نشرة “الإنسان والتطور”
الاثنين: 1-12-2025
السنة التاسعة عشر
العدد: 6666
الطب النفسى: بين الأيديولوجيا والتطور[1]
الفصل الثانى:
الطبيب (المعالج النفسى) (3)
بين الأيديولوجيا والأسطورة الذاتية
“سقراط: لقد كنت أدرك أيها الصديق أنك لن تقنع برأى الآخرين فى هذه المسألة.
جلوكون: ذلك لأنه لا يليق بمن قضى حياته مثلك وهو يفكر فى هذه المسائل، أن يكتفى بعرض آراء الآخرين دون أن يعرض آراءه هو.
سقراط: ولكن أتظن أنه يليق بالمرء أن يتحدث عما لا يعلمه وكأنه يعلمه؟
جلوكون: كلا، لا يصح أن يتحدث وكأنه يعلمه، ولكنه يستطيع أن يقول ما يعرفه على سبيل عرض رأيه الخاص”
أفلاطون- محاورة الجمهورية
الكتاب السادس
………………………
………………………
الأيديولوجيا والوعى:
من معظم التعريفات السابقة وما تلاها من إشارات يمكن أن نتبين أن الأيديولوجيا ليست بالضرورة ماثلة ظاهرة فى الوعى المتاح، بل إنها فى واقع الأمر غائرة فى الداخل تتحكم فينا مرضى وأصحاء، علماء وممولين، أطباء ومتعالجين، غائرة داخل داخلنا دون أن ندرى عادة، بل إن الأيديلوجيا المعلنة قد تكون أقل تأثيرا من تلك الأيديولوجيا الغائرة الخفية لأنها على الأقل، قابلة للحوار، وربما التغيير، حتى تلك الأيديولوجيات الظاهرة التى يمكن أن تعلن على الملأ مثل الموقف الدينى أو الموقف السياسى أو الاقتصادى، بل حتى الموقف العرقى والثقافى، حتى هذه الأيديولوجيات، يمكن أن تخفى وراءها عكس ما هى، أو غير ما هى.
إن التأثير الأقوى فى الممارسة الكلينيكية خاصة، هو للأيديولوجيا الخفية لأنها تؤثر على صاحبها، بشكل أقوى من الأيديولوجيا المعلنة ونعيد من جديد: إنه حتى الذين ينكرون أنهم ينتمون إلى أيديولوجيا معينة هم ينتمون إلى أيديولوجيا قد تكون أقوى وارسخ من كل الأيديولوجيات الشعورية المعلنة، إن هذه الأيديولوجيات الخفية يمكن أن تقرر للطبيب النفسى من بداية ممارسته، أو أثناء تطور ممارسته تحت كل التأثيرات المعلنة والخفية السابق الإشارة إليها تقرر له أيا (أو كلاً) مما يلى:
-
المدرسة (النفسية) التى يفضلها وتقنعه
-
الأسلوب العلاجى الذى يمارسه
-
نوع التدريب الذى يكمله والذى لا يكمله
-
مفهوم “الصحة النفسية” الذى يقتنع به دون غيره
-
التقسيم (التصنيف) الفئوى للأمراض الذى يفضل أن يتبعه
-
الهدف من منظومة العلاج ككل
-
المحكات التى يقيس بها تقدم مرضاه على مسار العلاج
ولا يخفى بعد ذلك أنها هى هى -غالبا- نفس الأيديولوجيا التى تصبغ حياته الخاصة، وتوجه خطواته إلى مساره الذى اختاره، عادة على مستوى من الوعى غير محدد له تماما.
وبعد
من كل ذلك يتبين لنا مخاطر الممارسة العمياء تحت اسم الموضوعية، أو حتى الإنجاز العلمى الأحدث، إن أى أسلوب طبى أو طبنفسى أو تحليل نفسى، وراءه نوع من الأيديولوجيا، وبالتالى ينبغى أن يعامل على أنه كذلك، وكل هذا يؤثر فى الممارسة الكلينيكية بشكل مباشر أو غير مباشر، مرة أخرى: نحن لا نعالج مرضانا إلا بما هو نحن.
الأيديولوجيا والمدارس النفسية
تمثل كل مدرسة من مدارس علم النفس أو طريقة لممارسة التطبيب والعلاج النفسى، تمثل كل واحده من هذه وتلك منظومة متكاملة تحدد أبعاد ما هو “إنسان” ثم ما هو “صحة نفسية“، وما هو “مرض“، ثم عند التطبيق العلاجى: أى كل ما هو “علاج“، فإن كل مدرسة تفعل ذلك بوثقانية ويقين يؤثر فى فهم المرض والإمراضية، ومن ثم يَرسم طريق العلاج، كما يتم تحديد محكات الشفاء بشكل أو بآخر[2].
الخلاصة:
أعتقد أن كل ذلك يمكن أن يفيد فى أن نحذر من تلك الأيديولوجيات التى تـُفرض علينا، تحت عناوين تبدو أحيانا تنويرية إنسانية مثل ما شاع عن “حقوق الإنسان” (المكتوبة) وليست حقوقه الحقيقية أو الكاملة، ومثل منظومات “نوعية الحياة”.. و”مجتمع الرفاهية”..إلخ، وأيضا مثل ما تشيعه مؤسسات العلم السلطوى من أحكام، وثوابت وإحصاءات، وتقارير حيث أن أغلبها قد تكون أيديولوجيات منحازة إلى القرش والسلطة، لا إلى الحياة ولا إلى الإنسان.
الإيمان بالغيب والأيديولوجيا المفتوحة:
رؤية أخرى خطرت لى من خلال هذه الحيرة تنظيراً ومراجعة، وقد سبقت الإشارة إليها، لكننى سوف أعيدها لأهميتها وهى كالتالى:
كنت دائما أفهم الإيمان بالغيب، وأوصّل فهمى هذا لمن يريد، باعتبار أنه الباب الواسع لتجدد الإبداع، وليس كما شاع: للتسليم بالخرافة.
خطر ببالى الآن أن الإيمان بالغيب يشمل كذلك ما يمكن أن يسمى “الأيديولوجيا المفتوحة“، حتى لو بدا فى التعبير مغالطة أو تناقضا، فأنا أعنى به ما يلى:
* ما دام أى إنسان لا يمكن أن يعيش إلا وفى خارجه أو على الأقل: فى داخله، (يتجلى او لا يتجلى)، برنامجٌ ما، يحدد خطواته وأهدافه وطريقه فى مرحلة ما، فعليه أن يقبل ذلك ويجتهد فى التعرّف عليه دون تعسف أو تعصب أو جمود، وهذا ما يخص الكلمة الأولى “الأيديولوجيا“.
* وما دام الإنسان – فى نفس الوقت – كائن ينمو باستمرار، ومن ثم يتغير باستمرار، فعليه أن يسمح لموقفه السالف الذكر (تحت اسم الأيديولوجيا أو تحت أى اسم مرادف) أن يتحرك بمسئولية فاتحا وعيه لكل الاحتمالات وهذا ما يخص الصفة التى أضفتها للأيديولوجيا – هنا- أعنى: “المفتوحة“.
وإنى أعتقد أن هذا المبدأ لو أحسن تطبيقه فإنه يمكن أن يتيح مساحة أرحب لممارسة التطبيب النفسى أكثر إبداعا وأجمل فنا وأنجح عاقبةً.
الأيديولوجيا والأسطورة الذاتية:
نلاحظ فى التعاريف السابقة للأيديولوجيا غلبة ما هو “فكرة”، و”أفكار”، و”فهم”، و”مفاهيم”، و”نظريات”، وما شابه، وكل ذلك ينبع من نشاط النصف الطاغى من المخ الأحدث، ولا شك أن ذلك يؤثر تأثيرا مباشراً على منظومة المعالج المعرفية إلا أنه ليس كل ما يمثل “العامل العلاجى” فى العلاقة بين المعالج والمريض حيث أن العلاقة تشمل أبعاداً وأعماقا من الوعى تتجاوز مجرد المنظومة الفكرية الظاهرة حيث تتواصل العلاقة ويتم الحوار على مستوى الوعى البينشخصى والوعى الجمعى فى العلاج الجمعى وعلاج الوسط، طول الوقت، وبالرغم من أن المنظومة الفكرية تسهم فى حركية مستويات الوعى المختلفة إلا أن ما يجمع كل المستويات هو أقرب إلى ما يسمى “الأسطورة الذاتية” التى تميز أعماق وأبعاد كل فرد متميز عن كل فرد آخر.
وللأسف، فإن هذا المنطلق، وهذا المصطلح هو بعيد كل البعد عن تدريب وشحذ مهارة المعالج، وأنا لم أتبينه بوضوح إلا من خلال العلاج الجمعى بوجه خاص، ثم النقد الأدبى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- يحيى الرخاوى “الطب النفسى بين الأيديولوجيا والتطور” (الطبعة الأولى 2019)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم.
[2] – وسوف نتناول بعض ذلك فى ملحق مستقل عن بعض المدارس فى نهاية هذا العمل
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


تقترب لدرجة الاستحالة
لترتوي
فيجلدها سياط التعري
فالنهر يجري حتما
لا يتوقف
اذ يتعطن
تفيق
لا تنسي
تعيد الكرة
لا تنفصل
لا تتصل
تكتفي
تتعلم انها فقط
تستشق عبير المطلق
الحاضر
الغائب
الي ان يشاء ان يأذن
مبدع الوجود
الي الولوج.