الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / من فيض نبض الطب النفسى(2) “هل نعرف ما هو الحنان؟ وكيف؟” الفصل الأول: ساحتان!

من فيض نبض الطب النفسى(2) “هل نعرف ما هو الحنان؟ وكيف؟” الفصل الأول: ساحتان!

نشرة “الإنسان والتطور”

الاثنين: 15-6-2026

السنة التاسعة عشر   

 العدد:  6862

من فيض نبض الطب النفسى(2)

“هل نعرف ما هو الحنان؟ وكيف؟”[1]

الفصل الأول

ساحتان!

لعل الأمانة التى حملها الإنسان هى مسئولية التعرف على البرمجة البيولوجية التى ولدنا بها، واشتهرت باسم الفطرة. إن مسئوليتنا تجاه طبيعتنا هى أن نتعرف عليها كما خلقها الله لنتعهدها، ونتجنب تشويهها، لتنبسط إلى ما خلقها الله له. علينا أن نحسن قراءتنا ونحن ننصت إلى الطبيعة البشرية بدءا بملاحظة واحترام كيف تتجلى فى الأطفال أثناء رحلة نموهم، ثم علينا أن نتعهدها لتكون هى هى: بالمعرفة والإبداع والعبادة والخبرة جميعا. أصعب المهام هى كيف يمكن أن نسهم فى توجيه فطرة أطفالنا إلى ما هِىَ وليس إلى ما تعتقد أنها هي؟ بالتعلم والخبرة فى اتجاه ما خلقت به ومن أجله، ونحن لسنا على يقين من طبيعتها إلا من خلالهم أساسا؟ لا بد أن نقوم بالمهمة بعملية متبادلة: نتعلم منهم، لنضيف إليهم، وبالعكس.

 لعل هذا بعض ما بلغنى من حكاية حكاها لى أخى منذ أيام ونحن على مائدة الإفطار عند ابنتى.

حكاية:

… كان ذلك سنة 1936، رمضان (1427هـ) مدرسة خليل أغا الابتدائية، الناظر اسمه عوض لطفى أحمد، (الاسم منحوت فى ذاكرة أخي –رحمه الله- لمدة سبعين عاما)، الناظر يستدعى تلميذا ذا ثمان سنين من الفصل، فيرعب المدرس ويخلع طربوشه (طربوش التلميذ) وينقر رأسه بعقلة إصبعه الوسطى وهو يتساءل: “أى مصيبة عملتها حتى يستدعيك الناظر على الصبح؟ استلقِ وعدَك”.، يذهب التلميذ مرتجفا إلى حجرة الناظر، ويسأله الناظر هل أنت احمد توفيق الرخاوى، فيقول التلميذ وهو يرتجف، “نعم”، فيسأله وهو يشير إلى صفحة “أبلة زوزو” من عدد الجمعة لصحيفة يوميه اسمها روزاليوسف: “هل أنت الذى كتبت هذا”. فيقول له الطفل: نعم، فيقوم الناظر ويلف حول مكتبه ويربت على كتف الطفل، ويسأله: “كيف كان ذلك”؟

كان المكتوب هو ملخص لقصة من قصص كليلة ودمنة التى تبدأ بعرض بيدبا الفيلسوف على دبلشيم الملك مغزى حكاية حدثت بين الحيوانات (لعلها تهديه لسياسة حكيمة يدير بها أمور الدولة)، فيسأله الملك: وكيف كان ذلك؟

 فيحكى بيدبا ردَّا “على نفس السؤال، يتمثل أخى موقف بيديا فيرد على سؤال الناظر أن أباه (الذى هو أبى) كان يكلفه أن يقرأ حكاية من كليلة ودمنة كل أسبوع، وأن يوجزها فى سطور قليلة ويرسلها إلى صفحة “أبله زوزو”، ظل الطفل يفعل ذلك أسابيع متتالية دون أن يظهر لذلك أثرا، والوالد مصمم، وأخيرا تحقق الأمل، وقرأ الطفل والوالد فى صفحة “أبلة زوزو” أنه: “جاءنا من الطفل النابه أحمد توفيق الرخاوى ما يلى: ثم “موجز الحكاية” وظلت صفحة أبلة زوزو بعد ذلك تنشر لهذا الطفل ما يرسله أسابيع متتالية، حتى عثر الناظر على ما كان سببا فى استدعاء التلميذ لأنه كان يذيل توقيعه باسم مدرسته.

أضاف أخى أن الناظر كتب له تعقيبا على ما حدث يقول “…… هذا كنز ثمين يا أحمد، فاحفظه، وقلّبه حين تكبر، وكن لأولادك كما كان أبوك لك”، قال لى أخى ذلك وكادت تدمع عيناه.. فتوقفت، ولم أستزده. تُرى هل نفذ أخى توصية الناظر وكان لأولاده كما كان أبونا له؟ هل فعلنا نحن –إخوته- مثل ذلك؟ لست ممن يبكون على الماضى ويتصورون أنه أفضل من الحاضر على طول الخط، وبالتالى لا أدعى أن أبانا ربانا تربية غير مسبوقة، ولا اتـّهمنـَا بالتقصير فى حق أولادنا، ولا أنهم أسوأ نتيجة لخيبتنا فى تربيتهم، وها هى ابنتى “منى” تجمع العائلة بمبادأة طيبة كل رمضان، وغير ذلك، فى حين أننى وإخوتى لم نحرص على مثل ذلك، ولم نعلمها إياه.

دلالة الحكاية كما وصلتنى أردت أن أنقلها للكبار قبل الأطفال، لعلها تبين كيف أن الأحداث ذات الدلالة تظل هى هى بتفاصيلها تفعل فعلها فى وجداننا طول العمر، لقد عايشت أخى ( وهو الذى كان يقترب من الثمانين حينذاك من حكيه هذه الحكاية) وهو يحكى كيف ضربه المدرس – من باب الاحتياط مقدما – بعقلة إصبعه الأوسط، عايشته وهو يتحسس صلعته، ليصلنى نفس وخز عقلة إصبع المدرس فى صلعتى أيضا، وحين دمعت عينا أخى – أو خيل إلى ذلك – لم أعرف هل كان ذلك ترحّما على أبى (وعلاقتهما كانت من أصعب العلاقات)، أم كانت حنينا لأيام خلت، أم كانت أسى على ضياع أمثال هؤلاء النظار.

النص: من رواية “دميان”([2])

المقتطف (1): قبل الرواية (كلمة التصدير)، أردت فقط أن أحاول العيش فى توافق مع التلقينات التى صدرت عن طبيعتى، لماذا كانت صعبة للغاية؟ هرمان هسه

رواية دميان كتبها الروائى هرمان هسّه (نوبل للآداب 1946)، وهى متأثرة أشد التأثر بخبرة كاتبها معانيا متعالجا بمنهج مدرسة كارل يونج. ما يهمنا فى هذه الرواية، بدءا بهذا المقتطف هو ما يتعلق بالفطرة، ثم ما قد يطرأ عليها من تشويه، نحن نزعم أننا من خلال التعرف على الفطرة أطفالا يمكن أن نتعرف على أنفسنا، فالكون، طريقا إلى الله. بالإضافة إلى أنها رواية تروى على لسان صبى “إميل سنكلير” منذ سن العاشرة حتى قرب نهاية المراهقة (إن كان لها نهاية). الفطرة لا تتحقق فقط بجهد من خارجها، نحن نكتشفها، فنتعرف عليها، فنطلق سراحها، كل ما علينا هو أن نمتنع عن تشويهها، ونبدأ بها كما هى، لا كما نختزلها إلى خير أبيض مطلق، وبذلك نتيح الفرصة لانطلاقها لتتجاوز البدائية دون أن تفقد نبضها الطبيعى: فتكون، فنكون.

النص:

ص11: من الفصل الأول “ساحتان”

 “…كان منزل أبوَى يمثل إحدى الساحتين، غير أن حدودا كانت بالفعل أكثر ضيقا، تضم أبوى فى واقع الحال، كانت عبارة عن ساحة من الإشراق والوضوح والنظافة والمحادثات اللطيفة والأيدى المغسولة الملابس النظيفة والعادات الطيبة“…..

“….على أن الساحة الأخرى التى تخطت نصف منزلنا كانت مختلفة تماما: كانت تفوح برائحة مختلفة، تتكلم لغة مختلفة، تعد بأشياء مختلفة، وتتطلب أشياء مختلفة، شمل هذا العالم الخادمات والعمال وحكايات الأشباح” “….. محكومة بخليط صاخب من الأشياء المريعة والخلابة والمرعبة والغامضة..”

إلى هنا والمسألة يمكن أن ينظر إليها على أنها نوع من الاستقطاب بين ساحتى الخير والشر، لكن التداخل الجدلى بين الساحتين بدا أساسيا حيث أعلن البطل هذا التداخل من البداية:

“كانت غريبة تلك الطريقة التى جاورت بها الساحتان بعضهما البعض، فكم كانتا متلاصقتين”

هل كانت هاتان الساحتان خارج إميل أم داخله؟ نسمعه يقول:

“….هكذا كان الحال مع كل شىء وكان ذلك يتجلى معى شخصيا: كنت أنتمى بلا شك إلى عالم النور والصلاح فقد كنت ابن أبى وأمى، ولكن حيثما انعطفت وعيت العالم الأخر، وانخرطت فيه أيضا على الرغم من غرابته بالنسبة للعالم الأول وضجته بالهلع والضمير الفاسد،”

 لقد فضلت بالفعل العيش فى الساحة المحرمة مرارا وتكرار، بدت العودة إلى ساحة النور شيئا ضروريا طيبا كما كان يجب. بدت لى إلى حد ما أشبه بالعودة إلى شىء أقل جمالا..”

إن جمع الضرورة للعودة لما هو أقل جمالا، برغم أنه أكثر بياضا، إنما يشير إلى أن الحرية تصبح فعلا أقرب إلى الفطرة، كما هي، لا كما نرسمها.

لامجال هنا لتفصيل معالم ترحال أمين فى هاتين الساحتين اللتين خلقتا من جدلهما هذه الشخصية شبه الغامضة “دميان”، الذى بدا وكأنه مشروع تكامل فيما هو إلهى أو شبه إلهى.

نختتم الاقتطاف بإشارة إلى نهاية الرواية، أو قرب النهاية، وقد كانت فى معمعة الحرب العالمية الأولى، تلك الحروب التى تؤكد من جديد خطر فشل نمو الانسان، والعجز عن تحقيق النقلة التطورية الضرورية. مثل هذه الحروب هى إعلان غلبة قوى الانقراض ضد التطور، البدائية ضد الفطرة، الروبوت الأعمى ضد الإنسان ومسيرته…

من النص: مقتطف قرب النهاية

“…. كنت أرى العديد من الرجال الذين بدأوا يشعرون بشدة أن الكراهية والاهتياج، الذبح والإبادة لم تكن متعلقة بتلك الأهداف، كلا فهذه الأهداف والغايات كانت عرضية تماما. إن أكثر المشاعر بدائية ووحشية أيضا لم تكن موجهة للعدو، فمهمتها الدموية لم تكن سوى إخماد الروح، الروح التى انقسمت على نفسها، حيث ملأتهم بالتحرق للهياج والقتل، للإبادة والموت…… “

القراءة:

تؤكد من البداية كيف أن مفهوم الفطرة يمكن أن يلتبس مع مفهوم البدائية.

 الحروب عامة، سواء حروب قسوة المواجهة فى الحروب القديمة، أم حروب خبث الدمار وعماه وتعميمه فى الحروب الحديثة، هى تعرية للجانب الآخر من الطبيعة البشرية، الجانب التدميرى، “هسّه” هنا يعرى حقيقة الحرب، وأنها ليست ضد عدو أصلا، هى بهدف إخماد الروح التى انقسمت على نفسها” نتعلم من ذلك كيف أن الفطرة تحوى كل الأضداد، لكنها لا تفسد تماما وتنهار حتى العدم أو الانقراض بالاغتراب فالاضمحلال: إلا إذا انقسمت على نفسها، الحرب التى تقوم فى الخارج وكأنها بين فريقين متضادين لا تهدف أساسا إلى نصر فريق على فريق، وإنما إلى إخماد الروح التى اختارت نهايتها بانقسامها المغترب ذاك.

أفضـّل دائما أن أتجنب استعمال لفظ الروح لأنها من أمر ربى، تلقيت حكاية إخماد الروح هذه باعتبارها إخماد حركية الفطرة التى جاءت فى بداية الرواية قبل الفصل الأول “التلقينات التى تصدر عن طبيعتى”، إذا نحن أهملنا هذه التلقينات، أو استقطبناها حتى تباعدت مكوناتها، فهو الانقسام، ومن ثم حرب الدمار للقضاء على هذه الروح التى لم تستطع أن تحافظ على حركية أضدادها معا، فانقسمت.

تقوم الحروب لتخفى فشلنا أن نـتوجه إلى ما ينبغى أن نتوجه إليه.

للأمانة انتهت الفقرة السابقة نهاية لم أتوقعها، فقد أضاف الكاتب أنه “….، لذلك ربما يولدون من جديد”.

حتى هذا الدمار قد يكون نذير ولادة ما.

 هذا هو روعة ما هو نمو،

لا يوقف تجدده المستمر حتى مثل هذه الحروب البشعة، وإن أعاقت المسيرة، فإلى ولادة جديدة.

الفطرة هي جدل الطبيعة النابض إليه، مهما كان، ومهما حدث.

 

[1] –  يحيى الرخاوى “فيض نبض: الطب النفسى(2) “هل نعرف ما هو الحنان؟ وكيف؟” (الطبعة الأولى 2020)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى  للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.

[2] – هرمان هسه “دميان” رواية ألمانية ترجمة: ممدوح عدوان، الناشر دار منارات 1989.

تعليق واحد

  1. محمد احمد الرخاوي

    تقترب لدرجة الاستحالة
    لترتوي
    فيجلدها سياط التعري
    فالنهر يجري حتما
    لا يتوقف
    اذ يتعطن
    تفيق
    لا تنسي
    تعيد الكرة
    لا تنفصل
    لا تتصل
    تكتفي
    تتعلم انها فقط
    تستشق عبير المطلق
    الحاضر
    الغائب
    الي ان يشاء ان يأذن
    مبدع الوجود
    الي الولوج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *