الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / ترحالات يحيى الرخاوى الترحال الثانى: “الموت والحنين” الفصل السادس “مسافر رغم أنفه” (6)

ترحالات يحيى الرخاوى الترحال الثانى: “الموت والحنين” الفصل السادس “مسافر رغم أنفه” (6)

نشرة “الإنسان والتطور”

الأربعاء: 2-4-2025

السنة الثامنة عشر 

العدد: 6423  

ترحالات يحيى الرخاوى

الترحال الثانى: “الموت والحنين” [1] 

الفصل السادس

مسافر رغم أنفه (6)

يا جّدنا المصلوب زهواً يحصد الزمن.

قد صار محظورا علينا ننقش القلوبً فوق هامات الحجر.

فى عصرنا هذا أيا جدّى العزيز

لا تطلع الشموسُ دون إذنْ.

لا يستباح للكلاب الآثمة – أمثالنا – أن تسكن العرين.

ما عاد يجرؤ وعينا أن يفخـترْ :

أنـّا بشر.

الاثنين 21/6/1993

………………

……………….

الساعة الثانية وعشر دقائق (نفس اليوم).

ذهبت إلى المطعم فى الفندق”الذى هو”، قال لى الرجل المسئول المجلجل (الظريف المهذب الذى لا عيب فيهGenetleman ) إن الميعاد انتهى، وكان علىّ أن أحضر قبل الثانية، ومع ذلك أحضرَ لى ما تيسر مما لا أعرف. هكذا الانضباط يا رجال. المطعم خالٍ تماما، اختفت شهيتى فجأة، ذلك أننى لا أذهب للمطاعم عادة لآكل ولكن لأجلس مع الناس، مع أنى لا أجالس أفراد عائلتى للأكل معا إلا نادرا.

مواعيد الطعام شديدة الانضباط عند الأجانب، الفرنسيون يتناولون غداءهم الساعة الثانية عشر بالثانية.

حين كنت أعمل مع بيير برينتى صديقى الحقيقى الذى يحل فى وعيى قارئا مواكبا لأغلب ما أكتب رغم أننا لم نلتق خلال الربع قرن الماضى إلا مرة واحدة، حين كنت أعمل معه فى مستشفى سانت آن فى باريس كان يقوم ملسوعا فجأة إذا انتصف النهار، ثم يمضى جادا ومسرعا وكأن أمرا ذا بال سوف يفوته، ماذا وإلا..، فأفزعُ لفزعه، وأصحبه لاهثا (من داخل)،  فيلقى بى فى الشارع على أقرب ناصية توصلنى إلى المترو، ليمضى إلى غدائه فى منتصف النهار وكأنه أذان مغرب رمضان،  لم أعرف سر لهفته هذه إلا حين دعانى للغداء معه فى بيته ذات يوم فاكتشفت أن كل هذه الانطلاقة واللهفة والجد كانت لتناول الغداء مع أسرته فى الميعاد تماما (منتصف النهار تحديدا)،. ياصلاة النبى. أنا انقطعت صلتى بأولادى أو كادت نتيجة لسوء عادات ومواعيد أكلى.  أكتشف أننى بعاداتى القبيحة هذه لم أتبيّنّ ما للأكل من وظيفة اجتماعية غير أن نـُسـْكت جوعا أو نملأ بطنا، أنا آكل عادة وأنا أسير، وأنا أعمل، وأنا نائم، آكلُ وحدى، حتى لو كنت معهم!!

“الأكل معا” وظيفة اجتماعية فى الحضارة الغربية .

هو كذلك أيضا  فى عمق ريف بلدنا، من هذا ما وصلنى ولم أتبين عمق معناه منذ  كنت أشارك الفلاحين غذاءهم على رأس الحقل. كان أحدهم ينادى على الآخر أن يحضر منديله ويشارك فى عمل “غدّيوة”، يحضر الآخر فيدعوه الداعى أن ينتظم فى دائرة الغداء، بقول له وهو يهم بالجلوس أن “يحب” (والحبّ عند الفلاحين هو الاقتراب، وهو أدق تعريف للحب الناضج بديلا عمّا شاع من معانى العشق وموت المحبين بعضهم فى بعض)، يقول الفلاح عندنا، “حب يا راجل شوية خد فلان جنبك”، أى اقترب من جارك حتى يتسع المكان لثالث ورابع وهكذا، ويحقق تناول الطعام وظيفته الاجتماعية.

الأربعاء 23/6/1993 :

عرض علىّ سكرتير مضيفتى أن أذهب إلى لوزان أو جنيف فى وقت فراغى صباح اليوم التالى. اعتذرت. لا أعرف وقت فراغى من وقت عملى. فضّلت أن أعكف على الكتابة إياها، خاصة بعد أن استرددت حقى أن أكتب لى، وليس لهم.

فضّلت الحبس الاختيارى فى هذا المكان المريح على شاطئ بحيرة ليمان.

تشرق الشمس فأرى شعاعها من حجرتى وهى تضئ ما يشبه الكهف الممتد إلى غور الجبل، وكأن النور يخرج من هذا الكهف وليس مجرد انعكاس شعاع قادم إليه،

أنعم الله علىّ فى بلدنا بفرص الإقامة بعض الوقت أمام أجمل ثلاث مناظر فى العالم، فى الإسكندرية والعلمين ورأس الحكمة، (ومؤخرا فى دهب فى جنوب سيناء). أقر أننى لم أر بحرا أجمل من بحر رأس الحكمة إلا فى شمال شرق أسبانيا (سان سباستيان)، حيث اقتطع الجبل جزءا من المحيط كأنه قضم قضمة فاستطعمها فلم يبلعها خشية أن يذهب طعمها، فأحاط بها وجعلها شاطئا فى لون الزبرجد (طبعا أنا لا أعرف ما هو الزبرجد ولا مالونه، لكننى متأكد أن البحر هناك كان فى لون الزبرجد) ولم أجد هذا اللون إلا فى سيدى عبد الرحمن الذى أصبحتُ جاره فى مارينا العلمين ـ ثم فى رأس الحكمة ـ وكلما رحت هنا أو هناك  تذكرت ناسى الذين لا يستطيعون الانتقال إلى مركز قريتهم  إلا بالشئ الفلانى، لكننى فى نفس الوقت لا أتصور أن يظل المكان كما هو  إذاهم شاركونى فيه، من منهم يمكن أن يحافظ على مثل  هذا الجمال؟ متى أحل هذا التناقض؟ كان إذا حضرت مجموعة من العمال من معسكرهم الصيفى فى مرسى مطروح لقضاء يوم فى رأس الحكمة فى مواجهة بيتى مباشرة، بالقرب من استراحة الريس، يتركون مخلفات أظل أجمع فيها أسبوعا، وكأنى المسئول عن نظافة الشاطئ كله . (تغيّر الأمر وحرم الجميع من رأس الحكمة بعد أن أزيلت بنايات كثيرة، من بينها بيتى هناك، أزيل كل شئ رغم أنف القانون، لأسباب أمنية وكلام لا يُذكر أصلا لأنه يتعلّق بالأمن والرياسة والرفاهية والقانون الذى لا ينفذ وغير ذلك).

المهم كانت الشمس هنا، فى مونتريه، تشرق على الجبل وتغيب فيه، وأنا أرصدها طول النهار، فضلت أن تكون حركتى مع الشمس جالسا، أبقى فى الفندق وأرتحل مع الشمس من الشروق إلى الغروب. هى التى تقوم  بدورتى نيابة عنى، هذا ترحال  آخر.

 حين يجتمع الجبل والبحر فى إيقاعهما الدائرى بالتبادل ، أجدنى أقرب إليه، إلىّ.

 تسألنى يا محمد يا ابنى أنت وأصدقاؤك: كيف؟ كيف أحقق المعادلة الصعبة بين إسلامى، وإنجازات الغرب، وحلم الفطرة؟ أنا مالى كيف، ثم ما الذى قفز بك الآن يا محمد إلى وعيى هكذا لتوقف سيل دعواتى وأحلامى، أليس من حقى أن أحلم حتى وأنا متقوقع فى هذه الغربة المختارة اضطرارا؟ طظ يا أخى، ليس عندى إجابة، وسأظل أحلم إلى أن أجدها، وإن لم أجدها فأنا لست ملزما يا أخى، الـله!!!!.

” حاكْتبها وان ماكتبتهاش أنا حر، الطير ما هوش ملزوم بالزقزقة”. طيب يا صلاح يا جاهين،تعملها وتتركنا هكذا؟

ظللت فى الفندق أتحرك جالسا بين الشروق والغروب، كنت محتاجا لهذا تماما وتحديدا، الآن، بالذات: الآن، ثم تقول لى صُدَفًة واضطرارا.

 أى صدفة هذه التى تجعلنى أحصل على ما أنا محتاج إليه تماما وكأنه مقاس بجزء من المليمتر؟ أى صدف تلك التى تسمح لى بهذه الجلسة الآن وهذا التدفق وهذه الاستعادة وهذا الحساب؟

 لو قالوا لى ما الذى ينقذك مما أنت فيه طوال الثلاث سنوات الماضية لما جرؤت أن أحلم لأقول : هو ما أنا فيه الآن، ولا كان عندى من القدرة ما يسمح لى أن أرسم الوقت، والوحدة، والمنظر، والصمت، والنظام. كل ذلك هو الذى يتيح لى الآن أن أتنفس بهدوء هكذا، أنا ـ مثل عُمرَ حفيدى ـ أحب طعم هذا الهواء، طعم هذا الذى يحمله هذا الهواء الذى هو هو بلا إسم، هو همس متسحّب يلمس ولا يجذب، يُفـسح الطريق إلى كل ما هو وسع كرسيه السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، نعم هو ذلك الذى هو ليس كمثله شىء، هو الذى كل يوم هو فى شان، هذه هى الأسماء تحضرنى أكثر من سواها.

حضرالسائق. لا يا سيّدى، شكرا. لن أنزل لا إلى جنيف ولا إلى لوزان، أجّلها للغد. بل لأجل غير مسمّى.

أخذت بعضى – من ورائه – بعد الظهر ونزلت وحدى، ناسيا أو متناسيا حكاية ركبتىّ وما أصابهما، متعشما فى وجه الله خيرا، لبست حذاء المشى وتوجهت خارج الفندق للمرة الثانية، بصراحة : المـرة الأولى لا تُحسب لأنها لم تستغرق سوى دقائق، كنت أتأكد خلالها أننى فى مدينة فيها ناس بحق، ولست فى مكان آخر فيه نوع آخر  من البشر. نزلت على الدرج المجاور للفندق حتى شاطئ البحيرة،

“مونتريه”، بلد لها قصة مع الوفد المصرى، كنت قد زرتها من قبل مع سيدة مصرية فاضلة أصرت أن ترينى إياها وأن تذكرّنى بأن النحاس باشا قد حضر فيها مؤتمرا لست أدرى ماذا، لعله كان زمن الحرب العالمية الثانية،

نزلت إلى شاطئ البحيرة، وهات يا مشى، ساعة ساعتين، أبحث عن آلام ركبى فلا أجدها. كنت قد اعتبرت نفسى مُقعدا منذ أصاب غضاريف ركبى ما أصابها. استأصلتُ جزءاً من أحد الغضروفين بعملية جراحية، والركبة الأخرى صبرت على ما أصابها حتى خفّ الألم دون جراحة، لكن الإعاقة هى الإعاقة.  أيامها توجهت إلى ربى عاتبا، فى عشم والله العظيم، قلت له: إن الناس تعمل بعقلها أو بيدها وأنا أعمل بساقىّ. أنا أعالج مرضاى يا رب بساقىّ، مثلما أعالجهم بعقلى أو علمى، أنا أسير بجوارهم، أعدو معهم، ألعب معهم ما لا أعرفه، فلمَ أصبتنى فى أداة أكل عيشى وبعض وسائل تفكيرى، بل إننى يارب ـ وأنت خير الشاهدين ـ قد وصلت لأحسن ما وصلت إليه فى فكرى وتنظيرى وأنا فى حالة “عَدْوٍ خّلاّق”، إن صح التعبير.

 حين كنت أكتب نظريتى فى الإبداع والأحلام والإيقاع الحيوى كنت أحمل الفكرة وهى على طرف القلم يريد أن يطلقها، فتتعسّر أن تجد الصيغة التى تحتويها، فأنطلق أعدو سائلا الله الفرج، دون أن أفكّر فيها بشكل مباشر (طبعا)، أعرق وأعدو، ثم أعرق وأعدو، حتى إذا رجعت واستحممت بماء أقرب إلى السخونة منه إلى الدفء، وأمسكت بقلمى انساب يقول ما كنت أبحث عنه بعد أن انزاح ما كان يعوقه،  وأحيانا كانت تضيئنى الفكرة حين يبدأ العرق يتصبب منى، ما علاقة هذا بذاك؟ لا أعرف،

 لم ياربّ حرمتنى من هذا؟ ألستَ خيرالعارفين أننى اكتشفت علاقة الفكر بالجسد من خلال ساقىّ وهما يجاوران مرضاى. فنتعتع ما لا يتتعتع من أفكارنا المتصلبة. ونستقبل شمسك وهى تشرق فى وجداننا فتحل بجلالك فى وعينا. قبل أن نغنى لها وهى تطل علينا من مشرقك لتذيب شمس الداخل التى أظلمتْها وجمّدتها أفكارنا المتصلبة.

نحن نشرق مع الشمس ونغرب معها لنشرق من جديد، لمَ نسيناها حتى لم يبق  بين جنبينا، إلا تلك الكتل من الظلام المكدسة خلف أبواب الوصاية والتأويل.

لمَ  – يارب- ركبتاىَ بالذات؟

لم أكن أعلم أنها رسالة السن قد أرسلها ربى إلىّ عن طريق ركبتى لأعيد ترتيب أوراقى، فرحت أتعلّم العوم وأنا أقترب من الستين، ونجحت بعناد شديد.

تعلمت العوم، ثم تعلمت التفكير أثناء العوم، ثم الآن أقرأ وردى وأنا عائم.

اهتديت أثناء عومى إلى فكرة أن كل واحد منّا “نصٌّ” يحتاج أن يُقرأ، وأن يُنقد، وأن النصوص الإلهية نزلت لنستلهمها لا لنفسرها، وأنها تطلق فطرتنا لا تفرض عليها ما ليس منها.

(من هذا المنطلق قرأت استلهاما بعض مواقف النفّرى، وصدر الكتاب أخيرا أكتوبر 2000 اشترك معى فيه صديق تلميذ انجيلى بمثابة قس. كانت تجربة رائعة بالنسبة لكلينا. ربنا يستر).

نسيت أن أحضر معى فى هذه الرحلة لباس العوم. أنا كنت فى ماذا أم ماذا؟ وحمدت الله على هذا النسيان لأننى أحتاج لوقت ساكن أعيد فيه النظر، غير أنى أحتاج أيضا لحركة عضلات تساعدنى على الوعى “بكلّى” بشكل أعرفه ويعرفه من أنعم الله عليه أن يفكر بجسده معا.

………………

………………

ونواصل الأسبوع القادم بقية الفصل السادس: مسافر رغم أنفه (7)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *