخاوف التحطيم المتوقع.

منظر السقوط هنا ذكرنى بمنظر ارتطام الملاك فى فيلم “مدينة الملائكة” (بطولة: نيكولاس كيج وميج ريان) وهو يسقط من شاهق بإرادته ليتخلى عن ملائكيته فيكون بشرا خليقا بحب حبيبته من البشر، لكن المسألة هنا معكوسة: إن اختفاء ألم السقوط وافتقاد آثار الارتطام ووقوف الراوى فى تمام الصحة البلهاء هكذا، قد أوصل لى أن الحل الهروبى إلى حضنٍ حامٍ، من سلطة قاهرة، هو بمثابة هذا الزيف الخالى من الألم.

الهرب من سلطة قامعة، بالاندفاع استجابة لعلاقة حاوية، ليس هو الحل.

الاحتياج للرِّى دون جدل لا يخلّق إلا علاقة خائبة متخيلة، وخاوية مادام لم يَدفع فيها صاحبها ثمنا كافيا.

لا علاقة بلا ثمن.

أما ضحك الشرطى هنا وهو فى موقع يراهما معاً، بعد أن اختفى كل منهما عن الآخر، فقد يكون إعلانا لعبثية الملاحقة هكذا بلا مقابل.

بدأنا الحلم بنكوص طفلى،

وانتهينا بجوٍع عاطفى لا يحقق شيئا إلا سقوطاً فى الهواء، تغلفه البلاهة أو البلادة.

* * *

حلم‏ (47)

فى ‏الطريق‏ ‏لعب‏ ‏أمامى ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏الصبية‏ ‏فشعرت‏ ‏أنهم‏ ‏يضمرون‏ ‏لى ‏السوء‏. ‏وعجبت‏ ‏لأنه‏ ‏لم‏ ‏يحصل‏ ‏بينى ‏وبينهم‏ ‏ما‏ ‏يدعو‏ ‏إلى ‏ذلك‏، ‏وسرت‏ ‏فى ‏حذر‏ ‏وأنا‏ ‏أتذكر‏ ‏بدهشة‏ ‏حالى ‏عندما‏ ‏كنت‏ ‏فى ‏سنهم‏.‏

ووجدت‏ ‏أمامى ‏محلا‏ ‏كبيرا‏ ‏يعد‏ ‏ليكون‏ ‏محلا‏ ‏لبيع‏ ‏الحلوى ‏كما‏ ‏فهمت‏ ‏من‏ ‏لافتته‏ ‏الكبيرة‏، ‏وكان‏ ‏العمل‏ ‏على ‏أشده‏ ‏فى ‏إعداده‏ ‏فاقتربت‏ ‏منهم‏ ‏وسألتهم‏ ‘‏هل‏ ‏ستقدمون‏ ‏ضمن‏ ‏الحلوى ‏بقلاوة‏ ‏وكنافة‏’ ‏وكف‏ ‏العمال‏ ‏عن‏ ‏العمل‏ ‏واتجهوا‏ ‏بأنظارهم‏ ‏نحوى ‏وعلى ‏حين‏ ‏قهقه‏ ‏الصبية‏ ‏وصفروا‏. ‏وجاء‏ ‏من‏ ‏أقصى ‏المحل‏ ‏رجل‏ ‏بدا‏ ‏أنه‏ ‏صاحبه‏ ‏وسأل‏ ‘‏هل‏ ‏حقا‏ ‏مازال‏ ‏يوجد‏ ‏أناس‏ ‏يحبون‏ ‏البقلاوة‏ ‏والكنافة؟‏’ ‏وسرت‏ ‏بين‏ ‏العمال‏ ‏همهمة‏ ‏وراح‏ ‏الصبية‏ ‏يرقصون‏ ‏ويصفرون‏ ‏ويكورون‏ ‏قبضات‏ ‏أيديهم‏ ‏فى ‏وجهى‏

القراءة:

هل هو إعلان بموت الطفولة الحقيقية داخلنا وخارجنا؟ وأن ثَمَّ تخطيطا يجرى إعداده لطفولة أخرى، لها صفات أخرى وقوانين أخرى؟

لاحت ملامح هذه الطفولة الجديدة ساخرة قاسية:

محل الحلوى الذى لوّح بنوع آخر من الحلوى ليس جاهزا بعد، ولا هو أوحى بما يبين لنا أى حلوى سينتج أصلاً، لكن الراوى لا يعرف إلا طفولته “وأنا أتذكر بدهشة حالى عندما كنت فى سنهم”،

من الذى يحق له أن يستغرب فى هذا الموقف؟

العمال استغربوا لسؤاله حتى توقفوا عن العمل،

وبرغم سخرية الصبية منه منذ البداية حتى توجس شرا، إلا أنه مضى يتساءل عما يسأل عنه طفلٌ.

بديهى أن نسأل عن بعض أنواع الحلوى فى محل يعد لبيع الحلوى، وهل سوف يكون ضمن ما يبيع للأطفال خاصة، البقلاوة والكنافة، لكن بعد أن تغير الحال بدا أن الراوى حين سأل سؤاله هذا البسيط الساذج قد خرج عن المألوف.

هو قد أعلن بسؤاله هذا عن مدى بعده عما آل إليه الحال.

إن لم تكن البقلاوة والكنافة ضمن الحلوى التى يحبها الأطفال فما هو نوع الحلوى التى يمكن أن يقدمها محل يعد لبيع الحلوى لهذه الكائنات الجديدة الساخرة المتوعدة؟

كيف يسأل هذا الأبله عن “حلاوة” فى عالم لم يعد به حلاوة؟

بدلا من أن تكون الدهشة مما آل إليه الحال، ومن غموض الموقف، بدت أصلاً على صاحب المحل الذى راح يتساءل – متعجبا- عن أناس مازالوا يحبون البقلاوة والكنافة!

ماذا يمكن أن يحبه الناس الأطفال، أو أطفال الناس، إن كان عليهم أن يكفوا عن حب البقلاوة والكنافة؟

هل يكتفون بالسخرية والقهقهة والتصفير وإضمار السوء للناس الطيبين الذين لم يبلغهم خبر ما آل إليه الحال؟

محلات الحلوى بلا حلوى! والعمال مغتربون إلا عن مواصلة الاغتراب!! ما هذا؟

غريب هو إذن!

هو بتلقائيته وبساطته بدا غريبا وهو مازال يتصور أنه يمكنه أن يحافظ على طفولته الحقيقية.

يبدأ الحلم وهو يستشعر أن الصبية يضمرون له السوء،

وينتهى وهم يرقصون ويكورون قبضات أيديهم فى وجهه،

ما هى تهمته بالضبط؟

أنه احتفظ بطفولته؟

أنه لم يعلم بما آل إليه الحال؟

أنه مازال يأمل ويرجو؟

* * *

حلم‏ (48)

أقبلت‏ ‏فوجدت‏ ‏فى ‏الحجرة‏ ‏الحرافيش،‏ ‏وسألت‏ ‏عن‏ ‏الغائب‏ ‏الوحيد‏ ‏فقالوا‏ ‏إنهم‏ ‏أرسلوا‏ ‏إلى ‏الموسيقار‏ ‏سيد‏ ‏درويش‏ ‏فى ‏طلب‏ ‏فرقة‏ ‏الباليه‏ ‏الجديدة‏ ‏ولا‏ ‏أدرى ‏كيف‏ ‏فسد‏ ‏الجو‏ ‏بينى ‏وبينهم‏ ‏وتجهمت‏ ‏وجوههم‏ ‏جميعا‏، ‏وهممت‏ ‏بمغادرة‏ ‏المكان،‏ ‏ولكن‏ ‏فرقة‏ ‏الباليه ‏وصلت‏ ‏وفى ‏الحال‏ ‏عزفت‏ ‏الموسيقى ‏ودار‏ ‏الرقص‏ ‏وخفت‏ ‏التوتر‏ ‏بيننا،‏ ‏واندمجنا‏ ‏فى ‏الرقص‏ ‏والنغم،‏ ‏بل‏ ‏وصفت‏ ‏القلوب‏ ‏وانهالت‏ ‏علينا‏ ‏النشوات‏ ‏وغمرنا‏ ‏الحب‏ ‏والمودة‏.‏

وإذا‏ ‏بنا‏ ‏ننضم‏ ‏إلى ‏فريق‏ ‏الراقصين‏ ‏والراقصات‏ ‏ونشارك‏ ‏فى ‏الأناشيد‏ ‏والأغانى ‏وتعاهدنا‏ ‏دون‏ ‏كلام‏ ‏على ‏أن‏ ‏نؤرخ‏ ‏تلك‏ ‏الليلة‏.‏

القراءة:

هاهم الحرافيش يعودون للظهور، وبالاسم، مرة أخرى

حين التحقت بالحرافيش احتياطيا فى الوقت بدل الضائع، كنت ألاحظ تكرار الحديث عن ذلك الغائب من الحرافيش التاريخيين الحقيقيين بشكل متواتر، حتى بعض الحرافيش المتبقين كانوا يحضرون كالغائبين، اقتصر الحرافيشُ الذين لحقت بهم بعد انتهاء “الزمن الأصلى” على توفيق صالح وشخصى وشيخنا لبضعة سنوات، كان أحمد مظهر يحضر بالكاد، وبمحاولات متكررة منى، منّا، وتحايلات متنوعة، فى حين كان جميل شفيق يحضر كالضيف أحيانا حين يجد الوقت، أما بهجت عثمان فقد كان حضوره مفاجأة لا يمكن الاعتماد على تواترها، الغائب الحاضر طول الوقت جدا كان محمد عفيفى “وأنا لم أره فى حياتى برغم فضل كتابته علىّ فى مطلع شبابى”، أما عادل  كامل، فقد  جعلوا يحكون عنه أمامى بحب وشوق، حتى أحضرته الذاكرة إلينا من أمريكا ذات يوم لمدة اسبوعين، وفوجئت أنه هو هو الذى صوره لى الحرافيش القدامى من فرط دقة وصدق الحكى عنه ومدى حبهم له.

قلت أكثر من مرة – فى مواقع أخرى- أن الحرافيش الحقيقيين (وأنا لست منهم) لن يعرف عنهم التاريخ شيئا حقيقيا، ليس لأن هناك ما ينبغى أن يخفى أو لا يصح التصريح به (أو لعل بعض الأمر كذلك)، ولكن لأن ما سمعته عنهم من بعضهم، هو غير قابل للتسجيل لتعدد القنوات وكثافة التداخل، فأضافت هذه الحقيقة إلى حذرى من تصديق التاريخ عموما، وهو ما يدعم شكى مهما بلغت دقة النقل وشرف الأمانة وحسن النية.

بدأ هذا الحلم وثمَّ حرفوشُ غائب، الراوى هو الذى افتقده دونهم، ومع أنهم أرسلوا لسيد درويش، فلم يكن هذا يعنى أنه الحرفوش الغائب، فهم قد أرسلوا إليه فى ‏طلب‏ ‏فرقة‏ ‏الباليه، لم يكن سيد درويش من الحرافيش طبعا، لماذا يظهر سيد درويش وكأنه متعهد فرقة الباليه الجديدة؟ ولماذا يكون رد الفعل لسؤال الراوى هكذا؟.

رسالتهم هذه إلى سيد درويش، كانت سببا فى فساد الجو بينه وبينهم.

الاختلاف وارد فى ثلة الحرافيش الحقيقيين – على قدر ما بلغنى وعايشتُ- وإلا فهم ليسوا حرافيش ولا بشراً ولا أصدقاء، صحبة بدون خلاف ليست هى.

 الخلاف هنا له احتمالات عدة: اختلاف فى انفراد أحدهم برأى يخالف كل الآخرين، وهذا وارد، والتفاعل له بالنفى وارد أيضا، وهو ليس أسوأ من الموافقة المجاملة.

الاختلاف حول إدخال حرفوش جديد ليس بحرفوش وارد أيضا.

أذكر حين دعانى شيخى لأول مرة فى أوائل سنة 1995 للانضمام إليه هو وتوفيق صالح، (جماعة الحرافيش لا تصلح بأقل من ثلاثة) أن أبلغنى حصوله على موافقة توفيق لانضمامى، لكننى اعتذرت لأسابيع لحين أتأكد من الموافقة النهائية، وذلك تحسبا واحتراما لطقوس الدخول إلى هذه الصفوة الخاصة جدا، التى لا أعرف عنها شيئا، وحين صرت عضوا فيما تبقى من وقت المباراة عرفت بالممارسة الطقوس والشروط الواجب احترامها طول الوقت (اهتزت هذه الطقوس كثيراً ومراراً فى السنوات الأخيرة بعد أن أصبحت الحرافيش ليست حرافيش – تقريبا)

المهم أين يقع سيد درويش من كل هذا؟ وما حكاية فرقة الباليه الجديدة؟

‏ثم كيف خف ‏التوتر‏ وصفت‏ ‏القلوب  بينهم بعد أن عزفت‏ ‏الموسيقى‏ ‏واندمجوا هم أيضا فى الرقص و‏النغم‏ ‏حتى انهالت عليهم‏ ‏النشوات‏ ‏وغمرهم‏ ‏الحب‏ ‏وسادت المودة‏؟

ثم لماذا الباليه الجديد (أو الفرقة الجديدة)، وليس الباليه فقط؟

التوفيق (بل الجدل) بين ما يمثله سيد درويش، وما يمثله فن الباليه الذى ليس له علاقة مباشرة بسيد درويش هو وارد، بل لعله هو الذى غاب عن كثير من الحرافيش (ليس بالضرورة هؤلاء الحرافيش)

 رفضُ الجديد والحذر منه واردُ أيضا وتماما من الأغلبية، ومن يجرؤ أن يقترح غير ذلك فعليه أن يتحمل ما يقابَلُ به من رفض وتوجس، لكن حين يثبت بالتجربة والممارسة أن الجديد هو إضافة أصيلة، وأنه لا يكون إبداعاً فائقا  إلا إن كان ناتج جدل خلاق مع قديم أصيل، حين يثبت ذلك نتيقن أن استيعابنا للحر القديم هو الطريق إلى تواصل الإبداع والنمو باضطراد.

 لاحظ التعبير “أرسلوا‏ ‏إلى ‏الموسيقار سيد‏ ‏درويش‏ ‏فى ‏طلب‏ ‏فرقة‏ ‏”الباليه ‏الجديدة‏” فهو لم يقل سيد درويش دون صفة الموسيقار مما يؤكد استبعاده من أنه أحد الحرافيش، فهم لا يسمون بعضهم بألقابهم أو مهنتهم أبداً (تقريباً)، ولا حتى لفظ الموسيقار هنا يؤكد أن سيد درويش يُستدعى بصفته موسيقارا، وياليت الأمر كان كذلك فحسب، لكنه استدعى بصفته موسيقاراً مهمته أن يستدعى فرقة الباليه، وهى ليست أية فرقة، لكنها فرقة الباليه الجديدة، لفظ “الجديدة” هنا – كما أشرت، هو أيضا وصلنى بدلالة خاصة.

إن الحرفوش الراوى الذى لاحظ ما ينقص هذه الثّلة التى تكاد تنغلق اكتفاءً بذاتها وتقليديتها وذكرياتها، هو الذى أعلن غياب أحدهم، شخص ما، (أو شىء ما). إنهم حين اقترحوا أن سيد درويش وهو موسيقار قديم رائع هو الذى يستدعى الفرقة الجديدة التى قد تقدم إبداعا آخر كانوا كمن يختبر احتمال تعويض ما ينقصهم، شريطة ألا يكون على حساب القديم، ولا مانع أن يرقصوا مع فرقة الباليه الجديدة على أنغام ما تطوّر من سيد درويش.

المرة الوحيدة التى شاهدت فيها ما يسمى “الباليه الحديث” كانت فى باريس، سنة 1969، وقد فزعت منه مثل أى مبتدئ يقرأ قصيدة نثر لأول مرة، هو شىء آخر غير الباليه التقليدى الذى تتدرب عليه – حتى الآن – حفيداتى، اندماج الحرافيش مع الراقصين فى هذا الباليه الجديد، له دلالته لمن يستلهم معنى لفظ “الجديد” هنا.

 حين يتم مثل هذا التآلف “معاً” وتصدح الانغام وتتحرك الأجساد راقصة ليضم الجديد القديم، ثم يشترك المشاهدون مع الفرقة فالسماح، تكون النتيجة الطبيعية أن يصبحوا جزءًا متناعما فى لحن حركية الوجود معاً، ومن ثم: تنهال عليهم ‏النشوات‏ ‏ويغمرهم ‏ ‏الحب‏ ‏وتفيض بهم المودة‏.

 لم يتم ذلك بهذا الجمال “معاً” إلا بعد أن وصلت إلى مستوى ما من وعيهم دلالة كل ذلك بعمقه الممتد إلى كل المجالات حتى جعلوا هذه الليلة علامة يؤرخ بها (وكأنها بداية أخرى للتاريخ..!!)

‏وتعاهدنا‏ ‏دون‏ ‏كلام‏ ‏على ‏أن‏ ‏نؤرخ‏ ‏تلك‏ ‏الليلة‏.‏

لماذا دون كلام؟

لأن ما حدث هكذا بكل دلالاته هو أقوى وأطول عمرا وأقدر على اختبارات الزمن، من الكلمات والتسجيل.

* * *

حلم‏ (49)

قصدت المبنى الأبيض الأنيق: فى صدر البهو جلست السيدة الجميلة، واجتمعنا إليها فراحت تتحدث عن شركة الإنتاج الفنى التى قررت إنشاءها. ورحبنا بالشركة وصاحبتها ومضى كل منا يدلى برأيه فى الإنتاج والعمل. ولم نختلف إلا حول الأجور. فقد كان رأيها أن يحدد الأجر تبعا للاتفاق معها. وكان رأيى الذى أيده البعض أن يحدد الأجر بنسبة ثابتة من تكاليف الفيلم أو المسرحية. وأجلت المناقشة إلى جلسة أخرى. وقلت لزملائى إن الأخذ برأيها يجعلنا تحت رحمتها وإن النسبة توضح الأمر وتغلق الباب أمام الانتهازية.

ودعتنا السيدة مع آخرين للعشاء. وبعد العشاء أقيمت حفلة موسيقية. وما ندرى إلا والسيدة تتجرد من ثيابها وترقص عارية وبصورة غاية فى الإثارة.

واستقر رأيى بصفة نهائية. قررت أن أبتعد عن الشركة وصاحبتها.

القراءة:

هذا حلم من الأحلام التى تصلنى فاترة – على ندرتها- وقد تعلمت من المشاركة، واحترام رؤية الآخر، (مثلما حدث بالنسبة لحلم40) ألا أتعجل فى إصدار مثل هذا الحكم بالفتور كما اعترفت من قبل أن هذا الفتور قد يرجع إلى –أنا-  بقدر ما قد يكون دليلا على حق المبدع أن تتراخى حدة إبداعه أحيانا.

وصلنى هذا الحلم باعتبار أنه قام بتعرية هذه السيدة اللعوب التى تستغل حاجة الناس للعمل والمشاركة والإنتاج، تستغل ذلك لصالحها المادى، دون اعتبار لا للفن ولا للعدل ولا للأخلاق،  وهى تضرب عرض الحائط بأى رأى إلا رأيها، كما أنها قد تلجأ لكل الطرق لتحقيق مأربها، هذا النوع من رجال/نساء الأعمال لا يتورعون عن استعمال كل الوسائل لتحقيق أغراضهم، وإتمام الصفقات سواء على موائد العشاء أو فى أماكن أخرى.

لم يصلنى التعرى هنا كنوع من الإغراء لتمرير الصفقة بشروطها، إذ لو كان الأمر كذلك، لأخذتهم الواحد تلو الآخر سراً، كل بما يحتاجه حسب شخصيته، لكن أن تتجرد هذه السيدة تماما هكذا من ثيابها ثم ترقص عارية وبصورة غاية فى الإثارة، فهذا تعرٍّ آخر، يحتاج لنظرة أعمق.

أما النهاية، فقد رجحتْ لى ذلك الانطباع الفاتر الأول أكثر، هذا الانسحاب الهادئ احتجاجا أو بحساب المكسب والخسارة “قررت أن أبتعد عن الشركة وصاحبتها” ليس من طبيعة هذه الأحلام عامة، ولا هو من طبيعة أحلام فترة النقاهة خاصة، تُرى ماذا تبقى من آثار تلك “الإثارة” التى بلغت غايتها، وهو ينسحب، هل انسحب وهو أكثر إثارة، أو ربما تنقلب الإثارة إلى ثورة، وقد تحدث نقلة أكثر غموضا، وبالتالى أكثر تنشيطاً وتحوَّلا، وحُلْماً، تترك لنا نهاية الحلم مفتوحة ينهيها كلٌّ منّا بما شاء… كيف شاء.

……….

فجأة خطر لى أن المسألة كلها ليست صفقة فنية ولا اتفاقاً ولا اختلافاً على طريقة الأجور.

خطر لى ما كاد يصالحنى على الحلم، لكننى خفت من استسهال قراءته رمزاً خالصا.

خطر لى أن المبنى الأبيض ليس سوى البيت الأبيض،

 وأن السيدة ليست إلا “أمريكا” (غير ممثلة فى كونداليزا رايس بالذات، فهى لا تصلح لهذا الحلم تحديدا)…

هنا يصبح التعرّى – بعد طرح مشروع الإنتاج الفنى العوْلمى لأمْرَكَةِ الأتباع مقابل معونة ثابتة بعد الاتفاق معها- هو تبجح أمريكا دون حياء فى عرض وفرض شركتها الخاصة بشروطها الخاصة لإدارة شئون عموم البشر، ويحدد الأجر حسب الاتفاق معها بما يسمح لها بمواصلة نشاط فرقتها من خلال التحالفات الثنائية، وغيرها، ومن ثمَّ الغزو المسلح دون قرار دولى، وترويجها لمبدأ القتل الوقائى كحق مشروع للأقوى، ورفضها توقيع معاهدة كيوتو للحفاظ على البيئة، ووقاحتها فى فرض استثناء رجال قواتها المسلحة من المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية على جرائم الحرب… إلخ، كل ذلك هو نوع من التعرّى الفاضح، لامرأة قوية وفاجرة وظالمة ومتبجحة، تأبى إلا أن تكون هى صاحبة الرأى الأوحد وهى تعرض بضاعتها وتفرض شروطها التى لا تناقش.

الذى منعنى أن أتمادى فى هذه القراءة الثانية هو ما حدث من “رقص” عاِرِ غاية فى الإثارة، فتعرى أمريكا بما سبق ليس رقصا، ولا هو غاية فى الإثارة، وإنما هو وقاحة مقززة، غاية فى إثارة الاشمئزار والغثيان، قبل تفجير الثأر فالقتل القصاص، أو ما شابه.

ثُم إنى لم أستسغ طريقة الاحتجاج فى نهاية الحلم باللجوء إلى الابتعاد عن الشركة وصاحبتها، لم أرَ أنها الرد المناسب على مثل هذه الوقاحة القارحة، ولا حتى الرقص العارى المثير.

أدعوك –عزيزى القارئ- أن تعيد قراءة الحلم والنقد من جديد على هذا الأساس أيضا، أو أصلاً.

يا ليتك تفعل وتقول لى، أى القراءتين وصلتك أقرب؟

أو لعل عندك قراءة ثالثة أو رابعة.

* * *

حلم (50)

كنت أتطلع إلى امرأة فاتنة تسير فى الطريق، فاقترب منى بجرأة وهمس فى أذنى أنها تحت أمرى اذا أمرت. كان براق العينين منفرا ولكنى لم أصده. واتفقنا على مبلغ وأصر على أن يأخد نصفه مقدما فأعطيته النصف. وضرب لى موعدا ولكن عند اللقاء كان بمفرده واعتذر بتوعك المرأة وكان على أتم استعداد لرد المقدم ولكنى صدقته وأبقيته معه. وكان يقابلنى فى حلى وترحالى ويطالبنى بالصبر. وخشيت أن تسئ هذه المقابلات سمعتى فأخبرته أننى عدلت عن رغبتى ولن أسترد المقدم ولكن عليه ألا يقابلنى. ولم يعد يقابلنى ولكنه كان يلوح بها فى أكثر الأماكن التى أختلف إليها. وضقت به كما كرهته وقررت الانتقال إلى الإسكندرية. وفى محطة   سيدى جابر رأيته واقفا وكأنه ينتظر.

القراءة:

الراوى الحالم هنا لا يتردد فى السماح للطبيعة الفجة بداخله أن تتوجه إلى ما تتوجه إليه، المرأة الفاتنة، وهو جاهز، لكن الأمور تتطور إلى شىء آخر، وسيط دخيل يقفز بينهما ليتمم الصفقة، انقلبت المسألة من نداء واحتمال استجابة إلى صفقة لها ثمن ومقدم ومؤخر، ومثل كل الصفقات: تَحتمل التلاعب والتأجيل والمغالطة وكل شىء،

 نلاحظ أيضا أن الرجل ذا البريق المنفِّر فى عينيه، لا يعتذر بتوعكه هو، ولكن بتوعك المرأة، وأتصور أنه حين كان يزعم أنه  كان على استعداد لرد المقدم  لم يكن جادا، وأن صاحبنا حين صدقه لم يكن يصدقه فعلا، وأنه كان يتصور طول الوقت أنه يمكن أن يحصل على مطلبه بشكل ما ولو تأخر مهما تأخر، وحين طال الزمن لم يعد ثمَّ مفر من تبين الحقيقة والتراجع والتضحية بالمقدم، ظلَّ هذا المنفِّر يقابله (لا يلاحقه) فى حله وترحاله، ويطالبه بالصبر.

إحلال كلمة “المقابلة” اللصيقة فى الحل والترحال، محل “المتابعة” أو “الملاحقة” فى أحلام أخرى، جعلنى أميل أكثر إلى  أن أقرأ هذا الوسيط الدخيل من الداخل.

يقفز لى هذا التفسير (من الداخل) جاهزاً كلما لاحت لى تنويعات الملاحقة فى الإبداع والمرض على حد سواء، يحضرنى هذا التصور بشكل خاص حين أكتشف أن الملاحقة تتواصل حتى بدون سبب واضح ظاهر، أو حين نتابع الملاحقة وهى تظهر فى أماكن لا نتوقع فيها الملاحقة، أو حين تختلط الملاحقة بالمقابلة أو الهمس الخفى.

ثم إن المفروض أن الذى يلاحق هو صاحب الحاجة دافع المقدّم وليس العكس، إذن نحن هنا بإزاء تتبعٍّ غامضٍ أكثر منها ملاحقة كتلك التى ألمحنا إلى ضرورة العودة إليها فى الدراسة الشاملة (حلم 47).

 هذا الآخر بداخلنا حين ينفصل عن حركية “الواحدية” ONENESS يظهر لنا فى المرض فى صورة أعراض معروفة هى بعض أعراض “شنايدر” من المرتبة الأولى [39]، أصوات تُعقِّّب، أصوات تُناقش (أحوال المريض)، أصوات تلاحق..الخ” هذا الداخل الآخر هو ذاتٌ ملاحِقة ملوّحة، متى انفصلت قبل التمادى فى التفسخ فإنها تمضى تعرى المسائل، وهى تظهر هنا مُسقطة فى صورة هذا القواّد المقزز، فهو يعلن أن  الإعجاب بامرأة فاتنة هو عرض للمضاجعة، ثم هو يدفع صاحبه أن يتقدم لإتمام صفقة محددة المعالم، وهو يكشف أن العزوف عن تلك الرغبة ليس زهدا حقيقيا أو تغيرا فى الموقف وإنما هو يأس من تحقيق الصفقة، وهو يريد أن يتخلص من إلحاح الرغبة فى المرأة، وأيضا من تعرية نفسه أمام نفسه، بخبطة واحدة، فيتنازل عن المقدم، ويعلن العزوف، ليتخلص من هذا الانفصال المزعج  للداخل، وما ترتب عليه.

 هذا التفسير من داخل الذات يرجحه أيضا أن الحلم ينتهى بظهور الرجل فى محطة سيدى جابر وكأنه ينتظر.

ينتظر ماذا؟

من هو المفروض أن ينتظر؟

هذا الذى دفع المقدم بدون مقابل؟ أم ذلك الذى كنا نتوقع أن يزوِّغ من صاحب الحق، خشية أن يقلبها جدا ويطلب المقدّم؟

لابد أن هذا الذى ينتظر إنما ينتظر شيئاً آخر.

* * *

حلم‏ (51)

وقف القطار دون وجود محطة فتساءلت صاحبتى عن السبب ولكنى لم أدر كيف أجيبها.

واذا بكتائب من الجيش تطوقه فتقتحمه شاهرة أسلحتها وساقت الى الخارج كثيرين من ضباط الجيش الذين كانوا بالقطار وعددا محدودا من المدنيين. وقبض علىّ فيمن قبض عليهم فتركت صاحبتى منزعجة خائفة. وجدنا أنفسنا فى صحراء. أمرنا الجنود المسلحون بخلع بدلنا والبقاء بملابسنا الداخلية، ولكنهم وضعوا العسكريين فى ناحية والمدنيين فى ناحية، وأخذنا نتهامس أننا ضعنا وانتهى الأمر.

وجاء قائد الجنود ونادى علينا كل واحد باسمه. وتساءل صوت منا:

– هل تقتلوننا بلا محاكمة؟

فأجاب القائد بصراحة:

– الأمر لا يحتاج الى محاكمة

وتحرك القطار فتذكرت صاحبتى.

القراءة:

هذا حلم آخر من الأحلام التى تفرض نفسها لنقرأها رمزا لم يعد له ضرورة أن ينوب عن الموضوع الأصلى، تفرض مثل هذه القراءة المرموزة نفسها على الناقد، وربما تسحبت الكتابة إلى الكاتب بنفس الطريقة، أى : فرضت نفسها فرضا.

الذى عاش هذه الفترة مثلى ومثله لا يتردد فى قراءة هذا الحلم قراءة مباشرة.

كان القطار قد توقف بنا فعلا، دون وجود أى أمل فى قيام بعد هذه الوقفة، إذن فهى ليست محطة يتوقف فيها قطار يجدد ركابه، وقد يتزود بوقود، أو يراجع خط سيره، ثم يقوم من جديد، التوقف هنا عجز عن الحركة، لا أكثر، كان الحال قد وصل إلى التوقف التام حتى راح كل الناس يعرفون أن شيئا ما لا بد أن يحدث وإلا..، الفترة ما بين حريق القاهرة فى يناير وحركة يوليو فى يوليو كانت وقفة لم تنجح فى استثمارها تغيير الوزارات (حسين سرى باشا، نجيب الهلالى باشا،..إلخ)، ولا إشاعات تغييرالحاشية أو تطهيرها، ولا محاولات فى دهاليز انتخابات نادى الضباط، ولا أصوات المعارضة الحقيقية بعد أن استبعد حزب الأغلبية كالعادة، ولا هتافات وتهديدات وتجاوزات الإخوان، حين وقف القطار هكذا لنفاد الوقود، أو غباء السائق أو سلبية الركاب انتهزت الفرصة كتائب الجيش، وتحوطته واقتحمته، ثم فصلت من فصلت من الجيش، ليتبين أن ذلك لم يكن ليعود القطار إلى سيره، وإنما تأمينا للكتائب التى اقتحمت. أما المدنيون القلة فقد تكون إشارة لأن المدنيين لم يكن لهم دور مباشر فى تسيير الأمور، ومع ذلك فقد استبعدت كتائب الجيش المقتحمة كلاً من القلة والكثرة المنسحبة عن المشاركة على حد سواء.

برغم أن أغلب هذه الكثرة ربما تصورت أنها وقفة فى محطة لتجديد الركاب ومراجعة المسار فرحَّبت بالوقفة من حيث المبدأ، بل وبالهجمة والتطويق قبل أن تتبين، بعد فترة ليست طويلة، أنه لم تكن ثمة محطة أصلاً.

مضطر اضطراراً أنا أن أرى صاحبته تلك هى “مصر” (برغم تحفظى المتكرر على مثل ذلك)، مصر الحقيقية كانت منزعجة فعلا برغم الحماس المبدئى، وإرهاصات احتمال تحقيق الحلم. سُحِبت الأرض من تحت الجميع، انهارت الحياة المدنية كأصل فى تجديد الركاب ومراجعة المسار، حُلَّت الأحزاب، واستُبعد أصحاب المصلحة من المشاركة فى القرار، وضاعت المعالم فهى الصحراء “ضعنا وانتهى الامر“.

عادة ما تلحق الثورات- أو حتى الحركات التى تثورت- مرحلة دستورية قانونية تستوعب نتائجها، فالعدل هو الحل، والمحاكمات قادرة على أن تفرز الخونة من الأبرياء.

ما هذا التخريف بالله عليك؟

الحلم ينتهى كما انتهى الأمر الواقع، وكما يمكن أن ينتهى حالنا هنا والآن، برغم أن العساكر يلبسون حللا مدنية.

هل يمكن أن نقرأ نهاية الحلم باعتبارها أحوالنا “الآن”:

وتساءل صوت منا

– هل تقتلوننا بلا محاكمة؟

– فأجاب القائد بصراحة:

– الأمر لا يحتاج الى محاكمة

لكن القطار تحرك

تحرك وتركهم فى الصحراء ينتظرون القتل بلا محاكمة.

أين صاحبته؟

هل هى بداخل القطار، وقد تحرك بها إلى المجهول؟

أم أنها تسللت من وراء هؤلاء وأولئك تبحث عن وسيلة أخرى تنقلها إلى ما تستأهله؟

تذكر صاحبنا صاحبته بعد حركة القطار، تُرى ماذا سيفعلون بها؟

إن كانت ما زالت بداخله،

فإلى أين؟

يا رب سترك!

 إن كانت قد نجحت فى الهرب للاستعداد أو لإنقاذ الممكن؟ فهى تنادينا لنقوم بدورنا الآن وليس بعد،

وإلا..

فالأمر لا يحتاج إلى محاكمة.

* * *

حلم‏ (52)

دعينا‏ ‏إلى ‏اجتماع‏ ‏فى ‏حديقة‏ ‏الأزبكية‏. ‏وهناك‏ ‏طرح‏ ‏علينا‏ ‏اقتراح‏ ‏بتكريم‏ ‏أستاذنا‏ ‏الجليل‏ ‏بمناسبة‏ ‏مرور‏ ‏مائة‏ ‏عام‏ ‏على ‏مولده،‏ ‏ولم‏ ‏يتحمس‏ ‏أحد‏، ‏ولكن‏ ‏لم‏ ‏يبد‏ ‏أحد‏ ‏منا‏ ‏اعتراضه‏. ‏واتفق‏ ‏على ‏أن‏ ‏يتم‏ ‏التكريم‏ ‏فى ‏وزارة‏ ‏الخارجية‏ ‏التى ‏قضى ‏فيها‏ ‏زهرة‏ ‏عمره‏ ‏وأنجز‏ ‏أكبر‏ ‏مآثره‏.‏

وفى ‏اليوم‏ ‏الموعود‏ ‏ذهبت‏ ‏مبكراً‏ ‏لأتفقد‏ ‏المكان‏ ‏واتجهت‏ ‏من‏ ‏فورى ‏إلى ‏البهو‏ ‏المختار‏، ‏كان‏ ‏أنيقا‏ًً ‏مهيبا‏ًً ‏كعادته‏ ‏ولكن‏ ‏ازدان‏ ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏بوجود‏ ‏الفتيات‏ ‏الحسان‏ ‏اللائى ‏عشقهن‏ ‏على ‏مدى ‏العمر‏.‏

جئن‏ ‏فى ‏زى ‏موحد‏ ‏ليقمن‏ ‏بالخدمات‏ ‏المطلوبة‏ ‏وقد‏ ‏اكتسين‏ ‏برونق‏ ‏الشباب‏ ‏الريان‏، ‏خفق‏ ‏قلبى ‏بشدة‏ ‏وتحيرت‏ ‏بين‏ ‏نداءات‏ ‏الحسن‏ ‏وجاء‏ ‏قلبى ‏بأقصى ‏قدراته‏ ‏من‏ ‏الحب‏. ‏وجاش‏ ‏صدرى ‏بالمعانى ‏التى ‏سألقيها‏ ‏فى ‏خطاب‏ ‏التكريم‏.‏

القراءة:

حضرنى أورليانو من مائة عام من العزلة الذى كان له فى كل موقع (وموقعة) خليلة، وأولاد منها يشبهونه بشكل أو بآخر.

هذه الحياة الحافلة فى الخارج، التى صاحبت كل هؤلاء الحسان، الذين ظلوا حسانا وشابات برغم أن صاحبهم قد بلغ المائة، العلاقات – ربما مثل أورليانو على ما أذكر – كانت لحساب أورليانو أكثر مما كانت لحساب أحد آخر، ربما كانت الانتصارات كذلك، هل هذا هو سبب عدم الحماس لإقامة حفل التكريم بعد هذا العمر المديد (مائة عام، ليست بالضروة من العزلة)، عزلة الأستاذ الجليل الرئيس عن الناس واردة، برغم وفرة من عشقهن طوال رحلاته التى أنجز خلالها أكبر مآثره، لم  يقل لنا الحلم ما هى أكبر مآثره، وهل كان فتور الحماس لآن مأثره هذه قد اقتصرت على مكاسبه الذاتية وملذاته وغزواته الخاصة التى تتمثل فى هؤلاء الحسان اللاتى لم يستطع الزمن أن يلمس محاسنهن، فظللن يكتسين برونق الشباب الريان؟

كيف استطاع صاحبنا هكذا، وبكل بساطة أن يجعل قلبه يأتى، أقصى قدراته من الحب، وكأنه يدير ماكينة عواطف التكريم؟ كيف أزاح الحقد الطبيعى المنتظر فى مثل هذا الموقف، وهو الذى قد يفسر عدم الحماس لفكرة تكريمه رغم أنه أستاذهم؟ وهل الاجتماع فى حديقة الأزبكية، فى حين أن الحفل يقام فى بهو وزارة الخارجية يعلن اختلاف الانتماء بين المحتفلين والمحتفى به، فهم ينتمون إلى بلدهم، وهو يمارس حياته الزاخرة اللذيذة فى الخارجية مع من يتمتع بهن من صاحبات الشباب الدائم والحسن المتجدد؟

 أن تحب غير أن تستحضر أقصى قدرات قلبك من الحب.

كما يبدو أن المعانى التى سيلقيها صاحبنا فى خطاب التكريم ليست تلقائية برغم أن صدره قد جاش بها!!

فبدا لى أنه “يسِّمعها” لنفسه حتى لا يخطئ ويقول ما كان يجب أن يقال،

وليس ما أعدّه ليقال:

ما دام الأمر كذلك.

* * *

1 – يحيى الرخاوى “أصداء الأصداء” المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة 2006.

2- النشرة اليومية “الإنسان والتطور” 6/3/2008،www.rakhawy.org

3- علامات الترقيم، والخطوط التى تحت بعض الكلمات أو العبارات هى إضافة من عندى – وذلك لزوم النقد حتى أسهل على القارئ الرجوع إلى ما أردت الإشارة إليه.

4- بداهةً: لا علاقة مباشرة بين نجيب محفوظ “الشخص”، وبين نقد نجيب محفوظ “المبدع”، هذا تأكيد واجب، لو سمحتم.

[5] – Cooper, D., (1971) The Death of the Family, London, Penguin.

6- النشرة اليومية “الإنسان والتطور”،  www.rakhawy.org، بتاريخ 3-9-2007، تحت عنوان: نستعمل الواقع، لا نستسلم له، ونظل نرفضه حتى نغيّره،!!

[7] – قرأت كلمة “وكأنها” على أنها “ولكنها”، لأنها وصلت إلى وعيى الناقد هكذا، وهذا ليس من حقى، إلا أن السياق لم يسمح لى أن أقبل الكلمة كما طبعت، رجعت –بالعدسة المكبرة- إلى النص الأصلى بخط اليد الذى كان ينشر فى نصف الدنيا مع الحلم، قبل مرحلة الإملاء، فوجدت أن الكلمة هى كما نشرت مطبوعة (أى: وكأنها)، وليست كما قرأتها بوعيى النقدى(ولكنها)، وبالرغم من ذلك أصررت على قراءتى متصورا أن الأستاذ – أو أى واحد – يمكن أن تحل كلمة محل كلمة بصفتها أخطاء كتابية – تماما مثل الأخطاء المطبعية-  وعادة ما لا ينتبه الكاتب إليها إلا عند المراجعة، ولم تكن هناك أية فرصة أن يراجع محفوظ ماكتب، ليس فقط بسبب الخط الذى استعاد بعض معالمه بصعوبة شديدة، وإنما بسبب النظر، ولست متأكدا  إن كان الحاج صبرى أو أحدنا كان يقرأ له كل ما كتب قبل أن يرسله  للنشر أم لا، على أننى كثيرا ما كنت أرجع إليه شخصيا إن لاحظت مثل هذه الملاحظات، وكنت أبدى له وجهة نظرى، وكان كثيرا (وليس دائما) ما يوافقنى على أنه كان يقصد ما وصلت إليه، ولكن لا سبيل إلى تصحيحه بعد النشر.

 

8- أعنى الأطفال “داخلنا وخارجنا”، أكتفى بالإشارة إلى موقعها فى الموقع “الحق فى الغضب” مقالات الدستور 25/7/2007 أو يومية 25/10/2007 www.rakhawy.org

9- كانت أطروحتى عن “العدوان والإبداع” من أول ما نظّرت فى مسألة الغرائز، وأكتفى أيضا بالإشارة إلى موقعها فى الموقع “العدوان والإبداع” مجلة الإنسان والتطور يوليو 1980.

10- ذات مرة رحت ألقى محاضرة على شباب مبعوثين تابعين لوزارة التعليم العالى إعداداً لهم لمواجهة ما يسمى “الصدمة الثقافية” عند سفرهم للدراسة فى أوربا، وكان من بين ما قلته لهم إن هناك ما يمكن أن يتعلموه من ثقافة مختلفة متقدمة، وأيضا هناك ما يمكن أن يغلقوا وعيهم عن تعلمه، وهم يقاومون أن يصل إليهم من هذه الثقافة الغريبة، وأضفت أن الله سبحانه سيحاسبهم على ما تعلموه وعلى ما رفضوا أن يتعلموه!! (ولم يفهم أغلبهم الجملة الأخيرة)

11- “يومية حالات وأحوال”: “أدمغة المدمن ومستويات الوعى”، www.rakhawy.org، (23/10/2007)

[12]- Lackoff, G. and Johnson, M. (1999). Philosophy in the flesh. New York: Basic Books.

13- النشرة اليومية “الإنسان والتطور” 6-11-2007 “عن الفطرة والجسد وتَصْنيم الألفاظ” www.rakahwy.org

14 – يحيى الرخاوى “قراءات فى نجيب محفوظ”، الهيئة العامة للكتاب، 1991

15- اكتشفت الآن، وأنا أراجع النص للطبع، أن فكرة “التقاسيم” (الفصل الثالث) قد لاحت لى باكرا منذ هذا الحلم، وهذا ما كان ابتداء من حلم (53 حتى 209) الفصل الثالث!!

16- راجع حلم (3)، حلم (4)

17- وربما تكون هذه الفكرة هى المسئولة ضمنا عن ظهور المهدى المنتظر فى وعى الناس، حين تتعملق الفكرة مرضا، تصبح مسئولة عن تقمص بعض المرضى لهذا المهدى، أو للمسيخ الدجال المنتظر أيضاً، وهى – فكرة الانتظار – تظهر فى كثير من الإبداعات بشكل متواتر. على سبيل المثال ذلك النبى الذى يحمل قلماً ينتظر نبياً يحمل سيفاً ( ليلى والمجنون: صلاح عبد الصبور) أو فى انتظار جودو (صمويل بيكيت).

18- كلما استعملت تعبير “نحو الأسرة” استقبلنى المتلقى على أننى أشير إلى التوجه “نحو” الأسرة، لذلك فضلت مؤخرا أن استعمل تعبير “القواعد النحوية للأسرة“.

19- حتى حميدة فى زقاق المدق قالوا –تعسفا- إنها مصر!! فما بالك بهذه المباشرة هنا؟

20- النشرة اليومية “الإنسان والتطور” 6-11-2007 “عن الفطرة والجسد وتَصْنيم الألفاظ” www.rakahwy.org

21- يحيى الرخاوى “الوجود المثقوب” ديوان سر اللعبة، 1978، القاهرة، دار الغد للثقافة والنشر. (وشرح على المتن “الفصل السابع” فى دراسة فى علم السيكوباثولوجى 1979)

22- وسوف ينشر الحلم شعرا فى مقدمة الفصل الثالث.

[23] – لأن هذا الحلم سوف تجرى قراءته فى “ساحة الداخل” من منطلق “تعدد الذوات” مع تبادل الكبت والنمو أو الإزاحة/ يمكن مراجعة فكرة تعدد الذوات فى يوميات 27،28/11/2007 www.rakhawy.org. ثم تقرأ هذه المحاولة ببطء نوعاً ما”

[24] – Structural Analysis  

[25] – ولتكن لنا عودة وعودة فى الدراسة الطولية للأحلام معا (مع أننى لم أنتهِ من دراسة الأصداء طوليا بعد!!).

 

26- (هذا الجزء الأخير هو من ديوانى “سر اللعبة” 1973)

27- فضلت التعريب لمنع الخلط الذى يحدث حين نترجم Schizoid إلى شبه فصامى، وهو خطأ صرف فالشيزى – سلوكا- واحد (ظاهريا) متماسك، صلب، منغلق، فى حين أن الفصامى مفكك، متعدد، متفسخ أو على وشك التفسخ..

28- والنقدان متاحان فى الموقع  www.rakhawy.org، وهما أيضا تحت الطبع.

29- “باسمك ربى وضعت جنبى وبك أرفعه، اللهم إن قبضت نفسى فاغفر لها، وإن ارسلتها فأحفظها…”، أما دعاء الاستيقاظ فهو “الحمد لله الذى أحيانى بعدما أماتنى وإليه النشور”.

30- فى الدراسة الطولية، آمل أن تتاح الفرصة لمراجعة حضور “الشقة” البيت المتنوع فى عدد متواتر من الأحلام، ودلالات الحركة منها وإليها وحولها.

31- يحسب الناس أن الدفاعات النفسية Psychological mechanisms (الكبت والاسقاط والتبرير… الخ) هى آليات لا يستعملها إلا العصابيون، مع أنها أساس متين لحماية الذات من إغارات الداخل والخارج، شريطة أن تكون مرنة وقابلة لإعادة التشكيل والتراجع تدريجيا – عادة مع كل نوبة نمو – لصالح آليات النضج والتكامل.

32- (أنظر نهاية حلم 18)

33- انظر يومية “الإنسان والتطور” 26-12-2007 www.rakhawy.org (قراءة النص: بين التفسير والاستلهام)

[34] – علاقة‏ ‏محفوظ‏ “بالأماكن‏” ‏ما‏‏زالت‏ ‏تمثل‏ ‏المعمار‏ ‏الذى ‏ينطلق‏ ‏منه‏ ‏وبه‏ ‏فى ‏معظم‏ ‏إبداعاته‏. ‏هذا‏ ‏ليس‏ ‏جديدا‏‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏فى ‏أحلام‏ ‏النقاهة‏ ‏أصبح‏ ‏للمكان‏ ‏حضور‏ ‏أقوى ‏وأكثر‏ ‏مثولا‏. ‏قلت‏ ‏فى ‏نفسى: ‏لعل‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏التعويض‏ ‏الإبداعى ‏لما‏ ‏لحق‏ ‏بالبصر‏ ‏من‏ ‏كلال‏، ‏وهو‏ ‏نفس‏ ‏التفسير‏ ‏الذى ‏جاءنى ‏حين‏ ‏رصدت‏ ‏عنده‏ ‏يقظة‏ ‏وغلبة‏ ‏نشاط‏ ‏النصف‏ ‏غيرالطاغى ‏من‏ ‏الدماغ‏ (‏المختص‏ ‏بالتصور‏ ‏الكلى، ‏والإيقاع‏ ‏المتداخل‏، ‏والتكثيف‏ ‏الضام‏..‏إلخ‏) ‏ربما‏ ‏حدث‏ ‏ذلك‏ ‏لشيخنا‏ ‏نتيجة‏ ‏لتناقص‏ ‏فرص‏ ‏تدريب‏ ‏النصف‏ ‏الطاغى ‏لمواصلة‏ ‏طغيانه‏ ‏بالمنطق‏ ‏الخطى ‏والتسلسل‏ ‏التربيطى ‏المتتالى، ‏حدث‏ ‏هذا‏ ‏بعد‏ ‏الإعاقات‏ ‏الحسية‏ ‏المتزايدة‏ ‏التى ‏امتحن‏ ‏بها‏ ‏شيخنا‏. ‏هل‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏جعل‏ ‏للمكان، الصورة، المساحة،‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الحضور‏ ‏الغالب‏ ‏المتزايد‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏العمل؟‏ ‏ذلك‏ ‏الحضور‏ ‏الذى ‏تزيد‏ ‏من‏ ‏الإحساس‏ ‏به‏ ‏سرعة إيقاع‏ ‏الحركة‏، ‏وتداخل‏ ‏النقلات‏ ‏بفجائية‏ ‏تحافظ‏ ‏على ‏الدهشة‏ ‏وتجددها؟

 

35- البنط الأبيض يشير إلى تصحيح قمت به اجتهادا لما استحالتْ علىّ قراءته تماما، سواء فى النشر أو فى النص بخط اليد

36- تعمدت ألا أورد فى هذا العمل التعقيبات والمناقشات التى دارت حول الأحلام أو القراءة أو التقاسيم حتى لايطول العمل أكثر وتتشتت الرؤى، ويمكن الرجوع فى كل ذلك إلى النشرة اليومية فى الموقع www.rakhawy.orgخاصة يوم الخميس (يوم محفوظ)، ويوم الجمعة (البريد) من كل أسبوع، وقد أعود إلى بعض التعقيبات والردود بأسماء أصحابها فى عمل مستقل، فاكتفيت هنا بإثبات ردى على هذه الإضافة الهامة.

37- “جلد بالمقلوب”: ديوان سر اللعبة، ص 64، للناقد.

38- نتذكر أن ما بين كتابة ذلك الصدى وهذا الحلم ما يقرب من عشر سنوات، ولو أن شيخنا كان على دراية بكل تفاصيل ما يجرى، ومعدلات تضخم الفساد، لما بدت للراوى، ولا لنا أية مفاجأة.

[39]- Schneider’s First Rank Symptoms: Voices commenting voices arguing…etc.

تقاسيم على اللحن الأساسى

 “نصّ على نص”

 (من حلم 53 إلى 210)

 مقدمة:

وصلتنى أحلام فترة النقاهة من البداية على أنها لوحات شعرية، ليست قصة قصيرة، أو شديدة القصر. كما رحت أؤكد فى أكثر من مناسبة أنها إبداع إبداع، لا أكثر ولا أقل، بمعنى أنها ليست حلما يحكى، فنروح نفسره، وأن الأحلام الحقيقية التى كان يحلمها شيخنا، لم تكن إلا مصدراً من أهم مصادر أبجدية إبداعه (أثناء تلك الظروف الخاصة).

حين غامرت بالتصدى لنقد هذا العمل الصعب كنت تحت تأثير نقدى السابق لأصداء السيرة الذاتية، رحتُ أتناول الأحلام باعتبار كل حلم منفردٍ نصا كاملا، لكن مع المضى قدما بدأت أدرك تزايد الصعوبة، مقارنة بنقدى للأصداء فقرة فقرة، كما ذكرت فى المقدمة العامة.

 ثم إننى لجأت بين الحين والحين – كما فعلت فى الأصداء- إلى أن أربط بين ما تيسر لى من الأحلام حتى حلم 52، وبين الحلم الجارى نقده، مع وعدٍ بأن أعود إلى ربط أوثق فى الدراسة الشاملة بعد انتهائى من هذه الدراسة التفصيلية التجزيئية.

 لكن الصعوبة أخذت تزداد باضطراد خاصة حين كنت أضطر بين الحين والحين إلى فك شفرة الحلم بما يحضرنى من احتمال رموز واضحة، الأمر الذى أحاول أن أتجنبه فى النقد عامة، معظم الوقت، وهنا بوجه خاص، خشية أن يقلل ذلك من قيمة الحلم المُبدَعَ. كما لاحظت كيف يستقبل قارئ النقد فك الشفرة هذا باعتباره “تفسيرا”، أقرب إلى تفسير الأحلام العادية، الأمر الذى أحذر منه أيضا طول الوقت، حتى من وجهة نظر التحليل النفسى كما جاء فى الفصل الأول.

ثم إن هذه الأحلام ظلت تنشر أسبوعيا فى موقعى الخاص، وكنت أتلقى تعقيبات منتظمة وأرد على أغلبها فى بريد الجمعة كل أسبوع، وقد أفادتنى كثيراً أغلب تلك التعقيبات، وأعتقد أنها عدّلت المسار سواء بوعى منى أو بغير وعى. وفيما يلى أورد الخطوط العامة لمجمل ما كان فى هذه التعقيبات طوال سبعة أشهر تقريبا.

تعقيبات

1- ترحيب محدود بالنقد عامة (بعضه حماسى مشجِّع)

2- ترحيب أكثر بتفسير الحلم برموز واضحة، خاصة لو كانت رموزا سياسية، أو ضد السلطة، أو ضد الظلم. (وذلك بالرغم من، وضد، تحفظاتى المكررة)

3- إصرارٌ متواتر لاستقبال الحلم على أنه “حلم” فعلا وليس إبداعا، مع أننى نبهت مرارا إلى ضرورة نفى هذا نفيا قاطعا.

4- تفضيل قراءة الحلم بذاته لذاته (النص) عن قراءته مع النقد .

5- تقريظ محدود للقراءة النقدية حين يبدو أن النقد قد فسر غموضا بدت استحالة تفسيره من الحلم مباشرة.

6- احتجاج صريح (حتى الرفض أحيانا) بأن النقد/ التفسير يحجب الحلم، فيقلل من تأثير رسالته المباشرة الكلية .

7- احتجاج على غموض كل من الحلم والنقد على حد سواء .

8- قراءة نقدية بديلة، أغلبها يتجه – للأسف – إلى فك شفرة الحلم بما خطر للناقد على النقد أنه رمزٌ أقرب وأهم.

9- إطلاق تداعٍ إبداعىّ استثاره الحلم وحده، أو الحلم والنقد معاً، تداعٍ لا يحمل أى قدر من التفسير، أو فك شفرة الرموز، ولكنه يضئ باعتباره استلهاما إضافة إبداعية دالة.

تردد مشروع

شعرت من البداية أننى أخاف هذه المغامرة، ولا أريد أن أتحمس لها، ومستعد أن أتراجع عنها.

ومع ذلك مضيت فيها حتى آخرها.

القراءة الجديدة، هى بمثابة “نص على نص”، أو استلهام نص،

 تذكرت التجربة التى قمت بها مع الابن د. إيهاب الخراط فى قراءة بعض نصوص مواقف النفرى[1] كما تذكرت موقفى الحذر من تفسير القرآن الكريم والنصوص المقدسة عامة، مع تأكيدى على أنها نصوص للاستلهام والإيحاء وليست للتفسير.

ثم أنى رحت أنظر فى تجربتى طوال سبعة أشهر (52 حلما) وقررت أن أعيد تحديد معالم ما وصلنى من طبيعة هذه النصوص قبل أن أبدأ التجربة الجديدة على الوجه التالى :

أولاً: هذه النصوص ليست  أحلاما كما ذكرتُ ألف مرة لكنها إبداع مكثف.

ثانياً: هذا الإبداع ليس حكياً مسلسلاً متتابعاً لكنه صورة ماثلة.

ثالثاً: هذه الصورة ليست صورة ثابتة، لكنها حركة مصورة متغيّرة.

رابعاً: هذه الحركة ليست عشوائية شاردة، ولا هى ضامة غائية، لكنها ألحان ذات أصالة خاصة، كثير منها مفتوح النهاية.

كل هذا جعلنى أعيد النظر فى طبيعة هذه النصوص، واستقبالها نصا شعريا يحمل أغلب مقومات الشعر.

فى مبحثى الأساسى عن الإيقاع الحيوى ونبض الإبداع [2]، قارنت بين الشعر والحلم مقارنة تفصيلية، كما تحفظت على تفسير الحلم برموزه كما هو شائع، وأيضا رفضت نقد الشعر بشرحه، وتصورت أن الشعر لا ينقد إلا شعراً.

أشرت إلى ذلك من قديم وأنا أستشهد بقصيدة أستاذى محمود شاكر، على قصيدة الشماخ “القوس العذراء”[3]. ثم تأكد لى بعض ذلك بعد محاولتين فى نقد الشعر، الأولى كانت لشاعر شاب يطرق باب الإبداع “النزهة بين شرائح اللهب“[4]، والثانية كانت قراءة لبعض شعر صديق بعنوان “هوامش وهواجس” وهى دراسة لبعض شعر الشاعر أحمد زرزور[5]، أما دراستى المقارنة بين رباعيات جاهين وسرور والخيام (رباعيات ورباعيات) فقد كانت أقرب إلى تقديم نظريات نفسية متنوعة كشفت عنها هذه الرباعيات كل بطريقتها[6].

 ثم عدلت نهائيا عن نقد الشعر وقد زاد اقتناعى أن الشعر لا ينقد إلا شعرا.

وهذا يحتاج إلى بعض التوضيح:

 إن الشعر الأصيل يستثير فى متلقيه شعرا بالمعنى الأعمق، حتى لو لم يترجمه إلى ألفاظ شعرية.

إذا كان الأمر كذلك: الشعر لا ينقد إلا شعرا، تصبح القراءة الأوْلى بالنص الشعرى – خصوصا إذا كان بهذه الكثافة – هى باعتباره مصدر استلهام وليس دعوة لفك شفرة.

قلت: أبدأ هذه التجربة الجديدة فصلا جديدا، مع الأحلام باعتبارها “لوحات شعرية” غير قابلة للنقد أو للتفسير بقدر ما هى موحية بما توحى به.

لكننى اكتشفت أننى بدأتها منذ سنوات ذلك أننى بمراجعة أوراقى اكتشفت أننى اختتمت قصيدتى[7] “علّمتنى شيخى” فى عيد ميلاد شيخى الجليل الـ92 باستلهام أحلام فترة النقاهة .

ولعل تسجيل هذا “الحلم شعرا”، وهو الذى استوحيته من هذه اللوحات الشعرية التى هى أحلام فترة النقاهة، هو خير دليل على إمكان ما نسميه الآن “تنويعات على الحلم الأساسى”، أو “تقاسيم” لعل وعسى .

وها هو “الحلم” شعراً كما ورد فى نهاية القصيدة المشار إليها حالا

“من‏ ‏وحى ‏أحلام‏ ‏النقاهة‏- ‏سيّدى‏- ‏نشطتْ‏ ‏خلاَياىَ معاً‏:‏

‏” فحلمـتُ‏ُُ  ‏أنِّىَ ‏حاملُ‏،

 ‏وسمعت‏ ‏دقــا‏ ‏حانِياً‏ ‏وكأَّنهُ‏ ‏وعْدُ‏ ‏الجنينْ‏.

  ‏جاء‏ ‏المخاضُ‏ ‏ولم‏ ‏يكنْ‏ ‏أبدا‏ًً ‏عسيرا‏ََ،

 ‏وفرحتُ‏ ‏أنِّي ‏صرتُ‏ ‏أمّا‏ ‏طيبة‏،

 ‏لكننى ‏قد‏ ‏كنت‏ ‏أيضا‏ ‏ذلك‏ ‏الطفل‏ ‏الوليدْ‏،

 ‏فلقفت‏ ‏ثدى ‏أمومتى‏،

 ‏وسمعت‏ُُ ‏ضحكا‏ًً ‏خافتا‏. ‏لا‏،.. ‏ليس‏ ‏سخريةً‏  ‏ولكن‏..‏

‏…. ‏وسمعت‏ ‏صوتا‏ ‏واثقا‏ًً ‏فى ‏عمق‏ ‏أعماقى ‏يقول‏:

 “المستحيلُ‏ ‏هو‏ ‏النبيلُ‏ ‏الممكن‏ ‏الآن‏ ‏بنـا”. ‏

لمستْ‏ ‏عباءتكَ‏ ‏الرقيقة‏ ‏جانبا‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏وعْيي‏،

 ‏فـعلمـتُ‏ ‏أنـَّكَ‏ ‏كُـْنـتـَهُ”.‏

وصحوت‏ ‏أندم‏ ‏أننى ‏قد‏ ‏كنت‏ ‏أحلم‏”.‏

ثم إنى رحت أستشير  ابنا مبدعا فى مجال آخر (هو مجال الموسيقى) د.سيد الرفاعى ليفيدنى  فيما يقابل فى الموسيقى ما أعتزمه بشأن تقاسيم وتنويعات على اللحن (الحلم) الأساسى، فكتب لى ما يلى بالحرف الواحد :

  • يوجد فى الموسيقى ما يسمى تنويعات على لحن واحد .
  • يوجد فى الموسيقى ما يسمى بالتقاسيم من مقام أو سلم موسيقى كأن تقول مثلا: تقاسيم من مقام نهاوند أو بياتى هذا فى الموسيقى العربية.
  • وهناك قالب موسيقى عربى يسمى “التحميلة” وهى عبارة عن قطعة موسيقية تتخللها تقاسيم منفردة من الآلات الموسيقية المختلفة. “هى عبارة عن حوار بين آلة منفردة وآلات الأوركسترا”
  • التقاسيم هى عبارة عن تأليف موسيقى مُرتجل يقوم به العازف منفرداً وقد تكون التقاسيم حرة أو مقيده بوزن إيقاعى، وخبرة العازف تلعب دوراً هاماً فى كفاءتها .
  • يوجد فى الموسيقى الغربية الكلاسيكية قالب موسيقى يسمى كونشرتو Concertoوهو عبارة عن حوار بين آلة منفردة وآلات الأوركسترا وذلك من خلال تأليف موسيقى مبدع، وهو من مقامات مختلفة كأن تقول مثلا: كونشيرتو البيانو والأوركسترا من مقام دو الكبير أو مى …. الخ.
  • (انتهى كلام د. سيد رفاعى)

وبعد

ماذا أسمى هذه المحاولة الجديدة؟

 تنويعات على اللحن الأساسى ؟

تقاسيم على نغم أصيل؟!

نصُّ على نصُّ؟

 دعونا نسميها أى اسم من كل ذلك،

 أو لا نسميها إطلاقا.

 ****

نص اللحن الأساسى: حلم (53)

سألت‏ ‏عن‏ ‏صديقى ‏فقيل‏ ‏لى ‏إن‏ ‏الموسيقار‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏أحمد [8]  ‏يسهر‏ ‏فى ‏بيته‏ ‏كل‏ ‏ليلة‏ ‏شاديا‏ ‏بألحانه‏ ‏حتى ‏مطلع‏ ‏الفجر‏ ‏فقلت‏ ‏يا‏ ‏بخته‏ ‏ودعيت‏ ‏لحضور‏ ‏سهرة‏ ‏فذهبت‏ ‏إلى ‏الحجرة‏ ‏الواسعة‏ ‏المزخرفة‏ ‏جدرانها‏ ‏بالأرابيسك‏ .. ‏ورأيت‏ ‏الشيخ‏ ‏زكريا‏ ‏جالسا‏ ‏على ‏أريكة‏ ‏محتضنا‏ ‏عوده‏ ‏وهو‏ ‏يغنى ‘‏هوه‏ ‏ده‏ ‏يخلص‏ ‏من‏ ‏الله‏’ ‏وفى ‏حلقة‏ ‏جلست‏ ‏الأسرة‏ ‏نساء‏ ‏وأطفالا‏ ‏وبينها‏ ‏رجل‏ ‏معلق‏ ‏من‏ ‏قدميه‏ ‏وتحت‏ ‏رأسه‏ ‏على ‏مبعدة‏ ‏ذراع‏ ‏طست‏ ‏ملئ‏ ‏بمية‏ ‏النار‏.‏

‏ ‏وضاعف‏ ‏من‏ ‏ذهولى ‏أن‏ ‏الجميع‏ ‏كانوا‏ ‏يتابعون‏ ‏الغناء‏ ‏دون‏ ‏أدنى ‏التفات‏ ‏إلى ‏الرجل‏ ‏المعذب‏.‏

التقاسيم:

… قالت المرأة المتنقبة للرجل الأملس، إن هذا هو آخر ما كنت أتصوره من الشيخ زكريا بالذات، ردّ الرجل بصوت عالٍ مع أنه كان يتلفت: ما عليك، المهم هو ما سيكون بيننا بعد السهرة، فقالت هامسة: إخفض صوتك.

وصاح طفل من المتحلقين حول الرجل المعلّق صياحا غامضا كأنه يطلب ماء أو أماناً، فزع الجميع لأن صياحه أخذ يتصاعد حتى بدا كعواء ذئب جائع، بل مسعور، وتحرك العطش فى الجميع دون استثناء.

 نبه الشيخ سيد درويش أنه “ما هكذا يكون الغناء”،

 سأله محمد عبد الوهاب: إذن كيف يكون؟

قال السيد أحمد عبد الجواد: يا جماعة دعونا نستمع الله يخليكم، هل هذا وقته؟

ويلاحظ الجميع، أن الرجل المعلق مازالت تدب فيه الحياة جدا. ويسأل جار جاره: ألا يشبه وجهه وجه “أحمد عاكف”، فيرد: لست متأكدا، لكن صوت سعاله يشبهه.

ثم خطف الأطفال طست ماء النار وجروا به وهو يترجرجر بين أيديهم إلى خارج الدار فرحين مهللين، فولولت النسوة وهرولت إحداهن  وراء الأطفال، فاصطدمت بالرجل المعلق الذى ابتسم وغمز بعينه اليسرى برغم رعبه وألمه، فزغردت بقية النسوة ورحن يتراقصن معه وهن يصنعن كورسا مع المحيطين بالشيخ، مرددين من جديد:

 “هوا دا يخلص من الله”.

****

نص اللحن الأساسى: حلم (54)

فى ‏الحجرة‏ ‏المغلقة‏ ‏دار‏ ‏الحوار‏ ‏بينى ‏وبين‏ ‏المذيعة‏ ‏وكان‏ ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏الموسيقى ‏المحلية‏ ‏والأجنبية‏، ‏وعند‏ ‏بعض‏ ‏مراحل‏ ‏الحوار‏ ‏أقوم‏ ‏للبيانو‏ ‏وأعزف‏ ‏عليه‏ ‏بعض‏ ‏الألحان‏. ‏وكلما‏ ‏مر‏ وقت ‏فتح‏ ‏الباب‏ ‏ودخلت‏ ‏سيدة‏ ‏من‏ ‏أهل‏ ‏البيت‏ ‏لعلها‏ ‏أمى ‏أو‏ ‏أخرى ‏فى ‏منزلتها‏ ‏تقدم‏ ‏مشروبا‏ًً ‏وتذهب،‏ ‏ولكن‏ ‏وضح‏ ‏لنا‏ ‏أنها‏ ‏كانت‏ ‏تراقب‏ ‏خلوتنا‏ ‏بريبة‏.‏

وضقت‏ ‏ذرعا‏ًً ‏برقابتها‏ ‏فعزمت‏ ‏على ‏تحديها‏ ‏بصورة‏ ‏غير‏ ‏مسبوقة‏ ‏فما‏ ‏أن‏ ‏سمعت‏ ‏صوت‏ ‏الباب‏ ‏وهو‏ ‏يفتح‏ ‏حتى ‏اندفعت‏ ‏نحو‏ ‏المذيعة‏ ‏وضممتها‏ ‏إلى ‏صدرى‏.‏

ولم‏ ‏أعد‏ ‏أبالى ‏شيئا‏ًً ‏كما‏ ‏لم‏ ‏أجد‏ ‏غضاضة‏ ‏ما‏. ‏ولما‏ ‏انتهيت‏ ‏من‏ ‏التحدى ‏كانت‏ ‏المرأة‏ ‏قد‏ ‏اختفت‏ ‏من‏ ‏الحجرة‏ ‏بل‏ ‏ومن‏ ‏البيت‏ ‏كله‏.‏

التقاسيم:

…. وصلنى صوتها بعد أن اختفت، وهى تقول بلهجة حاسمة: ولكنها أختك، فتأكدت أن الصوت صوت أمى، لم أرد عليها لأننى كنت على يقين من أنها ليست أختى، حتى لو كانت هى ابنتها من بطنها.

 هذه المرأة تفسد كل شئ لصالحها هى دون سواها. قالت تؤكد من جديد: قلت لك إنها “حميدة أختك”.

داخلنى شك جديد لأن اسم حميدة غير شائع (أو ربما ممنوع) بين المذيعات والممثلات.

وانتقل انتباهى إلى صوت طقطقة أرجل ثقيلة تتمشى فوق السقف الخشبى ذهابا وجيئة، نفس الخطوات، لكنها تصدر أنغاما متقطعة مختلفة، كأنها موسيقى سوداء فى خلفية قصيدة نثر شاعر مجهول.

 وجدتنى أقوم إلى البيانو لأعاود العزف لعله يطغى على هذه الطقطقة، فلم أجده فى مكانه، وحين عدت إلى الحجرة، لم أجد المذيعة أيضا.

راح  يتصاعد طرْقٌ على الباب، فأبتعد، فيزداد الطرق فأخاف أكثر أن أفتح خشية أن أواجه أيا من الوجهين، المذيعة أو أمى.

 أما أبى فكان مازال يتمشى على السطح يقرأ ورده كالعادة، فتزيد طقطقه الخشب، ويتسرب تراب قديم من السقف فى استحياء،

 فأزداد رعبا ولا أملك إلا أن أواصل الانتظار.

****

نص اللحن الأساسى: حلم (55)

تحتدم‏ ‏المناقشة‏ ‏بين‏ ‏امرأة‏ ‏ورجل‏ ‏وأبنائها‏ ‏الخمسة‏ ‏حول‏ ‏حق‏ ‏الأم‏ ‏التى ‏تجاوزت‏ ‏الستين‏ ‏فى ‏الحب‏ ‏والحياة‏.‏ وتخطت‏ ‏المناقشة‏ ‏الأسوار‏ ‏فصارت‏ ‏حديث‏ ‏الجيران‏.‏

‏ ‏يقول‏ ‏البعض‏ ‏إنه‏ ‏حب‏ ‏زائف‏ ‏بين‏ ‏عجوز‏ ‏وشاب‏ ‏فى ‏سن‏ ‏أبنائها‏ ‏طمعا‏ًً ‏فى ‏المال‏ ‏الذى ‏ورثته‏ ‏عن‏ ‏زوجها‏. ‏ويقول‏ ‏البعض‏ ‏إنه‏ ‏ليس‏ ‏للإنسان‏ ‏إلا‏ ‏ما‏ ‏يقدر‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏الحياة‏ ‏والحب‏ ‏خاصة‏ ‏حتى ‏ولو‏ ‏أدى ‏ذلك‏ ‏إلى ‏دفع‏ ‏الثمن‏ ‏باهظا‏. ‏وبدا‏ ‏الأمر‏ ‏فى ‏نظر‏ ‏الشبان‏ ‏الخمسة‏ ‏مصيبة‏ ‏لها‏، ‏وكان‏ ‏من‏ ‏قتل‏ ‏الأم‏ ‏البائسة‏ ‏ووقف‏ ‏الأبناء‏ ‏الخمسة‏ ‏فى ‏قفص‏ ‏الاتهام‏. ‏وتوزعت‏ ‏التهمة‏ ‏عليهم‏ ‏من‏ ‏التنفيذ‏ ‏للمشاركة‏ ‏للتخطيط‏.‏

وكان‏ ‏التحقيق‏ ‏فيها‏ ‏والمرافعات‏ ‏حامية‏ ‏إذ‏ ‏كانت‏ ‏مفرداتها‏ ‏الأمومة،‏ ‏والبر‏، ‏والشرف،‏ ‏والسمعة‏، ‏والتقاليد‏ ‏ومازلت‏ ‏أذكر‏ ‏وجوههم‏ ‏وأقوالهم‏ ‏كما‏ ‏لازلت‏ ‏أذكر‏ ‏المرحومة‏ ‏أيام‏ ‏كانت‏ ‏تتحدى ‏العمر‏ ‏والألسنة‏، ‏وتسير‏ ‏متبرجة‏ ‏تتبختر‏.‏

التقاسيم:                

….. ثم أجد نفسى خارجاً من مسجد سيدى عبد الرحيم القناوى، لأكتشف أن الحذاء الذى التقطتّه ليس حذائى، أتلفتُ  حولى فإذا بحذائى يمسك به آخر، ولدقة الشبه شككت فى نفسى وخجلت أن ألفت نظره، لكن على الباب لم يدخل الحذاء فى رجلى،  فنبهته فابتسم، وتبادلنا الأحذية والاعتذارات.

 هذا الوجه أعرفه، لكن الجبّة المخططة والقفطان الزاهى كادا يخفيانه عنى، ثم لماذا هو حاسر الرأس فاحم الشعر هكذا بما لا يتماشى مع  الجبة والقفطان اللذين لولا جِدّتهما لحسبتهما لأبيه الذى يذكرنى به شبهه. هو شاب فاحم سواد الشعر وقد جففه بما لمّعه ولواه فى حلقات مثل شبان هذه الأيام. لا شك أنه هو إذ يكاد يكون صورة طبق الأصل من أبيه الذى مات منذ خمس عشرة سنة قبل الحادث .

اكتشفنا أن وجهتنا واحدة وهى السوق القديم، سِرْنا إليه معا ونحن  نتقارب فى حذر،  وتبادلنا الحديث حتى تشجعتُ وسألته عن أبيه فقال تعيش انت منذ أكثر من عشر سنوات؛ فتأكدت أنه هو، وزاد حرجى فلم  أجرؤ أن أسأله عن إخوته فقد حضرتنى قضية أمهم وما كان بشأنها وشأنهم.

 أما عن سبب مجيئه هنا فقد حكى لى دون أن أساله أنه يمر بأزمة منذ زواجه، وأنهم أرشدوه على عنوان امرأة هنا تفك الأعمال وأشياء أخرى، ثم فجأة وكأنه يقرأ أفكارى أخبرنى وكأنه يطمئننى أن تحليل المادة النووية للجنين الذى وجدوه فى جثة أمه عند التشريح أثبت أن الجنين من أبيه شخصيا، لكن المحكمة لم تأخذ بهذا الرأى لطول المدة بعد الوفاة، مما أمكنها من تخفيف العقوبة. قال ذلك وكأنه يفخر بدقة العلم الحديث، وشرف أمه، وحكمة القضاء معا، ولكنه بدا غير نادم على قتلها.

سألته عن إخوته بعد قضاء المدة، فقال إن اثنين سافرا إلى العراق واختفت أخبارهما، والثالث يعمل مبيض محارة فى إيطاليا، أما الرابع فقد فاز فى قرعة الهجرة إلى أمريكا، مع أنه لا يعرف كلمة انجليزية واحدة.

ولم يخبرنى ولم أسأله عن نفسه لكنه أضاف:

 أما أنا، فكما ترى، هذا هو عملى الأساسى.

وافترقنا وأنا أترحم على أبيه،

 ‏ولازلت‏ ‏أذكر‏ ‏المرحومة‏ ومرحها الجميل وحبها للحياة.

****

نص اللحن الأساسى: حلم (56)

غادرت‏ ‏البيت‏ ‏الكبير‏ ‏الذى ‏ينتظر‏ ‏فيه‏ ‏كل‏ ‏رجل‏ ‏بذاته‏ ‏فلا‏ ‏يعرف‏ ‏أحداً‏ ‏من‏ ‏الآخرين‏. ‏وشعرت‏ ‏بشئ‏ ‏من‏ ‏الأمان‏ ‏بعد‏ ‏القلق‏.‏

غير‏ ‏أن‏ ‏شعور‏ ‏الأمان‏ ‏لم‏ ‏يدم‏ ‏طويلا‏، ‏فخيل‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏آخرين‏ ‏يتبعوننى، ‏ونظرت‏ ‏خلفى ‏أخذت‏ ‏فى ‏الجرى، ‏فرأيت‏ ‏عن‏ ‏بعد‏ ‏جماعة‏ ‏قادمة‏ ‏ملوحة‏ ‏بأيديها‏ ‏فى ‏الهواء‏.

‏فأوسعت‏ ‏الخطى ‏حتى ‏أخذت‏ ‏فى ‏الجرى‏. ‏ورأيت‏ ‏فى ‏الطريق‏ ‏بيتا‏ ‏وكان‏ ‏هناك ‏من‏ ‏يدعونى ‏فهرعت‏ ‏من‏ ‏فورى ‏إليه‏ ‏ووجدت‏ ‏أهله‏ ‏وكأنهم‏ ‏عائدون‏ ‏من‏ ‏الخارج‏ ‏فهم‏ ‏ينظمون‏ ‏الأشياء‏ ‏ويزيلون‏ ‏عنها‏ ‏الغبار‏، ‏ولم‏ ‏يدهش‏ ‏أحد‏ ‏لحضورى ‏أمامهم‏ ‏فنظروا‏ ‏لوجهى ‏ودودين‏ ‏فى ‏وجوههم‏ ‏وأحاديثهم‏ ‏وابتسامتهم‏.. ‏ونسيت‏ ‏فى ‏تلك‏ ‏اللحظة‏ ‏الزاحفين‏ ‏ورائى‏.‏

التقاسيم:

….. رحت أساعدهم فى ترتيب البيت وكأنى من أهله، وأنا أسترق النظر للجميلة الشابة التى تتفجر أنوثة وعذوبة حتى لاحَظَتْ، فخيل إلىّ أنها تغمز لى بعينها اليسرى، وتشير إلى حجرة فى آخر الطرقة، مضت إليها وهى واثقة أننى سوف أتبعها، دخلتُ وراءها وبدلا من أن أجد ما تصورت وجدتنى فى البيت الكبير الذى أشعرنى يوما بالأمان، لكن أهله تغيروا وحلّ محلهم أولئك الذين كانوا يتبعوننى، ويلوحون فى الهواء، أو لعلهم يشبهونهم تماما، مرقت الجميلة فيما بينهم فأوسعوا لها حتى خرجت من باب آخر فى نهاية الصالة، لم أجد على وجوهم ما توقعت، لا شكّ، ولا اتهام، ولا تهديد، ولا شئ،

ومع ذلك لم أطمئن،

وفى نفس الوقت لم أنزعج …

ما هذه الأجراس التى تدق من بعيد،

نحن لسنا يوم أحد، وأنا لم أتوضأ بعد،

فشعرت أن صلاة الجماعة ستفوتنى لا محالة….

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (57)

درت‏ ‏حول‏ ‏الحصن‏ ‏مرتين‏.. ‏حصن‏ ‏حجرى ‏نوافذه‏ ‏صغيرة‏ ‏كالثقوب‏، ‏ومن‏ ‏كل‏ ‏نافذة‏ ‏يطل‏ ‏وجه‏ ‏أعرفه‏ ‏بل‏ ‏وأحبه‏.. ‏والبعض‏ ‏طال‏ ‏غيابه‏ ‏والآخر‏ ‏رحل‏ ‏عن‏ ‏دنيانا‏ ‏من‏ ‏أزمنة‏ ‏مختلفة‏، ‏فنظرت‏ ‏بشوق‏ ‏وأسى ‏وخيل‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏كل‏ ‏وجه‏ ‏يسألنى ‏من‏ ‏أعماقه‏ ‏أن‏ ‏أحرره‏، ‏ونظرت‏ ‏إلى ‏باب‏ ‏الحصن‏ ‏الحجرى ‏بلا‏ ‏أمل‏، ‏ثم‏ ‏ذهبت‏ ‏إلى ‏دار‏ ‏السلطة‏ ‏وطلبت‏ ‏العون‏، ‏وغادرتها‏ ‏مجبور‏ ‏الخاطر‏ ‏قابضا‏ ‏على ‏عامود‏ ‏من‏ ‏الصلب‏، ‏ورجعت‏ ‏إلى ‏الحصن‏، ‏ولوحت‏ ‏بالعامود‏ ‏فتهللت‏ ‏الوجوه‏ ‏واصطفت‏ ‏على ‏الباب‏ ‏وضربت‏ ‏ضربة‏ ‏هائلة‏ ‏فتحطم‏ ‏وتهاوى، ‏واختفت‏ ‏الوجوه‏ ‏من‏ ‏النوافذ‏ ‏وتعالى ‏هتاف‏ ‏فرحة‏ ‏وسرور‏، ‏ووقفت‏ ‏خافق‏ ‏القلب‏ ‏منتظرا‏ ‏لقاء‏ ‏الأحبة‏ ‏بلهفة‏ ‏وشوق‏.‏

التقاسيم:

…… لم يخرج أحد من الحصن وكأننى لم أر أى وجه من الوجوه التى أعرفها وأحبها فلماذا استجابت دار السلطة  لشفاعتى؟ ولماذا أعطتنى عامود الصلب؟ ثم لماذا لم يخرج أحد؟

 هل كانت السلطة تريد إطلاق سراح المعتقلين من الموتى والأحياء، أم أنها كانت تريد التخلص منهم جميعا تحت الأنقاض؟ وما سر هذه الضحكات الدالة عل السرور والفرح والحصن يتهاوى؟ هل ارتاحوا أخيرا منا ومنهم؟

التفت مرة أخرى إلى عامود الصلب فخيل لى أنه أفعى يتلوى، وأنه يقرأ أفكارى، بل ويسجلها، ثم راح يصدر شعاعاً سرياً إلى السماء يوسع به ثقب الأوزون الذى لاح لى بعد أن حل الظلام كأنه طاقة القدر.

ألقيت بالعامود بعيدا فانفجر انفجاراً نووياً لم يترك شيئاً ولا أحداً إلا أباده، وأنا معهم،

ومع ذلك تركوا لى القدرة على الحكى هكذا

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (58)

أخيرا‏ ‏جاء‏ ‏الترام‏ ‏الجديد‏ ‏وأصبح‏ ‏درة‏ ‏المواصلات‏ ‏فى ‏حى ‏العباسية‏ ‏وكنت‏ ‏من‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏استقلوه‏ ‏وجذبتنى ‏إليه‏ ‏ألوانه‏ ‏الخضراء‏ ‏والبيضاء‏ ‏وزخارف‏ ‏جدرانه‏ ‏وفخامة‏ ‏مقاعده‏. ‏كنت‏ ‏أقعد‏ ‏وأقف‏ ‏وأنا‏ ‏أتعجب‏ ‏من‏ ‏جماله‏، ‏وأقول‏ ‏لنفسى ‏هذا‏ ‏متحف‏ ‏جميل‏ ‏لا‏ ‏ترام‏، ‏ولكنى ‏لاحظت‏ ‏مع‏ ‏مرور‏ ‏الزمن‏ ‏أن‏ ‏سلوك‏ ‏ركابه‏ ‏دون‏ ‏مستوى ‏جماله‏ ‏بكثير‏.‏ والحق‏ ‏أنى ‏رأيت‏ ‏فعالا‏ ‏يندى ‏لها‏ ‏الجبين‏ ‏خجلا‏، ‏وذات يوم‏ ‏رأيت‏ ‏شابا‏ ‏من‏ ‏الخواجات‏ ‏ينقض‏ ‏على ‏طفلة‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يلتهمها‏ ‏ولكنى ‏حلت‏ ‏بينه‏ ‏وبينها‏ ‏مذكرا‏ ‏إياه‏ ‏بأنها‏ ‏طفلة‏ ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏يشتبك‏ ‏معى ‏صعدت‏ ‏سيدة‏ ‏جميلة‏ ‏فى ‏أواسط‏ ‏العمر‏ ‏فهرع‏ ‏الشاب‏ ‏إليها‏ ‏وهو‏ ‏يهتف ‏‘Like you’‏وقالت‏ ‏السيدة‏ ‏إنها‏ ‏راجعة‏ ‏لتوها‏ ‏من‏ ‏أوروبا‏ ‏حيث‏ ‏شاركت‏ ‏فى ‏الاحتفال‏ ‏بظهور‏ ‏سيرتها‏ ‏الذاتية‏ ‏وعرضت‏ ‏علينا‏ ‏نسخة‏ ‏فإذا‏ ‏على ‏الغلاف‏ ‏صورة‏ ‏امرأة‏ ‏عارية‏ ‏تماما‏!.‏

التقاسيم:

..هو هو:  شارع محمد على، الترام مازال يخترقه مزهوّا مجلجلا برغم أننا تعودنا عليه، لكن غلبنى حنين إلى عربة السوارس من باب الوفاء أو الوداع، قفزت إليها دونه.

 البغل نشيط يدق بحوافره فتتراقص عضلاته وهو لا يهتم لا بالترام ولا بالسيارات ولا بالمارة. العربجى يطرقع بالكرباج لكنه لا يلمس البغل. المرأة البدينة تحكم لف الملاءة حول جسدها الذى يزداد جمالا ببدانته المتسقة مع روحها المرحة. ضحكتها تلعلع بسبب وبغير سبب، وأحيانا تطلقها حتى قبل أن يكمل العربجى جملته، رحت أتابع المواقف وأنا فى مؤخر العربة وسمعت المرأة تقول للعربجى “إيش عرّف الخواجات فى النسوان”؟ فيرد العربجى “الخواجات خواجات، سبقونا فى كل شئ خصوصا الحرية”، تتقصع المرأة وتزداد ضحكتها لمعانا وهى تقول “.. شى لله يا حرية” لا يرد العربجى، يصيح بالبغل “هس” بعد أن لوح للعربة ثلاثة أشخاص ينتظرون على الرصيف، تعجبت أن من بينهم ذلك الشاب الخواجة الذى كاد يلتهم الطفلة ثم راح يغازل السيدة صاحبة الصورة العارية على الغلاف. لم تكن الطفلة ولا السيدة من الواقفين، كيف يترك هذا الشاب الخواجة الترام بكل جماله وحداثته ليقف فى انتظار سوارس!؟ ارتفعت ضحكة المرأة البدينة الجميلة حتى ملأت ملاءتها اللف وارتج ثدياها فى إثارة واضحة، وراحت تغنى وهى تشير إلى الخواجة “جونى يا جونى، تعابوسنى وعُضِّنى”،

 احمر وجه الشاب الخواجة أكثر والتفت الناحية الأخرى، ولم يركب، وأسرع الخطا نحو محطة الترام الذى كان قد غادر المحطة.

****

نص اللحن الأساسى: حلم (59)

إنه‏ ‏عجيب‏ ‏لطول‏ ‏قامته‏.. ‏عجيب‏ ‏فى ‏سلوكه‏، ‏أما‏ ‏عن‏ ‏قامته‏ ‏فهى ‏مثل‏ ‏مئذنة‏ ‏الزاوية‏، ‏وأما‏ ‏عن‏ ‏سلوكه‏ ‏فإنه‏ ‏يعترض‏ ‏سبيل‏ ‏من يختار من‏ ‏أهل‏ ‏حارتنا‏، ‏ويحنى ‏قامته‏ ‏المديدة‏ ‏حتى ‏يوازى ‏وجهه‏ ‏وجهه‏، ‏ويتفرس‏ ‏فى ‏أساريره‏ ‏بإمعان‏، ‏كأنما‏ ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏سر‏ ‏دفين‏، ‏ويمضى ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏نحو‏ ‏المقصد‏ ‏حتى ‏يختفى ‏عند‏ ‏المنحنى .. ‏وتلقاه‏ ‏الناس‏ ‏بدهشة‏ ‏واجمة‏ ‏وامتعاض‏ ‏شديد‏، ‏بل‏ ‏إن‏ ‏أحدهم‏ ‏تبعه‏ عن ‏بعد‏ ‏ليكشف‏ ‏أمره‏، ‏ولما‏ ‏طالت‏ ‏غيبته‏ ‏خرجت‏ ‏جماعة‏ ‏من‏ ‏الأهل‏ ‏والجيران‏ ‏للبحث‏ ‏والاطمئنان‏ ‏ولكنها‏ ‏رجعت‏ ‏مخيبة‏ ‏الرجاء‏.‏

عند‏ ‏ذاك‏ ‏جاء‏ ‏دور‏ ‏شيخ‏ ‏الحارة‏ ‏فنهض‏ ‏ليؤدى ‏واجبه‏، ‏ورجع‏ ‏الرجل‏ ‏جريح‏ ‏الكبرياء‏، ‏وانقلب‏ ‏الحادث‏ ‏إلى ‏حكاية‏ ‏على ‏كل‏ ‏لسان‏، كثرت‏ ‏حوله‏ ‏الأفكار‏ ‏والظنون‏، ‏ولكن‏ ‏بلا‏ ‏جدوى ‏فطواه‏ ‏النسيان‏ ‏أو‏ ‏كاد‏.‏

وذات‏ ‏يوم‏ ‏كان‏ ‏شيخ‏ ‏الحارة‏ ‏يسامر‏ ‏إمام‏ ‏الزاوية‏ ‏إذ‏ ‏شعر‏ ‏بوجود‏ ‏يحل‏ ‏فى ‏وجوده‏، ‏ورأى ‏أمره‏ ‏العجيب‏ ‏بل‏ ‏ولمح‏ ‏قبسا‏ ‏من‏ ‏سره‏ ‏الذى ‏حير‏ ‏الناس‏، ‏وقرر‏ ‏فى ‏الحال‏ ‏القبض‏ ‏عليه‏، ‏وأذاع‏ ‏ما‏ ‏عرفه‏ ‏من‏ ‏سره‏ ‏على ‏الملأ‏.‏

وهمّ‏ ‏بالقيام‏ ‏ولكن‏ ‏خانته‏ ‏قواه‏ ‏جميعا‏، ‏فلم‏ ‏يستطع‏ ‏أن‏ ‏يتحرك‏ ‏ولم‏ ‏يستطع‏ ‏أن‏ ‏ينطق‏.‏

التقاسيم:

… شاع بين الناس أن شيخ الحارة هو الذى أخفاه داخله قصدا، ومن البداية، وبعضهم اتهمه أنه هو هو، وأنه اتفق مع إمام الزاوية على كل شئ، وأن تمثيلية إذاعة السر لا تَخْفى على أحد، فقد كان الناس كلهم يعرفونه، فما معنى إذاعته هكذا؟

وظل شيخ الحارة فى موقعه لا يتحرك ولا ينطق ولا يدافع عن نفسه ولا يموت.

…انقطعت عنى أخبار حارتنا كل هذه السنين بسبب النسيان والسفر والدراسة، وبعد عودتى قابلته فى ميدان التحرير، تعرفت عليه من شعاع عينيه فقط، فقد صارت قامته إلى عكس ما كانت، صار قزما أحدبا، لكنه غير منفّر، بل بدا لى أقرب إلى أقزام السيرك المهرجين بالإضافة إلى الحدب أعلى ظهره، لكنه عاد يزاول مهمته وشعاع عينيه لم يتغير. كان مازال يعترض بعض المارة وهو يشب على أطراف أصابعه فينحنون له وكأنه يجذبهم بشعاع عينيه، ولم يكن يبحث عن السر هذه المرة بل كان يقرأ الطالع، فكانوا يسلمونه عيونهم دون حرج،

لا أعرف كيف تذكّرنى بسهولة، واتفقنا أن نزور حارتنا القديمة بعد أن تأكدنا من استحاله معرفة السر برغم أن كل الناس عرفوه قبل إذاعته. طلب الرجل أن نعود شيخ الحارة حين أخبرته بما صار إليه، لا يتحرك ولا ينطق ولا يموت، فمضينا إليه، وإذا بالمفاجأة تنتظرنا لتذهلنا فور دخولنا عليه: قفز شيخ الحارة وهو يصيح “الله أكبر الله أكبر”. حدثت المعجزة، راح شيخ الحارة يفسر لنا كيف عرف الرجل بعد أن صار قزما أحدب وهو الذى كان طول مئذنة الزاوية، إنه شعاع العينين الذى لم يتغير، وفحصه للناس وانجذابهم إليه. سأله القزم عن إمام الزاوية، فقال شيخ الحارة: لعنه الله ذهب إلى الجحيم.

لمحت فجأة تغيرا فى لهجته وتعبيرات وجهه وإشارات يديه، اختفت الفرحة بمعجزة الشفاء، وتوجستُ شرا كأنه أرسل إشارات سرية للمخبرين للقيام بالواجب، فقررت أن نهرب بأسرع ما يمكن، وحين التفت إلى جانبى لأغمز لصاحبى بالفكرة، لم أجده.

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (60)

دققت‏ ‏جرس‏ ‏الباب‏ ‏ففتح‏ ‏عن‏ ‏ثلاث‏ ‏فتيات‏ ‏يقينا‏ ‏أنى ‏لا‏ ‏أعرفهن،‏ ‏لكننى ‏شعرت‏ ‏بأننى ‏لا‏ ‏أراهن‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏. ‏سألت‏ ‏عن‏ ‏السيدة‏ ‏صاحبة‏ ‏الشقة‏ ‏فأجبن‏ ‏بأنها‏ ‏مازالت‏ ‏فى ‏الحج‏ ‏ولم‏ ‏يعرفن‏ ‏بعد‏ ‏ميعاد‏ ‏عودتها‏. ‏وسرن‏ ‏بى ‏إلى ‏حجرات‏ ‏الشقة‏. ‏وعند‏ ‏فتح‏ ‏كل‏ ‏باب‏ ‏أرى ‏جماعة‏ ‏حول‏ ‏مائدة‏ ‏مستديرة‏ ‏غارقين‏ ‏فى ‏مناقشة‏ ‏حادة‏ ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أعرف‏ ‏أى ‏موضوع‏ ‏يناقشون‏ ‏من‏ ‏اختلاط‏ ‏الأصوات‏ ‏وتداخلها‏. ‏ولم‏ ‏أرغب‏ ‏فى ‏الدخول‏ ‏فى ‏أى ‏غرفة‏ ‏مفضلا‏ ‏انتظار‏ ‏السيدة‏ ‏صاحبة‏ ‏الشقة‏. ‏ولفتت‏ ‏نظرى ‏إحدى ‏الفتيات‏ ‏بأن‏ ‏السيدة‏ ‏سوف‏ ‏تتأخر‏ ‏بضعة‏ ‏أيام‏ ‏ومن يأسى ‏أجبتها‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏اشتركت‏ ‏فى ‏المناقشات‏ ‏دون‏ ‏جدوى ‏أننى ‏أفضل‏ ‏انتظار‏ ‏عودة‏ ‏السيدة‏.‏

التقاسيم:

.. لا أعرف إن كنَّ قد سمحنَ لى بالانتظار أم خفنَ من إصرار عينىّ. مددت يدى على رف فى الصالة دون حاجة إلى استئذان، فقد اختفت الفتيات الثلاث لا أعرف متى، فوجدت بين يدى كتابا من الكتب القديمة ذات الورق الأصفر والرائحة العتيقة، فتصورت أنه كتاب فى الدين أو فى الجنس أو فيهما معا. لكننى حين فتحته وجدت أن به تسجيلات كل الأحاديث التى كانت تدور فى الحجرات، وتعرفت على صوتى من خلال السطور، وتأكدت من أننى اشتركت فى المناقشات، مع أننى لم أدخل أية حجرة أصلا.

عادت صغرىِ الفتيات الثلاث، وكانت أجملهن، وسألتنى إن كنت أشرب شيئا، فشكرتها، فأردفتْ إن كنت فعلا سوف أنتظر الحاجّة كل هذه الأيام هنا فى البيت، فأجبت بالإيجاب، قالت وهى غير متحجبة، وأين ستنام؟ قلت أنت وما ترين. وحين نبهتنى أنه لا يوجد مكان للنوم أصلا أبديت عدم فهمى، فقالت: إن كلمات الأحاديث تشغل الحجرات كلها أكثر مما كانت أثناء المناقشات، بحيث لا تعود تتسع لموضع قدم بعد انصراف المتناقشين، فسألتها وأين تنامين أنت؟

قالت: أنت مالك؟!!

****

نص اللحن الأساسى: حلم (61)

وصلتنى ‏دعوة‏ ‏عشاء‏ ‏فى ‏بيت‏ ‏قريب‏ ‏عزيز‏. ‏ولما‏ ‏اقتربت‏ ‏من‏ ‏الباب‏ ‏رأيت‏ ‏أفواجا‏ ‏من‏ ‏المدعوين‏ ‏يدخلون‏. ‏فأدركت‏ ‏أن‏ ‏الدعوة‏ ‏عامة‏. ‏ورأيت‏ ‏بين‏ ‏القادمين‏ ‏نخبة‏ ‏من‏ ‏جيل‏ ‏أساتذتى ‏وأخرى ‏من‏ ‏جيل‏ ‏الزملاء‏. ‏وتبادلنا‏ ‏التحية‏ ‏وبعض‏ ‏الكلام‏ ‏وكان‏ ‏مما‏ ‏أجمعوا‏ ‏عليه‏ ‏أنهم‏ ‏يقيمون‏ ‏الآن‏ ‏فى ‏قرية‏ ‏كرستوفر‏ ‏وقالوا‏ ‏الكثير‏ ‏عن‏ ‏جمالها‏ ‏وتفوقها‏ ‏على ‏جميع‏ ‏القرى ‏السياحية‏. ‏دخلنا‏ ‏وتفرقنا‏ ‏بين‏ ‏الموائد‏. ‏وكانت‏ ‏جلستى ‏أمام‏ ‏مائدة‏ ‏صغيرة‏ ‏عارية‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏شىء‏ ‏فلا‏ ‏مفرش‏ ‏ولا‏ ‏طبق‏ ‏ولا‏ ‏أدوات‏ ‏طعام‏ ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏أفيق‏ ‏من‏ ‏دهشتى ‏رأيت‏ ‏شكوكو‏ ‏قادما‏ ‏نحوى ‏قابضا‏ ‏على ‏فخدة‏ ‏خروف‏ ‏محمرة‏. ‏وسلمها‏ ‏لى ‏يدا‏ ‏بيد‏ ‏وذهب‏ ‏وهو‏ ‏يضحك‏. ‏صعقت‏ ‏واستأت‏ ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أر‏ ‏بدا‏ ‏من‏ ‏قطع‏ ‏اللحم‏ ‏بأصابعى ‏لأتناول‏ ‏طعامى ‏غير‏ ‏أننى ‏كنت‏ ‏أفكر‏ ‏طيلة‏ ‏الوقت‏ ‏فى ‏كرستوفر‏.‏

التقاسيم:

…. سألت موظفة مكتب السياحة عن قرية سياحية اسمها كريستوفر، وهل يوجد بها فندق لمن لا يملك بها شاليها أو فيلا، فأنكرت الاسم وقالت لى الموظفة لعلك تقصد قرية كولمبوس، قلت لها ربما لها اسمان، فأخبرتنى بأنه لا يوجد بها فندق، وإنما شاليهات تؤجر بالليلة، وأنه يشترط لمن يسمح له بتأجيرها أن تكون فصيلة دمه A B، وأنا أعرف أن فصيلة دمى (O) وأنى قادر على أن أعطى كل الناس نقل دم لكن لا آخذ إلا من فصيلة تشبهنى، وشرحت لها المسألة وأنى مستعد أن آخذ بالمخاطرة لو حدث شئ، فأُعطى ولا آخذ، فوعدتنى الموظفة أن ترجع إلى رئيسها تستشيره.

فى الطريق وجدت بائع عرائس الجبس ينادى “شكوكو بالأزايز”، “كاريوكا بالأزايز”، فتقدمت منه وسألته عن فصيلة دمه، فقهقه عاليا، وطبطب علىّ مشفقا على عقلى، فوجدت نفسى فى المصعد فى قرية كريستوفر كولمبس، وعامل المصعد يعطينى مفتاح الشاليه ويطلب منى التوقيع على مسئوليتى عما يحدث لى كما وعدت فى مكتب السياحة، فقمت بالتوقيع.

أثناء ركوبى المصعد نظرت إلى صورتى ولم أتعرف على نفسى لكن لاح لى فى المرآة عدد من المدعوين من جيل الأساتذة والزملاء وهم يلوحون لى تلويحه الوداع “بالسلامة” “بالسلامة”، ضغطت على زر رقم الدور الذى أخبرنى عنه الرجل وإذا بالمصعد يهبط بدل أن يصعد، وتصورت أن هذه هى الأصول، لكنه ظل يهبط دون توقف بغض النظر عن محاولاتى مع كل الأزرار، وتذكرت حديثى مع موظفة المكتب، وأسفت لتوقيعى لعامل المصعد. واستمر الهبوط وأنا لا أستطيع حتى أن أصيح أن فصيلة دمى (o).

****

نص اللحن الأساسى: حلم (‏62)

أخيرا‏ ‏عثرت‏ ‏على ‏الصورة‏ ‏القديمة‏ ‏العزيزة‏ ‏بين‏ ‏الأشياء‏ ‏القديمة‏. ‏ولكن‏ ‏فرحتى ‏لم‏ ‏تتم‏ ‏إذ‏ ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏تبين‏ ‏لى ‏أن‏ ‏الصورة‏ ‏تهرأت‏ ‏بمرور‏ ‏الزمن‏ ‏عليها‏ ‏وطمست‏ ‏ملامح‏ ‏الأعزاء‏ ‏فلم‏ ‏يبق‏ ‏منها‏ ‏بقية‏ ‏تذكر‏.‏

وبقدرة‏ ‏قادر‏ ‏وجدت‏ ‏نفسى ‏فى ‏بهو‏ ‏مصلحة‏ ‏حكومية‏ ‏وبيدى ‏ملف‏ ‏خدمة‏ ‏موظف‏ ‏يتتبع‏ ‏خطاى ‏ويطالب‏ ‏بالإنصاف‏. ‏وأدركت‏ ‏بخبرتى ‏أن‏ ‏الموضوع‏ ‏من‏ ‏اختصاص‏ ‏إدارة‏ ‏المستخدمين‏.‏

وبحثت‏ ‏فلم‏ ‏أجد‏ ‏لها‏ ‏أثرا‏ ‏وفيما‏ ‏أمر‏ ‏أمام‏ ‏حجرة‏ ‏المخازن‏ ‏فتح‏ ‏الباب‏ ‏وخرج‏ ‏منه‏ ‏زميل‏ ‏توفاه‏ ‏الله‏ ‏منذ‏ ‏شهر‏. ‏خطف‏ ‏الملف‏ ‏من‏ ‏يدى ‏ورجع‏ ‏إلى ‏المخازن‏ ‏وهو‏ ‏يؤكد‏ ‏أن‏ ‏الموضوع‏ ‏من‏ ‏اختصاصه‏. ‏وأنسانى ‏مظهره‏ ‏المهمة‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏تشغلنى.‏

التقاسيم:

… دخلت بسرعة وراءه قبل أن يغلق حجرة المخازن، وأنا أعلم أنه متوفى، فملأنى الرعب، لكنه زادنى إصرارا، أخذ يسرع الخطى والملف تحت إبطه، وأنا وراءه، وأنا على يقين أن الصورة القديمة بداخله، ولا أعرف كيف وصلت إلى داخل الملف، وحين توقف فجأة واستدار وعيناه مليئة بالغضب والاحتجاج، صاح بى: إلى أين؟ قلت له أنا معك حتى النهاية، قال إنك لن تستطيع معى صبرا، قلت ستجدنى إن شاء الله من الصابرين، قال على مسئوليتك، قلت له هات الصورة التى بداخل الملف وأنا أنصرف عائدا ويا دار ما دخلك شر، قال أية صورة يا أبله؟ قلت له أنت لا تعرف كم هى متهرئة، ولو لم تأخذ بالك فستتمزق منك، قال كيف تقول ذلك وأنت بكل بجاحتك هذه خرجت منها لتزعجنى كل هذا الإزعاج.

غمرنى رعب غامض ثقيل، وأخذ جسمى يتبطط حتى صار فى سُمك ورقة كارتون، لا أعرف هل لصق عليها صورتى أم لا.

وراح الرجل يبحلق فيها وهو يقهقه شامتا.

****

نص اللحن الأساسى: حلم ‏(63)

هذه أرض خضراء يحيط بها سور متوسط الارتفاع لكنه كاف لإخفاء ما يجرى داخله عمن فى الخارج، وتنطلق من وسطها مسلة طويلة فى رأسها علم، أما سطحها فيمرح بالشباب والحركة. خلت بادئ الأمر أننى فى ناد رياضى. ولكن بعد أن أمعنت البصر غلب على ظنى أننى فى سيرك، فهنا جماعة تسير على أربع. وهنا فريق يتبادل أفراده الصياح والركل. وفريق آخر يتعاقب الحركة…. الشتائم، أما البقية من الشباب فتشدو بألحان لم يسمع مثلها. وأردت أن أزداد علما فوجدتنى خارج السور فى مدينة كبيرة يشقها شارع عملاق تتكتل الجماهير على جانبيه خارج السور وهى تهتف متطلعة إلى العلم فى رأس المسلة. وأخيرا فتح الباب الكبير. وتهادى منه الموكب، عربة إثر عربة. وفى كل عربة شاب يجلس جلسة ملوكية، ينظر إلى الناس من عل. ويرد تحياتهم باستعلاء واستكبار.

التقاسيم:

رحت أنقل بصرى بين الجماهير الهاتفة، وأتابع الشاب تلو الشاب فى العربات المزدانة فى جلستهم الملوكية المتكبرة المتغطرسة، وخوفا من أن أقدم على ما لا أعرف كيف أضبطه عرجت إلى أقرب حارة متفرعة من الشارع العملاق، فإذا بى أُسْتدرج من حارة إلى حارة وكأننا لم نكن خارج السور أصلا، الرائحة كريهة، وتزداد عفونة ونتنا، وحْلٌ هذا نزحوه من مصرف مهجور؟ أم فضلات بشرية تلك التى تغوص فيها قدماى؟ حل الظلام فجأة وكأننا لم نكن الظهر منذ قليل، وسمعت صوت تعنية وحزق بجوار حائط متهدم، فاقتربت من الصوت لعله يحتاج مساعدة ما، وتبينت وجها لشاب بجوار الحائط وقد بدأ يتقيأ ويتألم متأوها، وإذا بى ألاحظ أنه أحد الوجوه التى كانت فى الموكب تنظر للجماهير باستعلاء واستكبار، ومع ذلك غلبتنى الشفقة عليه وسألته عن معاناته وهل يحتاج مساعدة، فرفع رأسه وتصورت أنه يستنقذنى أو يشكرنى، فإذا به يبصق فى وجهى قبل أن أنتبه. فانصرفت فزعا وأنا أمسح بصقته مرددا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

فى طريق رجوعى وعلى مسافات متساوية وبجوار نفس الحائط وجدت كل الشباب المتغطرسين الذين كانوا يركبون العربات واحدة تلو الأخرى على مسافات متساوية تقريبا، وهم يجلسون نفس الجلسة، يعانون نفس المعاناة، فأعددت نفسى للمباغته بهجمات دفاعية استباقية، وكلما اقتربت من أحدهم بصقت فى وجهه دون أن أسأله عن حاجته لمساعدتى.

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (64)

من شدة الرعب تسمرت قدماى فى الارض، فعلى بعد ذراع منى شبت ثلاثة كلاب ضخمة متوحشة تريد أن تنقض علىّ لتفتك بى لولا أن قبضت على أذيالها امرأة باستماتة.

وإلى اليمين وقفت كلبة فى ريعان الشباب، آية فى غزارة الشعر وبياضه ونعومته وكانت تشاهد ما يحدث فى قلق تجلى فى اهتزازات ذيلها القصير المقصوص.

وارتفع نباح الكلاب الثلاثة وتتابع كالرعد واشتعلت فى أعينها الرغبة المتأججة فى الفتك بى ولما تعذر عليها الوصول إلىّ استدارت فجأة ووثبت على المرأة وعند ذاك اقتلع الرعب قلبى وارتمت علىَّ الكلاب. أما الكلبة الجميلة فتطلعت لى مدة وترددت لحظة عابرة ثم ألقت بنفسها فى المعركة دون مبالاة بالعواقب.

التقاسيم:

…. فى عمق الرعب الذى شل تفكيرى، لم أستطع أن أتبين إن كانت الكلبة الشابة الجميلة قد ألقت بنفسها فى المعركة دفاعا عنى، أم مشاركة فى الانقضاض علىّ، والعجيب أن أيا من الكلاب لم تمسسنى بسوء، لا عضة، ولا خدش، ولا كدمة، كانت كلما قاربت ملامسة وجهى تكشر عن أنيابها وتتراجع، ثم تعود، فأزداد رعبا وأتمنى أن تلتهمنى فأختفى. لمحت وجه المرأة وكنت قد نسيتها ووجدت أنها تتفرج وتبتسم ابتسامة هى مزيج من الشفقة والشماتة، فاستعطفتها بعينى، فصفرت بفمها، فقفزت الكلبة البيضاء وذهبت إليها فالتقطتها المرأة ووضعتها على كتفها وراحت تهدهدها وتمسح على ظهرها فى حنان بالغ، فداخلنى شعور غامض أن الفرج قريب، وفعلا التفتت الكلاب الثلاثة إلى المرأة وأحنوا رؤوسهم، وتوقفوا فى أماكنهم كأنهم تماثيل من صخر.

لوحتُ للكلبة البيضاء فتخلصتْ من هدهدة المرأة وقفزت إلى كتفى، فدبت الحياة فىّ وانطلقت الكلاب المتوحشة نحو المرأة دون تردد وقد خيل لى أن الغيرة قد ملأتهم غضبا، فراحوا ينهشونها فى نهم متسارع حتى اختفت فى بطونهم، ثم اختفوْا تماما.

أخذت أملس على شعر الكلبة البيضاء وهى على كتفى.

فابتسمتْ لى

وفرحتُ

ولم يخف على أى منا كيف كنا ندارى خجلنا من نسيان المرأة وسط فرحتنا بالنجاة والحياة.

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (65)

انقضى العام الدراسى وأعلن عن يوم الامتحان. ولم نكن فتحنا كتابا ولا حفظنا جملة توجب التفكير فيما ينبغى عمله. وثمة قلة كانت ما تزال تحتفظ بشئ من الاحترام لما هو معقول فقررت الامتناع عن حضور الامتحان.

 أما الأخرى فكانت مولعة بالعبث واللامعقول فانتهزت الفرصة المتاحة وعزمت على حضور الامتحان.

 وفى الصباح الموعود انتظمنا فى الصفوف ولبسنا أقنعة الجدية والاهتمام. وإذا برئيس اللجنة يقوم ويقول بصوت جهورى إنه سيوزع علينا ورقتين إحداهما تحوى الأسئلة والأخرى تحوى الإجابات الصحيحة. وذهلنا حقا فلم نكن نتصور أن بين أساتذتنا من يفوقنا فى حب العبث واللامعقول.

التقاسيم:

…أمسكت بورقة الإجابات الصحيحة، واكتشفت أنها خدعة، ذلك أنه مكتوب على رأس كل ورقة إجابة: “ضع سؤالا آخر لهذه الإجابة، غير السؤال الذى ورد فى ورقة الأسئلة” وسيكون التقدير على درجة ذكاء السؤال.

 وصحنا معا: يا خبر أسود، ما هذا؟

فقال المراقب وهو يقهقه، حتى تتعلموا أنكم لستم أسياد الموقف وأن لكل إجابة أكثر من سؤال، وهذا يسرى على من حضر الامتحان أو من تصور أن الأكثر احتراما لما هو معقول ألا يحضره.

انبريتُ أنا نيابة عن زملائى محتجا أن المقرر لم يكن فيه تدريب على وضع أسئلة للإجابات هكذا، فقال المراقب إن المقرر يتعامل فقط مع المعقول، وأن التقدير سوف يكون على درجة اللامعقول فى أسئلتكم.

 فقلت له:

وما ذنبنا نحن؟

فقال:

وما ذنبى أنا؟!

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (66)

تم التفاهم بينى وبين المالك ودعانى الرجل لمعاينة ما تم التفاهم عليه أرانى شقة ممتازة وزوجته الحسناء وابنها وهو طفل فى الثالثة. وطابت نفسى بما رأت وتحدد موعد الساعة التاسعة من صباح اليوم الثانى للتسليم والتسلم. لكنى فى الحقيقة لم أستطع صبرا.

ودفعتنى قوة لا تقاوم للذهاب إلى الشقة. وكان الذى فتح لى الباب هو المالك نفسه. ولما رآنى ثار غضبه وصفق الباب فى وجهى بغضب ارتجت له الجدران، وبت ليلة مسهدة أتساءل بقلق بالغ عن الصفقة والمصير..

التقاسيم:

عدت فى الصباح حسب الموعد فى الساعة التاسعة تماما، وأنا أعرف أننى بما فعلت ليلة أمس قد أكون قد أفسدت الصفقة كلها، وأقنعت نفسى – لا أعرف كيف – أننى لم أذهب، وأنه لم يفتح لى، ولم يصفق الباب فى وجهى، وأن كل ذلك كان حلما من فرط حرصى على استلام الشقة بالشروط الرائعة التى حَصُلت عليها.

حين طرقت الباب فتحت لى إمرأة غير زوجته الحسناء التى عرفنى عليها ليلة أمس، لكن الطفل الذى كانت تمسك بيده كان هو نفس طفل أمس، عرفتها بنفسى وأنى على موعد مع المالك وذكرت اسمه وأنى جئت لاتمام ما اتفقنا عليه أمس، قالت المرأة، أنها هى الساكنة الجديدة، وأن الذى قابلنى أمس لم يكن إلا الساكن القديم الذى رحل وأجّر لها من الباطن شقته مفروشة، فقلت لها أنى لا أعنى هذه الشقة لكن الاتفاق كان على شقة أخرى فى عمارته الجديدة، فابتسمت ابتسامة إشفاق، كل ذلك والطفل يتابع حديثنا، وفجأة ترك يد السيدة وراح يجرى إلى الداخل وهو يصيح “بابا إْلحَقْ”، تمنيت أن يلمحنى أبوه أو ألمحه فيحضر، حتى أتأكد أنه ليس هو، وحين حضر عرفت أنه هو، لكنه أنكرنى تماما واحتد الكلام بيننا، والسيدة تقهقه والطفل يبكى.

وحين علت أصواتنا أكثر هددنى باستدعاء البوليس.

فانصرفت

وبتًّ ليلة مسهدة أتساءل بقلق بالغ عن الحق والحقيقة والموت والجنس والخلود.

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (67)

بناء كبير ستجده فى الأصل كان مبنى الوزارة التى كنت موظفا بها ولما رأيت الشباب يعود إليها – راودتنى نفسى على ارتيادها. فى الداخل قابلت نفرا من الزملاء القدامى فانشرح صدرى للقائهم وسرنا من حجرة إلى حجرة ومن ذكرى إلى ذكرى حتى بعثنا الماضى من مرقده. ومررنا بسلم واسع عجيب فصعدت من فورى إلى الطابق الثانى هناك رأيت شبابا كثيرين كلما رآنى أحدهم تجهم وجهه وألقى على نظرة مستنكرة انتفض قلبى وشعرت برغبة فى التبول. وبحثت هنا وهناك حتى استقرت عيناى على لافتة ترشد إلى دورة مياه فى ممر بين الحجرات فهرعت إليه ولكنى وجدت عمالا عاكفين على إنجاز مشروع لم يتم تنفيذه لا يصلح للاستعمال رجعت من حيث أتيت. وسرعان ما اكتشفت بأنه لا سبيل إلى الفرج إلا بالعودة إلى الطريق.

التقاسيم:

…لحقنى أحد الزملاء القدامى وطلب أن أؤجل هذه المهمة لأن رئيسنا السابق قد حضر لتوه، وأنه علم بوجودى فأرسله مسرعا حتى يلحقنى قبل أن أنصرف، فرحت بهذه الدعوة، فقد كان طيبا معى فوق الوصف، إلا أن رغبتى فى التبول زادت أضعافا فى نفس اللحظة، ولم أعرف هل أعتذر وأواصل البحث عن مكان أقضى فيه حاجتى، أم أفرّ بجلدى من خطر مجهول، تسمرت فى مكانى وطالت الوقفة حتى انصرف الزميل وهو يقول: أنت حر.

ظللت متجمدا وأنا أتساءل: هل أنا حر حقا؟

ثم توالت المناظر دون فواصل:

وجدت نفسى فى ميدان ليس له حدود، وحين أمعنت النظر اكتشفت مبنى أثريا على ناصية الشارع الوحيد على طرف الميدان، وتبينت أنه مبنى الوزارة الأصلى بصورته القديمة قبل التحديث، ثم فجأة اختلف الموقع، فوجدت نفسى فى مقابر الإمام الشافعى، ثم وأنا أختم صلاة العشاء إماما فى سيدنا الحسين، وحين انحرفت عن القبلة لأكمل ختم الصلاة اكتشفت أن المصلين خلفى كانوا خليطاً من أهل الصعيد، ربما من ملوى بالذات، لكن من هذا الذى بينهم؟ ياخبر!! الشيخ حسن نصر الله شخصيا؟ فخجلت، واعتذرت له أنه كان أولى بالإمامة، وإذا به ينحنى على يدى وأنا فى حال، فانهارت دموعى تبلل لحيته وهو يقبل يدى، وما أن رفع رأسه حتى سألته وأنا أكاد أحتضنه، وفى ذهنى قول زميلى “أنى حر”، سألته: يا شيخ حسن هل أنا حر حقا؟

فالتفت الشيخ حسن إلى المنبر، فنظرت حيث ينظر وإذا بعمرو موسى جالس ينتظر انتهاء المؤذن من الآذان الثانى، وهو ممسك بسيف خشبى، وهو يتمايل ويتمتم؛

فتبادلنا النظرات أنا والشيخ حسن،

ولم أكرر السؤال.

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (68)

ما‏ ‏أجمل‏ ‏هذا‏ ‏المكان‏. ‏إن‏ ‏سماءه‏ ‏وأرضه‏ ‏وما‏ ‏بينهما‏ ‏تتألق‏ ‏بلون‏ ‏الورد‏ ‏الأبيض‏. ‏وجوه‏ ‏آية‏ ‏فى ‏النقاء‏ ‏والصفاء‏. ‏أما‏ ‏معجزته‏ ‏الحقيقية‏ ‏فهى ‏أنه‏ ‏جمع‏ ‏أصدقاء‏ ‏العمر‏ ‏الأحياء‏ ‏منهم‏ ‏والأموات‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يثير‏ ‏ذلك‏ ‏دهشة‏ ‏أحد‏. ‏فلا‏ ‏نحن‏ ‏سألناهم‏ عما‏ ‏وجدوا‏ ‏فى ‏العالم‏ ‏الآخر‏ ‏ولا‏‏هم‏ ‏سألونا‏ ‏عما‏ ‏حدث‏ ‏فى ‏الدنيا‏ ‏عقب‏ ‏رحيلهم‏.‏

ولكنا‏ وجدنا ‏أنفسنا‏ ‏جميعا‏ ‏فى ‏اللهو‏ ‏متمنين‏ ‏أن‏ ‏تدوم‏ ‏الحال، ‏غير‏ ‏أن‏ ‏الحال‏ ‏لم‏ ‏تدم ‏إذ‏ ‏هبطت‏ ‏من‏ ‏السماء‏ ‏سحابة‏ ‏سوداء،‏ ‏حتى ‏ساد‏ ‏الظلام‏ ‏وفرق‏ ‏بيننا،‏ ‏وانهمر‏ ‏مطر‏ ‏مثل‏ ‏الشلالات‏ ‏وتتابع‏ ‏البرق‏ ‏والرعد‏ ‏دون‏ ‏هدنة‏ ‏حتى ‏بلغت‏ ‏القلوب‏ ‏الحناجر‏.‏

وهنا‏ ‏تسلل‏ ‏لأذنى ‏أصوات‏ ‏بعض‏ ‏الأصدقاء

قال‏ ‏الأول‏ “إنها‏ ‏النهاية‏”‏.

وقال‏ ‏الثانى “‏إنى ‏لمحت‏ ‏عند‏ ‏الأفق‏ ‏قبسا‏ ‏من‏ ‏الفرج”‏.

وقال‏ ‏الثالث “‏مهما‏ ‏يكن‏ ‏من‏ ‏الأمر‏ ‏فلا‏ ‏مفر‏ ‏من‏ ‏الحساب‏”.‏

التقاسيم:

… حين انقشع الظلام وتوقف المطر – وجدنا أننا قد قسمنا إلى فريقين متميزين، الأحياء فى ناحية والأموات فى ناحية ولم أجد نفسى بين أى من الفريقين، واحتج الأموات وعلت الأصوات وميزت بينها صوتاً يقول: لقد حوسبنا مرة، فكيف نحاسب من جديد!! فجاء رد ميت آخر أنه كان علينا أن نحذر أن نختلط بهؤلاء الأحياء إذ يبدو أنهم خدعونا وحمّلونا ذنوبهم فقال ميت ثالث: لو كنت أعرف أن المسألة هكذا كنت أقررت بكل ذنوبى، وارتحت، وأخذ الأحياء يستمعون إلى هذا الحوار فى عجب وعدم فهم بالغين.

بلغت بى الحيرة حَداً لم أعد أحتمله، وعزمت أن أنضم إلى فريقى. لكننى لم أعرف أحقية انتمائى إلى أى من الفريقين، فقرصت فخذى فتألمت فعرفت أننى من الأحياء؛ فاندسست بينهم. لكن أحدا منهم لم يتعرف علىّ مع أنهم أصدقاء العمر، فشككت فى نفسى، فتسحبت إلى حيث الفريق الآخر، وقرصت أحد أصدقائى الموتى فجأة وبشدة، فإذا به يقفز من فرط الألم، وحين استدار ورآنى تعرف علىّ، وتصورت أنه سيأخذنى بالحضن يعوّضنى عن تنكر الأصدقاء الأحياء، وإذا به يصفعنى حتى صفرت أذنى مثل بوق عربة بوليس النجدة، فراح يقبل رأسى وهو يعتذر ويتأسف وهو يزعم أنه لم يتحقق من أننى “أنا” هو أنا فعلاً.

صدقته وقلت له بتوسل جاد: ما دمت عرفتنى هكذا، فهل يمكن أن تخبرنى هل أنا منكم أم منهم؟

قال لى: ماذا تقول يا رجل؟ هل هذا كلام؟

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (69)

هذه‏ ‏غابة‏ ‏تتوسطها‏ ‏هضبة‏ ‏هرمية‏ ‏الشكل‏، ‏يُصعد‏ ‏إليها‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ممرات‏ ‏حجرية‏ ‏مدرجة‏ ‏مزينة‏ ‏بصفوف‏ ‏النخيل‏ ‏وأحواض‏ ‏الزهور‏ ‏وجواسق‏ ‏العاشقين‏. ‏خلوت‏ ‏إلى ‏صاحبتى، وسبحنا‏ ‏معا‏ ‏فى ‏مناجاة‏ ‏غيبت‏ ‏عن‏ ‏وعينا‏ ‏الوجود‏، ‏وبغتة‏ ‏انتترت‏ ‏صاحبتى ‏واقفة‏ ‏وفى ‏غمضة‏ ‏عين‏ ‏غادرت‏ ‏الجوسق‏. ‏وقمت‏ ‏لألحق‏ ‏بها‏ ‏وأطمئن‏ ‏عليها‏ ‏فاعترضنى ‏صوت‏ ‏كالرعد‏ ‏ينطلق‏ ‏من‏ ‏مكبر‏ ‏صوت‏ ‏ويحذر‏ ‏الناس‏ ‏من‏ ‏وجود‏ ‏قنبلة‏ ‏زمنية‏ ‏ويدعوهم‏ ‏إلى ‏مغادرة‏ ‏الهضبة‏ ‏بلا‏ ‏إبطاء‏ ‏ولا‏ ‏تردد‏، ‏واندفع‏ ‏الناس‏ ‏نحو‏ ‏الممرات‏ ‏الحجرية‏ ‏وأنا‏ ‏أتلفت‏، ‏وجمعنا‏ ‏رجال‏ ‏الأمن‏ ‏فى ‏موضع‏ ‏على ‏بعد‏ ‏آمن‏، ‏وبحثت‏ ‏عن‏ ‏صاحبتى ‏فلم‏ ‏أعثر‏ ‏لها‏ ‏على ‏أثر‏.. ‏ترى ‏أين‏ ‏اختفت؟‏ ‏وهل‏ ‏ثمة‏ ‏علاقة‏ ‏بينها‏ ‏وبين‏ ‏الجريمة؟‏ ‏وألا‏ ‏يجرنى ‏ذلك‏ ‏إلى ‏الإتهام‏ ‏رغم‏ ‏براءتى؟

وسمعت‏ ‏أقرب‏ ‏الواقفين‏ ‏إلى ‏وهو‏ ‏يقول‏ ‏لصاحبته‏ ‏إن‏ ‏قلبه‏ ‏يحدثه‏ ‏بأن‏ ‏المسألة‏ ‏ليست‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏بلاغ‏ ‏كاذب‏. ‏وسألت‏ ‏الله‏ ‏أن‏ ‏يصدق‏ ‏حدس‏ ‏الرجل‏ ‏ولكنى ‏لبثت‏ ‏ممزقا‏ًً ‏بين‏ ‏التفكير‏ ‏فى ‏صاحبتى ‏وتوقع‏ ‏الانفجار‏!.‏

التقاسيم:

… لم تمض أكثر من دقيقة، ولم أكن قد غادرت الهضبة بعد، وحدث الانفجار، وتناثرت الحوائط والجواسق وأحواض الزهور وثار غبار كثيف وجرى كل الناس فى كل اتجاه، وبسرعة رقت سحابة الغبار حتى اختفت لنجد أنفسنا جميعا بخير، مع أن المكان كان قد أصبح أثرا من بعد عين.

فرحنا بالنجاة ورحنا نضحك وكأن شيئا لم يكن، واشتدت الفرحة بمجموعة لا أعرف كيف انتقى أفرادها بعضهم البعض، فكونت دائرة على جانب، وراحت تصفق وتتمايل، فاقتربت منها فوجدت صاحبتى ترقص فى وسطها وهى عارية إلا من بعض قميص نوم لا يخفى شيئا، خجلت أن أناديها فتنكرنى، أو يسخر منى الناس، وقد يتصورون أننى أنا الذى سمحت لها بذلك، أو ربما تمادى أحدهم وتصور أننى أرتزق من وراء ذلك، فانصرفت وأنا أتلفت ورائى.

… هذا شارع اصطفت على جانبيه صفوف النخيل، ما الذى أتى بى إليه، أين المبانى؟ واصلت المشى أسرع حتى كدت أركض فانتهيت إلى نهايته، فإذا بى أمام مبنى جوسق فخم بدا لى كأنه قصر السلطان، وحين اقتربت منه تبينت أنه فندق ذو نجوم كثيرة، وبمجرد أن دخلت إلى قاعة الاستقبال، فوجئت بصاحبتى فى حضن مدير المكان وهما مستغرقين فى مناجاة غيبت عن وعيهم الوجود، وفجأة انتترت صاحبتى، وغادرت المكان، ولم أعرف إن كانت لمحتنى فتعرفتْ علىّ أم لا، ثم سرعان ما انطلقت مكبرات الصوت مثل تلك التى كانت فى الغابة وأعلى، وهى تعلن عن وجود قنبلة زمنية داخل الفندق.

لم يهتم أحد هذه المرة، وجاء النادل  يسألنى عما أطلب:

فقلت له: أنت تعرف مطلبى

 فأحنى رأسه وانصرف وكأنه سيجيبنى إلى مطلبى.

فصدقت نفسى، وصدقته.

****

نص اللحن الأساسى: حلم‏ (70)

نادانى الشوق لرؤية الأحباب فتوجهت صوب الحى العتيق. وكالعادة قطعت الطريق مشيا على الأقدام حتى بدا لى البيت القديم وذكرياته. ولم أضّيع وقتا فأخذت فى الصعود نحو الطابق الثالث والأخير. ولكن دهمنى إرهاق غير يسير عند منتصف السلم جعلنى أفكر فى تأجيل الرحلة لولا أن طبعى يأبى التراجع وبجهد جهيد واصلت الصعود حتى بلغت البسطة الثالثة. ومن موقفى الجديد لاح لى باب الشقة غارقا فى الصمت والسكون، فعلمت أنه لم يبق من الصعود سوى عشر درجات هن ختام السلم لكنى لم أر درجة واحدة، ووجدت مكانها هوة عميقة فخفق قلبى خوفا على آل البيت.

ومع أن الوصول بات متعذرا إلا أنى لم ألتفت إلى الوراء، ولم أفكر فى التراجع، بل ولم أفقد الأمل. وجعلت ألصق بصرى بالباب الغارق فى الصمت والسكون وأنا أنادى، وأنادى، وأنادى من الأعماق.

التقاسيم:

… التفت ورائى وإذا بالسلالم التى صعدت عليها قد اختفت هى الأخرى إلا من البسطة التى أقف عليها وقد تعلقت فى الهواء، وعرفت أنه لا مخرج من هذا المأزق إلا بالطيران، فاستعدت أحلام طيرانى، ولبست أجنحتى، وتوكلت على الله، ورحت أصعد فَرِحاً بنجاتى غير مصدق.

وكلما صعدت إلى سماء جديدة زاد شوقى لرؤية الأحباب.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 71)

كان أجمل ما فى عهد شبابنا صديق نادر المثال. آية فى خفة الروح وحلاوة النكتة ورشاقة القفشة وبراعة القافية وثراء الحكايات، والنوادر وإلى ذلك كله لم يكن يضن علينا عند الطلب بالغناء والرقص وسائر فنون اللهو. هكذا أمتعنا دهرا حتى وقع عليه الاختيار لشغل وظيفة مرموقة عرفت فى بلادنا بالجلال والوقار. وتوجسنا خيفة، و سرعان ما تحقق تخوفنا فقال لنا وكأنه يرد عنا إنه قرر تغيير حياته من الألف إلى الياء ولم يراجعه أحد وسلمنا أمرنا لله.

وكان إذا قابلنا فى مناسبة حيانا بوقار شديد يعمق شعورنا بالغربة والأسى.

ووهنت العلاقة الحميمة وقاربت التلاشى، ولم نعد نسمع عنه إلا فى نشرة التنقلات والترقيات. وأخذنا نتناسى حتى نسيناه أو كدنا. وباعد الزمن بيننا وبينه حتى شاء القدر أن نلتقى على غير ميعاد ذلك عندما احتفلت البلاد بعيدها القومى الجديد. خرجنا للمشاركة والفرحة.

وعزفت الموسيقى النحاسية ودقت الطبول. وتقدمت فرقة من الجيش تبعتها فرقة من الشرطة تبعتها سيارات الصفوة وهنا طالعنا صديقنا القديم ولكن على حال لم تجئ لنا فى خاطر. رأيناه يمتطى حمارا. ويتجلى التناقض صارخا بين تفاهة موكبه وفخامة ملبسه. وكان يثير الضحك أينما ظهر. لكنه والحق يقال لم يلتفت يمنة ولا يسرة، ولا حاد شعرة عن وقاره.

التقاسيم:

…تابعت الموكب من بعيد دون شماتة، بل بدرجة من الأسى الغامض، وكأنى فهمت ما لا يُفُهم، لكن سرعان ما غمرتنى الدهشة المتوقعة، فرحت أتلفت حولى بين الحين والحين أحاول أن أبحث عن دهشة فى وجوه الناس مثل الدهشة التى اعترتنى، أو حتى عن دهشة أصدقائنا الذين نعرفهم معا، فلا أجد شيئا من ذلك، وكأن هذه الفقرة الغريبة وسط المهرجان المتكامل هى أمر طبيعى، أو كأننى الوحيد الذى لاحظتها بهذا الوضوح فالاستغراب الممتزج بالتوجس الذى حل محل الأسى الغامض.

 وبرغم علمى عن تغيره الطارد لأى اقتراب، تحاملت على نفسى وذهبت نحوه بعد انتهاء الموكب، فقال بنفس الصَّلف: ماذا تريد؟ قلت له: لا شئ، فقط أحببت أن أعرض عليك خدماتى بحق الصداقة القديمة وأربط الحمار بعيدا قليلا بعد انتهاء الاحتفال بعيدنا القومى الجديد، وعلمنا المتميز الجميل.

قال بنفس اللهجة: أى حمار تعنى؟ هل أصاب عقلك مس؟

فأمسكت بلجام الحمار وأنا أملس على رقبته غير مصدق وقلت: هذا الحمار.

فقال: لولا أننى احترم العشرة القديمة، لقلت لك إذهب عنى فلا يوجد حمار غيرك.

فانصرفت أتلفت وأنا أشك فى عقلى،

وأترحم على أيام النكتة والقفشة والقافية، والنوادر، والرقص والغناء.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 72)

امتلأ‏ ‏البيت‏ ‏القديم‏ ‏بالعباسية‏ ‏بالطيور‏ ‏المهاجرة‏ ‏من‏ ‏الإخوة‏ ‏والأخوات‏ ‏فى ‏اليوم‏ ‏المتفق‏ ‏عليه‏ ‏لزيارة‏ ‏الوالدة‏، ‏وطلبوا‏ ‏منى ‏إعداد‏ ‏أكلة‏ ‏سمك‏ ‏من‏ ‏سماك‏ ‏العباسية‏ ‏المشهور‏. ‏ذهبت‏ ‏من‏ ‏فورى ‏إلى ‏المطعم‏ ‏وطلبت‏ ‏الطلب‏ ‏ووجدت‏ ‏جميع‏ ‏الموائد‏ ‏مشغولة‏ ‏إلا‏ ‏المائدة‏ ‏التى ‏تلى ‏الباب‏ ‏مباشرة‏ ‏فذهبت‏ ‏إليها‏ ‏وجلست‏ ‏على ‏كرسى ‏فى ‏طرفها‏ ‏أنتظر‏. ‏وجاءت‏ ‏سيدة‏ ‏فى ‏الستين‏ ‏مصطحبة ‏معها‏ ‏فتاة‏ ‏فى ‏العشرين‏ ‏وجلستا‏ ‏إلى ‏المائدة‏، ‏وجاء‏ ‏النادل‏ ‏بالأطباق‏ ‏والطواجن‏. ‏وعلى ‏خلاف‏ ‏المعهود‏ ‏دعتنى ‏السيدة‏ ‏لمشاركتهما‏ ‏الطعام‏، ‏وبخلاف‏ ‏المتوقع‏ ‏لبيت‏ ‏الدعوة‏ ‏صامتا‏ ‏وبدأت‏ ‏فى ‏تناول‏ ‏الطعام‏، ‏وسرعان‏ ‏ما‏ ‏جاء‏ ‏النادل‏ ‏باللفافة‏ ‏المعدة‏ ‏للمنزل‏ ‏فتناولتها‏ ‏وانسحبت‏ ‏من‏ ‏المائدة‏ ‏دون‏ ‏اعتذار‏ ‏أو‏ ‏شكر‏ ‏وخرجت‏ ‏من‏ ‏المطعم‏ ‏فرأيت‏ ‏على ‏بعد‏ ‏ذراع‏ ‏صديقى ‏المرحوم‏ ‏ع‏ . ‏ش‏ ‏وسررت‏ ‏برؤياه‏ ‏سرورا‏ ‏كبيرا‏. ‏وعلى ‏سبيل‏ ‏المجاملة‏ ‏قدمت‏ ‏له‏ ‏اللفافة‏ ‏لكنه‏ ‏أخذها‏ ‏بلهفة‏ ‏ومضى ‏دون‏ ‏أن‏ ‏ينبس‏ ‏بكلمة‏ ‏إلى ‏باب‏ ‏مفتوح‏ ‏فدخله‏ ‏وأغلقه‏. ‏وأدهشنى ‏بتصرفه‏ ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أجد‏ ‏مناصا‏ ‏من‏ ‏تجديد‏ ‏الطلب‏ ‏فرجعت‏ ‏إلى ‏المطعم‏ ‏وجددت‏ ‏الطلب‏. ‏وكان‏ ‏النادل‏ ‏يحمل‏ ‏الحلوى ‏إلى ‏السيدة‏ ‏والفتاة‏. ‏ودعتنى ‏للمشاركة‏ ‏فذهبت‏ ‏دون‏ ‏تردد‏، ‏وهنا‏ ‏قالت‏ ‏السيدة‏ ‏أنها‏ ‏ترغب‏ ‏فى ‏الذهاب‏ ‏إلى ‏شارع‏ ‏بين‏ ‏السرايات‏ ‏ولكنها‏ ‏لا‏ ‏تدرى ‏كيف‏ ‏السبيل‏ ‏إليه‏، ‏فتطوعت‏ ‏بتوصيلها‏ ‏وسار‏ ‏ثلاثتنا‏ ‏فى ‏شارع‏ ‏العباسية‏. ‏وتم‏ ‏التعارف‏ ‏بالشكر‏ ‏وتفرع‏ ‏الحديث‏ ‏بنا‏ ‏واستحوذ‏ ‏على ‏حتى ‏أنى ‏مررت‏ ‏بشارع‏ ‏بين‏ ‏السرايات‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏أنتبه‏ ‏لذلك‏، ‏كما‏ ‏نسيت‏ ‏الطعام‏ ‏الذى ‏يجهز‏ ‏لى ‏فى ‏المطعم‏ ‏وكما‏ ‏نسيت‏ ‏المنتظرين‏ ‏والمنتظرات‏ ‏فى ‏البيت‏ ‏القديم‏ ‏بالعباسية‏.‏

التقاسيم:

… فجأة تميزت ملامح قادم من الناحية الأخرى فى مواجهتنا وتعجبت ما الذى أرجع المرحوم ع.ش. إلى طريقنا من جديد، وكان مازال يحمل اللفافة، وتصورت أنه عاد يشكرنى أمامهم، مما يفسر عودتى إليهم. وإذا به حين اقترب بدرجة كافية يقذف اللفافة فى وجهى وهو يقول: أهكذا. تعطينى سمكا نتنا تكاد رائحته تصل إلى ميدان التحرير؟ التفتُّ إلى السيدة والبنت فوجدتهما تنظران إلىّ شذرا وكأنهما فقدتا الثقة فىّ بغير أمل فى تصحيح، فقررت أن أعلن حقيقته أمامهما حفظا لماء وجهى، فقلت له بأعلى صوتى: إنها ليست رائحة السمك بل رائحة القبر الذى هربتَ منه. ولم تفهم السيدة والفتاة ما أعنى إلا حينما تغيرت ملامح وجهه فغارت عيناه وخدّاه وبرزت العظام لتحدد معالم جمجمة مفزعة، وحين صرخت السيدة والفتاة معا عرفت أننى لا أتخيل.

… حين عدت إلى البيت القديم بالعباسية وجدته قد خلا من كل الطيور المهاجرة، لكن ما أن فتحت حجرة الاستقبال حتى فوجئت بالسيدة والفتاة تجلسان متجاورتين على الأريكة الممتدة فى انتظارٍ قادم يعرفانه، ثم سرعان ما تبينت أنه “أنا”، فراحت السيدة ترحب بى فى أدب جم، وتسألنى عن أمى وأخوالى وأحوالى، ثم أضافت فجأة فى لهجة اعتذار طيب:

– كان من عينىّ يا حبيبى، يا ابن الغالية، لكنها يا ابنى مخطوبة له منذ ولدت.

فرحت أسائل نفسى سرًّا: ففيم كانت كل تلك الوعود؟

 ثم التفت لهما فى تسليم قائلا:

– كل شئ قسمة ونصيب!

وإذا بالبنت ترتفع فينفتح السقف لتختفى فى ثنيات السماء.

ثم يغلق السقف وأنا فى حال.

ولم أستطع أن أتحمل نشيج الأم المكتوم

فانصرفت مهرولا، لا ألوى على شيء.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 73)

وجدتنى ‏فى ‏البيت‏ ‏القديم‏ ‏بالعباسية‏، ‏ويبدو‏ ‏أننى ‏كنت‏ ‏متكدر‏ ‏المزاج‏ ‏فلم‏ ‏يسلم‏ ‏من‏ ‏نقدى ‏شئ‏ ‏مثل‏ ‏طلاء‏ ‏الجدران‏ ‏وخشب‏ ‏الأرضية‏ ‏والأثاث‏ ‏حتى ‏جاءنى ‏صوت‏ ‏أمى ‏من‏ ‏أقصى ‏الشقة‏ ‏وهو‏ ‏يقول‏ .. ‏بنبرة‏ ‏باسمة‏.. ‏لطيفة:‏ ‏إنه‏ ‏آن‏ ‏الأوان‏ ‏كى ‏أبحث‏ ‏بنفسى ‏عن‏ ‏شقة‏ ‏جديدة‏ ‏تعجبنى.‏

وانتقلت‏ ‏إلى ‏مكان‏ ‏وزمان‏ ‏آخرين‏ ‏فوجدتنى ‏فى ‏بهو‏ ‏متعدد‏ ‏الحجرات‏ ‏والأشخاص‏، ‏يوحى ‏منظره‏ ‏بأنه‏ ‏مصلحة‏ ‏حكومية‏. ‏وأكد‏ ‏ذلك‏ ‏مجئ‏ ‏زميلى ‏المرحوم‏ ‏ح‏ .‏أ‏ ‏ليخبرنى ‏بأن‏ ‏الوزير‏ ‏أرسل‏ ‏فى ‏طلبى، ‏وذهبت‏ ‏من‏ ‏فورى ‏إلى ‏حجرة‏ ‏الوزير‏ واستأذنا‏ ‏ودخلت‏. ‏ورأيت‏ ‏الوزير‏ ‏على ‏غير‏ ‏عادته‏ ‏من‏ ‏البشاشة‏ ‏وقال‏ ‏لى ‏أنه‏ ‏علم‏ ‏بنقدى ‏للثورة‏ ‏وزعيمها‏ ‏فساءه‏ ‏ذلك‏ ‏فقلت‏ ‏له‏ ‏إنى ‏أعتبر‏ ‏نفسى ‏متيَّماً‏ ‏بمبادئ‏ ‏الثورة‏ ‏ولم‏ ‏أكن‏ ‏من‏ ‏رافضيها‏ ‏غير‏ ‏أنى ‏تمنيت‏ ‏دائما‏ ‏لها‏ ‏الكمال‏ ‏وتجنب‏ ‏العثرات‏ ‏والنكسات‏.‏

وانتقلت‏ ‏إلى ‏مكان‏ ‏وزمان‏ ‏آخرين‏ ‏فوجدتنى ‏صبيا‏ ‏يتجول‏ ‏فى ‏ميدان‏ ‏بيت‏ ‏القاضى، ‏وجاءنى ‏صديق‏ ‏فى ‏مثل‏ ‏سنى ‏يدعونى ‏لحضور‏ ‏حفل‏ ‏زفاف‏ ‏شقيقه‏ ‏الأكبر‏، ‏وقال‏ ‏إن‏ ‏شقيقه‏ ‏دعا‏ ‏سعد‏ ‏زغلول‏ ليشرف الفرح ويباركه وأنه قبل الدعوة ووعد بالحضور. فدهشت دهشة كبرى وقلت له بأن سعد زغلول هو‏ ‏زعيم‏ ‏الأمة‏ ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏أنه‏ ‏اليوم‏ ‏رئيس‏ ‏وزرائها‏.‏ وأنتم ‏لستم‏ ‏من‏ ‏أقربائه‏ ‏ولا‏ ‏من‏ ‏زملائه‏ ‏فى ‏جهاده‏، ‏فقال‏ ‏إن‏ ‏سعد‏ ‏هو‏ ‏زعيم‏ ‏الأمة‏ ‏حقا‏ ‏ويخص‏ ‏البسطاء‏ ‏بوافر‏ ‏الحب‏ ‏وإننى ‏سوف‏ ‏أرى.‏

وفى ‏الميعاد‏ ‏ذهبت‏ ‏إلى ‏الحفل‏ ‏فى ‏درب‏ ‏قرمز‏ ‏ومضى ‏بى ‏صديقى ‏إلى ‏حجرة‏ ‏فرأيت‏ ‏فى ‏الصدر‏ ‏سعد‏ ‏زغلول‏ ‏فى ‏بدلة‏ ‏التشريفة‏ ‏يجلس‏ ‏معه‏ ‏ويتبسط‏ ‏معهما‏ ‏فى ‏الحديث‏ ‏ويشاركهما‏ ‏الضحك‏، ‏بهرت‏ ‏بما‏ ‏رأيت‏ ‏انبهارا‏ ‏استقر‏ ‏فى ‏أعماقى.‏

التقاسيم:

… تقدمت إليه وأنا فى حال لا أكاد أصدق، قلبى يكاد يطير من صدرى، لا أتصور أن القدر سيسمح لى أن ألمس أطراف أصابعه. لا أعرف كيف لمحنى بين الحضور، والأغرب أننى لا أعرف كيف عرف اسمى حتى نادانى به، وهو يشير إلىّ أن أقدم. رحت أقفز بين الموائد وأنا أقرص نفسى لأتأكد أننى لست فى حلم، وحين وصلت إلى حيث يجلس فوجئت أنه اختفى وحل محله النحاس باشا؛ غمرتنى فرحة أخرى فأنا أحب الرجلين، لكن لكل حب طعم مغاير، وما كدت أمد يدى للسلام حتى وجدت يدا غير اليد، فرفعت رأسى فإذا به مكرم عبيد. ما غمرنى هذه المرة هو احترام أكثر منه حب. وهل هناك فرق؟

بعد أن وقف لى يصافحنى وقبل أن تلتقى يدى بيده أحسست بقبضة تطبق على كتفى، فالتفت ورائى وإذا بضابط شرطة على كتفه علامات لامعة كثيرة، ينظر إلىّ  باستعلاء قائلا:

“أنت متَّهم بقتل أمك”،

فزعت لموت أمى أكثر مما فزعت لاتهامى بقتلها.

فتح علىّ الشرطى الزنزانة وأخبرنى أن الرئيس يطلبنى شخصيا، وأنه حدث خطأ فى الأسماء. وأن اسمى من بين المرشحين للوزارة، فظننت بعقل الشرطى الظنون، لكنه أطلق سراحى فعلا، فانطلقت إلى الفضاء كأنى أطير، ولم يخطر على بالى إلا محاولة التمادى فى الخلاص، وكنت قد نسيت تماما رسالة الرئيس والوعد بالوزارة.

فى الشارع، فى بيت القاضى من جديد، وقد عدت صبيا مرة أخرى، عاد صديقى شقيق العريس يقول: أسرع فالزفة بدأت، وما كدنا نعدو بجوار بعضنا لنلحقها حتى سمعنا صفارة  إنذار، وأطفئت الأنوار جميعا، وانبطح بعض الصغار على الأرض، وجلست أنا القرفصاء وعملتها دون خجل.

وحين أطلقت صفارة الأمان، وعادت الأضواء، وجدت الشوارع كلها خالية، لكننى لمحت شبح أمى قادمة من بعيد،

وحين اقتربت منها قالت فى حنان متألم: ألم أقل لك؟!

فقلت لها: سامحينى، يبدو أننى بالغت فى نقدى بيتنا القديم.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 74)

هذا‏ ‏ملعب‏ ‏كبير‏ ‏حل‏ ‏محل‏ ‏بيوت‏ ‏الجيران‏ ‏فى ‏الجانب‏ ‏المقابل‏ ‏من‏ ‏الطريق‏ ‏يملأه‏ ‏الجنود‏ ‏البريطانيون‏، ‏فيغنون‏ ‏ويرقصون‏.. ‏ونحن‏ ‏نتابعهم‏ ‏بدهشة‏ ‏وقلق‏، ‏ثم‏ ‏ينتشرون‏ ‏فى ‏شارعنا‏ ‏والشوارع‏ ‏المتفرعة‏ ‏منه‏.‏

وتشاورنا‏ ‏فى ‏الأمر‏ ‏واستقر‏ ‏رأينا‏ ‏على ‏الانتقال‏ ‏إلى ‏حى ‏آخر‏، ‏ولما‏ ‏لم‏ ‏نجد‏ ‏بيتا‏ ‏مستقلا‏ ‏رضينا‏ ‏بشقة‏ ‏فى ‏عمارة‏ ‏ضخمة‏ ‏ولم‏ ‏نضن‏ ‏بجهد‏ ‏حتى ‏جعلناها‏ ‏صالحة‏ ‏للمعيشة‏، ‏وما‏ ‏كدنا‏ ‏نركن‏ ‏إلى ‏شئ‏ ‏من‏ ‏الراحة‏ ‏حتى ‏سمعنا‏ ‏صوت‏ ‏خرفشة‏ ‏مما‏ ‏يصدر‏ ‏عادة‏ ‏من‏ ‏الفئران‏ ‏فتعكر‏ ‏صفو‏ ‏راحتنا‏.. ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏نفكر‏ ‏فى ‏شئ‏ ‏ينبغى ‏عمله‏ ‏سمعنا‏ ‏طرقات‏ ‏الباب‏ ‏الخارجى. ‏ولما‏ ‏فتحت‏ ‏الباب‏ ‏رأيت‏ ‏كثرة‏ ‏من‏ ‏الرجال‏ ‏المسلحين‏ ‏بالعصى، ‏قالوا‏ ‏إنهم‏ ‏سكان‏ ‏العمارة‏ ‏يطاردون‏ ‏لصا‏ ‏يظنون‏ ‏أنه‏ ‏تسلل‏ ‏إلى ‏شقتنا‏ ‏واقتحموا‏ ‏الشقة‏ ‏وتفرقوا‏ ‏فى ‏الحجرات‏ ‏وأحدثوا‏ ‏جلبة‏ ‏مزعجة‏، ‏ولكنهم‏ ‏أعلنوا‏ ‏أنهم‏ ‏لم‏ ‏يعثروا‏ ‏على ‏اللص‏، ‏وغادروا‏ ‏المكان‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏قلبوه‏ ‏رأسا‏ ‏على ‏عقب‏.. ‏بل‏ ‏واكتشفنا‏ ‏اختفاء‏ ‏اللص‏ ‏المتخفى، ‏وبينما‏ ‏نحن‏ ‏نتبادل‏ ‏النظر‏ ‏فى ‏غيظ‏ ‏وضيق‏ ‏إذ‏ ‏سمعنا‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏صوت‏ ‏الخرفشة‏.. ‏فثرت‏ ‏غضبا‏ ‏وقلت‏ ‏ليكن‏ ‏فأرا‏ ‏أو‏ ‏لصا‏ ‏أو‏ ‏عفريتا‏ ‏فلن‏ ‏أفتح‏ ‏الباب‏ ‏للطارق‏.‏

التقاسيم:

…. وتوقف الصوت، وسمعنا وقع أقدام تبتعد تدريجيا، وبمراجعة أشياء المنزل اكتشفنا أن مصاغ أمى وزوجتى وأختى وحافظة أبى قد اختفت كلها، ولم يشك أحد منا فى اللص المختفى المتخفى، ولا فى الفئران.

رحنا ننظر إلى بعضنا البعض دون أن ينبس أى منا ببنت شفة، لكن أخى الأكبر مضى مسرعا يفتح التليفزيون، ربما ليكسر الصمت، ويمنع التعليق فى آن واحد. كانت الأخبار تتحدث عن تصريح كوندا ليزا رايس بالعثور على جثة دبليو بوش فى الأهواز، وأن جنازته ستشيع من مسجد باريس، بعد أن يصلى عليه الشيخ حسن نصر الله فى المسجد الأقصى، وسألت أخى الأكبر كيف يحدث ذلك كله ومازال الجنود البريطانيون يحتلون مدن القناة.

فقال: إنها إرادة الله

قلت له: بل إرادتنا نحن بفضل الله

فسألنى فزعاً: بفضل من؟

قلت له: أستغفر الله العظيم، بفضل الله!

قال: حسبتك قلت شيئاً آخر.

قلت: أنا لم أقل شيئا أصلا، أنت تسمع ما تريد، هذا كل ما فى الأمر.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 75)

أمى ‏ترحب‏ ‏بجارة‏ ‏عزيزة‏ ‏وكريمتها‏ ‏الحسناء‏ ‏فى ‏حجرة‏ ‏المعيشة‏ ‏بالدور‏ ‏الثالث‏ ‏فى ‏بيتنا‏ ‏القديم‏، ‏ودعيت‏ ‏للجلوس‏ ‏معهن‏ ‏ثقة‏ ‏فى ‏الألفة‏ ‏بين‏ ‏الأسرتين‏.‏

وفى ‏أثناء‏ ‏الحوار‏ ‏استرقت‏ ‏إلى ‏الفتاة‏ ‏نظرة‏ ‏واسترقت‏ ‏إلىّ ‏نظرة‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يغيب‏ ‏هذا‏ ‏عن‏ ‏أم‏ ‏الفتاة‏، ‏فلما‏ ‏ذهبت أمى‏ ‏فى ‏الابتعاد‏ ‏عن‏ ‏الغرفة‏ ‏همست‏ ‏لنا‏ ‏الجارة‏ ‏أن‏ ‏انزلا‏ ‏إذا‏ ‏شئتما‏ ‏إلى ‏الدور‏ ‏التحتانى ‏الآن‏ ‏كعادة‏ ‏من‏ ‏أهل‏ ‏البيت‏، ‏وتلقيت‏ ‏الدعوة‏ ‏بذهول‏ ‏وبفرح‏ ‏شامل. ‏وما‏ ‏أن‏ ‏دخلنا‏ ‏الدور‏ ‏التحتانى ‏حتى ‏جذبتها‏ ‏إلى ‏صدرى، ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أخط‏ ‏الخطوة‏ ‏التالية‏ ‏لسماع‏ ‏ضجة‏ ‏غريبة‏. ‏واقتحم‏ ‏المكان‏ ‏نساء‏ ‏ورجال‏ ‏وشباب‏، ‏وتفرقوا‏ ‏فى ‏الحجرات‏، ‏ثم‏ ‏جاء‏ ‏رجل‏ ‏من‏ ‏رجال‏ ‏الأمن‏ ‏ووقف‏ ‏عند‏ ‏الباب‏ ‏زاعماً‏ ‏الحفاظ‏ ‏على ‏القانون‏، ‏وكدت‏ ‏أفقد‏ ‏عقلى ‏من‏ ‏الذهول‏ ‏وضاعف‏ ‏من‏ ‏ذهولى ‏أنى ‏رأيتهم‏ ‏يغنون‏ ‏فى ‏حجرة‏، ‏كما‏ ‏رأيتهم‏ ‏يرقصون‏ ‏فى ‏حجرة‏ ‏أخرى، ‏ونظرت‏ ‏إلى ‏فتاتى ‏مستغيثا‏ًً ‏بها‏ ‏فوجدتها‏ ‏هادئة‏ ‏باسمة‏.. ‏وعند‏ ‏ذلك‏ ‏قررت‏ ‏الهرب‏، ‏غير‏ ‏أنى ‏رأيت‏ ‏رجل‏ ‏الأمن‏ ‏عند‏ ‏الباب‏ ‏فتسمرت‏ ‏فى ‏وضعى ‏فريسة‏ ‏للذهول‏ ‏وخيبة‏ ‏الأمل‏.‏

التقاسيم:

 … لكن أحسن، لا هى تصلح لى، ولا هو يصلح رجل أمن، ولا بيتنا يصلح لأىًّ من هذا، ولم أفكر فى دور أمى فى كل هذا، وكأن الجميع قد اتفقوا على أمرٍ ما، لم أحاول أنا أن أفكر فيه، كنت مغيظا، كيف استباحوا بيتنا ليقلبوه كباريها وقسم شرطة معا؟

…. أجد نفسى فى الميدان والساعة العامود ليس فيها إلا عقرب الثوانى يدور بسرعة خيل إلى أنها أسرع من مرور الثوانى، وحين دققت النظر وجدت نصف ذراع العقرب الآخر ولم أعرف إن كان عقرب الساعات أم الدقائق، فقررت أن أنتظر حوالى خمس دقائق لأرى إن كان يتحرك أم لا، لكننى لم أصبر، وسألت أحد المارة عن الساعة فقال لى إننا هنا لا نعمل بالساعة وإنما بالإنتاج، وحين قلت له من أنت؟ اختفى وامتلأ الميدان كله بأطفال، بنين وبنات يلبسون مرايل مخططة أبيض أسود أحمر مثل علم مصر، فانقبض قلبى للمرايل وانفتح للأطفال واقتربت من أحدهم وسألته عن اسمه فقال لى أن اسمه محمد، وحين سألته “محمد ماذا”؟ وضع سبابته منتصبا أمام شفتيه وهو يحذرنى أنه ممنوع أن يكون لأى طفل غير اسمه الأول، وأن من لا ينسى اسمه الكامل بعد عام من دخول الميدان يطرد فورا إلى أى حارة مجهولة ويختفى، لا نعرف أين؟

فجأة أخذ الأطفال يجرون نحو شبح ظهر فى نهاية الميدان تبين أنه المرشدة التى لها وجه فتاتى – وقد جاءت تنادى الأطفال أن يصعدوا الحافلة التى أقلتهم، لاحظت أنها تلبس لباس الممرضات لكنها لم تحكم غلق الأزرار فظهرت أجزاء من بدلة الرقص تحتها، هممت أن أناديها لكن صوت أمى جاءنى من بعيد يودع جارتنا على السلالم، وسمعت صوت قبلات يتبادلانها، فاستأذنت ونزلت إلى الدور التحتانى لأجد فتاتى تنتظرنى مرحبة وكأن شيئا لم يكن، وقالت أنها موافقة، وأنها نجحت أن تحصل على الورقة الصفراء من السلطات.

نظرت إليها طويلا لأتأكد أنى لا أريدها، واستدرت وانصرفت مسرعا وكأنى أعدو،

هى تنادى، وأنا لا أرد.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 76)

هذه‏ ‏شجرة‏ ‏مورقة‏ ‏يجلس‏ ‏تحتها‏ ‏صديق‏ ‏الشباب‏ ‏وشهيد‏ ‏الوطنية‏.. ‏وعلى ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏مرور‏ ‏عشرات‏ ‏السنين‏ ‏على ‏رحيله‏ ‏فإنه‏ ‏بدا‏ ‏أنيقا‏ًً ‏فى ‏صحة‏ ‏وعافية‏. ‏فانشرح‏ ‏صدرى ‏لمرآه‏ ‏وهرعت‏ ‏إليه‏ ‏ولكنه‏ ‏أوقفنى ‏بإشارة‏ ‏من‏ ‏عصا‏ ‏بيده‏، ‏ذكرته‏ ‏بعهد‏ ‏الصداقة‏ ‏فلم‏ ‏يعبأ‏ ‏بكلامى ‏وقال‏ ‏إنه‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏يستطيع‏ ‏صبراً‏ ‏مع‏ ‏تل‏ ‏القمامة‏.‏

قال‏ ‏ذلك‏ ‏وألقى ‏عصاه‏ ‏ثم‏ ‏ذهب‏، ‏التقطت‏ ‏العصا‏ ‏وأنا‏ ‏حزين‏ ‏ولكنها‏ ‏بعثت‏ ‏فىّ ‏روحاً‏ ‏جديدة، ‏فانطلقت‏ ‏من‏ ‏فورى ‏إلى ‏تل‏ ‏القمامة‏ ‏وانهلت‏ ‏ضربا‏ ‏على ‏أطرافه‏ ‏وكل‏ ‏ضربة‏ ‏أحدثت‏ ‏شقا‏ ‏ومن‏ ‏كل‏ ‏شق‏ ‏يخرج‏ ‏رجال‏ ‏ونساء‏ ‏ليسوا‏ ‏على ‏شاكلة‏ ‏جامعى ‏القمامة‏ ‏ولكنهم‏ آية‏ ‏فى ‏النظافة‏ ‏والوجاهة‏ ‏والفخامة‏. ‏وكلما‏ ‏لمح‏ ‏أحدهم‏ ‏العصا‏ ‏بيدى ‏فر‏ ‏يركبه‏ ‏الفزع،‏ ‏عند‏ ‏ذلك‏ ‏رسخ‏ ‏يقين‏ ‏بأن‏ ‏الشمس‏ ‏ستشرق‏ ‏غدا‏ ‏على ‏أرض‏ ‏خضراء‏ ‏وجو‏ ‏نقى.‏

التقاسيم:

.. وقبل أن أستغرق فى انسحابى الحالم آمِلاً، لاحظت أن كوم القمامة كان يتضخم مع كل ضربة يخرج منها الوجهاء من بين شقوقه وقد تملكهم الفزع، لا أعرف ما الذى أوحى إلىَّ أن تحت كوم القمامة هذا كنز ثمين، وربما خاتم سليمان الذى يتيح لمن يجده فرص انتقاء أى الأمانى تتحقق أولا. واصلت عملى وكأنى أوفى بوعدٍ ما لصديقى الراحل شهيد الوطنية.

استحليت اللعبة لكننى لاحظت أن مع كل ضربة جديدة تتراجع نظافة ووجاهة وفخامة الرجال والنساء البازغين من الكوم، وتتغير أشكالهم حتى صار الذين يخرجون من الشقوق أقزاما، مهرجون، ثم خرجت بعدهم قردة تلبس فساتين وقبعات فاقعة الألوان.

جاءت عربة القمامة العملاقة، وجمعتْ من تبقى من الرجال والنساء والأقزام والقردة والقمامة فى كومة واحدة، ورفعتهم آلتها الضخمة إلى صندوقها، فرعبت لأننى كنت قد سمعت عن مصير حمولة هذه العربات، وكيف سيحولونها إلى طاقة حيوية يستعملونها فى حفر مزيد من قبور الشهداء، وآبار البترول.

تزايد الرعب حتى كاد الشلل يعجزنى، فأسرعت الخطى مبتعدا أشرت إلى عربة سوداء قادمة، تبينت أنه قد كتب عليها ” تكريم الإنسان”، فركبتها دون تردد، وإذا بها تتجه إلى حديقة الأورمان بدلا من مقابر الإمام الشافعى.

لكننى عدت أتساءل من جديد:

وأنا إيش ضمّنى؟

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 77)

انعطفت‏ ‏إلى ‏الشارع‏ ‏الجانبى ‏الهادئ‏ ‏حاملا‏ ‏حقيبتى ‏بيدى، ‏وسرعان‏ ‏ما‏ ‏تلقيت‏ ‏من‏ ‏الطريق‏ ‏سيلا‏ ‏من‏ ‏الذكريات‏ ‏والأشواق‏ ‏المحفوفة‏ ‏بالقلق‏ ‏والخوف‏.‏

وتوقعت‏ ‏عتابا‏ ‏على ‏غيبتى ‏غير‏ ‏القصير‏ة ‏واستعددت‏ ‏له‏‏ بالمعاذير‏ ‏المناسبة‏.‏

وبلغت‏ ‏مدخل‏ ‏العمارة‏. ‏فلاحت‏ ‏لى ‏الشقة‏ ‏الأرضية‏ ‏على ‏بعد‏ ‏أربع‏ ‏درجات‏ ‏من‏ ‏السلم‏ ‏وضغطت‏ ‏على ‏الجرس‏ ‏متطلعا‏ ‏بوجه‏ ‏باسم‏، ‏وفتحت‏ ‏الشراعة‏ ‏عن‏ ‏وجه‏ ‏رجل‏ ‏غريب‏ ‏فى ‏جلباب‏ ‏منزلى ‏يوحى ‏بأنه‏ ‏صاحب‏ ‏المكان‏ ‏وفجأة‏ ‏هوى ‏وجدانى ‏الملتهب‏ ‏إلى ‏قاعة‏ ‏بحيرة‏ ‏جليدية‏ ‏وفكرت‏ ‏بسرعة‏ ‏فى ‏اختلاق‏ ‏كذبة‏ ‏تنتشلنى ‏من‏ ‏ورطتى ‏فادعيت‏ ‏أنى ‏تهت‏ ‏وأبحث‏ ‏عن‏ ‏سكن‏ ‏فلان‏ ‏أفندى ‏المدرس‏ ‏وأننى ‏ضللت‏ ‏العمارة‏ ‏فقال‏ ‏الرجل‏ ‏وهو‏ ‏يتفرس‏ ‏فى ‏وجهى ‏بارتياب‏ ‏وتحفز‏.‏

‏- ‏هذه‏ ‏شقته‏ ‏وهو‏ ‏فى ‏الداخل‏ ‏فمن‏ ‏حضرتك‏ ‏لأبلغه؟

وأدركت‏ ‏أننى ‏انكشفت‏ ‏وخرست‏ ‏مبهوتا‏ ‏فارتفع‏ ‏صوت‏ ‏الرجل‏ ‏وهو‏ ‏يقول‏:‏

‏- ‏ما‏ ‏أنت‏ ‏إلا‏ ‏كذاب‏ ‏وفاسق‏ ‏مثل‏ ‏جميع‏ ‏من‏ ‏جاءونى ‏قبلك‏.‏

ولم‏ ‏أطق‏ ‏المزيد‏ ‏فهرولت‏ ‏نازلا‏ًً ‏وكدت‏ ‏أفقد‏ ‏توازنى ‏فسقطت‏ ‏الحقيبة‏ ‏من‏ ‏يدى ‏وانفتحت‏ ‏فظهر‏ ‏داخلها‏ ‏زجاجة‏ ‏نبيذ‏ ‏وكيلو‏ ‏كباب‏ ‏فى ‏طبق‏ ‏من‏ ‏ورق‏، ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أكن‏ ‏أفكر‏ ‏إلا‏ ‏فى ‏أمر‏ ‏واحد‏ ‏وهو‏ ‏أن‏ ‏أختفى ‏فى ‏سرعة‏ ‏البرق‏.‏

التقاسيم:

…. انطلقت إلى الشارع الرئيسى مهرولا أنظر خلفى خائفا، وأسرعت الخطى وأنا أتلفت، حتى مضى وقت كاف، ثم وجدت نفسى أرجع من نفس الطريق، وصلت إلى نفس الشارع الجانبى، وبعد أن تأكدت من خلوه من المارة- اتجهت مباشرة إلى حيث سقطت الحقيبة ووجدت أن زجاجة النبيذ لم تنكسر، كما كان كيلو الكباب ملفوفا كما هو داخل طبق الورق، ولم أكد ألمسه حتى فاحت رائحة كريهة، فكرت أن آخذ زجاجة النبيذ وأمضى مستعوضا الله فى كيلو الكباب، لكننى قررت أن أتخلص من لفة الكباب وكأنها ستدل علىّ، فى أقرب صندوق قمامة، حملتها بعيدا عنى ما استطعت تجنبا للرائحة، وإذا بسرب من  القطط المتوحشة تهجم على  اللفة فى يدى فتركتها تسقط وهممت أن أعدو بعيدا إلا أننى تسمرت فى مكانى وكأن شللا أصابنى، هجمت القطط المتوحشة على اللفة تنهشها نهشاً، وخفت أن يأتى الدور علىّ وأنا فى هذه الحال من الشلل. وإذا بى أجد مجموعة أكبر من الكلاب المتوحشة تقترب عدوا من أقصى الشارع، فتدور معركة  دموية بين القطط والكلاب، وأنا أزداد رعباً وأزداد عجزاً،  وفجأة لاح لى قادم من بعيد  أنست له وكدت أستغيث به، ثم تبينت أنه الرجل الذى فتح لى الباب، وحين لمحنى وتأكد من أننى أنا، أشار للكلاب والقطط بيده إشارة سحرية غامضة، فتوقفت المعركة، وانصرفت الكلاب إلى ناحية، والقطط إلى ناحية، فتنفست الصعداء، اقترب منى الرجل وقال: إنى آسف، حسبتك أحدهم، لكن “فلان أفندى” صاحب الشقة صححنى بعد انصرافك، وقال لى إنه كان ينتظرك فعلا، وقد أرسلنى لأستدعيك وأعتذر لك، كدت أقول له أننى لا أعرف شخصاً بهذا الاسم أصلاً، وأنها ليست الشقة التى كنت أقصدها، لكننى خفت أن يُرجع الكلاب والقطط المتوحشة بإشارة سحرية أخرى مثلما صرفها، فوافقت، وسألته: طيب والسيدة؟ هل هى موافقة؟  فقال إنها هى التى قالت للرجل أن يرسلنى للاعتذار واستدعائك.

تبعت الرجل فرحا وأنا أسرع الخطى لألحق به،  لكن المسافة ظلت تزيد بيننا بشكل متسارع، حتى اختفى، ووجدت نفسى فى شارع آخر، به عمارات أخرى، وكأنى فى زمن آخر، لكننى سمعت نباح الكلاب ومواء القطط وهى تدنو أكثر فأكثر، فعرفت أن المؤامرة قد حبكت أطرافها أوثق مما كنت أتصور، وسلمت أمرى لله.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 78)

يالها‏ ‏من‏ ‏جنازة‏ ‏كبيرة‏، ‏لا‏ ‏أدرى ‏كيف‏ ‏انضممت‏ ‏إليها‏، ‏فإنى ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏أحدا‏ ‏من‏ ‏المشيعين‏. ‏بل‏ ‏لا‏ ‏أعرف‏ ‏الميت‏، ‏والأغرب‏ ‏أن‏ ‏الجنازة‏ ‏سلكت‏ ‏طريقا‏ ‏لم‏ ‏تسلكه‏ ‏الجنازات‏ ‏من‏ ‏قبل‏، ‏فقد‏ ‏اتجهت‏ ‏نحو‏ ‏شبكة‏ ‏من‏ ‏قضبان‏ ‏السكة‏ ‏الحديد‏. ‏وعبرنا‏ ‏بها‏ ‏إلى ‏الخلاء‏ ‏حيث‏ ‏توقفت‏ ‏عن‏ ‏السير‏ ‏طلبا‏ ‏للراحة‏، ‏على ‏حين‏ ‏واصلت‏ ‏القطارات‏ ‏سيرها‏ ‏نحو‏ ‏الشمال‏ ‏ونحو‏ ‏الجنوب‏ ‏وعلا‏ ‏جدل‏ ‏بين‏ ‏الملتفين‏ ‏حول‏ ‏النعش‏. ‏فريق‏ ‏يرى ‏أن‏ ‏يحمله‏ ‏إلى ‏الجنوب‏. ‏وفريق‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يحمله‏ ‏إلى ‏الشمال‏، ‏وكلا‏ ‏الفريقين‏ ‏يزعم‏ ‏بأنه‏ ‏ينفذ‏ ‏وصية‏ ‏الراحل‏، ‏وصاح‏ ‏أحد‏ ‏العارفين‏ ‏يذكر‏ ‏القوم‏ ‏بأن‏ ‏الراحل‏ ‏ولى ‏من‏ ‏أولياء‏ ‏الله‏ ‏الصالحين‏، ‏وأنه‏ ‏لن‏ ‏يسمح‏ لأحد ‏ ‏بحمله‏ ‏إلى ‏جهة‏ ‏لا‏ ‏يرضاها‏، ‏وأمن‏ ‏القوم‏ ‏على ‏قوله‏. ‏وجرب‏ ‏فريق‏ ‏الجنوب‏ ‏حظه‏ ‏ولكنه‏ ‏عجز‏ ‏عن‏ ‏حمل‏ ‏النعش‏ ‏وجرب‏ ‏فريق‏ ‏الشمال‏ ‏فمنى ‏أيضا‏ ‏بالفشل‏ .. ‏عند‏ ‏ذاك‏ ‏أدرك‏ ‏الجميع‏ ‏أن‏ ‏ولى ‏الله‏ ‏يأبى ‏أن‏ ‏يغادر‏ ‏الموقع‏ ‏الذى ‏هو‏ ‏فيه‏ ‏وسطا‏ ‏بين‏ ‏الجنوب‏ ‏والشمال‏.‏

التقاسيم:

…. مع الوقفة التى طالت بلا حل قريب، أخذ بقية المارة يتجمعون ويتساءلون، بعضهم يحظى بإجابة كاملة لكل الذى حدث والآخرون لا يجدون جوابا لأنهم يسألون من لا يعرف، وتوقف المرور، وأخذت الصيحات تتعالى “ماهذا؟ نريد أن نذهب إلى مصالحنا”، “أفسحوا لنا طريقا إلى القطار الذى سيفوتنا”، وفعلا سمعنا صوت صفير القطار وهو يتهادى أهدأ فاهدأ نحو المحطة واكتشفت أن الجمع قد تزحزح بالعرض بما فى ذلك حملة النعش الذين أنزلوه إلى موقع فوق القضبان، وفجأة انطلق القطار بسرعة فائقة على غير العادة، فانصرف من تبقى جريا فى كل اتجاه، وامتلأت قلوب الجميع رعبا أن يدوس القطار جثة ولى الله، فتلحق اللعنة بكل الناس وهم يعلمون ما كانت له من معجزات وكرامات، لكن المعجزة حدثت فعلا، فقد توقف القطار فجأة برغم سرعته القصوى على بعد أمتار من النعش، فهلل الناس وكبروا، وقرروا فى أنفسهم أن يقيموا لولى الله مسجدا فى هذا الموقع، يدفن فيه دون الشمال أو الجنوب، ثم حدثت معجزة أخرى وهى التى ما زال الناس يتحدثون عنها فى حيرة، وفرحة، ورفض، وتسليم، إذ صدر صوت من داخل النعش يدندن بشكل واضح، “فيك عشرة كوتشينة، فى البلكونة” فرد صوت من داخل القطار “لا تكثر لهمّكْ ماقدِّرْ يكون، الله المدبِّر، والدنيا شئون”.

وانتظم الناس فى حلقات ذكر على مديح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يسمع أحدهم مثل جماله وأنغامه  فى حياته.

وانتظمتُ معهم أذكر الله وأنا فى حال.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 79)

جلست‏ ‏فى ‏شرفة‏ ‏الفندق‏ ‏الصغير‏ ‏المطلة‏ ‏على ‏البحر‏. ‏غاب‏ ‏عنى ‏المنظر‏ ‏الجميل‏ ‏لشدة‏ ‏استغراقى ‏فى ‏انتظار‏ ‏فتاتى. ‏ولما‏ ‏طال‏ ‏الانتظار‏ ‏جاءنى ‏مدير‏ ‏الفندق‏ ‏وهو‏ ‏أيضا‏ ‏صديق‏ ‏صباى ‏واقترح‏ ‏على ‏أن‏ ‏أعالج حالتى ‏بالمشى. ‏ذهبت‏ ‏إلى ‏الشاطئ‏ ‏ورحت‏ ‏أسير‏ ‏ذهابا‏ ‏وإيابا‏. ‏وإذا‏ ‏بى ‏ألمح‏ ‏فتاتى ‏فى ‏سباق‏ ‏سباحة‏ ‏مع‏ ‏نفر‏ ‏من‏ ‏الشبان‏ ‏ ‏أحدهم‏ ‏مضى ‏بها‏ ‏إلى ‏الصخرة‏ ‏ليستريحا‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏الأعين‏، ‏تلقيت‏ ‏طعنة‏ ‏فى ‏القلب‏ ‏وغرقت‏ ‏فى ‏إحباط‏ ‏لا قرار‏ ‏له‏ ‏وأدركنى ‏المدير‏ ‏الصديق‏ ‏وقال‏:‏

‏- ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏حال‏ ‏الدنيا‏ ‏فلا‏ ‏تستسلم‏ ‏للحزن‏.‏

فقلت‏ ‏له‏:‏

‏- ‏أنت‏ ‏تعلم‏ ‏أننى ‏عرفت‏ ‏أشياء‏ ‏كثيرة‏ ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أتعلم‏ ‏السباحة‏، ‏وأخذنى ‏إلى ‏ركن‏ ‏هادئ‏ ‏فى ‏حديقة‏ ‏الفندق‏، ‏وبقيت‏ ‏ساعة‏ ‏فى ‏غم‏ ‏وهم‏. ‏وإذا‏ ‏بمفاجأة‏ ‏غير‏ ‏متوقعة‏ ‏بحال،‏ ‏رأيت‏ ‏فتاتى ‏تقبل‏ ‏نحوى ‏متهللة‏ ‏الوجه‏ ‏بالسعادة‏، ‏وتوثبت‏ ‏لإفراغ‏ ‏شحنة‏ ‏من‏ ‏غضبى. ‏وإذا‏ ‏بى ‏أتلقى ‏مفاجأة‏ ‏جديدة‏. ‏غير‏ ‏متوقعة‏ ‏وغير‏ ‏مفهومة‏ ‏وتستعصى ‏على ‏أى ‏إدراك‏، ‏فقد‏ ‏غمرتنى ‏بغتة‏ ‏فرحة ‏شاملة‏ ‏مسحت‏ ‏عن‏ ‏صدرى ‏الأحزان‏ ‏كلها‏ ‏وكأن‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏لم‏ ‏يحدث‏ ‏وهكذا‏ ‏تقابلنا‏ ‏كما‏ ‏نتقابل‏ ‏كل‏ ‏مرة‏، ‏وذهبنا‏ ‏للتجول‏ ‏فى ‏المدينة‏ ‏كالعادة‏، ‏ولما‏ ‏مررنا‏ ‏بمحل‏ ‏بيع‏ ‏الهدايا‏ ‏دخلنا‏ ‏دون‏ ‏تردد‏ ‏واتجهنا‏ ‏إلى ‏القسم‏ ‏المخصص‏ ‏لهدايا‏ ‏الخطوبة‏ ‏والأفراح‏، ‏وقلبت‏ ‏فتاتى ‏عينيها‏ ‏فى ‏الهدايا‏ ‏التى ‏لا‏ ‏تحصى ‏وقالت‏:‏

‏- ‏ليس‏ ‏لدينا‏ ‏من‏ ‏الوقت‏ ‏ما‏ ‏يكفى.‏

فقلت‏ ‏ببراءة‏:‏

‏- ‏لدينا‏ ‏وقت‏ ‏يكفينا‏ ‏للأبد‏.‏

التقاسيم:

قالت: يكفينا لنفعل ماذا؟

قلت لها: يكفينا لننسى

قالت: ولماذا ننسى؟

قلت: حتى لا نتذكر

قالت: وهل تصدق أن هذا ممكن؟! نحن نضحك على أنفسنا، نحن لا ننسى شيئا أبداً.

قلت لنفسى وقد أُغلقت مسام فهمى: أفضل ما يمكن أن أفعله هو أن أصمت، ودعوت الله فى سرى أن تصمت هى أيضاً، وطالت وقفتنا حتى نظر إلينا بائع الهدايا وسألنا أن نطلب ما نريد، أو أن نفسح لمن بعدنا حتى نستقر على قرار، قلت لها: أنت التى تختارين الهدية التى تحبينها، قالت: لابد أن أسأله أولا، قلت: تسألين من؟ قالت: خطيبى. فامتلأت زهوا وأنا أتصور أنها ترد لى المجاملة، وتطلب أن أقوم أنا بالاختيار، واعتبرتها تمزح وهى تتكلم عنى بضمير الغائب، فقلت لها: أين هو؟، “وانتظرتُ أن تشير إلىّ أو تقبّلنى، لكنها قالت: فوق الصخرة، قلت فى بلَهٍ ذاهل: أية صخرة؟ قالت: هل نسيت؟ واختفت من أمامى وكأن الأرض ابتلعتها. شعرت كأن العالم انتهى فى تلك الثانية، وحين أفقت وجدت نفسى أتساءل: أى منظر من كل هذه المناظر كان حلما وأيها كان الحقيقة؟

وتحسست خنجرا قديما كنت قد خبأته بين لحمى وقميصى، وانطلقت أبحث عنها فى كل مكان حتى الآن، وأنا أترحم على والدى.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 80)

جمعتنا الحجرة القديمة أنا وأمى وأخواتى الأربع وما أن أغلق الباب علينا حتى تصاعدت الشكوى من الزمان والناس، فأقبلت أمى علىّ قلقة وأقسمت بكل يمين أنه ما من قول قالته أو فعل فعلته إلا بدافع الحب الخالص فتساءلت أصوات: إذا كيف حدث ما حدث؟

فقالت أمى بعتاب: عليكم أن تحاسبوا أنفسكم أيضاً وألا تقولوا معى إنه المقَّدر والمكتوب.

التقاسيم:

وراح كل منا يحاسب نفسه بصوت بعضه مسموع والباقى نستسنتجه

قالت أختى الكبرى: أنا مسئولة عن أننى أحببت، ووثقت فيمن أحب.

قالت أختى الأصغر منها: وأنا مسئولة عن أنى لم أستطع ان أحب.

وقالت أختى التى تليها: وأنا مسئولة عن أنى لم أصدق أن أحدا يمكن أن يحبنى.

وقالت أختى الصغرى: وأنا مسئولة عن أنى صدقت أن كل الناس تحبنى.

أما أنا، فقد وجدتُنى أعيد ما بدأت أمى به وأقول لنفسى ولهم: أنا أيضا لم أفعل ما فعلتُ إلا بدافع الحب الخالص، إذاً، كيف حدث ما حدث؟

قالت أمى وكأنها تفخر بنا، أو لعلها تَـمنّ علينا، أنا التى أنجبتكم فى الدنيا هكذا، فما دخل المقدّر والمكتوب؟

فاتجهت انظار أخواتى نحوها الواحدة تلو الأخرى بالتتالى، وفى كل نظرة من كل واحدة منهن ما فيها من عتاب، واحتجاج، وألم، وندم، وسماح، ورفض، ودهشة.

وحين جاء الدور علىّ جريت نحو أمى واختبأت فى صدرها أنهنه، وأنا أردد: أنا آسف، والله العظيم أنا آسف، لم أكن أقصد.

قالت: بل أنت هكذا دائماً.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 81)

أخيراً ذهبت إلى القصر ورجوت البواب أن يبلغ الهانم أن الفائز بجائزتها حاضر ليقدم الشكر بنفسه إذا تنازلت وسمحت بذلك ورجع الرجل بعد قليل وتقدمنى إلى بهوٍ راعنى جماله وضخامته ولم تلبث أن عزفت الموسيقى لحن الإقبال فأقبلت الهانم تتهادى فى أبعادها الفتَّانة فقمت لألقى خطاب الشكر ولكنها بحركة رشيقة من يديها كشفت عن ثدييها وأخذت من بينهما مسدساً أنيقا وصوبته نحوى فنسيت الخطاب… وأخذت أنصهر من قبل أن تلمس الهانم زناد المسدس.

التقاسيم:

….انصهرت فوجدتنى فراشة تتمايل تعزف بألوان جناحيها المبرقشين لحنا جديدا شجيا لم يخطر على بالى ولم أكن أحسب أن كل ذلك الجمال كان بداخلى، فحُمْت حول ثدييى السيدة، وحططت فى الخندق الدافئ بينهما فلم تفزع ولم تهشنى، وكان المسدس مازال مصوبا نحو المكان الذى كنت واقفا فيه، أخذت أتنقل بين الثديين وابتسامة السيدة تتسع مرحبة، ثم انتفضتْ حتى تصورت أنها الذروة حين سقط المسدس من يدها، فعدت فورا إلى صورتى الآدمية، والتقطت المسدس وقذفت به من النافذة، وأخرجت شهادة الجائزة من أوراقى، وكذا ميداليتها فى العلبة الأنيقة، ووضعتهما على المنضدة أمام السيدة الرائعة،

 وانصرفت دون ان أنظر خلفى

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 82)

أسعدنى جدا أن يتولى شئون المؤسسة المدير الجديد على الرغم من أننى لم أشارك فى انتخابه. ولكن كلما أثنيت عليه، تصدى لى إخوان بالسخرية، فسرت حائرا بين الإعجاب من ناحية والسخرية من ناحية أخرى ولكنى رفضت اليأس رفضاً تاماً.

التقاسيم:

… وحين اشتدت الأزمة والحيرة وألح الأمل، والمدير يتمادى فيما هو فيه وحوله برغم كل المقاومة والمعارضة والرفض، دفعت الباب ودخلت عليه دون استئذان وكأنى اقتحم حصنا، وبمجرد أن رآنى همَّ أن يقوم ووجهه كله غضب، ربما ليطردنى، لكن المكتب كان شديد الاتساع فعاد إلى مقعده واستعاد هدوءه وسألنى:

– من أنت؟

قلت: أنا ممثل أصحاب المصلحة

قال وهو ينظر إلى الباب: وأين السكرتير

قلت: ليس على مكتبه

قال: سأريه.

قلت: ليس ذنبه فحاجة الناس لقضاء حوائجهم، تبرر اختفاءه.

قال: ليس ذنبه؟؟! إذن ذنب من؟

قلت: ذنب الذين انتخبوك، وذنبى

قال: هل تشك فى الديمقراطية

قلت: أنا أشك فى نفسى، ثم إنى لم أشارك فى الانتخابات

قال: أحسن

قلت: لو كنت شاركت فى الانتخابات لانتخبتك، وتحملت المسئولية معك.

قال: رأيتَ كيف؟!

قلت: مسئولية أن أخلعك وأرفع الظلم عن الناس

وإذا به يقوم قومته الأولى، وبدلا من أن يتجه نحوى، فوجئت أنه يختفى من على الكرسى، واكتشفت أن الحجرة كانت خالية منذ دخلت،

ولم أياس، ولم أتراجع.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 83)

رأيت الكارتة مقبلة حاملة فاتنة درب قرمز ويجرها جواد مجنح، اتخذت مجلسى فيما وراءها وفرد الجواد جناحيه فابتدأت ترتفع حتى علت الأسطح والمآذن، وفى ثوان وصلنا قمة الهرم الأكبر وأخذنا فى عبوره على ارتفاع ذراع، فجازفت وقفزت إلى قمته وعيناى لا تتحولان عن الفاتنة وهى تعلو وتصعد، والليل يهبط والظلام يسود حتى استقرت كوكبا مضيئا.

التقاسيم:

تمددتُ وحيدا على قمة الهرم لا أجرؤ أن أنظر إلى الكوكب الذى أصبحتْه، والذى ظلّ يغمرنى بنفس الدفء الذى كنت أشعر به فى حضنها، وقلت فى نفسى “هكذا أضمن”،  اعتدلت ونظرت إلى أسفل وفوجئت أننى أرى حجارة الهرم حجرا حجرا منفصلة لا تجمعها كتلة واحدة، فتجسد القبح واختفى الهرم كأنه تشظى حجارة كيفما اتفق، حاولت أن أَنزل ولو درجة واحدة، فلم أستطع، وملأنى الرعب المثلج.

أرجعت بصرى إلى السماء، إليها، مازالت تضئ، وتأكدت أنها سوف تظل تضئ بنفس الوفرة، وأنها سوف تساعدنى فلا تنزلق قدمى أثناء الهبوط، قلت لها بعينى، ولماذا الهبوط؟ أليس الأسهل أن تشدينى إليك؟ قالت على العين والرأس، لكننى لا أعرف أين اضعك بعد أن أشدك وأنت لا تدور معنا.

قلت: سوف تعلميننى، وسوف ندور.

قالت: أنت لا تدور إلا حول نفسك.

قلت: ما أعرفه أن أى كوكب يدور حول نفسه ليدور مع غيره حول وفوق الكون.

قالت: أنت تحفظ كل قوانين الحب والفلك والرياضة، لكنك لا تمارسها.

قلت: دعينا من النقاش الآن وقولى لى إلى متى أظل هكذا وحيدا فوق قمة الهرم، أنا أخشى أن أموت جوعا لما لا أعرف هكذا.

قالت: فاقفز إلى السطح على بركة الشيطان، وابدأ …

فقفزت فرحا بالنجاة، والوعد الجميل.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 84)

رأيتنى فى شارع الحب كما اعتدت أن أسميه فى الشباب والأمل. ورأيتنى أهيم بين القصور والحدائق وعبير الزهور. ولكن أين قصر معبودتى؟. لم يبق منه أثر. وحل محله جامع جليل الأبعاد. رائع المعمار. ذو مئذنة هى غاية فى الطول والرشاقة. ودهشت. وبينما أنا غارق فى دهشتى انطلق الأذان داعيا إلى صلاة المغرب. دون تردد دخلت الجامع. وصليت مع المصلين ولما ختمت الصلاة تباطأت كأنما لا أرغب فى مغادرة المكان. لذلك كنت آخر الراحلين إلى الباب. وهناك اكتشفت أن حذائى قد فقد. وأن علىّ أن أجد لنفسى مخرجا.

التقاسيم:

….أخرجت التليفون المحمول ورحت أحاول أن أتذكر رقم معبودتى وأنا أعرف أنها لم يدخل التليفون العادى إلى قصرهم أبداً، والعجيب أنها ردّت، وتعرفتْ على صوتى دون أن أذكر اسمى، قلت لها أريد حذاء مقاس 44، قالت ماذا؟ أين أنت الآن؟، قلت قرب باب مسجدكم، قالت ليس لنا مسجد، قلت: المسجد الذى حلّ محل قصركم، قالت: وليس لنا قصر، ولم يكن أبدا لنا قصرا قلت: قصركم فى شارع الحب والشباب والأمل.

قالت: وهل صليت المغرب جماعة.

قلت: وضاع حذائى.

قالت: أحسن.

وانقطع الخط، وظهرت علامة أن الشبكة مشغولة، فأعدت المكالمة فرد علىّ صوت رجل غريب، فأقفلت السكة وأعدت الطلب فرد علىّ صوتها (ليس الصوت المسجل) أن الرقم المطلوب غير موجود بالخدمة وأن علىّ أن أحاول فى وقت لاحق، وارتفع أذان العشاء وعرفت أن هذا ما كانت تعنيه “بوقت لاحق”، وحين ختمت صلاة العشاء وهممت بالخروج، وجدت حذائى فى نفس المكان الذى كان اختفى منه.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 85)

هذه محطة ترام وأنا حائر بين أبعادها لانتظار مجئ ترام ما، ولكن ترقبى لسطوع القمر فى النافذة المطلة على المحطة حيث أختلس نظرة بعد نظرة. وأتمادى فى الطلب وما أكثر الأصدقاء الذين يسألوننى. حتى متى تبقى وحشتى. ولكن أنا فى رحلة لا مفر منها كأنها قضاء وقدر، والحق أنها رحلة شاقة مرهقة وأطول مما تصورت وعند العودة لم يتبين لى إلا قفص مربع هو النافذة ووجدتها بموضعها ولكنها بدت واجمة لا تستجيب ولا تجيب، وكما كنت بالأمس، وقفت تحت النافذة منتظرا غير عابىء بالمارة وأخيرا هبط على صوت حديث كالهمس يتخلله ضحك مكتوم.

ثم سمعت صوتاً يتساءل:

–  ما حكاية الرجل الذى يقف تحت النافذة؟

فأجابه صوت ضحكتها:

–  إنه يبكى عن ذكرى حبيب ومنزل.

التقاسيم:

…شككت فى نفسى، فأنا صحيح أقف من مدة تحت النافذة، لكننى لم أصدر أى صوت، ولا أنا بكيت أصلاً، فالتفت إلى يمينى فوجدته يبكى بحرقة وتساءلت كيف لم أسمعه وهو بكل هذا القرب؟ ورحت ألوم نفسى أننى لست أنا الذى كنت أبكى، وتصورت أنه كان علىّ أن أبكى وأنشج بصوت مرتفع حتى تسمعنى، وقد تتعطف علىّ بإطلالة، أو على الأقل أنال نصيبى من هذه التعليقات الحانية الساخرة معا.

لاحظت أن دموع الرجل بجوارى تسيل فعلا بغزارة، وهو غارق فى صمته، ثم أخذت الدموع تتجمع، وتتوالد، وتتكاثر، ثم تتدفق بسرعة مذهلة، وكأنها شلال يهدر، حتى راحت تحفر فى الأرض مجرى سرعان ما اتسع وصار نهرا جاريا يتلألأ ضوء القمر على صفحته، فقفزت إلى الزورق الذى اقترب من الشاطئ وكأنه يدعونى شخصيا إليه.

وجدتنى بين الأصدقاء الذين كانوا يسألوننى عن وحشتى وحتى متى تبقى، ودون أن أجيبهم وصلهم جوابى، مؤتنساً بهم، فأداروا جرامافونا راح يصدح بصوت عبد الوهاب “أنا راح زمانى هدر، ولا كانش عندك خبر”، فتغيرت حالى، وأفقت ممتلئاً رعباً، ورحت أجرى حتى قفزت إلى الماء دون تردد، وعجبت أنهم لم يحاولوا أن يحولوا بينى وبين ذلك، ولا حاول أحدهم اللحاق بى لإنقاذى.

يتغير المنظر لأجدنى فى ترام آخر، ليس تراما تماما، وسمعت الميكرفون يعلن وصول الديزل الأسبانى إلى محطة طنطا، ووجدتها تركب القطار وتتجه إلى الكرسى الوحيد الخالى بجوارى، فتزحزحت قليلا نحو النافذة، لكنها مضت فى الممر حتى تجاوزتْنى، واستمرت حتى نزلت من باب العربة الناحية الأخرى

وقام القطار مواصلا رحلته إلى الاسكندرية وقد عاودنى رعب الزورق والأغنية، ونظرت من النافذة، لكن القطار كان يسير بأقصى سرعته.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 86)

كلفت بحمل رسالة إلى المرحوم الدكتور حسين فوزى، فقلت له إن معى عرضاً لإعادته فى الخدمة مع زيادة ملموسة فى الراتب. وتخصيص حجرة فاخرة لمقامك.

ضحك الدكتور وقال إنه لا يهمه الراتب ولا الحجرة، ولكن يهمه احترام فكره وكرامته.

ورجعت وفى يقينى أن مهمتى قد فشلت.

التقاسيم:

… فرحت بفشلها وكنت تمنيت ألا تنجح، لكن ما أن وصلت إلى منزلى حتى دق جرس التليفون، ووجدت أن المتحدث هو الدكتور حسين فوزى، ودق قلبى خوفا من شئ ما، تحققت مخاوفى حين سألنى دون مقدمات تبريرية: هل عندك فكرة كم ستكون الزيادة فى الراتب، فأجبته أننى لست متأكدا ولكنى سمعت أنها ستكون إلى الضعف، فقال لى: قل لهم أننى قبلت العرض على شرط أن أقتسم الزيادة مع صديقنا توفيق الحكيم، أبديت دهشتى ولم أقل له، وماله توفيق الحكيم بالموسيقى، فقال: عندى مشروع سرى أنا وهو لم نخبرك به لأننا نعلم أنه لا تُبَلُّ فى فمك فولة، قلت معترضا، مع أننى أعرف صدق قوله: أنا؟ قال نعم، ومع ذلك سوف أقوله لك: إنه مشروع تحديث الحضارة الغربية بما يليق بهم.

قلت له فى دهشة بالغة: بهم أم بنا؟

قال مؤكدا: بهم، مالنا نحن والحضارة من أصله!؟

قلت: أليسو هم أولى بتحديث أنفسهم؟

قال: نعم!

قلت: فماذا إذن؟

قال: خلاص، أنا عند رأيى الأول، أبلغهم أننى رفضت العرض جملةً وتفصيلا، الآن ومستقبلا.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 87)

فى الصباح الباكر اكتشفت الجريمة الوحشية. وما لبثت وحشيتها أن صارت حكاية على كل لسان. ولكنى لم أجد موضعا للاختباء إذ أن المكان كله يتقاسمه رجال الشرطة وطبيبات المرض النفسى. وأصبحت فريسة للقلق حتى استدعتنى إلى حجرتها كبيرة الطبيبات. وقالت لى الأكثرية هنا يفسرون وحشية هذه الجريمة بالقسوة الكامنة فى طبيعة القاتل. أما أنا فأفسرها بقلة خبرته وجهله للأصول العلمية الحديثة لفن القتل. لذلك قررت إلحاقه بالمعهد العصرى للجريمة. والله ولى التوفيق!

التقاسيم:

…حين رجعت إلى منزلى رحت أبحث فى دليل التليفونات على المعهد العصرى للجريمة، فطلبت الدليل العالمى فأكد لى أنه توجد معاهد كثيرة تؤدى هذه المهمة لكنها لا تحمل هذا الاسم حرفيا، وأن عيبها جميعا أنها تدرس بطريقة جديدة جدا، وسرية أيضا، وأن مصاريفها باهظة تماما، فطلبت منهم أن يدلونى على أرخص واحد فيهم، فأعطونى رقم تليفون مكون من تسع وعشرين رقما تتخللها بعض الحروف (حوالى7) 

فى شارع عدلى سلمت الرقم للموظف ليقوم بطلبه بمعرفته فانتفض واقفا وترك مقعده وانصرف من أمام الشباك وهو يقول لى: “مستحيل، دقيقة واحدة،” وظللت منتظراً على الشباك الخالى من الموظف حتى شعرت بمن يلمس كتفى فالتفت فإذا به نفس الموظف ومعه اثنان من رجال الأمن يحيطون بى، فخفت خوفاً جباناً حتى كدت أختفى أمام نظراتهم الساحقة.

قلت للموظف: عفواً فيه ماذا؟

قال اطمئن، فقد استجابت كبيرة الطبيبات النفسيات لالتماسك، وقررت أن تقوم بنفسها بإجراء عملية الخصاء لك. فزعت، وأقسمت أننى لم أقدم التماسا، ولم أوقّع بالموافقة على أية عملية، فقال إن هذا هو السبيل الوحيد لإنقاذك من الحكم الذى صدر بإعدامك لارتكابك الجريمة الوحشيةٌ، تبلدت حَتى الجمود، وعرفت أنه لا فائدة من الاستمرار فى الحوار فسكت، فأضاف: “ثم إنها شخصيا فى حاجة إلى خصْيتيك لعمل اللازم،” قلت: “وأنا؟ كيف أقوم بعمل اللازم؟”: قال: “هذا آخر ما يهم، المهم هو القضاء على الجريمة وليس على المجرم”

****

نص اللحن الأساسى: (حلم 88)

فى ‏قريتنا‏ ‏كل‏ ‏فرد‏ ‏ينتظر‏ ‏رسالة‏ ‏قد‏ ‏تقرر‏ ‏مصيره‏. ‏وذات‏ ‏يوم‏ ‏تلقيت‏ ‏رسالتى ‏فقرأت‏ ‏فيها‏ ‏أن‏ ‏الحكم‏ ‏صدر‏ ‏بإعدامى ‏شنقا‏. ‏وذاع‏ ‏الخبر‏ ‏كعادة‏ ‏تقاليدنا‏. ‏فاجتمع‏ ‏أعضاء‏ ‏نادى ‏القرية‏ ‏وقرروا‏ ‏الاحتفال‏ ‏بالأمر‏ ‏فى ‏حينه‏ ‏أما‏ ‏فى ‏بيتى ‏حيث‏ ‏أعيش‏ ‏مع‏ ‏أمى ‏وإخوتى ‏وأخواتى ‏فقد‏ ‏انشرحت‏ ‏الصدور‏ ‏وعم‏ ‏السرور‏. ‏وفى ‏اليوم‏ ‏المنتظر‏ ‏دقت‏ ‏فى ‏النادى ‏الطبول‏. ‏وخرجت‏ ‏أنا‏ ‏من‏ ‏بيتى ‏فى ‏أحسن‏ ‏زينة‏ ‏محاطا‏ ‏بأفراد‏ ‏أسرتى، ‏ولكن‏ ‏أمى ‏شذت‏ ‏عن‏ ‏حالنا‏ ‏فدمعت‏ ‏عيناها‏ ‏وتمنت‏ ‏لو‏ ‏كان‏ ‏العمر‏ ‏امتد‏ ‏بأبى ‏حتى ‏يشهد‏ ‏بنفسه‏ ‏هذا‏ ‏اليوم‏ ‏السعيد‏.‏

التقاسيم:

….تم إعدامى فى احتفالية غير مسبوقة، وتأكدت من ميزة نظام الرسائل المغلقة التى تقرر مصيرنا الرائع هذا الواحد تلو الآخر، وكانوا قد سألونى وأنا على منصة المشنقة، وكل أهل القرية يهللون فرحين بالحدث السعيد، إن كان لى طلب قبل التنفيذ، فطلبت منهم أن يدعوا لى الحبل حول عنقى، وأن يتركوا معه طولا كافيا، ولم أقل لهم كافيا لماذا، لأننى لم أكن أعرف حينذاك.

بعد أن طلعت روحى، رحت أتحسس الحبل وأنا فرح أننى امتلكته، ونزعته برفق من حول رقبتى وأنا شاكر لهم وفاءهم بالعهد، وحين التقيت عددا من الأصدقاء والأحباب فرحوا أننى أحضرت الحبل معى، لأنهم جميعا ماتو موتة ربنا، بلا حبل ولا مقصلة، ولم أفهم سببا لفرحتهم تلك، وحين سألتهم قالوا إن زوجة أحدهم حامل، وهذا حدث نادر هناك، وأنهم كانوا يبحثون عن حبل يقوم مقامِ الحبل السُّرى للجنين الذى فى بطنها، لأنهم يحتاجون الحبل السرى الطبيعى لأغراض أهَم.

وحين سألتهم عن هذه الأغراض الأهم، قالوا:

– أنْتَ مالك؟  

وما أن سلمتهم الحبل حتى طلعت روحى مرة ثانية، فَطِرتُ وراءها بلا تردد.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 89)

من‏ ‏موقعى ‏فى ‏الحديقة‏ ‏رأيت‏ ‏سيدة‏ ‏فى ‏الستين‏ ‏مقبلة‏ ‏نحوى ‏متجهمة‏ ‏الوجه‏ ‏وقالت‏ ‏بنبرة‏ ‏غاضبة‏:‏

‏- ‏بسببك‏ ‏خسرت‏ ‏الجائزة‏.‏

وتذكرت‏ ‏السيدة‏ ‏ووجهها‏ ‏الحزين‏ ‏ولكنى ‏لم‏ ‏أفهم‏ ‏لقولها‏ ‏معنى ‏واستمرت‏ ‏تقول‏:‏

‏- ‏اللجنة‏ ‏استبعدت‏ ‏قصتى ‏بحجة‏ ‏أنها‏ ‏نسخة‏ ‏من‏ ‏قصتك‏ ‏المطبوعة‏ ‏منذ‏ ‏أربعين‏ ‏سنة‏.‏

وضح‏ ‏كل‏ ‏شئ‏ ‏وعرفت‏ ‏أن‏ ‏الحظ‏ ‏السيئ‏ ‏مازال‏ ‏يتعقب‏ ‏المرأة‏ ‏وواصلت‏ ‏حديثها‏.‏

‏- ‏أقسمت‏ ‏لهم‏ ‏أن‏ ‏قصتى ‏لا‏ ‏يجوز‏ ‏أن‏ ‏تتهم‏ ‏لسبب‏ ‏بسيط‏ ‏وهو‏ ‏أنها‏ ‏قصة‏ ‏حياتى.‏

فقلت‏ ‏بانفعال‏:‏

‏- ‏صدقت‏: ‏أنا‏ ‏اقتبست‏ ‏قصتى ‏من‏ ‏واقع‏ ‏حياتك‏ ‏الذى ‏شاركت‏ ‏فيه‏ ‏أسوأ‏ ‏مشاركة‏.‏

فقالت‏ ‏وهى ‏تضحك‏ ‏بسخرية‏:‏

‏- ‏فرصة‏ ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏ضحية‏ ‏لك‏ ‏فى ‏واقع‏ ‏الحياة‏ ‏لا‏ ‏فى ‏الخيال‏.‏

التقاسيم:

قلت: أنت غير آخذة بالك أن عشرات الأعوام قد مضت.

قالت: أنت اقتبست حياتى قبل قصتى، قبل أن أعيشها منذ أربعين سنة حتى الآن، فعشتُها أنا حتى كتَبْتُها قصة واقعية دامية، ثم حرمتُ حتى من نيل الجائزة بسببك.

قلت: أنا لست القدر.

قالت: أنتَ ألعن من الشيطان نفسه.

قلت: وماذا كنت ستستفيدين بالجائزة بعد كل ما جرى؟

قالت: كانت ستعطينى فرصة أن أبدأ من جديد.

قلت: فى هذه السن؟

قالت: فى أى سن، الله يلعنك.

قلت: آمين، إن كان هذا يرضيك.

قالت : لا شئ يرضينى.

قلت: ولا الجائزة؟

قالت: ملعون أبوك على “أبو الجائزة”.

قلت: الآن اطمأننت عليك، أنت لا تتغيرين أبداً، هيا بنا.

قالت: بنا إلى أين؟

قلت: نبدأ من جديد.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم 90)

تم‏ ‏بناء‏ ‏البيت‏ ‏فكان‏ ‏تحفة‏ ‏معمارية‏ ‏جاء‏ ‏إليها‏ ‏الناس‏ ‏من‏ ‏جميع‏ ‏الأطراف‏ ‏وكل‏ ‏يأمل‏ ‏امتلاكها‏.. ‏وكثرت‏ ‏المساومات‏ ‏واشتد‏ ‏الجدل‏ ‏حتى ‏شق‏ ‏الجموع‏ ‏عملاق‏ ‏وهو‏ ‏يقول‏ ‏بصوت‏ ‏جهير‏: ‏إن‏ ‏القوة‏ ‏هى ‏الحل‏. ‏ووجم‏ ‏الناس‏ ‏إلا‏ ‏واحدا‏ ‏تصدى ‏له‏ ‏فقامت‏ ‏بينهما‏ ‏معركة‏ ‏حامية‏ ‏حتى ‏تمكن‏ ‏العملاق‏ ‏من‏ ‏توجيه‏ ‏ضربة‏ ‏إلى ‏رأس‏ ‏خصمه‏ ‏فهوى ‏فاقد‏ ‏الوعى ‏ثم‏ ‏اقتحم‏ ‏العملاق‏ ‏البيت‏ ‏وأغلق‏ ‏البيت‏ ‏بإحكام‏. ‏وتمر‏ ‏الساعات‏ ‏فلا‏ ‏يفتح‏ ‏فى ‏البيت‏ ‏منفذ‏ ‏اتّقاء‏ ‏للانتقام‏ ‏أما‏ ‏الواقفون‏ ‏فى ‏الخارج‏ ‏فلم‏ ‏يأتوا‏ ‏بحركة‏ ‏مجدية‏ ‏ولكنهم‏ ‏فى ‏الوقت‏ ‏ذاته‏ ‏لم‏ ‏يتفرقوا‏.‏

التقاسيم:

قال أحدهم: ماذا يفعل فى الداخل؟ فردّ آخر: أنا لست متأكداً أنه فى الداخل، أخشى أن يحل الظلام ونحن هكذا، رد الأول: إننا لا نملك خياراً، إما أن ندخل نبحث عنه ونخرجه قبل حلول الظلام، وإما أن نسلم أمرنا أن “القوة هى الحل”.

قال ثالث: ننتظر حتى يموت من الجوع والوحدة.

   قال رابع: ثم بعد ذلك لمن سوف يؤول البيت ملكاً؟

فجأة انطلقت صفارة الانذار، وكأنها آتية من البيت التحفة، وبدلا من أن يجرى الناس إلى المخابىء دارت معركة مستعرة بين الجميع، وسالت دماء، وكُسِرت أطراف، وشُجّت رؤوس وبدا أن الناس قد نسوا البيت ومَنْ بداخله، وحين انطلقت صفارة الأمان، من البيت أيضا، توقف الناس جميعا عن الشجار وهم ينظرون إلى بعضهم البعض فى دهشة، ويلملمون ما تبقى منهم، وإذا بالعملاق يطل من أعلى نافذة، وهو يقهقه:

ألم أقل لكم “إن القوة هى الحل”.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 91)

فى ‏البدء‏ ‏كانت‏ ‏العربة‏. ‏كنت‏ ‏أدفعها‏ ‏أمامى ‏بقوة‏ ‏ومرح‏. ‏وذات‏ ‏يوم‏ ‏وجدت‏ ‏على ‏سطح‏ ‏العربة‏ ‏طفلة‏ ‏فازددت‏ ‏نشاطا‏ ‏ومرحا‏ ‏وتتابع‏ ‏القادمون‏ ‏حتى ‏غطوا‏ ‏السطح‏ ‏فاستنفدوا‏ ‏قوتى ‏ومرحى. ‏وشعر‏ ‏الراكبون‏ ‏بمعاناتى ‏فعزمت‏ ‏على ‏ترك‏ ‏العربة‏ ‏حالما‏ ‏تسنح‏ ‏فرصة‏ ‏طيبة‏. ‏وبمرور‏ ‏الأيام‏ ‏خلا‏ ‏السطح‏، ‏رجع‏ ‏إلى ‏أصله‏. ‏أما‏ ‏أنا‏ ‏فلم‏ ‏أرجع‏ ‏بل‏ ‏ازددت‏ ‏ضعفا‏ ‏وأخيراً‏ ‏ركنت‏ ‏العربة‏ ‏ورقدت‏ ‏إلى ‏جانبها‏. ‏

التقاسيم:

… لا أعرف كم كان عدد السنين التى مرت بى قبل أن أتذكر تلك الطفلة التى اكتشفتها فى بداية الطريق والتى كانت سببا فى زيادة فرحتى ومرحى أول الأمر، رحت ألوم نفسى وأتساءل كيف غادرت الطفلة سطح العربة، وكيف لم أتذكرها طوال هذه السنين منذ أن خلا السطح وخارت قواى، فحزنت أسفا حتى غلبنى النوم وأنا أتصور العربة بجوارى خالية قديمة، لا تصلح لشئ.

كفٌّ صغيرة لمست كتفى مع آذان الفجر، فاستيقظت فزعا فوجدتها، لم تكبر يوما واحدا، سألتنى: أنت طلبتَنِى؟

قلت لها: طبعا، أين كنت طوال هذه السنوات؟

قالت: كنت أنتظرك.

قلت: بعد ماذا؟

قالت: هل مازلت تحبنى.

قلت: وهل يمكن أن يكون الأمر غير ذلك؟

قالت: يُمكن ونصف.

قلت: كيف؟

وسمعنا المؤذن يختم آذان الفجر: “الصلاة خير من النوم”

قالت وهى تنصرف:

أما آن لك أن تعرف ما هى الصلاة، وما هو النوم؟

وانصرفتْ.

ورحت أنادى عليها وهى تسير بخطى واثقة.

لكنها لم تلتفت ولا مرة واحدة.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 92)

وجدت‏ ‏نفسى ‏فى ‏بهو‏ ‏جميل‏، ‏وبين‏ ‏يدىّ ‏وعاء‏ ‏ذهبى ‏ملئ‏ ‏بما‏ ‏لذ‏ ‏وطاب‏.‏

فذكرنى ‏هذا‏ ‏بسمار‏ ‏الليالى ‏من‏ ‏أصدقاء‏ ‏العمر‏ ‏الراحلين‏، ‏وإذا‏ ‏بى ‏أراهم‏ ‏مقبلين‏ ‏تسبقهم‏ ‏ضحكاتهم‏ ‏المجلجلة‏. ‏فتبادلنا‏ ‏السلام‏ ‏وأثنوا‏ ‏على ‏الوعاء‏ ‏وما‏ ‏فيه‏. ‏غير‏ ‏أن‏ ‏سعادتى ‏انطفأت‏ ‏فجأة‏ ‏وصارحتهم‏ ‏بأننى ‏لن‏ ‏أستطيع‏ ‏مشاركتهم‏ ‏حيث‏ ‏منعنى ‏الأطباء‏ ‏من‏ ‏التدخين‏ ‏منعا‏ ‏باتا‏، ‏وبدت‏ ‏الدهشة‏ ‏على ‏وجوههم‏ ‏ثم‏ ‏ركزوا‏ ‏أبصارهم‏ ‏فى ‏وجهى ‏وتساءلوا‏ ‏ساخرين‏:‏

‏- ‏أمازلت‏ ‏تخاف‏ ‏من‏ ‏الموت؟‏!‏

التقاسيم:

… قلت لنفسى، ما دام الأمر كذلك، فما الداعى لكل هذا الحرص؟ ونويت أن أظل معهم وما يحدث يحدث، قلت أستأذنهم وأعرف الشروط التى تبقينى واحداً منهم.

قال أحدهم: أن تنسى أنك حى.

وأكمل آخر: بل وأنك كنت حيا.

قلت لهم: “لكنكم مازلتم أحياء أمام ناظرى!”، قالوا: “لأننا قبلنا الشروط ونفذناها حرفيا”، قلت: “لست فاهماً!”، قالوا: “أحسن”: قلت “فماذا أفعل حتى أنجح؟”.

قال أكبرهم:

عليك أن تفعل عكس كل ما تتصور أنه ضرورى ومفيد.

قال أوسطهم:

وعليك ألا تدع الأطباء يتدخلون كثيرا فى صحتك.

وقال أصغرهم:

وعليك ألا تفعل ما قاله كبيرنا وأوسطنا معاً.

قلت: أنا عاجز عن أىٍّ من ذلك.

ويبدو أننى سوف أظل أخاف الموت.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 93)

على ‏سطح‏ ‏بيت‏ ‏قريب‏ ‏رأيت‏ ‏أثاثا‏ًً ‏يرتب‏ ‏وينمق‏ ‏فسألت‏، ‏قيل‏ ‏لى ‏إن‏ ‏صاحب‏ ‏ذلك‏ ‏البيت‏ ‏حول‏ ‏بيته‏ ‏إلى ‏معهد‏ ‏ثقافى ‏بالمجان‏ ‏قانعا‏ ‏بالمعيشة‏ ‏فوق‏ ‏السطح‏ ‏فأعجبت‏ ‏به‏ ‏وأكبرته‏ ‏وعزمت‏ ‏على ‏حضور‏ ‏بعض‏ ‏دروسه‏ ‏ووجدت‏ ‏المكان‏ ‏غاصا‏ً ‏بالبشر‏ ‏وقال‏ ‏الرجل‏ ‏إن‏ ‏درس‏ ‏اليوم‏ ‏سيكون‏ ‏عن‏ ‏الثور‏ ‏الذى ‏يحمل‏ ‏على ‏قرنه‏ ‏الأرض،‏ ‏وصدمنى ‏قوله‏ ‏بشدة‏ ‏ففرت‏ ‏منى ‏ضحكة‏ ‏ساخرة‏ ‏فاتجهت‏ ‏نحوى ‏الوجوه‏ ‏شاخصة‏ ‏بالغضب‏. ‏أما‏ ‏الرجل‏ ‏فرمانى ‏بنظرة‏ ‏عابسة‏ ‏وهو‏ ‏يشير‏ ‏صامتا‏ ‏إلى ‏باب‏ ‏الخروج‏.‏

التقاسيم:

… لم أخرج ولم يُصِرّ، ومضى الرجل فى درسه ووجهه يتحول أمامى إلى وجه ثور بقرن واحد لكن ليس عليه أى شئ، لا أرض ولا سماء، ويبدو أننى ابتسمت فسكت الرجل وزغر لى، ثم أكمل…

وحين انتهت المحاضرة، همست إلى الذى كان جارى، هل رأيتَ ما رأيتُ أنا؟ قال طبعا دون أن تسألنى ماذا رأيت، فمضيت أكمل: وهل لاحظت أنه لا توجد كرة أرضية فوق القرن؟

فانزعج الجار وصاح بى: “هل أنت أعمى”؟

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 94)

خمسة انقضوا علىّ شاهرين المطاوى فسلبوا نقودى وفروا بسرعة مذهلة ولكن بعض ملامحهم انطبعت على ذاكرتى ومنذ وقوع هذا الحادث تجنبت المشى منفردا فى الشوارع الجانبية غير أن الشارع الرئيسى لم يكن يخلو من متاعب. فذات يوم وجدت المرور متوقفا والناس متكدسين على الجانبين وما لبث أن جاء طابور من سيارات عديدة ولما مر أمام ناظرى مؤخرة الطابور لمحت وجها انشق لمرآه قلبى فجعلت أنطق “يخلق من الشبه أربعين”.

التقاسيم:

سألت أحد الوقوف بجوارى ينتظر مرور الموكب حتى نعبر الشارع آمنين “موكب من هذا؟”، قال لى: “ألا تعرفه”؟ قلت له: لقد وقع لى ذات يوم حادث سطو بالإكراه وأنا فى طريقى إلى منزلى، وهو طريق جانبى لا تمر به سيارات، قال لى: “ما دخل هذا بذاك”؟ أنت الآن فى الطريق الرئيسى الوحيد، قلت لكن “الشبه” هو هو!!! وأنا لا أشك فى ذاكرتى” قال لى: “شبه من يا هذا؟ هذا موكب يفسح الطريق ويختبر الأمن لزفة كسوة الكعبة” قلت له: “ولكننا فى ديسمبر”، قال: “ما دخل ديسمبر برمضان الكريم”؟ قلت له: الله أكرم.

ومضيت بعيدا عن الموكب وعن الرجل وعن الشارع الرئيسى وعدت إلى طريقى الجانبى انتقل من حارة إلى حارة أضيق فأضيق حتى وجدتنى فجأة قد انتهيت إلى ميدان كبير جدا، وقد اشترك كل الناس بالآلاف فى ذكرٍ راقصٍ واحد، وعرفت أنه المسجد الأحمدى، والذكر يقوده بإنشاد عذب سيدى أحمد البدوى شخصيا احتفالا بفك قيد الأسرى جميعا، وحل طلاسم الفلسفات من كل الملل والأديان والمذاهب.

قلت لنفسى: الحمد لله، عوضنى ربى عن نقودى وعن خيبتى معاً.

قال واحد واقف بجوارى: عوضك بماذا؟

قلت: أنت مالك!

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 95)

تمت الموافقة على بدء الرحلة فتلقى الأهل الخبر بالرضى وسارعوا إلى إمدادى بالمال فذهبت من فورى إلى التزرى لتفصيل بدلة على أحدث موضة وقام الرجل بعمله كأحسن ما يكون ولم يكتف بذلك. بل جاء بعمامة أنيقة ووضعها على رأسى وهو يقول: إنه بذلك تصبح البدلة على أحدث موضة.

التقاسيم:

لم أُظهر احتجاجى لشدة حرصى على الرحلة، وعلى البدلة فى نفس الوقت، ونويت أن أخلع العمامة بمجرد أن أنصرف من عند الترزى، خاصة وأن أحدا لم يرنى لابسها من قبل، فليست عندهم أية صورة لى وأنا بالعمامة، لكن يبدو أن الترزى قد قرأ أفكارى فصاح بى وأنا خارج “إياك إياك”!، فأجبته دون تردد “حاضر، لا تخش شيئا”.

انصرفت من عنده، وعند أول منعطف دخلت شارعا جانبيا، وخلعت العمامة ووضعتها فى صندوق قمامة وأنا أتلفت حولى، وحين وصلت إلى المنزل وجدت وجوما على كل الوجوه، فسألت عن  الأمر، فقالوا لى إنهم مشفقون آسفون أن يبلغونى الخبر، ذلك أن الرحلة ألغيت فى آخر لحظة، وأنه مطلوب منى أن أدفع ضعف مصاريف الرحلة التى كانوا سيصرفونها علىّ، قلت لهم أنهم لم ينفقوا مليما واحد بعد، فأنا لم أذهب أصلاً، لكنهم قالوا: “إن القانون هو القانون”، قلت: “وماذا يقول القانون فيمن لا يملك ما يطلبون”؟

قالوا: “الدفع أو الحبس”

قلت: وهل أملك خياراً !

وحين دخلت إلى الزنزانة فوجئت بوجود الترزى، وحين سألته ما الذى أتى به إلى هنا، قال: العمامة التى ألقيتها فى صندوق القمامة هى التى دلتهم علىّ.

قلت: هل كان بها شىء محظور؟

قال: طبعا!

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 96)

اشتد‏ ‏العراك‏ ‏فى ‏جانب‏ ‏الطريق‏ ‏حتى ‏غطت‏ ‏ضجته‏ ‏ضوضاء‏ ‏المواصلات‏ ‏ورجعت‏ ‏إلى ‏البيت‏ ‏متعبا‏ ‏وهناك‏ ‏تاقت‏ ‏نفسى ‏إلى ‏التخفف‏ ‏من‏ ‏التعب‏ ‏تحت‏ ‏مياه‏ ‏الدش‏ ‏فدخلت‏ ‏الحمام‏ ‏فوجدت‏ ‏فتاتى ‏تجفف‏ ‏جسدها‏ ‏العارى ‏فتغيرت‏ ‏تغيرا‏ ‏كليا‏ ‏واندفعت‏ ‏نحوها‏ ‏ولكنها‏ ‏دفعتنى ‏بعيدا‏ ‏وهى ‏تنبهنى ‏إلى ‏أن‏ ‏ضجة‏ ‏العراك‏ ‏تقترب‏ ‏من‏ ‏بيتى.‏

التقاسيم:

.. لم أتراجع، وأخبرتها أن العراك يجرى هناك بعيدا فى الشارع، وأننا بداخل المنزل، بل داخل الحمام، وأنها بذلك تفسد كل شئ، وتضيع الفرصة تلو الفرصة، قالت لى أنت لا ترى إلا جوعك، كيف أترك لك نفسى وكل هذه الأصوات الغاضبة تصيح حولنا، وتقترب منا؟ قلت لها الحب يصنع المعجزات، قالت: إيش عرفك أنت بالحب أو بالمعجزات؟ ثم لفت جسدها ببشكير زاد من مفاتنها، وأسرعت إلى حجرة النوم، وحين تأكدتُ أنها لم تغلق الباب بالمفتاح، وصلتنى الدعوة بعد الدلال، فرجعت إلى الحمام للتخفف من التعب والغبار أولا، وحين عدت إليها كانت الضوضاء قد اختفت تماما، لكن باب حجرة النوم كان موصدا من الداخل، نظرت من ثقب المفتاح فلم أستطع أن أتزحزح عن موقفى برغم وجع ظهرى، وظللت كذلك مدة لا أعرفها، وحين رفعت رأسى وجدتهم يحيطون بى من كل جانب، وقال كبيرهم: “سلم نفسك”.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 97)

هذه‏ ‏حجرة‏ ‏السكرتارية‏ ‏حيث‏ ‏أمضيت‏ ‏عمرا‏ ‏قبل‏ ‏إحالتى ‏إلى ‏المعاش‏ ‏وحيث‏ ‏زاملت‏ ‏نخبة‏ ‏من‏ ‏الموظفين‏ ‏شاء‏ ‏القدر‏ ‏أن‏ ‏أشيع‏ ‏جنازاتهم‏ ‏جميعا‏ ‏واسترقت‏ ‏نظرة‏ ‏من‏ ‏داخل‏ ‏الحجرة‏ ‏لأرى ‏من‏ ‏خلفونا‏ ‏من‏ ‏الشباب‏ ‏فكدت‏ ‏أن‏ ‏أصعق‏ ‏لأنى ‏لم‏ ‏أر‏ ‏سوى ‏زملائى ‏القدامى ‏واندفعت‏ ‏إلى ‏الداخل‏ ‏هاتفا‏ ‏سلام‏ ‏الله‏ ‏على ‏الأحباب‏ ‏متوقعا‏ ‏ذهولا‏ ‏واضطرابا‏ ‏ولكن‏ ‏أحدا‏ ‏لم‏ ‏يرفع‏ ‏رأسه‏ ‏عن‏ ‏أوراقه‏ ‏فارتددت‏ ‏إلى ‏نفسى ‏محبطا‏ ‏تعسا‏ ‏ولما‏ ‏حان‏ ‏وقت‏ ‏الانصراف‏ ‏غادروا‏ ‏مكاتبهم‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يلتفت‏ ‏أحد‏ ‏نحوى ‏بما‏ ‏فيهم‏ ‏المترجمة‏ ‏الحسناء‏ ‏ووجدت‏ ‏نفسى ‏وحيدا‏ ‏فى ‏حجرة‏ ‏خالية‏.‏

التقاسيم:

…حاولت أن أتأكد أننى لم أخطئ المكان، اتجهت نحو نتيجة الحائط أتأكد من التاريخ، فوجدت كل أوراقها بيضاء تماما، وحين التفتُّ ورائى وجدت المدير العام خلفى، وهو الذى كنت أحترمه ويقدرنى، فسألنى ما الذى جاء بك إلى هنا فى هذا الوقت الحرج؟ فحكيت له ما كان، فقال لى، لكن أغلب من تحكى عنهم قد رحلوا إلى جوار ربهم، فقلت له: “أعلم ذلك، لكن هذا هو الذى حصل”، وهنا لمح نتيجة الحائط التى كنت مازلت أقف بجوارها، ونظر إلىّ نظرة ملؤها الشك برغم ما بيننا من تقدير واحترام، وأخذ ينزع الورقة تلو الورقة فلا يجد إلا بياضا وخلفه بياض، فالتفت إلىّ وقد ازداد شكه وتغيرت ملامحه وسألنى متّهِماً: “هل أنت الذى مسحت البيانات من على أوراق النتيجة؟” قلت له بسرعة: “سيادتك هو المدير هنا، وسيادتك سيد العارفين أنه لا أحد فى الدنيا يستطيع أن يفعل ذلك”.

قال بهدوء: فى الدنيا نعم، لكن فى الآخرة يُمكن ونصف.

قلت له: وهل نحن فى الدنيا أم فى الآخرة؟

قال: وكأنه يتراجع عن اتهامى: إيش عرفنى؟!!

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 98)

من موقفى على الطوار أرسلت بصرى إلى الحديقة من خلال قضبان السور الحديدية، وهناك رأيت مالكة فؤادى وهى توزع شيكولاته على المحبين فاندفعت جهة باب السور حتى بلغت مدخل الحديقة وأنا ألهث وواصلت الجرى فى الداخل ولكنى لم أعثر للمحبوبة على أثر فهتفت بحدة لاعنا الحب. وحانت منى التفاتة إلى الخارج فرأيت الفتاة فى الموضع الذى كنت فيه وهى تتأبط ذراع شاب بدا أنه خطيبها، وهممت بالرجوع من حيث أتيت ولكن أقعدنى الإرهاق وطول المساءلة وفوات الفرصة.

التقاسيم:

… وانصرفت إلى حيث كنا قد تواعدنا لتناول العشاء، وكأن الذى جرى ما كان، ونسيت ما حدث، وكأنه لم يحدث، ولم أعرف كيف نسيته، وحين حضر النادل وسألنى ماذا أشرب قلت له “كاساتا بالكريمة، قال.. “ماذا؟” فانتبهت وتأسفت وقلت له” “أعنى أيس كريم مع سلطة فواكه، فقال: ..”يا سيدى أنت تعلم أن هذا محل أسماك، وأننا لا نقدم إلا ما هو اختصاصنا، ويمكن أن تبحث عن مطلبك فى مكان آخر”، وقبل أن يتم كلامه دخلت علينا مالكة الفؤاد وعلى وجهها ضحكه واسعة رائقة، وراحت تعتذر بأن الطريق كان مزدحما وأنها لم تترك العمل إلا متأخرة وأنها كانت متلهفة على رؤيتى طول الوقت لترتيب اللمسات النهائية لحفل خطوبتنا، وأنها نسيت المحمول بالمنزل، ففضلت أن أصدقها، وأنا أقول لنفسى يخلق من الشبه أربعين،

لكن الشاب الذى بدا لى أنه خطيبها وأنا خارج سور الحديقة دخل فى إثرها وجاء إلى مائدتنا مباشرة فقامت تستقبله بحرارة، وعرفته علىّ ثم عرفتنى به باعتباره خطيبها، فسألتها وأنا أدور حول نفسى: “ونحن”؟ قالت: “نحن مالنا”؟ هل عندك مانع؟ أخذت أقلب النظر بينها وبينه وفى نفسى، ثم قلت كأنى مخدر: “أبداً”.

فتأبطتْ ذراع الشاب، وقبّلتنى يمينا ويسارا على خدى، واستأذنا، وانصرفا.

وبقيت فى مكانى حتى جاء النادل فطلبت سمكا مشوياً حارا بالردّة دون تنظيف.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 99)

هذا فناء مستدير تتوسطه نخلة رشيقة وتقوم فى جوانبه بيوت صغيرة وعند العصارى تفتح الأبواب وتخرج النساء للسمر تحت النخلة ويدور الحديث غالبا حول البنات والزواج، وأنزوى أنا بعيداً لأتابع الحديث بشغف وعندما يهبط المغيب يعضنى الجوع ولم يكن يعلم بحالى سوى صديقة طفولتى تتسلل إلىَّ حاملة طبقا صغيرا نصفه مملوء بالجبن البيضاء والنصف الآخر مفروش بالبقدونس ونتعاون معا على معالجة الجوع على أنغام حديث الزواج.

التقاسيم:

قالت لى: متى تتزوج؟ قلت لها: تقولين تتزوج أم نتزوج؟ قالت وما دخلى أنا بزواجك، قلت: ألم نتفق؟ قالت: على ماذا؟ قلت: على أن نتزوج، قالت: لا أذكر، وليس معنى أننى أحضرت لك الجبن بالبقدونس أننا أصبحنا عريساً وعروساً، فقلت لها، وماذا أفعل أنا؟ قالت: أنا مستعدة أن أتزوجك حتى تجد حلاًّ، قلت لها أنا موافق.

قالت: يا رجل كنت أمزح.

أشرت إلى طبق الجبن والبقدونس وقلت:

فلماذا هذا؟

قالت: لا تشغل بالك.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 100)

هذه محكمة وهذه منضدة يجلس عليها قاض واحد وهذا موضع الاتهام يجلس فيه نفر من الزعماء وهذه قاعة الجلسة، حيث جلست أنا متشوقا لمعرفة المسئول عما حاق بنا، ولكنى أحبطت عندما دار الحديث بين القاضى والزعماء بلغة لم أسمعها من قبل حتى اعتدل القاضى فى جلسته استعدادا لإعلان الحكم باللغة العربية، فاسترددت للأمام ولكن القاضى أشار إلىّ أنا ونطق بحكم الإعدام فصرخت منبها إياه بأننى خارج القضية وأنى جئت بمحض اختيارى لأكون مجرد متفرج، ولكن لم يعبأ أحد بصراخى.

التقاسيم:

… وحين سألونى وأنا على منصة الإعدام عما أطلبه قبل إعدامى، قلت أطلب معرفة مصير الزعماء المتهمين وهل حكم عليهم بالبراءة أم ماذا، قالوا: هذا ليس مطلبا شخصيا، إنه يتعلق بآخرين، إن المحكوم عليه يجاب إلى المطالب الشخصية فقط، قلت فمطلبى الشخصى هو أن أعرف اللغة التى كان يتكلم بها القاضى مع الزعماء، وأنا أطلب تأجيل التنفيذ حتى تخبرونى يقينا عن تلك اللغة، ولا أعرف كيف اقتنع المنفذون بمنطقى، وأجلوا التنفيذ الفورى على أن يعودوا إلى رؤسائهم للمشورة. ولم أطمئن طبعا، حتى أننى اكتشفت أن داخلى ربما كان يفضل التنفيذ على التأجيل، وبعد أسابيع حضر مدير الأمن وأخبرنى ان التنفيذ تأجل إلى أجل غير مسمى، وأنه إذا مضى على ذلك سنة كاملة فسوف يفرج عنى، وحين استفسرت عما سيجرى فى هذه السنة، قال إنهم يستعينون بخبراء أجانب من الصين والعراق وفنزويلا والصومال وأيرلندا لفك شفرة هذه اللغة، لأنه لا الزعماء ولا القاضى يعرفون معنى حرف واحد منها، برغم أن المحاكمة من أولها لآخرها كانت مسجلة صوتا وصورة، وأنهم رجعوا إلى التسجيل عدة مرات قبل أن يصدروا حكم البراءة.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 101)

زيَّنا البيت ترحيبا بالابن العائد بعد غياب، أصبح فيه نجما من نجوم المجتمع وأمضينا السهرة فى الشرفة التى تمد الشقة بالمنظر الجميل والهواء النقى وأتحفنا العائد بالأشعار والألحان حتى انتصف الليل وفى الصباح وجدت مدخل الشرفة مسدودا بدولاب عملاق فخجلت، ولكن الابن لم يخف حزنه إذ ثبت له أن اناسا من صميم أسرته لا يستلطفون وجوده ويكرهون عمله الجميل.

التقاسيم:

… قلت له: لا عليك، وسوف نستطيع معا أن نزيح الدولاب العملاق، فيظهر المنظر من جديد وتصدح الألحان ويتواصل الغناء، قال دون تردد: “هيا”، وحين رحنا نزحزح الدولاب لم يتحرك سنتيمترا واحدا، لكن ضلفته انفتحت وأخذ يخرج منها طابور من أقزام لا يزيد طول الواحد منهم عن متر، لكن عضلاتهم تبدو متينه وجاهزة، لم ينزعج الشاب بقدر ما انزعجت أنا، وقال لى انتظر، فهؤلاء هم الذين كانوا سببا فى ثقل الدولاب وحين ينتهى خروجهم سوف نستطيع زحزحة الدولاب، لكننى لاحظت أن قزما أطول قليلا يعلو كتفه على رؤوس بقية الأقزام قد غمز للشاب بعينه، فالتفت إلىّ الشاب وقال عن إذنك وخرج من الغرفة مسرعا، وظلت الأقزام تخرج تباعا دون انقطاع.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 102)

أخيراً اهتديت إلى مأوى فى الدور التحتانى من بيت قديم ولكن سرعان ما ضقت برطوبته وسوء مرافقه فسعيت من جديد حتى نقلت إلى الدور الفوقانى وهو أفضل من جميع النواحى غير أن السماء أمطرت بغزارة غير معهودة فانسابت المياه من الأسقف فاضطررنا إلى تكويم العفش وتغطيته بالأكلمة وغادرنا الشقة إلى بير السلم فشعر بنا ساكن الدور التحتانى الجديد فخرج إلينا ودعانا بإلحاح وبشدة إلى الداخل حيث الدفء والرعاية.

التقاسيم:

اعتذرتْ أمى، وفضلت أن تقضى الليلة هى وإخوتى عند خالتى، وقبلت أنا الدعوة، وحين دخلت فوجئت أن زوجته السمراء الفاتنة لا تستر جسدها إلا غلالة رقيقه تظهر أكثر مما تخفى، ولاحظ الرجل الكريم دهشتى، وقال لا عليك، أنت أخ كريم ورجل طيب، وزوجتى أكثر منى كرماً فى الترحيب بالضيوف، ولم تمض دقائق حتى استأذن الرجل ليحضر شيئا من سوق العاصمة، وخرج وهو يخطرنا أنه سوف يتأخر مرغماً، وأعددت نفسى كى أتمتع بالدفء والرعاية، لكن دق جرس الهاتف فأشارت لى الزوجة الأبنوسية دون أن ترفع السماعة: أن الهاتف لى، وإذا بأمىّ تكلمنى من عند خالتى، وتقول لى: لا تنس أن تقرأ الفاتحة للمرحوم والدك.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 103)

ماذا جرى لبيتنا؟ جميع المقاعد تلاصقت وسمِّرت قوائمها فى الأرض وخلت الأسقف من المصابيح والجدران من الصور والأرض من السجاجيد فماذا جرى لبيتنا؟

قالوا بأنه إجراء لتأمين البيت لتعدد حوداث السطو على المنازل فقلت دون تردد إن السطو أحب إلىَّ من القبح والفوضى.

التقاسيم:

رحت أحاول تحريك المقاعد وتحريرها من المسامير بكل أدوات النجارة والحدادة التى عثرت عليها بالمنزل، وهم يثنونى عن ذلك لكننى كنت مصمما، ووعدتهم بتعويضهم بأى مبلغ يطلبونه مطمئنا لما عدت به من عملى فى الخارج طوال هذه السنين، فصدقونى وتركوا لى البيت مطالبين أن أتصل بهم حين تنتهى المهمة. رحت أواصل عملى بجهد لا يلين لكن المقاعد والآرائك كلها تكسرت وأصبحت أشلاء لا تصلح لشئ دون أن تتلخلخ مساميرها من الأرض. وعلمت أن مهمتى فشلت، وأخرجت محفظتى لأعد ما بها وقد كنت قد سحبت كل مدخراتى فى البنك لشراء شقة بعد عودتى استعدداً للزواج، وقررت أن أؤجل المشروع وفاء للشرط الذى التزمت به، ولم أجد لا محفظتى ولا النقود، لكننى وجدت جواز السفر، فقررت العودة للشقاء والذل حتى أدفع التعويض، وحين حضروا وأخبرتهم عن عزمى على السفر أشفقوا علىّ، لكنهم لم يتنازلوا.

فرحت أردد:

كله إلا القبح والفوضى.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 104)

رأيتنى فى حى العباسية أتجول فى رحاب الذكريات وذكرت بصفة خاصة المرحومة عين فاتصلت بتليفونها ودعوتها إلى مقابلتى عند السبيل وهناك رحبت بها بقلب مشوق واقترحت عليها أن نقضى سهرتنا فى الفيشاوى كالزمان الأول وعندما بلغنا المقهى خف إلينا المرحوم المعلم القديم ورحب بنا غير أنه عتب على المرحومة عين طول غيابها فقالت إن الذى منعها عن الحضور هو الموت فلم يقبل هذا الاعتذار وقال إن الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبّة.

التقاسيم:

ثم التفت إلىّ المعلم وقال: وأنت ما الذى منعك عنا، فقلت له: إنه نفس السبب الذى قالته لك المرحومة عين، فقال محتجّاً ولكنك لم تمت.

فقلت له: إيش عرفك؟

فقال: نظرات المرحومة، وقلقك البادى.

 فالتفتُّ إلى المرحومة لأعرف ماذا فى نظراتها يدل على أنى لم أمت وكيف قرأها المعلم بهذا الوضوح، فوجدتها قد اختفت.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 105)

جميع الرجال فى حيٍّنا يحلقون رءوسهم فى صالون عم عبده انجذابا للحسناء الجالسة خلف صندوق النقود وتمنينا جميعا أن تتحسن حالتنا المالية فنحلق ذقوننا كل صباح فى رحاب الجمال وذات يوم وجدتنى أسير فى طريق متألق الجمال والنقاء وإذا الحسناء مقبلة نحوى من بُعد قريب حتى إذا حاذتنى التفتت إلىّ فجأة وأخرجت لى لسانها وبسرعة مذهلة تحول وجهها إلى كتلة خشبية سميكة ملونة فذعرت وسارعت مبتعدا غير أنه ترامى إلىّ صوت ضحك فنظرت ناحيته فرأيت الحسناء تراقص الأسطى وهما فى غاية الحيوية والمرح.

التقاسيم:

…كان الرقص على الرصيف فى أول الأمر، فتوقفت تحت شجرة ليست بعيدة بحيث أراهما ولا يريانى، وأنا أمتلئ غيظا وحسدا يتزايدان، وتمنيت أن يعود وجهها الخشبى ليراه الأسطى مثلما رأيته، لكن كان وجهها يزداد تألقا ومرحا، أما الأسطى فأخذته النشوة، ويبدو أنه لمحنى فأراد أن يغيظنى أكثر فانطلقا يرقصان وسط الشارع الخالى نسبيا غير عابئين بالمارة، وفجأة ظهرت عربة من عربات الشباب ذات الباب الواحد وكأن الأرض قد انشقت لتظهر ومرقت مسرعة وصدمتهما وهما فى حال، لم أفرح أو أشمت، بل أسرعت إليهما أنقذ ما يمكن، كذلك فعل بعض المارة، نظرت فى وجهها فرأيت نفس تعبير المرح والسعادة، لكن جسمها الراقص الجميل هو الذى أصبح كتلة من مطاط بارد مع أن الدم كان ما زال يسيل منه، التفت لأرى ما أصاب الأسطى فلم أجده، ووجدت الناس ينظرون نحو السماء ففعلت مثلهم، فإذا به يعلو فوق الأشجار صاعدا وهو يرفع قبضته وإصبعه الإبهام إلى أعلى علامة التفوق والجودة.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 106)

غزا الوزارة نبأ بأن انقلابا قد وقع فى الصباح الباكر فتجمع الموظفون حول التليفزيون واستمعنا إلى البيان الأول فقال موظف قديم أنه سمع هذا البيان فى مطلع شبابه أما أنا فاكتشفت فى زعيم الانقلاب صديقا حميما ومن فرحتى أعلنت الخبر فأسر لى صديق بأن الحياة سوف تضحك لى، فقال الموظف القديم أنه قد تضحك لى الدنيا وقد أعدم بدون محاكمة.

التقاسيم:

.. سألته وهل لى فى ذلك دور أستطيع أن أقوم به لأتجنب المصيبة وأحظى بالمراد، قال: نعم، طبعا، قلت: ماذا أفعل؟ قال: تفعل مثلما فعلت أنا حين سمعت البيان الأول فى الزمان الأول، قلت له وماذا فعلت؟ قال: قفلت التليفزيون ولم أعد إلى فتحه أبدا.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 107)

ياله من ترام عجيب ففى حقيقته يرقد نعش كتب عليه أن هذه جنازة فلان تنفيذا لوصيته وفلان زميل قديم اشتهر بتجدُّد حظه السيئ فعلى كثرة مؤلفاته لا يكاد يعرفه قارئ وجاء المشيعون والمتفرجون حتى بلغ الترام المدافن وسط مظاهرة لم تشهدها جنازة من قبل وما جاء المساء حتى كان اسم الراحل يتردد على كل لسان.

التقاسيم:

قال أحدهم: هكذا يحق الحق ولو بعد حين، وها هو أخيرا نال حظه، وقد تقدمت ثلاثة دور نشر تتنافس لإعادة نشر مؤلفاته.

وقال آخر، ياله من ولى متواضع، أخفى ولايته عنا حتى مات، وروحه هى التى قلبت الترام نعشا.

ونظرت فى مظاهرة المشيعين فوجدت أشباحا ليسوا كالناس وهم يرفعون كتبه بدل المصاحف على سيوف من خشب، وما أن توارى نعش الفقيد فى القبر حتى توجهت هذه الأشباح دون الناس إلى الترام وقد استدار راجعا وراح الجميع يهللون فرحين بالتخلص من الكتب والسيوف والأشباح والفقيد معا.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 108)

غادرت القطار الجميل وقلبى مفعم بالأشواق ولكنى وجدت نفسى فى خلاء مخيف فأين إذن الحديقة التى لا يوجد مثلها فى البلاد. وأدركنى رجل وجيه تذكرت وجه الرجل الذى تزوج من حبيبتى منذ سنوات فاعتذر عن التأخير فى بدء العمل لتعاقب الحروب وأكد أن الرأى استقر نهائيا على أن يعود هذا الأسبوع وعلى أن يتم عمله فى شهر واحد تعود بعده الحياة لأجمل حديقة فى الوجود، وبخلاف المتوقع فإننى صدقته آمِلاً أن يجئ يوم تجمع الحديقة بينى وبين حبيبتى كما جمع بيننا حى واحد فى الزمان الأول.

التقاسيم:

قال لى الرجل الوجيه، أنا موافق، هذا جائز، ففى الحديقة التى لا يوجد مثلها فى البلاد يسمح بتعدد الأزواج، وحين أنتهى من عملى سوف تحقق أمنيتك مع زوجتى حبيبتك. فزعت، لكننى عدت وفرحت ما دام هو قد سمح بكل هذا الكرم، لكن يا ترى هل أسمح أنا له أن يظل زوجها، فتراجعت واعتذرت، قال أحسن لأن الحروب لم تنته، وأنه لا داعى لاستكمال العمل حتى نعْرف مصير الأرض بعد أن بلغ نصف قطر ثقب الأوزون حجم القمر.

 قلت له: يعنى ماذا؟ قال: مالك أنت وقد تخليت؟

قلت له: عن ماذا؟

قال: عن المخاطرة.

قلت: وهل تضمن لى أنت شيئا؟

قال: طبعا.    

قلت: تضمن لى ماذا؟

قال: انتظر حتى أذهب وأسألها.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 109)

هذا تلميذى يتلقى عنى علوم الموسيقى والألحان وسرعان ما أصبح تلميذى نجماً ثرياً وظللت أنا فى الظل منسيا فتركت عملى الجميل الشاق واشتغلت بتدريس الآثار، وكف تلميذى عن التعلم والعلم وأدمن المخدرات وعرض صوته للتلف وحدث أن جمعنا حفل ساهر فلا هو عرفنى ولا أنا عرفته وأخذت أتساءل مع كثيرين عن تدهورنا وما جرى لنا.

التقاسيم:

قال لى جارى: تدهورٌ ماذا؟ وجرى لنا ماذا؟ ألن تكف عن الحكم على الأمور بكل هذا التخلف، قلت له ماذا تعنى؟ قال: لا حكم إلا بعد التجربة، ثم سحبنى إلى الشرفة، وأخرج “سيرنجة” فض كيسها بسرعة وركنها إلى ناحية، ثم أخرج ورقة مطبقة من جيبه وفتحها بهدوء وثقة، ثم أخرج من جيبه الآخر ليمونة وقسمها، وعصرها على ما بالورقة وأنا أتابعه وأنا فى حال، سألته: “ماذا تفعل”؟ قال سوف أثبت لك أن حالنا لم تتدهور، بل العكس.

وتعجبت حين  جاءنى صوت تلميذى من الداخل وهو يشدو بأجمل الألحان التى علمتها له قبل أن يحدث ما حدث.

قال صاحبى: رأيت كيف؟ ألم أقل لك؟ هاأنت ذا قد رأيت بنفسك ونحن لم نضرب بعد ولا إبرة واحدة بعد.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 110)

إنه مشوار مرهق وعند نهايته وجدت بوابة الفتوح مغلقة فاستجمعت قواى وجعلت أرفعها حتى استجابت فرأيت وراءها بحيرة تنطلق منها صواريخ كلما بلغ صاروخ الفضاء انفجر باعثا من الظلمة وجها عزيزاً محبوباً، امتلأ الفضاء بالأحبة ومع ذلك فما زلت أنتظر سطوع الوجه الذى علمنى العشق وألهمنى الخلود.

التقاسيم:

وطال الانتظار، وإذا بصوت الرعد ينطلق يهزنا هزاً، حتى انخلعت بوابة الفتوح، ثم بدأ البرق يلمع فى السماء فيضىء الدنيا ويجعل سطح البحيرة يلمع كأنه فضة ذهب، لكنه سرعان ما يختفى فيسود الظلام؟ فقررت أن أترك المكان بأسرع ما يمكن، ولكن كيف أتمكن من ذلك وسط كل هذا الظلام، ثم جاءنى الفرج حين سمعت صوتها يهمس: هذا بسبب كذبك، أنا لم أعلمك العشق والخلود معا، أنت الذى طلبت ذلك، وأنا خيرتك: إما العشق وإما الخلود، فقلت لها: والآن؟ قالت: لا نجاة لك إلا أن تختار، قلت: العشق طبعا، ومضيت مسرعا أستهدى بصوتها وهى تضحك فى سعادة ليس كمثلها شىء، حتى غمرتنى نشوة قصوى جعلتنى ألعن سيرة الخلود، وما أضاعه من عمرى.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 111)

فى الجو غيم وفى الصدور قلق ويترامى إلينا من بعيد صوت لا يتوقف، وقال صاحبى وهو يحذرنى بأنهم يستهدفون حياتنا فقلت له إنى عرفت أخيرا سبيل الخلاص ولا أنكر أنه وعر كثير المقاومة ولكن ليس عندى خير منه فاتبعنى إن شئت وتفكر صاحبى طويلا ثم تبعنى وهو يقول إن الأعمار بيد الله وحده.

التقاسيم:

…. مضينا بخطى ثابتة، أنا فى المقدمة وهو يتبعنى، لكننى لا أسمع صوت خطاه بين الحين والحين، فأتمهل، فيعاود السير، فأمضى دون أن ألتفت إليه وأنا أتساءل لماذا ورطت نفسى هذه الورطة حتى صدقنى، وعلمت أنه لا مخرج من هذا المأزق إلا أن يلحقنا هؤلاء الذين كانوا يستهدفون حياتنا، وحين يتلهون بالانقضاض عليه سوف أطلق ساقى للريح ولن يلحقنى أحد، لكننى فوجئت بأننا وصلنا إلى شاطئ النيل والمكان خال، فلم أتردد أن أمضى بنفس الخطى حتى غاصت قدماى فى مياه الشاطئ، وأنا أمضى، والماء يعلو، وهو ورائى وسمعته ينادى: يا هذا إلى أين؟ ألم تعدنى بالخلاص؟ فقلت له: هذا هو الخلاص يا غبى.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 112)

يالها من ضوضاء فثمة أصوات متضاربة وخطوات تهرول حيناً وتركض حيناً وصرخة هنا وصرخة هناك، طلقات نارية وامرأة تستغيث بالله .. أذهلنى التشابه بين صوتها وصوت المرحومة أمى ومن فورى هرعت إلى السطوح حيث اجتمع إخوتى وأخواتى وحدثت أخى الأكبر عن الاستغاثة والصوت فقال لى بتيقن بأن الصوت هو صوت أمنا دون غيره وليس آخر يشبهه.

التقاسيم:

قلت له فماذا ننتظر؟! فقال إسأل نفسك، فمضيت أنزل السلالم أربعا أربعا، وأنا أتصور أنه يتبعنى، إلا أن أحدا لم يكن ورائى، وحين انتهيت إلى الشارع سمعت أصواتاً جديدة وهرولة جديدة، لكن الصرخة هذه المرة كانت صرخة رجل سرعان ما تبينت أنه أخى، وحين وصلت إلى الشارع وجدت المرحومة أمى جالسة على الرصيف وهى تحتضن رأس أخى على صدرها وكأنها ترضعه، فاختلط على الأمر بين الفرحة بلقائها بعد كل هذه السنين وبين الأسى على أخى المصاب ولست أدرى ماذا به، انحنيت وقبلت يدها فبللت دموعها خدى، وهى تنهنه وتردد: لماذا تعجّل أخوك هكذا! كانت أمامه فرصه! فنسيت كل شىء وقلت دون تفكير: آخذها أنا يا أمى بدلا منه، فزغرت لى زغرة هائلة، ولم تعقب.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 113)

أخيرا حضر الوزير الجديد فقدمت له نفسى باعتبارى سكرتيره البرلمانى ولكنه لم يفهم كلمة من كلامى فحاولت شرح عملى ولكنه نهرنى بحدة وأمر بنقلى من وظيفتى وهكذا بدأت المعاناة فى حياتى ثم شاء القدر أن يجمع بينى وبين الوزير فى مكان غير متوقع وهو السجن وبعد أن أفقت من ذهولى أخذت أذكره بلقائنا الأول وما جرى فيه حتى تذكر وتأسف واعتذر وانتهزت وجودنا فى مكان واحد كى أشرح له عمل السكرتير البرلمانى.

التقاسيم:

قال لى بعد أن انتهينا من شرب قصعة العدس معا، فلماذا أنت هنا ما دمت تعرف تفاصيل عملك هكذا؟ قلت له: وأنت يا معالى الوزير ألم تكن تعرف تفاصيل عملك أحسن منى ألف مرة، ولهذا أمرت بنقلى؟ فقال نعم، فقلت فلماذا أنت هنا إذن؟ قال لأننى عرفت تفاصيل عملى أكثر من اللازم، قلت له: ومن الذى يحدد مقدار اللازم؟

 قال: مدير السجن.

 قلت: عليك نور يا معالى الوزير.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 114)

جاءت الشغالة الجديدة مصحوبة ببعض أقربائها وكأنهم أرادوا أن يشاهدوا المكان وأهله لتطمئن قلوبهم على ابنتهم الوسيمة، غير أن الوسيمة لم تمكث عندنا إلا نصف يوم ثم ذهبت تاركة فى النفوس غضبا وبلبلة حتى كان ذات مساء فرأيتها تخرج من عمارة قريبة وهى على حال من الانحراف الصارخ فصعقتنى الحقيقة الغائبة وأدركت عمّ كانوا يبحثون فى اللقاء الأول.

التقاسيم:

ثم انتهى إلى سمعى صوت زفة عرس قادمة من الشارع الجانبى، فنسيت ما كنت فيه ورحت أتفرج، وفجأة حل بى سرور ونشاط غريبان، وكأنه فرح أختى الصغرى التى أحبها حبا لا حدود له، أو كأنه فرحى أنا شخصيا، واقتحمت طريقى بين المعازيم وهم يوسعون لى، وربما ظنوا أنى من أهل العروس، وحين وصلت إلى الزفة كنت قد وصلت إلى حالة من النشوة لم أستطع معها التحكم فى أى شىء، فسحبت العريس من “الكوشة” وأنا فى غاية الطيبة والبهجة، ورقَّّصته فرقص معى حتى انتشى وهو يجذب العروس إلينا فصرنا نحن الثلاثة نرقص كمحترفين جاؤوا خصيصا لإحياء الليلة، وفرح الناس بنا وراحوا يصفقون، فكدت أطير، ثم رحت أتخلص من ملابسى وأنا أرقص معهما والناس تصفق، حتى لم يبق علىّ إلا السروال، وحين هممت بأن أتخلص من الباقى زغرت لى العروس باسمة، فتراجعت وأنا أتبين أن وجهها هو هو وجه الشغالة الوسيمة، ففرحت لها، وأمسكت بكلتا يديها دون العريس وواصلت الرقص معها وهى تشاركنى بنشاط جميل، والعريس يصفق لنا.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 115)

فى البدء التهب الخصام حول إصلاح البيت بين الساكنة فى الدور التحتانى ومالكة البيت المقيمة فى الدور الفوقانى وترامت الأصوات إلى الحارة الصغيرة ففُتحتْ نوافذ وأبواب وأيَّد البعض مالكة البيت. أما الكثرة فأيَّدت الساكنة واحتدم الجدل ثم تطايرت الشتائم حتى أنذر الغضب الأحمر بسفك الدماء.

التقاسيم:

… لكن باب السطح انفتح عن الرجل الذى يسكن وحيدا فى حجرة فى السطح، وأخذ ينزل الدرج بهدوء لا يتناسب مع نار الشتائم ونذر الحريق الذى على وشك الاشتعال، وحين وصل إلى بئر السلم حيث تدور المعركة، قال بنفس الهدوء: ما الحكاية يا جماعة؟ أنا سوف أحلها لكم. فقالت ساكنة الدور التحتانى: كيف ستحلها يا روح امك؟ فلم يهتز ولم يرد، فقالت مالكة البيت: نعم سيحلها ونصف، أنت لا تعرفينه. قالت ساكنة التحتانى: طبعا أنت التى تعرفينه، قالت المالكة: إخرسى، أنت حين تعرفينه ستعرفين كيف يحلها، قالت: التحتانية للرجل: أرنا شطارتك يا سيد الرجال. قال الرجلِ للمالكة: أنت تقومين بإصلاح البيت وهى تقوم بعمل اللازم. قالت المالكة: وانت إن شاء الله ؟؟!!

 قال الرجل: بإذن الله.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 116)

ذهبت لتهنئة صديق قديم على الوزارة ولكن بخلاف المتوقع قوبلت فى المكتب بفتور واضح ثم طال انتظار المقابلة دون جدوى فتسلل إلى ظنى أن بعضهم افترى علىَّ فرية أفسدت الود القديم، وأخيرا غادرت مجلسى لا أرى ما بين يدى واستقبلنى زميل يبقى على وده وقال لى: لعنة الله على ألسنة السوء فسألته ولِمَ لم يقابلنى ويتحقق من الأمر فقال إنه مضى زمن والقانون معطل اكتفاءً بأقوال الشهود.

التقاسيم:

رجعت لتوى وأنا مصمم على لقائه دون المرور بالسكرتارية أصلاً، فعلاقتنا تسمح بذلك وأكثر، مهما قالت ألسنة السوء، وحين يتأكد الجميع أننى ما جئت إلا للتهنئة سوف يخجلون مما ذهبت بهم إليه الظنون، وما أن دخلت عليه مقتحماً والسكرتير يجرى ورائى خائفاً من عاقبة ما فعلت حتى فوجئت بأن الوزير قام من على مكتبه واتجه نحوى وكأنه على وشك أن يأخذنى بالحضن، وفجأة صفعنى صفعة أذهلتنى استدرت بها نصف دائرة، فوجدت صدغ السكرتير فى كفى وأنا أصفعه صفعة أقسى، فصرخ مولولا واستدار بدوره وهو يكاد يقع من طوله، ليجد مساعدته تقف مذهولة فتسنده  حتى لا يقع فيأخذها  فى حضنه دون تردد، وانفجر الجميع فى ضحك ليس له مثيل.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 117)

كنت جالسا فى المقهى وإذا بفتوّة الحى يجلس إلى جانبى دون استئذان فرحّبت به مرغما فقال: إنه اختارنى للزواج من ابنته المطلقة فارتعشت أطرافى وقلت: إننى سأتزوج من ابنة عمى فى نهاية الأسبوع فقال ببساطة وثقة: أنت ستتزوج من ابنتى وأنا سأتزوج من ابنة عمك.

التقاسيم:

نظرت إليه فى تسليم وأنا أحسب أنه يمزح، فهو لم يتزوج حتى الآن لأسباب يعرفها كل أهل الحى برغم أنه الفتوة، بل إن فتونته تجعله يحصل على من يشاء وقتما يشاء حسبما يشاء، فما الذى فتح نفسه للحريم أخيراً؟! قلت له، ولى خبرة معه لا يمكن أن ينساها، “ولكن يا معلم”، وغمزت له بعينى اليسرى ولم أكمل!! فلم يهتز، ولم يخجل، وإنما مضى يؤكد لى أنه اتفق مع ابنته على كل شىء، وغمز بدوره بعينه اليمنى.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 118)

وجدتنى فى ميدان محطة الرمل المزدحم دوما بالبشر ولمحت فى ناحيته الرجل الذى تردد كلماته الألوف وهو يغازل غانية، فهمست فى أذنه “إذا بليتم فاستتروا” فقال: وهل ثمَّ ستر أقوى من ملابسها.

التقاسيم:

قلت له: نعم هناك ما هو أقوى.

قال: وما هو؟

قلت: تسترها برجولتك.

قال: الرجولة لا تكتمل إلا بالأنوثة، وهذا هو معنى إكمال نصف الدين يا غبى.

قلت: نصف الدين أم نصف الدنيا.

قال: وهل هناك فرق؟

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 119)

وصلت إلى المحطة فى الوقت الحرج واتخذت موقعى فى الطابور الممتد إلى شباك التذاكر. وظللنا بين القاطرة والشباك حتى انطلقت صفارة الإنذار الأخيرة ومازلت على مبعدة من الشباك، وهكذا فاتنى القطار.

التقاسيم:

لم ينفض الناس من الطابور برغم صفارة الإنذار، فهى لم تكن إنذارا بقيام القطار الأوّل، ولكن بغارة مفاجئة مجهولة الهوية، وقال أحد الواقفين إنها صفارة النجدة وليست صفارة الإنذار؛ فقال آخر: لقد أعلنت إسرائيل الحرب على حزب الله؛ فقال الذى فى مقدمة الطابور: وما لنا نحن؟ هل ستنقلنا مدرعات حزب الله إلى القاهرة؟ فقال الذى يقف خلفه: ما هو انت فى القاهرة، انت تقصد الإسكندرية. فردت عليه ناهرا: إيش عرفك ماذا أقصد؟ ثم إيش عرفك أننا فى القاهرة؟ فقالت امرأة منتقبة كانت تتململ طول الوقت فى الطابور: أليس فيكم رجل واحد يخفف عنى ما أنا فيه؟

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 120)

قمنا برحلة إلى المملكة التى تغنّى بروعتها الشعراء وهناك انضم كل فرد إلى المرشد الذى اختاره ينتقل به من مشهد إلى مشهد ومن جبل إلى بحيرة ومن متحف إلى مقبرة وقال المرشد: إنه لم يبق من الرحلة إلا الحديقة البللورية ودعانا إلى شئ من الراحة والتأمل كى لايصدمنا الانبهار فسألنا: وهل ثمّ انبهار يفوق ما شاهدنا من أحياء وأشياء، فابتسم المرشد وواصل السير ونحن فى أثره.

التقاسيم:

لم نعرف كيف يمكن أن نرتاح أو نتأمل ونحن ننتظر انبهارا أكبر من قدرة خيالنا على الانبهار، ثم بدأ الركب فى التحرك، وكان لا بد من السير على الأقدام فالطريق إلى الحديقة غير مصرح بسير السيارات فيه، ولا هو صالح لذلك، وطال المسير دون أى أمل فى الوصول، حتى بدأ بعضنا يتسرب من الجمع، ويقف تحت ظل شجرة، أو بجوار غدير، وخاف المتبقون أن يحل الظلام وقد قاربت الشمس على المغيب، وحين وصلنا إلى الساحة الكبرى، نظرنا فى الأفق فإذا قرص الشمس قد احمر حتى صار مثل الجمر المشع، وقد لامس الأفق، وبدلاً من أن يتوارى رويداً رويداً حتى يغيب، وأغلبنا يقاوم خوفه من حلول الظلام قبل أن نصل إلى الحديقة البللورية، إذا بقرص الشمس يرتفع رويداً رويداً نحو وسط السماء من جديد، والسحب تحيط به وكأنها تحتضنه فى حنان رقيق دون أن يفقد لونه الأرجوانى، وجلجل صوت يقول: هذه هى الحديقة البللورية، فهلل الجميع وكبروا وحطّ حمام كثير فى الساحة الكبيرة، واستطالت الأشجار حتى كادت تلامس الشمس.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 121)

رأيتنى أسير فى شارع كورنيش الإسكندرية مستهدفا العمارة التى أرى فى إحدى شرفاتها السيدة الأنيقة بصحبة زوجها وأبنائها الشبان فلما فتر الهدف ذاب المنظر ذوباناً سحرياً ناعماً حتى اختفى وحل محله شارع العباسية ومازلت أسير نحو العمارة الجديدة التى تطالعنى من إحدى نوافذها الفتاة التى لا تُنسى ولكنى وجدت النافذة خالية فقررت الانتظار كالعادة فى محطة الترام ولكنى لم أجد للمحطة أثرا ولا لقضبان الترام أثرا على طول الشارع.

التقاسيم:

… قرصتُ جلد ذراعى فشعرت بألم معقول، عضضت على سبابتى بأسنانى فقفزت أن “آه”….فرحت بالألم وشعرت أننى أصبحت أملك الأزمنة والأماكن والأشياء، رأيتنى أنا الذى فى شرفة الشقة فى عمارة كورنيش الاسكندرية، ورأيت أن فتاة العباسية هى ابنتى ترفل فى ثوب زفاف لم أر مثله من قبل، وهى تزف إلى أحد الشبان من أبناء الشرقية، وذهبنا معا إلى مطار العلمين نودع أخاها إلى كندا، وحين عدت ركبت مترو الأنفاق الذاهب إلى المرج وإذا بجوارى السيدة الأنيقة تبتسم لى فى أدب جم، وحين أقدم الكمسارى ورآها بجوارى ابتسم لها وحيانى، ولم يطلب التذاكر، وعادت فتاتى تطل من النافذة وسمعت صوت الترام يتهادى الناحية الأخرى، وهدهدتنى يد والدة حانية تربت على كتفى وهى تقول:

 أنقذتنا يا بطل بالعدم من العدم.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 122)

الليل سجى فاحتوتنا غرفة وهبتنا الظلمة راحة عابرة وفرحاً حميماً وترامت إلينا من الطريق ضجة فهرعت إلى خصاص النافذة فرأيت قوما يحدقون بشخص مألوف الهيئة وينهالون عليه باللعنات واللكمات وهو مستسلم لا يقاوم حتى شعرت باللكمات تخرق جسدى.

التقاسيم:

أسرعت بالنزول وأنا أشعر أنه مظلوم، وبمجرد أن خرجت من باب العمارة إلى الشارع حتى أشار إلىّ صائحا: ألم أقل لكم؟ ها هو ذا، فالتفت الجميع ناحيتى، وتركوا الرجل، ثم اتجهوا إلىّ جميعا كالمسحورين سيْراً، فهرولةً، فركضاً، فوضعت ذيلى فى أسنانى ورحت أجرى وأنا أسمع ضحكات الرجل المألوف الهيئة تتعالى قهقهة حتى ملأت السماء كلها، توقفت فجأة، فتوقف الجميع وبينى وبينهم مسافة أخذتْ تزداد ونحن لا نتحرك، ثم استداروا وعادوا إلى الرجل الذى كف عن الضحك ينهالون عليه باللعنات واللكمات ونسونى تماماً، ولم أشعر هذه المرة باللكمات تخرق جسدى، لكننى لم أشعر أيضا بلذة التشفى أو فرحة الانتقام، فقد كان يشبهنى تماماً.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 123)

هذا ميدان الأوبرا وفيه أسير متجها نحو مقهى الحرية فأدهشنى أن أجدها خالية من روادها اللهم إلا شخص منكب على قراءة أوراق مبسوطة بين يديه وسرعان ما تبين لى أنه أستاذى الشيخ مصطفى عبد الرازق فانشرح صدرى واندفعت نحوه مشتاقا إلى لقاء حميم غير أنه التفت إلىّ متجهما فهبط قلبى وأشار الأستاذ نحو الأوراق وقالى لى: آسف إنه قرأ اسمى بين شهود الإثبات فلم أدر ماذا أقول ولا كيف أعتذر.

التقاسيم:

..كله إلا الشيخ مصطفى عبد الرازق، هذه أوراق مدسوسة عليه، فأنا لم أكن قد ولدت بعُد أيام أنْ حدث الحادث، وفى نفس الوقت يستحيل أن أراجعه أو أخطِّئه، دخلت من الباب الخلفى للمقهى ناولت النادل ما تيسر فأعارنى معطفه الأصفر وسمح لى أن أحمل القهوة للشيخ، وحين اقتربت من منضدته تعثرتُ قصدا فانسكبت القهوة على الأوراق، وعجبت أنه لم يغضب، بل انحنى يجمعها ورقة ورقة ويمزقها دون أن ينظر فيها ويضعها فى سلة المهملات بجواره بهدوء دون أن ينظر ناحيتى، ولا أعرف كيف تأكد أننى أنا، وحين انصرفت من باب مطبخ المقهى الخلفى قابلت عباس العقاد وكأنه كان ينتظرنى، وبادرنى بمزيج من الفرحة والحسد قائلا: لم أكن أعرف أن شيخنا يحبك لهذه الدرجة.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 124)

كثيراً ما اجتمعنا بمكان يقع بين الحقول من ناحية والطريق العام من ناحية أخرى، حتى قال لى صاحبى إن هذا الموقع لا يضمن السلامة فى كل الأحوال ومن لحظتها سكن القلق فى صدرى حتى استيقظت ذات  صباح على ضجة وصياح فقمت إلى النافذة فرأيت جموعا لا يحصرها حصر وجماهير لم أميز فيها سوى الغضب الأحمر.

التقاسيم:

دخلت بسرعة وهاتفته خائفا معاتبا، أنه مادام الأمر كذلك، وهو يعرف كل ذلك، فلماذا واصلنا الاجتماع فى نفس المكان لنفس الغرض؟ قال لى: أى غرض؟ قلت: أنت تعرفه جيدا. قال لى: لا تخف؛ فالغضب الأحمر لا يخصك أنت، وهذه الجموع لها وجهة أخرى، فانتظِرْ هادئا حتى تنصرف، ثم نرى. قلت له: نرى ماذا؟ قال: نرى إن كان هناك داع للاجتماع أصلا أم لا.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 125)

توجهت إلى مسكنى فوجدته يمور بالحركة ولا شئ من الأثاث فى موضعه وثمة غلمان وبنات لا أعرفهم يلعبون هنا وهناك دون أن يحسوا بحضورى فانقبض صدرى ودلفت إلى الشرفة المطلة على حديقة قريبة منى وفيها شجرة ضخمة تمتلئ أغصانها بالعصافير المزقزقة وكانت الزقزقة وحركة العصافير قد أنستنى كل شئ غير صوت العصافير وهى تغرد.

التقاسيم:

…. لكن الغلمان والبنات انطلقوا فجأة من المسكن إلى الحديقة، وأخذوا يقذفون العصافير المزقزقة بحجارة صغيرة لا تؤذى، فزادت الزقزقة رقة، وطارت العصافير نحو مسكنى وكأنها اشتركت فى اللعبة، وكأنها قد اتفقت مع الغلمان والبنات أن يتبادلوا الأداء والأماكن، واحترت إلى أى الفريقين أنتمى، ودعوت الله أن يضعنى حيث يرى أنه الأصلح لى، وإن كنت شخصياً أفضل الزقزقة.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 126)

ذهبنا لتهنئة الوزير الجديد بوصفنا أصدقاء قدامى فرحب بنا ووجدنا أحباء آخرين فرجعنا معهم إلى عهد الصبا وفى الصباح التالى أذاع الراديو البيان الأول لحركة الجيش وعندما ذهبنا إلى السكرتارية للترحيب قال لنا لا تسهبوا فى الترحيب قبل أن تعرفوا القادم.

التقاسيم:

… لم تكن الوزارة قد استقالت أو أقُيلت بعد، فلم تمض على الحركة سوى ساعات، ثم وجدت نفسى واقفا فى صف طويل أمام مجمع التحرير، ونظرت فى الساعة التى فوجئت أنها ضخمة جداً وقد وضعت فوق النصب الخالى وسط الميدان، وإذا بها تعلن تاريخ اليوم وعقرب الثوانى فقط هو الذى يدور بسرعة فائقة كأنه يسابق نفسه، وامتلأ الميدان بعربات المطافئ الحمراء،  وتلفتّ حولى فلم أجد أى حريق، لكن أصوات أبواقها وأجراسها لم تكف عن الإزعاج، ثم صمتت فجأة، وانطلق ميكروفون كبير يؤذن لصلاة الظهر عصراً، وراح يكرر أن “الصلاة خير من النوم”، فسألت أصدقاءنا القدامى: ما الحكاية؟

فقال أحدهم: لقد تغير كل شىء، وأصبح نوم القيلولة أهم من قيام الليل.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 127)

فى حديقة هذه الفيلا نجتمع مساء للسهر والسمر فى حرية شاملة، ولكن صاحب الحديقة تغير فجأة فاستبد بكل شئ فهو يختار موضع الجلسة وموضوع الحديث والأكل والشرب وحسبناها دعابة ولكنه استمر وتمادى فضقنا به ذرعا غير أننا أخفينا مشاعرنا إكراما للموقف. إلا واحد لم يستطع إخفاء مشاعره وذات مساء انفجر غضبه المكتوم وجن جنونه فصرخ وأخرج من جيبه مسدسا صوبه نحونا بيد مرتجفة فتفرقنا فى الحديقة تطاردنا لعناته وشتائمه.

التقاسيم:

… واجتمعنا من جديد فى المكان المخصص لفرقة الموسيقى فى الحديقة، ونحن نشكر تهوره الذى أنقذنا من كل هذه التبعية والنمطية، ووجدناها فرصة لترتيب الأوراق والذكريات والخطط الجديدة، وإذا بنا نفاجأ أن كل الخطط الجديدة ليست سوى الذكريات التى نعرفها، وأن ملفات الذكريات لم تكن إلا أكداسا من صفحات خالية، وإن كان غلاف مجلداتها عليه أرقام وحروف تبدو كالشفرة بلغة غريبة بين اللاتينية والهيروغليفية.

 وتساءلت: تُرى لو فككنا الشفرة فهل تمتلىء الصفحات البيضاء بما ينبغى أن تمتلىء به؟

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 128)

هذا محل لبيع التحف يتألق نورا وبهجة وتجلس فى خدمة ضيوفه شابة آية فى الجمال وطفت به حتى صادفنى مطعم صغير فتناولت ساندوتشا ودخنت سيجارة فى زجاج خفيف لرؤية الشابة الجميلة لكنى وجدت مكانها امرأة طاعنة فى السن فانقبض صدرى وأرسلت ناظرى باحثا عن الجميلة فمضيت فى حيرة بمرآة فوقها مشهد به صورة عجوز يتوكأ على عصا غليظة قد أعياه المشى والقلب والذاكرة.

التقاسيم:

… وحين أمعنت النظر وجدت أنها ليست صورة أعلى المرآة، لكنها صورتى أنا فى المرآة.

****

   نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 129)

مازلت فى صباحى مستوصياً بالصبر والعزم والاستمرار حتى بلغت مرتفعاً أوحى إلىّ بأخذ شئ من الراحة وهنا لمحت صبياً يكافح للصعود فرق له قلبى ومددت له يدى ولكنه جذبنى بقوة لم تجرنى فى جناحه فهربت أتدحرج ولا أملك لنفسى شيئاً.

التقاسيم:

واستمر هو فى الصعود، وكأنه لم يكن هو الذى بدا عليه الإنهاك وهو يكافح منذ قليل، وحين توقفت عن الدحرجة وجدت نفسى على صخرة مستوية، واطمأننت إلى أن الإصابات طفيفة، رفعت رأسى نحوه فوجدته، يلتفت إلىّ وهو يخرج لى لسانه، فأرسلت له قبلة فى الهواء.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 130)

صحوت من نومى على أصوات تنادينى غير عابئة بوقار الليل وسرعان ما عرفت منها أصوات صديقات الزمان الأول وكن يذكرننى بالميعاد الذى لم أنجزه فتلفحت بالروب وهرولت إلى الخارج ولكنى وجدت الشارع خاليا والصمت سائدا.

التقاسيم:

… ومع ذلك سرت فى الشارع غير عابئ بالمفاجأة، فهن كثيرات، ولن أعدم واحدة قد تلكأت واختفت فى بئر سلم إحدى العمارات تنتظرنى بعيدا عن الباقيات. بعد بضع خطوات خرجت الجميلة من باب عمارة عتيق وأقبلت علىّ بكل الشوق الذى ذكرنى بالزمان الأول، وبعد حضن اللقاء تأبطت ذراعى، وصفرت بفمها، ففتحت كل أبواب بقية العمارات، وخرجت الباقيات يزغردن، ويرددن وراء حادية جميلة الصوت، “يا عود قرنفل فى الجنينة منعنع”، وشعرت أننى محظوظ بجد، وكدت أطير من الفرحة، حتى أننى لم ألاحظ أننى أفتقد ذراعها التى كانت تتأبط ذراعى، وحين نظرت ناحيتها وجدتها قد اختفت، لكن ظلت الباقيات فى الغناء، دون أن يلحظن الدموع تنهمر من عيونى.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 131)

لقاؤنا فى هذا الركن من الغابة وحياتنا طرب مستلهم من المواويل، وسماؤنا سحب من دخان رقيق عاطر، ونحن كأننا نائمون أو غافلون وذات يوم اقتحم هدوءنا غناء غريب مجنون الإيقاع شديد الصخب فذهلنا ورأى بعضنا إسكاته ولو بالقوة، على حين آثر البعض التأمل والحكمة، وعلى أية حال فقد استيقظ النائمون وتنبه الغافلون.

التقاسيم:

تقدم أحدنا نحو مصدر الغناء المجنون، فتكشف عن شيخ بالغ الوقار سمح الوجه، له لحية بيضاء جميلة، ولم نصدق أن هذا الغناء الذى أفسد كل شىء يصدر عن هذا الشيخ الجليل، وحسبنا أن المغنى المجنون يكمن وراء شجرة أخرى تالية، لكن الشيخ بدأ فى الحديث فسكت الغناء، فعرفنا أنه هو، فسألته من أين كان يصدر هذا الغناء المجنون الشديد الصخب وهو مطبق الشفتين، فابتسم أكثر سماحا، وقال: وهل هذا سؤال؟ وأشار إلينا بيده، واحدا واحدا، فنظر كل واحد فى نفسه وعرف الإجابة، وانطلقنا نقهقه ونتنافس فى الإقبال عليه نقبل يديه شاكرين.

****

نص اللحن الأساسى: (حلم‏ 132)

هى وأنا ماضيان كالعادة إلى ملهى من الملاهى وفى الطريق استأذن دقيقة ريثما يشترى سجائره ولما رجع لم يجدها فعلم على ظنه أنها سبقته إلى الملهى المتفق عليه فذهب إليه ولكنه لم يجدها فراح ينتقل من ملهى إلى ملهى باحثا عنها وحتى هذه اللحظة لم يكف عن البحث.

التقاسيم:

…. لكنه نسى أسماء الملاهى كلها، وعناوينها، فوجد نفسه فى زاوية من تلك الزوايا أسفل العمارة التى تقام فيها الصلوات فى السر، وكان الدخول إليها ببطاقات خاصة، برغم إقامة الآذان فى المكبر كل الأوقات، لكنه استطاع أن يغافل الحارس ويدخل، وحين أقيمت الصلاة اكتشف أن الإمام كان طفلا صغيرا وإن ارتدى عمامة جميلة على قدر رأسه، وتأكد أن الإمام لن يلاحظ أنه يصلى بغير وضوء، وحين ختم الصلاة واستغفر وخرج من المسجد الزاوية وجدها تنتظره خارج الزاوية وقد تنقبت، ففرح فرحا شديدا، لكن سرعان ما ساوره شك “إيش عرفه أنها هى؟”، وبدون أن يسأل، رفعت النقاب دون حرج، وبدا له ما تحته، فأطلق ساقيه للريح وهرب بلا تردد، ومازال حتى هذه اللحظة لا ي