نشرة “الإنسان والتطور”
الاثنين: 26-1-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6722
الطب النفسى: بين الأيديولوجيا والتطور[1]
الفصل الرابع:
الطب النفسى السلبى والطب النفسى الإيجابى (3)
……………………..
……………………..
(6) الطب النفسى التحفظى الذاتى:
وهو نوع الطب النفسى الذى تقوم فيه سلطات خارجة عن المهنة الطبية الأصلية (وأحيانا عن المسئولية الحقيقية) بالتدخل بين الطبيب والمريض فى فرض إجراءات تفاصيل تبدو مساعدة المريض، كما ينبغى، من وجهة نظر خارج الممارسة الطبية، وهو الطب الذى يمارَسُ غالبا فى البلاد التى تسمى متقدمة والتى تتدخل فيها سلطات غير طبية: قانونية أو تأمينية أو تجارية استثمارية أو ميثاقية شبه إنسانية، وهنا يصبح الهم الأول للطبيب هو حماية نفسه وتأمين إجراءاته من المساءلة، ثم يأتى فى المقام التالى علاج المريض، وهكذا يجد الطبيب نفسه يسير بخطوات لا يحكمها وعيه وإيمانه وعلمه ومعرفته وأمانته وبصيرته وخبرته فى المقام الأول، وإنما تحكمها أولا: العناية بملء الأوراق الرسمية وتسديد الخانات وتسجيل التحفظات، وبرغم ما يبدو فى ذلك من مظاهر تٌـعـَدُّ ضمن الحفاظ على حقوق المريض، وأن هذا يبدو مطلوبا من حيث المبدأ، إلا أنها كثيرا ما تقلب الطبيب إلى مُنفِّدٌ لمنظومة من خارجه أكثر من ممارسٍ لقدراته ومهاراته وفنه حسب إخلاصه لضميره وحسابه على ربه، واحترامه لأصول مهنته لصالح مريضه، وهذا – كما قلنا– هو ما يجرى غالبا فى البلاد المسماة بالمتقدمة، أما ما زال يجرى بعرفٍ طـَيـّب فى بعض البلاد التى توصف بأنها أقل تقدما (أو متخلفة) فإن الوعى العام والوعى المهنى والوعى الأخلاقى والوعى الإيمانى فى تجلياتها الإيجابية قد يسمح بتوثيق التواصل بين الطبيب والمريض عبر الوعى البينشخصى أو الوعى الجمعى أو الوعى الإيمانى بل عبر كل ذلك معا، مما لا يمكن أن يوصف أو يسجل فى الأوراق، وهكذا تتوثق العلاقة الإيجابية الإبداعية بين الطبيب والمريض – بحذر شديد – لصالح الاثنين معا، دون أن يحول التحفظ الشخصى والحرص على سلامة الطبيب على حساب الإخلاص اللازم لمعونة مريضه بما يتفق مع علمه، ويؤكد إنسانيتهما معا، ويرضى الله.
(7) الطب النفسى الاسترزاقى:
السعى للرزق ليس عيبا وليس ظاهرة سلبية، بل إنه من أهم علامات ما هو صحة وما هو شرف الوجود أحيانا، فمن حق الطبيب النفسى أن يكسب من ممارسة مهنته، لكن إذا كان الكسب من ممارسة المهنة أمرا طبيعا،[2] فإن التنبية واجبٌ حتى لا تنقلب المسألة ليصبح الكسب من المهنة هو المهمة الأولى والأخيرة للطبيب مقابل الخدمات التى يقدمها، إن حصل ذلك فلابد أن نعترف أنها ممارسة سلبية، وإن كنت استبعد وأحذر من تعميمها لسبب بسيط: هو أن المكسب على المدى الطويل عادة يرتبط بالنجاح فى أداء المهمة وإتقان الحرفة، ونجاح الطبيب حتى يزيد مكسبه هو أن يشفى مرضاه، فى نفس الوقت الذى يحصل فيه على مقابل عمله وجهده.
(8) الطب النفسى التَّرْجَمى:
هذا الطب الترجمى يركز على ممارسة الطب النفسى بتطبيق معطيات نتائج المعمل على المريض أولا بأول (بالعافية!!!) وأكتفى هنا بإيجاز بعض معالم نقده كما قدمتها فى ذلك المؤتمر السالف الذكر (فى الاسكندرية).
فالطب النفسى التَّرْجَمى هو العملية التى تنقل الاكتشافات العلمية مما “قبل الممارسة الكلينيكية” Pre- Clinical إلى التطبيق الكلينيكى بهدف تحسين محكات الصحة، وبالتالى الإقلال من المرض ومعدلات الوفاة وقد سبق لى نقده بالتفصيل، بادئا بالتنبيه على الحذر من فرط الثقة بكل معطيات المؤسسات ذات اللافتات العلمية التى تمارس العلم المؤسسى باهظ التكلفة، ومحاولة تعرية استعمال العلم لأغراض تجارية تسمى بأسماء علمية، ثم بالتأكيد على أهمية وتاريخية الممارسة الطبية عموما والطبنفسية خصوصا وأنها “من الممارسة إلى البحث العلمى وليست من البحث العلمى إلى الممارسة الكلينيكية، ثم كيف أن الممارسة الكلينيكية هى بحث علمى كامل طول الوقت، قد تحتاج دعما من العلماء الشرفاء حين تقترح عليهم فروضا قابلة للاختبار بأدواتهم العملية والكلينيكية، جنبا إلى جنب مع متابعات الممارسة ونتائجها بكل الطرق اللازمة.
وأخيراً: فإنى أنهيت نقدى بالتذكرة بماهية الطب عامة “كـَـُفَنّ” من أول قول أبو قراط: “العمر قصير والفن طويل”[3]، وحتى فكرة “نقد النص البشرى“.
وقد خـَـلـُـصت من كل ذلك إلى أن هذا المسمى “الطب التَّرْجَمى”: هو ضد تاريخ الطب كله، وضد تاريخ الطب النفسى خاصة، ولا يدعمه العلم المعرفى العصبى، ولا المدى الذى وصلته البيولوجيا النفسية والعصبية، ولا إسهامات العلوم الكموية (الكوانتية)[4] وكيف أن المخ يعيد بناء نفسه، طول الوقت، وأخيراً فإن دور الوعى البينشخصى والوعى الجمعى فى العلاج هو أبعد عن البحث العلمى فى المعمل إن لم يكن ضده.
(9) الطب النفسى التسكينى:[5]
وهو المفهوم الشائع عند أغلب الناس (بما فى ذلك المرضى وأهاليهم) حيث يغلب على ظنهم، بل اعتقادهم، أن مهمة الطب النفسى هى “الترييح”، وأنه: “من المفروض يا دكتور إنك تريحنى”، وأنا عادة ما أحتج على مبدأ أن يعلمنى المريض أو أهله ما هو المفروض وما هو ليس مفروضا، ثم أعذرهم وأداعبهم أو أنبههم بلا مداعبة، أن يعيدوا قراءة اللافتة على الباب أو على العمارة فإذا كان المكتوب عليها فلان الفلانى “المريّحَاتى” فأنا تحت أمرهم، أمّا إذا كان المكتوب هو: “الدكتور فلان” فقط، فمهمة الطبيب هو أن يعالج المرضى بالطريقة التى تعلمها ومارسها وجربها وأعانت مرضاه طوال هذه السنين، بما فى ذلك احتمال ألم التغير والنمو، كمرحلة على طريق التعافى والصحة، وتبدأ علاقة إيجابية أكثر جدوى وأنفع لكلينا.
(10) الطب النفسى المستورد:
(أ) وهو يعنى ممارسة الطب النفسى بقيم “سابقة التجهيز”، مستوردة من ثقافة غير ثقافتنا لأهداف لا تتفق مع طبيعة قيمنا، من أول الحرص على الحرية المزعومة، حتى خدعة المواثيق “المكتوبة” “جامعة” “مانعة” لما هى حقوق الإنسان المُـحْـتَكَرَة، أو “نوعية حياة مجتمع الرفاهية” دون النظر إلى الفروق الثقافية ولا إلى اختلافاتنا عنهم فى حقيقة وموضوعية امتداد دوائر الوعى: من الوعى الشخصى إلى الوعى البينشخصى إلى الوعى الجمعى إلى الوعى الجماعى إلى الوعى المطلق إلى الغيب، إليه، كل هذا بالنسبة لثقافتنا هى حقائق يومية موضوعية تسهم بفاعلية فى الشفاء، وحين تقتصر ممارستنا على تقزيم وجود الإنسان لينتهى عند هامة رأسه، مرجحا لما فيها من غلبة عقله الطاغى الظاهر: فنحن نتجاوز بذلك حقائق موضوعية، وننسلخ بعيدا عن ثقافتنا وعن الطبيعية وعن أصولنا.
(ب) وهناك نوع آخر من هذا الطب المستورد: وذلك حين نواصل استيراد الأحدث فالأحدث من نتائج الأبحاث المقارنة المعملية بالذات لتطبيقها دون اختبار هادف فى واقع ثقافتنا بما يترتب عليه الإسراع فى قبول واستعمال عقاقير أحدث، فأحدث باهظة الثمن جدا (جدا)، لا تتفق مع الوضع الاقتصادى للغالبية العظمى من مرضانا، ونفضّلها تحت زعم شجب العقاقير الأنجع والأرخص بالمبالغة فى تصخيم ما يسمى آثارها الجانبية، حينئذ يصبح الاستيراد ليس قاصرا على استيراد الافكار ونسخ ثقافة من خارجنا، وإنما يمتد إلى استيراد مزاعم شبه علمية لصالح مؤسسات استثمارية سلطوية.[6]
(11) الطب النفسى المثالى :
من حيث المبدأ أذكِّر أننا نمارس مهنتنا مع بشر يسيرون على أرض الواقع، وأن أية أحلام مثالية براقة هى مشروعة ومأمولة، لكن علينا ألا نفرض ما نرجوه – وغالبا عجزنا عن تحقيقه لأنفسنا – على مرضانا حُبًّا فيهم وأملا فى مستقبلهم كما نتصور.
ثم إننى أتقدم خطوة الآن بالنقد الذاتى لبعض الممارسات تحت مسميات جيدة وصحيحة لكن التمادى فى تصوير أنها الممارسات الوحيدة الصحيحة، وأن الوعود التى تلوّح بها ممكنة على أرض واقع يعلن بوضوح استحالة تطبيقها، هذا وذاك إنما يغلب على هذه الأنواع سليمة المنطق عميقة الجذور إلى ممارسات طوبائية غير واقعية، ومن ثم لا مفـَـرّ من أن تدرج تلقائيا تحت الطب النفسى السلبى، برغم بريق تنظيرها وروعته.
مثلاً: إن ما يسمى الطب النفسى التطورى إن لم يرتبط كل لحظة بأرض الواقع، فإنه يمكن أن يكون أقرب إلى الطبنفسى المثالى، وحين أربطه بنظريتى المسماة “النظرية التطورية الإيقاعحيوية” باسم الطبنفسى الإيقاعحيوى التطورى مركزاً على ضرورة ربط دورات الإيقاع بدورات أقصر فأقصر على أساس أن المخ يعيد بناء نفسه باستمرار فى وحدات زمنية متناهية الصغر، فأنا أفعل ذلك احتراما لفروضى وفياسا عل دورات أطول يمكن رصد نتائجها مثل دورات النوم واليقظة، ودورات الحلم واللاحلم، حتى دورات الإيقاع النمائية والتوازنية وأغلب ذلك هو بعيد عن الاختبار والتحقق، وإنما يفترض قياسا وممارسة، لذلك فمن يعتبره أقرب إلى الطبنفسى المثالى هو محق بدرجة ما.
مناقشة بعض مواصفات الطبنفسى الإيجابى
أولا: يعرف الطب النفسى الإيجابى تقليديا، ويمارس على أنه فرع من الطب يركز على التشخيص والعلاج للأمراض النفسية، بناء على تنامى الأدلة من الممارسة الكلينيكية، وكما يزعم هذا الطب النفسى الإيجابى، فإن هذا التعريف يحتاج إلى توسيع الخلفية الثقافية حتى نفهم ونحقق الحياة السوية الجيدة للبشر من خلال الدعم والتداخل الهادف لتنمية العافية السلوكية والعقلية.
…………………….
…………………….
ونواصل الأسبوع القادم استكمال الفصل الرابع: الطب النفسى السلبى والطب النفسى الإيجابى (4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – يحيى الرخاوى “الطب النفسى بين الأيديولوجيا والتطور” (الطبعة الأولى 2019)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم، كما يوجد أيضا بموقع المؤلف، وهذا هو الرابط www.rakhawy.net.
[2] – بل ويساعد أحيانا المريض أن يمارس العلاقة بجدية واقعية حين يدفع مقابل الخدمة، فيضطر أن يكون أكثر تعاونا وحرصا على الوقت وعلى التقدم نحو الشفاء.
[3] – Life is short, art is ling
[4] – Quantum Sciences
[5] – التطمينى/الترييحى
[6] – وهذا بعض ما يروج له الطب النفسى الترجمى.
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


اغارة وزحف التكنولوجيا والقيم المادية وتسطيح الحياة واختزال الوجود بعيدا جدا عن حقيقة ونوعية وجود البشر هو الآفة التي زحفت علي كل نواحي الحياة شرقا وغربا .
وغالبا اول من دفع ويدفع ثمن كل ما سبق هو حتم انفجار كل انواع الامراض النفسية بلا حدود وقد اقول العقلية ايضا .
التحدي الذي يواجه الطب النفسي او الطبيب النفسي هو ليس المريض النفسي انما هو البيئة التي احاطت بالبشر في كل مكان وانسلاخهم عن حتمية اتصالهم بالطبيعة وبانفسهم وببعضهم البعض.
لا اري حل ولكني اشعر بخطورة شديدة علي مسيرة البشر فعلا وحقا وعدلا .
ربنا يستر .