الرئيسية / مقالات صحفية / جريدة الأهرام / ثم ماذا بعد كل هذه “البهدلة”؟

ثم ماذا بعد كل هذه “البهدلة”؟

نشرت فى الاهرام

14-7-2006

ثم ماذا بعد كل هذه “البهدلة”؟

(بَهْدلَ: أَسْرَعَ حتّى اهتزت “بهدلته”). أنهى الصديق الدكتور مصطفى فهمى كلمته الأسبوع الماضى فى الأهرام فى هذا المكان بتكرار سؤال صديقه (لماذا كل هذه البهدلة؟) وقد استغرب سعادته بحصوله على اشتراك فى رحلة إلى السلوم لمشاهدة الكسوف الكلى للشمس، كان د. مصطفى يسخر من صديقه برقة دمثة، لكننى ضبطت نفسى أكرر تساؤلا مكمِّلاً يقول: تُرى ماذا  يتبقى فى وعى الذين ذهبوا “بعد كل هذه البهدلة”؟

كان إبنى الأكبر وأسرته يتأهبون للذهاب، سألته وحفيدى عن تفسير هذا الإقبال الشديد على مشاهدة هذا الحدث، لم أكن أنتظر إجابة، ربما كنت أراجع علاقة الإنسان المعاصر بالطبيعة، باحثا عمّا يتبقى فى الوعى البشرى لو أحسن تلقى رسائلها. هل أصبح الحوار مع الطبيعة بلا جدل حقيقى أيضا:؟ (مثل زعم حوار الحضارات)؟

برغم أن حفيدى (عمر) لم يرد على الفور، إلا أنه بلغنى رده من لقاءٍ سابق: كان قد عرض علىّ قبل أكثر من شهر أن يصحبنى فى رحلة عبر الصحراء الغربية التى عبرها هو أكثر من مرة، قلت له إنه يعلم علاقتى بالصحراء الشرقية كلما شددت الرحال إلى جنوب سيناء، علاقتى برمالها وجبالها إلى ودْيانها، وخلجانها. ردّ: إنه لكل صحراء شخصيتها ولغتها، وأن صحراءنا الغربية “حاجة تانية”.

ارجع لأتقمص مُشاهدى الحدث النادر للإجابة عن سر هذه البهدلة، فأجد الإجابات تتراوح من مباشرة استشعار بعض واقع العلم المكتوب حين يتجلى أمام الإحساس البشرى دون أدوات، إلى مشاركة الناس من مختلف الملل والألوان حدثا كونيا عاما بما يكسر التعصب قليلا أو كثيرا، إلى التباهى عند العودة بالصور والحكى بهذا التميز الخاص بارتياد هذه السياحة النادرة، إلى الاعتراف بقدرة الله سبحانه وتعالى. بدا لى أن كل هذا ليس كافيا، هناك شىء آخر وراء شد الرحال هكذا.

الذى يتبقى فينا من جدل وعى الإنسان مع الوعى الكونى عبر الطبيعة، هو شىء لا نعرفه بوضوح، هو أمر ليس لنا يد فيه، إنه يتسَحّب أو يقتحم مسامّ وعْينا دون إذن منا، إذا كنا مازلنا أحياء بحق. نحن ندأب على غلق هذه المسام ونحن نربى أطفالنا، فإذا فلت بعضها رحنا نواصل تهميش أو إنكار أو إزاحة ما يصلنا أولا بأول.

فى لقاءات متفرقة فى برنامج “البيت بيتك” فى الأسابيع الماضية اكتشفت كيف أننا (الكبار/الأهل/ السلطة) نكرس جهدنا مع سبق الإصرار لمثل هذا الإغلاق فالإنكار، كان ذلك فى لقائى مع الطفل الذى أطلقوا عليه “الداعية الصغير” (5 سنوات)، ثم فى تعقيبى على فقد شابين فى ريعان الصبا (19، 16 سنة) واحد بلعبة الشنق اختيارا أو اختبارا، والثانى الذى انطلق بحيرته وأسئلته فى “هُجَاٍج” ذاهل، هربا من بيته المنظم جدا، وتفوقه المبرمج جدا، وتاريخه المطيع جدا، حتى صَدَمَه القدر بسيارة عابرة، وقضى نحبه.

ما وصلنى من هذه الخبرات هى أن الثلاثة كانوا يُبَرْمجون بمنتهى الإحكام بعيدا عن فطرتهم، وعن فرصهم فى اكتشاف وعيهم فى حضن وعى المطلق عبر الطبيعة، وعن حقهم فى الدهشة والحيرة فالتجدد بطرح أسئلة ليس لها – بالضرورة – إجابات نهائية.

 فإذا ما تجرأ أحدهم على ارتياد هذه المحرمات انقضَّت عليه الإجابات الجاهزة والتعليمات المحكمة، حتى تتشوَّه فطرته منفصلا عن الطبيعة الأم، ثم يتفجرون عبوات ناسفة: فيهم، وفينا.

آيات القرآن الكريم التى تدعونا للنظر فى الطبيعة لا تقتصر وظيفتها على التعرف عقليا على قدرة الحق سبحانه وتعالى، لكنها أيضا دعوة إلى جدل صادق، بين وعى البشر، والوعى الكونى عبر الطبيعة، لنرجع إلينا وقد تبقى فينا ما تيسر من إيمان، “نكون به أنفسنا إليه”، تبارك وتعالى عما يصفون.

ألا يستأهل هذا يا صديق صديقى أن نبذل فى سبيله “بعض البهدلة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *