نشرة “الإنسان والتطور”
الاثنين: 19-1-2026
السنة التاسعة عشر
العدد: 6715
الطب النفسى: بين الأيديولوجيا والتطور[1]
الفصل الرابع:
الطب النفسى السلبى والطب النفسى الإيجابى (2)
………………….
………………….
وأحيانا يسمى هذا الاتجاه التقليدى باسم النموذج الطبى Medical Model واحتراما لفكرة هذا النموذج الطبى رأيت أن أضيف إليه بعض ما يوسع دائرة القياس، وقد قدمت فى ذلك فروضا نشر موجز لها منذ سنوات[2] ومن أمثلة ما استعرته من أجهزة الجسم الاخرى ما يلى :
-
استعرت نبضات القلب نموذجا للإيقاع الحيوى الذى يمثل اختلاله عندى أسسا نفسمراضية شديدة الأهمية، ودعوت للتعامل مع المخ وهو يعيد بناء نفسه من خلال هذا الإيقاعحيوى ليلا ونهارا[3]. فى الصحة والمرض.
-
ثم أيضا استعرت نموذج طب الجهاز الهضمىGIT بما فى ذلك التمثيل الغذائى[4] لأشرح من خلاله عملية تناول (إدخال) المعلومات ثم هضمها وتمثلها وتفعيلها[5] (أو فعلنتها Processing)
-
وأخيرا قياسا على ظاهرة محدودة من طب العظام وجراحته استعرت فكرة أن الكسر لا يلتئم كما كان تماما أبدا، إنما يكون أقوى برغم عدم انتظام التركيب، وأحيانا يصبح أكثر عرضه للكسر أو الخلع إذا كان المرض مثل خلع مفصل الكتف المتكرر أى القابل للنكسة (تكرار الخلع)[6]
وخلصت من هذا الفرض بتوصية أن على من يفضل أن يمارس الطبنفسى “النموذج الطبى” أن يأخذ فى الاعتبار أصل مفهوم الممارسة الطبيبة تاريخا وإنسانيا، وألا يقتصر على استعارته نماذج من فروع الطب التى لا تصلح نموذجا لممارسة الطبنفسى بالذات مثل[7] طب الأمراض العصبيةNeurology الذى يعتمد أساسا على تحديد “موقع” تشريحى بذاته للخلل الفلانى، أو نموذج طب الغدد الصماء Endocrinology الذى يتركز فى تصحيح، للنقص أو الزيادة فى افراز الهرمونات.
ثم إنه يمكن للطبيب أيضا أن يستلهم تاريخ الطب من أول أبو قراط وحتى آخر منجزات العلوم الأحدث وخاصة العلوم الحاسوبية والكوانتيــَّــة إذا ظل يفضل الانتماء إلى النموذج الطبى الأشمل.
ونؤكد أن هذا ليس رفضا للتداوى بالعقاقير ولكنه تحذير من اختزال المرض النفسى إلى نقص فى هذه المادة فى الموقع العصبى الفلانى أو زيادتها للموصِّل المشتبكى العلانى، وأنا دائما أكرر أنه لولا استعمالى الانتقائى للعقاقير بكل إقدام وثقة فيها، لما مارست العلاج النفسى خاصة للذهانيين، ولا عرفت ما عرفت عن النفسمراضية (السيكوباثولوجية) فب العلاج النفسى وغيره بالطول والعرض.
(2) الطبنفسى الكيميائى (العلمى!):
وهو الطب الذى يختزل المرض إلى تصور عن أصله الكيميائى المشتبكى عادة[8] وبالتالى تصبح مهمة هذا الطبَّ هى تصحيح هذا الخلل الكيميائى، فإذا كان السبب هو زيادة فى مادة “كذا” فالعلاج هو معادلة هذه المادة بما يبطل مفعول هذه الزيادة أو ينقصها حتى تعود إلى مستواها الطبيعى إن أمكن ذلك.
ويتخفى هذا النوع من الطبنفسى كثيرا تحت أسماء أخرى غير “الطبنفسى الترجمى” مثل “النموذج البيولوجى”Biological Medel ، وقد يخفون طبيعته تحت أسماء “حركية” تخفى حقيقته أكثر حين يطلق عليه اسم “النموذج الطبى” كما ذكرنا فى محاولة إلحاقه بقافلة الطب العام وفروعه الراسخة(!) ولأن الاسم هو اسم حركى فهو يسمح لممارس هذا الطب الاختزالى أن يقتنع أنه إنما يمارس طبا مثل كل الطبوب، وهو بهذا لا يعرف – غالبا– أنه إنما يشارك بذلك فيما آلت إليه معظم ممارسة الطب الأحدث باعتباره علما مُـحـْكمـَاً وليس باعتباره تطبيقا حِرَفيًّا فنيا لكل العلم والمعلومات والخبرة المتاحة[9]، ولا يكتشف الممارس (والمريض أحيانا)، ما وراء هذا الاسم الحركى، وأنه انتقى من الطب أبعد أنواعه عن فن اللأم ومهارة الدعم وإبداع النقد، وأنه يتمادى فى تبنى ما يمكن أن يسمى الطب السلطوى المدعم بسلطة المال وشركات التأمين وشركات الأدوية والمحامين، وللأسف يقتصر القياس فى هذه الممارسة على فروع من الطب أبعد ما تكون عن طبيعة المرض النفسى والطبنفسى مثل طب الحميات (مكروب ==> مرض ==> مضاد حيوى ==> شفاء) أو الطب الكمّى كما أشرنا[10] مثل طب الغدد الصماء، زيادة هرمون كذا أو نقص هرمون كيت ثم كما ذكرنا أيضا، معالجة ذلك بتثبيط مصدر الزيادة أو بتعويض النقص مستحضرات دوائية.
(3) الطب النفسى التحليلى التعليلى:
وهو ذلك النوع من التطبيب الذى يؤمن بالتحليل النفسى أساسا (الفرويدى عادة)، والذى لم يعد يمارس بتقنياته التقليدية إلا نادراً: من أول التداعى الحر[11] حتى تحليل الأحلام وحل الطرح[12] وإنما يمارس بواسطة الكثيرين ممن لم يتعمقوا فيه: بكثير من المبالغة بالبحث عن السبب، وهو ما يسمونه هم – أو المرضى – باسم “عقدة” عادة، وعن ما حل بالمريض وخاصة فى تاريخه الباكر (الطفولة والشباب) وإلى درجة أقل من الاهتمام بالظروف الضاغطة المحيطة والأحداث الكائنة المستمرة، وهذا التوجه يغذيه الشائع عند العامة وفى المسلسلات وفى الإعلام غالبا من أن سبب المرض النفسى هو عُقّدُ الطفولة، والنمو الجنسى غير السوى وما إلى ذلك،
وتكثر أسئلة الإعلاميين للأطباء عن التحليل النفسى للأحداث والزعماء حتى للأسوياء، حتى عن بعد، ومن معالم هذا التطبيب (أو التحليل) هو الترحيب بفكرة التنفيث أو التفريغ (و”أطلـّع اللىّ جـّوايا”)، بدرجة تطغى على فكرة العقد النفسية الكامنة والظاهرة ثم التركيز على ماذا يمكن فِعْلُهَ بعد كل هذا، وهذا ما عبرتُ عنه مرارا بأنه قد آن الأوان أن يحل سؤال “إذن ماذا”؟ محل السؤال عن “لماذا”، دون إغفال ما يمكن الاستفادة منه فى تقرير الممكن الآن، وأن نهتم تبعا لذلك بتركيز أكبر على ما إذا كان السبب مازال قائما، وهو ما نسميه العوامل المـُـدِيِمة Perpetuating Factors أى التى تعمل على أن يدوم المرض، وخاصة فى الحالات المسماة الذهان المشترك Shared Insanity،[13] وتزداد أهمية البحث فى مثل هذه الأسباب حين يكون السبب الحاضر غير قابل للإزالة إلا بإجراءات تأهيلية حاسمة.
(4) الطب النفسى التبريرى (التأويلى/التفسيرى!):
إذا تمادى التركيز على التعليل والحرص على الإسراع بتفسير الأعراض بأسباب فى الماضى ورحنا ننحو باللائمة على ظروف خارجه عن مشاركة المريض فى إحداث المرض، فإن المسألة قد تنقلب من التفسير والتأويل والتعليل إلى التبرير (من جانب المريض وربما أهله، وإلى درجة أقل من جانب الطبيب)، هنا يجرى إعطاء أسباب ظاهرة أو مروية ليست بالضرورة هى الأسباب الحقيقية لما أصاب المريض، وبالتالى يسهم مثل هذا التبرير فى دعم ما يسمى المكسب الثانوى للمرض Secondary gain، ويختلف التبرير عن التفسير فى أنه يبالغ فى تفسير المرض والإعاقة بربطها بمسببات تنتهى إلى أن تصبح أعذارا ليس فقط لتفسير ظهور المرض، ولكن ربما للتمادى فيه بدون قصد من الطبيب غالبا، فيـُثبـّت العرض أو المرض أكثر من أنه يسهم فى إزالته.
وهنا يقع الطبيب – غالبا بغير قصد – فى احتمال أن يستعمله مريض باضطراب الشخصية أو ما شابه، ليبرر من خلال تبريراته أو تفسيراته بعض انحرافاته التى يصفها عادة بأنها “غصبا عنه”، وبمجرد أن يطمئن إلى أن الطبيب وافق على أنه يعانى من مرض ما، فإنه يقفز فى لاشعوره (أو شعوره) أنه “ليس على المريض حرج”، وأن ما يقوم به هو تماما نتيجة للمرض، ويكون الطبيب عادة غير منتمٍ لفكرة أن المرض (حتى الذهان) هو اختيار أعمق (اختيارا لاشعوريا عادة) وهكذا يحقق صاحب اضطراب الشخصية – مثلاً- غرضه بتعليق لافتة تشخيصية على ما يأتيه من سلوكيات منحرفة، وكأن الطبيب – دون أن يدرى عادة – قد يعطى للمريض عذرا ظاهرا أو خفيا للاستمرار فى هذه السلوكيات (لأنه مريض!!) وما لم ينتبه الطبيب كيف يستعمله مثل هذا المريض، فإنه يكاد يصبح مشاركا فيما يقترفه.
(5) الطب النفسى السياسى:
ويوجد نوعان من الطب النفسى يطلق على أى منهما هذا المصطلح وكلاهما يعتبران من الممارسات السلبية للمهنة بشكل أو بآخر، وفيما يلى نفصل ذلك:
(5/أ) الطب النفسى السياسى الإعلامى:
وهنا يقوم الطبيب النفسى بالتطوع أو بالاستجابة لما يطلب منه من تفسيرات نفسية، أو تحليلات نفسية لهذه الظاهرة السياسة البحتة أو تلك، وأيضا كثيرا ما يطلب منه تحليل شخصيات سياسية، قيادية عادة، وقد يـُستدرج إلى استعمال لغة طبية تصل إلى حد التشخيص لمجاميع من الشعب (أو حتى للشعب كله) فى فتاواه السياسية، وقد كثرت هذه الظاهرة من جانب معظم الإعلاميين الذين كثيرا ما يصرون على السؤال عن “التفسير النفسى” أو “التحليل النفسى” لهذه الظاهرة فى السياسة أو لتلك الشخصية السياسية[14]، وبرغم ما فى هذا التوجه من احتمالات بعض الصواب إلا أنه لا ينبغى أن يُستعمل إلا بحذر شديد، لأن الطب النفسى فى النهاية هو طب يعالج مرضى بعد أن يحصل منهم على معلومات تفصيلية شاملة ومباشرة، ومعظم هذه الممارسات تستعمل لغة طبنفسية وتشخيصات مرضية هى اجتهادات أبسط ما توصف به أنها هواية محدودة المصداقية أو فروض تحتاج إلى تصديق.
(5/ب) الطب النفسى السياسى القهرى السلطوى:
وهذا نوع من استعمال الطبيب والطب بواسطة سلطة قاهرة طاغية حاكمة، لقهر معارضيها وبإصدار أحكام نفسية تحرمهم من التمتع بحقوقهم فى الحرية والتعبير والمشاركة، وقد شاع مثل ذلك عبر التاريخ بشكل مباشر، وأيضا حديثا بشكل أقل مباشرة، وكثير من الأطباء الذين يشاركون فى مثل ذلك لا يدركون أن مسئوليتهم لا تقتصر فقط على سوء استعمال علمهم وفتواهم فى قمع الحريات وظلم الناس، وإنما أيضا فى الإسهام فى تمادى الطغاة فى طغيانهم وقهر الناس.
……………………….
……………………….
ونواصل الأسبوع القادم بقية الفصل الرابع: الطب النفسى السلبى والطب النفسى الإيجابى (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – يحيى الرخاوى “الطب النفسى بين الأيديولوجيا والتطور” (الطبعة الأولى 2019)، والكتاب متاح فى مكتبة الأنجلو المصرية وفى منفذ مستشفى د. الرخاوى للصحة النفسية شارع 10، وفى مؤسسة الرخاوى للتدريب والأبحاث العلمية: 24 شارع 18 من شارع 9 مدينة المقطم، كما يوجد أيضا بموقع المؤلف، وهذا هو الرابط www.rakhawy.net.
[2] – Expansion of the Concept of “Medical Model” in Psychiatry, Egypt. J. Psychiatry. (1980a) 3 : 159-161
[3] – مع مراعاة أننى لم أكن قد وصلنى بعدُ منظومة كيف يعيد المخ بناء نفسه بالوضوح الذى عرفته مؤخرا.
[4] – GIT Model & Metabolism
[5] – Information Processing.
[6] – Recurrent dislocation of the shoulder joint
[7] – Localization
[8] – الذى ما زال أغلبه فروضا كما هو مثبت فى كل الكتب والمراجع
[9]- يبدو أن ما ظهر حديثا تحت اسم الكونكتوم Connectome! ..الخ
[10] – Quantitative (not quantum) medicine
[11] – Free Association
[12] – Resolution of Transference
[13] – وخاصة من النوع المُقْحَمْ، Imposed Insanity حيث يقحم شخص يبدو سليما إمراضيتة فى شخص مرتبط به وجدانيا حتى التبعية المستسلمة، فيمرض الأضعف فى حين يظل المشارك الطاغى سليما فى الظاهر على الأقل: طالما الأضعف مريضا.
[14] – لدرجة كدت أسمى هذا النوع الفرعى من هذا الطب: الطب النفسى”التوكْشووى”Talkshow
يحيى الرخاوى طبيب نفسى


تكر
تفر
يغشاها
ضباب الازدحام
لا ترتوي
يطل النابض
الحبيس
يطلب حقه
ترضخ
تفيق
تسلم
تعيد الكرة
تستيقظ
ان ليس لها اختيار
دورات الدفع
القبض
البسط
يظهر
تعلم
يصاحبها
دون ان يخبرها
يعلم انها تراه
تراها!!!
تصير الي حتمها
تسبح
في بحار الوجود
كادحة
وجلة
بعد ان عبرت
نقطة اللاعودة
الي اي احتمال
يغشاها حضور
طاغي
لا تلتفت
الا لمن رافقها
علي الصراط