نشرة “الإنسان والتطور”
الأربعاء: 26-2-2025
السنة الثامنة عشر
العدد: 6388
ترحالات يحيى الرخاوى
الترحال الثانى: “الموت والحنين” [1]
الفصل السادس
مسافر رغم أنفه (1)
يا جّدنا المصلوب زهواً يحصد الزمن.
قد صار محظورا علينا ننقش القلوبً فوق هامات الحجر.
فى عصرنا هذا أيا جدّى العزيز
لا تطلع الشموسُ دون إذنْ.
لا يستباح للكلاب الآثمة – أمثالنا – أن تسكن العرين.
ما عاد يجرؤ وعينا أن يفخـترْ :
أنـّا بشر.
الاثنين 21/6/1993
…………………
…………………
سفر ليس كالسفر….
كان لابد أن أعود…، لا أعرف من أين يأتى هذا البـُدّ،. لكن هذا ما حدث.
قبل هذه السفرة بالذات كان الشيخ (أنا) يكثر من ترديد أنه: ثم ماذا؟
أما الآن فالسؤال الأسبق يقول : لماذا؟ لماذا أسافر الآن هكذا؟ لماذا أوافـِـق؟
بعض تبريرات سفر هذه المرة أننى أقنعت نفسى ـ كالعادة ـ أنها فرصة لكى أكتب الكتاب الذى لا أريد أن أكتبه، لأناس لـن يقرؤوه، الكتاب الذى لن أتقاضى عليه أجرا من قادرين كلـّفونى به، عادة لا تنقطع، من كلفنى بهذا الكتاب لا يهمه إن كان سوف يدفع أو لن يدفع ـ ومع ذلك تنازلت عن حقوق المؤلف لهم مقابل أن آخذ راحتى فى حجم ما سوف أكتب، كتاب تقليدى فى الأمراض النفسية والعياذ بالله وافقتُ، قال: لماذا، قال لأن فلانا أصدر كتابا سخيفا لم يقرأه هو، جمَعَ فيه أجزاء معلومات كثيرة، ووضعها بجوار بعضها مرصوصة مشتتة، توحى بجهد مــَنهكين مأجورين مجهولين مختلفين. أنا لا أذكر أيا من هذا إلا لأعلن أننى شوهتُ هذا السفر بزعم الانشغال بهذا الكتاب الذى شعرتُ أننى ملزم بكتابته لطلبتى أساسا، لعلنى أنسخ به مالا يصح أن يجثم على وعيهم دون مبرر،
أصبحت المسألة سخيفـة ومفقوسة. كلما هممت بالسفر، أو حتى بأجازة، أحاول أن أبررها لنفسى بأنى سوف أعمل كذا، وأكتبُ كيت، وكأنى قد حرّمت على نفسى الفسحة لـلفسحة، والمتعة للمتعة، مع أنني، والله العظيم ثلاثا، أستأهل أن أرتاح، ألا أعمل طول الوقت، بل أطول من طول الوقت، فلماذا هذه الملاحقة بكل هذه التبريرات وكأن راحتى ذنب يحتاج إلى غفران، ثم إن كل أعذارى تبدو سخيفة. هذا الجهد التعويضى يفرغ الإجازة من وظيفتها كما أنه يقلبها عملاً فى موقع آخر، فضلا عما يقوم به من إبعادى عن صحبتى ـ إن وجدت ـ تحت دعوى انشغالى حتى فى الإجازة.
خذ مثلا هذه الحجة الحالية، هل هذا اسمه كلام؟ أسافر إلى سويسرا مرغما (!) ثم أكمل إلى باريس معتادا (!) لأكتب كتابا مـُكـْرْهاً عليه!!
هذا هو الذى حصل، هذا هو ما أدّعية.
سجينُ حجرة ليست أهدأ ولا أجمل من أى حجرة لى فى أى مكان فى مصر؟ وما أكثر حجراتى وأماكنى الصغيرة الجميلة فى مصر، لكن يبدو أن ما يحول بينى وبين عمق الاستمتاع بأماكنى تلك فى بلدنا هو مجموعة من العوامل التى لا أملك إزاءها إلا التسليم، على سبيل المثال لا الحصر (كما يقولون) خذ عندك: سرعة الإيقاع، وضباب الشك، وجفاف الوحدة، وتشتت الاهتمامات ثم الطمع الخغى، وإنكاره معا.
المهم أننى سافرت، ليس كما كان الأمر حين كنت أسافر لأتعرى، وأعيد النظر، لعلى أتجدد، وأبدأ ثم أبدأ ثم أعاود البداية، كل هذا لم يخطر على بالى ولا سمحتُ له أن يطوف حتى بظاهر وعىى لكى لا آمل فيه، لكى لا أكذب فأدّعيه.
سفر شكله جديد، غريب علىّ، سفر مـّيت منذ البداية، تذكرتُ كيف بدأت “الناس والطريق” وأنا أعلن أنه إذا لم يكن السفر للتعرى، والكشف، وتجدد الدهشة، فأفضل منه الجلوس فى عقر الدار، والطيـّب أحسن. هأنذا أسافر هذه المرّة ليس ككل مرة، أسافر هامدا، وكأنى لا أسافر. السفر يبدأ داخلى أولا، ثم تلحقه الحركة، أنا أسافر بوعيى أولا ثم أسحب الآخر ورائى، لكننى هذه المرّة لا أستشعر السفر ولا غير السفر. يتحرك بالداخل حتى أنتظر ما يجود به خارجا، أو ما يكتمل به بعد.
عشر سنوات مضت على الرحلة الأولى على ما أذكر أو قل ثمان. ما الفرق؟
ربع قرن مضى بين ولادتى ـ إقامتى ـ فى باريس سنة 1968 ـ 1969 وبين ما هو أنا الآن. ولكن ما هو هذا الذى هو أنا الآن؟
فهل ثمّ فرق؟ فلتكن تجربة، فمازال من حقى أن أجرب.
تعلّمت من إصرارى على التواجد بين “الناس” على “الطريق” أن أتحمل من لم أخترْ، وأن أكتب ما لم أحددْ، وأن أكتشف ما لم أكن أعرف. بل ما لم أتصوّر أنه كان يمكن أن أعرفه، ألتقطُ الصدفة، فلا أرفض ولا أتحمّس. بعد البداية : أقلبها اختياراحتى لو بدأتُ مرغـما، ثم تتفجّر المسائل بما لا أعرف، ولولا هذا، ومثله، وقريبٌ منه، ومكافئٌ له، ما كان عندى ما أقوله الآن عن هذا الذى يسافر الآن هكذا؟
حين اضطررت أن أكتب ما يسمى “التاريخ العلمى” أو سيرتى العلميةC.V. منذ عامين تعجّبت أننى أكتبه لأول مرّة. وتعجّبت أكثر أننى “كل هذا”: كتيّب بأكمله كان آخر ما ينبغى أن يضاف إليه هو زمالة الكلية الملكية البريطانية للطب النفسى التى حصلت عليها هذا العام، والتى كدتُ أعزف عنها مكتفيا بعضويتى كمؤسس، فعلى الرغم من أثر هذه الحروف الكثيرة التى يُلحقها الأطباء بعد أسمائهم، فأنا أعرف دون الناس كيف تحصل على زمالة أمريكية، وعضوية كندية، وأن تسجّل نفسك كذا وكيت فى هذا وذاك، بتزكية عضوين أقدم، حصلوا على نفس الحروف والعضويات والزمالات بنفس الطريقة، أعرف كل هذا ولا أساهم فيه، لا أطلبه، ولا أسعى إليه أصلا، ولكنى لا أرفضه. أشفق على الناس وهم ينبهرون به، وأدعو للجميع بالستر.
كتبت هذه “السيرة” C.V. لكلية الأطباء النفسيين الملكية بالمملكة المتحدة. ثم ألحقتها بملحق أصدق، تصوّرت أنه سيكون ضد ترشيحى للزمالة، حيث نقدت فيه ما كتبتـُه مما يسمى السيرة بالطريقة التقليدية، ثم إنى كتبته باللغتين: العربية والإنجليزية، وأصررت على إرساله باللغتين لناسٍ لا يهمهم، ولا يعرفون، غير لغتهم. قلت فى الملحق: إن هذه السيرة لا تعنى عندى شيئا كثيرا، وأن ما أشرُفُ به مما أعتقد أنه يميزنى هو علاقتى بلغتى فى كذا وكيت، واستلهامى إيمانى فى كذا وكيت، وارتباطى بثقافة أهلى فى كذا وكيت، أما كل النشر والأرقام والمناصب التى عدَّدتها فى المتن دون الملحق فهى من إنجازى فعلا، وأنا لا أتخلى عنها، إلا أنها ليست بالضرورة موضع فخرى، ولا هى”أنا” كما أحب أن أقدم نفسى. احترمتُ الإنجليز الذين بادروا بمنحى الزمالة دون تردد بالرغم من كل ما ذكرت فى المحق متحديا، باللغتين العربية والإنجليزية.
من الناحية العملية، أنا طبيب كبير، وثرى مستور، ولى أولاد ليس بهم عيب ولا عاهة، والحمد لله، وعندى عربات حديثة لا تقف، ولا أغيّر إطاراتها فى السفرة الواحدة عدّة مرات بعد أن أكون قد ركّبت لكل إطار طاقية داخلية، وفى كل طاقية لحام.
كم كان ذلك معطّلا، ومؤلما أحيانا، ومحرجا كثيرا، لكنه هو هو: كم كان ثريا بالناس، كيف نحتك بالناس إذا أغنتنا كل هذه التكنولوجيا، وهذه النقود، عنهم؟ الناس على الطريق ليسو ناسا والطريق ليس طريقا إن لم يستعيروا رافع عجلات بعضهم من بعض، إن لم يرشدوا السائل إلى أقرب محل لحام. كانت معالم الطريق ومسافاته تـُـعرف بموقع محلات اللحام والخدمات الأخرى.
أما الآن، فقد اختلف الأمر بالنسبة لى على الأقل. انفصل الناس عن الطريق، مع الرفاهية والطرق السريعة، اختفى الناس من الطرق. لم يعودوا بظهرون بالقدرالكافى إلا فى نهايات الرحلات. كانت عدد رقع الإطارات تفوق طواقى لاحِمى الإطارات جميعا، وكان الناس الذين يعملون هذا وذاك أكثر وأكثر، أما الآن فالإطارات ـ على مايبدو ـ تأبى أن يـُركب لها رقع من أصله، مع أن العالم كله أصبح مرقعا، بل هو مجموعة من الرقع بجوار بعضها، يلضمها شئ هلامى قبيح اسمه النظام العالمى الجديد، هذا النظام ضرب الـعراق أول أمس. أنا لا أحب صدّام حسين وأكره هذا الكلينتون، ميثاق حقوق الإنسان الذى يتشدّق به هؤلاء الأدعياء يقول إن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، أما العربى فهو مجرم حتى تـُمنح براءته، براءة لزجة مشروطة، تصدر من غير ذى صفة، ذات عمر افتراضى لا يدركه مانحه، لأنه سينقرض هو ومن يخدع فيه قبل نهاية العمر المزعوم.
يخيّل لى أن الاسم الأفضل لهذا العمل هو : أطروحة “الاضطرار والصدف والتعرى”. لا هو أدب رحلات، ولا هو حتى سيرة ذاتية، ما هى حكاية أدب المكاشفة هذه هى الأخرى؟
إن حياة الفرد ـ دع المجموع والجنس البشرى وتطوير النوع جانبا ـ حياة الفرد هى مجموعة ذكية أو غبية من “الاضطرار والصدف”. “أما التعرى” فأنت وشطارتك. الحرية هى أن تقبل الاضطرار لتجعل منه اختيارا، وأن تتجاوز الصدفة حتى تصبح من فعلك الذى أهداه الغيب إليك فجعلتَه شهادة وجودك. متى يعرف الناس معنى الناس والحركة، متى نتعرّف علينا، ما يعلم النفس وحتى التحليل النفسى بكل هذا؟
أوصلنى إلى المطار محمد ابنى المتورط فى دراسة هذا الذى يسمى، علم النفس، وهو أيضا المتوقف عن لبس العمامة أو قل: المتلكِّئ فى لبسها تحت وهم حرّية الاختيار. لو علم إبنى هذا معنى الاضطرار والصدفة لانطلق بما يكره إلى ما يـُفَـجـِّرُ فيتفجّر، تمنيّت يومها وهو يوصّلنى للمطار (حتى لا يصله داخلى فيزداد رفضا) أنْ يكون معه ابنه عمر ـ صديقى ـ يخفف الحوار الجانبى الصامت. أحيانا أتصور أن كلاَّ منا ـ إبنى محمد هذا وأنا ـ يلبس خنجرا معقوفا، يلفه كل واحد منا حول وسطه، يتدلى على ناحية. وهات يا مبارزة جانبية ونحن نتبادل الحديث “من فوق”. عمر (ابنه، وحفيدى) كان سيخفف هذا الجو، فما زلت أذكره وهو يوصلنى إلى المطار فى رحلتى قبل الأخيرة، وهو يطلب من أبيه أن يفتح نافذة السيارة، وكان الهواء باردا نقيا، فأخذ يستنشقه رشفة رشفة، هادئا عميقا، وكأنه يحتسى ببطء متأمّل شرابا سائغا بإرادته، ثم يقول عمر دون سؤال: “أنا أحب هذا الهواء”، فرحتُ به. نحن نعلّم أطفالنا أن يحبّـُوا اللعب البلاستيك، وجنجا ترتر (أنا لا أعرف لها نطقا إلا هذا، وقد عانيتُ كثيرا لأحفظها، ولم أنجح إلا حين رحت أذكّر نفسى أنها على وزن: بمبة كشّر) وضفادع التليفزيون القبيحة. لا نعلّمهم حب الهواء والشجر.
…………………..
…………………..
ونواصل الأسبوع القادم بقية الفصل السادس: الفصل الثانى عشر: “مسافر رغم أنفه” (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – ترحالات يحيى الرخاوى: (2000) وتتضمن الترحالات: (الترحال الأول: “الناس والطريق”) و(الترحال الثانى: “الموت والحنين”) و(الترحال الثالث: “ذكر ما لا ينقال”) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى، والترحالات موجودة فى الطبعة الورقية فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.