الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / كتاب: من حركية الجنون إلى رحاب الناس (مروراً بالعلاج الجمعى): الفصل الأول: ملامح المنهج، والتعريف بالحالة (3)

كتاب: من حركية الجنون إلى رحاب الناس (مروراً بالعلاج الجمعى): الفصل الأول: ملامح المنهج، والتعريف بالحالة (3)

نشرة “الإنسان والتطور”

الاثنين: 7-9-2026

السنة العشرون   

 العدد:  6946

كتاب: من حركية الجنون إلى رحاب الناس

(مروراً بالعلاج الجمعى)

الفصل الأول:

ملامح المنهج، والتعريف بالحالة  (3)

………………

………………

د. يحيى: وإيه يعنى؟ ما هو برضه الواحد ممكن يسمع بودانه من جوه، شغلانة يعنى، مش الودان متوصلة لجوّة برضه؟

محمد: لأ من بره.

د. يحيى: ماهو الصوت ممكن يجى من جوه، بس بتسمعه من بره حتى لو أصله جوه(11) على فكرة: هيّا الواحدة، الست، اللى بتسمع صوتها دى اسمها إيه؟

(11) نلاحظ أنه من المقابلة الأولى والطبيب يحاول أن يوصل للمريض ماهية “الواقع الداخلى”، وأن له دوره وشخوصه التى لا وسيلة لرصدها كما هى فى الداخل، فُنـُجـَسـِّمها فى الخارج، هذا علما بأننى لا أعتبر هذا مجرد حيلة نفسيه (ميكانزم: “إسقاط”)، وإنما أرصده وأتعامل معه كواقع آخر، حتى لا نخطىء فى تهميشه أو تجريده، وأحاول توصيل هذه المعلومة كحقيقة للمريض بصبر وإصرار، وهى عادة تصل إليه أكثر من الشخص العادى لو لم نتمادَ فى النقاش والشرح بالألفاظ، هى تصل للمريض أكثر – كما قلنا- مما تصل إلى الشخص العادى بما فى ذلك الكثير من الأطباء.

محمد:  إسمها إزاى؟ إيش عرفنى

د. يحيى: ما دام هى واحدة ست، يبقى لها اسم، إيه رأيك تيجى نِسَمـِّيها.

محمد: أنا اللى أقول إسمها إيه!!!؟

د. يحيى: أيوه يا أخى إسمها إيه؟ يا اللا نسميها، هوّا فيه واحدة تقول الكلام ده، وتعمل العمايل دى وما يبقاش لها إسم ، إسمها إيه؟

محمد: أى إسم وخلاص.

د. يحيى: إديها اسم

محمد: هالة.

د. يحيى: عندها كام سنة

محمد: 35

د. يحيى : بيضا ولاّ سمرا

محمد: بيضة

د. يحيى: شفت ازاى! أديك قدرت تشوفها جوّة، وإن اسمها هالة، وإنها بيضا(12)

(12) لم أكن أعرف قبل هذا “التفريغ” أن هذا النوع من التعيين[1]، هو نوع من تحريك الإبداع التجسيدى، أكثر منه خيال تجريدى، وأنه يمكن توظيفه فى المساعدة على أن يوصِّل نفس الرسالة العلاجية (أعنى تجسيد الداخل واقعا فعليا) بهذه الصورة المتعينة، التى يمكن أن تكون لها علاقة ببعض أنواع السيكودراما التى نمارسها فى العلاج الجمعى، بل لعل لها ما يقابلها أيضا فيما يقوم به الطب الشعبى، لكنه يضعها “كائنا” فى الخارج ويسميها “جان”، أو “لبس”، أو “أسياد”…الخ، فى حين انها تـُقَدَّمُ هنا على أنها “كيان” داخلى ضمن التركيب البشرى النيوروبيولوجى، كمستوى وعى قائم فى داخلنا، وبالتالى يمكن تحريكه بالعلاج إلى المشاركة فى جدل غائىّ ابداعى إلى وعى أشمل، عبر وعى بينشخص، إلى وعى جمعى …إلى ما بعده!

د. يحيى: اتفقنا: يبقى اسمها هالة، وبيضة، طب تسمح لى أغششك تغشيشة صغيرة، ماتيالا نخليها جوّة ونسمع صوتها من برّة.

محمد: يعنى إيه تبقى هىّ جوه بس الصوت جاى من بره؟

د. يحيى: ما هى تغشيشة والسلام، أنا ما باحاولشى أقنعك، بس يجوز تنفع.

محمد: آه، بقى كده!!؟

د. يحيى: إيه رأيك ينفع؟!

محمد: ينفع.

د. يحيى: إيه ده!!؟ هوّا إيه إللى ينفع؟ هوّا انا كل ما أقول حاجة صعبة تاخدنى على قد عقلى. هوّا إيه هو اللى ينفع؟ (13)

(13) يلاحظ هنا نوع الحوار الجارى، الذى يشمل احترام عدم الفهم، والبعد عن أى إقناع منطقى، وتبادل الأدوار تلقائيا، وكأن هناك حوارا موازيا  يجرى بجوار هذا الحوار الظاهر يصل بين المتحاورين ليوصل رسالةً ما، مهما كانت غير واضحة، وقد وصلنى ذلك أساسا من خبرتى فى العلاج الجمعى[2]، حين نؤكد لبعضنا البعض أننا “بنشتغل فى اللى مش فاهمينه”، وأيضا ” بنشتغل فى اللى مش عارفينه”، ثم نواصل التواصل دون توقف حتى خطر لى أن أسمى هذا التكنيك “الحوار الموازى”.

محمد: أنا كنت عايز أقعد معاك كده لوحدنا، أحسن.

د. يحيى: تقعد معايا لوحدنا؟!!

محمد: آه

د. يحيى: ليه بقى،”تشربنى حاجة أصفرا”، (ضحك) لا ياعم!

محمد : مش  قصدى

د.يحيى: ما هو طبعا مش قصدك، ما انت عارف أنى باهزّر بس الدكاترة دول لمّا يشاركونا حايساعدوا فى العلاج

محمد: يا ريت

د. يحيى: شوف يا ابنى: ربنا أتاح لك الفرصة دى.

محمد: ما أنا عايز أتكلم والكلام مش مجمّع معايا خالص. (14)

(14) مرة أخرى، وللزملاء الأصغر خاصة: عليهم ألا يأخذوا ألفاظ المريض بما تعنى حرفيا، فقوله: “الكلام مش مجمّع معايا خالص” لا يعنى بشكل مباشر أنه يعانى من تفكك الكلام أو اللا ترابطIncoherence  فكما نلاحظ أنه يواصل الحوار  بمنتهى الدقة والتسلسل، ومع ذلك فإن إعلانه ذلك يشير إلى وصف حركية الداخل فى نفس الوقت، أكثر مما يشير إلى اضطرابات مجرى الكلام أو القدرة على تشكيل التفكير  المعلن فعلاً، وبالتالى فإن هذا الوصف لا يعنى إطلاقا ما يسمى “الاضطراب الجوهرى للتفكير” Formal Thought Disorder 

د. يحيى: المسألة مش مجرد كلام، الكلام خطوه نطلع منها بحاجة سوا سوا، إنت بتجتهد بتجتهد، أنا شايفك بتجتهد معايا عالآخر، يعنى إنت جدع والله العظيم، إنما إن ماكـُـنـِـتـْـشْ تقوم من الكسرة دى هاتبقى النهاية سودا ولا مؤاخذة. 

محمد: لأ

د. يحيى: لأ إيه؟

محمد: مش عايزها تبقى كده،

د. يحيى: يبقى ياللا سوا سوا،

محمد : سوا سوا مين؟

د.يحيى: انا والدكتور هشام وانت  وكلنا

المريض: لأ، أنا حاسس إنى لوحدى

د. يحيى: عندك حق، بس الفرصة دى ربنا بعتها لك عشان ما تبقاش لوحدك

محمد: تهيؤات برضه؟ حاتقولوا تهيؤات!

د. يحيى: هوا انا سبق قلت لك إن اللى عندك ده تهيؤات، دَانـَا باقولك إنه  موجود، بس جواك مش برّاك، آدى كل الحكاية، على فكرة الفرصة إللى ربنا إداها لك دى، ربنا حايحاسبنى ويحاسبك عليها، مش هايحاسبك لوحدك، ولو الدكتور هشام خد باله حايحاسبه برضه، وحتى لو ما خدشى باله(15).

(15) إن توصيل مثل هذه الرسائل بهذه اللغة ليس له أى بعد دينى تقليدى مباشر، إلا أنه مفيد جدا فى ثقافتنا خاصة، وهو يفيد الطبيب كما يفيد المريض، فهذا التجمع المشترك لحمل المسئولية معا، هو أساس الوعى البينشخصى، ثم الوعى الجمعى، ضمن الوعى الإيمانى الشعبى، ومشاركة المريض فيه على قدم المساواة مع المعالجين، هو أيضا أساس العلاج عامة والعلاج الجمعى وعلاج الوسط خاصة المستبصر بحفز مسيرة النمو[3] فى مجتمعنا هذا على الأقل.

محمد: أنا تعبت.

د. يحيى: من إيه؟

محمد: من الصوت ده

د. يحيى: يخرب بيتك إحنا بنتكلم فى إيه ولاّ فى إيه، طب نرجع واحدة واحدة، هوّا الصوت جوه ولا بره؟

محمد: بره

د. يحيى: طيب بره، إنما هيّا فين؟

محمد: مش فاهم السؤال.

د. يحيى: إنشاله مافهمت رُدّ وخلاص،

محمد: هيّا مين؟

د.يحيى : هيّا “هالة”

محمد: هالة مين

د. يحيى: مش انت اللى سميّتها هالة! إللى بتطلـّع الصوت.

محمد: مش عارف، ما هو الصوت…

د. يحيى (مقاطعا): يا سيدى مابنتكلمش على الصوت بنتكلم على الست دى، الست هالة، جوه ولا بره؟

محمد: أنا باسمع صوت، وخلاص،

د. يحيى: أنا عارف إنك بتسمع صوت واحدة ست، هوّا أى صوت واحدة ست هايطلع منين؟! من خرم صفارة!! ماهو طالع من واحدة ست وانت وصفتها، وقلت إن عندها 35 سنة وبيضة واسمها هالة، تبقى جوه ولا بره؟

محمد: مش فاهم

د. يحيى: ما تخلنيش أقولك إنشاله مافهمت تانى، جاوب وإنت مش فاهم، جوه ولاّ بره؟(16)

(16) مرة أخرى: لاحظ الاستمرار مع عدم الفهم، بمعنى أن إعلان عدم الفهم ليس بالضرورة دليلا عى عدم الفهم، أو الأصح عدم الإدراك.

محمد: الصوت ده أنا باسمعه من بره.

د. يحيى: من بره فين؟

محمد: ما أنا مش فاهم السؤال.

د. يحيى: لأنك مركّز على الصوت مش على مصدره.

محمد: طبْ ما نسيبنا من مصدره ده

د. يحيى: نسيب إيه!، ماهى ست، وبتقول أصوات، نسيبها ونروح فين، علشان تستفرد بيك تانى فى الأودة وتقول لك موّت نفسك، إحنا حانلصّم، ، إنت مش نـَقـَّاشْ!

محمد: آه نَقـَّاشْ.

د. يحيى: لما بيكون فيه  شق فى الحيطة تبيّض عليه كده وخلاص.

محمد: لأ بنأفـّله،.. بنقفـَّله معجون الأول

د. يحيى: إفرض إن هو فارق، مسافة يعنى مش يبقى عايزتحبّشة بحاجات كده.

محمد: الكلام ده لما يكون الفلق كبير، بنعملـّه جبس.

د. يحيى: وساعات ماينفعش لما تكون الأرض مريحّة.

محمد: فعلا.

د. يحيى: تحط جبس ماتحط جبس ترييح الأرض يرجع يشرخ تانى (17)

(17) نلاحظ كيف يجرى الحديث بلغة المريض، وفى صلب حرفته ومصطلحات مهنته.

محمد: صحيح ممكن يشرخ تانى، ماهو بيبان، بس بندى وش بوية الأول عليه لوفتح تانى بنغمّضة معجون.

د. يحيى: يعنى إيه بنغمّضه؟

محمد: يعنى زى ما تكون بتغمض عينك، كنت فاكرحاجات كتير فى صنعتى، كانت الصنايعية يحبونى، كانوا مسمينى “محمد “طربقها”

د. يحيى: محمد إِيه؟

محمد: محمد “طْربَقْها”

د. يحيى: يعنى إيه ؟

محمد:علشان كنت جامد فى الشغل كنت ناشف،وباخلّص اللى بيدُّوه ليّا قوام قوام

د. يحيى: يا خسارة عليك وعلى أيامك. (18)

(18) لاحظ أصل ظهور تسميتة “محمد طربقها” ومغزاه الإيجابى فى العمل.

محمد: كانوا يحبوا أنزل معاهم الشغل، كنت أطلـّع أوض نوم لوحدى الدور الرابع والدور الخامس، كنت قوى فى الشغل، دلوقتى ماباقدرش.

د. يحيى: ما أنا بقول لك نخـّيت

محمد: 24 سنة وباشيل ده كله. آآآآآآآه، حقى (واغرورقت عيناه)

د. يحيى: العياط مش هايجيب نتيجة، هو شرف وكل حاجة لأنه صِدْق، إنما مش حايجيب لك حقك

محمد: أنا باحاول أكتم العياط، بس…

د. يحيى: هو حقك، بس هو برضه ضعف، ما تآخذنيش

محمد: بس غصب عنى

د. يحيى: بس برضه هوّا  حقك

محمد: عشان إللى أنا فيه ده

د. يحيى: ومن غير عشان، هو حقك.

محمد: ممكن يكون كمان المخ تِعب،

د. يحيى: هوّا فعلاً تِعب من بدرى من وانت صغير، والتعب جامد

محمد: ده أكيد، مريارالمريار، يعنى لوفيه أكبر من المريار كنت قلت.

د. يحيى: قصدك مليار .. مليار إيه؟

محمد: هو تِعب، مخـِّى تِعـِبْ

د. يحيى: من إيه؟

محمد: هو المخ بيتعب من إيه؟

د. يحيى: من الغباء، من التحمل من غير لازمة، من إنك تيجى على نفسك عمال على بطال، إنك تنسى حقوقك، إنك ترضى تبقى جزمة قديمة يلبسها كل واحد حافى، وبرضه يرميها اللى مش عايزها

محمد: لأه، أنا عايز أرجع زى زمان.

د. يحيى: عايز ترجع تانى يـِلـْبـِسُوك جزمة؟ أو يرموك جنب الحيطة؟

المريض: لأ ما أنا عايز أتغير

د. يحيى:أدى احنا قرّبنا نتفق، تتغير ، يبقى مش زى زمان

محمد: عايز اعرف أنا عندى إيه؟

د. يحيى: عايز تعرف إيه؟ تعرف إسم المرض يعنى؟ بصراحة مالوش لزمة، عايز تعرف إيه تانى، إفرض قلت لك إكتئاب، ولا مش إكتئاب أو أى كلام من إللى بيقولوه الدكاترة، ولاّ حتى فصام هاتعمل إيه؟!

محمد: مش هاعمل حاجة.

د. يحيى: طيب، ليه بقى تعرف حاجة  مش هاتعمل بيها حاجة، تعرفها ليه؟

محمد: يعنى مش هاستفاد حاجة يعنى لما أعرف إسم المرض؟

د. يحيى: خالص خالص، بالعكس، دا يمكن يعطلك لو سمعت الكلام اللى بيقولوه عليه الدكاترة، إنما يمكن حاتستفاد لما  نغلب المرض سَوَا سوَا، مش لما نعلق يافطته،

محمد: وحا نغلبه ازاى؟

د. يحيى: بإننا نكشف أصله وفصله جوّانا، ونشوف الدنيا اتلخبطت كده إزاى، مش أسبابه والماضى وخلاص، نقوم نقدر نتفاهم معاه ونصححه، معلشى أصلى معلّق على الحكاية دى: أصل لو الست اللى بتقول الكلام ده بره هاجيبها منين أشتغل معاها، إنما لو جُوّه هاقدر أشتغل معاها، قصدى حا نشتغل معاها سوا سوا، الشغل ده هوا اللى يمكن فيه فايده، إنما إسم المرض وحكاية هاتستفيد، بيه إيه، كلام مايجيبشى همـّـه.

محمد: أنا كل إللى يهمنى “إن ربنا يسهلى وأخف علشان أطلع أشتغل بقى،

د. يحيى: زى زمان برضه؟

محمد: آه

د. يحيى: آه إيه، ما هو يا إما أحسن من زمان، يابْقَى انا غلطان فى حقك،….، سمعتنى؟

محمد: لأ.

د. يحيى: طيب بالذمة ليه ماسمعتنيش فى دى، باقول لك: يا إما نرجع أحسن من زمان يا مش نافعة، كل العياط ده جى من اللى كنت فيه زمان، كل الألم ده من زمان ومن محمد طربقها، هايرجعوا ينفخوا فيك وهات يا دحْ، طربقها طربقها لما طربقت نفسك، وتقولى أرجع زى زمان!!؟

محمد: يعنى اعمل إيه؟

د. يحيى: يا محمد يا ابنى: رغم إحترامى للى إنت بتقوله هانبّهك على حاجة، هاتسمعنى بقى ولا حاتقفل تانى؟

محمد: آه، معاك أهه

د. يحيى: واضح طبعاً تعبك، مافيهوش أى مبالغة، بالعكس إللى ظهر ده جزء من مريارات زى ما بتقول،  لما هانقعد نتكلم فيه بقية حياتنا، مش حانخلص، .. (المريض يبدو ساهما).. سامعنى؟

محمد: سامعك.

د. يحيى: لما هانقعد نتكلم فيه بقية حياتنا هانزودُه ومش حا  ينقص، تصور!!

محمد: (مقاطعا) عايز، …

د. يحيى (مقاطعا أيضا): أكمّل ولا بلاش

محمد: كمّل.

د. يحيى: …. إنما لو اتعلمنا منه إن إحنا نعيش سوا سوا  فى الظروف إللى ربنا إداها لنا دلوقتى: يبقى يمكن نرجع أحسن، ويبقى نجحنا ويبقى لصالحنا، وتتنيك جدع وتتنك بطل، مش بس في إنك تطربقها، لأ إنك تعيش زى ما ربنا خلقنا، كل ده ممكن لو انت مش لوحدك، وماترجعش زى زمان، تبقى أحسن من زمان

محمد: طب ازاى؟

د. يحيى: مش يمكن الكلام اللى قلناه ده يطلع صح ويساعدنا

محمد: أنهو كلام

د. يحيى: اللى قلناه بتاع جوه وبره

محمد: بس أنا لو قلته لحد حايقول ده مجنون ده، ومش عارف إيه. (19)

(19) تذكرّ ما سبق أن قلناه فى التقديم من أن المريض قد يتقبل فروض النفسمراضية مهما كانت غامضة، أكثر من الشخص العادى، وأنه يمكن أن يغير موقفه من واقع العلاقة العلاجية النشطة، وليس باقتناع عقلى سطحى.

د. يحيى: قصدك حد من البشوات دول، (يشير إلى الحضور) لا يا شيخ حرام عليك، دول مع إنهم كاتبين تشخيص رسمى عامل بالنسبة لى زى السجن، إنما دول صغيرين (يشير للأطباء الحاضرين) ومستعدين يتعلمواـ إمال همّا هنا بيعملوا إيه؟ مش انا قلت لك من الأول إحنا هنا عشان العلم والتعليم، وبنصوّر عشان العلم والتعليم، وانت حاينوبك ثواب فى ده، لو استفادوا منك وهمّا بيعالجوا غيرك، وربنا يكرمك وتخف.

محمد: هو أنا مجنون يعنى؟

د. يحيى: ما احنا بنشوف أهه

محمد: هو أنا مجنون؟

د. يحيى: إسألهم (يشير إلى الحضور من الأطباء) همّا اللى كتبوا التشخيص

محمد: بس أنا مش مجنون، أنا ممكن أكون مريض نفسياً، تعبان نفسياً بس. لكن مش مجنون، مابامشيش أكلم نفسى.

د. يحيى: يا راجل صلى على النبى، هوّا حد يقدر يلقط ويفهم اللى انت لقطته ده، دا انت بتلقط وبتفهم زى العفريت.

محمد: بافهم إيه؟

د. يحيى: أنا متصور إنك لو صدقتنى وقبلنا وجود مصدر الأصوات من جوه، كنت هاتسمع الأصوات من جواك ويمكن تفضل فى ودنك برضه وساعتها مش حايهمك، ونكمل. (20)

(20) هذه النقلة من الأعراض إلى النفسمراضية، ومن الخارج إلى الداخل هى نقلة لا تتم بالإقناع المنطقى، لكنها كما يبدو من كل ما تقدم يمكن أن تسمح بقدر من التنوير غير المباشر عبر الإدراك الكلى وليس التفكير الخطّى وبالتالى تسمح لحركية المخ أن يعيد بناء نفسه (طبعا بمساعدة كل العلاجات الأخرى)، وعلى الرغم من أنها تبدو موازية لما يسمى الطب الشعبى إلا أنها عكسه تماما.

محمد: طب وانا لما اسمع الأصوات من جوّه حاتفرق إيه؟

د. يحيى: أقول لك مثلا: الست هالة دى بتقول لك الكلام قلة الأدب ده، وعمالة تلبّخ وتقول لك موّت نفسك، طب وهى هاتروح فين لما تكون جواك وتموّت نفسك، ما هو لو تصدقنى إنها جوّاك مش براك، هى حاتخاف تقول لك كده، لأنها هاتروح معاك.

محمد: إزاى يعنى؟

د. يحيى: لما تكون جواك وتقول لك موت نفسك،  تستعبط انت وتقول لها  “ما إنت جاية معايا يا روح أمِّك”، إنت هاتروحى فين، إنما لو تكون بره تموت إنت وهى تنفد  بجلدها، إنت منين ما تقول لك  موت نفسك تقول لها “سَوَا  سَوَا ياروح قلبى”، إيه رأيك؟

محمد: مش عارف دى خيالات دى ولاّ إيه!! ولا دى أوهام ولا دى حقيقة. وبرضة كان أبويا بيتعبنى برضة، كان يقعد يقول لى إنت بتمثل، أقول له أنا تعبان، يقولى إنت بتمثل، والصلاة برضه، والصلاة، مع إنّ يمكن إللى خلانى كملت الجيش: هـُوَّا الصلاة، كنت وأنا ساجد كنت باقول يارب قوينى، يارب قوى إرادتى وعزيمتى، لغاية ما قاومت وخدت الشهادة، بس خدتها بعد عذاب، مش عذاب لأ، فوق العذاب.

د. يحيى: شهادة الجيش؟

محمد: عذاب النفس، فوق العذاب، والصبر برضة، واقول يا رب…

د. يحيى: أهى قولة يارب دى لوطلعت صح، تلم حاجات كتير على بعضها.

محمد: ما هى طلعت صح وربنا ساعدنى.

د. يحيى: بس نخـِّيت فى الآخر.

محمد: ماهو أنا لازم أنخ بقى، ماهو كل دا وانا عندى 24 سنة استحمل كل ده، ومش عايزنى أنخ، دا كويس أن أنا ما انتحرتش، ماموتش، يعنى بعد كل ده وكل إللى أنا شفتُهْ وكل إللى حصلّى وما انِخِّشْ، دا الجمل بينخ.

د. يحيى: دا صحيح. بس برضه إحنا فى دلوقتى: يا تاخد الفرصة دلوقتى يا حاتضيع منّنا كلنا.

محمد: أناعايز أشتغل

د. يحيى: احنا كده إحترمنا كل حاجة، وانت صادق مليون فى المية، آن الآوان تسمعنى وتشوف حانعمل إيه.

المريض: حانعمل إيه؟

د. يحيى: أقول من تانى؟ حاضر، يا نعمل العلاج اللى هوّه، يعنى نعمله مع ربنا والناس والشوفان، يا كده، يا إما نعمل العلاج بتاع: عايز أرجع زى زمان، عايز أستريح.

محمد: لأ نعمله مع ربنا.

د. يحيى: بعد ثانية هاتقول عايز أرجع زى زمان، مع إن ثبت إن كلمة زى زمان دى مافيهاش ريحة الراحة.  قدامنا أهه الحكاية بانت زى الشمس: يا إمَا أرجع زى زمان، وعايز أستريح” والكلام ده: “يا إمّا اللى بنحاول نعمله ده مع بعضنا ومع ربنا، حانعملها مع ربنا.

محمد: لأ نعمله مع ربنا. (21) (يكمل): طب والصوت؟

(21) مرة أخرى: استعمال هذه اللغة ليست من منطلق دينى تقليدى، بقدر ما هو نابع من ثقافتنا الفطرية الإيمانية الأصيلة، ومدعم بالوصلة بين الوعى الشخصى إلى الوعى البينشخصى إلى الوعى الجمعى إلى الوعى الجماعى إلى الوعى المطلق إلى وجه الله، وكل ذلك له جذور خبراتية وعلمية وإيمانية وعلاجية فاعلة وموضوعية. 

د. يحيى: لا يا شيخ، حاييجى منين  الصوت بعد ما فقسنا مصدره من جُوَّه، وبقينا كلنا مع بعضنا، وربنا معانا،

محمد: يعنى نعمل إيه؟

د. يحيى: طيب علشان نخلـّـص يابنى، أنا فعلاً محترم كل حرف إتقال من د. هشام ومن إللى إنت قولته، وخايف أجيب سيرة حاجة تتوجع تانى. عايز أفكرك بحاجات أساسية:  نمرة واحد، مش هاترجع زى زمان، (صمت، واغرورقت عيناه بالدموع أكثر) ترجعٍ أحسن إنشاء الله، بإذن واحد أحد، (يزداد اغروراق عينيه) طيب نأجل المقابلة دى شوية، كل ما أجيب سيرة حاجة بتروح موجوع يابنى.

محمد: مش عايز أعيط…،  بس …

د. يحيى: قلت لك مرتين تلاته إن العياط محترم بس مش مفيد أوى، ساعات بيجيب العكس، يعنى بيفضى شحنة الألم، زى الكورة لما تفسَىِّ وأنا أسف معلش سامحنى

محمد: أنا مش عايز أعيط،… بس غصب عنى.

د. يحيى: أنا عارف

محمد: هو مافيش راجل يعيط، بس لو حد غيرى ماكـَـنـْـتش عيـّط، كان موّت نفسه.

د. يحيى: أنا عارف، بس انت شجاع وشريف، مش طربقها بس، وحانعملها سوا بإذن الله.

محمد: أنا بعيط صعبان علىّ نفسى.

د. يحيى: كفاية صعبانية يا محمد، لحسن تقضى بقية حياتك صعبانية، وإنت جدع وهاترجع جدع بطريقة أحسن من كل إللى فات.

المريض: صحيح؟

د. يحيى: بس بطريقة مختلقة.

محمد: آآآآه. آآآآه

د. يحيى: إنشاء لله، علشان ربنا معانا وعلشان إنت مش لوحدك، مين معاك؟

محمد: معايا ربنا.

د. يحيى: الحمد لله، دى البداية ومين تانى، أدى احنا قعدنا نلف نلف لحد ما جينا لأصل الحكاية، ومين تانى معاك إنت وربنا؟  

محمد: معايا حضرتك والدكتور هشام والدكاترة.

د. يحيى: بس، كفاية كده مع السلامة، إفتكر بقى آخر جملة قلناها، مع السلامة، واختبرنا بقى يابنى نطلع أهل لكده، إنشاء الله ربنا يقدّرنا كلنا مع بعض، مع السلامة.

محمد: (ينصرف).

*****

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  – من العيانية  Concretization

[2] – يمكن مراجعة لعبة “يا خبر دا انا لمّا مابهمشى يمكن…..(أكمل)، وأيضا لعبة: “دا انا لو أقول كلام من غير كلام ……”(أكمل)  www.rakhawy.net

[3] – Growth Oriented  Therapy

 

تعليق واحد

  1. محمد احمد الرخاوي

    تتفطر نبضات
    تعجز اي لغة
    أن تحتويها
    تغشي
    تزلزل
    توقظ
    عصية علي
    اي محاولة طمس

    تستمد قوتها
    دفعها
    من معني مطلق
    سحيق
    يفجر اصل
    كل ما هو حياة
    بكل زخمها.

    كل ما رقت اغشية
    القلوب
    انطلقت النبضة
    بلا حواجز
    لتصل الي كل من يستقبل
    علي نفس الموجة

    تحفر علي الوجود
    بصمات
    تخلد
    كل خطي المستحيل

    محمد الرخاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *