الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / كتاب: من فيض نبض الطب النفسى: أنت معنى الكون كله!! الفصل الرابع: كيف يكون الاختيار بين الحب والحياة؟

كتاب: من فيض نبض الطب النفسى: أنت معنى الكون كله!! الفصل الرابع: كيف يكون الاختيار بين الحب والحياة؟

نشرة “الإنسان والتطور”

الاثنين: 4-5-2026

السنة التاسعة عشر   

 العدد:  6820

كتاب: من فيض نبض الطب النفسى [1]

أنت معنى الكون كله!!

الفصل الرابع

كيف يكون الاختيار بين الحب والحياة؟

هل يمكن أن يجد أحد نفسه فى موقف يرغمه أن يختار- فى عمق وجوده- بين الحب والحياة؟ هل يمكن أن يعلمنا الإبداع الأعمق معنى آخر لما لا نكف عن ترديده حول الحب والثقة والكره والقتل؟ هل يمكن أن يسعى الإنسان بعد طول رحلة تطوره إلى نوع آخر من العلاقات؟ نوع أعمق، وأخطر، وأجمل، وأصعب؟. هل هناك أصلا ضرورة للاختيار بين الحب والحياة، وما معنى هذا الحب وما هى تلك الحياة؟

هى رواية “العطر: تأليف باتريك زوسكند 1997[2]

هى رواية تتناول فى جوهرها الطبيعة البشرية فى سجن وحدتها، وحتم حركتها نحو كسرها، وفى نفس الوقت فى سعيها الفاشل المرعب نحو تواصل غريب مستحيل لا يستبعد القتل سبيلا إليه، وهى تضع الحب نقيضا للحياة بالنسبة لمسيرة بطلها، عكس ما نعرف ويشاع، وقد غاص فى هذا التحدى كاتب الرواية حتى النخاع، وخرج منه بما يضيف إلينا ما ينبغى معرفته عن طبيعتنا البشرية الرائعة الغامضة، أعمق وأكثر اختراقا من إسهامات العلم.

 المقتطف

ص23

…. كان غرينوى شديد المقاومة كالبكتيريا المنيعة، وقنوعا كقرادة ضئيلة تقبع مستكينة مكتفية بقطرة الدم الوحيدة التى اقتنصتها قبل أعوام. كان جسمه قادراً على الاكتفاء بالحد الأدنى من الغذاء والملبس، أما روحه فلم تكن بحاجة لأى شئ. فالطفل غرينوى كان بغنى عن الشعور بالأمن والدفء والحنان والحب، أى عن كل هذه التسميات التى يزعم البعض أن الطفل بحاجة إليها. ولكن يبدو لنا أنه قد تعمد الاستغناء عنها منذ البداية، كى ينجو بحياته. إن الصرخة التى اطلقها عقب ولادته، من تحت طاولة السـَّـلخ والتى دعا بها نفسه الى الحياة وأمه إلى المقصلة، لم تكن صرخة غريزية بحثا عن الشفقة والحب…. اراد بها الوليد الجديد أن يحسم أمره ضد الحب ولصالح الحياة. وفى ظل الظروف المهيمنة لم يكن هذا ممكنا دون ذلك….. لقد كان شنيعاً منذ البداية، فاختياره الحياة كان نابعاً من إحساسه بالتحدى والكراهية فحسب.

إنه لأمر بدهى مفهوم أن غرينوى لم يمارس عملية الاختيار، كما يفعل البالغ الراشد الذى يستخدم إرادته؟،…. إنما كان اختياره نباتياً، أى كالحبة المرمية التى عليها أن تختار بنفسها، إما أن تنمو أو تموت، أو كحشرة القرادة القابعة على جذع شجرة، والتى ليس لدى الحياة ما تقدمه لها سوى النجاة المتكررة من كل شتاء،……. ومثل غرنوى كمثل هذه القرادة الوحيدة، المتكورة على نفسها فوق شجرتها، صماء بكماء عمياء وهى تتشمم فحسب، تتشمم وعلى مدى السنين والمسافات دم الحيوانات العابرة والمتجولة…. هذه القرادة العنيدة المتعفنة والمقرفة تصر على الحياة وتنتظر تنتظر حتى تسوق لها الدم، صدفة عجيبة، فى صورة حيوان ما، الى تحت شجرتها تماما، حينئذ فقط كانت تتخلى القرادة عن تحفظها، فترمى بنفسها فوق اللحم الغريب لتتكالب عليه وهى تعض وتنهش…

والطفل غرنوى كان مثل هذه القرادة، فقد عاش متكيسا على نفسه بانتظار الزمن الأفضل. لم يقدم للعالم من ذاته سوى غائطه، لا بسمة ولا صرخة ولا التماعة عين، ولا حتى رائحته…

 القراءة:

غرينوى، بطل الرواية، هو لقيط أُنقذ بمحض الصدفة من أن تقتله أمه فور ولادته، وأُعـْدِمت أمه بتهمة قتل أولادها (غيره) غير الشرعيين الواحد تلو الآخر، ولد بلا رائحة تجذبه إلى البشر أو تجذب البشر إليه، (بالمعنى العيانى والمجازى معا). هذه الحقيقة تكتشفها المرضعة تلو الأخرى، ثم تـَـبـْـلغه فتبدأ رحلته المتحدية، بعد أن لفظته أمه حتى قبل ولادته.

الاختيار الغريب الذى تطرحه الرواية منذ البداية هو أنها تضع لنا الحب ضد الحياة، كما ذكرنا فى البداية، التحدى الأكثر إبداعا هو أنها تظهر لنا كيف أن قرار الحياة يتم تحقيقه عن طريق الكره بإرادة خفية أقرب إلى إرادة الحياة، نهاية الرواية تؤكد هذا التوجه أيضا.

الرواية تدعونا إلى أن نفكر كيف نتجاوز المألوف فى فهم العلاقات البشرية. إن تصويرنا للتربية المثالية، والعلاقات الجميلة، والحب الرائق، والسياسة الناجحة، بشكل سلس آمِل: إنما يصلح لمستوى معين من التواصل التكيفى بين البشر، أو لتنظيم الأسرة وترتيب المجتمع، أو لتحديد الحقوق والواجبات، أما حقيقة العلاقات البشرية فلها عمق آخر لا مفر من مواجهته بإبداع منشئ، ثم إبداع ناقد، فاختبار فتعديل فتطوير لا ينتهى.

إن وضع غرينوى فى هذه الرواية لا يمثل تنويعا مقبولا من الوجود البشرى. إنه الجانب الجاف الصـّلب الذى يتصادم مع الشائع الذى نعرفه، ونروجه، وبدون هذا الجدل لا يمكن أن نعرف هذا الإنسان على حقيقته. إن الرواية تقدم الطبيعة البشرية العارية فى صورتها الشرسة المنفصلة التى تجعل الحياة تتواصل بالقتل والكراهية، بقدر ما تظهر الحب وكأنه هو الخطر الحقيقى على الحياة إذا كان مسطحا أو ملتهما أو خاملا أو لاغيا.

من منطلق آخر، فإن غرينوى فى العطر – من أول الرواية حتى آخرها بدا نيزكا منفصلا عن الناس والكون معا، فتجاوز الناس إلى التألّه الفاشل، لكنه لم يتجاوزهم فقط بالاستغناء عنهم، بل تجاوزهم أيضا بأن يستعمل بعضهم، ويتحدى جمعهم، ثم يقتل من تيسر منهم ممن يظن أنهم يحملون “رائحة” الحياة الأصل، كما يريدها ويتصورها ليؤلف من تشكيل عطورهم عطره الخاص الفريد ليتأله به، ومع أنه تنازل بذلك عن بشريته التى لا تتحقق إلا بالتواصل مع بشر آخر، ومع أنه قد حقق ألوهيته الزائفة عن طريق قتل العذارى الواحدة تلو الأخرى، فإنه حين نجح فى ذلك وفاح منه عطره الساحر المتفرد الذى ليس كمثله عطر، جاءت نهايته عدما فى بطون أكلة لحوم البشر الذين حين فعلوها “..كانوا فخورين إلى أقصى حد، فلأول مرة فى حياتهم فعلوا شيئا عن حب”!!!

ماذا يقول العلم موازيا؟

العلم الأحدث يزعم أن كل ما يحتاجه الطفل ليحصل على الثقة ويواصل المسيرة: هو الرعاية الحانية والحماية التسكينية، ندع فرويد جانبا فقد صاغ الصعوبة بطريقته الخاصة (أوديب والخصاء، والتنافس المحارمى…إلخ) التى لم تعد كافية.

إريك إريكسون هو الذى أضاف فى كتابه الرائع “الطفولة والمجتمع” ما يفيد أن الإنسان يولد من جديد فى كل دورة نمو من الولادة حتى الوفاة (ثمان عصور – ولادات- لكل منا على الأقل)، وأنه فى كل ولادة جديدة يجد الواحد منا نفسه بين منطلقين يبدوان على طرفى نقيض. يكفينا هنا أن نتوقف عند المرحلة الأولى عقب الولادة مباشرة، وهى مرحلة لا تختفى أبدا مهما لحقتها مراحل أنضج فأنضج (مثل سائر المراحل). لا تختفى وإن ظلت كامنة داخل سائر المراحل! هى مرحلة تسمى “الثقة فى مقابل اللاثقة” Trust versus Mistrust.

 إذا كان لنا أن نتحدث عن ضرورة توفير الثقة كأساس صلب للوجود البشرى، فلا بد أن نقبل أن الثقة الحقيقية الجدلية البناءة إنما تتولد من اللاثقة، ثم إنه من خلال هذا الجدل المبدئى، تتحرك عملية النمو إلى ما تـَـعـِـدُ به من مراحل تالية كلها فيها نفس الفكرة.

فى مدرسة أخرى هى مدرسة العلاقة بالموضوع Object relation theory (المدرسة التحليلية الإنجليزية) يمر الطفل بعد الولادة بقليل بموقف توجسى حذر”، وذلك لأنه حين يتعرف على العالم، وأن هناك يوجد كيان آخر غيره، يتوجس من ذلك الشر فيستعد له بالتوجس والشك والحذر، ومن ثم بالكر والفر، هو لا يستغنى عن هذا الأخر فهو لا يكون إنسانا إلا به، وفى نفس الوقت هو لا يأمن له ويخشى الاقتراب منه خوف الالتهام. من هنا نواجه حتمية الشك وحتمية اللاثقة، تلك الحتمية القادرة على أن تتفجر منها الثقة – دون إلغاء ضدها- من خلال جدل خلاق.

برغم صعوبة هذه اللغة على القارئ العادى إلا أننى أشعر أنها ضرورية إذا ما أردنا أن نكشف عن بعد أعمق من الطبيعة البشرية، بـُـعـْـدٍ قد يجعلنا أقدر على فهم طبيعة ما هو علاقة نحاول إرساءها فيما بيننا بشكل أعمق وأبقى وأكثر إثراء ونبضا وجمالا. هذا الموقف التوجسى المبدئى الذى تبدأ به حياة البشر يبدأ بإعلان أن حضور الآخر فى وعى الإنسان (الطفل النامى أساسا) هوضرورة مواجهة بداية الطريق نحو تأنيسه (أن يكون إنسانا).

إن “الآخر” لا يكون آخرا بالنسبة لى إلا إذا كان كيانا مستقلا عنى، عن ذاتى أنا، أى كيانا “حقيقيا”، الأمر الذى نزعم أننا نمارسه حين نتكلم عن الحب وعن قبول الآخر وعن الثقة، فى حين أننا قد نكون فى عمق المحاولة نمارس خدعة أننا لا نعمل علاقة إلا باحتياجاتنا نحن، وإسقاطاتنا نحن. إن حضور هذا الآخر فى وعينا يبدأ – طبيعيا – باعتبار أنه خطر يهدد وجودنا، خطر بمعنى أنه قد يسحقنا فيلغى وجودنا لحسابه، أو قد نلتهمه نحن احتياجا أو خوفا، فنلغى وجوده، وفى نفس الوقت نحرم أنفسنا منه، ومن هنا يتراجع الجدل.

إن هذا النوع من العلاقة، وهى تسمى علاقة الكر والفر Fight Flight إنما يعلن أن وجود الآخر هو الخطر بعينه، لكنها مرحلة لا تدوم وإن كانت تكمن أيضا جاهزة للتنشيط، فهى تسمح لنا بأن نستدعيها كلما احتجنا إليها (أى كلما لزم الأمر للكرّ والفرّ)، وأحيانا تقتحم الوعى الظاهر – خاصة بعد كبت طويل – دون استئذان وبعنف، فى شكل مرضى.

 فى هذه المرحلة يعتبر الحب تهديدا، ويعتبر أى اقتراب أكثر من المسافة التى تسمح بمواصلة “الكر والفر” غير مرغوب فيه، لعل فى هذا ما يفسر موقف غرينوى السالف الذكر: “الحياة ضد الحب ” النص التالى يوضح ذلك تفصيلا

النص: من ديوانى “سر اللعبة”[3]

‏-1-‏

لا‏ ‏تقتربوا‏ ‏أكثرْ‏.. ‏

إذ‏ ‏أنـّـي‏: ‏

ألبس‏ ‏جلدى ‏بالمقلوبْ، ‏

حتى ‏يُـدمى ‏من‏ ‏لمسٍ‏ ‘‏الآخرْ‏’ ‏

فيخاف‏ ‏ويرتدْ‏ ‏

إذ‏ ‏يصبغُ‏ ‏كـفذـيْـه‏ ‏نزفٌ‏ ‏حىْ ‏

وأعيش‏ ‏أنا‏ ‏ألمى، ‏

أدفع‏ ‏ثمنَ‏ ‏الوحدة‏.

‏-2-‏

……………..

أهرب‏ ‏منكمْ، ‏

فى ‏رأسى ‏ألفىْ ‏عينٍ‏ ‏ترقبكمْ، ‏

تبعدكْم‏ ‏فى ‏إصرارْ‏. ‏

أمضى ‏وحدى ‏أتلفتْ.‏

‏-3-‏

‏… ‏لكن‏ ‏حياتى ‏دون‏ ‏الآخر‏ ‏وهم‏: ‏

صفر‏ ‏داخل‏ ‏صفر‏ ‏دائر‏

…. ‏

لكن‏ ‏الآخر‏ ‏يحمل‏ ‏خطرَ‏ ‏الحبْ‏ ‏

إذ‏ ‏يحمل‏ ‏معه‏ ‏ذل‏ ‏الضعفْ‏

….. ‏

يتلمظ‏ ‏بالداخل‏ ‏غولُ‏ ‏الأخذْ‏ ‏

فأنا‏ ‏جوعان‏ ‏منذ‏ ‏كنتْ‏ ‏

بل‏ ‏إنى ‏لم‏ ‏أوجد‏ ‏بعدْ‏ ‏

من‏ ‏فرطِ‏ ‏الجوعِ‏ ‏التهمَ‏ ‏الطفلُ‏ ‏الطفلْ‏ ‏

فإذا‏ ‏أطلقت‏ ‏سعارى ‏بعد‏ ‏فوات‏ ‏الوقتْ،‏

ملكنى ‏الخوف‏ ‏عليكمْ‏. ‏

اذ‏ ‏قد‏ ‏ألتهمُ‏ ‏الواحَد ‏منكمْ‏ ‏تلو‏ ‏الآخرْ، ‏

دون‏ ‏شبعْ‏.‏

‏-4-‏

يا‏ ‏من‏ ‏تغرينى ‏بحنانٍ‏ ‏صادقْ‏، ‏فلتحذرْ،

 ‏فبقدر‏ ‏شعورى ‏بحنانك‏: ‏

سوف‏ ‏يكون‏ ‏دفاعى ‏عن‏ ‏حقى ‏فى ‏الغوصِ‏ ‏الى ‏جوف‏ ‏الكهفْ، ‏

وبقدر‏ ‏شعورى ‏بحنانك‏: ‏

سوف‏ ‏يكون‏ ‏هجومى ‏لأشوِّه‏ ‏كلَّ‏ ‏الحبِّ‏ ‏وكلَّ‏ ‏الصدقْ، ‏

فلتحذرْ‏ ‏

إذ‏ ‏فى ‏الداخلْ‏ ‏

وحشٌ‏ ‏سلبىٌّ ‏متحفـزْ‏ ‏

فى ‏صورة‏ ‏طفل‏ ‏جوعانْ‏ ‏

وكفى ‏إغراءَا

وحذارِ‏ ‏فقد‏ ‏أطمعُ‏ ‏يومًا‏ ‏فى ‏حقى ‏أن‏ ‏أحيا‏ ‏مثل‏ ‏الناسْ‏ ‏

فى ‏حقى ‏فى ‏الحبْ‏.

ألبسُ ‏ ‏جلدى ‏بالمقلوبْ‏ ‏

فلينزفُ‏ ‏إذ‏ ‏تقتربوا

ولتنزعجوا‏ ‏

لأواصلَ‏ ‏هربى ‏فى ‏سردابِ‏ ‏الظلمةْ‏.

نحو‏ ‏القوقعةِ‏ ‏المسحورةْ‏ ‏

……

لكن‏ ‏بالله‏ ‏عليكم‏: ‏ماذا‏ ‏يغرينى ‏فى ‏جوف‏ ‏الكهف، ‏

وصقيعُ‏ ‏الوحدة‏ ‏يعنى ‏الموتْ؟‏ ‏

لكنَّ‏ ‏الموتَ‏ ‏الواحدْ‏:… ‏أمرٌ‏ ‏حتمىٌّ ‏ومقدرْ،

‏أما‏ ‏فى ‏بستان‏ ‏الحبْ، ‏

فالخطر‏ ‏الأكبرْ:‏ ‏

أن‏ ‏تنسونى ‏فى ‏الظلْ، ‏

ألا‏ ‏يغمرنى ‏دفء‏ ‏الشمسْ‏ ‏

أو‏ ‏يأكل‏ ‏برعم‏ ‏روحى ‏دود‏ ‏الخوفْ‏. ‏

فتموت‏ ‏الوردةْ‏ ‏فى ‏الكفنِ‏ ‏الأخضرْ، ‏

لم‏ ‏تتفتح‏ ‏

و‏ ‏الشمسُ‏ ‏تعانقُ‏ ‏من‏ ‏حولى ‏كل‏ ‏الأزهارْ،‏

هذا‏ ‏موتٌ‏ ‏أبشع‏.

لا‏.. ‏

لا‏ ‏تقتربوا‏ ‏أكثر، ‏

جلدى ‏بالمقلوبْ‏ ‏

والقوقعةُ‏ ‏المسحورةْ‏ ‏

تحمينى ‏منكمْ‏. [4]

هذا ما فعله غرينوى، تقريبا بالضبط، فقد لجأ فى الرواية إلى كهف الجبل (القوقعة المسحورة) يحتمى به من البشر، من روائح البشر، لكنه خرج من كهفه أكثر ضراوة وشراسة وبدائية وقتلا، وحين نجح أن ينفصل تماما برائحته الخاصة الألوهية، التهمه أكلة لحوم البشر فى مقبرة “الأبرياء” فى باريس ليعلن الكاتب المبدع بذلك فشل الانفصال النيزكى حتى لو كان مفروضا على صاحبه منذ البداية، كما يعلن أيضا فشل تجاوز ما هو نيزك إلى ما هو إله، دون مرور بجدلية العلاقة مع بشر حقيقيين مهما كانت روائحهم.

كان غرينوى فى العطر يريد أن يخلق لنفسه عطره الخاص، لا ليستمتع به داخل الغار أو داخل القوقعة، ولكن ليفرض نفسه على الآخرين يشمون رائحته متفردا، وحين نجح فى ذلك حتى أسكرهم نشوة وانبهارا، سُحروا انجذابا، فالتهموه إعداما، وهم يعلنون أنها المرة الأولى التى يعملون فيها شيئا عن حب.

إن اقتراب الآخر منا ونحن فى هذا الموقف التوجسى للكر والفر حتى الاختفاء، فتحسس الظهور، فالعودة الحذرة، فالاختفاء، يصاحبه تساؤل لحوح عما إذا كان هذا الآخر يرانا حقيقة وفعلا، أم أنه لا يرى إلا ما يريده منا، يستعملنا فقط، وهو فى جميع الأحوال يلغينا بالعمى، أو يستعمل جزءا منا دوننا، أو يستعبدنا من فرط جوعنا بعد أن يتمادى فى تعجيزنا. إن تردد المحبين أصحاب الوعى اليقظ فى تقبل الحب السهل، ومواصلتهم التساؤل عن طبيعة العلاقة، وذهابهم وعودتهم بلا كلل، هو مظهر من مظاهر هذا الجدل الحى، دون ضمان بنهاية واثقة بدرجة كافية، لان ذلك هو موقف بلا نهاية، برغم حتميته، وألامه، وروعته، ووعوده. يتجلى كل ذلك أو أغلبه فى نص آخر بالعامية المصرية (لنفس الكاتب) هذه المرة

قراءة من “ديوان أغوار النفس”[5]

قصيدة : جلد بالمقلوب:

النص:

والعين‏ ‏الخايَفَةْ‏ ‏اللى ‏بْتِـلْمَعْ ‏فى ‏الضَّلْمَهْ

عمّالة‏ ‏تِختبرِ‏ ‏الناسْ‏:‏

بِتقرّب‏ ‏من‏ ‏بَحْر‏ ‏حَنَانْهُمْ‏،‏

زى ‏القُطّ‏ ‏ما‏ ‏بـَيـْشـَمـْشمْ‏ ‏لَبَن‏ ‏الطفل‏ ‏بشاربُه‏.‏

عمّالَـهْ‏ ‏بْتِسْأَل‏:   

‏عـــايزينّى‏؟

‏ ‏طبْ‏ ‏ليه؟

عايزينَّى ‏ليه‏؟

‏ ‏إشـِمعنى ‏الْوقْـِتـِى؟

بـِصحـِيحْ‏ ‏عـَايـْزِنَّـى؟

بقى ‏حـَدْ‏ ‏شايـِفـْنـِى ‏يـَا‏ ‏نـَاسْ‏؟

مِـشْ‏ ‏لازم‏ ‏الواحـِد‏ ‏منكم‏ ‏يعرفْ‏: ‏

            هوّه‏ ‏عـَايـز‏ ‏مـِينْ؟

بقى ‏حد‏ ‏شايـِفـْنـِى ‏أنا؟

             أنا‏ ‏مينْ‏؟

                أنا‏ ‏أطلـع‏ ‏إيه؟

‏                      ‏وازاىْ؟

طبْ‏ ‏لـِيه؟

الله‏ ‏يسامـِحْـكُمْ. ‏مـِشْ‏ ‏قصدِى.‏

‏(2)‏

أنا‏ ‏قاعـِد‏ ‏راضى ‏بْخوفِى ‏المِـشْ‏ ‏راَضـِى‏.‏

أنا‏ ‏قاعده‏ ‏لامّم ‏أغـْراَضـِى‏.‏

أنا‏ ‏قاعد‏ ‏راصدْ‏ ‏حركاتكْمْ‏،‏

قاعد‏ ‏اتْـصنـَّتْ‏، ‏على ‏همس‏ ‏المِـشْ‏ ‏شايفينِّى،‏

وأسَهّيهم‏، ‏واتمَسّح‏ ‏فِ‏ ‏كْـعوب‏ ‏رجليهم‏.‏

‏ ‏ أخطف‏ ‏همسة‏ “‏أَيـْوَه‏”،

 ‏أو‏ ‏لـَمـِسـَة ْ “‏يـِمـْكـِن‏”.‏

واجرى ‏اتدفَّى ‏بـْ‏ “‏يَعْنِى‏”،

 ‏وانسَى ‏الـْ‏ “‏مـِشْ‏ ‏مـُمْكـِن‏”.‏

 (3)‏

وأُبص ‏لْكم‏ ‏مِن‏ ‏تَـحْـتِ‏ ‏لـْتَـحْـت‏،‏

واستَـخـْوِنـْكُـم‏، ‏

واتعرّى ‏يـِمـْكـِنَ‏ ‏اطـَفـَّشـْكُـمْ‏، ‏

وأبويَا‏ ‏النِّمر‏ ‏يفكّركم‏:‏

زى ‏ما‏ ‏هوَّه‏ ‏بياكل‏ ‏التعلبْ‏،‏

أنا‏ ‏باكل‏ ‏الفارْ‏.‏

لكنى ‏لمّا‏ ‏بقيت‏ ‏إنسان‏:

 ‏باكـُـلْ‏ ‏نفسِى

وباحَلـِّى بميّةْ نارْ‏، ‏

(4) ‏

ما‏ ‏تخافُوا‏ ‏بقى ‏منَّى ‏وتتفضّوا‏ ‏

مِنـتــِظْرينْ‏ ‏إيه؟

‏.. ‏لسّه‏ ‏الحدوتة‏ ‏ما‏ ‏خُــلـْصـِتْـشِى؟

‏”‏ما‏ ‏لْهاش‏ ‏آخر‏”‏؟

‏(طب‏ ‏قولىّ ‏كان‏ ‏فين‏ ‏أولها‏ ‏؟‏…،‏

أو‏ ‏مين‏ ‏كان‏ ‏أصـْلهُ‏ ‏اللى ‏قايلها‏؟‏)

بتلوّح بالحضن الدافى ؟

طبْ‏ ‏هِهْ‏…!! ‏

راح‏ ‏اسيب

‏………

(6) ‏

أنا‏ ‏جِسمى ‏اتبعزقْ‏،‏

زىّ ‏فطيرة‏ ‏مشلتتة‏ ‏لسّهْ‏ ‏ما‏ ‏دخلتشِى ‏الفرنْ‏.‏

…….

يا‏ ‏حلاوة‏ ‏الحنّيةْ‏ ‏الهاديةْ‏ ‏الناديةْ‏:‏

لا‏ ‏بْتسأل‏ ‏مينْ‏؟ ‏ولاَ‏ ‏ليهْ‏!!‏

وانا‏ ‏برضه‏ ‏نسيت‏ ‏أنا‏ ‏فينْ‏،

              … ‏وانا‏ ‏إيهْ؟

ولا‏ ‏عاد‏ ‏لى ‏إيد‏ ‏ولا‏ ‏رجلْ

ولا‏ ‏عارف‏ ‏اتـْــلـَـمّ‏.‏

‏(7)‏

ولإمتى ‏كده‏؟؟

لأ‏ ‏مش‏ ‏قادرْ.‏

أصـْل‏ ‏انـَا‏ ‏خايفْ

أنا‏ ‏خايفْ ‏موتْ‏،‏

إخص‏ ‏عَــلىَّ،‏

خايفْ‏ ‏من‏ ‏إيه‏‏؟

من‏ ‏لمس‏ ‏أْدِينْ‏ ‏أيها‏ ‏واحدْ‏.‏

بيحب صحيح !

……….

أهى ‏كِـدا‏ ‏باظتْ‏،‏

‏ ‏باظت‏ ‏منّى،

 ‏رِجـْعـِـتْ‏ “‏لكـنْ‏”:‏

 رجـْـعـِـت “لأّه”،

رجعت: “مش ممكن”، “لأ لسَّه”!!!

……

خايف‏ ‏تِـفْـعـَصـْنـِى ‏يا روح قلبى،

وتقولّـّـى باحبْ !!

ما هو كل الناس بيقولو برضَكْ، قال إيه:”بنحبْ”

ولا واحد فيهم يقدر يسمع دقة قلب

إيش‏ ‏عرّفكمْ‏ ‏باللِّى ‏ما‏ ‏كانشِى،‏

باللِّى ‏ما‏ ‏لُوهشِى،‏

باللِّى ‏ما‏ ‏بانْــشىِ‏.‏                                           

عمّاله‏ ‏باحـْسب‏ ‏هـَمـْس‏ ‏حـَفِيفـْكـُمْ‏.‏

باحـْسـِبْ‏ ‏خوْفكُـمْ.‏

‏ ‏خوفـِى ‏مـِنْـكُـم‏.‏

مخّى ‏مصـَهـْللِ‏، ‏وبـْيـِتـفرّج‏،‏

ولا‏ ‏فيش‏ ‏فايدة‏.‏

‏(8)‏

نـطـّ‏ ‏منّى، ‏غصب‏ ‏عنّى، ‏

‏ بَصّ بَرّقْ‏؛ ‏بيعايرنـِى‏

“…سِـبْتت ليه..؟؟؟؟!!! “

               هوّا مين ؟

                       هوّأ إيه ؟‏

شككنى ‏فى ‏الكُـلْ‏ ‏كليـِلهْ‏.‏

رجّعنى ‏للوِحدة‏ ‏النيلة‏!‏

لمَّيـْتـنِى، ‏وياريتْنِى ‏لقيتْنى‏.

‏(9)‏

‏  ‏فينك‏ ‏يا‏ ‏مّه؟……………. ‏نفسى ‏اتكوّم‏ ‏جوّاكى ‏تانى،‏

‏ ‏بطنك‏ ‏يامّه‏ ‏أَأْمـَنْ‏ ‏واشرف‏ ‏من‏ ‏حركاتـْـهم‏.‏

‏ – ‏وانْ‏ ‏ما‏ ‏قدرتيش‏؟

‏=”‏إلموت‏ ‏أهون‏”.‏

‏ – ‏وان‏ ‏ما‏ ‏حصلشِى؟

‏ = ‏تبقى ‏الفُرجَة‏، ‏وْشـَك‏ ‏الغُــرْبـَة‏، ‏وشـُوكِ‏ ‏الوحـْدهْ‏.‏

‏ – ‏طب‏ ‏ليه‏!!؟؟ طب ليه؟؟!!؟

‏= ” ‏أهو‏ ‏دا‏ ‏اللى ‏حصلْ‏”.   ‏

‏(10)‏

راجع ْ‏ “‏كما‏ ‏كُـنْـتْ‏”‏

قاعْد استنى،

 وانا باتمنى،

اخطــفْ‏ ‏حتة ْ ‏ ‏نظرة‏، ‏

أو‏ ‏فتفـُوتـِةْ‏ ‏شوف،‏

لا حافتـّش فيها،

ولا حاسأل مين اللى رامِــيـــهــَا

واجرى آكلها لوحدى

تحت‏ ‏الكرسى ‏الـْ‏”‏مِش‏ ‏باين‏”.

ما هو كله ضلام فى ضلامْ

والكدْب ما لوش عنوانْ‏ 

وبعـد

هذه التعرية الصارخة، لا ينبغى أن تشككنا فى قدرة الإنسان على الحب، هى فقط تنبهنا لصعوبة المسيرة، وضرورة احترام أصل الحكاية.

ثم ها نحن نرى كيف تتكامل النصوص بكل لغة ومن كل مصدر، لتعلن نفس الموقف، ربما تحفز إلى حركة أصوب، حتى ولو كانت فى اتجاه أصعب، لكنها المعرفة الأعمق، والنمو الأجدر بمن يقف على قمة الهرم الحيوى ويلقب باسم “الإنسان”.

*****

ونواصل الأسبوع القادم تقديم الفصل الخامس:  “نِعـْمَ الحقيقة الشغف والمنازل الجسد: الأصل/ الوعى/الإبداع”

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –  يحيى الرخاوى “من فيض نبض: الطب النفسى (1) “أنت معنى الكون كله!!” (الطبعة الأولى 2020)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى  للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.

[2] – رواية “العطر” رواية للكاتب الألماني” باتريك زوسكيند” ترجمة: نبيل الحفار، 1997، دار المدى للثقافة والنشر، وكان النشر الأول للرواية سنة 1985 دار النشر السويسرية  “Diogenes Verlag AGوقد (ترجمت إلى أكثر من 20 لغة).

[3]- يحيى الرخاوى، ديوان “سر اللعبة“، قصيدة “جلد بالمقلوب”، الطبعة الثالثة 2017 منشورات جمعية الطب النفسى التطورى

[4] – هذا النص استشهدت به فى أكثر من عمل نقدى مثل “يقين العطش” لإدوار الخراط فى كتابى “صراع الوحدة وجدل العلاقات البشرية.. انطلاقا من رواية يقين العطش” الطبعة الأولى (2019)، و”اسم آخر للظل” لحسنى حسن، وأعتقد أننى سوف استشهد به كثيرا إذ يتكشف لى كلما مرّ الوقت عن احتمال أن يكون موقفا محوريا فى كثير من صعوبات التواصل البشرى.

[5]- يحيى الرخاوى: ديوان “أغوار النفس” العين الثالثة:  “القط” الطبعة الثانية (2017) منشورات جمعبة الطب النفسى التطورى.

 

 

تعليق واحد

  1. محمد احمد الرخاوي

    يقتحم
    يحضر
    الوجود
    الحضور
    الوعي
    رغما عن
    كل من
    يرفضه

    منهم من يسمح له
    فيشرق بين ضلوعه
    وساد وصل
    باصل كل شيء
    يكابد نفسه
    ممسكا به كي
    يتخطي حواجز نفسه

    ومنهم من يرفضه
    ظنا ان يستطيع
    يغوص في عدمية
    عبثية
    بائسة
    يتكور
    يتلاشي
    كأن لم يكن

    كل من فتح نوافذ
    نفسه ليتلقي
    يتلقي
    لا يرفض
    ينبض بنبض الحضور
    تتكون لغة
    لغات
    بين النابضين
    دون نبس حرف

    من يمسك بوهم
    من دون الحق
    يتكور الي مسخ ضال
    يعلن نهاية الحضور
    لا يبقي الا
    ما ينفع
    من ينفع

    لا يبقي الا من
    حضر
    وعي
    ايقن
    عمل
    نفع
    لم يغلق بابا
    لا يغلق
    تعلق باصل الوجود
    المطلق
    بارادة اليقين
    يسلم قلبه
    بلفظه كل شرك
    زيف
    وهم
    ضلال وجود
    دون الوجود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *