الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ملف الوجدان واضطرابات العواطف (46) حالات وأحوال حـــزنٌ‏ ‏أم‏ ‏تفجّـر‏ ‏وعـى؟ (الحلقة الثانية)

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (46) حالات وأحوال حـــزنٌ‏ ‏أم‏ ‏تفجّـر‏ ‏وعـى؟ (الحلقة الثانية)

نشرة “الإنسان والتطور”

الأثنين: 1-12-2014   

السنة الثامنة

العدد: 2649 

 الأساس فى الطب النفسى

الافتراضات الأساسيةالفصل الخامس:

ملف الوجدان واضطرابات العواطف (46)

ثانيا‏: ‏الانفعالات‏ ‏العسرة‏:‏ (9) 

حالات وأحوال

حـــزنٌ‏ ‏أم‏ ‏تفجّـر‏ ‏وعـى؟ (1)  (الحلقة الثانية)

أولا‏: ‏(تابع) المشاهدة‏ ‏الإكلينيكيية

تعريف: سعيد‏ (‏اسم‏ ‏رمزى‏) ‏وكيل‏ ‏بفرن‏ ‏بضاحية‏ ‏جنوبية‏ ‏للقاهرة، عمره 39 عاما، ‏متزوج‏ ‏وله‏ ‏ابنة، ‏يسكن‏ ‏فى ‏عزبة‏ ‏لضاحية‏ ‏أبعد‏ ‏جنوبا، ‏حوله‏ ‏طبيب‏ (‏ممارس‏ ‏عام‏) ‏إلى ‏قصر‏ ‏العينى ‏للعلاج،

نشرنا أمس الجزء الأول من حديثه (شكواه) ويكمل اليوم:

قائلا:

‏(7) “‏أبقى ‏خايف، ‏خايف‏ ‏ليه؟‏ ‏كإن‏ ‏الدنيا‏ ‏ديه‏ ‏ماحصلتش،‏

مش‏ ‏مصدق‏ ‏حد‏ ‏خالص، ‏إلا‏ ‏لما‏ ‏أشوف‏ ‏مراتى ‏وبنتى ‏عشان‏ ‏

عارف‏ ‏إنها‏ ‏مراتى ‏وبنتي، ‏لو‏ ‏هما‏ ‏مش‏ ‏هنا‏ ‏النهارده‏ ، ما‏ ‏كنتش‏ ‏حاصدق‏ ‏إنك‏ ‏بتكلميني‏”.‏

ها هو  ‏قد‏ ‏أعرب عن‏ ‏خوف ‏ما، ‏ثم‏ راح يتساءل‏ ‏عن‏ ‏خوفه، ‏ولم‏ ُ‏يجب، ‏لكنه‏ ‏استطرد‏ ‏بما‏ ‏حمل‏ ‏إشارات‏ ‏هادية‏ ‏إلى ‏تفسيرما، ‏وإجابة‏ ‏ما،

هذا‏ خوف أقرب‏ ‏إلى ‏الدهشة‏ ‏التى ‏يتميز‏ ‏بها‏ ‏الطفل، ‏مما‏ ‏يسمى ‏عاطفة‏ ‏أوغريزة‏ “‏البهر” (2)  orientation ‏ والتى ‏تظهر‏ ‏بوضوح‏ ‏عند‏ ‏الأطفال‏ ‏حديثى ‏الولادة، ‏والتى ‏تعلن‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏ ‏أن‏ ‏معلومات‏ ‏جديدة‏ ‏تماما‏ ‏قد‏ ‏صافحت‏ ‏صفحة‏ ‏المخ‏ ‏البشرى ‏لأول‏ ‏مرة، ‏

هكذا نستطيع أن‏ ‏نستنتج‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏المعلومات‏ ‏التى ‏كانت‏ ‏مألوفة، ‏أصبحت‏ ‏غير‏ مألوفة أكثر، وراحت تبدو أنها جديدة طازجة، ‏لأن‏ ‏جهاز‏ ‏الإستقبال‏ ‏قد‏ ‏اختلف‏ ‏بعد‏ ‏ما ذكرناه‏ ‏من‏ ‏تنشيط‏ ‏وعى ‏الحلم‏ غالبا، الذى عادة لا يظهر إلا داخل وعى “‏النوم‏”، ذلك‏ ‏أنه‏ ‏مع‏ ‏تداخل‏ ‏وعى ‏فى ‏وعى ‏اختلف‏ ‏المهاد‏ ‏الذى تجرى فيه ‏عملية‏ ‏فعلنة‏ (اعتمال) ‏المعلومات‏ information processing ، ‏وباختلاف‏ ‏هذا‏ ‏النمط‏ ‏يستقبل‏ ‏مريضنا‏ ‏العالم‏ ‏بجدّة‏ ‏مزعجة ‏”كأن‏ ‏الدنيا‏ ‏دى ‏ما‏ ‏حصلتش‏”. ‏فهو‏ ‏لا‏ ‏يصدق‏ ‏إذن‏ ‏أنه‏ ‏سبق‏ ‏له‏ ‏استقبال‏ ‏هذا‏ ‏العالم‏ ‏هكذا، ‏اللهم‏ ‏إلا‏ ‏إذا…. ‏إذا‏ ‏ماذا؟ هو لايدرى، ولا نحن ندرى بالأسلوب الذى ألفناه! اللهم إلا تسمية ما يحكيه باسم عرض يقال له “الشعور بتغير العالم” Derealization

نلاحظ أيضا‏ ‏فى ‏طبيعة‏ ‏شكواه‏ ‏مايجعلنا‏ ‏ننتبه‏ ‏إلى ‏ضرورة‏ ‏التمييز‏ ‏بين‏ ‏مؤثرات‏ ‏ومؤثرات، ‏فالمؤثرات‏ ‏المتواترة‏ ‏ذات‏ ‏الدلالة‏ ‏العاطفية‏ ‏وربما‏ ‏الوجودية‏ ‏تبدو‏ ‏أكثر‏ ‏ثباتا‏ ‏وغورا‏ ‏بحيث‏ ‏تستطيع‏ ‏أن‏ ‏تقاوم‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏من‏ ‏تغير‏ ‏نوعى ‏فى ‏الوعى ‏نتيجة‏ ‏هذا‏ ‏التداخل، ‏فالزوجة‏ ‏والإبنة‏ ‏هنا‏ ‏قد‏ ‏استطاعتا‏ ‏أن‏ ‏تخترقا‏ ‏هذه‏ ‏الضبابية‏ ‏الإدراكية المسئولة‏ ‏عن‏ ‏هذه‏ ‏الدهشة‏ ‏المُعَـبـَّر‏ ‏عنها‏ ‏بالخوف، ‏والمريض‏ ‏لم‏ ‏يستقبل‏ ‏الزوجة‏ ‏والإبنة‏ ‏كما‏ ‏هما‏ ‏فحسب، ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏استعملهما‏ ‏كأداة‏ ‏للتأكد‏ ‏من‏ ‏بقية‏ ‏المدركات‏ ‏الأقل‏ ‏ألفة‏ ‏ودلالة، ‏فراح‏ ‏يعتبر‏ ‏وجودهما‏ ‏وسيلة‏ ‏ضمنية‏ ‏لتصديق‏ ‏وجود‏ ‏الأخر‏ “‏لو‏ ‏هما‏ ‏مش‏ ‏هنا‏ ‏النهاردة‏ ‏ماكنتش‏ ‏حا‏ ‏صدق‏ ‏إنك‏ ‏بتكلمينى“،‏ حتى لو كان هذا الآخر هو طبيبته تحديدا.

ثم‏ ‏يقول:

‏”(8) ‏لما‏ ‏بافوق‏ – ‏عشان‏ ‏بافوق‏ ‏فترة‏ ‏فى ‏اليوم،‏ ساعة‏ ‏أو‏ ‏ساعتين: ‏بافتكر‏ ‏كل‏ ‏حاجة، ‏بس‏ ‏بابقى ‏قاعد‏ ‏مهدد،‏ ‏لأنى ‏مش‏ ‏عارف‏ ‏التعب‏ ‏حايجينى ‏إمتي؟‏ ‏بعد‏ ‏ساعة؟‏ ‏ساعتين؟‏ ‏ بعد‏ ‏دقيقة؟‏ ‏بعد‏ ‏ما‏ ‏أخلص‏ ‏كلمتي، ‏ده‏ ‏اللى ‏بيفوقنى”‏.

هو‏ ‏لم‏ ‏يقل‏ ‏لنا‏ ‏أنه‏ ‏يفيق‏ ‏من‏ ‏ماذا، ‏وبالرغم‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏يتحدث‏ ‏عن‏ ‏ربكة‏ ‏ودهشة‏ ‏وخوف‏ ‏من‏ ‏البوح‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يبد‏ ‏عليه‏ ‏أنه‏ ‏أقل‏ ‏إفاقة‏ ‏من‏ ‏أى ‏يقظ‏ ‏فى ‏تمام‏ ‏يقظته، ‏كذلك‏ ‏هو‏ ‏يقول‏” ‏بافتكر‏ ‏كل‏ ‏حاجة‏”، ‏وهو‏ ‏لم‏ ‏يعلن‏ ‏أنه‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏هذه‏ ‏الساعة‏ ‏أو‏ ‏الساعتين‏ ‏كان‏ ‏ينسى “‏أى ‏حاجة‏”، ‏لا يوجد ضعف فى الذاكرة أو شكوى من النسيان، ونحن‏ ‏نرجح، ‏تفسيرا لذلك  ‏أنه‏ ‏يعلن‏ ‏بهذه‏ ‏التعبيرات‏ ‏اختلاف‏ ‏نوع‏ ‏الإدراك‏ ‏من‏ ‏وقت‏ ‏لآخر، ‏فاستعمال‏ ‏أفيق‏  (‏أفوق‏) ‏أو‏ ‏”أفتكر‏” ‏هو‏ ‏أقرب‏ ‏إلى ‏‏معنى:  “‏أستوثق‏ ‏من‏ ‏إدراكاتي‏” ‏

تفسير‏ ‏الإفاقة‏ ‏هنا، ‏قد‏ ‏يرجع‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الهجوم‏ ‏من‏ ‏الوعى ‏الآخر‏ ‏ليس‏ ‏مستمرا‏ ‏طول‏ ‏الوقت، ‏لكنه‏ ‏قد‏ ‏يتراجع‏ ‏ليعود، ‏وهكذا، ‏وفى ‏هذه‏ ‏الحالة‏ ‏يستعيد‏ ‏الإدراك‏ الأصلى الواحد “‏عاديته‏” ‏فيفيق‏ ‏المريض‏ ‏أو‏ ‏يتذكر، ‏وتفسير ذلك أنه  ‏يتأكد‏ ‏من‏ ‏حقيقة‏ ‏إدراكاته‏ ‏بأثر‏ ‏رجعى .‏

أما‏ ‏إنهاؤه‏ ‏هذا‏ ‏المقطع‏ ‏بـ‏: “‏ده‏ ‏اللى ‏بيفوقني‏” ‏فلم‏ ‏أستطع‏ ‏أن‏ ‏أتبين‏ ‏إلى ‏ماذا‏ ‏يشير‏ ‏تحديدا‏ ‏بـ‏:”‏ده‏”، ‏كما‏ ‏لم‏ ‏أستطع‏ ‏أن‏ ‏أجزم‏ ‏أنه‏ ‏يستعمل‏ ‏نفس‏ ‏اللفظ‏ “‏أفوق‏” ‏فى بداية الفقرة بنفس‏ ‏المعني، ‏حين استعمله فى‏ ‏نهاية الفقرة‏ .‏

كل‏ ‏هذا‏ ‏يشير إلى أن‏ ‏الحالة‏ ‏نشطة‏ ‏شديدة‏ ‏النشاط، ‏فالوعى ‏الآخر‏ ‏يغمر‏ ‏معظم‏ ‏الوقت‏ ‏إلا‏ ‏ساعة‏ ‏أو‏ ‏ساعتين، ‏وحين‏ ‏ينحسر، ‏يفيق‏ ‏المريض، ‏ثم‏ ‏يشعر‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الإفاقة‏ ‏ليست‏ ‏إلا‏ ‏مجرد‏ ‏هدنة‏ ‏مؤقتة، ‏وأن‏ ‏غمرْ الوعى الآخر‏ ‏سيحدث‏ ‏إن‏ ‏عاجلا‏ ‏أو‏ ‏آجلا، ‏فهو‏ ‏مهدد‏ ‏به‏ ‏فى ‏أى ‏ثانية‏ ‏دون‏ ‏سابق‏ ‏إنذار‏ .‏

بصراحة هذا أمر نادر الحدوث هكذا، وإن حدث فأغلب المرضى يكونون عاجزين عن وصفه بهذه الدقة، أو ربما هم يشكّون لغرابة ما يمر بهم، أن أحدا – بما فى ذلك الطبيب- سوف يصدق ما يمرون به من خبرات، إن تماوج الأعراض هكذا تشعرنا بأن ما نسميه وعيا هو –فى مثل هذه الحالات- غمر كغمر الموج للشاطئ، يروح ويرجع فى وحدات زمنية متباينة.

ثم‏ ‏يقول‏ ‏المريض‏:‏

‏(9) “‏بقالى ‏يومين‏ ‏تلاته‏ ‏بيجيلى ‏أحلام‏ ‏غريبة، ‏حلمت‏ ‏إنى ‏

باقتل‏ ‏واحد‏. ‏أخت‏ ‏لي، ‏إبن‏ ‏خالتي، ‏باركـّبه‏ ‏العجلة‏ ‏قدامي

وباموته‏ ‏بسكينه، ‏وهو‏ ‏مستسلم‏ ‏وبيقولى ‏اقتلنى .”‏

الفرض‏ ‏السابق‏ – ‏تداخل‏ ‏وعى ‏الحلم‏ (‏النوم‏) ‏فى ‏وعى ‏اليقظة‏ – ‏كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نتوقع‏ ‏معه‏ ‏ألا‏ ‏تكون‏ ‏أحلام‏ ‏هذا‏ ‏المريض‏ ‏بهذه‏ ‏الصفات‏ ‏الهجومية، ‏والمرعبة‏ ‏هكذا، ‏فكأننا‏ ‏كنا‏ ‏نتوقع‏ ‏أن‏ “‏حضور‏ ‏الحلم‏ ‏فى ‏اليقظة‏” ‏كان‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يقلل‏ ‏من‏ ‏مساحة‏ ‏البعد‏ ‏بين‏ ‏مسستويات وعى دورة النوم/اليقظة  (وعى الحلم- وعى النوم – وعى اليقظة)، ‏وبالتالى يصبح من المستبعد ‏‏احتمال‏ ‏تشيط وعى الحلم بهذه الصورة فى هذه المرحلة من تطور المرض، طبعا هذه ليست قاعدة، المفروض أن الجنون، هو بمثابة نشاط وعى الحلم أثناء الصحو (وليس أبدا حلم يقظة متمادى)، وهذا يؤدى إلى تعديل فروضنا، لتصبح: إن وعى الحلم ليس وعيا واحدا، وكذلك وعى اليقظة، وإن كان أى منهما يغلب عليه – فى حدود علمنا- المستوى الظاهر لنا فى متناولنا كما ‏يجدر‏ ‏بنا‏ أيضا ‏أن‏ ‏ننتبه‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏ذلك‏ ‏ما دام المريض ينام ويصحو، فإن التبادل قائم بين مستويات الوعى حتى لو تداخلا أثناء اليقظة لينتجا لنا ما يسمى أعراضا مرضية.

ثم إن هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الأحلام‏ ‏فى ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الحالة‏ ‏يذكرنا‏ ‏بتحريك‏ ‏طاقة‏ ‏العدوان‏ ‏مع‏ ‏نشاط‏ ‏الوعى ‏الأخر، ‏والعدوان‏ ‏يشمل‏ ‏الكر‏ ‏والفر، ‏فالمريض‏ ‏يردف‏ ‏ ‏:‏

‏(10) ” . . ‏فى ‏نفس‏ ‏اليوم‏ ‏حلمت‏ ‏إنى ‏باجرى ‏فى ‏الشارع‏”‏

فالكر كان وهو يقتل اخته أو ابن خالته الراكب أمامه على عجلته، والفر هنا وهو يجرى فى الشارع

ثم يقول:

(11) “‏فيه‏ ‏أسئلة‏ ‏كتيرة‏ ‏بتخش‏ ‏فى ‏دماغي، ‏مش‏ ‏عارف‏ ‏لها‏ ‏حل،‏

ياترى ‏حارجع‏ ‏تانى ‏زى ‏ما‏ ‏كنت؟‏” ‏أنا‏ ‏كنت‏ ‏أذكى ‏واحد‏”.‏

‏”‏دلوقتى ‏أنا‏ ‏مش‏ ‏راضى ‏أتكلم‏ ‏عشان‏ ‏مش‏ ‏عاوز‏ ‏أضيـّع‏ ‏

حكاية‏ ‏إنى ‏أذكى ‏واحد، ‏مش‏ ‏عارف‏ ‏أتكلم‏ ‏خالص، ‏في

‏ ‏الأول‏ ‏كنت‏ ‏باكلم‏ ‏الناس‏ ‏على ‏قد‏ ‏عقولهم، ‏دلوقتى ‏هم‏ ‏

بيكلمونى ‏على ‏قد‏ ‏عقلى .”‏

فنلاحظ‏:

‏- ‏تعبير‏ “‏بتخش‏ ‏فى ‏دماغى‏” ‏لا يرقى هنا إلى أن يكون ظاهرة فقد (أو شفافية) حدود الذات، التى أشرنا إليها أمس فقد يكون نوعا من الوسواس الفكرى الاجتزارى.

‏ثم إن ‏تفسير‏ ‏صمت‏ ‏المكتئب‏ (مش عارف أتكلم خالص) ‏قد‏ ‏يكون‏ ‏بسبب‏ ‏رغبته‏ ‏فى ‏الحفاظ‏ ‏على ‏صورته‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر، ‏أو‏ ‏رغبته‏ ‏فى ‏عدم‏ ‏اختبار‏ ‏نفسه‏. ‏

الجزء الثانى من الوصف يشير إلى التغير الذى حدث فى صورة الذات، قد يكون تغيرا موضوعيا نتيجة  لتداخل مستويات الوعى كما ذكرنا، كما قد يكون نتيجة لاهتزاز ثقة المريض بنفسه، ومن ثم تراجع ما كان يتميز به، أن يكلمه الناس على “قد عقله” لا يعنى بالضرورة أنه يعتقد أنهم يفهمونه، وإنما يشير أكثر إلى أنهم يوافقونه كذبا (بيفوّتوله)

ثم‏ ‏يقول‏:‏

‏(12) “‏إمبارح‏ ‏بالليل‏ ‏كنت‏ ‏باقول‏ ‏لواحد‏ ‏عيان (محجوز فى المستشفى معه)، ‏أنا‏ ‏أستاهل،  أنا عشان‏ ‏عيشتى ‏تبقى ‏كويسة لازم ‏أستعمل‏ ‏الندالة ولو‏ ‏سنة‏ ‏واحدة، ‏يعنى ‏ماسألش‏ ‏فى ‏حد‏. ‏أنا‏ ‏مالى ‏بالناس‏ ‏اللى ‏يتعب‏ ‏يتعب، ‏اللى ‏مزنوق‏ ‏مزنوق،. . . ‏لما‏ ‏أخف‏ ‏إنشاء‏ ‏الله، ‏حاسيب‏ ‏الناس‏ ‏فى ‏حالها‏” .‏

يمكن‏ ‏أن‏ ‏ننتبه‏ ‏هنا‏ ‏إلى أنه يمر بمرحلة ‏مراجعة واعية تنبهه إلى محاولة اكتساب درجة من اللامبالاة، وأن الشفاء (الخففان) سوف يكون فى هذا الاتجاه برغم التعبير الإيجابى: “سيب الناس فى حالها”.

أزمة المكتئب هى فى سعيه الجاد لعمل علاقة حقيقية بآخر حقيقى، ثم إن مراجعة التصرفات السابقة، بما يبدو فيها من مثالية، تسمح بأن نستنج أنه كان يحمل هم الناس، ويتعب لتعبهم، حتى كـسر، وأنه يريد أن “يستندل” حتى أنه اعتبر هذه النذالة، هى عدم التدخل فى شؤون الآخرين، فهو يرى، من خبرة المرض، أن الأصح، أو الأريح، هو أن يكتفى بنفسه، فيذكرنا ذلك بأن الموقف الاكتئابى، فالاكتئاب، يتميز بأنه موقف علاقاتى شائك”، ففى حين أنه يسعى إلى إرساء علاقة مع الآخر، لا يستطيع أن يرضى بعلاقة تابعة تماما، ولا مسيطرة تماما، وإنما هو يتحرك ذهابا وجيئة بإلحاح مؤلم لتكون علاقة “حقيقية متكافئة”، وهذا من اصعب الصعب فعلا، وهو أيضا من مظاهر الإيجابية فى حالة استمرار المحاولة نحو نمو العلاقة باضطرا مهما كانت آلامها، فإذا زادت أعباؤها عن الحد، فهو الاكتئاب.

‏إن إعلان‏ ‏مريضنا‏ ‏هنا‏ ‏حاجته‏ ‏إلى ‏الآخر، ‏تم‏ ‏بشكل‏ ‏عكسى ‏من‏ ‏خلال‏ ‏إعلانه‏ ‏كفاحه‏ ‏للاستغناء‏ ‏عنه‏ – ‏عن‏ ‏الآخر‏ – (‏بأن‏ ‏يكون‏ ‏نذلا‏)، ‏والحاجة‏ ‏للآخر‏ ‏عند‏ ‏المكتئب‏ ‏قد‏ ‏تبدو‏ ‏عطاء خالصا، لكن قد يتبين فى داخلها قدر من الرشوة بشكل أو بآخر، والأخذ عند المكتئب أصعب وأشق، وفى أزمة المرض تتعرى هذه المواقف بدرجة أو بأخرى، فتكون مثل هذه الأوصاف بالغة الدقة والدلالة.

‏(13) “‏أنا‏ ‏باحاول‏ ‏أساعد‏ ‏الناس، ‏ولكل‏ ‏فعل‏ ‏رد‏ ‏فعل‏ ‏مساو‏ ‏له، ومضاد‏ ‏فى ‏الاتجاه، ‏الناس‏ ‏بتشوف‏ ‏إن‏ ‏مساعدتي فى ‏إيدها‏ ‏وبيمنعوها، ‏ليه، ‏عشان‏ ‏أنا‏ ‏باحاول‏ ‏أساعدهم،‏ لو‏ ‏ما‏ ‏حاولتش‏ ‏حايحصل‏ ‏العكس، ‏حيساعدونى ‏هم‏”‏.

ها هو‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يكف‏ ‏عن‏ ‏ما‏ ‏يسميه‏ ‏مساعدة، ‏وفى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏هو‏ ‏يعلن‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يعامَل‏ ‏بالمثل، وكأن مساعدته أو مثاليته كانت متضمنة بندا سريا صفقاتيا، وحين يتعرى هذا البند السرى فى محنة مرضه، يتمنى أن يتوقف عن هذا النمط من العلاقة، كما يتصور أنهم سوف يبادرون هم من جانبهم لسد احتياجه، وقد قلنا حالا كيف أن الأخذ، قد يكون أصعب من العطاء، فهو من ناحية غير مضمون، ومن ناحية أخرى فيه إعلان قيامه بدور الأضعف فى العلاقة، وبدلا من أن يستمر فى ما نواه، يعلن مباشرة موقفه التعويضى المضاد، وكأنه انسحب إلى الموقف البارنوى:

قائلا:

‏(14) “‏باكره‏ ‏الناس، ‏باكره‏ ‏الناس‏ ‏صحيح، ‏لأنهم‏ ‏سبب‏ ‏إنى ‏عييت،‏ لأنى ‏ساعدت‏ ‏جزء‏ ‏من‏ ‏الناس، ‏لكن‏ ‏الناس‏ ‏مافيش‏ ‏ حد‏ ‏بيخاف‏ ‏على ‏حد، ‏عامله‏ ‏زى ‏المسابقة،‏  كل‏ ‏الناس‏ ‏عايزة‏ ‏تجرى ‏وتسبق‏”‏

نحن نرى هنا ‏ما‏ ‏يتميز‏ ‏به‏ ‏المكتئب‏ ‏من‏ ‏قدرة‏ ‏على ‏الكره‏ ‏الصريح، ‏والشجاعة‏ ‏فى ‏إعلانه، ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الوعى ‏به، ‏ولعل‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏ما يؤيد‏ ‏طبيعة‏ ‏الاكتئاب‏ ‏الحقيقية، ‏من‏ ‏مدخل‏ ‏العلاقة‏ ‏بالآخر، ‏فالقدرة‏ ‏على ‏الكره‏ ‏وإعلانها بهذه الصراحة إنما تشير ‏ ‏ضمنا‏ ‏إلى القدرة‏ ‏على ‏الحب، ‏وهذا‏ ‏ما نميز به اكتئاب المكتئب عن لا مبالاة الفصامى (أو تبلد فرط العادية) الذى يتميز بالقدرة على اللامبالاة!!! كما يظهر الموقف النقدى للمكتئب وهو الذى يصاحب هذه المعاناة حين يرى السعار التنافسى اغترابا مرفوضا تماما.

وأخيرا يعلن صاحبنا، بعد كل هذه المقدمات أنه:

‏(16) “‏عندى ‏حزن‏ ‏على ‏طول‏”‏

بهذا الإعلان البسيط المحدد، دون مغالاة أو درامية، يختم شكواه بأنه حزين، بل بأن عنده حزن دائم، وهذا يميزه عن الاكتئاب النعّاب الذى يبالغ فى شكواه فنكتبها كاريكاتيريا هكذا ” عندى اكتئاب شدييييييد، ما عنكشى فكرة ” يقولها وهو يضع يده على جبهته أو على رأسه دون ذكر للصداع أو مع ذكره، أما مريضنا هنا – ومن على شاكلته- فهو لا يبالغ فى إعلان اكتئابه، وبصراحة فرحت أنه استعمل لفظ حزن، وليس اكتئاب، حزن مصرى شائك قوى،

 (17) ثم يكمل بما ألححنا عليه من قبل، في شكوى متصلة وهو يقول:

(1) ماباحسش بالندم لأنى ماباعملش حاجة ألوم نفسى عليها”.

(2) ماباعيطش لأن آخرتها موت، ماحدش بيموت مرتين

(3) ماحدش بيموت وياخد سنة سجن بعد ما يموت،

(4) اكثر حاجة فى الدنيا الموت، لو العكس، هوه ده اللى يخلى الواحد يعيط”.

(5) باخاف على أى حد يموت، لكن ما باخافش على نفسى رغم إنى ما عملتش لآخرتى،

(6) مش بخاف ليه؟ عشان أنا حابقى ميت مش باتألم”.

فنفصل التعليق على الوجه التالى:

  • ماباحسش بالندم لأنى ماباعملش حاجة ألوم نفسى عليها”.

الشعور بالندم غيرالشعور بالذنب، الشعور بالندم فيه تعلم واعتذار وحسرة

الشعور بالذنب فيه تأثيم ومذلة وانكسار وانتقام من الذات

إن ما شاع عن أن الاكتئاب عادة يكون مصاحبا بالشعور بالذنب، ليس قاعدة مطلقة، والأرجح أن الشعور بالذنب أو مجرد إعلانه يكون مع الاكتئاب اللزج، والاكتئاب الطفيلى، بما يصاحبه من مسكنة وانكسار واعتذار لزج وطلب االغفران من خارجه.

ثم يقول صاحبنا:

  • ماباعيطش لأن آخرتها موت، ماحدش بيموت مرتين

إن عدم البكاء هنا يشير إلى عمق الحزن حتى تجمد الدمع أو جفافه أو امتناعه، وقد أشرنا كيف أن الدموع قد تخفف من الحزن وهذا حق أى شخص عادى، لكنها قد تجهض الألم الذى قد نحتاج أن نعايشه بجرعة مناسبة لننمو به كما ذكرنا، أما تبريره لعدم بكائه فهو تبرير خاص به، وإن كان قد أفاد ما بعده من إعلان موقفه من الموت، كما أفاد أيضا أن نقوم بالتحذير من تعميم أن المكتئب يرغب فى الموت حتى الانتحاركقاعدة؟

ويزيد صاحبنا إفاضة فى شرح علاقته بالموت قائلا:

  • ماحدش بيموت وياخد سنة سجن بعد ما يموت،
  • اكثر حاجة فى الدنيا الموت، لو العكس، هوه ده اللى يخلى الواحد يعيط”.
  • باخاف على أى حد يموت، لكن ما باخافش على نفسى رغم إنى ما عملتش لآخرتى،

مرة أخرى: يبدو أنه كوّن علاقة خاصة بالموت، فهو لا يرحب به (وهو ما نتصور أنه قاعدة عند المكتئب)، وفى نفس الوقت لا يخشاه، أما حكاية أنه لا أحد يحكم عليه بالسجن بعد الموت، فتبدو من قبيل حكمة الطيبين الذين هم إما واثقون من رحمة الله، وإما واثقون من براءتهم بدليل عدم الشعور بالذنب أو حتى بلوم النفس،

لكننى بصراحة لم أستطع أن أفهم بسهولة كيف أنه يفضل لو أن الكثرة كانت فى الأحياء لا الأموات ربما لأنه يُعد الأحياء المغتربين هم أكثر موتا لأنهم الأكثر ضياعا وتبلدا.

وأخيرا ، فإنه من منطلق حرص المكتئب على العلاقة بالآخر، فإن “الفقد” (والغياب) يعتبر أكثر مأساوية بالنسبة إليه ، وهو ما يشير إليه هنا بـ “حد يموت”

وأخيرا يتأكد عدم شعوره بالذنب من قوله” برغم إنى ما عملتش لآخرتى

هناك احتمال آخر خطر لى أيضا وهو أنه ربما قد تصالح مع الموت لنفسه على الأقل كحل ممكن وواقعى، بل لعل الموت عنده، قد أصبح أكثر واقعية من الحياة ذاتها، وهو إذ يخاف موت الآخرين يعلن من بعد آخر حاجته إليهم، وهو فى نفس الوقت إذ لا يخشى موته نفسه، وفى نفس الوقت لا يحاوله  (3)

وكل هذا يشير بشكل أو بأخر إلى واقعية هذا الإكتئاب الأصيل، ومدى علاقته بالموضوع (الآخر) وعم إلزام وجود الشعور بالذنب أو الرغبة فى (أو محاولة) الإنتحار فى الاكتئاب كما شاع غالبا.

وأخيراً ثمة إشارة إلى النشاط الجنسى:

(17) “النوم مع الست زاد مع التعب النفسى، وعدد المرات زادت”.

ونتذكر هنا أن سلوك المكتئب بالنسبة للنشاط الجنسى يختلف من مريض لآخر، وليس فقط من تشخيص لتشخيص، وهذا يتوقف على معنى الجنس ووظيفته عند هذا  الشخص بالذات مع هذا الشريك بعينه، ومريضنا هنا قد أعلن بكل وسيلة: المساحة التى يشغلها الآخر فى وجوده: لوما، وعتابا، ومقارنة، وكراهية، وإثارة نذالة، ثم ها هو هنا يعلن أنه مع حدة حاجته إلى الآخر فقد اندفع إليه فى هذا المجال أيضا، دون أدنى استنتاج أن هذا الإندفاع قد أرضى حاجته للآخر، بل لعله زادها إذ لم يروها بما وعد به (4)  غالبا، فزاد إقباله أكثر (مثل شرب الماء المالح)

وبعد

ما زالت الورطة ممتدة إلى الأسبوع القادم

[1] –   مجلة الإنسان والتطور ” حالات وأحوال” عدد‏ ‏إبريل‏ – ‏سبتمبر‏ 1988.

[2] –   أنظر “عاطفة البهر”  نشرة  8/9/2014  “من عاطفة “البهر” إلى تخليق الإبداع”، ونشرة  14/9/2014 “عاطفة البهر: أصل المواجهة وتوليد العواطف”.

[3] – ظهر بعد ذلك فى تاريخ السابق أنه حاول الانتحار مرة واحدة فى سن 12 سنة، أنظر بعد.

[4] – وعلى النقيض من ذلك فإننا لاحظنا أن المريض الهوسى، الذى يتكلم عن الجنس بإفراط، ولا يخفى رغبته حتى لو آذت الشعور العام، وقد يمارس التحرش بشكل أو بآخر، قد يكون عنينا أثناء نوبة الهوس، الأمر الذى قد نعود إليه فى حالة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *