نشرة “الإنسان والتطور”
السبت: 5 -4-2025
السنة الثامنة عشر
العدد: 6426
ثلاثية المشى على الصراط
رواية: “مدرسة العراة” [1]
الفصل العاشر
عبد السلام المشد (3 من 3)
………………………….
………………………….
دخلنا العقد الخامس يا فردوس ومازلنا فى بداية البداية، أى بداية مهما تأخرت هى أفضل من حياة كاذبة حتى لو مضينا بقية عمرنا عند نفس نقطة البداية، الموت نفسه أصبح بعيد المنال، إن لم تكملى يا فردوس حتى تشعرى بالناس وبى دون أن ينقص هذا من وجودك وسعادتك فلن تنتهى إلا إلى الضياع من جديد، لن تنجحى فى خداعى مهما قدمت لى من أطباق شهية رغم ما تعلمين عن جوعي,…. أنا فى حاجة إلى نوع آخر من الصحبة، أنا فى انتظارك يا فردوس، يثيرك رفضى وتتساءلين عن أسباب وساوسى، أنا مصر على إكمال الطريق، أنا لم أنس أيام العمى ثم العاصفة وهزات البرق والرعد وجبال الظلمات، لم أنس عجزى، ولا “أماني”، ولا أمها الحاجـه، ولا آمال ولا المرأة السودانية، ولأنى لم أنس كل ذلك فلن أرضى بالتوقف لأن نتيجته هى العودة إلى كل ذلك بعد أن أكون أكثر ضعفا وأشد إنهاكا، لا يا فردوس لست بديلا عن الناس، سماح جسدك لن يقنعنى بالتوقف، أحس أحيانا وأنا معك فى السرير أنى سمسمة جافة على سطح وعاء مملوء بالدهن المتكاثف، حين تنصهرين أحس بالبرد والتقلص، الناس والتاريخ ينتظروننا يا فردوس، أنا لا أصرح لك بموقفى الجديد، أشعر أننى ممتلئ بشئ رائع، لا أستطيع أن اسميه ربما اسمه “الحياة”، ماذا لو قلت لك أنك شخصيا أول خطوة “نحو انطلاقى إلى رحاب حياة كاملة فيها فائض الوقت للإسهام بما يبقى ويفيد الحضارة”؟ هل هذا كلام عاقل؟ أنا لا أقوله، لا لك، ولا لغيرك، لا تستهينى بتجربتنا على بساطتها، تبدو لى أحيانا أنها مجرد أزمة إعاقة فردية لا تعنى شيئآ، يقفز لى يقين مضاد يؤكد أنها تتحدى الفشل ذاته لإثبات أن الإنسان يمكنه أن “يعيش”، كلام فارغ، لذلك لا أعلنه، مع أنه كل حياتى.
أشاهدك أحيانا تنفضين التراب عن كتبك أيام الكلية وأحس بدبيب الأمل يتسرب إلى عقلى ووجدانى، أحلم بصحبة حقيقية، آه لو فعلتيها يا فردوس، لابد أن تفعليها وحدك لك، كل ما أستطيعه هو أن أرفض استمرار أى حل آخر.
جرح إبراهيم وخوفى علَّـمانى أن أحافظ على شعرة معاوية، أشعر أحيانا أنى أطلب منك ومنى أسهل شئ فى الوجود، وأحيانا أشفق عليك من محاولة فشل فيها جميع من هنا على حد علمى، غريب أشجعنا، انقطع عن الحضور، هو يتجنب لقائى على السلم، أنا الذى دعوته فى أول الأمر، كان أشد حاجة إلى المساعدة منى ومنك، وها هو ذا ينسحب فى إصرار.
أفكر فى أن أعاود المحاولة معه.
****
-4-
= لماذا امتنعت يا غريب عن الحضور
- خدعتنى مرة…. فلا تحاول استدراجى ثانية، أنت غيرى يا عبد السلام، هذا ما أحاول أن أوصله لك منذ اليوم الأول الذى تعارفنا فيه.
= أنا غيرك، هذا صحيح، ولكنا التقينا فترة، وأنا أفتقدك كل يوم أكثر فأكثر.
- لا تخدع نفسك، لم نلتق أصلا، يكفيك فردوس، أنا لا أستطيع التظاهر مثلها.
= لست مخدوعا، ولكنى صابر لأنى أعلم صعوبة الطريق وطوله.
- ماذا تريد منى؟
= أنت تمثل لى الباقيين، وعلاقتى بكم تحمينى من بيع نفسى لها، أو سرعة الضجر منها.
- تريد أن تستغلنى لأحميك منها؟
= أستغلك وأسمح لك باستغلالى يا أخى، يا ليت.
- هأنذا أسكن أمامك فافعل ما تشاء بلا تعقيدات فارغة، أم أنه لم يعد مسموحا باللقاء إلا عند طبيب مرتزق.
= هناك نتكاشف ونتعرى دون حرج، ثم لا تنس أنك تصدنى بطرق مختلفة باستمرار، وأنا ما عرفت بعض حقيقتك إلا هناك.
- مالك أنت وحقيقتى، إياك أن تخدع فى ذلك اليوم الذى تنازلت فيه عن وعيى، كانت لعبة تصنعتها بمحض إرادتى، وأظنك أذكى من أن تتصور أنها تواصُلٌ ما.
= تراجعك لا يخدعنى ولست مصرا على نقاشك ولكنى أشفق عليك من وحدتك.
- يا عبد السلام كفى إشفاقا، شبعت نصائحا وتبرعات عاطفية منذ عرفتك، وأحب أن أواجهك بوقاحة تعلمتها من شيخك البذئ، إذا لم يكن فى قدومك هنا شئ غير النصح واتهامى بالمرض أو دعوتى للعلاج فالشفقة، فأنا لا أريد أن أرى خلقتك ولا مؤاخذة.
= أحس بخوفك أكثر، ورغبتك فى الاقتراب أكثر.
- علمتـنا هذه اللعبة الوقاحة والتبلد معا.
= شكرا، ولكن أى علاقة أفضل من لا شئ.
- مثل علاقتك بفردوس، ملكة الحمام المحشى، هنيئا لك بها.
= أنا لا أكف عن مواصلة السعى معها وإليها.
- أريد شيئا آخر.
= أم لا تريد شيئا البته؟
- من حقى أن أحلم كما أشاء، والنساء ليس لديهن إلا الخوف والكذب وأنت لن تفهمنى حتى الموت.
= المحاولة المستمرة أفضل من التسليم.
-…. واللحم المذبوح “بطريقة شرعية” أرخص الموجود
= لا ألومك يا غريب، ولا أستطيع أن أنسى محاولتك الصادقة ذلك اليوم، وأنت وسطنا متفجرا برغم روعة المقاومة.
- يا ليتك تنسى يا أخى وتريحنا من ادعائك الشهامة والشعور بى كذبا وعدوانا.
= هل تستطيع أن تنسى أنت؟
- أحاول جاهدا، وسأنجح.
= يا ليت..
- وجودك جاراً تسكن قبالتى مصيبة فى ذاتها.
****
أعلم ذلك، ولولا أزمة المساكن ما رأيت خلقتى بعد اليوم، ما أبشعها وما أصدقها نهاية، لم يتغير غريب منذ عرفته، كنت آمل أن أجد صديقا حقيقيا فدعوته ليرى بنفسه هذه المحاولة الجديدة، خاصة وأنه قد بدأ طريق العلاج من قبل، توقف مصرا على اجترار ألمه ووحدته إلى مالا نهاية، أنظر فى سائر أفراد المجموعة وهم يتراقصون على السلالم فأشفق عليه وألتمس له العذر، ثم أنظر إلى وحدته وألمه فأشعر أن أية محاولة خير من هذا التوقف اليائس، كيف إذن يا فردوس تكون حياة أو سعادة أو حضارة وأنت تنسين غريبا تماما وهو يسكن أمامك؟ كيف تحلقين فى السماء السابعة وتتصورين أن هذا هو نهاية المطاف، وغريب على مرمى بصرك مطحون تحت سابع أرض بلا معين وهو لا يخطر على بالك ولا ثانية؟ لن أتحرك من موقفى، لن أقترب أكثر حتى لا تقفزى على كتفى، ولن أبتعد أكثر حتى لا تبررى لنفسك الدعارة، عليك أن تـكملى الطريق وحدك وأنا فى متناولك بكل صدق تجربتى…. أبارك كل محاولاتك رغم أنى أشعر أنك قد تبتعدين عنى لكن دون ارتماء فى أحضان أحد إلا حضن ذاتك، يطمئننى ذلك أكثر إلى قرب عودتك ثانية إلىّ باختيارك أقصد إلينا، لن أرضى بالوحدة ولن أمارس الكذب وليتحقق المستحيل أو نمضى بقية حياتنا فى نفس النقطة، الصبر والوقت والإصرار والعدل، تلك هى قـِيـَمـِى الجديدة، لا أذكرها لأحد، ولا أفرح بإعلانها، لكنها أبسط ما أتصوره الحد الأدنى المبرر لوجودى، كل أملى يا فردوس أن تصدقى محاولتى من واقع مسيرتنا اليومية، ألاحظ تسهيماتك اليقظة أحيانا، أحس أن عقلك قد دبت فيه الحياة من جديد وأنتظر…. لابد أن يحدث الشئ يوما ما
- التحقت يا عبد السلام بوظيفة مدرسة إعدادى.
= دون مشورتى…؟
- نعم…
= هكذا..؟ ببساطة..؟
- نعم..
= شكرا يا فردوس.
- ليس شيئا يخصك حتى تشكرنى عليه…. ألم تكن أنت سبب بقائى بالمنزل؟
= كان الخوف هو الموجـِّه الأول، وعلىّ أن أعتذر وأشكرك لمحاولتك الإقتراب.
- أنا لا أحاول الاقتراب، ولكنى أزيل آثار العدوان.
= لا أنكر دورى المعـوّق.
- لم أنتبه إليه إلا أخيرا، إلا أنى مسئولة عنه تماما، هكذا تعلمت.
= لم يكن لدينا خيار، كنا وحدنا…
- أنا وحدى الآن أكثر من أى وقت مضي
= أشعر بذلك، وهذا هو هو ما يشعرنى أنك أقرب إلىّ من أى وقت مضى.
- لا أستطيع أن أدرك معنى هذا الموقف الصعب، يبدو أنه يستحسن ألا أدرك معناه، يكفى أن نعيشه.
= ليكن…. ولكن كيف، كيف يمكن؟ … لا يهم، المهم، أنه يمكن.
- سيحدث.
-5-
كنت أهبط الدرج ببطء، وإذا بى أجد نفسى وجها لوجه أمام غريب، واجهت منظرا لم أره فيه أبدا، أنطفأ وجهه أكثر من ذى قبل، زادت فيه التجاعيد فجأة، كما برزت عظامه وكأنه لم يأكل منذ شهور طويلة، لاحظت رباط عنق أسود مختبئا وراء ثنيات سترته التى تهدلت عليه بشكل ملحوظ بعد هزاله البادى، توقفت قليلا وترددت فى مفاتحته فى أى شئ ولكنى أحسست بألم طاغ منعنى من الانسحاب، هل فقد عزيزا دون أن يعلم أحد؟ هل هو ممن يواسيه العزاء أم يقلـّب أحزانه؟ أنا لا أعلم له أقارب يمكن أن يمثل فقد أحدهم كل هذا التغيير.
= أنا آسف يا غريب…. لم أعلم شيئا.
- لا شئ، لا شئ…
= لماذا هذا الرباط الأسود، نحن جيران يا غريب، ياليتك تسمح لى حقيقة أن أكون بجوارك.
- لا فائدة…. كنت أعلم دائما أنه لا فائدة، ثم تأكدت الآن تماما،
= لماذا كل هذا اليأس يا أخى؟ لا ترفضنى فأنا أحوج أن أكون بجاورك مها كان.
- إفعل ما تشاء، لقد فقدت القدرة على أى شئ حتى على الرفض.
= من ذا الذى فقدت حتى يغيرك إلى هذا الحال.
- فقدت كل شئ، كل شئ.
= لا يفقد الإنسان أى شئ ما دام نـَفـَسَه يتردد.
- كفى عبثا وتلاعبا بالألفاظ…. شبعت أوهاما.
= يا ليت يا غريب ياليت، ياليتك تقول لى أى شئ.
- لن تفهم شيئا.
= حدثنى يا غريب، لعل الخيط بيننا لم ينقطع تماما.
- ماتت صفية أبشع ميته.
= من صفية؟
- لقد التقيتَ بها عندى يوما، هى أشرف وأصدق من عرفت، هى الوحيدة التى أحبتنى بلا مقابل.
= آه…. تلك الــ…. يرحمها الله.
- الــ…. “ماذا” يا عبد السلام، أنت وجميع من تعرف لا تساوى شيئا بجوارها.
= قضاء الله يا غريب، لعلها تصنع لك بموتها ما عجزت عن أن تفعله لك فى حياتها.
- ماتت، وأنا السبب.
= لا تتهتم نفسك بما لا يكون، لا يتسبب أحد فى موت أحد.
- يا عبد السلام أنت لا تعرف ماذا فعلت، تخلصتُ منها بأنذل مما تتصور، أرسلتها بيدى إلى حتفها، يأسى وعجزى كانا السبب فى موتها.
= لعل الله قد رحمها يا أخى، كانت حساسة ضائعة فى عالم من الكذب والسـحـق، لعلها استراحت من كل هذا الشقاء والامتهان.
- وأنا؟ كيف أستريح من شقائى وامتهانى.
= لا أستطيع أن أقول لك ارجع إلى المحاولة بعد ما كان، فلا أخالك تقبل، إلا أنى متأكد أن ثَمَّ طريقا لا يقفل بابه أبدا.
- طريق…؟ ألن تكف يا عبد السلام عن تهاويمك؟ حتى الموت لا يوقظك من سباتك.
= لن نتناقش ثانية مثل زمان، ولكن ثَمَّ طريقا يظل مفتوحا، وهذا هو السبب الوحيد للاستمرار.
- لو كنت معى ورأيت جسدها بعينيك وهم يهيلون عليه التراب لعرفت ما هو الطريق الأوحد الذى تنادى به، إنه الطريق إلى هناك، لن يكمم أفواهنا عن الخوض فيما لا يكون إلا حين تمتلئ بالتراب الرطب الحنون.
= ما أبشع ألمك، لفتة صغيرة قد تريك ماذا يعنى الألم,…. إنه تصميم على الحياة.
- جوف الأرض هو الرحم فحسب، الحقيقة الوحيدة تجدها فى مقابر الإمام يا عبد السلام.
= الله رحمان ورحيم يا أخى.
- تذكرنى بيقين ذلك الفلاح الفطرى إبراهيم الطيب..أو تشنج عبد السميع الأشرم.
= أنا أعنى فعلا “الطريق إليه”، هذا ما عنيته منذ بداية حديثنا.
- هل تعرف أى اسم من أسمائه، كنت أعتزم تسبيحه حين فكرت فى التصوف يوما.
= هل فكرت يوما فى ذلك حقيقة؟
- كنت أنوى أن أسبحه طول الليل فى مكبـر خاص صائحا به: “يا جبار يا جبار” حتى أصل إلى الوجد الصوفى الذاهل، أو إلى سجن مصر.
= لم تتركك سخريتك حتى بعد هذه الصدمة.
- لست أسخر يا عبد السلام ولكنى أحذرك من هذا التخريف الخادع.
= المسألة أقرب من كل هذه المخاوف، أحس أنه أقرب إلينا منا، من عرف نفسه عرفـه.
- خدعة جديدة، ومذهب نور الدين ينتشر بأسرع مما توقعت.
= أى مذهب يا أخى.
- أى مذهب تتبعه هو الضلال بعينه مادام يلهيك عن حقيقة الموت والتراب.
= يا غريب، يا غريب، إسمعنى.
- يا عبد السلام، اذهب الله يخليك، إذا لم تجدنى فى الصباح فأعلم أنى سافرت إلى كندا.
= كندا؟ هكذا بين يوم وليلة، إن هذه الأمور تحتاج إلى ترتيبات،
- قمت بترتيب كل شى ء وأنا أودع صفية.
= ماذا تقول يا غريب؟
-…. لعلك لا توافق على كندا…. اعتبرنى سأسافر إلى استراليا، الأرض هناك مازالت خاما لم يشوهها الإنسان، وهى أرحب وأكثر حنانا بأجسادنا.
= غريب
- نعم يا عبد السلام أفندى يا مشد
- لن أدعك اليوم.
- تضيع وقتك يا أخى بلا مبرر، ولكنى لن أحرمك من هذه المتعة قبل سفرى.
= لا سبيل يا غريب إلا البداية من جديد.
- مهاجر فورا إلى كندا أو استراليا أو روسيا أو بنجلاديش أو الإمام الشافعى، ولكن أبدا ليس عند طبيبك المفتون.
= المحاولة مستمرة فى كل مكان،
- موت صفية هو من أثار هذه المحاولة المستمرة
= ماذا تقول يا غريب؟ ماذا تعنى؟
- ألا يحضر مختار لطفى معكم حتى الآن؟ ألا يعالج بأحدث الوسائل؟ ألا يمثل أعظم صور الحرية العصرية؟!.
=…… مختار ماله مختار بما نحن فيه الآن، بما أنت فيه؟
- هو يسهم فى استمرار المحاولة بطريقته الخاصة.
= لا أفهمك يا غريب.
- يوما ما، فى مكان ما…. قد نلتقى… وتفهمنى.
****
ونبدأ الأسبوع القادم فى تقديم الفصل الحادى عشر “إبراهيم الطيب”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – يحيى الرخاوى: رواية “مدرسة العراة” الجزء الثانى من “ثلاثية المشى على الصراط” الرواية الحائزة على جائزة الدولة التشجيعية سنة 1980 (الطبعة الأولى 1977، الطبعة الثانية 2005، الطبعة الثالثة 2019) والرواية متاحة فى مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية – المقطم – القاهرة.