نشرة “الإنسان والتطور”
الاثنين: 6-7-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6883
من فيض نبض الطب النفسى(2)
“هل نعرف ما هو الحنان؟ وكيف؟”[1]
الفصل الرابع
هل نعرف ما هو الحنان؟ وكيف؟
كثير هو الكلام عن الحنان، وعن العطف، وعن الرحمة، وعن الشفقة، كلام كله داخل فى بعضه. لن يزيد وضوحا إذا نحن عرّفناه من شروح المعاجم، أو الموسوعات الأكاديمية، فما بالك ونحن نتناوله بما هو شائع عنه من خلال فتاوى ونصائح المرشدين والموجهين والأطباء والإعلاميين للأمهات والآباء: بأن يحبوا أولادهم جدا، بحنان بالغ جدا جدا،!! وخلاص!!!!
يبدو أن المسألة ليست فى أن تحب، أو أن تحنو، أو أن تشفق، أو أن ترحم، أو أن ترعى، المسألة فى أن تفعل كل ذلك، دون أن تسميه كذلك. وحتى دون أن تدرك أنه ذلك. من علّم هذه الحمامة أن تحن على هذا الكتكوت البازغ من بيضتها؟ بل حتى قبل أن يبزغ من بيضتها؟ من علّم الزرافة أو البقرة أن تطمئن رضيعها وهى تلعق جسده بلسانها الحنون؟ ثم من علّم رضيعها أن يطمئن إلى ذلك؟ من علّم القطة أن تقفز فوق الأسطح وابنها بين فكيها لا تخزه أسنانها أصلا؟ تعالوا نستمع مع الأطفال إلى أغنيتهم، أو نغنيها معهم، ثم نرى:
الحِـنَيـِّنْ، يعنى شايفْ
يعنى عارفْ:
“إنى عايز منّه إيه،
فين وليه”.
مش ضرورى أقولّـه عنّه
هوّا أنا يعنى عرفت إنى إنه؟!
ما هو لازم برضه يعرف إللى انا ما قلتهوش.
اللى أنا محتاج له حتى ما يعرفوش
مش ضرورى يدّهولى،
ولا حتى يوعد انه يعملولى،
بس أعرف إنه عارفْ: إنه شايف
أبقى متونس بِـشُوفُهْ:
إن خوفى مش بعيد عن نبض خوفه
إنه مِشْ ناسى، وحاسس باللى فيّـه
حتى لو ما عمِلْشِى حاجة ماللى هيـّة
***
لما اعوزك، بابـْقى مِشْ ملهوفْ عليكْ،
تِكْفِى إيدى فى إيديكَ
هيّـا لمسة واللِّى خَلَقَك
فيها إنى: أيوه قابْـلَـكْ
فيها كل اللى أنا مش عارف اقوله
فيها كل جميع ما ربّى مـِـدِّيـهولُهْ
فيها: “شُفْتَكْ”
فيها: تـِبعدْ، لمْ يـِهِــمـَّكْ،
فيها: قرّبْ: آنـا جنبكْ
بس ما تقربش أكتر،
كدههْ:
تِحـْلَوّ، ….. تِــكـــْبرَ.
القراءة:
نقرأ الأغنية بهدوء، فقرة فقرة، فالأمر متداخل:
(1) الحنان والشوفان !!
“الحنيّنْ، يعنى شايفْ، يعنى عارفْ: “إنى عايز منه إيه، فين وليه”.
مش ضرورى أقولّـه عنّه، هوّا انا يعنى عرفت إنّه إنهْ..؟،
ما هو لازم برضه يعرف إللى انا ما قلتهوش”.
اللى أنا محتاج له حتى ما بعرفوش
إن أول شرط لتكون هذه العاطفة المسماة “الحنان” حقيقية، هو أن “نرى” من ندعى أننا نحنّ عليه (أو أن يرانا من يدعى أنه يحن علينا)، أن يرانا كما خلقنا ربنا كيانا منفصلا عنه قائما بذاته، (الحنيّـن: يعنى شايف). هذا الشوفان لا يكون كذلك إلا إذا صاحبته “درجة مناسبة من المعرفة به، يقابلها مثلها برغم اختلاف النوعية،معرفة ليست واعية أو تفصيلية بالضرورة، معرفة تعلن أن وعيا بشريا قد اتصل بوعى بشرى آخر، بدرجة تكفى للطمأنينة. معرفة ليست لإصدار الحكم، أو مصمصمة الشفاه، الحنان غير الشفقة، والشوفان غير الفرجة.
تؤكد الأغنية على الشوفان لكنها لا تشترط إعلانه ولا تهتم بتفاصيله، وكأنّ يقينا صامتا يمكن أن نتبادله فيما بيننا لدرجة لا نعود نحتاج معه إلى ما هو “فين” و”ليه”؟ وكأنه بديهى. الحنان “تعاطف تزامنى معا” synchronous، يجعلك تتعايش مع “كل” الآخر سلوكا وإيقاعا، دون اختزال، بيقين مطمئن [2].
هذا التعايش المتزامن هو الذى يحدد ما هو “فين وليه”، دون تعيين بذاته.
(2) الحنان لا يشترط عطاءً جاهزا
” مش ضرورى يدّهولى،
ولا حتى يوعد انه يعملولى،
بس أعرف إنه عارفْ: يعني شابف،
أبقى متونس بِـشُوفُهْ، إن خوفى مش غريب عن نبض خوفه،
إنه مش ناسى، وحاسس باللى فيّـه،
حتى لو ما عملشى حاجة ماللى هيـّهْ”
الحنان يمكن أن يوجد ويُحدث أثره الطيب حتى لو لم يلحقه فعل معين يثبته أو قول معين يعلنه، الحنان ينتقل من وعى إلى وعى دون شروط أو إذن حتى لو لم يترتب عليه أى فعل لظروف خارجية أو داخلية.
المثل العامى يقول: “زى الوز حنّية بلا بز”، وهو مثل قاسٍ يحبه أصحاب المصلحة، لكنه مثل خاطئ لا يمثل طبيعة الحنان غير المشروط جيد، برعاية معينة وعطاء مقابل، والطير عامة، يدفئ بيضه حنانا حتى يفقس؟ ثم يغذى صغاره منقارا لمنقار؟
الشوفان والحنان لا ينفصلان، الشوفان من فوق قد يرسل رسالة عكسية قاسية حين يصبح حكما أو فرجة كما أشرنا، يكون الشوفان طيبا ومـُطمـْئـِنا حين يكون مشاركة ومعايشة، بمعنى أن أرى فى نفسى الجزءالمقابل الذى تواصلنا به وعيا لوعى مهما كان صغيرا.
يتصور أغلبنا أن علينا أن نزيل خوف الأطفال بأسرع ما يمكن، ويا حبذا إنكاره ابتداء. إن برامج الأطفال ومجلاتهم المحلية (العربية) قد نحت نفس المنحى إذ تحاول تجنيب الأطفال الخوف بإنكاره ورفضه من الأساس، وكأن الخوف ليس مزروعا فينا من أيام أن كان سلاحاً للإنذار، وتهيئة للاستعداد للقتال فى الغابة. إن اعتراف الكبير لنفسه توصيله لطفله بخوفه الطبيعى، هو الذى يطمئن الصغير إلى مشروعية خوفه، ثم يأتى بعد ذلك التعامل معه بحرص ذكى إن وجه الشبه بين خوف الكبير وخوف الصغير هو الذى، يطمئن أكثر وأكثر (إن خوفى مش غريب عن شكل خوفه).
(3) الذاكرة الوعى
“إنه مش ناسى، وحاسس باللى فيّـه،
حتى لو ما عْمِلْشِى حاجة ماللى هيـّة”
نحن لا نحتاج أن نرى بعضنا البعض جهارا نهارا وجها لوجه، طول الوقت حتى نتواجد “معا”. ثم إن الذاكرة بالمعنى الذى ورد فى هذه الفقرة ليست مجرد استعادة لذكرى مضت بقدر ما هى “وعى جاهز” حاضر، له محتواه المتكامل بعواطفه وأحداثه وشخوصه وترابطات علاقاته، حين نحمل الآخر فى “وعى ذاكرتنا“، وليس فقط فى جهاز تسجيلها لنستعيد اسمه عند الطلب، نتواصل بدون حضور مباشر. وعى الذاكرة هو ليس مجرد تذكر وحكى ذكريات مضت، هو الذى يضمن لنا الائتناس ببعضنا البعض أثناء غياب أحدنا عن الآخر. حين تقول الأغنية: “إنه مش ناسى، وحاسس باللى فيّه”، دون أن تحدد “مش ناسى” ماذا، فقط تشترط الإحساس بالحضور “الآن”، تصبح هذه “الذاكرة هى الوعى الفعال وليست شريط التسجيل. الذاكرة الوعى تحضر لتحيط، لا تسمِّع قطعة محفوظات، حتى لو لم يترتب على حضورها فعل بذاته، (حتى لو ما عملشى حاجة ماللّى هيه).
(4) الحنان واللهفة والقبول
“لما اعوزك، بابقى مِشْ ملهوفْ عليكْ،
تِكْفِى إيدى فى إيديكَ،
هيّ لمسة واللِّى خَلَقَك
فيها إنى: أيوه قابْـلَـكْ،
فيها كل اللى أنا مش عارف أقوله”
هناك زعم شائع، خاصة فى أغانى الحب، أن اللوعة واللهفة هى دليل على حرارة الحب، وهذا ليس صحيحا، خاصة مع الأصغر. إذا كان الحنان الحاضر الواصل للطفل (أو للمحبوب عموما) هو حقيقى وراسخ، فإن اللهفة تصبح أمرا ثانويا أو حتى عكسيا. الشوق الواثق الحميم يعلن الافتقاد الهادئ بديلا عن “جوع اللهفة”. إن الطفل يريد أن يصله أن الآخر (الكبير) موجود “هناك فى الواقع:”، بقدر ما هو “هنا فى الوعى“. حتى لوعجز عن التعبير عن حاجته هذه بالألفاظ، والرحلة المستمرة بين هذا الآخر في الداخل وذاك الآخر في الخارج – هو هو – هي التي تدعم العلاقة فالوجود بتجدد مستمر.
(5) الحنان والفطرة
فيها كل جميع ما ربّى مـِـدِّيـهولُهْ”
سوف يظل مفهوم الفطرة غامضا، ليس لأنه يتناول شأنا غير حقيقى، لكن لأن الفطرة كما خلقها الله هى شديدة الوضوح، هى أصل الحضور لدرجة أنها لا تحتاج إلى تمييز أو توصيف، فكأنها، لفرط بداهة حضورها، غير قابلة للوصف أو محتاجة إليه.
العلاقة بين الكبير والصغير تكون فى أحسن أحوالها حين تكون الوصلة بينهما من خلال فطرة كل منهما كما خلقها الله قبل أن نشوهها فينا وفيهم. حين اقتصرت التعليمات الدينية على الترهيب والترغيب حتى للأطفال، دون القدوة والسلوك والخلق ونبض الكتب المقدسة قبل التفسير، اختفت معالم الفطرة وراء الإرعاب والرشاوى. حين يقول النص هنا أن النظرة الحانية فيها: “كل جميع ما ربّى مديهوله”، فهو يتكلم على لسان وعى الطفل حالة كونه أقرب إلى الفطرة كما خلقت. من يريد أن يتواصل مع فطرة الأطفال بأقل قدر من التشوية، عليه أن يعود لفطرته هو – ما أمكن ذلك – بأقل قدر من الوصاية المعقلنة، أو المبرمجة بالثواب والعقاب كجدول ضرب تفصيلى.
(6) الحنان و”برنامج الدخول والخروج”
“فيها شُفْتَكْ”.
فيها: ” تبعدْ، لمْ يهَّمك”،
فيها: “قرّبْ، آنـا جنبكْ”،
بس ما تقربش أكتر،
كدهُـه ْ: تِحـْلَوّ، تِــكـــْبرَ”
إضافة إلى بعد الشوفان الذى جاء فى البداية، نجد هنا بعد الحركة والمسافة. الحنان ليس كمّا ثابتا نغترف منه القليل أو الكثير، وإنما هو حضور متحرك يسمح بالبعد والقرب، باستمرار، هذا ما يسمى فى مدرسة نفسية (مدرسة العلاقة بالموضوع) “برنامج الدخول والخروج”:( فيها تبعد لم يهمك، فيها قرّب آنا جنبك). إذا شُلّت هذه الحركية، أصبحت العواطف كمّية قابلة للتجمد، أو النقصان حتى التلاشى. إن الطمأنينة التى يوفرها الحنان الحقيقى الذى يسمح بهذه الحركة المرنة هى التى تسمح ألا يكون الدخول فى وعى الآخر تهديدا بالامحاء، وأيضا ألا يكون البعد تهديدا بالاختفاء.
المسافة بين الذات والموضوع ضرورية لتكون هذه الحركة ممكنة (هذا هو ما يسمى: برنامج الدخول والخروجin-and-out program ، هذه المسافة هى التى تعطى معالم محددة متميزة للطرفين، وهى لا تقاس بالأمتار بل هى تتحدد بمدى استقلال كل منا بمعالم ذاته، دون استغناء، فى مواجهة ذات الآخر المتميزة بدورها بنفس المواصفات تقريبا دون استغناء.
إن اختفاء مثل هذه المسافة هو الذى يبدو كأنه تقارب حتى التلاحم:”أموت فيه ويموت فيّا”!، هذا ليس حنانا أو حتى حبا، حتى لو شاع عنه أنه الغرام الذى ليس كمثله غرام.
***
ننتقل الآن إلى الأغنية الثانية لتى تؤكد ما سبق عن الحركية والمسافة، كما تضيف أبعادا أخرى كما يلى:
الأغنية الثانية: الحضن الدافئ
…………….
…………….
نفسى فى حضنـَك يدَفِيِّنِى وانا باتغطى بيهْ
بس مش عايزُهْ يخبينى، ولا أختفى فيهْ
يحتوينى، وانا برضه أحتويهْ،
لا انا باشحتْ، ولاَ إنتَ بتشتريهْ.
دا العيال بيشاوروا دايما: إحنا أْوْلىَ
إحنا مش عايزين “كلام حُب” علاوْلَهً
إحنا تكفينا الإشارة
لمسة حلوة تغنى عن مليون عبارة
لمسة بتقول انّ انا مش بس بينكمْ
لأ، دانا عايش بروحى فيكو، منكمْ
برضه من حقى أكون نَفْسى: وحيد
بس مش بالغيك، ما هو انت مش بعيد
…. حبّة حبّة
…… يحتوينا الحضن قُــبّه
حضن كل الناس خيمتنا وأمْـنِـنَـا
حضننا لو صَح يوصل لمّا عند ربنا
كده نضمن لو خـِلى واحد بنا
مش حانغرق وسط دوّامة الضياع والمسكنة
لو حمانا حضنكم حبة كُتاَر
حضنكو الدافى اللى مش لهاليب ونار،
حضن يحمى، بس يسمح،
حضن بيطـمـَـن، ويمنح:
فرصة للى بِـدُّه يسرح
إنه يلعب- يجرى- يشطح
وامّا يرجع يلتقيه ما زْعلشى منّهْ
ماهو لمّا راح ما كانشى غصب عنّـه
تبقى حركة مش كَلَبْشات خانقة ماسكة
والقلوب مع بعضها، مش سايبة فـكّة
لو كده: نكبر ونعملها: نطير
كل واحد يبقى ناس حلوة كتير
بس يتريـّس عليهم “حدّ” منهم
بالتبادل والسماح مش غصب عنهم.
تفضل الحركة كده جوه وبرّه
بس يتغير رئيسها كل مرة
لمْ يبطـّـل إنه يدخل ثمّ يطلعْ
يبقى آمـِنْ، قومْ يهدّى اللعب، مش محتاج يبرطع.
تبقى رحلة حركة دايمة مِـالـّلى هيـّـهْ
لمّا نسمح إننا نِصْغَرْ شويةْ
لاجل ما نكبر كما شجرة عفية
اتروت: حُـب وميّة
أبعاد أخرى:
هذه الأغنية، تؤكد معظم ما سبق من أبعاد الحركية والمسافة والتحديد، وتضيف أخرى:
أولا: الحق فى الوحدة دون رفض الآخر To be alone with
برضه من حقى أكون “نفسى”: وحيد،
بس مش بالغيك، ما هو انت مش بعيدْ
كثيرا ما يشاع أن الوحدة هى شىء مرفوض طول الوقت، وأن الشخص الذى يمارس وحدته هو شخص انطوائى منغلق… إلخ. هذا غير صحيح. إن قبول الوحدة المرحلية هو جزء لا يتجزأ من “برنامج الدخول والخروج”، هو أمر طبيعى بل وصحى فى حدود دورها فى الحفاظ على العلاقات الإنسانية: مرنة ومتحركة كما أشرنا.
إن الانتقال من الذات إلى الآخر وبالعكس، فى التوقيت المناسب، يزيد من فرص التعرف على هذا الآخر تعرفا متجددا باستمرار، وهو أيضا يعفى الذات من الاختناق بحضور الآخر محيطا طول الوقت. إن هذا الحق فى الوحدة قد يكون ألزم فى العلاقات الزوجية (كمثال).
تاريخ التطور يجسد لنا فائدة الانسحاب إلى البيات الشتوى فى كثير من الأحياء بما يحافظ على حيوية واستمرارية التجدد البيولوجى والتطور والحياة.
ثانيا: القاسم المشترك الأبقى
حبّة حبّة، يحتوينا الحضن قُـُـبّه.
حضن كل الناس خيمتنا وأمْـنِـنَـا.
حضننا لو صح يوصل لمّا عند ربنا،
كده نضمن لو خـِلى واحد بنا،
مش حانغرق وسط دوّامة الضياع والمسكنه
التهديد الحقيقى لتشويه أو إفشال العلاقات البشرية هو أن تقتصر على اثنين بمعنى الاحتكار والاستبعاد لكل من هو خارج هذه الدائرة المغلقة بين اثنين. إن الفرق بين القدرة على الحب، وبين الوقوع فى “حالة الحب”، هو الفرق بين المولـّـد الكهربى، والبطارية. المولـّـد الكهربائى يصدر طاقة فياضة تتجدد بالحركة باستمرار، أما البطارية فهى تفرغ بالاستعمال ما لم يغذيها المولد أولا بأول. الذى يحافظ على الحب الثنائى هو أن يكون ممثلا للقدرة على الحب، وليس احتكارا لفعل الحب، وهى قدرة تمتد عبر كل الناس إلى الله عز وجل الذى خلقنا ليتوجه كلٌّ من موقعه إليه عبر الناس. هذا هو ما أسميته “القاسم المشترك الأبقى”، وهو الذى يحمى المحب ضد مفاجآت التخلى، يحميه من الضياع، مثلما يحميه من مذلة الاستجداء.
ثالثا: السماح ودرجة الدفء
حضنكو الدافى اللى مش لهاليب ونار،
حضن يحمى، بس يسمح،
حضن بيطـمـَـن، ويمنح:
فرصة للى بِـدُّه يسرح.
إنه يلعب- يجرى- يشطح.
وامّا يرجع يلتقيه ما زْعلشى منّهْ.
ما هو لمّا “راح” ما كانشى غصب عنّـه.
مع دوامية الحركة، يجرى السماح تحت مظلة من الطمأنينة، حتى لو أدى هذا السماح أحيانا لما يبدو شطحا. السماح يواكب درجة حرارة الحنان التى كلما كانت مناسبة، كانت فرص النمو أكبر. الدفء المناسب المتقطع هو الذى يجعل بيض الطيور يفقس، لو زادت درجة حرارة الاحتضان حتى اللهيب،أو زادت مدته حتى الاختناق، انسلق البيض أو فسد دون فقس.
أخيرا: التعدد والواحدية
لو كده: نكبر ونعملها: نطير،
كل واحد يبقى ناس حلوة كتير،
بس يتريس عليهم حدّ منهم،
بالتبادل والسماح مش غصب عنهم.
تفضل الحركة كده جوه وبرّه،
بس يتغير رئيسها كل مرة.
لمْ يبطـّـل إنه يدخل ثمّ يطلعْ،
يبقى آمِـن،
قومْ يهدّى اللعب، مش محتاج يبرطع.
نكتفى هنا – مؤقتا – أن نشير إلى أن حركية العلاقات وتبادلها وحيويتها وتجددها، كل ذلك يتيح فرصة لمستويات الوعى المختلفة أن تتشكل وتتبادل بكثرة قابلة للجمع تحت قيادة واحد منها، لكن فى لحظة بذاتها لا يوجد إلا قائد واحد هو الذى يدير الدفة حسب التوجه المناسب للموقف والمهمة، ثم تتبادل المستويات القيادة، مثل تبادل النوم واليقظة. (وهذا موضوع يحتاج إلى عودة مستقلة).
استلهام ختامى
حين كشفت عن مادة “حنَن”َ فى المعجم الوسيط، وجدت أن الله “الحنّان” يعنى الرحيم، ثم أضاف المعجم ما ذكّرنى أن الحنّان هو من أسماء الله الحسنى. وبرغم أننى لا أتوقف عند ما فى المعاجم كثيرا، إلى أنى فرحت بهذا الكشف حتى عدت أقرأ فى التنزيل الكريم الآية: “وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا” سورة مريم (الآية 13)، بوعى آخر. بل إننى عدت أقرأ البسلمة بشكل مختلف. اقتران الرحمن بالرحيم، ليس تكرارا، ولا ترادفا. إنه مع تذكر كيف أن الله يرانا حتى وإن لم نكن نراه، (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك) هو عين ما أردت توصيله من خلال هذه المراجعة لمعنى الحنان الذى يجمع بين الرؤية والحركة والمرونة والثقة والموضوعية. رجحت أن رؤية الرحمن الرحيم لنا، حتى لو لم نكن نراه، هى إقرار لما خلقنا به متميزين فطرة وأفرادا، هى دعوة أن نراه معا فينا، رؤيته لنا تعالى ليست فقط للمحاسبة فالثواب والعقاب، وإنما للرحمة والحنان والإقرار بحقنا أن نكون معا إليه سبحانه، ليس كمثله شىء.
*****
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – يحيى الرخاوى “فيض نبض: الطب النفسى(2) “هل نعرف ما هو الحنان؟ وكيف؟” (الطبعة الأولى 2020)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
[2] – يحيى الرخاوى “صراع الوحدة وجدل العلاقات البشرية، انطلاقا من رواية “يقين العطش: إداور الخراط”، الطبعة الأولى (2019) منشورات جمعية الطب النفسى التطورى.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى



طبق الاصل
تفتح كوة
تدخل رحمة
ثم رحمات
تفيق علي معية
حتمية
علي الصراط
تتجاذبها قوي عبثية
تتشبث
تنتصر
تسقط في وحدة
رائعة
تطلبها
يتلامس نورها
مع اي نور في الظلال
تهتدي به معه دون معية
يظللها
تبكي
تتألم
تعلم
تقف
تخر راكعة ساجدة
حامدة
محبة وجلة
تنهمر عليها زخات الوجود.