نشرة “الإنسان والتطور”
السبت: 5-9-2026
السنة العشرون
العدد: 6944
كتاب “قراءة فى النفس البشرية”[1]
(من واقع ثقافتنا الشعبية)
الفصل السادس عشر:
فصل فى: روعة المثابرة وحتم الاستمرار[2]
المثل الرئيس:
“زى الطواحين إن بطلت تلحسها الكلاب”
******
“زى الطواحين إن بطلت تلحسها الكلاب”[3]
ثمَّ ظاهرة تحافظ على الحياة، مهما اختلفت التفاصيل، وهى “أن تظل ساقيتنا تدور بلا توقف”، سواء كان ذلك اختيارا، أم ورطة، أم قهرا، وقليل منا من يتوقف مختارا لينظر فيما يفعل يوميا طول العمر، مهما طال، يتوقف لينظر فى ساقيته التى تدور، أى ماء ترفع، ثم إلى أى مصب تدفع، ومهما بلغ الواحد منا من العمر، فإنه يظل أو يتمنى أن يظل، دائرا فى ساقيته حتى يقضى، بغير علم مسبق.
من منطلق الإيقاع الحيوى، فإن الدورات لا تتوقف أبدأ حتى إذا توقف دفع الماء حين تدور الدورات فى حلقات مغلقة، فالمقصود هنا هو الفعل اليومى المستمر استيعابا لهذه الدورات وغيرها.
وتنشأ المأساة حين يتحتم التوقف العادى لأسباب خارجة عن الإرادة الواعية، أو عن الإرادة الآمـِلـَة، مثل الإحالة إلى المعاش، أو العجز لأى سبب من الأسباب، فإذا استبعدنا هذه العوامل الخارجية فما هو سر الرعب من التوقف، ومن ثم النظر فى كشف الحساب؟ لعله الرعب من إعادة النظر وما يترتب عليه، أو الرعب من احتمال اكتشاف ضرورة التغير أو تعديل المسار أو حتى عدم احتمال التقاط الانفاس؟
لكن الاستمرار المطلق فى العمل مثلا بمجرد التكرار يبدو أيضا نوعا من “قهر العمل”، الذى كثيرا ما يصل إلى ما يشبه أعراض الوسواس القهرى، وأحيانا يسمى “إدمان العمل”، لدرجة أن مثل هؤلاء المدمنين للعمل تظهر عليهم “أعراض الانسحاب” فى أيام الأجازات مما يسمى “اكتئاب يوم الأحد”[4]، أو مما يفهم ضمنا من القول الشائع عندنا “يوم الجمعة فيه ساعة نحس”.
وكثير ممن يشكون من كثرة العمل، وضغطه وإلحاحه، يفاجأون بالرعب والدهشة والرفض إذا أتيحت لهم فرصة تخلصهم من هذه الشكاوى بأجازة طويلة نسبيا، أو بوجود بديل (نائب أو وكيل) يمكنه أن يقوم بالعمل بدلا منهم.
والمثل الذى اخترناه دون سواه (على الرغم من وجود غيره كثير بنفس المعنى) يشير إلى جانب واحد من هذا الرعب الذى نحاول قراءته على الوجه التالى:
فى هذه الأحوال يرتبط “إقرار الوجود الذاتي” بالعمل المتواصل، بمعنى أنه يمكن صياغة الموقف كما يلى:
“أنا أعمل (هكذا) طول الوقت، إذن أنا موجود”
ومن هنا فإن التوقف عن العمل – والأمر كذلك - إنما يعنى اختلال الكينونة حتى يفقد الوجود معناه وغايته وغائيته، فيفقد الشخص هويته إذا هو توقف فعلا، أو تهدد بذلك، إذ قد يتصور أن التوقف عن العمل هو توقف عن الحياة، أى توقف عن الوجود، لأن ذلك يتضمن – فى عمقٍ ما من الوعى – أنه لم يعد مرغوبا فيه أو “أنهم” لم يعودوا يحتاجون إليه، (وبالبلدى “لم يعد له لازمه”) وكأن قيمته كلها مرتبطه بأن “تدور رحاه كما تدور رحى الطاحونة ليل نهار”.
الوعى الشعبى يرسم هذه الصورة فى هذا المثل بدقة متناهية، فهو يقرر: إن إنهيار قيمة الطواحين حين تتوقف لا يعلن عجزها عن الطحين فحسب، بل يجعلها عرضه “للنجاسة” والإهانة والاستهانة، وهذا معنى “يلحسها الكلاب”، فالكلاب الجائعة عادة تلحس بقايا الدقيق العالق على الطاحونة حين تتوقف، والمغزى شديد الدلالة لما يصاحب مفهوم “لعق الكلب” دينيا و شعبيا.
ولو أننا تصورنا ما يحدث لمثل هذا الشخص الذى يواصل العمل (مثل الطاحونة الشغاله) وهو ينقلب ليواجه مثل هذا الضياع والهوان حين يتوقف، إذن لأمكن أن ندرك أى قهر اغترابى يمكن أن يمثله العمل لهذا الشخص، مهما كان مغتربا، وفى نفس الوقت- تبعا لما جاء بالمثل- أى عدمٍ يمكن أن يلحق به لو توقف العمل ليجد الخواء ينتظره، فالمهانة والإهانة.
ولا يقتصر هذا المعنى على العمل، فإن ثم منظور مكافىء كمّى تراكمّى نقابله فى مجالات أخرى: مثل سلوك جمع المال، أو عبادة السلطة، أو حتى جمع المعلومات موسوعيا دون إعادة تنظيمها، أو الإفادة منها، أو تشكيلها إبداعاً، كل هذا السلوك القهرى لابد وأنه يمثل التوقف عنه هذا الرعب بالإهانة والمهانة والخواء.ن ولا أحد منهم ينتبه إلى ذلك.
من هنا يصبح التوقف للتأمل و المراجعة جزءا لا يتجزأ من إعادة الاختيار للتأكد من تـَوَاصُل الاستمرار، أو احتمال التغير، إذا كان للحياة أن تتكاثر نوعيا بصفة مستمرة؟ (وهذا ما يكمن فى ما يقدمه منظور الإيقاعحيوى المستمر).
إننا بهذا التفسير قد نلقى إلى الناس المنهكين رعبا أكبر، فى مجتمع محدود الفرص ساكن المسار، ومع ذلك فالوعى الشعبى يلقى فى وجهنا بالحقيقة عارية.
كل هذا يقابله على الناحية الأخرى عـَرَض التوقف عن العمل لمدة طويلة نسبيا، وفى سن مبكرة نسبيا دون سبب صحى معين، ليحل محل العمل، اغتراب أكثر خطورة بل وأمراضا مثل الانشغال بالأعراض والشكاوى المتنوعة وخاصة أعراض الجسدنة، وفرط التفكير، والاهتمامات الذاتوية الفرعية، بل وأحيانا يحل محل العمل مداومة التردد على الأطباء ثم الأطباء النفسيين بالذات، وكأن العلاج أصبح عملا فى ذاته، وفى هذه الحالة قد تكون النصيحة العلاجية المباشرة هى “حتم ملء الوقت، طول الوقت بعمل له معنى” (ما أمكن ذلك)، لأن احتكار طاقات الحياة برمتها للدوران حول بؤرة الشكاوى ووصف الأعراض يصبح حائلا مستمرا دون العودة للحياة الطبيعية.
*****
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- يحيى الرخاوى “قراءة فى النفس البشرية” (من واقع ثقافتنا الشعبية) (الطبعة الأولى 1992، والطبعة الثانية 2017) والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10 من شارع 9 مدينة المقطم – القاهرة.
[2] – مجلة الإنسان والتطور عدد 65 – 66 – إبريل ويوليو1999مثل وموال العجز عن التوقف
[3] – “مثل وموال” مجلة الإنسان والتطور عدد 65 – 66 – إبريل ويوليو1999
[4] – Sunday Depression (عند الغرب)
يحيى الرخاوى طبيب نفسى




وما زالوا
وما زالوا
يحدثون انفسهم
فقط انفسهم
يخلقون حوائط وهمية
تحميهم من انفسهم
يرددون
يصرون
علي الا يكون
الا ما هو كائن
ولا يعلمون ان لاشيء
كائن اصلا
من يتوقف
قد يتبصر
ولكن لا
لن يتوقف
ولتدور السواقي
والسراب
يحسبه الظمآن ماء