نشرة “الإنسان والتطور”
الاثنين: 1-6-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6848
كتاب: من فيض نبض الطب النفسى [1]
أنت معنى الكون كله!!
الفصل الثامن
ربّى كما خلقـْـتَنى
“فطرة الله التى فطر الناس عليها”. وصلتنى تلك الحقيقة من كل مصدر، حتى تيقنت أن الوعى الإيمانى هو أصل فى الوجود البشرى البيولوجى الكيانى الممتد. الفطرة لغة هى”..الطبيعة السليمة لم تُـشَبْ بعيب..” (الوسيط). هذه الفطرة تتجلى فى الأديان عبادات وعقائد: المعتقد يخاطب العقل الظاهر كما نعرفه، أما العبادات فهى تـُـحرك الإيقاع والجسد والحركة والجماعة، تفعل ذلك بانتظام وتكرار لتنقية الوعى السليم نحو ما خلق به، فإن حسنت وانتظمت سهلت الحوار بين مستويات الوعى الممتدة من الفردة إلى الناس إلى المطلق إلى الغيب، فتوجه الفطرة إلى ما جعلت له.
لابد أن نفرق ابتداء بين تصويرنا للطفل كيانا بريئا ساذجا غُفْلا، وأحيانا أبلهاً، وبين حقيقة الطفل مشروعا بشريا واعدا نموا وتطورا؟ لابد-كذلك- أن نتذكر أننا إذ يتقدم بنا العمر، لا يتقدم على حساب ما هو طفْل فينا. المفروض أننا لا نحذف طفولتنا لنحل – كبارا- محلها، وإنما أن نتقدم فى العمر بأطفالنا فينا، فى جدل مستمر، وليس مجرد تبادل نوْبى، وأن هذا يساعد على احتفاظنا بتناغم مستويات الوعى كما أسلفنا حالا.
وأخيرا: فإن البدائية غيرالفطرة، بل تكاد تكون عكسها، البدائية تشير إلى مرحلة كامنة قديمة قابعة متربصة بين جنباتنا، بقدر ما هى خارجنا عشوائية فجة تتمثل فى دوائر مغلقة فى جغرافيا ثابتة فى مكان البدائية يمكن أن تنقض علينا فى أى وقت منفصلة عن باقى ما هو نحن. أخطر أنواع البدائية هو ما لبس ثوب المدنية القاتلة القاسية الميكانيكية العمياء المتعملقة (فى العراق أو فلسطين أو السودان أو أفغانستان أو جواتيمالا مثلا أو …. أو….)، مثلها فى القبح والخطر:
الفطرة السليمة عكس البدائية تماما، الفطرة هى “المشروع البشرى التطورى”. هى البرامج البيولوجية الجاهزة للجدل، الحاضرة نبضا فى الإيقاع الحيوى طول الوقت، طول العمر. الفطرة هى أصل وقوانينَ وبرامجُ ونبضُ وحركةُ وجدلُ معا.
كل هذا يبدأ منذ الطفولة الباكرة.
السؤال العملى الذى يطرح نفسه بإلحاح بعد هذه المقدمة يقول: إذا كان الأمر كذلك فكيف نرعى الطفل الذى يمثل هذه الفطرة أكثر، وكيف نحافظ عليه حتى يصير وعينا “بنا-إليه” هو الطريق السليم أن يحقق ما خلقنا له.
الطفل يولد وهو يحمل كل يقين برامج فطرته القادرة على بسط نفسها فى الاتجاه الصحيح.
كيف نحسن الاستماع إلى تلك الفطرة، بدلا من أن نشكلها قسراً فيما هو ضدها من أوهامنا وضلالاتنا؟ كيف نحافظ على سلامة خطى أطفالنا “بها/نحوها” برغم أننا نزعم أننا نخاف عليهم.
نستمع إلى الحفيد هذا، وهذا درس تعلمته من حفيد لى: أولا وما دار بينى وبينه بعد حادث الأقصر الإرهابى المشئوم.
حكاية (1):
الله أكبر
النص: (نشر النص فى 26/11/1997 نشرت فى روزاليوسف 7/10/2005)
(حين سمعت خبر الاعتداء على السائحين بالأقصر) “… هبطت بى الأرض جزعا وكأنى أتكوم، حططت على أريكة غاصت بى حتى كدت أنفذ من قعرها، وضعت يدى على خدى وصمتّ، ولاحظت زوجتى ما حل بى فسكتت، فهى تعرفنى حين أحزن هذا الحزن فلا أنبس، لكن حفيدى “على” (أربع سنوات) -… تقدم و قال لى فى حذر:”جدى إنت زعلان؟”، رددت فى اقتضاب “أيوه”، فلم تكفه الإجابة إذ يبدو أن جلستى ووجهى بيّنا له درجة من الحزن فوق تصوره، فتمادى:”إنت زعلان قوى؟”، فكررت ردى بنفس الاقتضاب ومازالت يدى على خدى، والأرض تغوص بى أكثر فأكثر: “أيوه”، لم تكفه الإجابة برغم أن صوتى كان أعلى، يبدو أنه لم يَخَفْ، فمضى يقول:”إنت زعلان أكتر من كل حاجة ؟”، قلت بنفس الطريقة، وبصوت أعلى:”أيوه”، وكدت أزيحه بيدى بهدوء بعيدا عنى حتى لا أضطر إلى نهره. يبدو أن حزنى كان أوضح وأشد من أن يجعله يدعنى وحدى، فاستمر مندهشا متعجبا: ” إنت زعلان أكبر من كل حاجة؟ يعنى أكبر من البيت ده بحاله، قلت وقد كدت أزيحه أيوه، فاستمر بإصرار قائلا، يعنى أكبر من ربنا ؟” فقلت مفحما: لا طبعا”، فقال على الفور: أيوه كده، عشان ما فيش حاجة أكبر من ربنا. فهدهدت ظهره ولم أستطع تقبيله، لكن رسالته وصلتنى.….
القراءة:
.. حين قرأت هذا النص الآن بعد ما يقرب من عشر سنوات رحت أتساءل عما نفعله بأطفالنا الذين يقولون بتلقائية مثل هذا الكلام فى سن 4 سنوات، ثم نراهم عكس ذلك تماما بعد خمسة عشرة عاما أو عشرين؟؟ لم أربط آنذاك بين حفيدى فى الرابعة من عمره، وبين “القتلة /الذين قاموا بهذه الجريمة، ألم يكونوا يوما ما أطفالا مثل هذا الطفل؟. ما الذى يجرى لهذا الطفل حين يكبر؟ لماذا لم تصل هؤلاء الشباب القتلة تلك الحقيقة البسيطة التى أوصلها لى “على” أن “الله أكبر”، فخفف عنى بكل يقين، لقد كان أحرى – لو وصلهم مثل ذلك- أن يكونوا غير ذلك. “الله أكبر” !!!
حكاية (2)
نتعلم منهم ونحن نعلمهم
الأرجح عندى أن الأطفال تصلهم أنغام وإيقاع وتراتيل الكلمات مع وبدون معانيها اللفظية الموصى عليها، لا أستثنى من ذلك قراءة القرآن الكريم، لابد وأن ذلك الإيقاع النابض – إن كان فطريا إيجابيا – يحرك الوعى فى اتجاه ما خلق له، سواء فهمنا الألفاظ تحديدا، أم لامست الوعى فى سلاسة كما حدث لحفيدى مع “الله أكبر”، ثم هى تشرق فينا لاحقا حين نحتاجها.
وهذه هى مقدمة هذا العمل [2] للأطفال خارجنا وداخلنا:
الكلام الحلو عمره ما يبقى حلو،
لو فضل دَشّ وْخلاصْ
الكلام الحلو هو عهدنا،
مع ربنا
نفسى احافظ عَالأمل
والكلام الحلْو، عمره ما يبقى حلو،
إلا لما يتعمـّـلْ
شـُـفـْـتـِـنـِـى إبنك، لكنـَّـك لسّه إبنى
يبقى ممكنْ إحنا نتصاحب ونِبْنى
ويّـا أولادى وأحفادى وبناتى
ويـّا شوَفَانى، وأَّيامى، وآهاتى
……………………..
كنت قرَّبت أقول ما عادْشى فايدة
إنما لْقيت العيالْ، ويّا البناتْ: همّا الفراودة
قلت يالله – رغم كله-… ناخدها جـَـدْ
ما لقيتشى الحارة سدْ
ياللا نعملها سوا: بكره وِ بعُدهْ
مِالنهارده، الحلوِ برُضهْ،
لو نحطّهْ ،عالـَى بعضُـهْ،
القراءة:
هل لاحظتم معى ذلك الكم الهائل من الكلام والنصائح والمواعظ التى نغرق بها – نحن الكبار – وعى أطفالنا بمناسبة، وبدون مناسبة؟
الإشارة الثانية الواردة فى النص، والتى قد لا ينتبه إليها معظم الكبار هى أنه: لو أحسن الكبار الإنصات لما يقوله الأولاد والبنات (الإنصات الحقيقى، باحترام حقيقى، وبلا تفويت من أعلى)، فلربما يكتشفون ما أكتشفه عادة مع أحفادى (ومرضاى)، حين أتعلم منهم، فيكونون هم الوالدين وأنا الأصغر، لكن علينا ألا نبالغ فى هذا الاتجاه، فننسى حاجتهم المتجددة إلى الدعم الأبوى الصريح، من هنا لا بد من الاستدراك، “شفتنى إبنكْ لكنــَّـك لسه إبنى”،..إلخ
إن الذى يجعل الكلام، العلاقات، وتبادل الأدوار، حقيقة ممتدة، هو أن يجمع كل ذلك قاسم مشترك عام يتجمع إليه الكبير قبل الصغير. هذا القاسم المشترك هو أشبه بالعقد الإيمانى الاجتماعى معا الذى يتجلى فاعلا حين يستشعر الجميع أن التعاقد هو بين البشر كافة، لأنهم بشر، وليس بين طرفين فحسب، هو عهد مع الحق سبحانه وتعالى، بمشاركة الأطراف المعنية، هذه العلاقة فيها ما يذكرنا بالفرق فى نوع التواصل تحت مظلة أكبر وبين نوع التواصل الثنائى المنغلق، وكأن العلاقات البشرية المحدودة بين اثنين أو جماعة متماثلة تصبح أقوى وأجمل حين تمتد للأكثر، كذلك هى تصبح أكثر أمانا وثقة حين تكون أنغاما فطرية خلاقة، فى لحن كونىٍّ ممتد.
حكاية (3)
أسئلة الأطفال فلسفة عملية
توارت الفلسفة الفعل، الحقيقية، وراء ما تسمى الفلسفة الكلام وشبه الفلسفة، توارت فى صفحات الكتب، وأحيانا فى قاعات المحاضرات، أو فى بعض الرسائل الأكاديمية. الأطفال ليس لهم شأن بكل ذلك، هم ما زالوا يسألون نفس أسئلة الفلاسفة الأصيلة، يسألون عن الحياة، وعن الموت، وعن الأصل، وعن المصير، نحن عادة نجيبهم بأجوبة حاسمة ومطلقة، وبيقين لسنا نحن على يقين منه، نحن نتصور (ربما دون أن ندرى) أننا نستطيع أن نخدعهم كما خدعنا أنفسنا فى أعماق أعماقنا، لكنهم يعلمون ذلك دون تصريح منا أو منهم، نحن لا نعلم – غالبا – أننا لا نعرف حقيقة ولا يقينية الأجوبة التى نجيبهم بها عن تسائلاتهم الطفلية الفلسفية المقتحِمة.
النص:
الحياه هىّ الحياهْ
أغلى حاجه فيها هيّهْ،
إنّى عايشْ:……وِسْط ناسْنا الطيبينْ
حتى ناسنا النـُّـًصْ نُصْ
همّا ناس حلوين بشَاكْل
هما برضه طيبين.
ما انا منهم،
يبقى لازم زيهمْ،
حلو خالصْ
بس انا برضه بالاقينى ساعاتْ:
كده نص نص
قلت أتعلم ، وابُصّ:
***
الحياة الحلوهْ حلوهْ
حتى لو مُرّة وتْتأَمِّل شويهْ
راح تشوفْ مرارتها حلوةْ
الحياة مش هيصهْ سايبه منعكشَةْ
الحياة حركهْ جميلةْ ْ مدهشةْ
بس بتخوّف ساعاتْ
لمّا بتعرِّى الحاجاتْ
باترعب من خطوتى الجايّة، ولكنْ
باترعب أكتر لو انّى فضلت سـاكنْ
كل ما بالـْقانى ماشى: ما بَـنَاتـْـكُمْ،: أنبسطْ.
إيدى ماسكة فى إيديُكم، بابقى خايف إن واحدْ ينفرطْ
داللى حلو ليَّا بيكمْ،
برضو حلو ليكو بيَّا
يا حلاوة لو تكون الدنيا ديَّه
زى ما ربى خَلَقْناَ: هِيّا هيّهْ،
تبقى رايح نحوها، تلقاها جايَّه.
***
الحياة الحلوة تِحلى بْكُلّنا
إنتَ وانَا
كل واحد فينا هوّا بعضنا
بس مش داخلين فى بعض وهربانين
زى كتلةْ قَشّ ضايعةْ فْ بحر طين
كل واحد هوّا نفسُه، بس نفسُه هىّ برضه كلنا
مالى وعيُـــه بربّنا
سألت صديقى الصوفى الأمى عن ما يعنيه، لم يرد. حين تأملته وجدته يعنى تماما ما يقول دون أن يعرف تفاصيله، رأيته يسعى ” بكل ما هو” إليه، يسعى بدون “يعنى ماذا”، ولا “إذن ماذا”؟ يردد مثل هذا النداء كل ساع إلى المعرفة آلاف المرات، حتى دون أن ينطق ألفاظه.
ألا ترى معى فى ذلك تفعيلاً للفطرة دون إلغاء العقل. “ربى كما خلقتنى”، ألا يشير هذا الترديد الهادئ المتزايد عمقاً إلى بعض تجليات ما جاء فيما سبق.
******
ونواصل الأسبوع القادم فى تقديم الفصل التاسع: “النجاح غاية أم وسيلة”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – يحيى الرخاوى “من فيض نبض: الطب النفسى (1) “أنت معنى الكون كله!!” (الطبعة الأولى 2020)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
[2] – يحيى الرخاوى: “أغانى مصرية: عن الفطرة البشرية للأطفال ó الكبار وبالعكس”، الطبعة الأولى (2017)، منشورات جمعية الطب النفسى التطورى.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


