نشرة “الإنسان والتطور”
الاثنين: 23-3-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6778
كتاب: من فيض نبض الطب النفسى [1]
أنت معنى الكون كله!!
مقدمة:
هذا العمل هو الجزء الأول من تجميع عدد من سلسلة مقالات صدرت مع أول عدد من روز اليوسف اليومية ([2]) حين تفضل الابن “محمد هانى” مدير التحرير بدعوتى للكتابة وأخبرنى أنهم قد أفردوا لى صفحة كاملة أسبوعيا، وقد انزعجت من هذا الكرم بقدر ما انزعجت من هذه المساحة، وأيضا بقدر ما تحفظت أو تخوفت أن أكتب فى صحيفة قومية أسبوعيا بهذه الرحابة، وحين اشترط ُّعليهم ألا تكون هذه الصفحة متخصصة فى الطب النفسى أو الصحة النفسية دُهـِـشت أنهم قد استضافونى وهم يعلمون ذلك تحديدا، بل ويكاد هذا نفسه يكون هو مبرر اختيارهم لقلمى كما قالوا.
لا أميل كثيرا إلى هذه الطريقة فى إصدار الكتب، أعنى جمع مقالات متفرقة ظهرت فى ظروف مختلفة لأغراض متباينة، لكننى أحيانا أتعرف من خلالها –هذه الطريقة- على طيف متكامل من المعلومات التى تـُبلغنى ما يشغل الكاتب فيشغلنى، فأصاحبه أو أحاوره ما وجدت إلى ذلك سبيلا.
بقدر ما تسمح ذاكرتى كان اقتراح الابن محمد هانى وموافقتى، أو العكس لا أذكر، أن تكون هذه الصفحة بمثابة قراءة مشتملة عن النفس البشرية، وهو ما أسميه مؤخرا “النص البشرى”، وهو تعبير استلهمته من موقفى العلاجى الذى اختزلته في: “نقد النص البشرى” بمشاركة النص نفسه، وكان العنوان الأصلى الذى صدرت به هذه المقالات هو “الإنسان“، إلا أننى فضلت تغييره إلى العنوان الحالى “ربى كما خلقتنى”، أثناء مراجعتى له إعدادا للطبع مجتمعا.
لم أحاول أن أعيد ترتيب المقالات فى أبواب حسب الموضوع، لكننى أوردتها فى ترتيبها الزمنى تقريبا كما ظهرت أسبوعيا من 19/8/2005 إلى 30/12/2005
وأخيراً، ينبغى أن أنوه إلى أن أجزاء من هذه المقالات قد ظهرت إلكترونيا أيضا فى النشرة التى أصدرها يوميا فى الموقع الإلكترونى الخاص بى، أو غير ذلك من إصداراتى الأخرى، فعذرا للتكرار، وإن كنت أتصور أن له فائدة ما،
هذا ولم يحدث أى تغيير جوهرى فى المقالات كما ظهرت أول مرة، وإن كان قد تم تصحيح بعض الأخطاء المطبعية والصياغية، كما أضيف عدد قليل من الهوامش، كذلك أضيفت بعض العناويين الفرعية، كما تم حذف عدد قليل من الاستطرادات التى رأيت أنها قد تبعد القارئ عن الفكرة المحورية بعدًا مـُخلاًّ.
*****
الفصل الأول
الإنسان العادى والمعرفة (1)
استهلال:
هى محاولة لنتعرف على ما هو “إنسان” بعد كل الذى كان ويكون[3].
الإنسان (كل إنسان) دون سائر الأحياء، لا يكون كذلك إلا إذا تميز بالوعى، وأيضا تميز بجدل محاولة عمل علاقة بآخر من نفس جنسه، علاقة تتجاوز مجرد “الاستعمال” و”الكر والفر”. كل واحد منا، على هذا الأساس، مهيأ – دون وصاية معقدة- أن يفعلها، أن يعرف من هو وإلى درجة أقل: إلى أين. لا يمكن أن نفعل ذلك إلا إذا بدأنا من إنساننا نحن، وتحديدا من واقع ثقافتنا الراهنة.
من نحن؟ من هو؟ كيف هو؟ ماذا يستطيع؟ وكيف يضيع؟ وكيف لا يضيع؟
لا نملك إجابات جاهزة، لكننا نحاول تحمل مسئولية السؤال وكل تركيزنا على الشخص العادى، متلقيا ومحاورا وناقدا ومبدعا. نحن نقدر منذ البداية خطورة الطموح، وصعوبة التواصل، إلا أن الصعوبة لا تعنى الاستحالة على أية حال.
وقع بعض العلم أو أغلبه فى مأزق حقيقى: وذلك حين تصور أنه يستطيع أن يحل محل المعرفة والخبرة المباشرة، تماما مثل مأزق بعض الفقه الرسمى حين تصور أنه يمكن أن يحل تماما محل الإيمان الفطرى، العلم المؤسساتى أصبح باهظ التكلفة، فاحتكره أو كاد يحتكره من يملك تكلفته، دون ضمان حمل أمانته.
العلم أخطر وأنبل وأهم من أن يـُـترك للعلماء
المعرفة أكبر من العلم وأشمل، لكن العلم أنصع وأدق.
والوعى أوسع من العقل وأرحب، لكنه لا يلغيه ولا يحل محله تماما!
يقول أينشتاين:
العلم ليس سوى إعادة ترتيب لتفكيرك اليومى.
كما يقول:
لا يمكننا حل مشكلة باستخدام العقلية نفسها التى أنشأتها.
لم يحدث من قبل فى أية لحظة من لحظات التاريخ أن أتيحت فرصة لتقارب البشر بعضهم من بعض بكل هذه السرعة والمبادرة، بغض النظر عن النوع والدين واللون والهوية.
فى نفس الوقت لم يتعرض البشر لاحتمالات الانقراض بهذه الوسائل التدميرية العملاقة الجاهزة الغبية مثلما يتعرضون له الآن، من هنا لزمت المواجهة على كل الجبهات.
لكى ننجح فى هذه المهمة، لا بد أن نعيد التعرف على ماهية الإنسان من جديد، هذا التعرف هو مهمة كل فرد دون استثناء، يقينى أن الله سبحانه وتعالى سيسأل كل واحد منا على حدة عن مدى كدحه فى هذا المقام كدحا، من هنا جاءت ضرورة الاهتمام الشامل بالتأكيد على ضروة فتح الأبواب، كل الأبواب، للمعارف المتنوعة من كل المصادر.
نحن نولد ونحن نحمل تاريخ معارفنا الأساسية، نولد ونحن “نعرف”، وأيضا ونحن “على استعداد أن نعرف” أكثر فأكثر، وأنفع فأنفع،، ثم بعد ذلك تتواصل المعرفة من كل المصادر عبر الوعى والحواس، بالخبرة والممارسة جميعا. لا ينبغى أن نستثنى أى مصدر، ولا أن نستبعد أية قناة من قنوات المعرفة. لماذا نفعل ذلك؟ نستبعد ماذا؟ لصالح من؟ (بأمارة إيه؟)
وسوف نتناول لتوضيح بعض ذلك ثلاث نقاط تمهيدية كأمثلة طبيعية:
أولاً: تعدد قنوات ومناهل المعرفة
المعرفة، والحاجة إلى المعرفة، تبدأ من الناس، مما هم، لتصب فيهم، فى محاولة الإسهام فى تشكيل وعيهم: الوعى الشعبى هو البنية الأساسية المشتـَـمـِـلة “هنا والآن”، والتراث الشعبى لا يقتصر على الأمثلة العامية، أو الأغانى الشعبية، أو الرقص الشعبى. الوعى الشعبى (الآني) بكل ثقله ووعوده وعيوبه وأخطائه، هو التجلى المباشر لأحوال عامة الناس ظاهرا وباطنا فى لحظة بذاتها. (وهو ليس بالضرورة ما يظهر فى قياسات الرأى العام).
دون الدخول فى تفاصيل يحتشد وعى الكائن البشرى – بالإضافة لمنظومة الموروث البيولوجى – بكل ما يصله من معارف وخبرات وجمال وقبح من خلال قنوات متعددة، من أهمها: المعلومات العلمية، وفعل الفلسفة[4]، (وهو غير تنظير التفلسف) ومنظومة التراث الشعبى، والوعى الشعبي، ثم منظومة الفنون والآداب، ومنظومة الوعى الإيمانى (وهو غير الفتاوى الدينية) فتتجلى محصلة كل ذلك وغيره سلوكا ظاهرا وكامنا فى الممارسة اليومية.
إن أية بداية صحيحة لتعريف الناس ببعض ما ينبغى أن يعرفوه لينطلقوا منه لا بد أن تنطلق من واقع الناس، ليس بمعنى استفتائهم، أو استرضائهم، وإنما بمعنى فهم وتعميق أحوالهم المثيرة للكشف، والمتجذرة فى الوعى، كما أن أى تشكيل بنّاء للوعى لا بد أن يصب فى صالح الناس وأن يقاس بمقاييس حركية الحياة نحو الأرقى، بغض النظر عن قيمته الأكاديمية المجردة الحقيقية أو المزعومة.
إن ما يجرى فى المعامل وما يخرج منها من معلومات ليس هو غاية المراد، وإنما هى وسائل تستلهم توجهاتها من حاجات وآمال ومشاكل الناس، وبالتالى فإن حقيقة نجاحها تقاس بما تصبه فى حياتهم، وما توجه به مسارهم، وتؤكد استمرارية بقائهم، فتطورهم.
إن حس الشخص العادى ومنطقه البسيط - حتى لو أخطأ – لا بد أن يؤخذ فى الاعتبار من جانب من يتصدى لتقديم البديل المناسب للثقافة الأنفع، وخاصة فى البلاد النامية. إن معطيات العلم تتفاعل بشكل مستمر مع كل المعارف الأخرى: مثل التقاليد، والدين الصحيح، والدين المشوه، والحدس الشعبى الصادق والكاذب، والأغانى الهابطة والراقية، وجمال اللغة وتجديدها، وتشويهها، بما فى ذلك لغة الشباب الجديدة الجميلة والمشوهة أيضا. ليس المطلوب أن يقف العلم فى مواجهة تصادمية مع ما لا يستسيغه من هذه المصادر، هذا موقف غير علمى، وإنما عليه أن يرصدها، ويستلهمها، ويتجادل معها ليتطور، وهو يطورها.
منظومة الفنون والآداب هى مصدر رائع للمعرفة، بقدر ما هى تنسيق للوعى الجمالى. لم يعد الخط الفاصل بين منظومة الفنون والآداب، وبين منظومة العلوم بنفس التحديد الفاصل الذى شاع بيننا ردحا من الزمن.
إن أية معلومة تُحشر فى الدماغ دون أن تكون قابلة للحوار، أو الاختبار، يمكن أن تكون رائعة، أو نادرة، أو لامعة، لكنها قد لا تسهم فى تشكيل الوعى إلا بمقدار ما تغيـِّـر من سلوك، وتثير من حوار، وتدعو إلى نقد، وكل هذا إنما يتحقق من خلال الممارسة اليومية بشكل أو بآخر(ليس بالضروة بقصدٍ واعٍ)
من خلال كل ذلك يمكن أن يعيد الشخص العادى تشكيل وعيه باستمرار، وأن يجدد ثقافته بانتقائية ليست فى متناول العلم المنعزل عن الممارسة اليومية.
…………………….
……………………..
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل الأول: “الإنسان العادى والمعرفة”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – يحيى الرخاوى “من فيض نبض: الطب النفسى (1) “أنت معنى الكون كله!!” (الطبعة الأولى 2020)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
[2] – أول إصدار لجريدة روزاليوسف اليومية بتاريخ 19-8-2005
[3] – جاء فى استهلال هذه السلسلة “من فيض نبض الطب النفسى” ما فضلت أن أحتفظ به فى الهامش لتغير موقع النشر، ونص ذلك:
نشأتُ – مثل جيلى – فى رحاب مقالات إحسان عبد القدوس السياسية فى روزاليوسف فى الأربعينات وحتى قامت الثورة. كنا نستنشق من خلالها عبير تلك السيدة العظيمة التى لم تعد كيانا بشريا له ولد ومجلة، بل كانت وما زالت “معنى” متجددا دائما.
[4] – استعمل تعبير “فعل الفلسفة” لأنفى به تصور العامة أن الفلسفة هى نقاش كلامىّ تنظيرىّ معقد، فهى بالنسبة لى “موقف”، أو “توجه”، أو”تساؤل فاعل” فى الوعى، بما يثيره إلى التحريك فالإبداع.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


